النص المفهرس

صفحات 641-660

كأمثال الفجاج كأن خفقان راياته طيران النسور وكأن حمل فرسانه كر العقبان
یعیدون العمران خراباً ویتر کون القری وحشة ، فیا ویل إلیا وسكانها كيف
أذللهم للقتل وأسلط عليهم السبا وأعيد بعد لجب الأعراس صراخاً ، وبعد صهيل
الخيل عواء الذئاب ، وبعد شرفات القصور مساكن السباع وبعد ضوء السرج
وهج العجاج وبالعز الذل وبالنعمة العبودية وأبدلن نساءهم بعد الطيب التراب ،
وبالمشي على الزرابي الخبب ، ولأجعلن أجسادهم زبلا للأرض وعظامهن ضاحية
للشمس ، ولأدوسنهم بألوان العذاب ، ثم لآمرن السماء فتكون طبقاً من حديد
والأرض سبيكة من نحاس فإن أمطرت لم تنبت الأرض ، وإن أنبتت شيئا في خلال
ذلك فبرحمتي للبهائم ، ثم أحبسه في زمان الزرع وأرسله في زمان الحصاد فإن
زرعوا في خلال ذلك شيئا سلطت عليه الآفة فإن خلص منه شيء نزعت منه
البركة ، فإن دعوني لم أجبهم ، وإن سألوا لم أعطهم ، وإن بكوا لم أرحمهم ، وإن
تضرعوا صرفت وجهي عنهم .
رواه ابن عساكر بهذا اللفظ .
وقال إسحاق بن بشر : انبأنا إدريس ، عن وهب بن منبه ، قال إن الله تعالى
لما بعث أرميا إلى بني إسرائيل وذلك حين عظمت الأحداث فيهم فعملوا بالمعاصي
وقتلوا الأنبياء طمع بختنصر فیہم وقذف الله في قلبه وحدث نفسه بالمسیر إليهم لما
أراد الله أن ينتقم به منهم فأوحى الله إلى أرميا : إني مهلك بني إسرائيل ومنتقم
منهم فقُم على صخرة بيت المقدس يأتيك أمري ووحبى . فقام أرميا فشق ثيابه
وجعل الرماد على رأسه وخر ساجدا وقال: يارب ... وددت لو أن أمى لم تلدني
حين جعلتني آخر أنبياء بني إسرائيل فيكون خراب بيت المقدس وبوار بني
إسرائيل من أجلي ، فقال له ارفع رأسك . فرفع رأسه فبكى ثم قال : يارب ...
من تسلط عليهم ؟ فقال : عبدة النيران لا يخافون عقابي ولا يرجون ثواني ، قم يا
أرميا فاستمع وحيى أخبرك خبرك وخبر بني إسرائيل : من قبل أن أخلفك
اخترتك ، ومن قبل أن أصورك في رحم أمك قدستك ومن قبل أن أخرجك من
بطن أمك طهرتك ، ومن قبل أن تبلغ نبأتك ، ومن قبل أن تبلغ الأشد اخترتك
ولأمر عظيم اجتبيتك ، فقم مع الملك تسدده وترشده فكان مع الملك يسدده
٦٤١

ويأتيه الوحي من الله حتى عظمت الأحداث ونسوا ما نجاهم الله به من عدوهم
سنحاريب وجنوده فأوحى الله إلى أرميا : قم فاقصص عليهم ما آمرك به
وذکرهم نعمتي علیہم وعرفهم أحداثهم . فقال أرمیا : يا رب ... إنی ضعيف إن
لم تقوني ، عاجز إن لم تبلغني ، مخطيء إن لم تسددنی ، مخذول إن لم تنصرني ذليل
إن لم تعزني ، فقال الله تعالى : أولم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتي وإن
الخلق والأمر كله لي ، وأن القلوب والألسنة كلها بيدي فأقلبها كيف شئت
فتطيعني فأنا الله الذي ليس شيء مثلي، قامت السموات والأرض وما فيهن
بكلمتي ، وإنه لا يخلص التوحيد ولم تتم القدرة إلا لي ، ولا يعلم ما عندي
غيري ، وأنا الذي كلمتِ البحار ففهمت قولي وأمرتها ففعلت أمري ، وحددت
عليها حدودا فلا تعدو حدي ، وتأتي بأمواج کالجبال فإذا بلغت حدي ألبستها
مذلة لطاعتي وخوفاً واعترافاً لأمري ، وإني معك ولن يصل إليك شيء معي ،
وإني بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي لتبلغهم رسالاتي فتستوجب لذلك أجر من
اتبعك ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئا . انطلق إلى قومك فقم فيهم وقل لهم :
إن الله قد ذكركم بصلاح آبائكم فلذلك استبقاكم ، يا معشر أبناء الأنبياء ، وكيف
وجد آباؤكم مغبة طاعتي وكيف وجدتم مغبة معصيتي ، وهل وجدوا أحدا
عصاني فسعد بمعصيتي وهل علموا أحدا أطاعني فشقی بطاعتي ؟ إن الدواب إذا
ذكرت أوطانها الصالحة نزعت إليها ، وإن هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهلكة
وتركوا الأمر الذي أكرمت به آباءهم وابتغوا الكرامة من غير وجهها . فأما
أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولاً يتعبدونهم ويعملون فيهم بغیر کتابي حتى
أجهلوهم أمزي وأنسوهم ذكري وسنتي وغروهم عني فدان لهم عبادي بالطاعة
التي لا تنبغي إلا لي ، فهم يطيعونهم في معصيتي .
وأما ملوكهم وامراؤهم فبطروا نعمتي وأمنوا مكري وغرتهم الدنيا حتى
نبذوا كتابي ونسوا عهدي ، فهم يحرفون كتابي ويفترون على رسلي جرأة منهم على
وغرة بي ، فسبحان جلالي وعلو مكاني وعظمة شأني ، هل ينبغي أن يكون لي
شريك في ملكي ؟ وهلٍ ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي ؟ وهل ينبغي لي أن
أخلق عباداً أجعلهم أرباباً من دوني أو آذن لأحد بالطاعة لأحد وهى لا تنبغي إلا
لي ؟ ! .
٦٤٢

