النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠٠
العِير جيشاً(١) إِلى محمّد؛ وقد ترى مَن قُتل من آبائنا ،وأبنائنا، وعشائرنا. قال
أَبو سُفيان: وقد طابت أَنفس قُرَيش بذلك ؟ قالوا : نعم . قال : فأَنا
أَوّل من أَجاب إِلى ذلك وبنو عبد مَناف معى، فأَنا واللهِ الموتور الثائر ؛
قد قُتل ابنى حَنظَلَة ببدر وأَشراف قومى ، فلم تزل العِيرُ موقوفةً حتى تجهّزوا
للخروج إلى أُحُد ؛ فباعوها وصارت ذَهَباً عيناً ، فوقف عند أبى سفيان .
ويقال إِنما قالوا : يا أَبا سُفيان، بع العِير ثم اعزل أرباحها . وكانت العِير
أَلف بعير ، وكان المال خمسين ألف دينار ، وكانوا يربحون فى تجارتهم
للدينار دينارًا، وكان مَتجرهم من الشام غَزَّة ، لا يعدونها إلى غيرها . وكان
أبو سُفيان قد حبس ◌ِير زُهْرَة لأنهم رجعوا من طريق بدر ، وسلَّم ما كان
لِمَخْرَمَة بن نَوْقَل ولبنى أَبيه وبنى عبد مناف بن زهرة ، فَأَبِى مَخْرَمَة أَن
يقبل عِيره حتى يُسلّم إلى بنى زُهْرَة جميعاً. وتكلّم الأَخْنَس فقال : ما لعِير
بى زُهرة من بين عِيرات قُرَيش؟ قال أبو سفيان: لأنهم رجعوا عن قُرَيش .
قال الأَخْنَس: أَنت أرسلت إلى قُرَيش أَن ارجعوا فقد أحرزنا العِير؛ لا تخرجوا
فى غير شىء، فرجعنا. فأَخذت زُهرة عِيرها، وأَخذ أقوام من أَهل مكَّة -
أَهل ضعف ، لا عشائر لهم ولا مَنَعة - كلّ ما كان لهم فى العِير . فهذا
يُبيّن أَنما أَخرج القومَ أَرباحُ العير. وفيهم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبيلِ اللهِ﴾(٢) الآية.
فلمّا أَجمعوا على المسير قالوا : نسير فى العرب فنستنصرهم فإِنَّ عبد
مَناة غير متخلِّفين عنَّا، هم أَوصل العرب لأَرحامنا، ومن اتَّبعنا من الأحابيش(٣).
(١٠) فى ب، ت، ح: ((جيشا كثيفا)).
(٢) سورة ٨ الأنفال ٣٦ .
(٣) فى الأصل: ((من الأجانيس))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ، وهو الصواب.

٢٠١
" فاجتمعوا على أن يبعثوا أربعة من قُرَيش يسيرون فى العرب يدعونهم إلى نصرهم؛
فبعثوا عمرو بن العاص، وهُبَيرة بن أَبى وَهْب، وابن الزِّبَعْرَى، وأَبَا عَزَّة
الجُمَحِىّ ، فأَطاع النفر وأَبِى أَبو عَزَّة أَن يسير ، وقال: مَنَّ علىّ محمّدٌ يوم
بدر ولم يمُنّ على غيرى، وحلفتُ لا أُظاهر عليه عدوًّا أَبدًا . فمشى إليه
صَفوان بن أُمَيّة فقال : اخرج ! فأبى فقال : عاهدتُ محمّدًا يوم بدر
لا أُظاهر عليه عدوًّا أَبدًا، وأَنا أَفى(١) له بما عاهدته عليه ، مَنَّ علىّ ولم يمُنّ
على غيرى حتى قتله أَو أَخذ منه الفداءَ . فقال له صَفوان : اخرج معنا ،
فإِن تَسلم أعطك من المال ما شئت ، وإِن تُقتَل كان عيالك مع عيالى .
فأَبِى أَبوعَزَّة حتى كان الغد ، وانصرف عنه صفوان بن أُمَيّة آيساً منه؛ فلمّا
كان الغد جاءَه صَفوان وجُبَير بن مُطْعِم ، فقال له صَفوان الكلام الأَوّل
فأَبى، فقال جُبير : ما كنت أَظنّ أَنى أَعيش حتى يمشى إِليك أَبو وَهْب فى
أَمرٍ تأَبِى عليه! فأَحْفظه، فقال: فأَنا أَخرج ! قال : فخرح فى العرب
يجمعها ، وهو يقول :
أَنتَم حُماةٌ وَأَبُوَكُمْ حـامْ
يا (٢) بنى عبد مَناةَ الرُّزّامْ (٣)
لا تعِدونى (٤) نَصْرَكُمْ بَعْدَالعامْ
لا تُسْلِمونى لا يَحِلّ إِسلامْ
قال : وخرج معه النَّفَر فأَلّبوا العرب وجمعوها ، وبلغوا ثَقيفاً فأَوعبوا(٥).
فلمّا أَجمعوا المسير وتألّب من كان معهم من العرب وحضروا، اختلفت قُرِّش
(١) فى ت: ((أوفى له)).
(٢) فى ح: ((أيه)).
(٣) الرزام: جمع رازم وهو الذى يثبت فى مكانه لا يبرحه. يريد أنهم يثبتون فى الحرب ولا
ينهزمون. ( شرح أبى ذر ، ص ٢١٦) .
(٤) فى ح: ((لا يعدونى)).
(٥) فى ح: ((فأرغبوا)). وأوعبوا: جمعوا. (القاموس المحيط، ج ١، ص ١٣٧).

٢٠٢
فى إخراج الطُّعن (١) معهم
فحدّثنى بُكَير بن مِسْمار ، عن زياد مولى سعد ، عن نِسطاس ، قال :
قال صفوان بن أُمَيّة: اخرجوا بالظُّعُن، فأَنا أَوّل من فعل، فإِنه أَقْمَنُ أَن
يُحْفِظْنكم ويُذكّرنكم قتلى بدر؛ فإِنَّ العهد حديث ونحن قوم مُستميتون
لا نُريد أن نرجع إلى دارنا حتى نُدرك ثأُرنا أَو نموتَ دونه. فقال عِكْرِمَة بن
أَبِ جَهل : أَنا أَوّل من أَجاب إِلى ما دعوتَ إِليه . وقال عمرو بن العاص
مثل ذلك ، فمشى فى ذلك نَوْفَل بن مُعاوية الدِّيلىّ فقال : يا معشر قُرَيش
هذا ليس برأى، أَن تُعرّضوا حُرَمكم عدوّكم، ولا آمن أن تكون الدائرة (٢)
لهم ، فتفتضحوا فى نسائكم . فقال صَفوان بن أُمَيّة : لا كان غير هذا
أبدًا! فجاءَ نَوفل إِلى أَبِى سُفيان فقال له تلك المقالة ، فصاحت هِند بنت
عُتبة : إِنك واللهِ سلمتَ يوم بدر فرجعت إلى نسائك ؛ نعم ، نخرج
فنشهد القتال ، فقد رُدَّت الفِيان من الجُحْفَة فى سفرهم إلى بدر فقُتلت
الأَحبّة يومئذٍ. قال أبو سُفيان : لست أُخالف قُرَيشاً ؛ أَنا رجلٌ منها ،
ما فعلتْ فعلتُ . فخرجوا بالظُّعُن .
قالوا : فخرج أبو سُفيان بن حرب بامرأتين - هِند بنت عُتبة ،
وأُمَيمة (٣) بنت سعدبن وهب بن أَشْيَم بن كِنانة. وخرج صفوان بن أُمَيّة
بامرأتين ، بَرْزَة بنت مَسعود الثَّقَفىّ، وهى أُمّ عبد الله الأكبر ؛ وبامرأته
البَغوم بنتِ المُعذِّل بن كِنانة ، وهى أُمّ عبد الله بن صَفوان الأصغر .
وخرج طلحة بن أَبى طَلحة بامرأته سُلافة بنت سعد بن شُهَيد ، وهى من
الأَوس ، وهى أُمّ بنى طَلحة، أمّ مُسافع، والحارث، وكِلاب، وجُلاس ،
(١) الظعن: هنا النساء، وأصل الظعن الهوادج فسميت النساء بها. ( شرح أبى ذر، ص ٢١٧).
(٢) فى ب، ت، ح: ((الدبرة)).
(٣) فى ب: ((آمنة)).

٢٠٣
بنى طَلحة . وخرج عِكْرِمَة بن أبى جَهل بامرأته أُمّ جُهَيمٍ بنت الحارث بن
هشام . وخرج الحارث بن هشام بامرأته فاطمة بنت الوليد بن المُغيرة .
وخرج عمرو بن العاص بامرأته هِند بنت مُنَبِّهِ بن الحَجّاج ، وهى أُمّ
عبد الله بن عمرو بن العاص . وخرجت خُناس بنت مالك بن المُضَرِّب
مع ابنها أبى عَزيز بن عُمَير العَبْدَرىّ . وخرج الحارث بن سُفيان بن
عبد الأَسد بامرأته رَمْلَة بنت طارق بن عَلْقَمَة. وخرج كِنانة بن عَلّ بن ربيعة
ابن عبد العُزَّى بامرأته أُمّ حَكيم بنت طارق . وخرج سُفيان بن عُوَيف
بامرأته قُتَيلة بنت عمرو بن هِلال . وخرج النعمان وجابر ابنا مَسك الذئب
بأُمّهما الدُّغُنّيّة. وخرج غُراب بن سُفيان بن ◌ُوَيف بامرأته عَمْرَة بنت
الحارث بن عَلْقَمَة ، وهى التى رفعت لواءَ قُرَيش حين سقط.
حتى تراجعت قُرَيش إلى لواُها . قالوا : وخرج سُفيان بن عُويف
بعشرة من ولده ، وحشدت بنو كِنانة . وكانت الأَّلوية يوم خرجوا من مكَّة
ثلاثة أَلوية عقدوها فى دار النَّدْوَة - لواء يحمله سُفيان بن عُوَيف ، ولواء
فى الأحابيش(١) يحمله رجلٌ منهم، ولواء يحمله طلحة بن أَبى طَلحة . ويقال:
خرجت قُرَيش ولَفُّها على لواءٍ واحدٍ يحمله طلحة بن أَبى طَلحة . قال ابن
واقد : وهو أَثبت عندنا .
وخرجت قُرَيش وهم ثلاثة آلاف بمن ضَوَى(٢) إِليهم ؛ وكان فيهم من
ثَقيف مائة رجل ، وخرجوا بعُدَّة وسلاحٍ كثيرٍ ، وقادوا مائتى فرس ، وكان
فيهم سبعمائة دارع وثلاثة آلاف بعير . فلمّا أَجمعوا المسير كتب العباس
(١) فى الأصل: ((أجانيس))، وفى ت: ((الأجايش)). وما أثبتناه عن ب، ح .
(٢) فى ت: ((ضموا إليها)). وضوى: انضمّ." (القاموس المحيط، ج ٤، ص ٣٥٥).

٢٠٤
ابن عبد المطّلب كتاباً وختمه ، واستأجر رجلاً من بنى غِفار واشترط عليه
أَن يسير ثلاثاً إِلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُخبره أَنَّ قُرَيشاً قد أجمعت
المسير(١) إِليك فما كنت صانعاً إِذا حلُّوا بك فاصنعه. وقد توجّهوا إِليك (٢)،
وهم ثلاثة آلاف ، وقادوا مائتى فرس ، وفيهم سبعمائة دارع وثلاثة آلاف
بعير، وأَوعبوا من السِّلاح. فقدم الغِفارىّ فلم يجد رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم بالمدينة ووجده بقُباء (٣)، فخرج حتى يجد رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم على باب مسجد قُباء يركب حماره ، فدفع إليه الكتاب
فقرأه عليه أُبَىّ بن كعب واستكتم أُبَيَّ ما فيه ، فدخل منزل سعد بن الرَّبيع
فقال : فى البيت أَحد ؟ فقال سعد : لا ، فتكلَّمْ بحاجتك. فأَخبره
بكتاب العبّاس بن عبد المطّلب ، وجعل سعد يقول : يا رسول الله، إِنّى
لأَرجو أن يكون فى ذلك خيرٌ ، وقد أَرجمتْ يهود المدينة والمنافقون ، وقالوا :
ما جاء محمّدًا شىءٌ يُحبّه. فانصرف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المدينة
واستكتم سعدًا الخبر. فلمّا خرج رسول الله صلِى الله عليه وسلَّم خرجت امرأة
سعد بن الرّبيع إِليه فقالت: ما قال لك رسول الله ؟ فقال : ما لك ولذلك ،
لا أُمَّ لكٍ ؟ قالت : قد كنت أَسْمع عليك. وأخبرت سعدًا الخبر ، فاسترجع
سعد وقال : لا أَراك تستمعين علينا وأَنا أَقول لرسول الله صلَّى الله عليه وسلّم
تكلَّمْ بحاجتك ! ثم أَخذ يجمع لَبَّتها(٤) ، ثم خرج يعدو بها حتى أدرك
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالجسر(٥) وقد بَلَحت(٦)، فقال: يا رسول
(٢٠) فى ب، ت، ح: ((وقد وجهوا)).
(١) فى ح: ((قد اجتمعت للمسير)).
(٣) قباء: قرية بعوالى المدينة أو معسلة بالمدينة. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٥٧).
(٤) هكذا فى الأصل وفى ب: (لبها))، وفى ت: ((لمّا))، وفى ح: ((بجمع لمّها)).
(٥) لعله يربد جسر بطحان، وهو عند أعلى بطحان بناحية الموضع المعروف بزقاق البيض.
( وفاء الوفا ، ج ٢، ص ٢٨١) .
(٦) بلحت: انقطعت من الإعياء فلم تقدر أن تتحرك. (النهاية، ج ١، ص ٩٢).

