النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢٠
أَجازت جِبالَ الأَخْشَبَيْنِ(١) وجُرّدت حَرائرُ يَضربْنِ التَّرائب(٢) حُسّرا
أَنشدنيه عبد الله بن أبى عُبَيدة، عن محمّد بن عَمّار بن ياسر . فاستمعوا
للصوت فلا يرون أحدًا ، فخرجوا فى طلبه فلا يرون أَحدًا ، فخرجوا فزعين
حتى جازوا الحِجْر (٣) فوجدوا مشيخة منهم جِلَّةً سُمَارًا، فأخبروهم الخبر
فقالوا لهم : إِن كان ما تقولون حقًّا، إِنَّ محمّدًا وأصحابه يُسمَّون الحَنيفيّة
- وما يعرفون اسم الحنيفيّة يومئذ. فما بقى أحدٌ من الفتيان الذين كانوا بذى
طُوَّى إِلَّا وُعِك، فما مكثوا إلا ليلتين أو ثلاثاً حتى قدم الحَيْسُمان بن
حابس الخُراعىّ بخبر أهل بدر ومَن قُتل منهم ، فهو يُخبرهم قتْل عُتبة
وشيبة ابني ربيعة ، وابنى الحَجّاج، وأَبى البَخْتَرِىِّ؛ وزَمعة بن الأسود .
قال : وصَفوان بن أُمَيّة فى الحِجر جالسٌ(٤) يقول : لا يعقل هذا شيئاً
مما يتكلّم به ، سلوه عنِّى(٥)! فقالوا : صَفوان بن أُمَيّة ، لك به علم ؟
قال : نعم ، ذاك فى الحِجر، وقد رأيت أَباه وأخاه مقتولَين(٦). قال :
ورأيت سُهيل بن عمرو أُسِر، والنَّضْر بن الحارث . قالوا : وما يُدريك؟
قال : رأيتهما مقرونَيْن فى الحبال .
قالوا : بلغ النجاشىَّ مقتلُ قُرَيش بمكّة وما ظفَّر الله به نبيّه ، فخرج فى
ثوبين أبيضين، ثم جلس على الأرض ، ثم دعا جَعْفَر بن أبى طالب وأصحابه
فقال : أَيُّكم يعرف بدرًا؟ فأخبروه، فقال النجاشىّ : أَنا عارف بها ، قد
(١) الأخشبان: جبلا مكة؛ أبو قبيس والأحمر. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٦١).
(٢) الترائب: عظام الصدر. (الصحاح ، ص ٩١) .
(٣) الحجر: حجر الكعبة، وهو ما حواه الحطيم المدار بالبيت جانب الشمال. (الصحاح،
ص ٦٢٣) .
(٤) فى الطبرى عن الواقدى: ((قاعد فى الحجر)). (تاريخ الرسل والملوك، ص ١٣٣٨).
(٥) فى الطبرى عن الواقدى: ((والله إن يعقل هذا فسلوه عنى)). (تاريخ الرسل والملوك، ص١٣٣٨).
(٦) فى الطبرى عن الواقدى: ((حين قتلا)). (تاريخ الرسل والملوك، ص ١٣٣٨).

١٢١
رعيتُ الغَنَم فى جوانبها ، هى من الساحل على بعض نهار، ولكنّى أَردتُ أَن
أَتثبّت منكم ؛ قد نصر الله رسوله ببدر، فأَحمدُ(١) الله على ذلك. قال
بَطارِقَته : أَصلح الله الملك! إِنَّ هذا لشىءٌ لم تكن تصنعه ، تلبس ثوبين
وتجلس على الأَرض ! فقال : إنى من قومٍ إِذا أَحدث الله لهم نعمةٌ ازدادوا بها
تواضعاً . ويُقال إِنه قال: إِنَّ عيسى بن مَرْيَم عليه السلام كان إِذا حدثت له
نعمةٌ ازداد بها تواضعًا .
ولمّا رجعت قُريش إلى مكَّة قام فيهم أبو سُفيان بن حرب فقال : يا
عشر قُرَيش، لا تبكوا على قتلاكم ، ولا تَنُحْ عليهم نائحة ، ولا يَبكهم
شاعرٌ؛ وأَظهِروا الجَلَد والعزاء ، فإنكم إذا نُحتم عليهم وبكيتموهم بالشعر
أَذهب ذلك غَيْظَكم، فأَكلّكم ذلك عن عداوة محمّد وأصحابه ؛ مع أنه إِن
بلغ محمّدًا وأصحابه شَمِتوا بكم ، فيكون أعظم المصيبتين شاتتهم ، ولعلَّكم
تُدركون ثأركم؛ والدُّمن والنساء علىّ حرامٌ حتى أَغزوَ محمّدًا. فمكثت
فُرَيش شهرًا لا يَبكيهم شاعرٌ ولا تنوح عليهم نائحةٌ .
فلمّا قدم بالأسرى أَذلّ الله بذلك رِقاب المشركين والمنافقين واليهود ،
ولم يبقَ بالمدينة يهودىٌّ ولا منافقٌ إِلاَّ خَضَد(٢) عنقه لوقعة بدر . فقال عبد
الله بن نَبْتَل : ليت أَنَّا كنَّا خرجنا معه حتى نُصيب معه غنيمة ! وفرق الله
فى صبحها بين الكفر والإيمان، وقالت اليهود فيما بينها : هو الذى نجده
منعوناً ، والله لا تُرفَع له راية بعد اليوم إِلَّا ظهرت. وقال كعب بن الأشرف :
بطن الأَرض اليوم خيرٌ من ظهرها ؛ هؤلاء أَشراف الناس وساداتهم ، وملوك
العرب، وأَهل الحَرَمِ والأَمْن ، قد أُصيبوا. فخرج إلى مكَّة فنزل على أَبى
(١) فى ح: ((فاحمدوا)).
(٢) كذا فى الأصل وب؛ وفى ت: ((خضع)). وخضد عنقه: ثناه. (القاموس المحيط،
ج ١ ، ص ٢٩١) .

