النص المفهرس

صفحات 741-760

وقال الأعمش عن خيثمة : كان عيسى يضع الطعام لأصحابه ويقوم عليهم
ويقول : هكذا فاصنعوا بالقِرى .
· وبه قالت امرأة لعيسى عليه السلام : طوبى لحجر حملك ولثدي أرضعك .
فقال : طوبى لمن قرأ كتاب الله واتبعه .
وعنه : طوبى لمن بكى من ذكر خطيئته وحفظ لسانه ووسعه بيته .
وعنه : طوبى لعين نامت ولم تحدث نفسها بالمعصية وانتبهت إلى غير إثم .
وعن مالك بن دينار قال : مر عيسى وأصحابه بجيفة فقالوا ما أنتن ريحها ،
فقال : ما أبيض أسنانها . لينهاهم عن الغيبة .
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : يحدثنا الحسین بن عبد الرحمن ، عن زكريا بن
عدي قال : قال عيسى بن مريم : يا معشر الحواريين .. ارضوا بدني الدنيا مع
سلامة الدين كما رضي أهل الدنيا بدني الدين مع سلامة الدنيا .
قال زكريا : وفي ذلك يقول الشاعر :
ولا أراهم رضوا في العيش بالدون
أری رجالا بأدنی الدین قد قنعوا
استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما.
وقال أبو مصعب عن مالك قال عيسى بن مريم عليه السلام: (( لا تكثروا
الحديث بغير ذكر الله فتقسوا قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا
تعلمون ، ولا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم أرباب وانظروا فيها كأنكم عبيد ،
فإنما الناس رجلان معافى ومبتلي فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية)).
وقال الثوري : سمعت أبي يقول عن إبراهيم التيمي ، قال : قال عيسى
لأصحابه : بحق أقول لكم .. من طلب الفردوس فخبز الشعير والنوم في المزابل
مع الكلاب کثیر .
وقال مالك بن دينار : قال عيسى : إن أكل الشعير مع الرماد والنوم على
المزابل مع الكلاب لقليل في طلب الفردوس .
٧٤١

وقال عبد الله بن المبارك : أنبأنا سفيان ، عن منصور ، عن سالم بن أبي .
الجعد ، قال : قال عيسى: اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم ، انظروا إلى هذه الطير
تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها ، فإن قلتم نحن أعظم بطونا من
الطير فانظروا إلى هذه الأباقير من الوحوش والحمر فإنها تغدو وتروح لا تحرث
ولا تحصد والله يرزقها .
وقال صفوان بن عمرو : عن شريح بن عبد الله ، عن يزيد بن ميسرة ،
قال : قال الحواريون للمسيح : يا مسيح الله .. انظر إلى مسجد الله ما أحسنه !.
قال : آمين آمين .. بحق ما أقول لكم لا يترك الله من هذا المسجد حجرا قائما إلا
أهلكه بذنوب أهله ، إن الله لا يصنع بالذهب ولا الفضة ولا بهذه الأحجار التي
تعجبكم شيئا ، إن أحب إلى الله منها القلوب الصالحة وبها يعمر الله الأرض ، وبها
يخرب الله الأرض إذا كانت على غير ذلك .
وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخه : أخبرنا أبو منصور بن محمد
الصوفي ، أخبرتنا عائشة بنت الحسن بن إبراهيم الوركانية ، قالت : حدثنا أبو
محمد عبد الله بن عمر بن عبد الله بن الهشيم إملاء ، حدثنا الوليد بن أبان إملاء ،
حدثنا أحمد بن جعفر الرازي ، حدثنا سهيل بن إبراهيم الحنظلي ، حدثنا عبد
الوهاب بن عبد العزيز ، عن المعتمر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، عن النبي
عَ ◌ّه قال : مر عيسى عليه السلام على مدينة خربة ، فأعجبه البنيان فقال : أي
رب .. مُرْ هذه المدينة أن تجيبني . فأوحى الله إلى المدينة : أيتها المدينة الخربة
جاوبي عيسى . قال : فنادت المدينة : عيسى حبيبي وما تريد مني ؟ قال : ما فعل
أشجارك وما فعل أنهارك وما فعل قصورك وأين سكانك ؟ قالت : حبيبي .. جاء
وعد ربك الحق فيبست أشجاري ونشفت أنهاري وخربت قصوري ومات
سكاني . قال : فأين أموالهم ؟ فقالت : جمعوها من الحلال والحرام موضوعة في
بطني ، لله ميراث السموات والأرض . قال : فنادى عيسى عليه السلام :
تعجبت من ثلاث أناس : طالب الدنيا والموت يطليه ، وباني القصور والقبور
منزله ، ومن يضحك ملء فيه والنار أمامه ! ابن آدم .. لا بالكثير تشبع ولا
بالقليل تقنع ، تجمع مالك لمن لا يحمدك وتقدم على رب لا يعذرك ، إنما أنت عبد
٧٤٢

