النص المفهرس
صفحات 681-700
[ الفصل الأول ] قصة مريم بنت عمران قال الله تعالى في سورة آل عمران التي أنزل صدرها وهو ثلاث وثمانون آية منها في الرد على النصارى عليهم لعائن الله ، الذين زعموا أن الله ولداً ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا . وكان قد قدم وفد نجران منهم على رسول الله عَ ل فجعلوا يذكرون ما هم عليه من الباطل من التثليث في الأقانيم ويدعون بزعمهم أن الله ثالث ثلاثة وهم الذات المقدسة وعيسى ومريم ، على اختلاف فرقهم ، فأنزل الله عز وجل صدر هذه السورة بین فيها أن عيسى عبد من عباد الله خلقه وصوره في الرحم كما صور غيره من المخلوقات وأنه خلقه من غير أب كما خلق آدم من غير أب ولا أم ، وقال له كن فكان سبحانه وتعالى . وبين أصل ميلاد أمه مريم وكيف كان من أمرها وكيف حملت بولدها عيسى ، وكذلك بسط ذلك في سورة مريم كما سنتكلم على ذلك كله بعون الله وحسن توفيقه وهدايته . فقال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . إِذْ قَالَتِ آمْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنَّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّى إِنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنَّى وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْبِمَ وَإِنَّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتُهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيًّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيًّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنِدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرٍ حِسَابٍ﴾(١). (١) سورة آل عمران الآيات : ٣٣ - ٣٧ .. ٦٨١ يذكر تعالى أنه اصطفى آدم عليه السلام والخلص من ذريته المتبعين شرعه الملازمين طاعته ، ثم خصص فقال: ﴿ وَآلَ إِبْرَاهِيمَ ﴾ فدخل فيهم بنو إسماعيل ثم ذكر فضل هذا البيت الطاهر الطيب وهم آل عمران ، والمراد بعمران هذا والد مريم عليها السلام . وقال محمد بن إسحاق : وهو عمران بن باشم بن أمون بن میشا بن حزقيا ابن أحريق بن موثم بن عزازيا بن أمصيا بن ياوش بن أحريهو بن يازم بن يهفاشاط ابن إيشا بن إيان بن رحبعام بن داود . وقال أبو القاسم بن عساكر : مريم بنت عمران بن ماثان بن العازر بن اليود بن اخنز بن صادوق بن عيازوز بن الياقيم بن أيبود بن زريابيل بن شالتال بن یوحینا بن برشا بن أمون بن میشا بن حزقيا بن أحاز ابن موثام بن عزريا بن یورام ابن يوشافاط بن إيشا بن إيبا بن رحبعام بن سليمان بن داود عليه السلام . وفيه مخالفة لما ذكره محمد بن إسحاق(٢) . ولا خلاف أنها من سلالة داود عليه السلام وكان أبوها عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه ، وكانت أمها وهى حنة بنت فاقود بن قبيل من العابدات ، وكان زكريا نبي ذلك الزمان زوج أخت مريم ((أشياع)) في قول الجمهور وقيل زوج خالتها ((أشياع )) ... فالله أعلم . وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره أن أم مريم كانت لا تحبل فرأت يوماً طائراً يزق فرخاً له فاشتهت الولد فنذرت لله إن حملت لتجعلن ولدها محرراً أي حبيساً في بيت المقدس . قالوا : فحاضت من فورها فلما طهرت واقعها بعلها فحملت بمريم عليها وقرىء بضم التاء ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى﴾ أي في خدمة بيت المقدس ، السلام ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنَّى وَضِعْتُهَا أُنْثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خداماً من أولادهم(٣). وقولها : ﴿وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ استدل به على تسمية المولود يوم يولد ، (٢) تفسير الطبرى جـ ٣ / ١٥٧. (٣) تفسير الطبرى جـ ٣ / ١٥٧. ٦٨٢ وكما ثبت في الصحيحين عن أنس في ذهابه بأخيه إلى رسول الله مَ لل فحنك أخاه وسماه عبد الله. وجاء في حديث الحسن عن سمرة مرفوعاً: ((كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى ويحلق رأسه ))(٤). رواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي . وجاء في بعض ألفاظه : (((ويدمى)) بدل ((ويسمى)) وصححه بعضهم ... والله أعلم. وقولها: ﴿وَإِنِّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَتَهَا مِنِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ قد استجيب لها في هذا كما تقبل منها نذرها ، فقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر، عن الزهري ، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن النبي معَّ لِ قال: ((ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إلا .. مريم وابنها)) ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم: ﴿ وَإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَتَهَا مِن الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ . أخرجاه من حديث عبد الرزاق ورواه ابن جرير عن أحمد بن الفرج عن بقية ، عن عبد الله بن الزبيدى، عن الزهري عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة عن النبى معَُّ بنحوه(٥). وقال أحمد أيضاً : حدثنا إسماعيل بن عمر ، حدثنا ابن أبي ذؤيب ، عن عجلان مولى المشمعل، عن النبي عَ ثم قال: ((كل مولود من بني آدم يمسه الشيطان بإصبعه إلا مريم بنت عمران وابنها عيسى)). تفرد به من هذا الوجه . ورواه مسلم عن أبي الطاهر ، عن ابن وهب ، عن عمر بن الحارث ، عن أبي يونس، عن أبي هريرة، عن النبي عَ له بنحوه(٦). وقال أحمد حدثنا هشيم ، حدثنا حفص بن ميسرة ، عن العلاء عن أبيه ، عن أبي هريرة، أن النبي مَ ل قال: ((كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنيه إلا ما كان من مريم وابنها ، ألم تر إلى الصبي حين يسقط كيف يصرخ)) ؟ قالوا : (٤) أخرجه أحمد فى مسنده ٥ / ٧ . (٥) أخرجه أحمد فى مسنده ٢ / ٢٧٤ . (٦) أخرجه أحمد فى مسنده ٢ / ٢٨٨ . ٦٨٣ بلى يا رسول الله. قال ((ذلك حين يلكزه الشيطان بحضنيه))(٧). وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه من هذا الوجه ، ورواه قيس عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ ◌ّم: ((ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرة - أو عصرتين - إلا عيسى ابن مريم ومريم )) ثم قرأ رسول الله عَ لٍ ﴿وَإِلَى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَتَهَا مِن الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ . وكذا رواه محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن عبيد الله بن قسيط ، عن أبي هريرة، عن النبي عَ لّه . بأصل الحديث. وقال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الملك ، حدثنا المغيرة هو ابن عبد الرحمن الخزامي ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي عَ ◌ّم قال: (( كل بنى آدم يطعن الشيطان في جنبه حين يولد إلا عيسى ابن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب )) . وهذا على شرط الصحيحين ولم يخرجوه من هذا الوجه(٨) . وقوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقُبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نِبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيًّا﴾ ذكر كثير من المفسرين أن أمها حين وضعتها لفتها في خروقها ثم خرجت بها إلى المسجد فسلمتها إلى العباد الذين هم مقيمون به ، وكانت ابنة إمامهم وصاحب صلاتهم فتنازعوا فيها ، والظاهر أنها إنما سلمتها إليهم بعد رضاعها وكفالة مثلها في صغرها . ثم لما دفعتها إليهم تنازعوا في أيهم يكفلها ، وكان زكريا نبيهم في ذلك الزمان ، وقد أراد أن يستبد بها دونهم من أجل زوجته أختها أو خالتها على القولين . فشائتُوه في ذلك وطلبوا أن يقترع معهم ، فساعدته المقادير فخرجت قرعته غالبة لهم وذلك أن الخالة بمنزلة الأم . قال الله تعالى: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيًّا﴾ أي بسبب غلبه لهم في القرعة كما قال (٧) أخرجه أحمد فى مسنده ٢ / ٣٦٨ . (٨) أخرجه أحمد فى مسنده ٢ / ٥٢٣. ٦٨٤ تعالى: ﴿ ذَلِكَ مِن أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَحْتَصِمُونَ﴾(٩) . قالوا : وذلك أن كلا منهم ألقى قلمه معروفاً به . ثم حملوها ووضعوها في موضع وأمروا غلاماً لم يبلغ الحنث فأخرج واحداً منها وظهر قلم زكريا عليه السلام . فطلبوا أن يقترعوا مرة ثانية وأن يكون ذلك بأن يلقوا أقلامهم في النهر فأيهم جرى قلمه على خلاف جرية الماء فهو الغالب ففعلوا فكان قلم زكريا هو الذي جرى على خلاف جرية الماء ، وسارت أقلامهم مع الماء ثم طلبوا منه أن يقترعوا ثالثة فأيهم جرى قلمه مع الماء ویکون بقية الأقلام قد انعکس سیرها صعدا فهو الغالب ففعلوا فکان ز کریا هو الغالب لهم فكفلها إذا كان أحق بها شرعاً وقدراً لوجوه عديدة(١٠). قال الله تعالى: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيًّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً ، قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنِدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقَ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال المفسرون : اتخذ لها زكريا مكاناً شريفاً من المسجد لا يدخله سواها ، فكانت تعبد الله فيه وتقوم بما يجب عليها من سدانة البيت إذا جاءت نوبتها وتقوم بالعبادة ليلها ونهارها ، حتى صارت يضرب بها المثل بعبادتها في بني إسرائيل ، واشتهرت بما ظهر عليها من الأحوال الكريمة والصفات الشريفة حتى إنه كان نبي الله زكريا كلما دخل عليها موضع عبادتها يجد عندها رزقا غريبا في غير أوانه . فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فيسألها ﴿ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ فتقول: ﴿هُوَ مِن عِندِ اللّهِ﴾ أي رزق رزقنيه الله إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حَسَابٍ ﴾. فعند ذلك وهنالك طمع زكريا في وجود ولد من صلبه وإن كان قد أسنّ وكبر ﴿ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُّتَّكَ ذُرِّيَةً طَِّيَّةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾(١١) . قال بعضهم : قال : يا من يرزق مريم الثمر في غير أوانه هب لي ولداً وإن كان في غير أوانه . فكان من خبره وقضيته ما قدمنا ذكره في قصته(١٢) . (٩) سورة آل عمران الآية : ٤٤. (١٠) قارن تفسير الطبرى جـ ٣ / ١٦٢. (١١) سورة آل عمران الآية : ٣٨. (١٢) تفسير الطبرى جـ ٣ / ١٦٣. ٦٨٥ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكٍ وَأَصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ آقْتُنِى لِرَبِّكِ وَاسْجُدِى وَآَرْكَعِى مَعَ الرَّاكِمِينَ * ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلٍ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَحْتَصِمُونَ » إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ آسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِى الذُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى وَلٌَّ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَحْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرأَ فِإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * وَرَسُولاً إِلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنَّى قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنَّى أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُحُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأَبْرِىءُ الأَكْمَةَ وَالأُبْرصَ وَأَحْيِى المَوْئَى بِإِذْنِ اللهِ وَأَنْئَكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَذَّخِرُونَ فِى ◌ُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِىِ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطْ مُسْتَقِيمٌ﴾(١٣) . يذكر تعالى أن الملائكة بشرت مريم باصطفاء الله لها من بين سائر نساء عالمي زمانها، بأن اختارها لإيجاد ولد منها من غير أب وبشرت بأن يكون نبياً شريفاً وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى المَهْدِ ﴾ أي في صغره يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، وكذلك في حال كهوليته ، فدل على أنه يبلغ الكهولة ويدعو إلى الله فيها ، وأمرت بكثرة العبادة والقنوت والسجود والركوع لتكون أهلا لهذه الكرامة ولتقوم بشكر هذه النعمة ، فيقال إنها كانت تقوم في الصلاة حتى تفطرت قدماها رضى الله عنها ورحمها ورحم أمها. وأباها . فقول الملائكة: ﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أي اختارك واجتباك وَطَّهَّرَكِ﴾ أي من الأخلاق الرذيلة وأعطاك الصفات الجميلة ﴿ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِساءِ الْعَالَمِينَ﴾. يحتمل أن يكون المراد عالمي زمانها كقوله لموسى ﴿ إِنّى اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾(١٤). وكقوله على بني إسرائيل: ﴿ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُم (١٣) سورة آل عمران الآيات : ٤٢ - ٥١ . (١٤) سورة الأعراف الآية : ٢٤٤ . ٦٨٦ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾(١٥). ومعلوم أن إبراهيم عليه السلام أفضل من موسى، وأن محمداً عَ ◌ّه أفضل منهما، وكذلك هذه الأمة أفضل من سائر الأمم قبلها وأكثر عدداً وأفضل علماً وأزكى عملاً من بني إسرائيل وغيرهم . ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ محفوظ العموم فتكون أفضل نساء الدنيا ممن كان قبلها أو جد بعدها لأنها إن كانت نبية على قول من يقول بنبوتها ونبوة سارة أم إسحاق ونبوة أم موسى محتجاً بكلام الملائكة والوحي إلى أم موسى ، كما يزعم ذلك ابن حزم وغيره ، فلا يمتنع على هذا أن تكون مريم أفضل من سارة أم موسى لعموم قوله: ﴿ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ اَلْعَالَمِينَ﴾ إذا لم يعارضه غيره ... والله أعلم . وأما قول الجمهور كما قد حكاه أبو الحسن الأشعري وغيره عن أهل السنة والجماعة من أن النبوة مختصة بالرجال ، وليس في النساء نبية فيكون أعلى مقامات مريم. كما قال الله تعالى: ﴿ مَا المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ وَسَولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾(١٦) فعلى هذا لا يمتنع أن تكون أفضل الصديقات ا المشهورات ممن كان قبلها وممن يكون بعدها ... والله أعلم ... وقد جاء ذكرها مقروناً مع آسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد عَّةٍ ورضى الله عنهن وأرضاهن . وقد روى الإِمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عديدة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن جعفر ، عن علي بن أبي طالب رضى الله عنه قال: قال رسول الله عَّةٍ: ((خير. نسائها مريم بنت عمران ، وخير نسائها خديجة بنت خويلد))(١٧) . وقال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن قتادة ، عن أنس ، قال: قال رسول الله عَ له: (( حسبك من نساء العالمين بأربع: مريم بنت عمران ، وآسية امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت (١٥) سورة الدخان الآية : ٣٢. (١٦) سورة المائدة الآية ٧٥ . (١٧) أخرجه البخارى فى صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب تزويج النبى - عَ ل ــ خديجة وفضلها . وأخرجه الترمذى فى سننه ، كتاب المناقب ، باب فضل خديجة رضى الله عنها . ٦٨٧ محمد)) (١٨). ورواه الترمذي عن أبي بكر بن زنجويه ، عن عبد الرزاق به وصححه ، ورواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي وابن عساكر من طريق تميم بن زياد ، كلاهما عن أبي جعفر الرازي ، عن ثابت ، عن أنس قال : قال رسول الله عَّهُ: ((خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد رسول الله عَ ليه))(١٩). وقال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب، قال: كان أبو هريرة يحدث أن النبي مَ آلِه قال: ((خير نساء ركبن الإِبل صالح نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرعاه لزوج في ذات يده » قال أبو هريرة : ولم تركب