النص المفهرس
صفحات 721-740
[ الفصل الخامس ] بيان نزول الكتب الأربعة ومواقيتها وقال أبو زرعة الدمشقي : حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني معاوية بن صالح، عمن حدثه قال: (( أنزلت التوراة على موسى في ست ليال خلون من شهر رمضان ، ونزل الزبور على داود في اثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان ، وذلك بعد التوراة بأربعمائة سنة واثنتين وثمانين سنة ، وأنزل الإنجيل على عيسى ابن مريم في ثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان بعد الزبور بألف عام وخمسين عاماً، وأنزل الفرقان على محمد عَ له في أربع وعشرين من شهر رمضان))(١) . وقد ذكرنا في التفسير عند قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾(٢). الأحاديث الواردة فى ذلك، وفيها أن الإنجيل أنزل على عيسى ابن مريم عليه السلام في ثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان . وذکر ابن جرير في تاريخه أنه أنزل عليه وهو ابن ثلاثين سنة ، ومكث حتى رفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة . كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى . وقال إسحاق بن بشر : وأنبأنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، ومقاتل عن قتادة ، عن عبد الرحمن بن آدم ، عن أبي هريرة قال : أوحى الله عز وجل إلى عيسى ابن مريم : يا عيسى ... جد في أمري ولا تهن ، وأسمع وأطع يابن الطاهرة البكر البتول ، إنك من غير فحل ، وأنا خلقتك آية للعالمين ، إياي فاعبد وعلي فتوكل ، خذ الكتاب بقوة ، فسر لأهل السريانية ، بلغ من بين يديك أنى أنا الحق الحي القائم الذي لا أزول ، صدقوا النبي الأمي العربي صاحب الجمل والتاج - وهى العمامة - والمدرعة والنعلين والهراوة - وهى القضيب - الأنجل العينين (١) السيوطى فى الجامع الصغير حديث رقم ((٢٧٣٤)) الطبرانى فى الكبير . حديث حسن . (٢) سورة البقرة الآية : ١٨٥. ٧٢١ الصلت الجبين الواضح الخدين ، الجعد الرأس ، الكث اللحية ، المقرون الحاجبين ، الأقنى الأنف ، المفلج الثنايا ، البادي العنقفة ، الذي كأن عنقه إبريق فضة وكأن الذهب يجري في تراقيه ، له شعرات من لبته إلى سرته تجري کالقضیب ، ليس على بطنه ولا على صدره شعر غيره ، شئن الكف والقدم ، إذا التفت التفت جميعاً . وإذا مشى كأنما يتقلع من صخر وينحدر من صبب ، عرقه في وجهه کاللؤلؤ وريح المسك ينفح منه ، ولم ير قبله ولا بعده مثله ، الحسن القامة الطيب الريح ، نكاح النساء ذا النسل القليل ، إنما نسله من مباركة لها بیت - يعني في الجنة - من قصب لا نصب فيه ولا صخب ، تكفله یا عيسى في آخر الزمان كما كفل زكريا أمك ، له منها فرخان مستشهدان ، وله عندي منزلة ليست لأحد من البشر ، كلامه القرآن ودينه الإِسلام وأتاه السلام ، طوبي لمن أدرك زمانه وشهد أيامه وسمع كلامه . قال عيسى : يارب ... وماطوبي ؟ قال : غرس شجرة أنا غرستها بيدي ، فهى للجنان كلها ، أصلها من رضوان وماؤها من تسنيم ، وبردها برد الكافور وطعمها طعم الزنجبيل وريحها ريح المسك ، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً . قال عيسى : يا رب ... اسقني منها . قال : حرام على النبيین أن یشربوا منها حتى يشرب ذلك النبي ، وحرام على الأمم أن يشربوا منها حتى تشرب منها أمة ذلك النبي . قال: يا عيسى ... أرفعك إلى . قال: يا رب ولم ترفعني ؟ قال: أرفعك ثم أهبطك في آخر الزمان لترى من أمة ذلك النبي العجائب ولتعينهم على قتال اللعين الدجال ، أهبطك في وقت صلاة ثم لا تصلي بهم لأنها مرحومة ولا نبي بعد نبيهم . وقال هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن زيد ، عن أبيه ، أن عيسى قال: يا رب ... انبئني عن هذه الأمة المرحومة . قال : أمة أحمد ، هم علماء حكماء كأنهم أنبياء ، يرضون مني بالقليل من العطاء وأرضى منهم باليسير من العمل ، وأدخلهم الجنة بلا إله إلا الله . يا عيسى ... هم أكثر ٧٢٢ سكان الجنة ، لأنه لم تذل ألسن قوم قط بلا إله إلا الله كما ذلت ألسنتهم ، ولم تذل رقاب قوم قط بالسجود كما ذلت به رقابهم . رواه ابن عساكر . وروى ابن عساكر من طريق عبد الله بن بديل العقيلي ، عن عبد الله بن عوسجة قال : أوحى الله إلى عيسى ابن مريم : أنزلني من نفسك كهمك ، واجعلني ذخراً لك في معادك ، وتقرب إلى بالنوافل أحبك ولا تول غيري فأخذلك ، اصبر على البلاء وارض بالقضاء ، وكن لمسرتي فيك ، فإن مسرتي أن أطاع فلا أعصى ، وكن مني قريباً وأحي ذكري بلسانك ، ولتكن مودتي في صدرك ، تيقظ من ساعات الغفلة واحكم في لطيف الفطنة ، وكن لي راغباً راهباً وأمت قلبك في الخشية لي وراع الليل لحق مسرتي واظماً نهارك ليوم الري عندي ، نافس في الخيرات جهدك ، واعترف بالخير حيث توجهت ، وقم في الخلائق بنصيحتي ، واحكم في عبادي بعدلي ، فقد نزلت عليك شفاء وسواس الصدور من مرض النسيان وجلاء الأبصار من غشاء الكلال ولا تكن حلساً كأنك مقبوض وأنت حي تنفس . يا عيسى ابن مريم ... ما آمنت بي خليقة إلا خشعت ، ولا خشعت لي إلا رجت