١٢٢
وَداعة بن ضُبَيرة، فجعل يُرسل هجاءَ المسلمين ورثاءً قتلى بدر من قُرَيش ،
فأرسل أبياته هذه ؛ يقول :
وَلِمثلٍ بدرٍ تَستَّهِلُّ وَتَدَمَعُ(١)
طَحَنتْ رحى بدرٍ لمَهلِك أَهْلِهِ
لا تَبعَدوا إِنّ الملوكَ تُصَرَّعُ
قُتلتْ سَرةُ الناسِ حولَ حِياضِه
إِنَّ ابنَ أَشْرَفَ ظَلَّ كَعباً يَجْزَعُ
ويقولُ أَقوامٌ أُذَكُّ بِسُخْطِهِمْ (٢)
ظَلَّت تَسْبِخُ بِأَهْلها(٣) وَتَصَدَّعُ
صدقوا فليتَ الأَرض ساعةً قُتِّلوا
. فى الناسِ يَبْنى الصالحات ويَجْمَعُ
نُبِّئْتُ أنّ الحوثَ بن هِشامِهِم
لِيَزُورَ يَغْرِبَ بِالجُموعِ وإِنما يَسعى على الحَسَبِ القديمُ الأَرْوَعُ(٤)
قال الواقدىّ : أَملاها علىّ عبد الله بن جَعْفَر ، ومحمّد بن صالح ،
وابن أبى الزِّناد، قالوا: فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم حَسّان بن ثابت
الأَنصارىّ فأخبره بمنزله عند أبى وداعة ، فجعل يهجو مَن نزل عنده حتى رجع
كَعبٌ إلى المدينة. فلمّا أَرسل هذه الأبيات أَخذها الناس منه وأَظهروا المراثى،
وجعل مَن لقى من الصبيان والجوارى يُنشدون هذه الأبيات بمكّة، ثم إنهم
رثَوا بها ، فناحت قُرَيش على قتلاها شهرًا، ولم تبقَ دارٌ بمكّة إِلَّا فيها
نَوح، وجزَّ النِّساء شعر الرءوس، وكان يُؤْتِى براحلة الرجل منهم أَو بفرسه
فتوقف بين أَظهرهم فينوحون حولها ، وخرجن إلى السكك فسترن الستور(٥) فى
الأَزْقَة وقطعن الطرق فخرجن يَنُحْنَ ، وصدّقوا روُّيا عاتِكة وجُهَيم بن الصَّلْت .
وكان الأَسود بن المطّلب قد ذهب بصره ، وقد كَمِد على مَن قُتل من
(١) فى ح: ((يستهل ويدمع)).
(٢) فى ح: ((بعزهم)).
(٣) ساخت الأرض بهم: انخسفت. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٢٦٢).
(٤) الأروع: الذى يروع لحسنه وجماله. (شرح أبى ذر، ص ٢١٢).
(٥) يريد أن النساء يضعن الستور على الطرق ويقطعنها ليجعلن مكانا للنوح.

١٢٣
ولده ؛ كان يُحبُّ أن يبكى على ولده، وتأبى ذلك عليه قُرَيش.، فكان
يقول لغلامه بين اليومين : احملْ معى خمرًاً واسلكْ بى الفَجّ الذى سلك أَبو
حُكَيمة . فيأنى به على الطريق عند فَجّ ، فيجلس فيسقيه حتى ينتشى ، ثم
يبكى على أبى حُكَيمة وإخوته ، ثم يحثى التراب على رأسه ويقول لغلامه:
ويحك ! انتمْ علىّ أَن تعلم بى قُرَيش، فإِّ أَراها لم تُجمع البكاء على
قتلاها .
فحدّثنى مُصْعَب بن ثابت ، عن عيسى بن مَعْمَر ، عن عَبّادٍ بن
عبد الله بن الزُّبَير ، عن عائشة ، قالت : قالت قُرّيش حين رجعوا إلى
مكَّة وقُتل أهل بدر : لا تبكوا على قتلاكم فيبلغَ محمّدًا وأصحابه فيشمِتوا
بكم ، ولا تبعثوا فى أَسراكم فيَأْرَب (١) بكم القوم، أَلا فأَمسكوا عن البكاء!
قالت : وكان الأَسود بن المطّلب أُصيب له ثلاثة من ولده - زَمْعَة، وعَقيل،
والحارث بن زَمْعَة - فكان يُحبّ أَن يبكى على قتلاه . فبينا هو كذلك إِذ
سمع نائحة من الليل ، فقال لغلامه وقد ذهب بصره ؛ هل بكتْ قُرَيشٌ
على قتلاها ؟ لعلىِّ أَبكى على أَبى حُكَيمة - يعنى زَمْعَة - فإنَّ جَوْفى قد
احترق ! فذهب الغلام ورجع إليه فقال : إنما هى امرأة تبكى على بعيرها
قد أَضلَّته . فذلك حين يقول :
ويَمنعها من النوم السُّهودُ
تُبكّى أَن يَضِلَّ لَها بَعِيرٌ
على بَدْرٍ تَصاغرت الخُدُودُ(٢)
فلا تبكى على بَكْرٍ ولكن
وَبَكِّى حارثاً أَسَدَ الأُسود
فَبَكِّى إِن بكيتٍ على عَقيل
(١) فيأرب: فيشند. (شرح أبى ذر، ص ١٦٣). أى يشتدون فى طلب الفداء.
(٢) كذا فى الأصل، وب، ت. وفى البلاذرى عن الواقدى: ((تصاغرت الحدود)). (أنساب
الأشراف، ج ١، ص ١٤٩). وفى ابن إسحاق: ((تقاصرت الجدود)). والجدود: جمع جد [ بفتح
الجيم ] وهو هنا السعد والبخت. (شرح أبى ذر ، ص ١٦٣) .