وأما قراؤهم وفقهاؤهم فيدرسون ما يتخيرون ، فينقادون للملوك فيتابعونهم
على البدع التي يبتدعون في ديني ويطيعونهم في معصيتي ، ويوفون لهم بالعهود
الناقضة لعهدي ، فهم جهلة بما يعلمون لا ينتفعون بشيء مما علموا من كتابي .
وأما أولاد النبیین فمقهورون ومفتونون ، يخوضون مع الخائضين يتمنون مثل
نصري آباءهم والكرامة التي أكرمتهم بها ، ويزعمون أنه لا أحد أولى بذلك منهم
بغیر صدق منہم ولا تفکر ، ولا یذکرون کیف کان صبر آبائهم و کیف کان
جهدهم في أمري حين اغتر المغترون ، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم فصبروا
وصدقوا حتى عز أمري وظهر ديني . فتأنيت هؤلاء القوم لعلهم يستحيون مني
ويرجعون، فتطولت عليهم وصفحت عنهم فأكثرت ومددت لهم في العمر
وأعذرت لهم لعلهم يتذكرون . وكل ذلك أمطر عليهم السماء وأنبت لهم الأرض
وألبسهم العافية وأظهرهم على العدو ولا يزدادون إلا طغياناً وبعداً مني فحتى متى
هذا ؟ أبي يسخرون أم بي يتحرشون أم إياي يخادعون أم على يجترئون .
فإني أقسم بعزتي لأتيحن عليهم فتنة يتحير فيها الحليم ويضل فيها رأي ذوي
الرأي وحكمة الحكيم ثم لأسلطن عليهم جباراً قاسياً عاتياً ألبسه الهيبة وأنزع من
قلبه الرأفة والرحمة وآليت أن يتبعه عدد وسواد مثل الليل المظلم ، له فيه عساكر
مثل قطع السحاب ومواكب مثل العجاع ، وكأن خفيق راياته طيران النسور
وحمل فرسانه كريد العقبان ، يعيدون العمران خراباً والقرى وحشاً ويعثون في
الأرض فساداً ويتبرون ما علوا تتبيراً ، قاسية قلوبهم لا يكترثون ولا يرقبون ولا
يرحمون ولا يبصرون ولا يسمعون ، يجولون في الأسواق بأصوات مرتفعة مثل
زئير الأسد تقشعر من هيبتها الجلود وتطيش من سمعها الأحلام بألسنة لا يفقهونها
ووجوه ظاهر عليها المنكر لا يعرفونها فوعزتي لأعطلن بيوتهم من كتبي وقدسي
ولأخلين مجالسهم من حديثها ودروسها ولأوحشن مساجدهم من عمارها
وزوارها الذين كانوا يتزينون بعمارتها لغيري ويتهجدون فيها ويتعبدون لكسب
الدنيا بالدين ، ويتفقهون فيها لغير الدين ويتعلمون فيها لغير العمل ، لأبدلن
ملوكها بالعز الذل وبالأمن الخوف وبالغني الفقر وبالنعمة الجوع وبطول العافية
. والرخاء ألوان البلاء ، وبلباس الديباج والحرير مدارع الوبر والعباء ، وبالأرواح
الطيبة والأدهان جيف القتلى ، وبلباس التيجان أطواق الحديد والسلاسل
٦٤٣

والأغلال ، ثم لأعيدن فيهم بعد القصور الواسعة والحصون الحصينة الخراب ،
وبعد البروج المشيدة مساكن السباع وبعد صهيل الخيل عواء الذئاب ، وبعد
ضوء السراج دخان الحريق ، وبعد الأنس الوحشة والقفار . ثم لأبدلن نساءها
بالأسورة الأغلال وبقلائد الدر والياقوت سلاسل الحديد ، وبألوان الطيب
والأدهان النقع والغبار ، وبالمشي على الزرابي عبور الأسواق والأنهار والخبب إلى
الليل في بطون الأسواق وبالخدور والستور الحسور عن الوجوه والسوق والأسفار
والأرواح السموم ثم لأدوسنهم بأنواع العذاب حتى لو كان الكائن منهم في حالق
لوصل ذلك ، إليه ، إني إنما أكرم من أكرمني وإنما أمين من هان عليه أمري . ثم
لآمرن السماء خلال ذلك فلتكونن عليهم طبقاً من حديد ولآمرن الأرض فلتكونن
سبيكة من نحاس فلا سماء تمطر ولا أرض تنبت فإن أمطرت خلال ذلك شيئاً
سلطت عليهم الآفة ، فإن خلص منه شيء نزعت منه البركة وإن دعوني لم أجبهم
وإن سألوني لم أعطهم وإن بكوا لم أرحمهم وإن تضرعوا إلى صرفت وجهي عنهم ،
وإن قالوا اللهم أنت الذي ابتدأتنا وآباءنا من قبلنا برحمتك وكرامتك ، وذلك
بأنك اخترتنا لنفسك وجعلت فينا نبوتك وكتابك ومساجدك ثم مكنت لنا في
البلاد واستخلفتنا فيها وربيتنا وآباءنا من قبلنا بنعمتك صغاراً وحفظتنا وإياهم
برحمتك كباراً فأنت أوفى المنعمين وإن غيرنا ، ولا تبدل وإن بدلنا وإن تتم فضلك
ومنك وطولك وإحسانك . فإن قالوا ذلك قلت لهم : إني أبتديء عبادي برحمتي
ونعمتي ، فإن قبلوا أتممت وإن استزادوا زدت وإن شكروا ضاعفت وإن غيروا
غيرت ، وإذا غيروا غضبت وإذا غضبت عذبت وليس يقوم شيء بغضبي .
قال كعب : فقال أرميا : بوجهك أصبحت أتعلم بين يديك وهل ينبغي
ذلك لي وأنا أذل وأضعف من أن ينبغي لي أن أتكلم بين يديك ولكن برحمتك
أبقيتني لهذا اليوم وليس أحد أحق أن يخاف هذا العذاب وهذا الوعيد مني بما
رضيت به مني طولا والإقامة في دار الخطائين وهم يعصونك حولي بغير نكر ولا
تغییر مني ، فإن تعذبني فبذنبي وإن ترحمني فذلك ظني بك . ثم قال : يا
رب ... سبحانك وبحمدك وتباركت ربنا وتعاليت ، أتهلك هذه القرية وما حولها
وهى مساكن أنبيائك ومنزل وحيك ، يارب ... سبحانك وبحمدك وتباركت
ربنا وتعاليت مخرب هذا المسجد وما حوله من المساجد ومن البيوت التي رفعت
٦٤٤