٢٠٥
الله . إِنَّ امرأتى سأَلتنى عمّا قُلْتَ، فكتمتُها فقالت قد سمعت قول رسول
الله ! فجاءت بالحديث كلّه ، فخشيت يا رسول الله أَن يظهر من ذلك
شىءٌ فتظنّ ◌َنى أَفشيت سرّك. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: خلِّ
سبيلها . وشاع الخبر فى الناس بمسير قُرَيش، وقدم عمرو بن سالم الخُزاعىّ
فى نَفَرٍ من خُزاعة ، ساروا من مكَّةٍ أَربعاً، فوافوا قُرَيشاً وقد عسكروا بذى
حُوىَ. فأَخبروا رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم الخبر ، ثم انصرفوا فوجدوا
قُرَيشاً ببطن رابِغ فنكَّبوا عن قُرَيش - ورابغ على ليالٍ من المدينة .
فحدّئنى عبد الله بن عمرو بن زُهَير ، عن عبد الله بن عمرو بن
أَبى حُكَيمةِ الأَسْلَسىّ. قال: لمّا أَصبح أَبو سُفيان بالأَبْواء أُخْبِر أَنَّ عمرو
ابن سالم وأصحابه راحوا أمس مُمسين إلى مكّة، فقال أبو سُفيان: أَحلفُ
باللهِ أنهم جاءوا محمّدًا فخبّروه بمسيرنا، وحذَّروه ، وأخبروه بعددنا ، فهم
الآن يلزمون صَياصِيَهم، فما أرانا نُصيب منهم شيئاً فى وجهنا . فقال صفوان:
إن لم يُصحروا(١) لنا عمدنا إلى نخل الأوس والخزرج فقطعناه، فتركناهم
ولا أَموال لهم فلا يجتبرونها(٢) أَبدًا، وإِن أَصحروا لنا فعَدَدُنا أَكثر من
عَدَدهم وسلاحنا أَكثر من سلاحهم ، ولنا خيل ولا خيلَ معهم ، ونحن نُقاتل
على وِتْرٍ عندهم ولا وِتْرَ لهم عندنا .
وكان أبو عامر الفاسق قد خرج فى خمسين رجلاً من أَوس(٣) الله حتى
قدم بهم مكَّة حين قدم النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة ؛ فأَقام مع قُرَيش
وكان دعا قومه فقال لهم : إِنَّ محمّدًا ظاهرٌ فاخرجوا بنا إلى قومٍ نُوازرهم.
(١) أصحر الرجل. أى خرج إلى الصحراء. (الصحاح، ص ٧٠٨).
(٢) فى ح: ((فلا يختارونها)). واجتبره: أحسن إليه. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٣٨٤).
(٣) فى ح: ((من الأوس)).

٢٠٦
فخرج إِلى قُرَيش يُحرّضها ويُعلمها أَنَّها على الحقّ، وما جاءَ به محمّدٌ
باطل ، فسارت قُرَيش إلى بدر ولم يسرْ معها ، فلمّا خرجت قُرَيش إِلى أُحُد
سار معها ، وكان يقول لقُرَيش : إِنّى لو قدمت على قومى لم يختلف عليكم
منهم رجلان، وهؤلاء معى نَفَرٌ من قومى وهم خمسون رجلاً. فصدَّقوه بما قال
وطَمِعوا بنصره .
وخرج النساء معهنّ الدُّفوف ، يُحرّضن الرجال ويُذكّرنهم قتلى بدر فى
كلّ منزل ، وجعلت قُرَيش ينزلون كلّ منهل، ينحرون ما نحروا من الجُزُر
ممّا كانوا جمعوا(١) من العِير ويتقوّون به فى مسيرهم، ويأكلون من أزوادهم
ممّا جمعوا من الأَموال . وكانت قُرَيش لمّا مرّت بالأَبْواء قالت: إنكم
قد خرجتم بالظُّعُن معكم ، ونحن نخاف على نسائنا . فتعالوا نَنْبِشْ قبر
أُمّ محمّد ، فإِنَّ النساءَ عَورة، فإِن يُصِبْ من نسائكم أحدًا قلتم هذه رِمّة
أُمّك؛ فإن كان بَرَّا بأُمّه كما يزعُم، فلعمرى ليُفادينَّكم برمّة أُمّه ، وإِن لم
يظفر بأَحدٍ من نسائكم ، فلعمرى ليفدينّ رِمّة أُمّه بمال كثيرٍ إِن كان بها بَرًّا.
واستشار أَبو سُفيان بن حَرب أَهلَ الرأى من قُرَيش فى ذلك فقالوا :
لا تذكر من هذا شيئاً ، فلو فعلنا نبشت بنو بكر وخُزاعة موتانا .
وكانت قُرَيش يوم الخميس بذى الحُلَيفة ، صبيحة عشر من مخرجهم
من مكَّة ، لخمس ليالٍ مضين من شوّال على رأس اثنين وثلاثين شهرًا ،
ومعهم ثلاثة آلاف بعير ومائتا فرس . فلمّا أَصبحوا بذى الحُليفة خرج فُرسان
فَأَنزلهم (٢) بالوِطاء. وبعث النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم عينين له ؛ أَنساً ومُؤنِساً
ابنى فَضالة ليلة الخميس، فاعترضا لقُرَيش بالعَقيق ، فسارا معهم حتى نزلوا
(١) فى ت: ((مما جمعوا من العير)).
(٢) أى فأنزلهم أبو سفيان .