١٢٤
ومَا لِأَبِى حُكَيمة من نَديدِ(٢)
وبَكّيهم ولا تَسَمِى(١) جَميعاً
ومَخْزومٍ وَرَهْط. أَبى الوَليدِ
على بَدْرٍ سَرةٍ بنى هُصَيصٍ
وَلَوْلا يومُ بَدْرٍ لَمْ يَسُودوا
أَلا قد سادَ بَعْدَهُمُ رِجالٌ
أخبرنى ابن أبى الزِّناد قال : سمعت أَبِى يُنشد: تَصاغرت الخُدود .
ولا يُنكر الجُدود .
قالوا : ومشى نساء قُرَيش إِلى هِند بنت عُتْبَة فقان: أَلا ثبكين على
أَبيكِ وأَخيكِ وعمّكِ وأَهل بيتكِ ؟ فقالت: حَلْقَى(٣)، أَنا أُبكّيهم فيبلغ
محمّدًا وأَصحابه فيشمِتوا بنا، ونساء بنى الخَزْرَجْ ! لا واللهِ ، حتى أَثْأَر
محمّدًا وأصحابه؛ والدُّهْن علىّ حرامٌ إِن دخل رأسى حتى نغزوَ محمّدًا. واللهِ،
لو أعلم أنَّ الحزن يذهب من قلبى بكيت ؛ ولكن لا يُذهبه إلّا أَن أَرى ثأرى
بعينى من قتلَة الأَجِبّة. فمكثت على حالها لا تَقْرَب الدُّهْن، وما قربت فِراش
أبى سفيان من يوم حلفت حتى كانت وقعة أُحُد .
وبلغ نَوْفَلَ بن مُعاوية الدِّيلىّ ، وهو فى أَهله، وقد كان شهد معهم بدرًا ،
أَنَّ قُرَيشاً بكت على قتلاها ، فقدم فقال : يا معشر قُرَيش ، لقد خفَّت
أحلامكم، وسَفُه رأيُكم ، وأَطعتم نساءَكم ، ومثل قتلاكم يُبْكَى عليهم ؟
هم أَجلّ من البُكاء ، مع أَنَّ ذلك يُذهب غيظكم عن عداوة محمّد وأصحابه ،
فلا ينبغى أن يذهب الغيظُ عنكم إِلاَّ أَن تُدركوا ثاركم من عدوّكم. فسمع
أبو سُفيان بن حَرب كلامه فقال: يا أَبا مُعاوية، غُلبتَ واللهِ! ما ناحت
امرأةٌ من بنى عَبد شَمس على قتيلٍ لها إلى اليوم، ولا بكَّامن شاعرٌ إلّ
(١) لا تسمى: أراد ((لا تسأمى)) فنقل حركة الهمزة إلى السين ثم حذف الهمزة (شرح أبى ذر، ص١٦٣).
(٢) النديد: الشبيه والمثل. ( شرح أبى ذر، ص ١٦٣) .
(٣) حلقى: أى حلقها الله، يعنى أصابها وجع فى حلقها خاصة. (النهاية، ج ١، ص ٢٥١).

١٢٥
نهيتُهُ، حتى نُدرك ثأرنا من محمّد وأصحابه . وإنى لأَنَا المَودور الثائر ،
قُتل ابنى حَنْظَلَة وسادة أَهل هذا الوادى ، أَصبح هذا الوادى مُقشعرًا
لفَقْدِهم.
فحدّثنى مُعاذ بن محمّد الأَنصارىّ ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ،
قال : لمّا رجع المشركون إلى مكَّة وقُتل صناديدهم وأَشرافهم ، أَقبل عُمَير
ابن وهَبْ بن عُمَير الجُمحِىّ حتى جلس إلى صفوان بن أُمَيّة فى الحِجر ، فقال
صفوان بن أُمَيّة : قَبَّح الله العيشَ بعد قتلى بدر. قال عُمَير بن وهب: أَجل
واللهِ، ما فى العيش بعدهم خيرٌ، ولولا دَين علىّ لا أجد له قضاءً ، وعيالٌ
لا أَدعُ لهم شيئاً، لرحلتُ إِلى محمّدٍ حتى أَقتله إِن ملأت عينى منه . فإنه
بلغنى أَنه يطوف فى الأسواق، فإِنَّ لى عندهم عِلَّة ، أَقول : قدمتُ على ابنى
هذا الأَسير . ففرح صَفوان بقوله ذلك وقال : يا أَبا أُمَيّة ، وهل نراك
فاعلاً ؟ قال: إِى وربّ هذه البَنيَّة! قال صَفوان : فعلىّ دَينك ، وعيالك
أسوة عيالى ، فأَنت تعلم أنَّه ليس بمكّة رجل أَشدّ توسّعاً على عياله منّى.
فقال عُمَير : قد عرفتُ بذلك يا أَبا وَهْب. قال صَفوان: فإِنَّ عيالك
مع عيالى ، لا يَسَعنى شىءٌ ويعجز عنهم ، ودَينك علىّ. فحمله صفوان على
بعيرٍ وجهَّزه ، وأجرى على عياله مثل ما يُجرى على عيال نفسه . وأمر عُمَير
بسيفه فشُحِذَ(١) وسُمّ، ثم خرج إلى المدينة وقال لصَفوان: ا كتم علىّ أَيّاماً
حتى أَقَدَمها . وخرج فلم يذكره صَفوان ، وقدم عُمَيرٌ فنزل على باب المسجد
وعَقَل راحلته، وأخذ السيف فتقلَّده. ثم عمد نحو رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم ، فنظر عمر بن الخَطَّب رضى الله عنه ، وهو فى نَفَرٍ من أصحابه
يتحدّثون ويذكرون نعمة الله عليهم فى بدر، فرأَى عُمَيرًا وعليه السيف ،
(١) شحذ السيف: أحده. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٣٥٤).

١٢٦
ففزع عمر منه وقال لأصحابه : دونكم الكلب ! هذا عدوّ الله الذى حرَّش
بيننا يوم بدر ، وحَزَرَنا للقوم ، وصعّد فينا وصوّب ، يُخبر قُرَيشاً أنه لا
عددَ لنا ولا كَمين. فقاموا إليه فأَخذوه ، فانطلق عمر رضى الله عنه إلى
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسول الله، هذا عُمَير بن وهب ، قد
دخل المسجد ومعه السلاح ، وهو الغادر الخبيث الذى لا نأمنه على شىء .
فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم : أَدخِله علىّ ! فخرج عمر فأَخذ بحِمالة
سيفه فقبض بيده عليها ، وأخذ بيده الأخرى قائمة السيف ، ثم أدخله على
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. فلمّا رآه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال :
يا عمر، تأَخَّرْ عنه ! فلمّا دنا عُمَير من النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: أَنْعِمُ
صباحاً ! قال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: قد أكرمنا الله عن تحيّتك وجعل
تحيّتنا ((السلام))، وهى تحيّة أَهل الجنَّة. قال عُمَير : إِنّ عهدك بها
لَحديث. قال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: قد أَبدلنا الله بها خيرًا
منها؛ فما أَقدمَك ياعُمَير؟ قال : قدمت فى أَسيرى عندكم تُقاربوننا فيه ،
فإِنَّكم العشيرة والأهل . قال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: فما بال السيف؟
قال : قبّحها اللهُ من سيوف ، وهل أَغنت من شىءٍ ؟ وإِنما نسيتُه حين
نزلتُ وهو فى رَقَبَتِى، ولَعمرى إِنَّ لِى لَهَمَّا غيره! فقال له رسول الله صَلَى الله
عليه وسلَّم : اصْدُقْ ، ما أَقْدمَك ؟ قال: ما قدمتُ إِلَّ فِى أَسيرى . قال
رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: فما شرطتَ الصَّفوان بن أُمَيّة فى الحِجر ؟
ففزع عُمَير فقال: ماذا شرطتُ له ؟ قال : تحمّلتَ له بقتلى على أَن يقضى
دَينك ويَعولَ عيالك؛ والله حائلٌ بينى وبينك(١). قَال عُمَير: أَشهدُ أَنك
رسول الله وأنك صادقٌ، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله! كنَّا يا رسول الله نُكذِّبك
(١) فى ب، ت: ((بينك وبين ذلك)).