ثوابي فأشهدك أنها آمنة من عقابي ما لم تغير أو تبدل سنتي . يا عيسى ابن مريم البكر البتول ... ابك على نفسك أيام الحياة بكاء من ودع الأهل وقلا الدنيا وترك اللذات لأهلها وارتفعت رغبته فيما عند إلهه ، وكن في ذلك تلین الكلام وتفشي السلام ، و کن یقظان إذا نامت عيون الأبرار ، حذار ما هو آت من أمر المعاد وزلازل شدائد الأهوال ، قبل أن لا ينفع أهل ولا مال ، واكحل عينك بملول الحزن إذا ضحك البطالون ، وكن في ذلك صابراً محتسباً ، وطوبي لك إن نالك ما وعدت الصابرين ، ارج من الدنيا بالله يوم يبعثون وذق مذاقة ما قد حرب منك أين طعمه ، وما لم يأتك كيف لذته ، فرح من الدنيا بالبلغة ، وليكفك منها الخشن الجئيب(٣)، قد رأيت إلى ما يصير ، اعمل على حساب فإنك مسئول ، لو رأت عيناك ما أعددت لأوليائي الصالحين ذاب قلبك وزهقت نفسك . (٣) أي الغليظ . ٧٢٣ وقال أبو داود في كتاب القدر : حدثنا محمد بن یحیی بن فارس ، حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر عن الزهري ، عن ابن طاوس ، عن أبيه قال : لقي عيسى ابن مريم إبليس فقال : أما علمت أنه لن يصيبك إلا ما كتب لك ؟ قال إبليس : فأوف بذروة هذا الجبل فتردي منه فانظر هل تعيش أم لا . فقال ابن طاوس : عن أبيه : فقال عيسى : أما علمت أن الله تعالى قال : لا يجربني عبدي فإني أفعل ما شئت . وقال الزهري : إن العبد لا يبتلي ربه ولكن الله يبتلي عبده . وقال أبو داود : حدثنا أحمد بن عبدة ، أنبأنا سفيان ، عن عمرو ، عن طاوس قال : أتى الشيطان عيسى ابن مريم ، فقال : أليس تزعم أنك صادق ؟ فأت هوة فألق نفسك . قال : ويلك ... أليس قال : يابن آدم ... لا تسألني هلاك نفسك فإني أفعل ما أشاء ! . وحدثنا أبو توبة الربيع بن نافع ، حدثنا حسين بن طلحة ، سمعت خالد بن يزيد ، قال : تعبد الشيطان مع عيسى عشر سنين - أو سنتين ، أقام يوماً على شغير جبل فقال الشيطان : أرأيت إن ألقيت نفسي هل يصيبني إلا ما كتب لي . فقال : إني لست بالذي أبتلى ربي ولكن ربي إذا شاء ابتلاني . وعرفه أنه الشيطان ففارقه . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا شريح بن يونس ، حدثنا علي بن ثابت ، عن الخطاب بن القاسم ، عن أبي عثمان ، كان عيسى عليه السلام يصلي على رأس جبل ، فأتاه إبليس فقال : أنت الذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقدر ؟ قال : نعم . قال : ألق نفسك من هذا الجبل وقل قدر علي . فقال : يالعين ... الله يختبر : العباد وليس العباد يختبرون الله عز وجل . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا الفضل بن موسى البصري ، حدثنا إبراهيم بن بشار ، سمعت سفيان بن عيينة يقول : لقي عيسى ابن مريم إبليس فقال له إبليس : يا عيسى ابن مريم ... الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تكلمت في المهد صبيا ، ولم يتكلم فيه أحد قبلك . قال : بل الربوبية للإِله الذي أنطقني ثم يميتني ثم يحييني . قال : فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تحيى الموتى . قال : بل الربوبية لله الذي يحيي ويميت من أحييت ثم يحييه . قال: والله إنك لإِ له ٧٢٤ في السماء وإله في الأرض . قال : فصكه جبريل صكة بجناحيه فما نباها دون قرون الشمس . ثم صكه أخرى بجناحيه فما نباها دون العين الحامية ، ثم صكه أخرى فأدخله بحار السابعة فأساخه ، وفي رواية : فأسلكه فيها ، حتى وجد طعم الحمأة فخرج منها وهو يقول : ما لقى أحد من أحد ما لقيت منك يابن مريم . وقد روى نحو هذا بأبسط منه من وجه آخر ، فقال الحافظ أبو بكر الخطيب : أخبرني أبو الحسن بن رزقويه ، أنبأنا أبو بكر أحمد ابن سيدي ، حدثنا أبو محمد الحسن بن علي القطان ، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار ، أنبأنا علي بن عاصم ، حدثني أبو سلمة سويد عن بعض أصحابه ، قال : صلى عيسى ببيت المقدس فانصرف ، فلما كان ببعض العقبة عرض له إبليس فاحتبسه فجعل يعرض عليه ويكلمه ويقول له : إنه لا ينبغي لك أن تكون عبدا . فأكثر عليه وجعل عيسى يحرض على أن يتخلص منه ، فجعل لا يتخلص منه فقال له فيما يقول : لا ينبغي لك يا عيسى أن تكون عبدا . قال : فاستغاث عيسى بربه ، فأقبل جبريل وميكائيل فلما رآهما إبليس كف ، فلما استقرا معه على العقبة اكتتفا عيسى وضرب جبريل إبليس بجناحه فقذفه في بطن الوادي . قال : فعاد إبليس معه وعلم أنهما لم يؤمرا بغير ذلك . فقال لعيسى : قد أخبرتك أنه لا ينبغي أن تكون عبدا ، إن غضبك ليس بغضب عبد ، وقد رأيت ما لقيت منك حين غضبت ولكن أدعوك لأمر هو لك ، آمر الشياطين فليطيعوك فإذا رأى البشر أن الشياطين أطاعوك عبدوك ، أما إنى لا أقول أن تكون إلها ليس معه إله ولكن الله يكون إلها فى السماء وتكون أنت ألها فى الأرض فلما سمع عيسى ذلك منه استغاث بربه وصرخ صرخة شديدة ، فإذا إسرافيل قد هبط فنظر إليه جبريل وميكائيل فكف إبليس ، فلما استقر معهم ضرب إسرافيل إبليس بجناحه فصك به عين الشمس ، ثم ضربه ضربة أخرى فأقبل إبليس يهوي ومر عيسى وهو بمكانه فقال: يا عيسى ... لقد