مريم بعيراً قط . وقد رواه مسلم في صحيحه عن محمد بن رافع وعبد بن حميد ، کلاهما عن عبد الرزاق به(٢٠) . وقال أحمد : حدثنا زيد بن الحباب ، حدثني موسى بن علي ، سمعت أبي يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله عَ له: ((خير نساء ركبن الإِبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرأفه بزوج على قلة ذات يده )) قال أبو هريرة: وقد علم رسول الله عَ لِ أن ابنة عمران لم تركب الإِبل. تفرد به وهو على شرط الصحيح . ولهذا الحديث طرق أخر عن أبي هريرة . وقال أبو يعلى الموصلي : حدثنا يونس بن محمد ، حدثنا داود بن أبي الفرات ، عن علباء بن أحمر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : خط رسول الله عَّله في الأرض أربعة خطوط فقال: ((أتدرون ما هذا)) ؟ قالوا : (١٨) أخرجه الترمذى فى سننه، كتاب المناقب، باب فضل خديجة. وأخرجه الحاكم فى مستدركه ، كتاب المناقب ، باب مناقب فاطمة عليها السلام . (١٩) راجع الخريج الحديث السابق. (٢٠) أخرجه أحمد فى مسنده ٢ / ٢٦٩ . ٦٨٨ الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله عَ له: (( أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ) . ورواه النسائي من طرق عن داود بن أبي هند . وقد رواه ابن عساکر من طريق أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث ، حدثنا يحيى بن حاتم العسكري ، أنبأنا بشر بن مهران بن حمدان ، حدثنا محمد بن دينار ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله عَ له: ((حسبك منهن أربع سيدات نساء العالمين: فاطمة بنت محمد ، وخديجة بنت خويلد ، وآسية بنت مزاحم ، ومريم بنت عمران))(٢١) . وقال أبو القاسم البغوي : حدثنا وهب بن بقية ، حدثنا خالد بن عبد الله الواسطي ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، أنها قالت لفاطمة: أرأيت حين أكبيت على رسول الله عَّ الله فبكيت ثم ضحكت ؟ قالت : أخبرني أنه ميت من وجعه هذا فبكيت ، ثم أكببت عليه فأخبرني أني أسرع أهله لحوقا به وإني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران فضحكت . وأصل هذا الحديث في الصحيح . وهذا إسناد على شرط مسلم وفيه أنهما أفضل الأربع المذكورات . وهکذا الحديث الذي رواه الإِمام أحمد : حدثنا عثمان بن محمد ، حدثنا جرير ، عن یزید _ هو ابن أبي زياد - عن عبد الرحمن بن أبي نعم ، عن أبي سعيد، قال: رسول الله عَ له: ((فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران)) إسناده حسن وصححه الترمذي ولم يخرجوه، وقد روى نحوه من حديث علي بن أبي طالب ولكن في إسناده ضعف(٢٢) . والمقصود أن هذا يدل على أن مريم وفاطمة أفضل هذه الأربع ، ثم يحتمل (٢١) أخرجه الحاكم بنحوه فى المستدرك ، كتاب المناقب ، باب مناقب فاطمة عليها السلام . والترمذى فى سننه ، كتاب المناقب ، باب فضل خديجة . (٢٢) أخرجه أحمد فى مسنده ٣ / ٦٤ . ٦٨٩ الاستثناء. أن تكون مريم أفضل من فاطمة ويحتمل أن يكونا على السواء في الفضيلة . لكن ورد حديث إن صح عين الاحتمال الأول فقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر : أنبأنا أبو الحسين بن الفراء وأبو غالب وأبو عبد الله ابنا البنا، قالوا : أنبأنا أبو جعفر بن المسلمة ، أنبأنا أبو طاهر المخلص ، حدثنا أحمد بن سليمان ، حدثنا الزبير هو ابن بكار ، حدثنا محمد بن الحسن ، عن عبد العزيز بن محمد ، عن موسى بن عقبة، عن كريب ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله عَ ◌ّه : ((سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية امرأة فرعون)) . فإن كان هذا اللفظ محفوظاً بثم التي للترتيب فهو مبين لأحد الاحتمالین اللذين دل عليهما الاستثناء ، وتقدم على ما تقدم من الألفاظ التي وردت بواو العطف التي لا تقتضي الترتيب ولا تنفيه ... والله أعلم . وقد روى هذا الحديث أبو حاتم الرازي عن داود الجعفري ، عن عبد العزيز ابن محمد وهو الدراوردي ، عن إبراهيم بن عقبة ، عن کريم ، عن ابن عباس مرفوعاً ، فذكره بواو العطف. لا بثم الترتيبية ، فخالفه إسناداً ومتناً ... فالله أعلم . فأما الحديث الذي رواه ابن مردويه من حديث شعبة ، عن معاوية بن قرة ، عن أبيه قال: قال رسول الله عَ ل: ((كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا ثلاث : مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد ، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ) وهكذا الحديث الذي رواه الجماعة إلا أبا داود من طرق ، عن شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن مرة الهمداني، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله عَ له: ((كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران ، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)) (٢٣). (٢٣) أخرجه البخارى فى صحيحه ، كتاب الأنبياء ، باب قول الله تعالى ﴿وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون﴾ . وأخرجه مسلم فى صحيحه ، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل خديجة رضى الله تعالى عنها . ٦٩٠ فإنه حديث صحيح كما ترى اتفق الشيخان على إخراجه ، ولفظه يقتضي حصر الكمال في النساء في مريم وآسية ، ولعل المراد بذلك في زمانهما فإن كلا منهما كفلت نبياً في حال صغره ، فآسية كفلت موسى الكليم ، ومريم كفلت ولدها عبد الله