لذكرك ، يا رب ... سبحانك وبحمدك وتباركت وتعاليت لمقتل هذه الأمة
وعذابك إياهم وهم من ولد إبراهيم خليلك وأمة موسى نجيك وقوم داود
صفيك ، يارب ... أي القرى تأمن عقوبتك بعد . وأي العباد يأمنون سطوتك
بعد ولد خليلك إبراهيم وأمة نجيك موسى وقوم خليفتك داود تسلط عليهم عبدة
النيران ؟ قال الله تعالى: يا أرميا ... من عصاني فلا يستنكر نقمتي ، فإنى إنما
أكرمت هؤلاء القوم على طاعتي ، ولو أنهم عصوني لأنزلنهم دار العاصين ، إلا أن
أتدار كهم برحمتي .
قال أرميا : يا رب ... اتخذت إبراهيم خليلا وحفظتنا به ، وموسى قربته نجيا
فنسألك أن تحفظنا ولا تتخطفنا ولا تسلط علينا عدونا . فأوحى الله إليه : یا
أرميا ... إني قدستك في بطن أمك وأخرتك إلى هذا اليوم ، فلو أن قومك حفظوا
اليتامى والأرامل والمساكين وابن السبيل لكنت الداعم لهم وكانوا عندي بمنزلة
جنة ناعم شجرها طاهر ماؤها ولا يغور ماؤها ولا تبور ثمارها ولا تنقطع ، ولكن
سأشكو إليك بني إسرائيل : إني كنت لهم بمنزلة الراعي الشفيق أجنبهم كل قحط
وكل عسرة وأتبع بهم الخصب حتى صاروا كباشاً ينطح بعضها بعضا ، فيا ويلهم
ثم یا ویلهم ، إنما أکرم من أکرمني وأهین من هان عليه أمري ، إن من كان قبل
هؤلاء القوم من القرون يستخفون بمعصيتي وإن هؤلاء القوم يتبرعون بمعصيتي
تبرعاً فيظهرونها في المساجد والأسواق وعلى رءوس الجبال وظلال الأشجار حتى
عَجَّت السماء إلى منهم وعجت الأرض والجبال نفرت منها الوحوش بأطراف
الأرض وأقاصيها ، وفي كل ذلك لا ينتهون ولا ينتفعون بما علموا من الكتاب .
قال : فلما بلغهم أرميا رسالة ربهم وسمعوا ما فيها من الوعيد والعذاب عصوه
وكذبوه واتهموه وقالوا : كذبت وأعظمت على الله الفرية فتزعم أن الله معطل
أرضه ومساجده من كتابه وعبادته وتوحيده ؟! فمن يعبده حين لا يبقى له في
الأرض عابد ولا مسجد ولا كتاب ؟! لقد أعظمت الفرية على الله واعتراك
الجنون . فأخذوه وقيدوه وسجنوه ، فعند ذلك بعث الله عليهم بختنصر فأقبل
يسير بجنوده حتى نزل بساحتهم ثم حاصرهم فكان كما قال تعالى: ﴿ فَجَاسُوا
خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ قال: فلما طال بهم الحصر نزلوا على حكمه ففتحوا الأبواب
وتخللوا الأزقة وذلك قوله: ﴿ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ﴾ وحكم فيهم حكم
٦٤٥

الجاهلية وبطش الجبارين ، فقتل منهم الثلث وسبى الثلث وترك الزمني والشيوخ
والعجائز ، ثم وطئهم بالخيل وهدم بيت المقدس وساق الصبيان وأوقف النساء في
الأسواق حاسرات ، وقتل المقاتلة وخرب الحصون وهدم المساجد وحرق
التوراة ، وسأل عن دانيال الذي كان قد كتب له الكتاب فوجدوه قد مات
وأخرج أهل بيته الكتاب إليه وكان فيهم دانيال بن حزقيل الأصغر وميشائيل
وعزرائيل وميخائيل ، فأمضى لهم ذلك الكتاب . وكان دانيال بن حزقيل خلفاً
من دانيال الأكبر ودخل بختنصر بجنوده بيت المقدس ووطيء الشام كلها وقتل بني
إسرائيل حتى أفناهم ، فلما فرغ منها انصرف راجعاً وحمل الأموال التي كانت بها
وساق السبايا فبلغ معه عدة صبيانهم من أبناء الأحبار والملوك تسعين ألف غلام ،
وقذف الكناسات في بيت المقدس وذبح فيه الخنازير وكان الغلمان سبعة آلاف
غلام من بيت داود ، وأحد عشر ألفاً من سبط يوسف بن يعقوب وأخيه
بنيامين ، وثمانية آلاف من سبط إيشى بن يعقوب ، وأربعة عشر ألفا من سبط
زبالون ونفتالي ابنى يعقوب ، وأربعة عشر ألفا من سبط دان بن يعقوب ، وثمانية
آلاف من سبط يستاخر بن يعقوب ، وألفين من سبط زيكون بن يعقوب ،
وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوي ، واثنى عشر ألفاً من سائر بني إسرائيل .
وانطلق حتى قدم أرض بابل .
قال إسحاق بن بشر : قال وهب بن منبه : فلما فعل ما فعل قيل له : كان
لهم صاحب يحذرهم ما أصابهم ويصفك وخبرك لهم ويخبرهم إنك تقتل مقاتلتهم
وتسبي ذراريهم وتهدم مساجدهم وتحرق كنائسهم ، فكذبوه واتهموه وضربوه
وقيدوه وحبسوه . فأمر بختنصر فأخرج أرميا من السجن فقال له : أكنت تحذر
هؤلاء القوم ما أصابهم ؟ قال : نعم . قال : فأنى علمت ذلك . قال : أرسلني
الله إليهم فكذبوني ، قال : كذبوك وضربوك وسجنوك ؟ قال : نعم . قال : بئس
القوم قوم كذبوا نبيهم وكذبوا رسالة ربهم ، فهل لك أن تلحق بي فأكرمك
وأواسيك وإن أحببت أن تقيم في بلادك فقد أمنتك . قال له أرميا : إنى لم أزل في
أمان الله منذ كنت لم أخرج منه ساعة قط ، ولو أن بني إسرائيل لم يخرجوا منه لم
يخافوك ولا غيرك ولم يكن لك عليهم سلطان . فلما سمع بختنصر هذا القول منه
تر که فأقام أرميا مكانه بأرض إيليا .
٦٤٦