بطنك وشهوتك ، وإنما تملأ بطنك إذا دخلت قبرك ، وأنت یابن آدم تری حشد
مالك في ميزان غيرك .
هذا حديث غريب جدا وفيه موعظة حسنة فكتبناه لذلك .
وقال سفيان الثوري عن أبيه ، عن إبراهيم التيمي ، قال عيسى عليه السلام :
يا معشر الحواربين .. اجعلوا كنوزكم في السماء فإن قلب الرجل حيث كنزه .
وقال ثور بن زيد ، عن عبد العزيز بن ظبيان قال : قال عيسى ابن مريم عليه
السلام : من تعلم وعلم وعمل دعى عظيما في ملكوت السماء .
وقال أبو كريب ، روى أن عيسى عليه السلام قال : لا خير في علم لا يعبر
معك الوادي ويعبر بك النادي .
وروى ابن عساكر بإسناد غريب عن ابن عباس مرفوعا : أن عيسى قام في
بني إسرائيل فقال : يا معشر الحواريين .. لا تحدثوا بالحكم غير أهلها فتظلموها
ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم ، والأمور ثلاثة : أمر تبين رشده فاتبعوه وأمر تبين
غيّه فاجتنبوه ، وأمر اختلف عليكم فيه فردوا علمه إلى الله عز وجل .
وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن رجل ، عن عكرمة قال : قال عيسى :
لا تطرحوا اللؤلؤ إلى الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئا ، ولا تعطوا الحكمة من لا
يريدها ، فإن الحكمة خير من اللؤلؤ ومن لا يريدها شر من الخنزير ! .
وكذا حكى وهب وغيره عنه أنه قال لأصحابه : أنتم ملح الأرض فإذا
فسدتم فلا دواء لكم ، وإن فیکم خصلتين من الجهل ، الضحك من غیر عجب
والصبحة (٢) من غير سهر .
وعنه أنه قيل له : من أشد الناس فتنة ؟ قال : زلة العالم ، فإن العالم إذا زل
يزل بزلته عالم كثير .
وعنه أنه قال : يا علماء السوء جعلتم الدنيا على رءوسكم والآخرة تحت
أقدامكم ، قولكم شفاء وعملكم داء مثلكم مثل شجرة الدقلى(٣) تعجب من
(٢) أي نوم الغداة .
(٣) الدقلي : نبت مر ، قَتَّال .
٧٤٣

رآها وتقتل من أکلها
وقال وهب : قال عيسى: يا علماء السوء جلستم على أبواب الجنة فلا
تدخلونها ولا تدعون المساكين يدخلونها ، إن شر الناس عند الله عالم يطلب الدنيا
بعلمه .
وقال مكحول : التقى يحيى وعيسى ، فصافحه عيسى وهو يضحك ، فقال
له يحيى : يابن خالة .. ما لي أراك ضاحكا كأنك قد أمنت ؟ فقال له عيسى : ما
لي أراك عابسا كأنك قد يئست ؟ فأوحى الله إليهما : أن أحبكما إليّ أبشكما
بصاحبه .
وقال وهب بن منبه : وقف عیسی هو وأصحابه على قبر وصاحبه یدلی فیه ،
فجعلوا يذكرون القبر وضيقه فقال: قد كنتم فيما هو أضيق منه .. في أرحام
أمهاتكم ، فإذا أحب الله أن يوسع وسع .
وقال أبو عمر الضرير : بلغني أن عيسى كان إذا ذكر الموت يقطر جلده دما .
والآثار في مثل هذا كثيرة جدا . وقد أورد الحافظ ابن عساكر منها طرفا
صالحا اقتصرنا منها على هذا القدر .. والله الموفق للصواب .
٧٤٤

[ الفصل الثامن ]
ذكر رفع عيسى عليه السلام إلى السماء
في حفظ الرب ، وبيان كذب اليهود والنصارى
في دعوى الصلب
قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ * إِذْ قَالَ الله
يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرَكْ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ
اَبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا
كُنتُمْ فِهِ تَحْتَلِفُونَ ﴾(١) .
وقال تعالى: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنِيَاءَ
بِغَيْرٍ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً *
وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً ﴾ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ
مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبَّهَ لَّهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ
لَفِي شَكِّ مِّنْهُ مَالَّهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّاّ اتُبَاعَ الظَّنّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ
وَكَّانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ
الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ (٢).
فأخبر تعالى أنه رفعه إلى السماء بعدما توفاه بالنوم على الصحيح المقطوع
به ، وخلصه ممن كان أراد أذيته من اليهود الذين وشوا به إلى بعض الملوك الكفرة
في ذلك الزمان .
قال الحسن البصري ومحمد بن إسحاق : كان اسمه داود بن نورا فأمر بقتله
(١) آل عمران : ٥٤، ٥٥ .
(٢) النساء : ١٥٥ - ١٥٩ .
٧٤٥