٢٠٧
بالوِطاء . فأَتيا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأَخبراه .
وكان المسلمون قد ازدرعوا العِرْض - والعِرْض ما بين الوِطاء بأُحُد إِلى
الجُرْف ، إِلى العَرْصَةِ، عَرْصَة البَقَل اليوم - وكان أهله بنو سَلِمَة،
وحارثة، وظَفَر، وعبد الأَشْهَل؛ وكان الماء يومئذٍ بالجُرْف أَنشاطاً (١)،
لا يَريم سائقُ الناضح (٢) مجلساً واحدًا، ينفتل (٣) الجملُ فى ساعة (٤)،
حتى ذهبت بمياهه عيون الغابة التى حفر مُعاويةُ بن أبى سفيان . فكانوا قد
أَدخلوا آلة زَرْعهم ليلة الخميس المدينةَ، فقدم المشركون على زَرْعهم وخلّوا
فيه إِبلهم وخيولهم - وقد شرب الزَّرْعُ فى الدَّقيق(٥)، وكان لِأُسَيد بن حُضير
فى العِرْض عشرون ناضحاً يسفى شعيرًا - وكان المسلمون قد حذروا على
جِمالهم وعُمّالهم وآلة حرثهم. وكان المشركون يرعون يوم الخميس حتى أمسوا،
فلمّا أَمسوا جمعوا الإِبل وقصلوا(٦) عليها القصيل ، وقصلوا على خيولهم ليلة
الجمعة ، فلمّا أَصبحوا يوم الجمعة خلّوا ظهرهم فى الزَّرع وخيلهم حتى تركوا
العِرْض ليس به خضراءُ .
فلمّا نزلوا وحلُّوا الْعُقَد واطمأَنُوا ، بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
الحُباب بن المُنْذِر بن الجَموح إِلى القوم ، فدخل فيهم وحَزَر ونظر إِلى
جميع ما يُريد ، وبعثه سرًّا وقال للحُباب : لا تُخبرنى بين أحد من المسلمين
(١) فى الأصل: ((بسطه))، وفى سائر النسخ: ((نشطة))؛ ولعل الصواب ما أثبتناه. وبئر
أنشاط: قريبة الشعر، يخرج دلوها بجذبة . ( مقاييس اللغة، ج ٥، ص ٤٢٦).
(٢) فى ت: ((لم تر ثم سابق الناضح مجلسا واحدا)). ولا يريم: لا يبرح. (مقاييس اللغة،
ج ٢ ، ص ٤٧٠ ) .
(٣) انفتل: انصرف. (الصحاح، ص ١٧٨٨ ) .
(٤) فى ح ((فى ساعته)).
(٥) فى ت: ((وقد شرب الزرع فى الدفيف)).
(٦) قصلوا على الدواب: علفوها الفصيل، وهو ما اقتصل من الزرع أخضر. (القاموس
المحيط ، ج ٤، ص ٣٧) .

٢٠٨
إلَّا أَن ترى قِلَّة(١). فرجع إليه فأَخبره خالياً، فقال له رسول الله صلّى الله
عليه وسلَّم : ما رأيت ؟ قال : رأيت يا رسول الله عددًا ، حزرتهم ثلاثة
آلاف، يزيدون قليلاً أَو ينقصون قليلاً، والخيل مائتى فرس، ورأيت دروعاً
ظاهرة ، حزرتها سبعمائة درع. قال : هل رأيت ظُعُناً؟ قال : رأيت النساء
معهنَّ الدِّفاف والأكبار - الأَكبار يعنى الطبول . فقال رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم : أرْن أَن يُحرّضن القوم ويُذكّرنهم قتلى بدر، هكذا جاءنى
خبرهم ؛ لا تذكر من شأنهم حرفاً، حسبنا الله ونعم الوكيل ، اللّهمّ بك
أَجولْ وبك أَصولُ .
وخرج سَلَمَة بن سلامة بن وَقَش يوم الجمعة حتى إِذا كان بأَدنى
العِرْض إِذا طليعة خيل المشركين عشرة أَفراس ، فركضوا فى أثره فوقف لهم
على نَشَزٍ من الحَرَّةِ، فراشقهم بالنَّبْل مرّة وبالحجارة مرّة حتى انكشفوا
عنه. فلمّا ولَّوا جاءَ إِلى مزرعته بأَدنى العِرْض ، فاستخرج سيفاً كان له
ودِرعَ حديدٍ كانا دُفنا فى ناحية المزرعة ، فخرج بهما يعدو حتى أَنى
بنى عبد الأَشْهَل فخبّر قومه بما لقى منهم . وكان مَقْدمهم يوم الخميس لخمس
ليال خذَوْن من شوّال، وكانت الوقعة يوم السبت لسبع خلون من شوّال .
وباتت وجوه الأوس والخزرج : سعد بن مُعاذ ، وأُسَيد بن حُضير ،
وسعد بن عُبادة ، فى عِدّةٍ ، ليلة الجمعة ، عليهم السلاح ، فى المسجد
باب النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم خوفاً من بيات (٢) المشركين؛ وحُرست المدينة
تلك الليلة حتى أَصبحوا . ورأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رُؤيا ليلة
الجمعة ، فلمّا أَصبح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم واجتمع المسلمون خطب (٣).
(١) فى ح: ((إلا أن ترى فى القوم قلة)).
(٢) فى ح: ((من تبييت)).
(٣) فى ح: ((خطبهم)).

٢٠٩
فحدّثنى محمّد بن صالح ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود
ابن لَبيد . قال : ظهر النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم على المنبر . فحمد الله
وأثنى عليه ، ثم قال : أَيّها الناس ، إِنى رأيت فى منامى رؤيا ؛ رأَيت كأَنّى
فى دِرْعٍ حصينة . ورأيت كأَنَّ سيفى ذا الفَقار انقصم(١) من عند ظُبته (٢).
ورأيت بقرًا تُذبَح، ورأيت كأَّ مُردِفٌ كبشاً . فقال الناس : يا رسول
الله، فما أَوّلنَها ؟ قال: أَما الدِّرع الحصينة فالمدينة. فامكثوا فيها ؛ وأَن)
انقصام(٣) سيفى من عند ظُبَته فمُصيبةٌ فى نفسى؛ وأما البقر المُذبَّح .
فقتلَى فى أَصحاب، وأَما مُردِفٌ كَبشاً، فكبش الكتيبة نقتله إن شاء الله
وحدّثنى عمر بن عُقبة ، عن سَعيد . قال : سمعت ابن عبّاس يقول
قال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: وأَما انقصام(٣) سيفى، فقَتْل رجل من أَهل
بيتى .
حدّثنى محمّد بن عبد الله ، عن الزهرىّ ، عن عُروة ، عن المِسْوَر
ابن مَخْرَمَة، قال: قال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم : ورأيت فى سيفى فلاّ
فكرهته ، فهو الذى أَصاب وجهه صلَّى الله عليه وسلَّم .
وقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أشيروا علىّ! ورأَى رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم أَلّ يخرج من المدينة لهذه الرؤيا، فرسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم يُحبّ أَن يُوافَق على مثل ما رأَى وعلى(٤) ما عبّر عليه الرؤيا . فقام
عبد الله بن أُبَىّ فقال: يا رسول الله، كنَّا نُقاتل فى الجاهليّة فيها ، ونجعل
(١) فى ح: ((انفصم)). وانقصم: نكسر. (الصحاح، ص ٢٠١٣).
(٢) ظبة السيف: طرفه. ( لسان العرب، ج ١، ص ٥٦٨).
(٣) فى ح: ((انفصام)).
(٤) فى ت: (((على مثل ما عبر)).