وهذا سياق غريب ، وفيه حكم ومواعظ وأشياء مليحة ، وفيه من جهة
التعريب غرابة .
وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبي : كان بختنصر أصفهذا لما بين
الأهواز إلى الروم للملك على الفرس وهو لهراسب ، وكان قد بنى مدينة بلخ التي
تلقب بالخنساء ، وقاتل الترك والجأهم إلى أضيق الأماكن وبعث بختنصر لقتال بني
إسرائيل بالشام فلما قدم الشام صالحه أهل دمشق ، وقد قيل إن الذي بعث
بختنصر إنما هو بهمن ملك الفرس بعد بشتاسب بن لهراسب ، وذلك لتعدي بني
إسرائیل علی رسله إليهم(٢) .
وقد روى ابن جرير عن يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، عن سليمان
ابن بلال، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن سعيد بن المسيب ، أن بختنصر لما
قدم دمشق وجد بها دماً يغلي على كبا ـــ يعني القمامة - فسألهم : ما هذا الدم ؟
فقالوا : أدركنا آباءنا على هذا وكلما ظهر عليه الكبا ظهر . قال : فقتل على ذلك
سبعين ألفاً من المسلمين وغيرهم فسكن .
وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب ، وقد تقدم من كلام الحافظ ابن
عساكر ما يدل على أن هذا دم يحيى بن زكريا ، وهذا لا يصح لأن يحيى بن
زكريا بعد بختنصر بمدة ، والظاهر أن هذا دم نبي متقدم أو دم لبعض الصالحين أو
لمن شاء الله ممن الله أعلم به .
قال هشام بن الكلبي : قدم بختنصر بيت المقدس فصالحه ملكها وكان من
آل داود وصانعه عن بنى إسرائيل وأخذ منه بختنصر رهائن ورجع ، فلما بلغ
طبرية بلغه أن بني إسرائيل ثاروا على ملكهم فقتلوه لأجل أنه صالحه ، فضرب
رقاب من معه من الرهائن ورجع إليهم فأخذ المدينة عنوة ، وقتل المقاتلة وسبى
الذرية .
قال : وبلغنا أنه وجد في السجن أرميا النبي فأخرجه وقص عليه ما كان من
أمره إياهم وتحذيره لهم عن ذلك فكذبوه وسجنوه فقال بختنصر : بئس القوم قوم
(٢) القصة بطولها في تهذيب ابن عساكر جـ ٢/ ٣٨٥ - ٣٩٢.
٦٤٧

عصوا رسول الله وخلى سبيله وأحسن إليه واجتمع إليه من بقى من ضعفاء بني
إسرائيل فقالوا : إنا قد أسأنا وظلمنا ونحن نتوب إلى الله عز وجل مما صنعنا ،
فادع الله أن يقبل توبتنا ، فدعا ربه فأوحى الله إليه أنه غير فاعل ، فإن كانوا
صادقين فليقيموا معك بهذه. البلدة ، فأخبرهم ما أمره الله تعالى به ، فقالوا :
كيف نقيم بهذه البلدة وقد خربت وقد غضب الله على أهلها ! فأبوا أن يقيموا
قال ابن الكلبي : ومن ذلك الزمان تفرقت بنو إسرائيل في البلاد فنزلت
طائفة منهم الحجاز وطائفة يثرب وطائفة وادي القرى ، وذهبت شرذمة منهم إلى
مصر ، فكتب بختنصر إلى ملكها يطلب منه من شرد منهم إليه فأبي عليه ، فركب
في جيشه فقاتله وقهره وغلبه وسبی ذراريهم ثم ركب إلى بلاد المغرب حتى بلغ
أقصى تلك الناحسة . قال : ثم انصرف بسبى كثير من أرض المغرب ومصر وأهل
بيت المقدس وأرض فلسطين والأردن وفي السبي دانيال .
قلت : والظاهر أنه دانيال بن حزقيل الأصغر لا الأكبر ، على ما ذكره وهب
ابن منبه ... والله أعلم .
٦٤٨