لقيت فيك اليوم تعباً شديداً ... فرمى به في عين الشمس ، فوجد سبعة أملاك عند العين الحامية قال : فغطوه فجعل كلما خرج غطوه فى تلك الحمأة قال : والله ما عاد إليه بعد . قال: وحدثنا إسماعيل العطار ، حدثنا أبو حذيفة قال : واجتمع إليه ٧٢٥ شياطينه فقالوا : سيدنا ... لقد لقيت تعباً ، قال : إن هذا عبد معصوم ليس لي عليه من سبيل ، وسأضل به بشرا كثيرا وأبث فيهم أهواء مختلفة وأجعلهم شيعاً ويجعلونه وأمه إلهين من دون الله . قال وأنزل الله فيما أيد به عيسى وعصمه من إبليس قرآنا ناطقا يذكر نعمته على عيسى فقال: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَّ اذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَدِلُكَ بِرُوحِ القُدْسِ ﴾(٤) پعني إذ قویتك بروح القدس ، يعني جبريل ﴿ُكَلِّمُ النَّاسَ فِى المَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَإِذْ تُحْلَقُ مِنِ الطِينَ كَهَيْئَةٍ الطَّيْرٍ .... ﴾(٥) الآية كلها وإذ جعلت المساكين لك بطانة وصحابة وأعوانا ترضى بهم وصحابة وأعوانا يرضون بك هاديا وقائدا إلى الجنة ، فذلك فاعلم خلقان عظيمان من لقيني بهما فقد لقيني بأزكى الخلائق وأرضاها عندي . وسيقول لك بنو إسرائيل صمنا فلم يتقبل صيامنا وصلينا فلم يتقبل صلاتنا وتصدقنا فلم تقبل صدقاتنا وبكينا بمثل حنين الجمال فلم يرحم بكاؤنا . فقل لهم : ولم ذاك وما الذي يمنعني ؟ إن ذات يدي قلت ؟ أو ليس خزائن السموات والأرض بيدي أنفق منها كيف أشاء . أو أن البخل يعتريني ، أو لست أجود من سئل وأوسع من أعطى . أو إن رحمتي ضاقت ؟ وإنما يتراحم المتراحمون بفضل رحمتي . ولولا أن هؤلاء القوم يا عيسى ابن مريم غروا أنفسهم بالحكمة التي تورث في قلوبهم ما استأثروا به الدنيا أثرة على الآخرة لعرفوا من أين أتوا ، وإذن لأيقنوا أن أنفسهم هى أعدى الأعداء لهم ، وكيف أقبل صيامهم وهم يتقوون عليه بالأطعمة الحرام ، وكيف أقبل صلاتهم وقلوبهم تركن إلى الذين يحاربونني ويستحلون محارمي ، وكيف أقبل صدقاتهم وهم يغضبون الناس عليهم فيأخذونها من غير حلها ، يا عيسى ... إنما أجزي عليها أهلها ، وكيف أرحم بكاءهم وأيديهم تقطر من دماء الأنبياء ؟ ازددت عليهم غضبا . يا عيسى ... وقضيت يوم خلقت السموات والأرض أنه من عبدني وقال فيكما بقولي أن أجعلهم جيرانك في الدار ورفقاءك في المنازل وشركاءك في (٤) سورة المائدة الآية : ١١٠ . (٥) سورة المائدة الآية : ١١٠. ٧٢٦ الكرامة ، وقضيت يوم خلقت السموات والأرض أنه من اتخذك وأمك إلهين من دون الله أن أجعلهم في الدرك الأسفل من النار . وقضيت يوم خلقت السموات والأرض أني مثبت هذا الأمر على يدي عبدي محمد وأختم به الأنبياء والرسل ، ومولده بمكة ومهاجره بطيبة وملكه بالشام ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يتزین بالفحش ولا قوال بالخنا ، أسدده لكل أمر جميل وأهب له كل خلق كريم ، وأجعل التقوى ضميره والحكم معقوله والوفاء طبيعته والعدل سيرته والحق شريعته والإِسلام ملته ، اسمه أحمد ، أهدي به بعد الضلالة وأعلم به بعد الجهالة وأغني به بعد العائلة ، وأرفع به بعد الضعة ، أهدي به وأفتح به بين آذان صم وقلوب غلف وأهواء مختلفة متفرقة ، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر إخلاصاً لاسمي وتصديقاً لما جاءت به الرسل ، ألهمهم التسبيح والتقديس والتهليل في مساجدهم ومجالسهم وبيوتهم ومنقلبهم ومثواهم ، يصلون لي قياماً وقعوداً وركعاً وسجوداً، ويقاتلون في سبيلي صفوفاً وزحوفاً ، قربانهم دماؤهم وأناجیلهم في صدورهم وقربانهم في بطونهم ، رهبان بالليل ليوث في النهار ، ذلك فضلي أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم . وسنذكر ما يصدق كثيرا من هذا السياق مما سنورده من سور المائدة والصف إن شاء الله وبه الثقة . وقد روى أبو حذيفة إسحاق بن بشر بأسانیده عن کعب الأحبار ووهب بن منبه وابن عباس وسلمان الفارسى ، دخل حديث بعضهم في بعض ، قالوا : لما بعث عيسى ابن مريم وجاءهم بالبينات جعل المنافقون والكافرون من بني إسرائيل يعجبون منه ويستهزئون به فيقولون : ما أكل فلان البارحة وما ادخر في منزله ؟ فيخبرهم ، فيزداد المؤمنون إيماناً ، والكافرون والمنافقون شكا وكفرانا . وكان عيسى مع ذلك ليس له منزل يأوي إليه ، إنما يسيح في الأرض ليس له قرار ولا موضع يعرف به ، فكان أول ما أحيا من الموتى أنه مر ذات يوم على امرأة قاعدة عند قبر وهى تبكي فقال لها : ما لك أيتها المرأة ؟ فقالت : ماتت ابنة لي لم یکن لي ولد غيرها ، وإني عاهدت ربي أن لا أبرح من موضعي هذا حتى أذوق ما ٧٢٧ ذاقت من الموت أو يحيبها الله لي فأنظر إليها . فقال لها عيسى : أرأيت إن نظرت إليها أراجعة أنت ؟ قالت : نعم . قالوا : فصلي ركعتين ثم جاء فجلس عند القبر فنادى : يا فلانة ... قومي بإذن الله الرحمن فاخرجي ، قال : فتحرك القبر ثم نادى الثانية فانصدع القبر بإذن الله ، ثم نادى الثالثة فخرجت وهى تنفض رأسها من التراب ، فقال لها عيسى : ما أبطأ بك عني ؟ فقالت : لما جاءتني الصيحة الأولى بعث الله لي ملكاً فركب خلقي ثم جاءتني الصيحة الثانية فرجع إلى روحي ، ثم جاءتني الصيحة الثالثة فخفت أنها صيحة القيامة فشاب رأسي وحاجباي وأشفار عيني من مخافة القيامة ، ثم أقبلت على أمها فقالت : يا أماه ... ما حملك على أن أذوق كرب الموت مرتين ؟ يا أماه ... أصبري واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا ، يا روح الله وكلمته ... سل ربي أن يردني إلى الآخرة وأن يهون على كرب الموت ... فدعا ربه فقبضها إليه واستوت عليها الأرض . فبلغ ذلك اليهود فازدادوا عليه غضباً . وقدمنا في عقب قصة نوح أن بني إسرائيل سألوه أن يحیی لهم سام بن نوح فدعا الله عز وجل وصلى الله فأحياه الله لهم فحدثهم عن السفينة وأمرها ثم دعا فعاد ترابا . وقد روى السدي عن أبي صالح وأبي مالك . عن ابن عباس في خبر ذكره وفيه أن ملكاً من ملوك بني إسرائيل مات وحمل على سريره فجاء عيسى عليه السلام فدعا الله عز وجل فأحياه الله عز وجل ، فرأى الناس أمرا هائلا ومنظرا عجيبا(٥) .. وقال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أُيَّدَتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَاَلْتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَحْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِى وَتَبْرِىءُ الْأُكْمَةَ وَالأَبْرَصَ بِإِذِى وَإِذْ تُحْرِجُ الْمَوَْى بِإِذْنِى وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِى إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِبْتَهُم بَلْبِيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّ سِخْرٌ مُبِينَ * وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى (*) هذه الأخبار لم أجد لها ذكراً فى الكتب المعتبره والله أعلم بصحتها . ٧٢٨ أَلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِى وَبِرَسُولِى قَالُوا آمَنَّا وَأَشْهَذْ بِأَنََّا مُسْلِمُونَ﴾(٦) يذكره تعالى بنعمته عليه وإحسانه إليه في خلقه إياه من غير أب ، بل من أم بلا ذكر ، وجعل له آية للناس ودلالة على كمال قدرته تعالى ثم إرساله بعد هذا كله وَعَلَى وَالِدَّتِكَ﴾ في اصطفائها واختيارها لهذه النعمة العظيمة وإقامة البرهان على براءتها مما نسبه إليها الجاهلون ولهذا قال: ﴿إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوح القُدُسِ﴾ وهو جبريل بإلقاء روحه إلى أمه وقرنه معه في حال رسالته ومدافعته عنه لمن كفر به ﴿ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ أي تدعو الناس إلى الله في حال صغرك في مهدك وفي كهولتك ﴿ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي الخط والفهم ، نصٍ عليه بعض السلف ﴿ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ تَحْلُقُ مِنَّ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِى﴾ أي تصوره وتشكله من الطين على هيئة الطير على أمر الله له بذلك ﴿ فَتَفُغُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيراً بِإِذْنِى﴾ أي بأمري يؤكد تعالى بذ کر الإذن له في ذلك لرفع التوهم . وقوله: ﴿وَثَّبْرِىءُ الْأَكْمَةَ﴾ قال بعض السلف: وهو الذي يولد أعمى ولا سبيل لأحد من الحكماء إلى مداواته ﴿ وَاَلْأَبْرَصَ﴾ هو الذي لا طب فيه بل قد مرض بالبرص وصار داؤه عضالا ﴿وَاذْ تُخْرِجُ المَوتَى﴾ أي من قبورهم أحياء بإذني . وقد تقدم ما فيه دلالة على وقوع ذلك مراراً متعددة بما فيه كفاية . وقوله : ﴿ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِى إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِْتَهُم بِالْبِيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إلَّا سِخْرٌ مُبِينٌ﴾ وذلك حين أرادوا صلبه فرفعه الله إليه وأنقذه من بين أظهرهم صيانة لجنابه الكريم عن الأذى وسلامة له من الردى . وقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِى وَبِرَسُولِى قَالُوا آمَنَّا وَأَشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾ قيلِ المراد بهذا الوحي وحي إلهام أي أرشدهم الله إليه ودلهم عليه كما قال: ﴿وَأُوْخَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ (٧) ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أَمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِهِ فَإِذَا ◌ِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِهِ فِى الْيَمِّ ﴾(٨). وقيل المراد وحي (٦) سورة المائدة الآيتان : ١١٠ - ١١١. (٧) سورة النحل الآية : ٦٨ . (٨) سورة القصص الآية ٧ . ٧٢٩ بواسطة الرسول وتوفيق في قلوبهم لقبول الحق ولهذا استجابوا قائلين: ﴿ آمَنَّا وَاشْهَذْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾ . وهذا من جملة نعم الله على عبده ورسوله عيسى ابن مريم أن جعل له أنصاراً وأعواناً ينصرونه ويدعون معه إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، كما قال تعالى لعبده محمد عٍَّ ﴿هُوَ الَّذِىِ أَيَّدِكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِم لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًاً مَّ أَلَّفَتَ بَيْنَ قُلُوبِهِم وَلَكِنَّ اللّهِ أَلَّفَ بَيْتَهُمَ إِنَّهُ وَيُعَلِّمُهُ اَلْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾(٩) وقال تعالى: وَالإِنجِيلَ ، وَرَسُولاً إِلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنِى قَدْ جِبْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنَّى أُخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرٍ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِىءُ الْأُكْمَةِ وَالْأَبْرَصَ وَأُخْبِى الْمَوِْى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنْئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَذْخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقاً لْمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِى حُرُّمَ عَلَيْكُمْ وَجَبْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ ، إِنَّ اللّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ، فَلَمَّا أُحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَأَشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ * رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَأَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَكَرُوا وَمَكَّرَ اللهُ وَ اللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾(١٠) . كانت معجزة كل نبي في زمانه بما يناسب أهل ذلك الزمان ، فذكروا أن موسى عليه السلام كانت معجزته مما يناسب أهل زمانه وكانوا سحرة أذكياء ، فبعث بآيات بهرت الأبصار وخضعت لها الرقاب ، ولما كان السحرة خبيرين بفنون السحر وما ينتهي إليه وعاينوا ما عاينوا من الأمر الباهر الهائل الذي لا يمكن صدوره إلا عمن أيده الله وأجرى الخارق على يديه تصديقاً له ، أسلموا سراعاً ولم يتلعثموا . وهكذا عيسى ابن مريم بعث في زمن الطبائعية الحكماء ، فأرسل بمعجزات لا يستطيعونها ولا يهتدون إليها ، وأنى لحكيم إبراء الأكمه الذي هو أسوأ حالاً من (٩) سورة الأنفال الآيتان : ٦٢ - ٦٣. (١٠) سورة آل عمران الآيات: ٤٨ - ٥٤. ٧٣٠ الأعمى ، والأبرص والمجذوم ومن به مرض مزمن ، و کیف یتوصل أحد من الخلق إلى أن يقيم الميت من قبره ؟ هذا مما يعلم كل أحد معجزة دالة على صدق من قامت به وعلى قدرة من أرسله . وهكذا محمد عَّه وعليهم أجمعين بعث في زمن الفصحاء البلغاء ، فأنزل الله عليه القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، فلفظه معجز تحدى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسبورة ، وقطع عليهم بأنهم لا يقدرون لا في الحال ولا في الاستقبال ، فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا وما ذاك إلا أنه كلام الخالق عز وجل ، والله تعالى لا يشبهه شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله . والمقصود أن عيسى عليه السلام لما أقام عليهم الحجج والبراهين استمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم وطغيانهم ، فانتدب له من بينهم طائفة صالحة فكانوا له أنصاراً وأعوانا قاموا بمتابعته ونصرته ومناصحته ، وذلك حين هم به بنو إسرائيل ووشوا به إلى بعض ملوك ذلك الزمان ، فعزموا على قتله وصلبه فأنقذه الله منهم ورفعه إليه من بين أظهرهم وألقى شبهه على أحد أصحابه فأخذوه فقتلوه وصلبوه وهم يعتقدونه عيسى وهم في ذلك غالطون وللحق مكابرون ، وسلم لهم كثير من النصارى ما ادعوه ، وكلا الفريقين في ذلك مخطئون . قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾(١١). وقال تعالى: ﴿وَاذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِى إِسْرَائِلَ إِنَّى رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدّقاً لُّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى أَسْمُهُ أَحْمَدٌ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ ◌ُّبِينَ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ أَقْتَرَىَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَيُّدِعَى إِلَى الإِسْلَامِ وَآلَهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * يُرِيدُونَ ◌ِيُطَّفِئُوا نُورَ الهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَافِرُونَ﴾(١٢). إلى أن (١١) سورة آل عمران الآية: ٥٤ . (١٢) سورة الصف الآيات : ٦ بـ ٨. ٧٣١ قال بعد ذلك: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِن بَنِى إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتَ طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوَّهِم فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾(١٢). فعيسى عليه السلام هو خاتم أنبياء بني إسرائيل وقد قام فيهم خطيباً فبشرهم بخاتم الأنبياء الآتى بعده ونوه باسمه وذكر لهم صفته ليعرفوه ويتابعوه إذا شاهدوه ، إقامة للحجة عليهم