النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦٠ وكان كعب بن مالك يقول : أَصابنى الجراح يوم أُحُد ، فلمّا رأيت مَثْلَ المشركين(١) بقَتْلَى المسلمين أَشدّ المَثْلِ وأَقبحه، قمت فتجاوزتُ (٢) عن القتلى حتى تنحّيت، فإِنّ لفى موضعى، إِذ أَقبل خالد بن الأَعلم العُقَيلىّ جامع اللّأُمَة يحوز(٣) المسلمين يقول: استوسقوا كما يستوسق جُرْبُ الغَنَم! مُدَجَّجاً فى الحديد يصيح: يا معشر قُرَيش، لا تقتلوا محمّدًا؛ انسروه أسيرًا حتى نُعرّفه بما صنع. ويَصمُد له قُزمان ، فيضربه بالسيف ضربة على عاتقه رأَيت منها سَحْره ، ثم أَخذ سيفه وانصرف . وطلع عليه آخرُ من المشركين(٤) ما أَرى منه إِلَّ عينيه، فضربه ضربةً واحدة حتى جَزَّله (٥) باثنين . قال : قلنا مَن هو ؟ قال : الوليد بن العاص بن هشام . ثم يقول كعب : إنى لأَّنظرُ يومئذٍ وأقول: ما رأيت مثل هذا الرجل أَشجع بالسيف! ثم خُتم له بما خُتم له به . فيقول : ما هو وما نحُم له به ؟ فقال : من أَهل النار ، قتل نفسه يومئذ . 1 قال كعب : وإِذا رجلٌ من المشركين جامع اللَّأُمَة يصيح : اسوسقوا كما يستوسق جُرْبُ الغَنَم. وإِذا رجلٌ من المسلمين عليه لَأُمَته ، فمشيتُ حتى كنت من ورائه ثم قمت أُقدّر المسلمَ والكافر ببَصَرى(٦)، فإِذا الكافر أَكثرهما عُدَّةً وَأُهْبَةٌ ، فلم أَزْل أَنظرهما حتى التقيا ، فضرب المسلم الكافر (١) فى ح: ((فلما رأيت المشركين يمثلون أشد المثل)). (٢) فى ب: ((فتجاررت))، وفى ح: ((فتنحيت)). (٣) فى ح: ((يحوش)). ويجوز: يجمع ويسوق. (النهاية ، ج ١، ص ٢٧٠). (٤) فى ح: ((وطلع عليه من المشركين فارس)). (٥) فى الأصل وت: ((جذله))؛ وما أثبتناه قراءة ب. وجزله: قطعه. (النهاية، ج ١، ص ١٦٢ ) . (٦) فى الأصل: ((يبصرنى))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ . ٢٦١ على حبل عاتقه بالسيف ، فمضى [السيف](١) حتى بلغ وَرِكَيه، وتفرّقٌ المشرك فرقتين . وكشف المسلم عن وجهه فقال : كيف ترى يا كعب ؟ أَنا أَبو دُجانة . قال : وكان رُشَيد الفارسيّ مولى بنى مُعاوية لقى رجلاً من المشركين من بنى كِنانة مُقَنَّعاً فى الحديد يقول : أَنا ابن عُوَيم ! فيعترض له سعدٌ مولى حاطب فضربه ضربةٌ جَزَله باثنين [ويُقبل عليه رُشَيد فيضربه على عاتقه ، فقطع الدِّرع حتى جَزَله باثنين](١)، وهو يقول : خذها وأَنا الغلام الفارسىّ ! ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يرى ذلك ويسمعه، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : أَلا قلت خذها وأَنا الغلام الأَنصارىّ؟ فيعترض له أَخوه ، وأَقبل يعدو كأَّنه كلب ، يقول: أَنا ابن عُوَيم ! ويضربه رُشّيد على رأسه وعليه المغْفَر ، ففلق رأسه ، يقول: خذها وأَنا الغلام الأَنصارىّ! فتبسّم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: أَحسنتَ يا أَبا عبد الله! فكنَّاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذ ولا وَلَدَ له . وقال أبو النَّمِر الكِنانىّ: أَقبلت يوم أُحُد فقد انكشف المسلمون ، وأَنا مع المشركين، وقد حضرت فى عشرة من إخوتى ، فقُتل منهم أربعةٌ . وكانت الريح للمسلمين أَوّل ما التقينا ، فلقد رأيتُنى وانكشفنا مُولين ، وأقبل أَصحابُ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم على نَهب العسكر ، حتى بلغتُ على قدمىّ الجَمّاءَ، ثم كرّت خيلُنا فقلنا: واللهِ ما كرّت الخيل إِلَّا عن أمرٍ .. رأَد . فكرنا على أقدامنا كأَننا الخيل ، حتى نجد القوم قد أخذ بعضهم بعضاً ، يقاتلون على غير صفوف ، ما يدرى بعضهم مَن يضرب ؛ وما للمسلمين لِواءٌ قائمٌ، ومع رجل من بنى عبد الدار لوائنا. وأَسمعُ شِعارٌّ ، (١) الزيادة عن ب . ٢٦٢ أصحاب محمّد بينهم: أَمِت! أَمِت! فأَقول فى نفسى: ما ((أَمِت))؟ وإنى لأَنظر إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وإِنَّ أَصحابه مُحدِقون به ، وإِنَّ النَّبْل لتمرّ عن يمينه وعن شماله وتَقصُرُ (١) بين يديه وتخرج من ورائه ، ولقد رميت يومئذٍ بخمسين مِرماةً فأَصبت منها بأَسهمٍ بعضَ أَصحابه . ثم هدانى الله إلى الإِسلام . فكان عمرو بن ثابت بن وَقَش شاكًّا فى الإِسلام ، فكان قومه يُكلِّمونه فى الإِسلام فيقول: لو أَعلم ما تقولون حقًّا ما تأخَّرت عنه ! حتى إِذا كان يوم أُحُد بدا له الإِسلام، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بأُحُد، فأَسلم وأخذ سيفه فخرج حتى دخل فى القوم ، فقاتل حتى أُثبِت ، فُوُجد فى القتلى جريحاً مّتاً ، فدنوْا منه وهو بآخر رَمَقٍ فقالوا : ما جاءَ بك يا عمرو ؟ قال : الإِسلام ، آمنت بالله وبرسوله ، ثم أخذت سيفى وحضرت، فرزَقَنِى الله الشهادة . ومات فى أيديهم ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : إِنه لمن أَهل الجنَّة . قالوا : قال الواقدىّ : فحدّثنى خارجة بن عبد الله بن سُلَيمان ، عن داود ابن الحُصَين، عن أبى سفيان مولى ابن أبى أحمد ، قال : سمعت أبا هريرة رضى الله عنه يقول، والناس حوله : أَخْبِرونى برجلٍ يدخل الجنَّة لم يُصلّ لله سجدةً قطُّ .! فيسكت الناس فيقول أَبو هُرَيرة: هو أَخو بنى عبد الأَشْهَل ، عمرو بن ثابت بن وَقَش . قالوا : وكان مُخَيريق(٢) اليهوديّ من أحبار اليهود، فقال يوم السبت (١) فى الأصل: ((وبعض))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ. (٢) فى ح: ((مخيرق))؛ وما أثبتناه عن كل النسخ، وعن ابن سعد. (الطبقات، ج ١، ص ١٨٢ ) . ٢٦٣ ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بأُحُد: يا معشر اليهود ، واللّهِ إِنكم لتعلمون أَنَّ محمّدًا نبِىُّ، وأَنَّ نَصْرَه عليكم لحَقّ . قالوا : إِنَّ اليوم يوم السبت . قال : لا سبت ! ثم أَخذ سلاحه ثم حضر مع النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فأَصابه (١) القَتْلُ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: مُخّيريق خير يهود . وقد كان مُخَيريق حين خرج إلى أُحُد قال : إِن أُصبت فأَموالى لمحمّد يضعها حيث أَراه اللهُ! فهى عامّة صدقات النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم .. وكان حاطب بن أُمَيّة مُنافقاً ، وكان ابنه يزيد بن حاطب رجلَ صِدْق، شهد أُحُدًا مع النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فارْتُثَّ جريحاً، فرجع به قومه إلى منزله فقال أبوه ، وهو يرى أهل الدار يبكون عنده : أَنتم واللهِ صنعتم هذا به ! قالوا : كيف؟ قال : غررتموه من نفسه حتى خرج فقُتل؛ ثم صار(٢) منكم فى شىءٍ آخر، تَعِدُونِه جنَّة يدخل فيها، جنَّة من حَرْمَل(٣)! قالوا : قاتلك الله ! قال : هو ذاك ! ولم يُقرّ بالإِسلام. قالوا : وكان قُزمان عَديدًا(٤) فى بنى ظَفَر لا يُدرَى ممّن هو، وكان لهم حائطاً مُحبًّا، وكان مُقِلاً لا ولد له ولا زوجة، وكان شجاعاً يُعرَف بذلك فى حروبهم ، تلك التى كانت تكون بينهم . فشهد أُحُدًا فقاتل قتالاً شديداً فقتل سنَّة أَو سبعة، وأصابته الجراح فقيل للنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم : قُزمان قد أَصابته الجراح ، فهو شهيد ! قال : من أهل النار . مأَتِى(٥) إِلى قُزمان فقيل له : هنيئاً لك يا أَبا الغَيداق الشهادة ! قال: بِمَ تُبِّرون؟ واللهِ ما قاتلنا إِلاَّ على الأَحساب. قالوا: بشَّرناك بالجنَّة . قال : (١) فى ح: ((فأصيب)). (٢) فى ح: (( ثم صرتم معه إلى شىء آخر)). (٣) الحرمل: حب نبات، وكانت العرب تجعل الحرمل فى القبور. وأراد هنا: ليس له جنة إلا ذاك. (٤) فى ب: ((عابدا))، وفى ح: ((عسيفا). (٥) فى ح: ((فجاءوا إلى)). ٢٦٤ جنَّة من حَرْمَل؛ واللهِ ما قاتلنا على جنَّة ولا على نار، إِنما قاتلنا على أَحسابنا! فأَخرج سهماً من كِنانته ، فجعل يتوّجأُ به نفسه، فلمّا أبطأَ عليه المِشْقَص أخذ السيف فاتَّكاً عليه حتى خرج من ظهره . فذكر ذلك للنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال : من أَهل النار . وكان عمرو بن الجموح رجلاً أَعرج ، فلما كان يوم أُحُد - وكان له بنون أربعة يشهدون مع النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم المشاهد أمثال الأُسْد - أَراد بنوه (١) أن يحبسوه وقالوا: أَنت رجلٌ أَعرج، ولا حَرّج عليك ، وقد ذهب بنوك مع النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم . قال: بَخْ! يذهبون إلى الجنّة وأَجلسُ أَنا عندكم ! فقالت هِند بنت عمرو بن حَرام امرأته : كأَنّى أَنظر إليه مُولِّياً ، قد أَخذ دَرَقَتْهٍ ، يقول: اللَّهمّ لا تَرُدّنى إلى أَهلِى خِزْياً! فخرج ولحقه بنوه(٢) يُكلّمونه فى القعود، فأَتَى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسول الله، إِنَّ بَنىّ(٣) يُريدون أن يحبسونى عن هذا الوجه والخروج معك؛ واللهِ إِى الأَرجو أَن أَطأَ بعَرْجَتى هذه الجنَّةَ. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : أَمّا أَنت ، فقد عذرك الله تعالى ولا جهادَ عليك. [فأَبِى] (٤) فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم لبنيه: لا عليكم أن تمنعوه(٥)؛ لعلّ الله يرزقه الشهادة . فخلّوا عنه فقُتل يومئذٍ شهيدًا . فقال أبو طلحة : نظرت إلى عمرو بن الجَموح حين انكشف المسلمون ، (١) فى ح: ((قومه)). (٢) فى ح: ((بعض قومه)). (٣) فى ح: ((قومى)). (٤) الزيادة عن ح . (٥) فى ت: ((ألا تمنعوه)). ٢٦٥ ثم ثابوا وهو فى الرَّعيل(١) الأَوّل، لكأَنِى أَنظر إِلى ضَلَعه(٢) فى رجله، يقول: أَنا والهِ مُشتاق إلى الجنَّة! ثم أنظرُ إلى ابنه يعدو فى أثره حتى قُتلا جميعاً . وكانت عائشة زوج النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم خرجت فى نسوة تَسْتَرْوِح الخبر- ولم يُضرب الحجاب يومئذ - حتى إذا كانت بمنقطع الحَرَّة وهى هابطة من بنى حارثة إلى الوادى ، لقيت هند بنت عمرو بن حَرام ◌ُخت عبد الله بن عمرو ابن حَرام تسوق بعيرًا لها ، عليه زوجها عمرو بن الجموح ، وابنها خَلَّد ابن عمرو ، وأخوها عبد الله بن عمرو بن حَرام أبو جابر . فقالت عائشة : عندكِ الخبر ، فما وراءكٍ ؟ فقالت هِند: خيرًا؛ أَمّا رسول الله فصالحٌ، وكلُّ مُصيبة بعده جَلَلْ. واتَّخذ الله من المؤمنين شهداء، ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وَكَانَ الهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾(٣). قالت: من هؤلاء؟ قالت: أَخى، وابنى خَلَّد، وزوجى عمرو بن الجَموح . قالت : فأين تذهبين بهم ؟ قالت : إلى المدينة أَقْبُرهم فيها ... حَلْ! تَزِجُر بعيرها، ثم بَرَك بعيرها فقلتُ: لِما عليه ! قالت : ما ذاك به ، لربّما حمل ما يحمل البعيران ؛ ولكنى أَراه لِغَير ذلك . فزجرتْه فقام ، فلمّا وجّهتْ به إلى المدينة برَك ؛ فوجّهتْه راجعةً إِلى أُحُد فأَسرع . فرجعتْ إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فأَخبرته بذلك فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : فإِنَّ الجمل مأمور ، هل قال شيئاً ؟ قالت : إِنَّ عَمرًا لمّا (١) على هامش نسخة ب: ((فى الرحيل)). والرعيل: الجماعة المتقدمة من الخيل. (أساس البلاغة ، ص ٣٥٠) . (٢) فى ت: ((إلى ظلعة))، وفى ح: ((إلى ضلعه وهو يعرج فى مشيته وهو يقول)). والضلع: الاعوجاج خلقة. (الصحاح، ص ١٢٥١ ) . (٣) سورة ٣٣ الأحزاب ٢٥. ٢٦٦ وجّه إِلى أُحُد استقبل القبلة وقال : اللَّهمّ لا تَرُدّنِى إِلى أَهلى خِزْياً وارزُقْنِى الشهادة . قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: فلذلك الجمل لا يمضى! إِنَّ منكم يا معشر الأنصار مَن لو أقسم على الله لأَبرّهُ، منهم عمرو بن الجَموح. يا هِند، ما زالت الملائكة مُظلَّةٌ على أَخيك من لَدُن قُتل إلى الساعة ينظرون أَين يُدفَن. ثم مكث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى قبَرَهم، ثم قال: يا هِند ، قد ترافقوا فى الجنَّة جميعاً، عمرو بن الجَموح، وابنك خَلَّاد، وأَخوك عبد الله . قالت هِند : يا رسول الله، ادع الله، عسى أَن يجعلنى معهم . قال جابر بن عبد الله : اصطبح ناسٌ الخمر يوم أُحُد ، منهم أَبى ، فقُتلوا شهداء . قال جابر : كان أَبِى أَوّلَ قَتيلٍ قُتل من المسلمين يوم أُحُد ، قتله سُفيان بن عبد شَمس أَبو أبى الأَعور السُّلَمِىّ، فصلَّى عليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قبل الهزيمة . قال جابر : لمّا استُشهِد أَبى جعلتْ عمّتِى تبكى، فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم : ما يُبكيها ؟ ما زالت الملائكة تُظلّ عليه بأَجنحتها حتى دُفن. وقال عبد الله بن عمرو بن حَرام : رأيت فى النوم قبل يوم أُحُد بأَيّام وكأنى رأَيت مُبَشِّر بن عبد المُنْذِر يقول: أَنت قادمٌ علينا فى أَيّام. فقلت: وأين أنت؟ فقال : فى الجنَّة ، نَسرح منها حيث نشاء . قلت له : أَلم تُقتَل يوم بدر؟ فقال: بلى، ثم أُحييتُ . فذكر ذلك لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال : هذه الشهادة يا أَبا جابر . وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم أُحُد : ادفنوا عبد الله بن عمرو بن حَرام وعمرو بن الجموح فى قبرٍ واحد . ويقال إنهما وُجدا وقد مُثل بهما كلّ ٢٦٧ المَثْلِ ، قُطعت آرابهما - يعنى عضوًا عضوًا - فلا تُعرَف أَبدانهما ، فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم : ادفنوهما جميعاً فى قبرٍ واحد. ويقال إِنما أَمر بدفنهما فى قبرٍ واحد لِما كان بينهما من الصَّفاء فقال : ادفنوا هذين المتحابّين فى الدنيا فى قبرٍ واحد . وكان عبد الله بن عمرو بن حَرام رجلاً أحمر أَصلع(١)، ليس بالطويل ، وكان عمرو بن الجَموح طويلاً ، فُعُرِفا ودخل السيل عليهما - وكان قبرهما ممّا يلى السيل(٢) - فحُفر عنهما؛ وعليهما ذَمِرَتان(٣)، وعبد الله قد أَصابه جُرحٌ فى وجهه، فيده على وجهه (٤) ، فأُميطت يده عن جُرحه فَثَعَب(٥) الدم. فرُدَّت إلى مكانها فسكن الدم. قال جابر: فرأيت أَبى فى حُفْرَته فكأنه نائم ، وما تغيّر من حاله قليلٌ ولا كثيرٌ . فقيل له : أَفرأيت أَكفانه ؟ فقال: إِنما كُفّن فى نَمِرَة خُمِّر بها وجهه وعلى رجلَيهِ الحَرْمَل؛ فوجدنا النَّمِرَة كما هى والخَرْمَل على رجليه على هيئته ، وبين ذلك وبين وقت دفنه ستَّة وأربعون سنة . فشاورهم جابر فى أَن يُطَيَّبَ بمِسْكٍ، فأَبِى ذلك أصحاب النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقالوا: لا تُحدثوا فيهم (٦) شيئاً. ويقال إِنَّ مُعاوية لمّا أَراد أَن يُجرى كَظامةٍ (٧) - والكّظامة مينٌ أَحدثها مُعاوية - نادى مُناديه بالمدينة: مَن كان له قَتيلٌ بأُحُد فليشهد ! فخرج الناس إلى قتلاهم فوجدوهم طرايا يتثَّون(٨)، (١) فى ت: ((أضلع)). (٢) فى ح: (ما يلى الجمل)). (٣) النمرة: شملة فيها خطوط بيض وسود. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ١٤٨). (٤) فى ب، ت: ((على جرحه)). (٥) ثعب: جرى. ( النهاية، ج ١، ص ١٢٨}. (٦) فى الأصل وت: ((فيها))؛ وما أثبتناه عن ب ، ح . (٧) قال ابن الأثير: الكظامة كالقناة، وجمعها كظائم، وهى آبار تحفر فى الأرض متناسقة ويخرق بعضها إلى بعض تحت الأرض ، فتجتمع مياهها جارية ثم تخرج عند منتهاها فتسيح على وجه الأرض . ( النهاية، ج ٤، ص ٢٢) . (٨) فى ب: ((رطابا يبثثون))؛ وفى ت، ح: رطابا يتشنون)). ٢٦٨ فأَصابت المِسحاة رجلاً منهم فتَعَب دماً . قال أبو سعيد الخُدْرىّ: لا يُنكر بعد هذا مُنكرٌ أَبدًا. ووُجد عبد الله بن عمرو وعمرو بن الجَموح فى قبرٍ واحد ، ووُجد خارجة بن زيد بن أَبى زُهَير وسعد بن الرَّبيع فى قبرٍ واحد . فأَّمَا قبر عبد الله وعمرو بن الجموح فَحُوِّل ، وذلك أَنَّ القناة كانت تمرّ على قبرهما ؛ وأَمّا قَبْر خارجة وسعد بن الرَّبيع فتُركا، وذلك لأن مكانهما كان مُعتزَلاً، وسُوِّى عليهما التراب . ولقد كانوا يحفرون التراب، فكلَّما حفروا فِتْرًا(١) من تراب فاح عليهم المِسْك . وقالوا : إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال لجابر : يا جابر، أَلا أُبشّرك ؟ قال ، قلت : بلى بأَبِى وأُمّى! قال: فإِنَّ الله أَحيا أَباك. ثم كلَّمه كلاماً فقال : تمَنّ على ربّك ما شئت. فقال: أَتمنَّى أَن أَرجع فأُقْتَل مع نبيّك ، ثم أُحيا فأُقْتَل مع نبيّك . قال : إنى قد قضيت أنهم لا يرجعون . قالوا : وكانت نُسَيبة بنت كَعب أُمّ عُمارة ، وهى امرأة غَزِيّة بن عمرو (٢)، وشهدت أُحُدًا هى وزوجها وإبناها؛ وخرجت، معها ثَن لها فى أَوّل النهار تُريد أن تسقى الجرحى، فقاتلتْ يومئذٍ وَأَبْلَتْ بلاءً حسناً ، فجُرحت اثنى عشر جُرحاً بين طعنة برمحٍ أَو ضربةٍ بسيف . فكانت أُمّ سعد بنت سعد بن رَبيع تقول : دخلتُ عليها فقلت لها : يا خالة ، حدثينى خبرك . فقالت : خرجت أَوّل النهار إلى أُحُد، وأَنا أَنظرُ ما يصنع الناس، ومعى سِقاٌ فيه ماءً، فانتهيت إلى رسول الله صلَّى الله (١) فى الأصل وح: ((قبرة)؛ وفى ب، ت: ((فترة)). ولعل الصواب ما أثبتناه، والفتر ما بين طرف السبابة والإبهام إذا فتحتهما . ( الصحاح ، ص ٧٧٧) . (٢) فى ت: ((عزية بن عمرو)؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ، وعن ابن سعد. (الطبقات، ج ٨، ص ٣٠١) . ٢٦٩ عليه وسلَّم وهو فى أصحابه، والدّولة والريح للمسلمين . فلمّا انهزم المسلمون انحزتُ إِلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فجعلت أُباشر القتال وأَدُبّ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالسيف وأربى بالقوس حتى خلصتْ إِلىّ الجراحُ. فرأيت على عاتقها جُرحاً له غَوْرٌ أَجْوَف(١)، فقلت: يا أُمّ عُمارة ، مَن أَصابك بهذا ؟ قالت : أَقبل ابن قميئة ، وقد ولّى الناس عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، يصيح: دُلّونى على محمّد ، فلا نجوتُ إِن نجا ! فاعترض له مُصْعَبُ بن عُمَير وأُناس معه ، فكنت فيهم ، فضربنى هذه الضربة ، ولقد ضربته على ذلك ضرباتٍ ، ولكنَّ عدوّ الله كان عليه دِرعان . قلت: يدكِ، ما أصابها ؟ قالت : أُصيبت يوم اليمامة لمّا جعلت الأَعرابُ ينهزمون بالناس؛ نادت (٢) الأَنصارُ: ((أَخلصونا))؛ فأُخلِصت الأَنصارُ، فكنت معهم ، حتى انتهينا إلى حديقة الموت(٣)، فاقتتلنا عليها ساعة حتى قُتل أبو دُجانة على باب الحديقة ، ودخلتُها وأَنا أُريد عدوّ الله مُسَيْلِمة ، فيعترض لى رجلٌ منهم فضرب يدى فقطعها ، فوالله ما كانت لى ناهيةٌ ولا عرّجتُ عليها حتى وقفتُ على الخبيث مقتولاً ، وابنى عبد الله بن زيد المازنىّ يمسح سيفه بثيابه . فقلت: قتلتَه؟ قال: نعم . فسجدت شكراً لله . وكان ضَمْرَة بن سَعيد يُحدّث عن جَدّته ، وكانت قد شهدت أُحُدًا تسقى الماءَ، قالت: سمعت النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول : لمَقام نُسَيبة بنت كعب اليوم خير من مَقام فلان وفلان! وكان يراها تُقاتل يومئذٍ أَشدّ القتال، وإِنها الحاجزةٌ ثوبها على وسَطها، حتى جُرحت ثلاثةَ عشرَ (١) فى ح: ((جرحا أجوف له غور')). (٢) فى ت: ((ناديت)). (٣) حديقة الموت: بستان كان بقنا حجز من أرض الحمامة. (معجم البلدان، ج ٣، ص ٢٣٧) ٢٧٠ جُرْحاً . فلمّا حضرتها الوفاةُ كنت فيمن غسّلها ، فعددت جراحها جُرْحاً جُرْحاً فوجدتها ثلاثة عشر جُرْحاً . وكانت تقول: إِنى لأَنظر إلى ابن قَميئة وهو يضربها على عاتقها - وكان أعظم جراحها ، لقد داوته سنة - ثم نادى مُنادى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم نإِلى حَمْراء الأَسَد! فشدّتْ عليها ثيابَها فما استطاعت من نَزْفىِ الدَّم . ولقد مكثنا ليلنا نُكمّد الجراح حتى أَصبحنا، فلما رجع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الحَمْراء ، ما وصل إلى بيته حتى أرسل إليها عبد الله بن كعب المازنىّ يسأل عنها ، فرجع إليه يُخبره بسلامتها فُسُرّ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بذلك . حدّثنا عبد الجَبّار بن عُمارة، عن عُمارة بن غَزِيَّة قال: قالت أُمّ عُمارة: قد رأيتنى وانكشف الناسُ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فما بقى إِلَّ نُغَير ما يُتِمّون عشرة، وأَنا وابناىّ وزوجى بين يديه نذُبّ عنه، والناس يمرّون به مُنهزمين . ورآنى لا تُرْسَ معى، فرأى رجلاً مُؤلّياً معه تُرْس، فقال : يا صاحب التّرْس، أَلقِ تُرْسَك إلى من يُقاتل ! فأَلقى تُرْسَه فأَخذتُه فجعلت أُترّس عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ؛ وإِنما فعل بنا الأَّفاعيل أصحابُ الخيل ؛ لو كانوا رَجّالة مِثلنا أَصبناهم، إِن شاءَ الله ! فيُقبل رجلٌ على فَرَسِ فضربنى، وترّست له فلم يصنع سيفه شيئاً وولّى، وأَضربُ عُرقوب فرسه فوقع على ظهره . فجعل النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يصيح : يا ابن أُمّ عُمارة، أُمَّك، أُمَّك ! قالت : فعاوننى عليه حتى أوردتُه شعوب . وحدّثْنى ابن أَبِى سَبْرَة، عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، قال : جُرِحْتُ يومئذٍ جُرْحاً فى عَضُدى اليُسرى، ضربنى رجلٌ كأَنه الرَّقْل(١) (١) الرقل: النخلة الطويلة. (النهاية، ج ٢، ص ٩٧). ٢٧١ ولم يُعرّج علىّ ومضى عنّى، وجعل الدم لا يَرْقا ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: اعْصِب جُرْحَك . فتُقبل أُمِّى إِلىّ ومعها عصائبُ فى حَقْوَيها قد أَعدّها للجراح، فربطت جُرْحِى والنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم واقفٌ ينظر ، ثم قالت : انْهَضْ يا بُنَىَّ فضارِب القوم . فجعل النبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقُول: ومن يُطيق ما تُطيقين يا أُمّ عُمارة ؟ قالت : وأَقبل الرجل الذى ضربنى ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : هذا ضارب ابنك. قالت: فأَعترضُ له فأَضربُ ساقه فبَرَك، فرأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تبسم حتى بدت نواجذُه ، ثم قال : استقدتٍ يا أُمّ عُمارة ! ثم أَقبلنا إليه نَعْلوه(١) بالسلاح حتى أتينا على نفسه. قال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: الحمد لله الذى ظفَّركِ وأَفرّ عينكِ من عدوّكِ ، وأَرَاكِ ثأُركِ بعينكِ . حدّثنا يعقوب بن محمّد ، عن موسى بن ضَمْرَة بن سعيد ، عن أبيه ، قال : أتى عمر بن الخَطَّاب(٢) بمُروط (٣)، فكان فيها مِرْطٌ واسع جيّد ، فقال بعضهم : إِنَّ هذا المِرْط لثمن كذا وكذا ، فلو أُرسلتَ به إِلى زوجة عبد الله بن عمر صَفيّة بنت أَبِى عُبَيد - وذلك حِدْثانَ ما دخلت على ابن عمر. فقال : أَبعثُ به إِلى مَن هو أَحقّ منها ، أُمّ عُمارة نُسَيبة بنت كَعب . سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم أُحُد يقول : ما التفتُّ يميناً ولا شِمالاً إِلَّ وأَنا أَراها تُقاتل دونى. (١) فى ب: ((فعله)). (٢) فى ح: ((أتى عمر بن الخطاب فى أيام خلافته)). (٣) المروط: جمع المرط، وهو الكساء من صوف أو خز. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٣٨٥). ٢٧٢ فقال الواقدىّ : حدّثنى سَعيد بن أبى زيد ، عن مَروان بن أبى سعيد ابن المُعَلَّى ، قال : قيل لأُمّ عُمارة: هل كنَّ نساءُ قُرَيش يومئذٍ يُقاتلن مع أَزواجهنَّ ؟ فقالت : أَعوذ باللهِ، ما رأَيت امرأة منهنَّ رمت بسهم ولا بحجر ؛ ولكن رأيت معهنَّ الدِّفاف والأَكبار ، يضربن ويُذّن القوم قتلى بَدْر، ومعهنَّ مكاحلُ ومراود، فكلّما وَّ رجلٌ أَو تكعكع(١) ناولتْه إحداهن مِرْوَدًا ومُكْحُلَةً ويقلن: إِنما أَنت امرأة! ولقد رأَيتهنَّ وَلَّين مُنهزماتٍ مُشمِرات - ولَهَا عنهنّ الرجالُ أَصحاب الخيل، ونَجَوْا على متون الخيل - يتبعن الرجال على الأقدام، فجعلن يسقطن فى الطريق . ولقد رأيت هِند بنت عُتبة ، وكانت امرأة ثقيلة ولها خَلْقٌ ، قاعدةً خاشيةً من الخيل ما بها مَشْبِىٌّ ، ومعها امرأةً أُخرى، حتى كرّ (٢) القوم علينا فأَصابوا منَّا ما أصابوا؛ فعند الله نحتسب ما أصابنا يومئذٍ من قِبَل الرِّماة ومَعصيتهم لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . قال الواقدىّ : حدّثنى ابن أَبِى سَبْرَة ، عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن أبى صَعْصَعَة ، عن الحارث بن عبد الله ، قال : سمعت عبد الله بن زيد ابن عاصم يقول : شهدتُ أُحُدًا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فلمّا تفرّق الناسُ عنه دنوت منه، وأَمّى تَذُبّ عنه، فقال: يا ابن أُمّ عُمارة ! قلت : نعم . قال : ارمٍ ! فرميت بين يديه رجلاً من المشركين بحجر ، وهو على فَرَس، فأَصبتُ (٣) عين الفَرَس فاضطرب الفَرَس حتى وقع هو وصاحبه، وجعلت أَعلوه بالحجارة حتى نضَّدتُ عليه منها وِقْرًا(٤)، والنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ينظر ويتبسّم؛ فنظر إلى جُرْح بأُمّى على عاتقها فقال: أُمَّك، أُمَّك ! (١) تكعكع: أحجم وتأخر إلى وراء. (النهاية، ج ٤، ص ٢٣). (٢) فى ح: ((حتى كثر القوم)). (٣) فى ح: ((فأصيبت)). (٤) الوقر: الحمل. ( النهاية، ج ٤، ص ٢٢٤). ، ٢٧٣ اعصِبْ جُرْحَها ، بارك الله عليكم من أَهل بيتٍ ! مَقام أُمّك خيرٌ من مَقام فلان وفلان ، ومَقام ربيبك - يعنى زوج أُمّه - خيرٌ من مَقام فلان وفلان ، ومَقامكَ لخيرٌ من مَقام فلان وفلان ، رحمكم الله أَهلَ البيت ! قالت : ادع الله أَن نُرافقك فى الجنَّة . قال: اللَّهمّ اجعلهم رفقائى فى الجنَّة . قالت : ما أُبالى ما أصابنى من الدنيا . قالوا : وكان حَنْظَلَة بن أبى عامر تزوّج جَميلة بنت عبد الله بن أُبَىّ بن سَّلول، فأُدخلت عليه فى الليلة التى فى صُبحها قتال أُحُد . وكان قد استأُذن رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَن يبيت عندها فأذن له، فلمّا صلَّى الصبح غدا يُريد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، ولزمته جَميلة فعاد فكان معها . فأَجنب منها ثم أراد الخروج ؛ وقد أرسلتْ قبل ذلك إلى أربعة من قومها فأَشهدتْهم أنه قد دخل بها ، فقيل لها بعد : لِمَ أَشهدتِ عليه ؟ قالت : رأَيت كأَنّ السماءَ فُرجت فدخل فيها حَنْظَلَة ثم أُطبقت ، فقلت : هذه الشهادة! فأَشهدتْ عليه أنه قد دخل بها(١) . وتَعلق بعبد الله بن حَنْظَلَة، ثم تزوَّجها ثابت بن قيس بعدُ فولدت له محمّد بن ثابت بن قيس. وأَخذ حَنْظَلَة بن أبى عامر سلاحه، فلحق برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بأُحُد وهو يُسوّى الصفوف . قال: فلمّا انكشف المشركون اعترض حَنْظَلَة ابن أبى عامر لأَبى سُفيان بن حَرب فضرب عُرقوب فَرَسه فاكتسعت الفَرَس ، ويقع أَبو سُفيان إِلى الأَرض ، فجعل يصيح : يا معشر قُرَيش، أَنا أَبو سُفيان بن حرب! وحَنْظَلَةُ يريد ذَبْحه بالسيف ، فأَسمع الصوت رجالاً لا يلتفتون إليه من الهزيمة حتى عاينه الأسود بن شعوب، فحمل(٢) على حَنْظَلَة (١) فى ح: ((أنه قد دخل بى)). (٢) فى ت: ((فحمل عليه حنظلة)). ٢٧٤ بالرمح فأَنفذه ، فمشى حَنْظَلَة إِليه بالرمح وقد أَثبته ، ثم ضربه الثانية فقتله . وهرب أبو سُفيان يعدو على قدميه فلحق ببعض قُرَيش ، فنزل عن صدر فَرسه ورَدِف وراءَ أَبِى(١) سُفيان-فذلك قول (٢) أَبِى سُفيان. فلمّا قُتل حَنْظَلَة مرّ عليه أبوه، وهو مقتولٌ إلى جنب حمزة بن عبد المطّلب وعبد الله بن جحش، فقال: إِن كنتُ لأُحذّرك هذا الرجل (٣) من قبل هذا المصرع ؛ واللّهِ إِن كنتَ لبَرَّا بالوالد، شريف الخُلُق فى حياتك، وإِنَّ مَماتك لمع سَراة أَصحابك وأشرافهم . وإِن جزى الله هذا القتيل - لِحمزة - خيرًا، أَو أَحدًا من أصحاب محمّد، فجزاك (٤) الله خيرًا. ثم نادى: يا معشر قُرَيش ، حَنْظَلَة لا يُمثَّل به وإن كان خالفنى وخالفكم ، فلم يَأَلُ لنفسه فيما يرى خيرًا. فمُثِّل بالناس وتُرك فلم يُمثَّل به . وكانت هِند أَوّل من مَثَّل بأصحاب النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأمرت النساءَ بالمَثْل - جَدْع الأُنوف والآذان - فلم نبق امرأة إلاَّ عليها مِعْضَدان (٥) وَمَسَكَتَان وخَدَمَتان، ومُثل بهم كّهم إِلَّا حنْظَلَة. وقال رسول الله صلَّى الله عليه سلَّم : إِنى رأيت الملائكة تُغسّل حَنْظَلَة بن أبى عامر بين السماء والأرض بماءِ المُزْن فى صِحاف الفضَّة ◌َّ قال أبو أُسَيد الساعدىّ : فذهبنا فنظرنا إِليه فإِذا رأسُه يَقطُر ماءً. قال أبو أُسَيد: فرجعت إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأَخبرته، فأَرسل إلى امرأته فسألها ، فأخبرته أنه خرج وهو جُنُبٌ . وأَقْبل وَهْب بن قابوس المُزَنِىّ ، ومعه ابن أخيه الحارث بن عُقبة بن (١) فى ح: ((وردف وراءه أبا سفيان)). (٢) ذكره ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج ٣، ص ٨٠). (٣) فى ح: ((يمنى رسول الله صلى الله عليه وسلم)). (٤) فى ح: ((فليجزك)). (٥) المعضد: الدملج؛ والمسك: أسورة من ذبل أو عاج؛ والخدمة: الخلخال . ( الصحاح ، ص ١٩٠٩٤١٦٠٨٤٥٠٦) . ٢٧٥ قابوس ، بِغَنَمٍ لهما من جبل مُزَينة، فوجدا المدينة خُلوفاً (١) فسأَلًا : أَين الناس؟ فقالوا: بأُحُد، خرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمْ يُقاتل المشركين من قُرَيش. فقالا: لا نبتغى أَثرًا بعد عين. فخرجا حتى أَتيا النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بأُحُد فيجدان القوم يقتتلون ، والدَّوْلة لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه ، فأَّغارا مع المسلمين فى النَّهب ؛ وجاءت الخيل من ورائهم ؛ خالد بن الوليد وعِكْرِمَة بن أَبِى جَهل ، فاختلطوا ، فقاتلا أَشدّ القتال . فانفرقت فِرْقَةٌ من المشركين فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : من لهذه الفِرْقَة ؟ فقال وَهْب بن قابوس: أَنا يا رسول الله . فقام فرماهم بالنَّبل حتى انصرفوا ثم رجع (٢) ، فانفرقت فِرْقَةٌ أُخرى فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : مَن لهذه الكَتيبة ؟ فقال المُزَنِىّ : أَنا يا رسول الله . فقام فذبّها بالسيف حتى وَلَّوْا ، ثم رجع المُزَنِىّ . ثم طلعت كَتيبٌ أُخرى فقال : مَن يقوم لهؤلاء ؟ فقال المُزَنِىّ : أَنا يا رسول الله . فقال : قم وأَبشرْ بالجنَّة . فقام المُزَنِىّ مسرورًا يقول : واللهِ لا أُقيل ولا أَستقيل. فقام فجعل يدخل فيهم فيضرب بالسيف ، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ينظر إليه والمسلمون ، حتى خرج من أَقصاهم(٣)، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول : اللَّهمّ ارحمه! ثم يرجع فيهم فما زال كذلك ، وهم مُحدِقون به ، حتى اشتملت عليه أَسيافهم ورماحهم فقتلوه ، فوجد به يومئذٍ عشرون طعنةً برمح ، كلّها قد خلصت إلى مَقتل، ومُثل به أَقبح المَثْل يومئذٍ . ثم قام ابن أخيه فقاتل كنحو قتاله حتى قُتل ، فكان عمر بن الخَطَّب يقول: إِنَّ أَحبَّ مِيتَة أَموتُ عليها لَما مات عليها المُزَنىّ . (١) فى ح: ((خلواً)). (٢) فى ب: ((ثم رجعت)). (٣) فى ح: ((من أقصى الكتيبة)). ٢٧٦ وكان بِلال بن الحارث المُزَنىّ يُحدّث يقول : شهدنا القادِسيّة مع سعد بن أَبِى وَقَّاص . فلمّا فتح الله علينا وقُسمت بيننا غنائمنا، فأُسقط. فَتَّى من آل قابوس من مُزينة، فجئت سعدًا حين فرغ(١) من نوعه فقال : بِلال ؟ قلت : بلال ! قال : مرحباً بك ، مَن هذا معك ؟ قلت : رجلٌ من قومى من آل قابوس . قال سعد: ما أَنت يا فَتَّى مِن المُزَنىّ الذى قُتل يوم أُحُد؟ قال: ابن أخيه. قال سعد: مرحباً وأهلاً، ونَعِم الله بك عَيْناً(٢)، ذلك الرجل شهدتُ منه يوم أُحُد مَشهدًا ما شهدتُه من أَحَد . لقد رأيتنا وقد أَحدق المشركون بنا من كلّ ناحية، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وشْطناً والكتائب تطلع من كلّ ناحية ؛ وإِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ليرمى ببصره فى الناس يتوسّمهم(٣) يقول: مَن لهذه الكتيبة؟ كلّ ذلك يقول المُزَنِىّ: أَنا يا رسول الله ! كلّ ذلك يردّها(٤)، فما أَنسى آخر مرّة قامها (٥) فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: قمْ وأَبشر بالجنَّة ! قال سعد: وقمت على أثره، يعلم الله أَنى أَطلبُ مِثل ما يطلب يومئذٍ من الشهادة؛ خُضْنا حَوْمتهم حتى رجعنا فيهم الثانية، وأَصابوه رحمه اللهُ، ووددتُ بِاللهِ أَنِى كنت أُصِبت يومئذٍ معه، ولكنَّ أَجَلى استأُخر . ثم دعا سعد من ساعته بسهمه فأَعطاه وفضَّله وقال : اخترْ فى المقام عندنا أو الرجوع إلى أَهلك . فقال بلال : إِنَّه يستحبّ الرجوع . فرجعنا . وقال سعد : أَشهدُ لرأَيتُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم واقفاً عليه وهو (١) فى ح: ((فرع)). (٢) فى ح: ((أنعم الله بك علينا)). (٣) توسم الشىء: تخيله وتفرسه. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ١٨٦). (٤) فى ح): ((كل ذلك يرد الكتيبة)). (٥) فى ح: ((قالها)). ٢٧٧ مقتول ، وهو يقول : رضى الله عنك فإنى عنك راضٍ . ثم رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قام على قدميه - وقد نال النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم من الجراح(١) ما ناله، وإنى لأَعلم أَنَّ القيام لَيشقّ عليه - على قبره حتى وُضع فى لحده، وعليه بُرْدَة لها أعلامٌ خُضْر (٢)، فمدّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الْبُرْدَة على رأسه فخَمَره، وأَدرجه فيها طولاً وبلغت نصف ساقيه، وأَمَرَنا فجمعْنا الحَرْمَل فجعلناه على رجلَيه وهو فى لحده ، ثم انصرف . فما حالٌ أَموتُ عليها أحبُّ إِلىّ من أَن أَلقى الله تعالى على حال المُزَنِىّ . قالوا: ولمّا صاح إبليس ((إِنَّ محمّدًا قد قُتل)) تفرّق الناس ، فمنهم منْ وَرَد المدينة؛ فكان أَوّل مَن دخل المدينة يُخبر أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد قُتل سعد بن عُمان أَبو عُبادة . ثم ورد بعده رجالٌ حتى دخلوا على نسائهم ، حتى جعل النساء يقلن : أَعن رسول الله تَفِرّون ؟ قال : يقول ابن أُمّ مَكتوم: أَعن رسول الله تَفِرُّون؟ ثم جعل يُؤَفّف(٣) بهم، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خَلَّفه بالمدينة، يُصلّى بالناس ، ثم قال : اعدلونى(٤) على الطريق - يعنى طريق أُحُد - فعدلوه على الطريق ، فجعل يستخبر كلّ من لقى عن طريق أُحُد حتى لحق القوم ، فعلم بسلامة النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم رجع. وكان ممّن ولَى فلان(٥)، والحارث ابن حاطب، وثَعْلَبَة بن حاطب، وسَوّاد بن غَزَّة، وسعد بن عُثمان، ومُقبة ســ (١) فى ح. ((من ألم الجراح)). (٢) كذا نى الأصل؛ وفى سائر النسخ: (حمر)). (٣) فى ح: ((يؤنب بهم)). (٤) فى ح: ((دلونى على الطريق ... فدلوه)). (٥) فى ح: ((عمر وعثمان)). وذكر البلاذرى، عن الواقدى، عثمان ولم يذكر عمر. (أنساب الأشراف ، ج ١ ، ص ٤٣٢٦. ٢٧٨ ابن عُثمان، وخارجة بن عامر، بلغ مَلَل(١)؛ وأَوس بن قَيظىّ فى نَفَرٍ من بنى حارثة، بلغوا الشُّقْرَة(٢) ولقيتهم أُمّ أَيْمَن تَحْىٍ فى وجوههم الترابَ، وتقول لبعضهم : هاك المِغْزَلَ فاغْزِلْ به ، وهلمّ سيفَك! فوجّهتْ إِلى أُحُد مع نُسَيّاتٍ معها . وقد قال بعض من يروى الحديث: إِنَّ المسلمين لم يعدوا الجبلَ ، وكانوا فى سَفْحه، ولم يُجاوزوه إلى غيره ، وكان فيه النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم(٣). ويُقال: إِنه كان بين عبد الرحمن وعُمان كلامٌ، فأَرسل عبد الرحمن إلى الوليد بن عُقبة فدعاه فقال : اذهب إلى أَخيك فّبلغْهُ عنِّى ما أقول لك ، فإنى لا أعلم أَحدًا يُبلّغه غيرك. قال الوليد: أَفعل . قال : قل ، يقول لك عبد الرحمن : شهدتُ بَدْرًا ولم تشهد ، وثبتُّ يوم أُحُد وولّيتَ عنه، وشهدتُ بيعة الرِّضوان ولم تشهدها. فجاءه (٤) فأَخبره فقال عُثمان: صدق أَخى ! تخلَّفت عن بَدْر على ابنة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهى مريضة ، فضرب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بسهمى وأَجْرى فكنت بمنزلة مَن حَضَر . وولَّيت يوم أُحُد ، فقد عفا الله ذلك عنّى(٥)؛ فأَمًا بيعة الرِّضوان فإنى خرجت إلى أَهل (٦) مكَّة، بعثنى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال رسول الله صلَّى (١) مثل: موضع فى طريق مكة بين الحرمين. قال ابن السكيت: هو منزل على طريق المدينة إلى مكة عن ثمانية وعشرين ميلا من المدينة. ( معجم البلدان ، ج ٨، ص ١٥٣). (٢) الشقرة :. موضع بطريق فيد بين جبال حمر على نحو ثمانية عشر ميلا من النخيل ، وعلى يوم من بئر السائب ، ويومين من المدينة. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٣٠). (٣) فى ب: ((وكانوا فيه مع النبى صلى الله عليه وسلم))؛ وفى ت: ((وكانوا فئة النبى صلى الله عليه وسلم )) . (٤) فى ح: ((فلما أخبره)). (٥) فى ح: ((فعفا الله عنى فى محكم كتابه)). (٦) فى الأصل: ((إلى أهلى بمكة)). والمثبت عن سائر النسخ. ٢٧٩ الله عليه وسلَّم: إِنَّ عُمان فى طاعة الله وطاعة رسوله. وبايع النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إحدى يديه الأُخرى (١)، فكانت شِمال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم خيرًا من يمينى . فقال عبد الرحمن حين جاءَه الوليد بن عُقبة : صدق أَخى ! ونظر عمر بن الخَطَّب إلى عُمان بن عَفَّان فقال : هذا ممّن عفا الله عنه ؛ واللهِ ما عفا الله عن شىءٍ فردّه، وكان تولَّى يوم التقى الجمعان. وسأَل رجلٌ ابنَ عمر عن عُثمان فقال : إِنه أَذنب يوم أُحُد ذَنْباً عظيماً ، فعفا الله عنه، وهو ممّن تولَّى يوم التقى الجمعان ؛ وأَذنب فيكم ذَنْباً صغيرًا فقتلتموه ! وقال عَلىّ: لمّا كان يوم أُحُد وجال الناس تلك الجولة أَقبل أُمَيّة بن أَبِى حُذيفة بن المُغِيرةِ، وهو دارع مُقنَّع فى الحديد، ما يُرَى منه إِلَّا عيناه ، وهو يقول : يومٌ بيوم بَدْر . فيعترض له رجلٌ من المسلمين فيقتله أُمَيّة . قال عَلىٌّ عليه السلام: وأَصمُد له فأَضربُه بالسيف على هامته - وعليه بَيْضَةٌ وتحت البَيْضة مِغْفَر - فنبا سيفى، وكنت رجلاً قصيرًا. ويضربنى بسيفه فأَتَّى بالدَّرَقَةِ، فَلَحِج سيفه فأَضرِبُّه، وكانت دِرعه مُشمَّرة ، فَأَقطع رجليه ، ووقع فجعل يُعالج سيفه حتى خلَّصه من الدَّرَقَة ، وجعل يُناوشنى وهو باركٌ على ركبتيه ، حتى نظرت إلى فَتْق تحت إبطه فأَخُّ بالسيف فيه ، فمال ومات وانصرفتُ عنه . (١) فى ح: ((بإحدى يديه على الأخرى)).