٠%
[ الفصل الرابع ]
ذكر شيء من خبر دنيال عليه السلام
قال ابن أبي الدنيا : حدثنا أحمد بن عبد الأعلى الشيباني قال إن لم أكن
سمعته من شعيب بن صفوان فحدثني بعض أصحابنا عنه ؛ عن الأجلح الكندي ،
عن عبد الله بن أبي الهذيل ، قال : ضرا بختنصر أسدين فألقاهما في جب ، وجاء
بدانيال فألقاه عليهما فلم يهيجاه ، فمكث ما شاء الله ثم اشتهى ما يشتهى الآدميون
من الطعام والشراب ، فأوحى الله إلى أرميا وهو بالشام : أن أعدد طعاماً وشراباً
لدانيال ، فقال : يا رب ... أنا بالأرض المقدسة ودانيال بأرض بابل من أرض
العراق . فأوحى الله إليه: أنْ أعدد ما أمرناك به فإنا سنرسل من يحملك ويحمل
ما أعددت . ففعل وأرسل إليه من حمله وحمل ما أعده حتى وقف على رأس الجب
فقال دانيال : من هذا؟ قال : أنا أرميا . فقال : ما جاء بك ؟ فقال : أرسلني
إليك ربك . قال : وقد ذكرني ربي ؟ قال : نعم . فقال دانيال : الحمد الله الذي
لا ينسى من ذكره ، والحمد لله الذي يجيب من رجاه ، والحمد لله الذي من وثق
به لم يكله إلى غيره ، والحمد لله الذي يجزي بالإِحسان إحساناً ، والحمد لله الذي
يجزي بالصبر نجاة ، والحمد لله الذي هو يكشف ضرنا بعد كربنا والحمد لله
الذي يقينا حين يسوء ظننا بأعمالنا ، والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين تنقطع
الحيل عنا .
وقال يونس بن بکیر عن محمد بن إسحاق عن أبي خالد بن دينار ، حدثنا أبو
العالية قال : لما افتتحنا تستر(١) وجدنا في مال بيت الهرمزان سريراً عليه رجل
ميت عند رأسه مصحف ، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر بن الخطاب فدعا
له كعباً فنسخه بالعربية ، فأنا أول رجل من العرب قرأه ، قرأته مثل ما أقرأ القرآن
هذا . فقلت لأبي العالية : ما كان فيه ؟ قال : سيركم وأموركم ولحون كلامكم
وما هو كائن بعد . قلت : فما صنعتم بالرجل ؟ قال : حفرنا بالنهار ثلاثة عشر
(١) تستر : مدينة بأرض فارس قريبة من البصرة ( معجم البلدان ٢٩/٢) .
٦٤٩
٠

قبراً متفرقة ، فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس فلا
ينبشونه . قلت فما يرجون منه ، قال : كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا
بسريره فيمطرون . قلت : من كنتم تظنون الرجل ؟ قال : رجل يقال له دانيال .
قلت : منذ كم وجدتموه قد مات ؟ قال : منذ ثلاثمائة سنة . قلت : ما تغير منه
شىء ؟ قال : إلا شعرات من قفاه ، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها
السباع .
وهذا إسناد صحيح إلى أبي العالية ، ولكن إن كان تاريخ وفاته محفوظاً من
ثلاثمائة سنة فليس بنبي بل هو رجل صالح ، لأن عيسى ابن مريم ليس بينه وبين
رسول الله عٍَّ نبي بنص الحديث الذي في البخاري ، والفترة التي كانت بينهما
أربعمائة سنة ، وقيل ستمائة وقيل ستمائة وعشرون سنة ، وقد يكون تاريخ وفاته من
ثمانمائة سنة وهو قريب من وقت دانيال ، إن كان كونه دانيال هو المطابق لما في
نفس الأمر ، فإنه قد يكون رجلاً آخر إما من الأنبياء أو الصالحين ، ولكن قربت
الظنون أنه دانيال لأن دانيال كان قد أخذه ملك الفرس فأقام عنده مسجوناً كما
تقدم .
وقد روى بإسناد صحيح إلى أبي العالية أن طول أنفه شبر ، وعن أنس بن
مالك بإسناد جيد أن طول أنفه ذراع ، فيحتمل على هذا أن يكون رجلا من
الأنبياء الأقدمين قبل هذه المدد ... والله تعالى أعلم .
وقد قال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب (( أحكام القبور)): حدثنا أبو بلال
محمد بن الحارث بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري حدثنا أبو محمد
القاسم بن عبد الله ، عن أبي الأشعث الأحمري، قال: قال رسول الله عَ ليه:
(((إن دانيال دعا ربه عز وجل أن تدفنه أمة محمد)) فلما افتتح أبو موسى الأشعري
تستر وجده في تابوت تضرب عروقه ووريده، وقد كان رسول الله عَ ليه قال:
((من دل على دانيال فبشروه بالجنة)) . فكان الذي دل عليه رجل يقال له
حرقوص فكتب أبو موسى إلى عمر يخبره فكتب إليه عمر : أن ادفنه وابعث إلى
حرقوص فإن النبي عَ له بشره بالجنة.
1
وهذا مرسل من هذا الوجه وفي كونه محفوظاً نظر ... والله أعلم .
٦٥٠