ورسوله ، فلا ينفي كمال غيرهما في هذه الأمة كخديجة وفاطمة . فخديجة خدمت رسول الله عَ لّله قبل البعثة خمس عشر سنة وبعدها أزيد من عشر سنين ، وكانت له وزير صدق بنفسها ومالها ، رضى الله عنها وأرضاها . وأما فاطمة بنت رسول الله عَ لَّه فإنها خصت بمزيد فضيلة على أخواتها لأنها أصيبت برسول الله عَ ◌ّه وبقية أخواتها مِتْنَ في حياة النبي عَّ}. وأما عائشة فإنها كانت أحب أزواج رسول الله عَ لِّ إليه ولم يتزوج بكرا غيرها ، ولا يعرف في سائر النساء في هذه الأمة ــ بل ولا في غيرها - أعلم منها ولا أفهم ، وقد غار الله لها حين قال لها أهل الأفك ما قالوا فأنزل الله براءتها من فوق سبع سموات ، وقد عمرت بعد رسول الله عَ لّه قريبا من خمسين سنة تبلغ عنه القرآن والسنة وتفتي المسلمين وتصلح بين المختلفين وهى أشرف أمهات المؤمنين حتى خديجة بنت خويلد أم البنات والبنين في قول طائفة من العلماء السابقين واللاحقين ، والأحسن الوقف فيهما رضى الله عنهما ، وما ذاك إلا لأن قوله عَ له: ((وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)) يحتمل أن يكون عاما بالنسبة إلى المذكورات وغيرهن ويحتمل أن يكون عاما بالنسبة إلى ما عدا المذكورات ... والله أعلم (٢٤). والمقصود ها هنا ذكر ما يتعلق بمريم بنت عمران عليها السلام ، فإن الله طهرها واصطفاها على نساء عالمي زمانها ، ويجوز أن يكون تفضيلها على النساء مطلقاً كما قدمنا. وقد ورد في حديث أنها تكون من أزواج النبي عَ له في الجنة هى وآسية بنت مزاحم . وقد ذكرنا في التفسير عن بعض السلف أنه قال ذلك واستأنس بقوله: ﴿ثَبِيَّاتٍ وَأَبْكَاراً﴾(٢٥) قال: فالثيب آسية ومن الأبكار مريم (٢٤) البخارى جـ ٤ / ١٢٩ و١٩٦ و١٩٨ كتاب الأطعمة وكتاب العقائل مسلم جـ ٢٤٦/٢. فضائل خديجة . (٢٥) سورة التحريم الآية : ٥ . ٦٩١ بنت عمران . وقد ذكرناه في آخر سورة التحريم ... فالله أعلم . قال الطبراني : حدثنا عبد الله بن ناجية ، حدثنا محمد بن سعد العوفي ، حدثنا أبي ، أنبأنا عمي الحسين ، حدثنا يونس بن نفيع ، عن سعد بن جنادة ، هو العوفي ، قال: قال رسول الله عَ له: ((إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأة فرعون وأخت موسى))(٢٦) . رواه ابن جعفر العقيلي من حديث عبد النور به وزاد فقلت : هنيئاً لك يا رسول الله . ثم قال العقيلي : وليس بمحفوظ . وقال الزبير بن بكار : حدثني محمد بن الحسن ، عن يعلي بن المغيرة ، عن أبي داود، قال: دخل رسول الله عَ لله على خديجة وهى في مرضها الذي توفيت فيه فقال لها: (( بالكره مني ما أرى منك يا خديجة ، وقد يجعل الله في الكره خيراً كثيراً، أما علمت أن الله قد زوجني معك في الجنة مريم بنت عمران وكلثم أخت موسى وآسية امرأة فرعون)) ؟ قالت : وقد فعل الله بك ذلك يا رسول الله ؟ قال: (( نعم)) قالت : بالرفاء والبنين . وروى ابن عساكر من حديث محمد بن زكريا الغلابي ، حدثنا العباس بن بكار ، حدثنا أبو بكر الهذلي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن رسول الله عَّ له دخل على خديجة وهى في مرض الموت فقال: ((يا خديجة ... إذا لقيت ضرائرك فأقرئيهن مني السلام )) قالت : يا رسول الله ... وهل تزوجت قبلي ؟ قال: ((لا، ولكن الله زوجني مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وكلثم أخت موسی )) . وروى ابن عساكر من طريق سويد بن سعيد ، حدثنا محمد بن صالح بن عمر ، عن الضحاك ومجاهد ، عن ابن عمر ، قال : نزل جبريل إلى رسول الله عَِّه بما أرسل به وجلس يحدث رسول الله عَ ليه إذ مرت خديجة ، فقال جبريل : من هذه يا محمد ؟ قال : هذه صديقة أمتي . قال جبريل : معي إليها رسالة من الرب عز وجل يقرئها السلام ويبشرها ببيت في الجنة من قصب بعيد (٢٦) السيوطى فى الجامع الصغير حديث رقم (١٧٤٤)) وضعفه. ٦٩٢ من اللهب لا نصب فيه ولا صخب . قالت : الله السلام ومنه السلام والسلام عليكما ورحمة الله وبركاته على رسول الله ، ما ذلك البيت الذي من قصب ؟ قال : لؤلؤة جوفاء بين بيت مريم بنت عمران وبيت آسية بنت مزاحم ، وهما من أزواجي يوم القيامة . وأصل السلام على خديجة من الله وبشارتها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا وصب في الصحيح ، ولكن هذا السياق بهذه الزيادات غريب جداً . وكل من هذه الأحاديث في أسانيدها نظر . وروى ابن عساكر من حديث أبي زرعة الدمشقي ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثنى معاوية ، عن صفوان بن عمرو ، عن خالد بن معدان عن كعب الأحبار أن معاوية سأله عن الصخرة - يعني صخرة بيت المقدس - فقال : الصخرة على نخلة ، والنخلة على نهر من أنهار الجنة ، وتحت النخلة مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم ينظمان سموط أهل الجنة حتى تقوم الساعة . ثم رواه من طريق إسماعيل ، عن عياش ، عن ثعلبة بن مسلم ، عن مسعود ، عن عبد الرحمن، عن خالد بن معدان ، عن عبادة بن الصامت عن النبي هل بمثله . وهذا منكر من هذا الوجه بل هو موضوع . وقد رواه أبو زرعة عن عبد الله بن صالح ، عن معاوية عن مسعود بن عبد الرحمن ، عن ابن عابد ، أن معاوية سأل كعباً عن صخرة بيت المقدس فذكره . قال الحافظ ابن عساكر : وكونه من كلام كعب الأحبار أشبه . قلت : وكلام كعب الأحبار هذا إنما تلقاه من الإسرائيليات التي منها ما هو مكذوب مفتعل وضعه بعض زنادقتهم أو جهالهم ، وهذا منه ... والله أعلم . ٦٩٣ [ الفصل الثاني ] ذكر ميلاد العبد الرسول عيسى ابن مريم العذراء البتول قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ أَنْتَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيًّا؛ فَتَّخَذَتْ مِنِ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوجَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيًّا ، قَالَتْ إِلَّى أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا» قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيًّا » قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَك يَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنَ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لُلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرَأَ مَّقْضِيًّا، فَحَمَتْهُ فَانْتَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيًّا ، فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّحْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِى مِتُّ قَبَّلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنْسِيًّا، فَتَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّحْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا، فَكُلِى وَأَشْرَبِى وَقَرِّى عَيْنَاً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أُحَداً فَقُولِي إِنَّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا ، فَأَنْتِ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ، يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوَكِ آمْرَأْ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكَ بَغِيًّا. فَأَشَارَتْ إِلَّهِ قَالُوا كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ، قَالَ إِلّ عَبْدَ الله آثَانِىَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِى نَِيًّا * وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِى بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَادُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَ الِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيًّا . # وَالسِّلَامُ عَلَيَّ ◌َوْمَ وُلِدتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ اللهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلِدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرَا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنِ فَيَكُونُ ، وَإِنَّ اللّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطْ مُسْتَقِيمٌ . فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمِ عَظِيمِ ﴾(١) (١) سورة مريم الآيات: ١٦ - ٣٧. ٦٩٤ ذكر تعالى هذه القصة بعد قصة زكريا التي هى كالمقدمة لها والتوطئة قبلها كما ذكر في سورة آل عمران ، قرن بينهما في سياق واحد وكما قال في سورة الأنبياء: ﴿وَزْكَرِيًّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِى فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَّهُ يَحْبَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ * وَآلَتَّى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَتَفَحْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَآَبْنَهَا آيَةً لَّلْعَالَمِينَ﴾(٢) · وقد تقدم أن مريم لما جعلتها أمها محررة تخدم بيت المقدس وأنه كفلها زوج أختها أو خالتها نبي ذلك الزمان زكريا عليه السلام ، وأنه اتخذ لها محراباً وهو المكان الشريف من المسجد لا يدخله أحد عليها سواه ، وإنها لما بلغت اجتهدت في العبادة فلم يكن في ذلك الزمان نظيرها في فنون العبادات ، وظهر عليها من الأحوال ما غبطها به زكريا عليه السلام وإنها خاطبتها الملائكة بالبشارة لها باصطفاء الله وبأنه سيهب لها ولداً زكياً يكون نبياً كريماً طاهراً مكرماً مؤيداً بالمعجزات ، فتعجبت من وجود ولد من غير والد ، لأنها لا زوجٍ لها ، ولا هى ممن تتزوج فأخبرتها الملائكة بأن الله قادر على ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ، فاستكانت لذلك وأنابت وسلمت لأمر الله ، وعلمت أن هذا فيه محنة عظيمة لها فإن الناس يتكلمون فيها بسببه ، لأنهم لا يعلمون حقيقة الأمر ، وإنما. ينظرون إلى ظاهر الحال من غير تدبر ولا تعقل . وكانت إنما تخرج من المسجد في زمن حيضها أو لحاجة ضرورية لابد منها من استقاء ماء أو تحصيل غذاء ، فبينما هى يوماً قد خرجت لبعض شئونها و﴿ الْتَبَذَثِ﴾ أي انفردت وحدها شرقي المسجد الأقصى إذ بعث الله إليها الروح الأمين جبريل عليه السلام ﴿ فَتَمَثَلَ لَهَا بَشِرَاً سَوِيًّا﴾ فلما رأته ﴿قَالَتْ إِّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنْتَ تَقِيًّا﴾ قال أبو العالية: علمت أن التقي ذو نهية . وهذا یرد قول من زعم أنه كان في بني إسرائيل رجل فاسق مشهور بالفسق اسمه ((تقي)) فإن هذا قول باطل بلا دليل، وهو من أسخف الأقوال. ◌ْ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أي خاطبها الملك ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ (٢) سورة الأنبياء الآيات : ٨٩ - ٩١ ٦ رَبِّكِ﴾ أي لست بيشر ولكني ملك بعثني الله إليك ﴿لِأَهِبَ لَكِ غَلَاماً زكِيًّا﴾ أي ولداً