١٢٧
بالوحى وبما يأتيك من السماء . وإِنَّ هذا الحديث كان بينى وبين صَفوان
كما قلتَ ، فلم يطَّلع عليه غيرى وغيره، وقد أمرتُه أَن يكتم عنى ليالى مسيرى
فأَطلعك الله عليه ؛ فآمنتُ بالله ورسوله، وشهدتُ أَنَّ ما جئتَ به حقٌّ ؛
الحمد لله الذى ساقنى هذا المَساق ! وفرح المسلمون حين هداه اللهُ ، وقال
عمر بن الخَطَّاب رضى الله عنه: لَخنزير كان أُحبّ إِلىّ منه حين طلع،
وهو الساعة أحبُّ إِلىّ من بعض ولدى. فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم:
علِّموا أَخاكم القرآن وأطلقوا له أَسيرَه. فقال عُمَير: يا رسول الله، إِلى كنت
جاهدًا على إطفاء نور الله ، فله الحمد أَن هدانى ؛ فائذن لى فأَلحق قُرَيشاً
فأَدعوهم إلى الله وإلى الإِسلام ، فلعلّ الله يهديهم ويستنقذهم من الهلكة .
فأذن له فخرج فلحق بمكّة، فكان صَفوان يسأل عن عُمَير كلَّ راكب
يَقْدَم من المدينة ويقول : هل حدث بالمدينة مِن حَدَث ؟ ويقول لقُرَيش :
أَبشروا بوقعةٍ تُنسيكم وقعة بدر. فقدم رجلٌ من المدينة ، فسأله صَفوان عن
عُمَير فقال: أَسلم . فلعنه صَفوان ولعنه المشركون بمَّة وقالوا : صَبَأْ عُمَير !
فحلف صَفوان أَلاَّ يُكلِّمه أَبدًا ولا ينفعه، وطرح عيالَه. وقدم عُمَير عليهم
على تلك الحال ، فدعاهم إلى الإِسلام وخبّرهم بصدق رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم، فأَسلم معه بَشَرٌ كثير .
فحدّثنى محمّد بن أَبِى حُمَيد، عن عبد الله بن عمرو بن أُمَيّة ، قال :
لمّا قدم عُمَير بن وهب نزل فى أهله ولم يقرب صفوان بن أُمَّيّة ، فأَظهر
الإِسلام ودعا إليه ، فبلغ صَفوان فقال : قد عرفتُ حين لم يبدأ بى قبل
منزله، وإنما رحل من عندى، أنَّه قد (١) ارْتَكَس؛ ولا أُكلّمه من
رأسى أَبدًا، ولا أَنفعه ولا عياله بنافعة أبدًا. فوقف عليه عُمَير ، وهو فى
(١) فى ح: ((وقد كان رجل أخبرنى أنه ارتكس).

١٢٨
الحِجر ، فقال: أَبًا وَهب ! فأَعرض عنه ، فقال عُمَير : أَنت سيّد من
ساداتنا ، أَرأَيتَ الذى كنَّا عليه من عبادة حَجَر والذبح له ؛ أَهذا دِين ؟
أَشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأَنَّ محمّدًا عبده ورسوله. فلم يُجبه صَفوان بكلمة.
المطعمون من المشركين ببدر
وكان المطعمون فى عبد مناف : الحارث بن عامر بن نَوفل، وشَيبة
وعُتبة ابنى رَبيعة ؛ ومن بنى أَسَد : زَمعة بن الأسود بن المطّلب بن أَسَد ،
ونَوفل بن خُوَيْلِد بن العَدَوِيَّة؛ ومن بنى مَخزوم : أَبو جَهل ؛ ومن بنى
جُمَح: أُمَيَّه بن خَلَف؛ ومن بنى سَهْم: نُبَيْه ومُنَّبِّه ابنا الحَجّاج. قال (١):
وكان سعيد بن المُسَيِّب يقول: ما أَطعم أَحدٌ ببدر إلَّ قُتل. قال : وقد
اخْتلِف علينا فيهم ، وهذا أَثبت عندنا . وقد ذكروا عدّة ؛ منهم سُهَيلٌ وأَبو
البَخْتَرِىّ وغيرهما .
فحدّثنِى هِشام بن عُمارة ، عن عُثمان بن أبى سُلَيمان ، عن نافع بن
جُبير بن مُطْعِم، عن أبيه ، قال : قدمتُ على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
المدينة فى فِداء الأسرى ، فاضطجعت فى المسجد بعد العصر ، وقد أصابنى
الكَرَى فنمتُ ، فأُقيمت صلاة المغرب فقمت فزعاً بقراءة النبيّ صلَّى الله
عليه وسلَّم فى المغرب ﴿وَالطُّورِ﴾ (٠﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾(٢)، فاستمعت قراءته
حتى خرجت من المسجد ، فكان يومئذٍ أَوّل ما دخل الإسلام قلبى .
فحدّثنى عبد الله بن عثمان بن أَبِ سُليمان ، عن أبيه ، قال : قدم من
(١) أى قال الواقدى.
(٢) سورة ٥٢ الطور ١-٢.
ها