ثم قال ابن أبي الدنيا : حدثنا أبو بلال ، حدثنا قاسم بن عبد الله عن عنبسة
ابن سعيد - وكان عالما - قال : وجد أبو موسى مع دانيال مصحفاً وجرة فيها
ودك ودراهم و خاتمه ، فکتب أبو موسى بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر : أما
المصحف فابعث به إلينا ، وأما الودك فابعث إلينا منه ومر من قبلك من المسلمين
يستشفون به واقسم الدراهم بينهم ، وأما الخاتم فقد نفلناكه .
وروي ابن أبي الدنيا من غير وجه أن أبا موسى لما وجده وذكروا له أنه
دانيال التزمه وعانقه وقبله ، وكتب إلى عمر يذكر له أمره وإنه وجد عنده مالا
موضوعا قريباً من عشرة آلاف درهم ، وكان من جاء اقترض منها فإن ردها وإلا
مرض وإن عنده ربعة(٢) فأمر عمر بأن يغسل بماء وسدر ويكفن ويدفن ويخفي
قبره فلا يعلم به أحد ، وأمر بالمال أن يرد إلى بيت المال وبالربعة فتحمل إليه ونفله
خاتمه .
وروى عن أبي موسى أنه أمر أربعة من الأسراء فسكروا(٣) نهراً وحفروا في
وسطه قبراً فدفنه فيه ، ثم قدم الأربعة الأسراء فضرب أعناقهم فلم يعلم موضع
قبره غير أبي موسى الأشعري رضى الله عنه .
وقال ابن أبي الدنيا : حدثني إبراهيم بن عبد الله ، حدثنا أحمد بن عمرو بن
السرح ، حدثنا ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه قال : رأيت
في يد ابن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري خاتما نقش فصه أسدان بينهما رجل
يلحسان ذلك الرجل ، قال أبو بردة : وهذا خاتم ذلك الرجل الميت الذي زعم
أهل هذه البلدة أنه دانيال أخذه أبو موسى يوم دفنه . قال أبو بردة : فسأل أبو
موسى علماء تلك القرية عن نقش ذلك الخاتم فقالوا : إن الملك الذي كان دانيال
في سلطانه جاءه المنجمون وأصحاب العلم فقالوا له : إنه يولد كذا وكذا غلام
يغور ملكك ويفسده ، فقال الملك: والله لا يبقى تلك الليلة غلام إلا قتلته ، إلا
أنهم أخذوا دانيال فألقوه في أجمة الأسد فبات الأسد ولبؤته يلحسانه ولم يضراه .
فجاءت أمه فوجدتهما يلحسانه فنجاه الله بذلك حتى بلغ ما بلغ قال أبو بردة :
(٢) أي صندوق .
(٣) أي سدوه .
٦٥١

قال أبو موسى : قال علماء تلك القرية : فنقش دانيال صورته وصورة الأسدين
يلحسانه في فص خاتمه لئلا ينسى نعمة الله عليه في ذلك .
إسناد حسن .
٦٥٢

[ الفصل الخامس ]
ذكر عمارة بيت المقدس بعد خرابها
واجتماع الملاٍ من بني إسرائيل بعد تفرقهم
في بقاع الأرض وشعابها
قال الله تعالى في كتابه المبين وهو أصدق القائلين: ﴿أُوْ كَالَّذِی مَرَّ
عَلَى قَرْيَةٍ وَهِى حَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْبِىِ هَذِهِ آَلهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاكَهُ
الله مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَهُ قَالَ كَمْ لَبِئْتَ قَالَ لَبِئْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِئْتَ
مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَائِكِ لَّمْ يَتَسَنَّهْ وَأَنْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِتَجْعَلَكَ
آيَةً لِّلنَّاسٍِ وَأَنظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ تُنشِزُهَا ثُمَّ تَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيِّنَ لَهُ قَالَ
أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(١) .
قال هشام بن الكلبي : ثم أوحى الله تعالى إلى أرميا عليه السلام فيما بلغني:
أني عامر بيت المقدس فاخرج إليها فانزلها . فخرج حتى قدمها وهى خراب ،
فقال في نفسه : سبحان الله ... أمرني الله أن أنزل هذه البلدة وأخبرني أنه عامرها
فمتى يعمرها ومتى يحييها الله بعد موتها ؟!(٢).
ثم وضع رأسه فنام ومعه حماره وسلة من طعام فمكث في نومه سبعين سنة
حتى هلك بختنصر والملك الذي فوقه وهو لهراسب ، وكان ملكه مائة وعشرين
سنة وقام بعده ولد بشتاسب بن لهراسب ، وكان موت بختنصر في دولته فبلغه عن
بلاد الشام أنها خراب وإن السباع قد كثرت في أرض فلسطين فلم يبق بها من
الأنس أحد ، فنادى في أرض بابل في بني إسرائيل : أن من شاء أن يرجع إلى
(١) سورة البقرة الآية : ٢٥٩.
(٢) تفسير الطبري جـ ٢١/٢.
٦٥٣

الشام فليرجع . وملك عليهم رجلا من آل داود وأمره أن يعمر بيت المقدس
ويبني مسجدها فرجعوا فعمروها وفتح الله لأرميا عينيه فنظر إلى المدينة كيف
تبني وكيف تعمر ، ومكث في نومه ذلك حتى تمت له مائة سنة . ثم بعثه الله
وهو لا يظن أنه نام أكثر من ساعة وقد عهد المدينة خراباً فلما نظر إليها عامرة
آهلة قالْ: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.
قال : فأقام بنو إسرائيل بها ورد الله عليهم أمرهم فمكثوا كذلك حتى غلبت
عليهم الروم في زمن ملوك الطوائف ، ثم لم يكن لهم جماعة ولا سلطان يعني بعد
ظهور النصاري عليهم . هكذا حكاه ابن جرير في تاريخه عنه ، وذكر ابن جرير
أن لهراسب كان ملكاً عادلاً سائساً لمملكته قد دانت له العباد والبلاد والملوك
والقواد وأنه كان ذا رأي جيد في عمارة الأمصار والأنهار والمعاقل ، ثم لما ضعف
عن تدبير المملكة بعد مائة سنة ونیف نزل عن الملك لولده بشتاسب ، فكان في
زمانه ظهور دین المجوسية وذلك ان رجلاً اسمه زردشت كان قد صحب أرميا عليه
السلام فأغضبه فدعا عليه أرميا عليه السلام فبرص زردشت فذهب فلحق بأرض
أذربيجان وصحب بشتاسب فلقنه دين المجوسية الذي اخترعه من تلقاء نفسه فقبله
منه بشتاسب وحمل الناس عليه وقهرهم وقتل منهم خلقاً كثيراً ممن أباه منهم .
ثم كان بعد بشتاسب بهمن بن بشتاسب وهو من ملوك الفرس المشهورين
والأبطال المذكورين وقد ناب بختنصر لكل واحد من هؤلاء الثلاثة وعمر دهراً
طويلاً قبحه الله .
والمقصود أن هذا الذي ذكره ابن جرير من أن هذا المار على هذه القرية هو
أرميا عليه السلام ، قاله وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عمير وغيرهما . وهو
قوي من حيث السیاق المتقدم ، وقد روى عن علي وعبد الله بن سلام وابن عباس
والحسن وقتادة والسدي وسليمان بن بردة وغيرهم أنه عُزَيْر . وهذا أشهر عند
كثير من السلف والخلف ... والله أعلم(٣).
(٣) القصة بطولها في تفسير الطبري جـ ٢٣،٢٢/٢.
٦٥٤