وإحساناً من الله إليهم كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَشْبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبيَّ الْأُمّىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فَى التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيَِّاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَاَلْأَغْلَالَ أَلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَآَتَبَعُوا النَّوَرَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(١٤). وقال محمد بن إسحاق : حدثني ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان ، عن أصحاب رسول الله عَ ليه أنهم قالوا: يا رسول الله . أخبرنا عن نفسك . قال: (( دعوة أبى إبراهيم ، وبشرى عيسى ، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصري من أرض الشام )) . وقد روى عن العرباض بن سارية(١٥) وأبى أمامة عن النبي عَ له نحو هذا وفيه : دعوة أبى إبراهيم وبشرى عيسى وذلك أن إبراهيم لما بنى الكعبة قال : ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولا منهم﴾(١٦) الآية . ولما انتهت النبوة في بني إسرائيل إلى عيسى قام فيهم خطيباً فأخبرهم أن النبوة قد انقطعت عنهم وأنها بعده في النبي العربي الأمي خاتم الأنبياء على الإطلاق أحمد ، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم الذي هو من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه السلام . قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ يحتمل (١٣) سورة الصف الآية : ١٤ . (١٤) سورة الأعراف الآية : ١٥٧ . (١٥) العرباض بن سارية السلمى، أبو نجيح. توفى سنة ٧٥ هـ. [أسد الغابة ٤ / ١٩]. (١٦) سورة البقرة الآية : ١٢٩. ٧٣٢ عود الضمير إلى عيسى عليه السلام ويحتمل عوده إلى محمد عبدٍ . ثم حرض تعالى عباده المؤمنين على نصرة الإسلام وأهله ونصرة نبيه ومؤازرته ومعاونته على إقامة الدين ونشر الدعوة فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِِّنَ مَنْ أَنْصَارِى إِلَى اللهُ﴾ أي من يساعدني في الدعوة، إلى الله ﴿قَالَ الْحَوَارِيّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ ﴾ وكان ذلك في قرية يقال لها الناصرة فسموا بذلك النصارى ، قال الله تعالى ﴿فَآمَنَتْ طَّائِفَةٌ مِّن بَنِى إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتِ طَّائِفَةٌ﴾ يعني لما دعاعيسى بني إسرائيل وغيرهم إلى الله تعالى، منهم من آمن ومنهم من كفر ، وكان ممن آمن به أهل أنطاكية بكمالهم فيما ذكره غير واحد من أهل السير والتواريخ والتفسير بعث إليهم رسلاً ثلاثة ، أحدهم شمعون الصفا فآمنوا واستجابوا وليس هؤلاء هم المذكورون في سورة يس لما تقدم تقريره في قصة أصحاب القرية ، وكفر آخرون من بني إسرائيل وهم جمهور اليهود فأيد الله من آمن به على من كفر فيما بعد وأصبحوا ظاهرين عليهم قاهرين لهم كما قال تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ اللهُ يَاعِيسَى إِنَّى مُتَوَفِّكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ﴾(١٧) الآية فکل من کان إلیه أقرب کان غالباً لمن دونه ، ولما كان قول المسلمين فيه هو الحق الذي لا شك فيه ، من أنه عبد الله ورسوله كانوا ظاهرين على النصارى الذين غلوا فيه وأطروه وأنزلوه فوق ما أنزل الله به . ولما كان النصارى أقرب في الجملة مما ذهب إليه اليهود فيه عليهم لعائن الله ، كان النصارى قاهرين لليهود في أزمان الفترة إلى زمن الإِسلام وأهله . ۔ (١٧) سورة آل عمران الآية : ٥٥ . ٧٣٣ ٣٠ [ الفصل السادس ] ذكر خبر المائدة قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ آثَّقُوا اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . قَالُوا تُرِيدُ أَن تَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الَّلهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدةٌ مِّن السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأُوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنَكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللهُ إِنَّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِى أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾(١). قد ذكرنا في التفسير الآثار الواردة في نزول المائدة عن ابن عباس وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر وغيرهم من السلف . ومضمون ذلك : أن عيسى عليه السلام أمر الجواربين بصيام ثلاثين يوماً ، فلما أتموها طلبوا من عيسى إنزال مائدة من السماء عليهم ليأكلوا منها وتطمئن بذلك قلوبهم أن الله قد تقبل صيامهم وأجابهم إلى طلبتهم ، وتكون لهم عيدا يفطرون عليها يوم فطرهم وتكون كافية لأولهم وآخرهم لغنيهم وفقيرهم . فوعظهم عيسى عليه السلام في ذلك وخاف عليهم أن لا يقوموا بشكرها ولا يؤدوا حق شروطها فأبوا عليه إلا أن يسأل لهم ذلك من ربه عز وجل . فلما لم يقلعوا عن ذلك قام إلى مصلاه ولبس مسحا من شعر وصف