١٢٩
قُرَيش أربعةَ عشر رجلاً فى فداءٍ أَصحابهم .
وحدَّثنى شُعَيب بن عُبادة ، عن بَشير بن محمّد بن عبد الله بن زيد ،
قال : قدم خمسةَ عشرَ رجلاً، فكان أَوّل مَن قدم المطّلب بن أَبِى وَداعَة ،
ثم قدموا بعده بثلاث ليال .
فحدّثنى محمّد بن صالح ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن يَزيد
ابن النُّعمان بن بشير، عن أبيه ، قال: جعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
الفِداء يوم بدر أربعة آلاف لكلّ رجل .
فحدّثنى إسحاق بن يحيى قال: سأَلت نافع بن جُبير: كم (١) كان
الفِداء ؟ قال : أَرْفَعُهم أربعة آلاف، إلى ثلاثة آلاف ، إلى ألفين، إِلى
أَلف، إِلى قومٍ(٢) لا مال لهم، منّ عليهم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى أَبِى وَدَاعَة: إِنَّ له بمكّة ابناً كَيِّساً له
مال، وهو مُغْلٍ فِداءَه. فافتداد بأربعة آلاف، وكان أَوّل أَسير افتُدِى.
وذلك أَنَّ قُرَيشاً قالت لابنه المطَّلب ورأَته يتجهّز ، يخرج إلى أبيه ، فقالوا:
لا تعجل ، فإنَّا نخاف أن تُفسد علينا فى أَسارانا، ويرى محمّد تهالُكنا
فيُغلى علينا الفِدية ؛ فإن كنتَ تجد فإِنَّ كلّ قومك لا يجدون من السَّعَة ما
تجد . فقال : لا أَخرجُ حتى تخرجوا . فخادعهم حتى إذا غفلوا خرج من
الليل مُشرّقاً(٣) على راحلته، فسار أربع ليال إلى المدينة، فافتدى أَباه بأَربعة
آلاف. فلامته فى دلك قُرَيش فقال: ما كنتُ لأَتركَ أَبِ أَسيرًا فى أيدى
القوم وأنتم مُتضجِّعون(٤). قال أبو سُفيان بن حرب: إِنَّ هذا غلامٌ حَدَثٌ،
(١) فى الأصل: ((كيف كان))؛ وما أثبتناه عن ب، ت.
(٢) فى ح: ((إلا قوماً)).
(٣) فى الأصل: ((منرفاً))، وفى ت: ((متشرقاً))؛ وما أثبتناه قراءة ب. والتشريق: الأخذ فى
ناحية الشرق . ( القاموس المحيط، ج ٣، ص ٢٤٩) .
(٤) تضجع فى الأمر: أى تقعد ولم يقم به. (الصحاح، ص ١٢٤٨).

١٣٠
مُعْجَبٌ برأيهِ ، وهو مُفسد عليكم! إنّ واللّهِ غير مُفتد عمرو بن أبى سُفيان
ولو مكث سنة أَو يُرسله محمّد! واللهِ ما أَنا بأَعوزكم ، ولكنى أكره أن يدخل
علىّ أَوْ أُدْخِلَ عليكم ما يشقّ عليكم ، ويكون عمرو كأُسْوَتكم .
أسماء النفر الذين قدموا فى الأسرى
من بنى عَبد شَمس: الوليد بن عُقبة بن أَبِى مُعَيْط. ، وعمرو بن الرَّبيع
أَخو أبى العاص ؛ ومن بنى نوفل بن عبد مناف: جُبَير بن مُطْعِم؛ ومن
عبد الدار : طلحة بن أَبِى طَلحة؛ ومن بنى أَسَد : عُمَاذ بن أَبى حُبَيْش؛ ومن بنى
مَحزوم : عبد الله بن أبى رَبيعة ، وخالد بن الوليد ، وهِشام بن الوليد بن
المُغيرة، وفَرْوَة بن السائب ، وعِكرمة بن أبى جَهل؛ ومن بنى جُمَح: أُبِّىْ بن
خَلَف، وعُمَير بن وهب ؛ ومن بنى سَهم: المطَّب بن أَبِى وَداعةً ، وعمرو بن
قَيس؛ ومن بنى مالك بن حِسْل: مِكْرَز بن حفص بن الأُخْيَف(١).
فحدّثْنى المُنذر بن سعد، عن عيسى بن مَعْمَر ، عن عَبّاد بن
عبد الله ، عن عائشة رضى الله عنها ، قالت: لمّا بعث أَهلُ مكَّة فى فِداء
أسراهم بعثت زَيْنَب بنت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى فِداء روجها أَبِى
العاص بن الرَّبيع، وبعثت فيه بقِلادة لها كانت لخَدِيجة - يقال : إِنها
ن جَزْعِ ظَفار(٢)، كانت خديجة بنت خُوَيْلِد أَدخلتها بها على أَبى العاص
حين بَنَى بها. فلمّا رأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم القِلادَة عرفها ورقّ لها ،
(١) فى ح: ((مكرز بن حفص بن الأحنف))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ، وعن ابن سعد .
( الطبقات، ج ٢، ص ٧٠) .
(٢) قال الفيروزاباذى: ظفار باليمن قرب صنعاء، إليه ينسب الجزع. ( القاموس المحيط،
ج ٢، ص ٨١) .

١٣١
وذكر خديجة ورحّم عليها ، وقال : إِن رأيتم أَن تُطلقوا لها أَسيرَها، وتردّوا
إِليها مَناعَها فعلتم . فقالوا : نعم ، يا رسول الله . فأطلقوا أبا العاص بن
الرَّبيع وردّوا على زينب مَتاعَها . وأَخذ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على أَبى
العاص أَن يُخلى سبيلها ، فوعده ذلك ؛ وقدم فى فدائه عمرو بن الرَّبيع
أَخوه. وكان الذى أَسره عبد الله بن جُبير بن النُّعمان أَخو خَوّات بن جُبَير.
ذكر سورة الأنفال
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأَنْفالِ﴾ قال: لَمّا غَنِم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
يوم بدر اختلفوا ، فادّعت كلّ طائفة أنهم أَحقّ به ، فنزلت هذه الآية ،
وهى قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَحِلَتْ قُلُوبُهُمْ
وإِذا قُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً﴾ يقول : زادتهم يقيناً . وفى قوله:
﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّ﴾ يقول: يقيناً. وفى قوله: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ
مِنْ بَيْتِكَ بِالحَقِّ) يقول: لمّا أَمرك ربّك أَن تخرج إلى بدر هو الحقّ .
وأخبرنى ابن جُرَيج، عن محمّد بن عَبّاد بن جَعْفَر السَخزومىّ فى قوله: ﴿مِنْ
بَيْتِكَ﴾ قال: من المدينة . وفى قوله: ﴿ وَإِنَّ فَريقاً مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهونَ*
يُجَادِلُونَكَ فِى الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَّيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلى المَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾.
كره خروجَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَقوامٌ من أصحابه إِلى بدر، قالوا :
نحن قليل وما الخروج برأى ! حتى كان فى دلك اختلاف كبير . وفى قوله:
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ) لمّا كان رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم دون بدر نزل عليه جبريل عليه السلام فخبّره بمسير قُريش ، وهو
يُريد عِيرها ، فوعده الله إِما العِير وإِما لقاءَ قُرَيش فيُصيبهم . فلمّا كان