وصلبه ، فحصروه في دار ببيت المقدس ، وذلك عشية الجمعة ليلة السبت ، فلما
حان وقت دخولهم ألقى شبهه على بعض أصحابه الحاضرین عنده ورفع عيسى من
روزنة من ذلك البيت إلى السماء ، وأهل البيت ينظرون ، ودخل الشرط فوجدوا
ذلك الشاب الذي ألقى عليه شبهه فأخذوه ظانين أنه عيسى فصلبوه ووضعوا
الشوك على رأسه إهانة له ، وسلم لليهود عامة النصارى الذين لم يشاهدوا ما كان
من أمر عيسى أنه صلب وضلوا بسبب ذلك ضلالا مبينا كثيرا فاحشا بعيداً .
وأخبر تعالى بقوله : ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبَلَ مَوْتِهِ ﴾ أي
بعد نزوله إلى الأرض في آخر الزمان قبل قيام الساعة ، فإنه ينزل ويقتل الخنزير
ویکسر الصليب ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام ، کما بينا ذلك بما ورد فيه من
الأحاديث عند تفسير هذه الآية الكريمة من سورة النساء ، كما أوردنا ذلك
مستقصى في کتاب « الفتن والملاحم » عند أخبار المسيح الدجال ، فذکرنا ما
ورد في نزول المسيح المهدي عليه السلام من ذي الجلال لقتل المسيح الدجال
الكذاب الداعي إلى الضلال .
وهذا ذكر ما ورد في الآثار في صفة رفعه إلى السماء .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا أبو معاوية ، عن المنهال بن
عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى
السماء خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا منهم من الحواريين ، يعني
فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء فقال : إن منكم من يكفر بي
اثنتى عشرة مرة بعد أن آمن بي ، ثم قال : أيكم يلقي عليه شبهي فيقتل مكاني
فیکون معي في درجتي ؟ فقام شاب من أحدثهم سنا فقال له : اجلس . ثم أعاد
عليهم فقام الشاب فقال : أنا . فقال : أنت هو ذاك . فألقى عليه شبه عيسى ،
ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء .
قال : وحاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه فكفر به
بعضهم اثنتى عشرة مرة بعد أن آمن به وافترقوا ثلاث فرق ، فقالت طائفة : كان
الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء . وهؤلاء اليعقوبية . وقالت فرقة : كان فينا
ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه . وهؤلاء النسطورية . وقالت فرقة : كان فينا عبد
٧٤٦

الله ورسوله ما شاء ثم رفعه الله إليه. وهؤلاء المسلمون . فتظاهرت الكافرتان على
المسلمة فقتلوها فلم يزل الإِسلام طامسا حتى بعث الله محمدا عَ ليه .
قال ابن عباس : وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَيَّنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوَّهِمْ
فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (٣) .
وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس على شرط مسلم . ورواه النسائي عن أبي
کریب ، عن أبي معاوية به نحوه . ورواه ابن جرير عن مسلم بن جنادة عن أبي
معاوية .
وهكذا ذكر غير واحد من السلف ، وممن ذكر ذلك مطولا محمد بن
إسحاق بن يسار .
قال : وجعل عيسى عليه السلام يدعو الله عز وجل أن يؤخر أجله ، يعني
ليبلغ الرسالة ويكمل الدعوة ويكثر الناس الدخول في دين الله قيل : وكان عنده
من الحواربين اثنا عشر رجلا : بطرس ويعقوب بن زبدا ويحنس أخو يعقوب ،
وأندراوس ، وفلييس ، وابرثلما ، ومتى ، وتوماس، ويعقوب بن حلقيا ،
وتداوس ، وفتاتيا ، ويودس کریایوطا ، وهذا هو الذي دل اليهود محلى عيسى .
قال ابن إسحاق : وكان فيهم رجل آخر اسمه سرجس كتمته النصارى وهو
الذي ألقى شبه المسيح عليه فصلب عنه . قال : وبعض النصارى يزعم أن الذي
صلب عن المسيح وألقى عليه شبهه هو يودس بن كريايوطا .. والله أعلم .
ت
وقال الضحاك عن ابن عباس : استخلف عیسی شمعون وقتلت اليهود یودس
الذي ألقى عليه الشبه .
وقال أحمد بن مروان : حدثنا محمد بن الجهم ، قال : سمعت الفراء يقول في
قوله : ﴿ وَمَكَرُوا وَمَكْرَ اللهُ وَاللهُ خْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ قال : إن عیسی غاب عن
خالته زمانا فأتاها ، فقام رأس الجالوت اليهودي فضرب على عيسى حتى اجتمعوا
على باب داره فكسروا الباب ودخل رأس جالوت ليأخذ عيسى فطمس الله عينيه
عن عيسى ، ثم خرج إلى أصحابه فقال: لم أره. ومعه سيف مسلول . فقالوا :
(٣) الصف : ١٤ .
٧٤٧

أنت عيسى وألقى الله شبه عيسى عليه فأخذوه فقتلوه وصلبوه ، فقال جل ذكره :
وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يعقوب القمي ، عن هارون بن
عنترة ، عن وهب بن منبه ، قال : أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في
بيت فأحاطوا بهم ، فلما دخلوا عليهم صورهم الله كلهم على صورة عيسى فقالوا
لهم : سحرتمونا لتبرزن إلينا عيسى أو لنقتلنكم جميعا . فقال عيسى لأصحابه : من
يشتري منكم نفسه اليوم بالجنة ؟ فقال رجل : أنا . فخرج إليهم فقال : أنا
عيسى . وقد صوره الله على صورة عيسى ، فأخذوه فقتلوه وصلبوه ، فمن ثَم
شبه لهم وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى ، فظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى ، ورفع
الله عيسى من يومه ذلك (٤) .
قال ابن جرير : وحدثنا المثنى ، حدثنا إسحاق ، حدثنا إسماعيل بن
عبد الكريم ، حدثني عبد الصمد بن معقل ، أنه سمع وهبا يقول : إن عيسى بن
مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشق عليه ، فدعا الحواربين
وصنع لهم طعاما فقال : احضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة . فلما اجتمعوا إليه
من الليل عشاهم وقام يخدمهم ، فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم
ویوضئهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه ، فتعاظموا ذلك وتكارهوه فقال : من رد على
شيئا الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه . فأقروه حتى إذا فرغ من ذلك قال :
أما ما صنعت بکم الليلة مما خدمتكم على الطعام وغسلت أیدیکم بيدي فليكن
لكم بي أسوة ، فإنكم ترون أني خيركم فلا يتعظم بعضكم على بعض ، وليبذل
بعضكم لبعض نفسه ، كما بذلت نفسي لكم ، وأما حاجتي التي استعنتكم عليها
فتدعون الله لي وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي .
فلما نصبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا أخذهم النوم حتى لم يستطيعرا
دعاء ، فجعل يوقظهم ويقول : سبحان الله .. أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني
فيها ؟ فقالوا : والله ما ندري ما لنا ، والله لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق
الليلة سمرا ، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه . فقال : يذهب بالراعي وتتفرق
(٤) تفسير الطبري جـ ٦ / ١٠.
٧٤٨