[ الفصل السادس ]
قصة الْعُزَيْرِ
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر : هو عُزَيْر بن جروة ، ويقال ابن
سوریق بن عديا بن أيوب بن درزنا بن عري بن تقي بن أسبوع بن فنحاص بن
العاذر بن هارون بن عمران. ويقال: عُزَيْر بن سروخا جاء في بعض الآثار أن
قبره بدمشق . ثم ساق من طريق أبي القاسم البغوي عن داود بن عمرو ، عن
حبان بن علي ، عن محمد بن كريب ، عن أبيه ، عن ابن عباس مرفوعاً : لا أدري
العزيز بيع أم لا ، ولا أدري أعُزَيْر كان نبيا أم لا .
ثم رواه من حديث مؤمل بن الحسن ، عن محمد بن إسحاق السجزي ، عن
عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة
مرفوعاً نحوه .
ثم روى من طريق إسحاق بن بشر ، وهو متروك عن جويبر ومقاتل ، عن
الضحاك ، عن ابن عباس : أن عُزَيْراً كان ممن سباه بختنصر وهو غلام حدث ،
فلما بلغ أربعين سنة أعطاه الله الحكمة . قال : ولم يكن أحد أحفظ ولا أعلم
بالتوراة منه . قال : و کان یذ کر مع الأنبياء حتی محی الله اسمه من ذلك حين سأل
ربه عن القدر .
وهذا ضعيف ومنقطع ومنكر ... والله أعلم .
وقال إسحاق بن بشر ، عن سعيد ، عن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن
الحسن ، عن عبد الله بن سلام، أن عُزَيْراً هو العبد الذي أماته الله مائة عام ثم
بعثه .
وقال إسحاق بن بشر : أنبأنا سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن كعب وسعيد
٦٥٥

ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ومقاتل وجويبر ، عن الضحاك ، عن ابن
عباس وعبد الله بن إسماعيل السدي عن أبيه ، عن مجاهد ، عن ابن عباس
وإدريس ، عن جده وهب بن منبه ، قال إسحاق : كل هؤلاء حدثوني عن
حديث عُزَيْر وزاد بعضه على بعض قالوا بإسنادهم : إن عُزَيْراً كان عبداً صالحاً
حكيماً خرج ذات يوم إلى ضيعة له يتعاهدها ، فلما انصرف أتى إلى خربة حين
قامت الظهيرة وأصابه الحر ، ودخل الخربة وهو على حماره فنزل عن حماره ومعه
سلة فيها تين وسلة فيها عنب ، فنزل في ظل تلك الخربة وأخرج قصعة معه
فاعتصر من العنب الذي كان معه في القصعة ثم أخرج خبزاً يابساً معه فألقاه في
تلك القصعة في العصير ليبتل ليأكله ، ثم استلقى على قفاه وأسند رجليه إلى الحائط
فنظر سقف تلك البيوت ورأى ما فيها وهى قائمة على عروشها وقد باد أهلها
ورأى عظاماً بالية فقال: ﴿أَنَّى يُخِى هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فلم يشك أن الله
يحييها ولكن قالها تعجباً ، فبعث الله ملك الموت فقبض روحه ، فأماته الله مائة
عام .
فلما أتت عليه مائة عام ، وكانت فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمور
وأحداث . قال: فبعث الله إلى عُزَيْر ملكاً فخلق قلبه ليعقل قلبه وعينيه لينظر
بهما فيعقل كيف يحيى الله الموتى. ثم ركب خلقه وهو ينظر ، ثم كسى عظامه
اللحم والشعر والجلد ثم نفخ فيه الروح ، كل ذلك وهو یری ویعقل ، فاستوى
جالسا فقال له الملك : كم لبثت ؟ قال : لبثت يوماً أو بعض يوم ، وذلك أنه كان
لبث صدر النهار عند الظهيرة وبعث في آخر النهار والشمس لم تغب ، فقال : أو
بعض يوم ولم يتم لي يوم . فقال له الملك : بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك
وشرابك ، يعني الطعام الخبز اليابس ، وشرابه العصير الذي كان اعتصره في
القصعة ، فإذا هما على حالهما لم يتغير العصير والخبز يابس ، فذلك قوله: ﴿لَمْ
يَتَسَنَّةِ﴾ يعني لم يتغير ، وكذلك التين والعنب غض لم يتغير شيء من حالهما ،
فكأنه أنكر في قلبه فقال له الملك : أنكرت ما قلت لك ؟ انظر إلى حمارك . فنظر
إلى حماره قد بليت عظامه وصارت نخرة . فنادى الملك عظام الحمار فأجابت
وأقبلت من كل ناحية حتى ركبه الملك وعُزَيْر ينظر إليه ثم ألبسها العروق
والعصب ، ثم كساها اللحم ثم أنبت عليها الجلد والشعر ، ثم نفخ فيه الملك فقام
٦٥٦