١٣٢
ببدر أخذوا السُّقَاءَ، وسألوهم عن العِير فجعلوا يُخبرونهم عن قُرَيش ، فلا
يُحبّ ذلك المسلمون لأَنها شَوْكَة، ويُحبّون العِير. وفى قوله ﴿وَيُريدُ اللهُ
أَنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ يقول: يُظهر الدين. ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافِرِينَ﴾
يعنى من قُتل ببدر من قُرَيش . ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ يعنى لِيُظهر الحقِّ؛
﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ الذى جاءوا به؛ ﴿وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ يعنى قُرَيشاً .
﴿إِذْ تَسْتَغِيْثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ
مُرْدِفِينَ﴾ يعنى بعضهم على أثر بعض. ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللّه إِلَّا بُشْرَى) يعنى عدد
الملائكة الذين أَخبرهم بها، وليعلمنَّ أَنَّ الله ينصركم. ﴿إِذْ يُغَفِّيكُمُ النُّعَادَر
أَمَنَةُ مِنْهُ﴾ يقولُ أَلتى عليكم النوم أَمناً منه فقذفه فى قلوبكم؛ ﴿وَيُنَزِّلُ
عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءَ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ وكان بعضهم قد أَجنب؛ ﴿وَيُذْهِبَ
عَنْكُمْ رِجْرَ الشَّيْطانِ﴾ يقول: يصلّى ولا يغتسل! ﴿وَلِيَرْ بِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾
بالطمأنينة؛ ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ كان الموضع دَهْساً فلبّده(١). ﴿إِذْ يُوجِى
رَبُّكَ إِلى المَلائِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَتَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنوا) فكان المَلَك يتصوّر
فى صورة الرجل فيقول : اثبت فإِنَّهم ليسوا بشىء؛ ﴿سَأُلْقَى فِى قُلُوبٍ
الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ فكانت أَفئدتهم(٢) تخفق؛ لها وجَبَان كالحصاة
يُرَحَى بها فى الطست ؛ ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ) يعنى الأَّعناق؛
﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾ يدًا ورجلاً. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شاقُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾
يقول كفروا بالله وجحدوا رسوله. وفى قوله ﴿ذُلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾ يعنى القتل
ببدر ؛ ﴿وَأَنَّ لِلكافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾. ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً﴾
إلى قوله: ﴿وَبِتَْ المَصيرُ﴾ يوم بدر خاصَّة. ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكنَّ الله
قَتَلَهُمْ﴾ قول الرجل من أصحاب النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم: أَنا قتلت فلاناً؛
(١) لبد الشىء: ألزق بعضه ببعض حتى صار يشبه اللبدة. (النهاية ، ج ٤، ص ٤٥).
(٢) فى ت: ((أيديهم)).

١٣٣٠
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَفَى﴾ حين ربى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالقبضة
تراباً: ﴿وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءٌ حَسَناً) يعنى نصره إيّاهم يوم بدر.
﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَ كُمُ الفَتْحُ﴾ ول أَبِى جَهْل: اللّهمّ، أَقطعُنا للرَّحِم،
وآنانا بما لايُعرَف، فأَحِنْه؛ ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا ﴾ لمن بقى من قُرَيش؛ ﴿فَهُوَ
خَيْرٌ لكُمْ﴾ يعنى تُسلموا ؛ ﴿وَإِنْ تَعُودُوا﴾ لنقتال؛ ﴿نَعُدْ) -القتل لكم ؛
﴿وَلَنْ تُغْنِىَ عَنْكُمْ فِتَتُكُمْ شَيْئاً﴾ قالوا: لنا جماعة بمكّة نَغزوه غزوة تُصيبه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾
يعنى الدعاء، هذه الآية فى يوم أُحُد، عاتبهم عليها. ﴿لَا تَخُونُوا اللهَ
والرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ﴾ يقول: لا تنافقوا وأَدّوا كلّ ما استُودِ عتم. ﴿وَاعْلَمُوا
أَنَّمَا أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) يقول: إذا كثرماله عظمت فتنته وتطاول به،
وإِذا كان ولده كثيرًا رأَى أَنَّه عزيزٌ . وفى قوله ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً﴾ يعنى
مَخْرَجاً. ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ هذا بمكّة قبل
الهجرة، حين أراد الخروج إلى المدينة. ﴿وَإِذَا تُثْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنا قَالُوا
قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا .. ) إلى آخر الآية. ﴿وَإِذْ قَالوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ
هُذا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ انْتِنا بِعَذَابٍ أَليهِ﴾
قال : المتكلِّم بهذا النَّضْر بن الحارث، فأنزل الله عزَّ وجلّ فيه ﴿أَفَيِعَذَابنا
يَسْتَعْجِلُونَ﴾﴿فإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ (١) يوم بدر.
﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَدِّبَهُمْ وَأَنْتَ فيهِمْ) يعنى أَهل مكَّة؛ ﴿ وَمَا كَانَ اللهُ
مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يعنى يُصلُّون. ثم رجع فقال ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّ يُعَذِّبَهُمُ
اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ يعنى الهزيمة والقتل. وفى قوله ﴿ فَذُوقُوا
العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ يوم بدر. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ
(١) سورة ٣٧ الصافات ١٧٧،١٧٦