٢١٠
النّساءَ والذرارىّ فى هذه الصَّياصِى، ونجعل معهم الحجارة. واللهِ، لربّما
مكث الولدان شهرًا ينقلون الحجارة إِعدادًا لعدوّنا، ونُشبّك المدينة بالبنيان
فتكون كالحصن من كلّ ناحية ، وتربى المرأة والصبىّ من فوق الصّياصى
والآطام ، ونُقاتل بأَسيافنا فى السكك. يا رسول الله، إِنَّ مدينتنا عذراء ما
فُضَّت علينا قطُّ.، وما خرجنا إلى عدوّ قطُّ. إلّا أَصاب منَّا، وما دخل علينا
قطُّ إِلَّا أَصبناه؛ فدَعْهُم يا رسول الله، فإنهم إن أَقاموا أَقاموا بشرِّ مَحْبس،
وإِن رجعوا رجعوا خائبين مَغلوبين(١)، لم ينالوا خيرًا. يا رسول الله، أَطعنى
فى هذا الأمر واعلم أَنِى ورثتُ هذا الرأى من أكابر قومى وأهل الرأى منهم ،
فهم كانوا أهل الحرب والتجربة . وكان رأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
مع رأَى ابن أُبَىّ، وكان ذلك رأى الأَكابر من أصحاب رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم من المهاجرين والأنصار . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم :
امكثوا فى المدينة ، واجعلوا النساء والذراريّ فى الآطام ، فإن دخلوا علينا
قاتلناهم فى الأُزِقَّة ، فنحن أَعلم بها منهم ، وارموا من فوق الصياحى والآطام.
فكانوا قد شبّكوا المدينة بالبنيان من كلّ ناحية فهى كالحِصن . فقال فتيانٌ
أحداثٌ لم يشهدوا بدرًا، وطلبوا من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الخروج
إلى عدوّهم ، ورغبوا فى الشهادة ، وأَحبّوا لقاءَ العدوّ: اخرجْ بنا إلى عدوّنا !
وقال رجالٌ من أهل السنّ وَأَهل النِّيَّة (٢)، منهم حمزة بن عبد المطّلب،
وسعد بن عُبادة ، والنُّعمان بن مالك بن ثَعْلَبَة، فى غيرهم من الأوس والخزرج:
إِذَّا نَخْشَى يا رسول الله أَن يظنّ عدوّنا أَنَّ كرهنا الخروج إليهم جُبناً عن
لقائِهِم، فيكون هذا جُرأَةً (٣) منهم علينا ؛ وقد كنتَ يومٍ بدر فى ثلثمائة
(١) فى ت: ((مغلولين))، وفى ح: ((خاسرين مغلوبين)).
(٢) فى ح: (النبه)).
(٣) فى ت: ((أجرة)).

٢١١
رجل فظفَّرك الله عليهم ، ونحن اليوم بشرٌ كثيرٌ، قد كنّا نتمنّى هذا اليوم
وندعو الله به ، فقد ساقه الله إِلينا فى ساحتنا. ورسول الله صلَّى الله عليه وسلم
لما يرى من إلحاحهم كاره، وقد لبسوا السلاح يخطرون بسيوفهم، يتسامون(١)
كأَنهم الفحول. وقال مالك بن سنان أَبو أبى سعيد الخُدرىّ: يا رسول الله،
نحن واللهِ بين إِحدى الحُسنيين - إِما يُظفّرنا الله بهم فهذا الذى نُريد ،
فيُدلّهم الله لنا فتكون هذه وقعة مع وقعة بدر ، فلا يبقى(٢) منهم إلَّ الشريد؛
والأُخرى يا رسول الله، يرزقنا الله الشهادة . واللهِ يا رسول الله، ما أُبالى (٢)
أَيّهما كان؛ إِنَّ كُلّ لفيه الخير! فلم يبلغنا أَنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم رجع
إليه قولاً، وسكت . فقال حمزة بن عبد المطّلب رضى الله عنه: والذى
أنزل عليك الكتاب، لا أَطعَمُ اليوم طعاماً حتى أُجالدَهم بسيفى خارجاً من
المدينة . وكان يقال كان حمزة يوم الجمعة صائماً ، ويوم السبت صائماً ،
فلاقاهم وهو صائم .
قالوا : وقال النُّعمان بن مالك بن ثَعْلَبَة أَخو بنى سالم: يا رسول الله ،
أَنا أَشهد أَنَّ البقر المُذبَّح قتلى من أصحابك وأَنى منهم ، فلِمَ تحرمنا
الجنَّة ؟ فوالذى لا إله إلاَّ هو لأَدخلنَّها. قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
بِمَ؟ قال: إِنّى أُحبّ الله ورسوله ولا أَفِرّ يومِ الزَّحْف. فقال رسول الله صلَّى اله
عليه وسلَّم : صدقت ! فاستُشهد يومئذ . وقال إِياس (٤) بن أوس
ابن عَتيك: يا رسول الله، نحن بنو عبد الأَشْهَل مِن البقر المُذبَّح ؛ نرجو
(١) بتسامون: بنبارون. (القاموس المحيط، ح ٤، ص ٣٤٤).
(٢) فى ت: ((فلا نبقى)).
(٣) فى ح: ((نبالى)).
(٤) فى الأصل: ((أناس))؛ والتصحيح من سائر النسخ، وعن ابن الأثير. ( أسد الغابة،
ج ١ ، ص ١٥٣) .