الغنم ! وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعي به نفسه .
ثم قال : الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات ،
وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني .
فخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه فأخذوا شمعون أحد الحواريين
فقالوا : هذا من صحابه . فجحد وقال : ما أنا بصاحبه . فتركوه . ثم أخذه
آخرون فجحد كذلك، ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه .
فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال : ما تجعلون لي إن دللتكم على
المسيح ؟ فجعلوا له ثلاثين درهما فأخذها ودلهم عليه وكان شبه عليهم قبل ذلك
فأخذوه واستوثقوا منه وربطوه بالحبل وجعلوا يقودونه ويقولون : أنت كنت
تحيي الموتى وتنتهر الشيطان وتبرىء المجنون ، أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل ؟!
ويبصقون عليه ويلقون عليه الشوك حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه
عليها فرفعه الله إليه وصلبوا ما شبه لهم فمكث سبعا .
ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون جاءتا تبكيان
حيث كان المصلوب ، فجاءهما عيسى فقال : علام تبكيان ؟ قالتا : عليك .
فقال : إني قد رفعني الله إليه ولم يصبني إلا خير ، وإن هذا شيء شبه لهم . فأمرا
الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا . فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر وفقد
الذي كان باعه ودل عليه اليهود ، فسأل عنه أصحابه فقالوا : إنه ندم على ما صنع
فاختنق وقتل نفسه . فقال : لو تاب لتاب الله عليه . ثم سألهم عن غلام كان
يتبعهم يقال له يحيى فقال : هو معكم فانطلقوا فإنه سيصبح كل إنسان منكم
يحدث بلغة قوم فلينذرهم وليدعهم (٥) .
وهذا إسناد غريب عجيب ، وهو أصح مما ذكره النصارى لعنهم الله من أن
المسيح جاء إلى مريم وهي جالسة تبكي عند جذعة فأراها مكان المسامير من
جسده ، وأخبرها أن روحه رفعت وأن جسده صلب .
(٥) تفسير الطبري جـ ٦ / ١٠، ١١ القصة بكاملها .
٧٤٩

وهذا بهت وكذب واختلاق وتحريف وتبديل وزيادة باطلة في الإنجيل على
خلاف الحق ومقتضى الدليل .
وحكى الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن حبيب ، فيما بلغه ، أن مريم
سألت من بيت الملك بعدما صلب المصلوب بسبعة أيام ، وهي تحسب أنه ابنها ،
أن ينزل جسده ، فأجابهم إلى ذلك ودفن هنالك ، فقالت مريم لأم يحبى : ألا
تذهبين بنا نزور قبر المسيح ؟ فذهبتا فلما دنتا من القبر قالت مريم لأم يحيى : ألا
تستترين ؟ قالت : وممن أستتر؟ فقالت : من هذا الرجل الذي هو عند القبر .
فقالت أم يحيى : إني لا أرى أحدا . فرجت مريم أن يكون جبريل ، وكانت قد
بعد عهدها به ، فاستوقفت أم يحيى وذهبت نحو القبر فلما دنت من القبر قال لها
جبريل ، وعرفته : يا مريم .. أين تريدين ؟ فقالت : أزور قبر المسيح فأسلم عليه
وأحدث عهدا به . فقال: يا مريم .. إن هذا ليس المسيح، إن الله قد رفع المسيح
وطهره من الذين كفروا ، ولكن هذا الفتى الذي ألقى شبهه عليه وصلب وقتل
مكانه ، وعلامة ذلك أن أهله قد فقدوه فلا يدرون ما فعل به فهم بيكون عليه
فإذا كان يوم كذا وكذا فأت غيضة كذا وكذا فإنك تلقين المسيح .
قال : فرجعت إلى أختها وصعد جبريل فأخبرتها عن جبريل وما قال لها من
أمر الغيضة ، فلما كان ذلك اليوم ذهبت فوجدت عيسى في الغيضة ، فلما رآها
أسرع إليها وأكب عليها فقبل رأسها وجعل يدعو لها كما كان يفعل ، وقال : يا
أمه .. إن القوم لم يقتلوني ولكن الله رفعني إليه وأذن لي في لقائك والموت يأتيك
قريبا فاصبري واذكري الله كثيرا . ثم صعد عيسى فلم تلقه إلا تلك المرة حتى
ماتت .
قال : وبلغني أن مريم بقيت بعد عيسى خمس سنين وماتت ولها ثلاث
وخمسون سنة . رضي الله عنها وأرضاها .
وقال الحسن البصري : كان عمر عيسى عليه السلام يوم رفع أربعا وثلاثين
سنة. وفي الحديث: (( إن أهل الجنة يدخلونها جردا مردا مكحلين أبناء ثلاث
وثلاثين)). وفي الحديث الآخر: (( على ميلاد عيسى وحسن يوسف)) وكذا قال
حماد بن سلمة عن علي بن يزيد ، عن سعيد بن المسيب ، أنه قال : رفع عيسى
٧٥٠

وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة .
فأما الحديث الذي رواه الحاكم في مستدركه ويعقوب بن سفيان الفسوي في
تاريخه ، عن سعيد بن أبي مريم ، عن نافع بن يزيد عن عمارة بن غزية عن محمد
ابنعبد الله بن عمرو بن عثمان عن أمه فاطمة بنت الحسين حدثته أن عائشة كانت
تقول: أخبرتني فاطمة أن رسول الله عَ ليه أخبرها أنه لم يكن نبي كان بعده نبي
إلا عاش الذي بعده نصف عمر الذي كان قبله ، وأنه أخبرني أن عيسى بن مريم
عاش عشرين ومائة سنة فلا أراني إلا ذاهبا على رأس ستين . هذا لفظ الفسوي .
فهو حديث غريب .
قال الحافظ ابن عساكر : والصحيح أن عيسى لم يبلغ هذا العمر ، وإنما أراد
به مدة مقامه في أمته ، کما روی سفیان بن عیینة ، عن عمرو بن دینار عن یحی بن
جعدة، قال: قالت فاطمة: قال لي رسول الله عَ لٍ: ((إن عيسى بن مريم
مكث في بني إسرائيل أربعين سنة )) وهذا منقطع .
وقال جرير والثوري عن الأعمش ، عن إبراهيم : مكث عيسى في قومه
أربعين عاما .
ويروى عن أمير المؤمنين علي أن عيسى عليه السلام رفع ليلة الثاني والعشرين
من رمضان ، وتلك الليلة في مثلها توفي علي بعد طعنه بخمسة أيام .
وقد روى الضحاك عن ابن عباس أن عيسى لما رفع إلى السماء جاءته سحابة
فدنت منه حتى جلس عليها وجاءته مريم فودعته وبكت ثم رفع وهي تنظر وألقى
عمامته على شمعون ، وجعلت أمه تودعه بأصبعها تشير بها إليه حتى غاب عنها ،
وكانت تحبه حبا شديدا ، لأنه توفر عليها حبه من جهتي الوالدين إذ لا أب له ،
وكانت لا تفارقه سفرا ولا حضرا وكانت كما قال بعض الشعراء :
و كنت أرى كالموت من بين ساعة فكيف ببین کان موعده الحشر
وذكر إسحاق بن بشر ، عن مجاهد بن جبير أن اليهود لما صلبوا ذلك الرجل
شبه لهم وهم يحسبونه المسيح وسلم لهم أكثر النصارى بجهلهم ، ذلك ، تسلطوا
على أصحابه بالقتل والضرب والحبس فبلغ أمرهم إلى صاحب الروم وهو ملك
٧٥١٠

دمشق في ذلك الزمان ، فقيل له : إن اليهود قد تسلطوا على أصحاب رجل كان
يذكر لهم أنه رسول الله وكان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص ويفعل
العجائب ، فعدوًا عليه فقتلوه وأهانوا أصحابه وحبسوهم فبعث فجيء بهم وفيهم
يحيى بن زكريا وشمعون وجماعة ، فسألهم عن أمر المسيح فأخبروه عنه ، فبايعهم
في دينهم وأعلى كلمتهم وظهر الحق على اليهود وعلت كلمة النصارى عليهم ،
وبعث إلى المصلوب فوضع عن جذعه وجيء بالجذع الذي صلب عليه ذلك
الرجل فعظمه فمن ثم عظم النصارى الصليب ، ومن هاهنا دخل دين النصرانية
في الروم .
وفي هذا نظر من وجوه :
أحدها : أن يحيى بن زكريا نبي لا يقر على أن المصلوب عيسى ، فإنه
معصوم يعلم ما وقعٍ على جهة الحق .
الثاني : أن الروم لم يدخلوا في دين المسيح إلا بعد ثلاثمائة سنة ، وذلك في
زمان قسطنطين بن قسطن ، باني المدينة المنسوبة إليه على ما سنذكره .
الثالث : أن اليهود لما صلبوا ذلك الرجل ثم ألقوه بخشبته جعلوا مكانه
مطرحا للقمامة والنجاسة وجيف الميتات والقاذورات ، فلم يزل كذلك حتى كان
في زمان قسطنطين المذكور فعمدت أمه هيلانة الحرانية الفندقانية فاستخرجته من
هنالك معتقدة أنه المسيح ، ووجدوا الخشبة التي صلب عليها المصلوب ، فذكروا
أنه ما مسها ذو عاهة إلا عوفي .. فالله أعلم أكان هذا أم لا ، وهل كان هذا لأن
ذلك الرجل الذي بذل نفسه كان رجلا صالحا أو كان هذا محنة وفتنة لأمة
النصارى في ذلك اليوم ، حتى عظموا تلك الخشبة وغشوها الذهب واللآلىء ،
ومن ثم اتخذوا الصلبانات وتبركوا بشكلها وقبلوها ، وأمرت أم الملك هيلانة
فأزيلت تلك القمامة وبني مكانها كنيسة هائلة مزخرفة بأنواع الزينة ، فهي هذه
المشهورة اليوم ببلد بيت المقدس التي يقال لها القمامة باعتبار ما كان عندها ،
ويسمونها القيامة يعنون التي يقوم جسد المسيح منها . ثم أمرت هيلانة بأن توضع
قمامة البلد وكناسته وقاذوراته على الصخرة التي هي قبلة اليهود فلم تزل كذلك
٧٥٢