١٣٤
لِيَصُدُّوا عَنْ سَبيلِ اللهِ ﴾ إِلى قوله ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ حيث خرجوا إلى بدر حسرةٌ
وندامةً ، ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ فَقُتِلوا ببدر؛ يقول: ثم ﴿إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ﴾ يقول: إِن يُسلموا
يُغْفَرْ لهم ما قد مضى من أعمالهم ، وإِن يعودوا فقد رأَيتم مَن قُتل ببدر .
﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يعنى لا يكون شرك؛ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ
◌ِّهِ﴾ لا يُذكَر إِساف ولا نائلة. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِن شَىءٍ فَأَنَّ لِ خُمُسَهُ
وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. قال: الذى
الله هو للرسول، والذى لذى القربى قرابة رسول الله؛ ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنا
يَوْمَ الفُرْقَانِ يَوْمُ الْتَّقَى الجَمْعانِ ﴾ يعنى يوم بدر فرّق بين الحقّ والباطل.
﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ يعنى أصحاب النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم حین نزلوا
ببدر ، والمشركون بالعدوة القصوى، بينهم قَوْز من رمل، والرَّكْب رَكْب
أبى سُفيان قد لصق بالبحر أَسفل من بدر؛ ﴿وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لِاخْتَلَفْتُمْ فِى
الميعادِ﴾ لا محالة بأنى رَكْب قبل رَكْب؛ ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِىَ اللهُ أَمْرًّا كانَ
مَفْعولاً﴾ قَتْل مَن قُتل ببدر؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ يقول: يُقتّل
من قُتل عن عذر وحُجّة ، ويحيا من حَىّ منهم عن عذر وحُجّة. ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ
اللهُ فى مَنامِكَ قَلِيلاً﴾ قال: نام النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذ فقُلِّلوا فى
عينه؛ ﴿وَلَوْ أَراكُهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ يقول: رُعِيتم؛ ﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ) يقول:
ختلفتم؛ ﴿وَلُكنَّ اللهَ سَلَّمَ﴾ يعنى الاختلاف بينكم؛ ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ
الصُّدُورِ) يعنى ضعف قلوبكم. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيْتُمْ فِئَةً فاْبُتُوا
وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾ يعنى جميعاً، فلا تفرّوا وكبّروا. ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا
وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا) يعنى على السيف ، يقول: كبّروا الله فى أنفسكم
ولا تُظهروا التكبير، فإِنَّ إظهار فى الحرب فشل. ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ

١٣٥
خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبيلِ اللهِ﴾ يعنى مخرج
قُرَيش إِلى بدر. ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غالِبَ لَكُمُ
الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّى جارٌ لَكُمْ﴾ هذا كلُّه كلام سراقة بن جُعْثُم ، يقول
فيما يروون: تصوّر إِبليس فى صورته يومئذٍ. ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِتَتَانِ) يعنى
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقُرَيشاً نكص إِبليس وهو يرى الملائكة تقتل وتأسر
وقال: ﴿إِنِّى بَرِىءٌ مِنْكُمْ إِنِّى أَرَى مَا لا تَرَوْنَ﴾ رأَى الملائكة. ﴿إِذْ يَقُولُ
المُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هُوَّلَاءِ دِينُهُمْ﴾ نَفَرٌ كانوا أَقرّوا
بالإِسلام، فلمّا قُلِّل أصحابُ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فى أَعينهم فُّوا(١)،
وقالوا هذا الكلام فقُتلوا على كُفْرِهِم. ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) يعنى
أستاههم ولكنه كَنِى . أَخبرنا بذلكِ الثَّوْرِىّ، عن أبى هاشم ، عن مُجاهِد
وأسامة بن زيد، عن أبيه. ﴿كَذَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ كفعل آل فِرْعَون . وفى
قوله ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} إلى قوله ﴿وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾
يعنى قَيْنُقاع، بنى النَّضير، وَقُرَيْظَةٍ. ﴿فَإِمّا تَنْقَفَنَّهُمْ فِى الْحَرْبِ فَشَرِّدْ
بِهِمْ﴾ اقتلهم. ﴿وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةٌ﴾ إِلى آخر الآية ، نزلت فى بنى
قَيْنُقاع ؛ سار إليهم النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بهذه الآية. ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ
مَا اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ قال: الرمى؛ ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ يقول : ارتبطوا
الخيل تصهل وتُرى؛ ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾
يعنى خَيْبَر. ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْتَحْ لَهَا﴾ إِلى آخر الآية ، يعنى
قُرَبْظَة. ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾
يعنى قُرَيْظَة والنَّغير حين قالوا: نحن نُسلم ونتبعك. ﴿يا أَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ
اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ على القتال؛ ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابرُونَ﴾
(١) فى الأصل، ب، ح: ((قلوا)) والمثبت من ت.

١٣٦
نزلت فى بدر ثم نُسخت بقوله (الآنَ خَقَّفَ الله عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ
ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فصار الرجل يغلب الرجلين .
﴿مَا كَانَ لِنَبِىِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَشْرَى حَتَّى يُنْخِنَ فِى الأَرْضِ) يعنى أَخْذ
المسلمين الأَسرى يوم بدر؛ ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ يقول الفِداءَ؛ ﴿وَاللهُ
يُريدُ الآخِرَةَ﴾ يريد أَن يُقْتَلوا. ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِن اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما
أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظَيمٌ﴾ قال سبق إِحلال الغنيمة . ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالاً
طَيِّبًا﴾ قال: إِحلال الغنائم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ يعنى قُرَيشاً الذين هاجروا
قبل بدر، وَآوَوا وَنَصَروا الأَنصار؛ وأَما قوله: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا
مَالَكُمْ مِنْ وَلا يَتِهِمْ مِنْ شَىءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ يقول: ليس بينكم وبينهم وراثة
حتى يها جروا؛ ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِى الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ يعنى مدّة وعهد. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ
بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فى الأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ يقول: لا تَولِّوا أَحدًا
من الكافرين، بعضهم أولياء بعض ؛ ثم نسخ آية الميراث. ﴿وَأُولُوا الأَرْحامِ
بَعْضُهُمْ أَوْنَى بِبَعْضٍ فى كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلّ شَىءٍ عَلِيمٌ) .
وفى قوله ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَّةَ الكُبْرَى﴾(١) يوم بدر. ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ
لزاماً﴾(٢) يوم بدر. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقيمٍ﴾(٣) يوم بدر. (حَتَّى
إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَديدٍ﴾(٤) يوم بدر. ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ
(١) سورة ٤٤ الدخان ١٦
(٢) سورة ٢٥ الفرقان ٧٧
(٣) سورة ٢٢ الحج ٥٥
(٤) سورة ٢٣ المؤمنون ٧٧