٢١٢
يا رسول الله أَن نُذَبِّح فى القوم ويُذبَّح فينا، فنصير إلى الجنَّة ويصيرون إِلى
النار، مع أنّى يا رسول الله لا أُحبّ أَن ترجع قُرَيش إلى قومها فيقولون:
حصرنا محمّدًا فى صياحِى يَثْرِب وآطامها! فيكون هذا جُرَأَةً(١) لِقُرَيش،
وقد وطئوا سَعَفَنا فإِذا لم نذُبّ عن عِرْضِنا لم نزرع (٢)، وقد كنَّا يا رسول
الله فى جاهليّتنا والعرب يأتوننا ، ولا يطمعون بهذا منَّا حتى نخرج إليهم
بأَسيافنا حتى نذبّهم عنَّا؛ فنحن اليوم أَحقّ إِذ أَيِّدنا(٣) الله بك، وعرفنا
مصيرنا ، لا نحصر أنفسنا فى بيوتنا. وقام خيثمة أبو سعد بن خَيتمة فقال :
يا رسول الله، إِنَّ قُرَيشاً مكثت خولاً تجمع الجموع وتستجلب العربَ فى
بواديها ومن تبعها من أحابيشها ، ثم جاءونا قد قادوا الخيل وامتطوا (٤) الإبل
حتى نزلوا بساحتنا فيحصروننا فى بيوتنا وصياصينا ، ثم يرجعون وافرين لم
يُكلَموا، فيُجرِّئهم ذلك علينا حتى يشنُّوا الغارات علينا، ويُصيبوا أطرافنا (٥)،
ويضعوا العيون والأرصاد علينا ، مع ما قد صنعوا بحروثنا ؛ ويجترئ علينا
العرب حولنا حتى يطمعوا فينا إذا رأونا لم نخرج إليهم ، فنذُبّهم عن جٍ إِرنا (٦)
وعسى الله أن يظفّرنا بهم فتلك عادة الله عندنا، أَو تكون الأُخرى، فهى
الشهادة . لقد أخطأَتْنِى وقعةُ بدر وقد كنت عليها حريصاً ؛ لقد بلغ من
حرصى أن ساهمت ابنى فى الخروج فخرج سهمه فرُزق الشهادة ، وقد
كنت حريصاً على الشهادة . وقد رأيت ابنى البارحة فى النوم فى أحسن
صورة ، يسرح فى ثمار الجنَّة وأَنهارها وهو يقول : الحقْ بنا تُرافقْنا فى الجنَّة،
(١) فى ت: ((أجرة)).
(٢) فى ت: ((لم يزرع))، وفى ح . ((لم ندرع)).
(٣) فى ح: ((أمدنا)).
(٤) فى ح: ((واعتلوا)).
(٥) فى ح: ((فى أطلالنا)).
(٦) فى ح: ((حريمنا)).

٢١٣
فقد وجدت ١٠ وعدنى ربّى حقًّا ! وقد والله يا رسول الله أَصبحتُّ مشتاقاً إِلى
مرافقته فى الجنَّة. وقد كبرت سنّى، ورقّ (١) عظمى، وأَحببت لقاءً
ربّى ، فادع الله يا رسول الله أن يرزقنى الشهادة ومرافقة سعد فى الجنَّة .
فدعا له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بذلك، فقُتل بأُحُد شهيدًا.
وقالوا : قال أَنّس بن قتادة : يا رسول الله، هى إحدى الحُسنيَيْن،
إما الشهادة وإِذا الغنيمة والظّفمر فى قتلهم. فقال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلّم: إِنِّى أَخاف عليكم الهزيمة
قالوا : فلما أَبُوْا إِلَّا الخروج (٢) صلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
الجمعة بالناس . ثم وعظ الناس وأمرهم بالجدّ والجهاد (٣)، وأخبرهم أنَّ
لهم النصر ما صبروا. ففرح الناس بذلك حيث أَعلمهم رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم بالشخوص إلى عدوّهم، وكره ذلك المَخرجَ بشرٌ كثيرٌ من
أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وأمرهم بالتهيّو لعدوّهم. ثم صلَّى
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم العصر بالناس، وقد حشد الناس وحضر أَثلُ
العَوالي، ورفعوا النساءَ فى الآطام ، فحضرت بنو عمرو بن عَوف ولِنُّها
والنَّبيت [ولِفَّها](٤) وتلبّسوا السلاح. فدخل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
بيته ، ودخل معه أبو بكر وعمر رضى الله عنهما، فعمّماه ولبّساه، وصُفّ
الناس له ما بين حجرته إلى منبره ، ينتظرون خروجه . فجاءهم سعد بن معاذ
وأُسَيد بن حُضَير فقالا: قلتم لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما قلتم ، واستكرهتهوه
على الخروح؛ والأَمر ينزل عليه من السماء ، فرُدّوا الأَمر إليه، فما أَمركم
(١) فى الأصل وح: ((ودت) ؛ وما أنمتناه عن سائر النسخ .
(٢) فى ح: ((إلا الخروج والجهاد)).
(٣) فى ح: ((الاجهاد)).
( ٤) الزيادة عن ب ، ت .

٢١٤
فافعلوه وما رأيتم له فيه هَوَّى أَو رأَىٌ فأَطيعوه . فبينا القوم على ذلك من
الأَمر ، وبعض القوم يقول : القول ما قال سعد ! وبعضهم على البصيرة على
الشُّخوص، وبعضهم للخروج كارةً، إذ خرج رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم، قد لبس لَأُمَته، وقد لبس الدِّرع فأَظهرها، وحَزَم وسطها بِمِنْطَفَّةٍ
من حمائل سيف من أَدَمٍ ، كانت عند آل أبى رافع مولى رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم بَعْدُ، واعتمّ، وتقلَّد السيف . فلمّا خرج رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم ندموا جميعاً على ما صنعوا ، وقال الذين يُلِحّون على رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم: ما كان لنا أن نُلِحّ على رسول الله فى أَمرٍ يهوَى خلافه .
وندّمهم أهل الرأى الذين كانوا يُشيرون بالمقام ، فقالوا : يا رسول الله، ما
كان لنا أن نُخالفك فاصنع ما بدا لك، [وما كان لنا أن نستكرهك والأمر
إلى الله ثم إِليك](١). فقال : قد دعوتُكم إلى هذا الحديث فأَبيتم ، ولا
ينبغى لنبيُّ إذا لبس لَأُمَتِه أَن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه .
وكانت الأنبياء قبله إذا لبس النبىّ لَأُمَته لم يضعها حتى يحكم الله بينه
وبين أعدائه. ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : انظروا ما أمرتكم به
فاتَّبعوه ؛ امضوا على اسم الله فلكم النصر ما صبرتم .
حدّثْنى يعقوب بن محمّد الظَّفَرِىّ، عن أَبيه ، قال : كان مالك بن
عمرو النَّجّارِىّ مات يوم الجمعة، فلمّا دخل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
فلبس لّأُمَته ثم خرج - وهو موضوع عند موضع الجنائز - صلَّى عليه ، ثم
دعا بدابّته فركب إلى أُحُد .
حدثنا أسامة بن زيد ، عن أبيه ، قال : قال له جُعال بن سُراقة وهو
مُوجّه إِلى أُحُد : يا رسول الله، إنه قيل لى إنك تُقْتَل غدًا! وهو يتنفَّس
(١) الزيادة عن ب، ت، ح .