حتى فتح عمر بن الخطاب بيت المقدس ، فكنس عنها القمامة بردائه وطهرها من
الأخباث والأنجاس ، ولم يضع المسجد وراءها ولكن أمامها حيث صلى رسول الله
عَ ليه ليلة الإسراء بالأنبياء وهو المسجد الأقصى .
٧٥٣

[ الفصل التاسع]
ذكر صفة عيسى عليه السلام
وشمائله وفضائله
قال الله تعالى: ﴿ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ
الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾(١).
قيل سمى المسيح لمسحه الأرض وهو سياحته فيها وفراره بدينه من الفتن في
ذلك الزمان ، لشدة تكذيب اليهود له وافترائهم عليه وعلى أمه عليهما السلام .
وقيل لأنه كان ممسوح القدمين .
وقال تعالى: ﴿ ثُمَّ قَقَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ﴾(٢). وقال تعالى: ﴿ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيَِّاتِ وَأَيَّدْنَاهُ
بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (٣) والآيات في ذلك كثيرة جدا .
وقد تقدم ما ثبت في الصحيحين: (( ما من مولود إلا والشيطان يطعن في
خاصرته حين يولد فيستهل صارخا إلا مريم وابنها ، ذهب بطعن فطعن في
الحجاب )) وتقدم حديث عمير بن هانىء عن جنادة ، عن عبادة عن رسول الله
عَ الم أنه قال: ((من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبد الله
ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته التي ألقاها إلى مريم وروح منه ،
والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل )) .
رواه البخاري وهذا لفظه ، ومسلم (٤) .
(١) المائدة : ٧٥ .
(٢) الحديد : ٢٧ .
! (٣) البقرة : ٨٧، ٢٥٣.
(٤) البخاري - كتاب تفسير سورة آل عمران . ومسلم - كتاب القدر.
٧٥٤

-
وروى البخاري ومسلم من حديث الشعبي ، عن أبي بردة بن أبي موسى ،
عن أبيه ، قال: قال رسول الله عَّه: ((إذا أدب الرجل أمته فأحسن تأديبها
وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها كان له أجران ، وإذا آمن بعيسى ابن
مريم ثم آمن بي فله أجران ، والعبد إذا اتقى ربه وأطاع مواليه فله أجران )).
هذا لفظ البخاري (٥) .
وقال البخاري : حدثنا إبراهيم بن موسى ، أنبأنا هشام ، عن معمر ،
وحدثني محمود ، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن الزهري ، أخبرني سعيد
ابن المسيب ، عن أبي هريرة قال: قال النبي عَّهِ: ((ليلة أسرى بي لقيت
موسى - قال: فنعته - فإذا رجل حسبته قال : - مضطرب رجل الرأس كأنه
من رجال شنوءة: قال: ولقيت عيسى فنعته النبي عَ له فقال: ربعة، أحمر كأنما
خرج من ديماس - يعني الحمام - ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به)) الحديث .
وقد تقدم في قصتي إبراهيم وموسى .
ثم قال : حدثنا محمد بن كثير ، أنبأنا إسرائيل ، عن عثمان بن المغيرة ، عن
مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال النبي عَّله: ((رأيت عيسى وموسى وإبراهيم.
فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر ، وأما موسى فآدم جسيم سبط كأنه من
رجال الزط)).
تفرد به البخاري (٦) .
وحدثنا إبراهيم بن المنذر ، حدثنا أبو ضمرة ، حدثنا موسى بن عقبة ، عن
نافع، قال: قال عبد الله بن عمر: ذكر النبي عَّ له يوما بين ظهراني الناس
المسيح الدجال فقال: ((إن الله ليس بأعور إلا أن المسيح الدجال أعور العين اليمنى
كأن عينه عنبة طافية ، وأراني الليلة عند الكعبة في المنام فإذا رجل آدم كأحسن ما
يرى من أدم الرجال تضرب لمته بين منكبيه رجل الشعر يقطر رأسه ماء واضعا
يديه على منكبي رجلين ، وهو يطوف بالبيت فقلت من هذا ؟ فقالوا : المسيح
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿واذكر فى الكتاب مريم ﴾.
وأخرجه مسلم فى صحيحه، كتاب الإيمان، باب وجوب الإِيمان برسالة نبينا محمد عَ ل إلى جميع الناس .
(٦) أخرجه البخاري فى صحيحه ، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿واذكر فى الكتاب مريم﴾.
٧٥٥