١٣٧
الدِّبُرَ﴾(١) يوم بدر. ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾(٢) فلم يكن
إلَّا يسيرًا حتى كان وقعة بدر. ﴿وَذَرْنِى وَالمُكَذِّبِينَ أُولِ النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ
قَلِيلاً﴾(٣) نزلت قبل وقعة بدر بيسير. ﴿وَاجْعَلْ لِ مِنْ لَدُنْكَ سُنْطاناً نَصِيرًا﴾(٤)
يوم بدر. ﴿وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُوَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ﴾(٥) من قبل يوم بدر.
﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾(٦) قال: يوم بدر خاصّة ، وكان قد فرض عليهم
إذا لقى عشرون مائتين لا يفرّون ، فإنَّهم إِذا لم يفرّوا غلبوا . ثم خفَّف
عنهم فقال ﴿فإنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنٍ﴾(٧) فنسخت
الأولى ؛ فكان ابن عبّاس يقول : مَن فرّ من اثنين فقد فرّ ، ومن فرّ من
ثلاثة فلم يفرّ . وفى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا
قَوْمَهُمْ دارَ البَوارِ﴾(٨) يعنى قُرَيشاً يوم بدر. وفى قوله: ﴿حَتَّى إِذا أَخَذْنا
مُثْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾(٩) قال بالسيوف يوم بدر. وفى قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ
العَذابِ الأُدْنىَ دُونَ الْعَذابِ الأَكْبَرِ﴾(١٠) يقول : السيف يوم بدر .
حدّثنى محمّد بن هِلال ، عن أبيه ، عن أبى هريرة ، فى قوله عزَّ وجلّ
﴿أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ قال : يوم بدر .
حدّثنا الثَّوْرِىّ، عن عَلْقَمَة بن مَرْنَد، عن مُجَاهِد ، قال : بالسيوف
(١) سورة ٥٤ القمر ٤٥
(٢) سورة ٧ الأعراف ١٨٥
(٣) سورة ٧٣ المزمل ١١
(٤) سورة.١٧ الإسراء ٨٠
(٥) سورة ١٠ يونس ١٠٩
(٦) سورة ٨ الأنفال ١٦
(٧) سورة ٨ الأنفال ٦٦
(٨) سورة ١٤ إبراهيم ٢٨
(٩) سورة ٢٣ المؤمنون ٦٤
(١٠) سورة ٣٢ السجدة ٢١

١٣٨
يوم بدر . حدّثنا عمر بن عُثمان المخزوميّ عن عبد المَلِك بن عبيد ، عن
مُجاهِد، عن أُبَىّ بن كعب، فى قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾(١)
قال : يوم بدر .
ذكر مَن أُسر من المشركين
حدّثنى موسى بن مُحمّد بن إبراهيم ، عن أبيه، قال: وحدّثنى محمّد
ابن صالح ، عن عاصم بن عُمر بن قتادة ، عن مَحمود بن لَبيد قالا :
أُسر من بنى هاشم عَقيل بن أبى طالب ؛ قال مَحمود: أَسره عُبَيد بن أَوْس
الظَّفَرَىّ. وأَسْر نَوْفلَ بن الحارث جَبّارُ بن صَخْر، ومُتبة حليف لبنى هاشم
من بنى فِهْر .
حدّثنى عائذ بن يحيى ، عن أَبى الحُوَيْرِث ، قال : أُسر من بنى
المطّلب بن عَبد مَناف رجلان : السائب بن عُبَيد ، وعُبَيد بن عمرو بن
عَلْقَمَة، أَسرهما سَلَمَة بن أسلم بن حَريش الأَشْهَلىّ. حدثنى بذلك ابن
أبى حبيبة ، عن عبد الرحمن بن عبد الرحمن الأَنصارىّ . ولم يَقدَم لهما
أَحدُ، وكانا لا مال لهما ، ففلك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عنهما بغير
فِدية .
ومن بنى عَبد شَمس بن عبد مَناف : عُقْبة بن أبى مُعَيْط ، قُتل صبرًا
بالصَّفْراء(٢) قتله عاصم بن ثابت بن أبى الأَفْلِح بأمر النبيّ صلَّى الله عليه
وسلَّم، وكان الذى أَسره عبد الله بن سَلِمَة العَجْلانىّ؛ والحارث بن أَبى
(١) سورة ٢٢ الحج ٥٥
(٢) الصفراء من المدينة على ثلاث ليال كما ذكر ابن سعد. (الطبقات ، ج ٢، ص ١١).

١٣٩
وَجْزَةٍ(١)، وكان الذى أَسره سعد بن أَبِى وَقَّاص، فقدم فى فدائه الوليدِ
ابن عُقبة بن أَبِى مُعَيْط. ، فافتداه بأربعة آلاف . فحدّثنى محمّد بن يحيى
ابن سَهل، عن أبى عُفَيْرِ ، أَنَّ سعد بن أَبِى وَقَّاص، لمّا (٢) أَمر النبيّ صلَّى
الله عليه وسلَّم أَن يُرَدّ الأَسرى، كان الذى [ردّها؛ أَسره سعد أَوّل مرّة ، ثم
اقترعوا عليه فصار أيضاً له . وعمرو بن أبى سفيان ، صار فى سهم النبىّ
صلَّى الله عليه وسلَّم بالقُرْعَة، كان أَسره عَلىٌّ، وأرسله النبيّ صلَّى الله عليه
وسلَّم بغير فِدية لسَعد بن النُّعمان بن أَكَّال من بنى مُعاوية، خرج معتمرًا
فحُبس بمكّة؛ وأَبو العاص بن الرَّبيع، أسره خِراش بن الصُّمَّة. حدّثنيه إِسحاق
ابن خارجة بن عبد الله ، عن أبيه ، قال : قدم فى فِدائه عمرو بن الرَّبيع
أَخوه . وحليفٌ لهم يُقال له أَبو رِيشَة ، افتداه عمرو بن الرَّبيع . وعمرو بن
الأَّزرق افتَّه عمرو بن الرَّبيع، وكان الذى صار فى سهمه تَميم مولى
خِراش بن الصِّمَّة؛ وعُقبة بن الحارث بن الحَضْرَىّ، وكان الذى أَسره
عُمارَة بن حَزْم ، فصار فى القُرْعَة لأُبىّ بن كَعْب ، افتداه عمرو بن سُفيان
ابن أُميَّة ؛ وأَبو العاص بن نوفل بن عَبد شَمس ، أَسره عَمّار بن ياسر ،
فقدم فى فدائه ابن عمّه .
ومن بنى نوفل بن عَبد مَناف : عَدّى بن الخيار ، وكان الذى أَسره
خِراش بن الصِّمَّة - حدّثنى بذلك أَيّوب بن النُّعمان - وعُمان بن عَبد شَمس،
ابن أَخى عُتبة بن غَزْوان، حليفٌ لهم ، أَسره حارثة بن النَّعمان ؛ وأبو
ثَور ، افتداهم جُبير بن مُطْعِم، وكان الذى أَسر أَبا ثَوْر أَبو مَرْثد الغَذَوىّ
فى ثلاثة .
(١) فى الأصل: ((وخزة))، وفى ت: ((وحرة)؛ وما أثبتناه عن ب، وعن ابن إسحاق. (السيرة
النبوية، ج ٣، ص ٤) .
(٢) فى ب: ((قال لما)).