٢١٥
مكروباً ، فضرب النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بيده فى صدره وقال : أَليس
الدهر كلّه غدًّا ؟
ثم دعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بثلاثة أَرماح، فعقد ثلاثة ألوية،
فدفع لواءَ الأَّوس إِلى أُسَيد بن حُضَير ، ودفع لِواءَ الخزرج إلى الحُباب بن
المُنْذِر بن الجَموح - ويقال إِلى سعد بن عبادة - ودفع لواءً المهاجرين إلى
عَلَىّ بن أبى طالب عليه السلام، ويقال إِلى مُصْعَب بن عُمَير. ثم دعا النبىّ
صلَّى الله عليه وسلَّم بفرسه فركبه، وأَخذ (١) النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم القَوْس
وأخذ قناة بيده - زُجّ الرمح يومئذٍ من شَبَهٍ (٢) - والمسلمون مُتَلِّسون السلاح
قد أظهروا الدروع، فيهم مائة دارع. فلمّا ركب رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم خرج السعدان أَمامه يعدُوَان - سعد بن عُبادة ، وسعد بن معاذ -
كلُّ واحد منهما دارع ، والناس عن يمينه وعن شماله حتى سلك على البدائع (٣)،
ثم زقاق الحِسْى (٤)، حتى أتى الشيخَين(٥) - وهما أُطُمان كانا فى الجاهليّة.
فيهما شيخ أعمى وعجوز عمياءُ يتحدّثان، فسُمّى الأُطُمان الشيخّين - حتى
انتهى إلى رأس الثنيّة، التفت فنظر إلى كتيبةٍ خشناءَ لها زَجَلٌ (٦) خلفه،
فقال : ما هذه ؟ قالوا : يا رسول الله ، هؤلاء حلفاء ابن أُبَىّ من يهود .
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: لا يُستَنصر(٧) بأهل الشرك على
(١) هكذا فى الأصل؛ وفى سائر النسخ: ((وتقلد القوس)).
(٢) الشبه: ضرب من النحاس. (الصحاح، ص ٢٢٣٦).
(٣) البدائع: موضع من ديار خثعم. (معجم ما استعجم، ص ٢٤٤).
(٤) الحسى: ببطن الرمة. (معجم ما استعجم، ص ٢٤٧) .
(٥) الشيخان : موضع بين المدينة وجبل أحد على الطريق الشرقية مع الحرة إلى جبل أحد. ( وفاء
الوفا، ج ٢، ص ٣٣٣) .
(٦) الزجل: الصوت الرفيع العالى. (النهاية، ج ٢، ص ١٢٢).
(٧) فى ح: ((لا نستنصر)).

٢١٦
أَهل الشرك . ومضى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى أَتى الشيخين فعسكر
به . وعرض عليه غلمانٌ : عبد الله بن عمر ، وزيد بن ثابت ، وأسامة بن
زيد. والنُّعمان بن بَتسير، وزيد بن أَرقم . والبراء بن عازب، وأُسَيد بن
ظْهَيرِ، وعَرابة(١) بن أَوْس. وَأَبو سعيد الحُدْرِىّ، وَسَمُرَة بن جُنْدُب،
ورافع بن خديج . فردّهم . قال رافع بن خديج ، فقال ظُهَير بن رافع :
يا رسول الله إِنَّه رامٍ(٢)! وجعلت أَتطاول وعلىّ خُفَّان لى، فأَجازنى رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم. فلمّا أَجازنى قال سَمْرَة بن جُنْدُب لرَبيبه مُرَىّ بن
سِنان الحارثّّ. وهو زوج أُمّه: يا أَبة، أجاز رسول الله رافع بن خديج
وردّنى، وأَنا أَصرعُ رافع بن خديج. فقال مُرَىّ بن سنان الحارثيّ :
يا رسول الله رددتَ ابنى وأَجزت رافع بن خديج وابنى يصرعه . فقال رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم : تصارعا! فصرع سَمُرَة رافعاً فأجازه رسول الله صلَّى اللّه
عليه وسلَّم - وكانت أُمّه امرأة من بنى أَسَد .
وأقبل ابن أُبَىّ فنزل ناحيةً من العسكر ، فجعل حلفاؤه ومن معه من
المنافقين يقولون لابن أُبَّىّ: أشرتَ عليه بالرأَى ونصحتَه وأخبرتَه أنَّ هذا
رأى من مضى من آبائك؛ وكان ذلك رأيه مع رأيك فأنى أن يقبله، وأطاع
هؤلاء الغلمان النين معه! فصادفوا من ابن أُبىّ نفاقاً وغِشًّا.
فبات رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالشيخّين . وبات ابن أبىّ فى
أَصحابه، وفرغ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مِن عَرْض أصحابه (٣). وغابت
القسر فأَذَّ بِلالٌ بالمغرب ، فصلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بأصحابه،
(١) فى ت: ((عزاية بن أوس))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ، وعن ابن عبد البر. (الاستيعاب،
ص ١٢٣٨ ) .
(٢) فى ح: ((إنه رام يعينى)).
(٣) فى ب: ((من عرض من عرض من أصحابه)).