بين قدميه وأطرق رأسه وأسبل عينيه بالبكاء وتضرع إلى الله في الدعاء والسؤال أن يجابوا إلى ما طلبوا . فأنزل الله تعالى المائدة من السماء والناس ينظرون إليها تنحدر بين غمامتين ، (١) سورة المائدة الآيات: ١١٢ - ١١٥. ٧٣٤ وجعلت تدنو قليلا قليلا ، وكلما دنت سأل عيسى ربه عز وجل أن يجعلها رحمة لا نقمة وأن يجعلها بر کة وسلامة . فلم تزل تدنو حتى استقرت بين يدي عيسى عليه السلام وهى مغطاة بمنديل فقام عيسى يكشف عنها وهو يقول: ((بسم الله خير الرازقين )) فإذا عليها سبعة من الحيتان وسبعة أرغفة . وقال :، وخل ، ويقال : ورمان وثمار ، ولها رائحة عظيمة جداً ، قال الله كوني فكانت. ثم أمرهم بالأكل منها ، فقالوا : لا تأكل حتى تأكل ، فقال : إنكم الذين ابتدأتم السؤال لها . فأبوا أن يأكلوا منها ابتداء . فأمر الفقراء والمحاويج والمرضى والزمنى وكانوا قريبا من ألف وثلاثمائة فأكلوا منها فبرىء كل من به عاهة أو آفة أو مرض مزمن ، فندم الناس على ترك الأكل منها لما رأوا من إصلاح حال أولئك : ثم قيل إنها كانت تنزل كل يوم مرة فيأكل الناس منها ، يأكل آخرهم كما يأكل أولهم حتى قيل إنها كان يأكل منها نحو سبعة آلاف . ثم كانت تنزل يوما بعد يوم ، كما كانت ناقة صالح يشربون لبنها يوما بعد يوم . ثم أمر الله عيسى أن يقصرها على الفقراء أو المحاويخ دون الأغنياء . فشق ذلك على كثير من الناس وتكلم منافقوهم في ذلك ، فرفعت بالكلية ومسخ الذين تكلموا في ذلك خنازير . وقد روى ابن أبي حاتم وابن جرير جميعا ، حدثنا الحسن بن قزعة الباهلي ، حدثنا سفيان بن حبيب ، حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة عن خلاس ، عن عمار بن ياسر، عن النبي عَ الٍ قال: ((نزلت المائدة من السماء خبز ولحم وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا ولا يرفعوا لغد ، فخانوا وادخروا ورفعوا ، فمسخوا قردة وخنازير )) . ثم رواه ابن جرير عن بندار ، عن ابن أبي عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن خلاس ، عن عمار موقوفا . وهذا أصح . وكذا رواه من طريق سماك ، عن رجل من بني عجل ، عن عمار موقوفا . وهو الصواب .. والله أعلم(١). وخلاس عن عمار منقطع ، فلو صح هذا الحديث مرفوعا لكان فيصلا في (١) أخرجه ابن جرير فى تفسير سورة المائدة ٧ / ١٣٤. ٧٣٥ هذه القصة ، فإن العلماء اختلفوا في المائدة : هل نزلت أم لا ؟ فالجمهور أنها نزلت كما دلت عليه هذه الآثار كما هو المفهوم من ظاهر سياق القرآن ولا سيما قوله: ﴿إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾، كما قرره ابن جرير ... والله أعلم. وقد روى ابن جرير بإسناد صحيح إلى مجاهد وإلى الحسن ابن أبى الحسن البصري ، أنهما قالا: لم تنزل وأنهم أبوا نزولها حين قال: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّى أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبَهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾. ولهذا قيل إن النصارى لا يعرفون خبر المائدة وليس مذكورا في كتابهم ، مع أن خبرها مما تتوافر الدواعي على نقله ... والله أعلم . وقد تقصينا الكلام على ذلك في التفسير فليكتب من هناك ، ومن أراد مراجعته فلينظره من ثم ... ولله الحمد والمنة . ٧٣٦ [ الفصل السابع] بعض أحوال عيسى ومواعظه قال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا رجل سقط اسمه ، حدثنا حجاج بن محمد ، حدثنا أبو هلال محمد بن سليمان ، عن بكر بن عبد الله المزني قال : فقد الحواريون نبيهم عيسى فقيل لهم توجه نحو البحر ، فانطلقوا يطلبونه فلما انتهوا إلى البحر إذا هو يمشي على الماء يرفعه الموج مرة ويضعه أخرى ، وعليه کساء مرتد بنصفه ومؤتزر بنصفه ، حتى انتهى إليهم فقال له بعضهم ، قال أبو هلال ظننت أنه من أفاضلهم : ألّا أجي ءإليك يا نبي الله ؟ قال : بلى ، قال : فوضع إحدى رجليه على الماء ثم ذهب ليضع الأخرى فقال : أوه .. غرقت يا نبي الله ، فقال: أرني يدك يا قصير الإيمان ، لو أن لابن آدم من اليقين قدر شعيرة مشى على الماء ! . ورواه أبو سعيد بن الأعرابي ، عن إبراهيم بن أبي الجحيم ، عن سليمان بن حرب ، عن أبي هلال بن بكر بنحوه ثم قال ابن أبي الدنيا : حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن سفيان ، حدثنا إبراهيم بن الأشعث ، عن الفضيل بن عياض ، قال : قيل لعيسى بن مريم : يا عيسى .. بأي شيء تمشي على الماء ؟ قال : بالإِيمان واليقين . قالوا : فإنا آمنا كما آمنت وأيقنا كما أيقنت . قال : فامشوا إذن . قال: فمشوا معه في الموج فغرقوا فقال لهم عيسى : ما لكم ؟ فقالوا: خفنا الموج . قال: ألا خفتم رب الموج ؟! قال : فأخرجهم ، ثم ضرب بيده إلى الأرض فقبض بها ثم بسطها ، فإذا في إحدى يديه ذهب وفي الأخرى مدر - أو حصى - فقال: أيهما أحلى في قلوبكم ؟ قالوا : هذا الذهب . قال : فإنهما عندي سواء ! . وقدمنا في قصة يحيى بن زكريا عن بعض السلف أن عيسى عليه السلام كان ٧٣٧ يلبس الشعر ويأكل من ورق الشجر ولا يأوي إلى منزل ولا أهل ولا مال ولا يدخر شيئا لغد ، قال بعضهم : كان يأكل من غزل أمه .. صلوات الله وسلامه عليه . وروى ابن عساكر عن الشعبي أنه قال : كان عيسى عليه السلام إذا ذكر عنده الساعة صاح ويقول : لا ينبغي لابن مريم أن يذكر عنده الساعة ويسكت . وعن عبد الملك بن سعيد بن أبجر أن عيسى كان إذا سمع الموعظة صرخ صراخ الثكالى . وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، حدثنا جعفر بن بلقان ، أن عيسى كان يقول: ((اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره ولا أملك نفع ما أرجو ، وأصبح الأمر بيد غيري . وأصبحت مرتهنا بعملي ، فلا فقير أفقر مني ! اللهم لا تشمت بي عدوي ولا تسؤ بي صديقي ، ولا تجعل مصيبتي في ديني ولا تسلط عليّ من لا يرحمني)). وقال الفضيل بن عياض عن يونس بن عبيد ، كان عيسى يقول : لا يصيب أحد حقيقة الإيمان حتى لا يبالى من أكل الدنيا ! . قال الفضيل : وكان عيسى يقول: فكرت في الخلق فوجدت من لم يُخلَق أغبط عندي ممن خُلِقٍ ! . وقال إسحاق بن بشر ، عن هشام بن حسان ، عن الحسن ، قال : إن عيسى رأس الزاهدين يوم القيامة . قال : وإن الفرارين بذنوبهم يحشرون يوم القيامة مع عيسى . قال : وبينما عيسى يوما نائم على حجر قد توسده وقد وجد لذة النوم إذ مرّ به إبليس فقال : يا عيسى .. ألست تزعم أنك لا تريد شيئا من عرض الدنيا ؟ فهذا الحجر من عرض الدنيا . قال : فقام عيسى فأخذ الحجر فرمى به إليه وقال : هذا لك مع الدنيا ! . وقال معتمر بن سليمان : خرج عيسى على أصحابه وعليه جبة صوف ٧٣٨ وكسان وتبان(١) خافيا باكيا شعثا مصفر اللون من الجوع يابس الشفتين من العطش فقال : السلام عليكم يا بني إسرائيل ، أنا الذي أنزلت الدنيا منزلتها بإذن الله ولا عجب ولا فخر ، أتدرون أين بيتي ؟ قالوا : أين بيتك يا روح الله؟ قال : بيتي المساجد ، وطبي الماء ، وإدامي الجوع، وسراجي القمر بالليل ، وصلاتي في الشتاء مشارق الشمس ، وريحاني بقول الأرض ، ولباسي الصوف ، وشعاري خوف رب العزة ، وجلسائي الزمنى والمساكين ، أصبح وليس لي شيء وأمسي وليس لي شيء ، وأنا طيب النفس غير مكترث فمن أغنى مني وأربح ! . رواه ابن عساكر . وروى في ترجمة محمد بن الوليد بن أبان بن حبان أبي الحسن العقيلي المصري ، حدثنا هانىء بن المتوكل الاسكندراني ، عن حيوة بن شريح ، حدثني الوليد بن أبي الوليد، عن شفي بن ماتع ، عن أبي هريرة، عن النبي مَ لم قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى : أن يا عيسى .. انتقل من مكان إلى مكان لئلا تُعرف فتؤذى ، فوعزتي وجلالي لأزوجنك ألف حوراء ولأولمن عليك أربعمائة عام . وهذا حدیث غریب رفعه ، وقد يكون موقوفا من رواية شفى بن ماتع عن كعب الأحبار أو غيره من الإسرائيليين .. والله أعلم . وقال عبد الله بن المبارك : عن سفيان بن عيينة ، عن خلف بن حوشب ، قال : قال عيسى للحواربين : كما ترك لكم الملوك الحكمة فكذلك فاتركوا لهم الدنيا . وقال قتادة : قال عيسى عليه السلام: سلوني فإني لين القلب وإني صغير عند نفسي . وقال إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : قال عيسى للحواربين . كلوا خبز الشعير واشربوا الماء القراح واخرجوا من الدنيا " سالمين آمنين ، بحق ما أقول لكم إن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة ، وإن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة ، وإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين ، بحق ما أقول لكم إن شركم عالم (١) أي سروال صغير يستر العورة المغلظة . ٧٣٩ يؤثر هواه على علمه فإن الناس كلهم مثله . وروى نحوه عن أبي هريرة . قال أبو مصعب عن مالك إنه بلغه أن عيسى كان يقول : يا بني إسرائيل عليكم بالماء القراح والبقل البرير وخبز الشعير ، وإياكم وخبز البر فإنكم لن تقوموا : بشكره . وقال ابن وهب ، عن سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد قال : كان عيسى يقول : اعبروا الدنيا ولا تعمروها . وكان يقول : حب الدنيا رأس كل خطيئة ، والنظر يزرع في القلب الشهوة . وحكى وهيب بن الورد مثله وزاد : ورب شهوة أورثت أهلها حزنا طويلا . وعن عيسى عليه السلام : يابن آدم الضعيف .. اتق الله حيث ما كنت ، وكن في الدنيا ضيفا ، واتخذ المساجد بيتا ، وعلم عينك البكاء وجسدك الصبر وقلبك التفكر ، ولا تهتم برزق غد فإنها خطيئة . وعنه عليه السلام أنه قال : كما أنه لا يستطيع أحدكم أن يتخذ على موج البحر دارا فلا يتخذ الدنيا قرارا . وفي هذا يقول سابق البربري : لكم بيوت بمستن السيوف وهل بينى على الماء بيت أسه مدر! وقال سفيان الثوري : قال عيسى بن مريم : لا يستقيم حب الدنيا وحب الآخرة في قلب مؤمن كما لا يستقيم الماء والنار في إناء . وقال إبراهيم الحربي عن داود بن رشيد ، عن أبي عبد الله الصوفي قال : قال عیسی : طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر ، كلما ازداد شربا ازداد عطشا حتى يقتله . وعن عيسى عليه السلام : إن الشيطان مع الدنيا ومكّرَهُ مع المال وتزينه مع الهوى ، واستمكانه عند الشهوات . ٧٤٠