ابن مريم . ثم رأيت رجلا وراءه جعدا قططا أعور عين اليمنى كأشبه من رأيت
: بابن قطن : واضعا يده على منكبي رجل يطوف بالبيت فقلت من هذا ؟ فقالوا :
المسيح الدجال )) .
ورواه مسلم من حديث موسى بن عقبة . ثم قال البخاري : تابعه عبد الله
ابن نافع ، ثم ساقه من طريق الزهري عن سالم بن عمر قال الزهري : وابن قطن
رجل من خزاعة هلك في الجاهلية (٧).
فبين صلوات الله وسلامه عليه صفة المسيحين : مسيح الهدى ومسيح
الضلالة ، ليعرف هذا إذا نزل فيؤمن به المؤمنون ويعرف الآخر فيحذره
الموحدون .
وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ،
عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة عن النبي عَ لّه قال: ((رأى عيسى ابن مريم
رجلا يسرق فقال له : أسرقت ؟ قال : كلا والذي لا إله إلا هو. فقال عيسى :
آمنت بالله وكذبت عيني)) وكذا رواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد
الرزاق (٨).
وقال أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حمادبن سلمة ، عن حميد الطويل ، عن
الحسن وغيره، عن أبي هريرة قال: ولا أعلمه إلا عن النبي معَّ المه قال: ((رأى
عيسى رجلا يسرق فقال : يا فلان .. أسرقت ؟ فقال : لا والله ما سرقت .
فقال: آمنت بالله وكذبت بصري )) (٩) .
وهذا يدل على سجية طاهرة ، حيث قدم حلف ذلك الرجل فظن أن أحدا .
لا يحلف بعظمة الله كاذبا على ما شاهده منه عيانا ، فقبل عذره ورجع على نفسه
فقال : آمنت بالله . أي صدقتك وكذبت بصري لأجل حلفك .
(٧) أخرجه البخارى فى صحيحه، كتاب الأنبياء ، باب ﴿واذكر فى الكتاب مريم ﴾ .
وأخرجه مسلم فى صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال .
(٨) أخرجه البخارى ، الكتاب والباب السابقان . ومسلم فى كتاب الفضائل ، باب فضائل عيسى عليه
السلام .
(٩) أخرجه أحمد فى مسنده ٢ / ٣١٤.
٧٥٦

وقال البخاري : حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا سفيان ، عن المغيرة بن
النعمان ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله عَ ليه:
((تُحشرون حفاة عراة غرلا ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأُنَا أَوَّلَ خَلْقِ تُّعِيدُهُ وَعْدَاً عَلَيْنَا إِنَّا
كُتَّا فَاعِلِينَ ﴾ . فأول الخلق يكسي إبراهيم ، ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات
" اليمين وذات الشمال فأقول أصحابي فيقال: إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم
منذ فارقتهم فأقول كما قالِ العبد الصالح عيسى ابن مريم: ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً
مَّ دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَقَّيْتَنِي كَنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَعْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ﴾))(١٠)، (١١) .
تفرد به دون مسلم من هذا الوجه .
وقال أيضا : حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي ، حدثنا سفيان ، سمعت
الزهري يقول : أخبرني عبد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس سمع عمر يقول على
المنبر: سمعت رسول الله عَ لمه يقول: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن
مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)) (١٢) .
وقال البخاري : حدثنا إبراهيم ، حدثنا جرير بن حازم ، عن محمد بن
سيرين، عن أبي هريرة عن النبي عَ ◌ّه قال: ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة :
عيسى ، وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج يصلي إذ جاءته أمه فدعته
فقال : أجيبها أو أصلي ؟ فقالت : اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات . وكان
جريج في صومعة فعرضت له امرأة وكلمته فأبى فأتت راعيا فأمكنته من نفسها
فولدت غلاما فقيل لها : ممن ؟ قالت من جريج فأتوه وكسروا صومعته فأنزلوه
وسبوه فتوضأ وصلى ثم أتى الغلام فقال : من أبوك يا غلام ؟ قال : فلان الراعي .
قالوا : أنبني صومعتك من ذهب ؟ قال : لا ، إلا من طين . وكانت امرأة ترضع
ابنا لها في بني إسرائيل فمر بها رجل راكب ذو شارة فقالت : اللهم اجعل ابني
(١٠) أخرجه البخاري فى صحيحه ، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿واذكر فى الكتاب مريم﴾.
(١١) المائدة ١١٧، ١١٨.
(١٢) أخرجه البخاري فى الموضع السابق .
٧٥٧

مثله ، فترك ثديها وأقبل على الراكب فقال : اللهم لا تجعلني مثله ، ثم أقبل على
تديها يمصه . قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبي عَ لّه يمص إصبعه . ثم مر بأمة
فقالت : اللهم لا تجعل ابني مثل هذه . فترك ثديها فقال : اللهم اجعلني مثلها .
فقالت : لم ذلك فقال : الراكب جبار من الجبابرة ، وهذه الأمة يقولون سرقت
وزنت ، ولم تفعل)) (١٣).
وقال البخاري : حدثنا أبو اليمان ، حدثنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني أبو
سلمة، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله عَ لّه يقول: (( أنا أولى الناس بابن
مريم ، والأنبياء أولاد علات ، ليس بيني وبينه نبي)).
تفرد به البخاري من هذا الوجه (١٤) .
ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي داود الحفري ، عن الثوري عن
أبي الزناد ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة .
وقال أحمد : حدثنا وكيع، حدثنا سفيان - وهو الثوري - عن
أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((أنا أولى
الناس بعيسى عليه السلام والأنبياء إخوة أولاد علات ، وليس بيني وبين عيسى
نبي))(١٥) .
وهذا إسناد صحيح على شرطهما ولم يخرجوه من هذا الوجه . وأخرجه أحمد
عن عبد الرزاق ، عن معمر، عن همام ، عن أبي هريرة عن النبي عَ ◌ّه بنحوه ،
وأخرجه ابن حبان من حديث عبد الرزاق نحوه .
قال أحمد : حدثنا يحيى ، عن أبي عروبة ، حدثنا قتادة ، عن عبد الرحمن بن
آدم، عن أبي هريرة عن النبي معَّ له قال: ((الأنبياء إخوة لعلات، ودينهم واحد
وأمهاتهم شتى ، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي ، وإنه
نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه ، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض ، سبط كأن
(١٣) المصدر السابق . نفس الكتاب والباب ٦ / ٥٤٩ .
(١٤) نفسه ٦ / ٥٥٠ .
(١٥) أخرجه أحمد فى مسنده ٢ / ٤٦٣.
٧٥٨

رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل بين مخصرتين (١٦) . فيكسر الصليب ويقتل الخنزير
ويضع الجزية ويعطل الملل حتى تهلك في زمانه كلها غير الإِسلام ، ويهلك الله في
زمانه المسيح الدجال الكذاب ، وتقع الأمنة في الأرض حتى ترتع الإِبل مع الأسد
جميعا والنمور مع البقر والذئاب مع الغنم ويلعب الصبيان والغلمان بالحيات لا يضر
. بعضهم بعضا فيمكث ما شاء الله أن يمكث ، ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون
ويدفنونه (١٧)
ثم رواه أحمد عن عفان ، عن همام ، عن قتادة ، عن عبد الرحمن ، عن أبي
هريرة فذكر نحوه . وقال : فيمكث أربعين سنة ، ثم يتوفى ويصلي عليه
المسلمون . ورواه أبو داود عن هدبة بن خالد ، عن همام بن يحيى به نحوه .
وروى هشام بن عروة، عن صالح مولى أبي هريرة عنه، أن رسول الله عد اله
قال: ((فيمكث في الأرض أربعين سنة)) وقد بينا نزوله عليه السلام في آخر
الزمان في كتاب « الملاحم » كما بسطنا ذلك أيضا في التفسير عند قوله تعالى في
سورة النساء: ﴿ وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ
يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾(١٨). وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لَلسَّاعَةِ﴾ (١٩) الآية وأنه
ينزل على المنارة البيضاء بدمشق وقد أقيمت صلاة الصبح فيقول له إمام
المسلمين : تقدم يا روح الله فصلٌّ . فيقول : لا ، بعضكم على بعض أمراء مكرمة
الله هذه الأمة . وفي رواية فيقول له عيسى : إنما أقيمت الصلاة لك . فيصلي
خلفه . ثم يركب ومعه المسلمون في طلب المسيح الدجال فیلحقه عند باب لد
فيقتله بيده الكريمة .
وذكرنا أنه قوى الرجاء حين بنيت هذه المنارة الشرقية بدمشق التي هي من
حجارة بيض ، وقد بنيت أيضا من أموال النصارى حين حرقوا التي هدمت وما
حولها ، فينزل عليها عيسى ابن مريم عليه السلام فيقتل الخنزير ويكسر الصليب
(١٦) المخصرة : ما يتوكأ عليها كالعصا ونحوها، أو قضيب يشار به في أثناء الخطابة والكلام ، وكان يتخذه
الملوك والخطباء .
(١٧) أخرجه أحمد فى مسنده ٢ / ٤٠٦ .
(١٨) النساء : ١٥٩.
(١٩) الزخرف : ٦١ .
٧٥٩

ولا يقبل من أحد إلا الإِسلام، وأنه يخرج من فج الروحاء حاجا أو معتمرا أو
لثنتيهما ، ويقيم أربعين سنة ، ثم يموت فيدفن فيما قيل في الحجرة النبوية عند
رسول الله عَ لّه وصاحبيه .
وقد ورد ذلك حديث ذكره ابن عساكر في آخر ترجمة المسيح عليه السلام
في كتابه عن عائشة مرفوعا، أنه يدفن مع رسول الله عَ ◌ّه وأبي بكر وعمر في
الحجرة النبوية ، ولكن لا يصح إسناده .
وقال أبو عيسى الترمذي : حدثنا زيد بن أخزم الطائي ، حدثنا أبو قتيبة
مسلم بن قتيبة ، حدثني أبو مودود المدني ، حدثنا عثمان بن الضحاك ، عن محمد
ابن يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن أبيه عن جده قال : مكتوب في التوراة :
صفة محمد وعيسى ابن مريم عليهم السلام يدفن معه . قال أبو مودود : وقد بقي
من البيت موضع قبر .
ثم قال الترمذي : هذا حديث كذا قال ، والصواب : الضحاك بن عثمان
المدني .
وقال البخاري : هذا الحديث لا يصح عندي ولا يتابع عليه .
وروى البخارى عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن عاصم الأحول عن
أبي عثمان النهدي، عن سلمان قال: الفترة ما بين عيسى ومحمد عَ لِ ستمائة سنة.
وعن قتادة : خمسمائة وستون سنة . وقيل خمسمائة وأربعون سنة . وعن
الضحاك أربعمائة وبضع وثلاثون سنة . والمشهور ستمائة سنة . ومنهم من يقول
ستمائة وعشرون سنة بالقمرية ، لتكون ستمائة بالشمسية .. والله أعلم .
وقال ابن حبان في صحيحه: (( ذكر المدة التي بقيت فيها أمة عيسى على
هديه )) . حدثنا أبو يعلى ، حدثنا أبو همام ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن الهيثم بن
حميد ، عن الوضين بن عطاء ، عن نصر بن علقمة ، عن جبير بن نفير ، عن أبي
الدرداء، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((لقد قبض الله داود من بين أصحابه فما
فتنوا ولا بدلوا ولقد مكث أصحاب المسيح على سنته وهديه مائتي سنة)) .
وهذا حديث غريب جدا ، وإن صححه ابن حبان .
٧٦٠