٢١٧
ثم أَذَّن بالعشاء فصلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم بأَصحابه، ورسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم نازل فى بنى النَّجّار. واستعمل رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم على الحرس محمّد بن مَسْلمَة فى خمسين رجلاً ، يطوفون بالعسكر حتى
أَدلج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وكان المشركون قد رأوا رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم حيث أدلج، ونزل بالشيخَين ، فجمعوا خيلهم وظَهْرهم واستعملوا على
حرسهم عِكْرِمَة بن أبى جَهل فى خيلٍ من المشركين ؛ وباتت صاهلةً خَيْلُهم
لا تهدأ ، وتدنو طلائعهم حتى تلصق بالحَرَّة ، فلا تُصعّد فيها حتى ترجع
خيلهم ، ويها بون موضع الحَرَّة ومحمّد بن مَسْلَمَة.
وقد كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال حين صلَّى العشاءَ: من
يحفظنا الليلة ؟ فقام رجلٌ فقال: أَنا يا رسول الله . فقال رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم : من أنت ؟ قال : ذَكْوان بن عبد قَيس . قال : اجلس .
ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم : من رجلٌ يحفظنا هذه الليلة ؟ فقام
رجلٌ فقال : أَنا . فقال : من أنت ؟ قال : أَنا أَبو سَبُع. قال : اجلس .
ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : من رجلٌ يحفظنا هذه الليلة ؟ فقام
رجلٌ فقال : أَنا . فقال : ومن أَنت؟ قال : ابن عبد قيس . قال :
اجلس. ومكث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ساعةً ثم قال : قوموا ثلاثتكم.
فقام ذَكْوان بن عبد قيس ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أَين صاحبالك؟.
فقال ذَكْوان : أَنا الذى كنت أَجبتك الليلة . قال : فاذهب ، حفظك
الله ! قال : فلبس درعه وأخذ دَرَقَته ، وكان يطوف بالعسكر تلك الليلة ،
ويُقال كان يحرس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لم يُفارقه .
ونام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى أَدلج، فلمّا كان فى السحر
قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أَين الأَدِلَّاء؟ مَن رجلٌ يدلّنا على الطريق

٢١٨
ويُخرجنا على القوم من كَثَبٍ ؟ فقام أبو حَثْمَةٍ(١) الحارثيّ فقال : أَنا
يا رسول الله . ويقال أَوس بن قَيظىّ(٢)، ويقال مُحَيِّصَة - وأَثبت ذلك
عندنا أَبو حَثْمَة. قال : فخرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فركب فرسه،
فسلك به فى بنى حارثة، ثم أَخذ فى الأموال حتى يمرّ بحائط. مِرْبَع بن
قَيظىّ، وكان أعمى البصر منافقاً، فلمّا دخل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
وأصحابه حائطه قام يحثِى التراب فى وجوههم وجعل يقول : إن كنت
رسول الله، فلا تدخل حائطى ، فيضربه سعد بن زيد الأَشْهَلىّ بقَوْسٍ فى
يده ، فشجّه فى راسه فنزل الدم ، فغضب له بعض بنى حارثة ممّن هو على
مثل رأيه. فقال: هى عَداوتكم يا بنى عبد الأَشْهَل، لا تدَعونها أبدًا لنا. فقال
أُسَيد بن حُضَير: لا واللهِ، ولكنّه نفاقكم. واللهِ، لو لا أَنى لا أَدرى ما
يُوافق النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم من ذلك لضربت عنقه وعنق من هو على مثل
رأيه ! فأُسكِتوا (٣).
ومضى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فبينا هو فى مسيره إِذ ذَبَّ فرس
أَبِى بُرْدَة بن نِيار بذنبه، فأَصاب كُلاَّب(٤) سيفه فسلّ سيفه ، فقال رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم : يا صاحب السيف. شِمْ سيفك، فإِنّى إِخالُ
السيوفَ سْتُسَلُّ فَيَكثُر سَلُّها! وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُحبّ
الفأْل ويكره الطِيرَة .
(١) فى الأصل: ((أبو خيثمة))، وفى ح: ((أبو خثيمة)). وما أثبتناه عن سائر النسخ،
وعن ابن سعد. ( الطبقات، ج ٢، ص ٢٧ ) .
(٢) فى الأصل: ((قبطى))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ، وعن ابن سعد. ( الطبقات،
ج ٨، ص ٢٤٠) .
(٣) فى ح: ((ونهاهم النبى صلى الله عليه وسلم عن الكلام فأسكتوا)).
(٤) الكلاب : مسمار يكون فى قائم السيف، وقيل هى الحلقة التى تكون فى مسمار قائم السيف.
( شرح أبى ذر ، ص ٢١٧ ) .

٢١٩
: ولبس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الشيخَين درعاً واحدةً، حتى
انتهى إلى أُحُد ، فلبس درعاً أُخرى، ومِغْفَرًا وبَيضةً فوق المِغْفَر. فلمّا
نهض رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الشيخَين زحف المشركون على تَعْبيةٍ (١)
حتى انتهوا إلى موضع أَرض ابن عامر اليوم . فلمّا انتهى رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم إلى أُحُد - إلى موضع القنطرة اليوم - جاءَ وقد حانت الصلاة ،
وهو يرى المشركين ، أمر بلالاً فأَذَّن وأقام وصلَّى بأَصحابه الصبح صفوفاً ؛
وارتحل (٢) ابن أُبَىّ من ذلك المكان فى كتيبةٍ كأَنَّه هَيْق (٣) يقدُمهم، فاتّبعهم
عبد الله بن عمرو بن حَرام فقال: أُذكِّركم الله ودينكم ونبيّكم ، وما
شرطتم له أن تمنعوه ممّا تمنعون منه أنفسكم وأولادكم ونساءً كم . فقال ابن
أَبَىّ: ما أَرى يكون بينهم قتال، ولئن أَطعتنى يا أَبا جابر لترجعنَّ، فإِنَّ
أَهلِ الرَّى والحِجَى قد رجعوا، ونحن ناصروه فى مدينتنا، وقد خالَفَنا وأَشرتُ
عليه بالرأى، فأِّبى إِلَّا طواعية الغلمان . فلمّا أَبى على عبد الله أن يرجع ودخلوا
أَزِقَّة المدينة، قال لهم أبو جابر: أَبعدَكم الله، إِنَّ اللّه سيُغنى النبيَّ والمؤمنين
عن نصركم ! فانصرف ابن أُبَىّ وهو يقول: أَيعصينى ويُطيع الولدأَن ؟
وانصرف عبد الله بن عمرو بن حَرام يعدو حتى لحق رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم، وهو يُسوَّى الصفوف . فلمّا أُصيب أصحاب النبيّ صلَّى الله عليه
وسلَّم سُرّ ابن أُبَىّ، وأَظهر الشماتة وقال : عصانى وأَطلاع مَن لا رأَىَ له !
وجعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يصفّ أصحابه، وجعل الرُّماة
خمسين رجلاً على عَينَيْن، (٤) عليهم عبد الله بن جُبير، وقيل عليهم سعد
(١) قال الجوهرى: عبيت الجيش تعبية وتعبئة إذا هيأته فى مواضعه. (الصحاح، ص ٢٤١٨).
(٢) فى ب، ح: ((وانخذل)).
(٣) قال ابن دريد: الهيق: الظليم، وهو الذكر من النعام، والأنثى هيقة. (جمهرة اللغة، ج ٣ ،
ص ٣٦٠ و ١٦٩٠). ويريد هنا سرعة ذهابه .
(٤) عينان: جبل بأحد. ( معجم ما استعجم، ص ٦٨٨).