زكياً. قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ ﴾ أي كيف يكون لي غلام أو يوجد لي ولد ﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَيِيًّا﴾ أي ولست ذات زوج وما أنا ممن يفعل الفاحشة ﴿ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هَوْ عَلَىَّ هَيِّنّ ﴾ أي فأجابها الملك عن تعجبها من وجود ولد منها والحالة هذه قائلا: ﴿ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ﴾ أي وعد أنه سيخلق منك غلاماً ولست بذات بعل ولا تكونين ممن تبغين ﴿ هُوٌ عَلَىَّ هَيِّنّ ﴾ أي وهذا سهل عليه ويسير لديه ، فإنه على ما يشاء قدير . وقوله : ﴿وَلِتَجْعَلَّهُ آيَّةً لِلنَّاسِ﴾ أي ولنجعل خلقه والحالة هذه دليلاً على كمال قدرتنا على أنواع الخلق ، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى وخلق حواء من ذكر بلا أنثى ، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر ، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى .. وقوله ﴿ وَرَحْمَةً مِّنَّا ﴾ أي نرحم به العياد بأن يدعوهم إلى الله في صغره وكبره في طفوليته وكهوليته . بأن يفردوا الله بالعبادة وحده لا شريك له وينزهوه عن اتخاذ الصاحبة والأولاد والشركاء والنظراء والأضداد والأنداد . وقوله : ﴿ وَكَانَ أَمْرَأَ مَّقْضَيًّا ﴾ يحتمل أن يكون هذا من تمام كلام جبريل معها ، يعني أن هذا أمر قضاه الله وحتمه وقدره وقرره ، وهذا معنى قول محمد ابن إسحاق واختاره ابن جرير ، ولم يحك سواه ... والله أعلم . ويحتمل أن یکون قوله : ﴿ وَ كَانَ أُمْرَا مُقْضِيًّا ﴾ كناية عن نفخ جبريل فيها. كما قال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ التّى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَتَفَحْنَا فِيهِ مِن ◌ُّوحِنَا﴾(٣). فذكر غير واحد من السلف أن جبريل نفخ في جيب درعها فنزلت النفخة إلى فرجها فحملت من فورها كما تحمل المرأة عند جماع بعلها . ومن قال إنه نفخ في فمها أو إن الذي كان يخاطبها هو الروح الذي ولج فيها من فمها ، فقوله خلاف (٣) سورة التحريم الآية : ١٢. ٦٩٦ ما يفهم من سياقات هذه القصة في محالها من القرآن ، فإن هذا السياق يدل على أن الذي أرسل إليها ملك من الملائكة وهو جبريل عليه السلام ، وأنه إنما نفخ فيها ولم يواجه الملك الفرج بل نفخ في جيبها فنزلت النفخة إلى فرجها فانسلكت فيه ، كما قال تعالى: ﴿ فَتَفَحْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ فدل على أن النفخة ولجت فيه لا في فمها ، كما رواه السدي بإسناده عن بعض الصحابة . ولهذا قال تعالى: ﴿فَحَمْلَتْهُ﴾ أي فحملت ولدها ﴿ فَائْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيًّا﴾ وذلك لأن مريم عليها السلام لما حملت ضاقت به ذرعاً، وعلمت أن كثيرا من الناس سيكون منهم كلام في حقها ، فذكر غير واحد من السلف منهم وهب بن منبه أنها لما ظهرت عليها مخايل الحمل كان أول من فطن لذلك رجل من عباد بني إسرائيل يقال له يوسف بن يعقوب النجار ، وكان ابن خالها فجعل يتعجب من ذلك عجباً شديداً ، وذلك لما يعلم من ديانتها ونزاهتها وعبادتها وهو مع ذلك يراها حبلى وليس لها زوج ، فعرض لها ذات يوم في الكلام فقال : يا مريم ... هل يكون زرع من غير بذر ؟ قالت : نعم ، فمن خلق الزرع الأول . ثم قال : فهل يكون ولد من غير ذكر ؟ قالت : نعم إن الله خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى . قال لها : فأخبريني خبرك . فقالت : إن الله بشرني ﴿ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ آسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِى الذُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾(٤). ويروي مثل هذا عن زكريا عليه السلام أنه سألها فأجابته بمثل هذا ... والله أعلم . وذكر السدي بإسناده عن الصحابة : أن مريم دخلت يوما على أختها فقالت لها أختها : أشعرت أني حبلى ؟ فقالت مريم : وشعرت أيضا أني حبلى ؟ فاعتنقتها وقالت لها أم يحيى : إنى أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك وذلك قوله : مُصَدِّقَاً بِكَلِمَةٍ مِّن الله﴾(٥) ومعنى السجود ها هنا الخضوع والتعظيم ، كالسجود عند المواجهة للسلام كما كان في شرع من قبلنا ، وكما أمر الله الملائكة (٤) سورة آل عمران الآيتان : ٤٥ - ٤٦. (٥) سورة آل عمران الآية : ٣٩ . ٦٩٧ بالسجود لآدم . وقال أبو القاسم : قال مالك : بلغني أن عيسى ابن مريم ویحیی ابن ز کریا ابنا خالة وكان حملهما جميعاً معاً ، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم : إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك . قال مالك : أرى ذلك لتفضيل عيسى عليه السلام ، لأن الله تعالى جعله يحيى الموتى ويبريء الأكمه والأبرص . رواه ابن أبى حاتم . وروی عن مجاهد قال : قالت مريم : کنت إذا خلوت حدثني و کلمني وإذا کنت بين الناس سبح(٦) في بطني . ثم الظاهر أنها حملت به تسعة أشهر كما تحمل النساء ويضعن لميقات حملهن ووضعهن ، إذ لو كان خلاف ذلك لذكر . وعن ابن عباس وعكرمة أنها حملت به ثمانية أشهر ، وعن ابن عباس ما هو إلا أن حملت به فوضعته ، قال بعضهم: حملت به تسع ساعات واستأنسوا لذلك بقوله: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانَا قَصِيًّا فَأَجَاءَهَا المحَاضُ إِلَى جِذْعِ التَّحْلَةِ والصحيح أن تعقيب كل شيء بحسبه، كقوله: ﴿قَتَضْبِحُ الْأَرْضِ مُحْضَرَّةً﴾ وكقوله: ﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النَّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَّقَةَ مُعْعَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسُوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالِقِينَ﴾(٧) ومعلوم أن بين كل حالین أربعين يوماً كما ثبت في الحديث المتفق عليه . قال محمد بن إسحاق : شاع واشتهر في بني إسرائيل أنها حامل ، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل بيت زكريا . قال : واتهمها بعض الزنادقة بيوسف الذي كان يتعبد معها في المسجد ، (٦) بفتح الباء مع التشديد .. من التسبيح لا السباحة . (٧) سورة المؤمنون الآية : ١٤ . ٦٩٨ فَاجَاءَهَا وتوارت عنهم مريم واعتزلتهم وانتبذت مكانا قصيا . وقوله : المَخَاضُ إِلَى جِذّعِ النَّحْلَةِ﴾ أي فالجأھا واضطرها الطلق إلى جذع النخلة ، وهو بنص الحديث الذي رواه النسائي بإسناد لا بأس به عن أنس مرفوعاً والبيهقي بإسناد وصححه عن شداد بن أوس مرفوعاً أيضاً ببيت لحم الذي بنى عليه بعض ملوك الروم فيما بعد على ما سنذكره هذا البناء المشاهد الهائل . قَالَتْ يَالَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيَاً منسِيًّا ﴾ فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتن ، وذلك أنها علمت أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها بل يكذبونها حين تأتيهم بغلام على يدها ، مع أنها قد كانت عندهم من العابدات الناسكات المجاورات في المسجد المنقطعات إليه المعتكفات فيه ، ومن بيت النبوة والديانة فحملت بسبب ذلك من الهم ما تمنت أن لو كانت ماتت قبل هذا الحال أو كانت ﴿ نَسْياً منسِيًّا﴾ أي لم تخلق بالكلية . وقوله: ﴿ فَتَادَاهَا مَن تَحْتَهَا﴾(٨)، وقرىء: ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ على الخفض ، وفي المضمر قولان : أحدهما أنه جبريل ، قاله العوفي عن ابن عباس قال : ولم يتكلم عيسى إلا بحضرة القوم . وبهذا قال سعيد بن جبير وعمرو بن ميمون والضحاك والسدي وقتادة . وقال مجاهد والحسن وابن زيد وسعيد بن جبير في رواية : هو ابنها عيسى . واختاره ابن جرير . وقوله : ﴿ أَلَّا تَحْزِنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾ قيل النهر وإليه ذهب الجمهور . وجاء فيه حديث رواه الطبراني لكنه ضعيف واختاره ابن جرير وهو الصحيح وعن الحسن والربيع بن أنس وابن أسلم وغيرهم أنه ابنها . والصحيح الأول لقوله: ﴿وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّحْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبَأَ جَنِيًّا﴾ فذكر الطعام والشراب ولهذا قال : ﴿ فَكُلِى وَاشْرَبِى وَقَرِّى عَيْئاً ﴾ ثم قيل : كان جذع النخلة يابسا وقيل كانت نخلة مثمرة ... فالله أعلم . ويحتمل أنها كانت نخلة ، لكنها لم تكن مثمرة إذ ذاك ، لأن ميلاده كان في زمن الشتاء وليس ذاك وقت ثمر ، وقد يفهم ذلك من قوله تعالى على سبيل الامتنان ٠٠ (٨) اختلفوا فى فتح الميم والتاء وكسرهما من قوله ﴿من تحتها﴾ بفتح الميم والتاء. وقرأ نافع وحمزة والكسائى وحفص عن عاصم: ﴿ من تحتها ﴾ بكسر الميم والتاء . ٦٩٩ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَيًّا ﴾ قال عمرو بن ميمون(٩): ليس شيء أجود للنفساء من التمر والرطب ثم تلا هذه الآية . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسن ، حدثنا شيبان ، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي ، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن عروة بن رويم عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله عَ له: ((أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم وليس من الشجر شيء يلقح غيرها(١٠). وقال رسول الله عَ ليه: ((أطعموا نساءكم الولد الرطب، فإن لم يكن رطب فتمر ، وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران )» . وكذا رواه أبو يعلى في مسنده عن شيبان بن فروخ عن مسروق بن سعيد ، وفي رواية مسرور بن سعد . والصحیح مسرور بن سعید التميمي ، أورد له ابن عدي هذا الحديث عن الأوزاعى به. ثم قال : وهو منكر الحديث ولم أسمع بذكره إلا في هذا الحديث . وقال ابن حبان : يروي عن الأوزاعي المناكير الكثيرة التي لا يجوز الاحتجاج بمن یرویها . وقوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِن الْبَشَرِ أُحَداً فَقُولِى إِّى نَذَرْتُ لِلْرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلّمَ اليَومُ إِئْسِيًّا﴾. وهذا من تمام كلام الذي ناداها من تحتها قال: كُلِى وَاشْرَبِى وَقَرّى عَيْنَاً فَإِمَّا تَرَينَّ مِن الْبَشَرِ أَحَداً ﴾ أي فإن رأيت أحداً من الناس ﴿فَقُولِى﴾ له أي بلسان الحال والإِشارة: ﴿إِنَّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ أي صمتا ، وكان من صومهم في شريعتهم ترك الكلام والطعام . قاله قتادة والسدي وابن أسلم ، ويدل على ذلك قوله : ﴿ فَلَنْ أَكَلَّمَ اليَوْمَ إِنْسِيًّا ﴾ فأما في شريعتنا فيكره للصائم صمت يوم إلى الليل . وقوله تعالى: ﴿فَأَكْتِ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا. (٩) عمرو بن ميمون بن مهران الجزرى توفى سنة ١٤٥ هـ [ شذرات الذهب ١ / ٢١٦]. (١٠) حديث ضعيف، فى سنده ضعف وانقطاع انظر: كشف الخفاء ١ / ١٩٥. ٧٠٠