الحمار رافعاً رأسه وأذنيه إلى السماء ناهقاً يظن القيامة قد قامت . .
فذلك قوله : ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِتَجْعَلَكَ آيَّةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ
كَيْفَ تُنشِزُهَا ثُمَّ تَكْسُوهَا لَحْماً ﴾ يعني وانظر إلى عظام حمارك كيف يركب
بعضها بعضاً في أوصالها حتى إذا صارت عظاماً مصوراً حماراً بلا لحم ، ثم انظر
كيف نكسوها لحماً ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
من إحياء الموتى وغيره .
قال : فركب حماره حتى أتى محلته فأنكره الناس وأنكر منزله فانطلق على
وهم منه حتى أتى منزله ، فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون
سنة كانت أمة لهم، فخرج عنهم عُزَيْر وهى بنت عشرين سنة كانت عرفته
وعقلته ، فلما أصابها الكبر أصابها الزمانة ، فقال لها عُزَيْر : يا هذه ... أهذا منزل
عُزَيْر ؟ قالت : نعم هذا منزل مُزَيْر. فبكت وقالت : ما رأيت أحداً من كذا
وكذا سنة يذكر عُزَيْراً وقد نسيه الناس . قال : فإني أنا عُزَيْر كان الله أماتني مائة
سنة ثم بعثني . قالت : سبحان الله ! فإن عُزَيَراً قد فقدناه منذ مائة سنة فلم
نسمع له بذكر . قال : فإنى أنا مُزَيْر . قالت : فإن عُزَيْراً رجل مستجاب الدعوة
يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء ، فادع الله أن يرد على بصري
حتى أراك فإن كنت ◌ُزَيْراً عرفتك .
قال : فدعا ربه ومسح بيده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها وقال : قومي
بإذن الله . فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال ، فنظرت
فقالت : أشهد أنك معُزَيْر .
٠
وانطلقت إلى محلة بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم ، وابن لعُزَيْر
شيخ ابن مائة سنة وثماني عشر سنة وبنو بنيه شيوخ فى المجلس، فنادتهم فقالت :
هذا عُزَيْر قد جاءكم ، فكذبوها ، فقالت : أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه فرد علي
بصري وأطلق رجلي وزعم أن الله أماته مائة سنة ثم بعثه . قال : فنهض الناس
فأقبلوا إليه فنظروا إليه فقال ابنه : کان لأبي شامة سوداء بین کتفیه . فکشف عن
كُتفيه فإذا هو عُزَيْر فقالت بنو إسرائيل : فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما
حدثنا غير عُزَيْر وقد حرق بختنصر التوراة ولم يبق منها شيء إلا ما حفظت
٦٥٧

الرجال ، فاكتبها لنا وكان أبوه سروخا قد دفن التوراة أيام بختنصر في موضع لم
يعرفه أحد غير عُزَيْر ، فانطلق بهم إلى ذلك الموضع فحفره فاستخرج التوراة وكان
قد عفن الورق ودرس الكتاب .
قال : وجلس في ظل شجرة وبنو إسرائيل حوله فجدد لهم التوراة ونزل من
السماء شهابان حتى دخلا جوفه . فتذكر التوارة فجددها لبني إسرائيل ، فمن ثم
قالت اليهود : عُزَيْر ابن الله ، الذي كان من أمر الشهابين وتجديده التوراة وقيامه
بأمر بني إسرائيل ، وكان جدد لهم التوراة بأرض السواد بدير حزقيل ، والقرية.
التي مات يقال لها سايراباذ(١).
قال ابن عباس: فكان كما قال الله تعالى: ﴿وَلِتَجْعَلَكَ آيَةٌ لِلنَّاسِ ﴾ يعني
لبني إسرائيل ، وذلك أنه كان يجلس مع بنيه وهم شيوخ وهو شاب لأنه مات
وهو ابن أربعين سنة ، فبعثه الله شاباً كهيئته يوم مات .
قال ابن عباس : بعث بعد بختنصر وكذلك قال الحسن .
وقد أنشد أبو حاتم السجستاني في معنى ما قاله ابن عباس :
ومن قبله ابن ابنه فهو أكبر
أسود رأس شاب من قبله ابنه
ولحيته سوداء والرأس أشقر
يرى أبنه شيخاً يدب على العصا
يقوم كما يمشي الصبي فيعثر
وما لابنه حيل ولا فضل قوة
وعشرين لا يجري ولا يتبختر
يعد ابنه في الناس تسعين حجة
ولابن ابنه تسعون في الناس غير
وعمر أبيه أربعون أمرها
وإن كنت لا تدري فبالجهل تعذر
فما هو في المعقول إن كنت داريا
(١) قارن تفسير الطبري جـ ٢٤/٣ - ٢٧.
٦٥٨

[ الفصل السابع ]
نبوءة العُزَيْر
المشهور أن عُزَيْراً نبي من أنبياء بني إسرائيل وأنه كان فيما بين داود
وسليمان وبين زكريا ويحيى ، وأنه لما لم يبق في بني إسرائيل من يحفظ التوراة ألهمه
الله حفظها فسردها على بني إسرائيل ، كما قال وهب بن منبه : أمر الله ملكاً فنزل
بمعرفة من نور فقذفها في عُزَيْرِ فنسخ التوراة حرفاً بحرف حتى فرغ منها .
وروی ابن عساكر عن ابن عباس أنه سأل عبد الله بن سلام عن قول الله
تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْزٌ ابْنُ اللهِ ﴾(١) لم قالوا ذلك ؟ فذكر له ابن سلام
ما كان من كتبه لبني إسرائيل التوراة من حفظه ، وقول بني إسرائيل : لم يستطع
موسى أن يأتينا بالتوراة إلا في كتاب وإن عُزَيْراً قد جاءنا بها من غير كتاب .
فرماه طوائف منهم وقالوا : عُزَيْر ابن الله .
ولهذا يقول كثير من العلماء : إن تواتر التوراة انقطع في زمن العُزَيْرِ .
وهذا متجه جداً إذا كان العُزَيْر غير نبي كما قاله عطاء بن أبي رباح والحسن
البصري . وفيما رواه إسحاق بن بشر عن مقاتل بن سليمان ، عن عطاء ، وعن
عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه ، ومقاتل عن عطاء بن أبي رباح قال : كان في
الفترة تسعة أشياء : بختنصر وجنة صنعاء وجنة سبل وأصحاب الأخدود وأمر
حاصورا وأصحاب الكهف وأصحاب الفيل ومدينة أنطاكية وأمر تبع .
وقال إسحاق بن بشر : أنبأنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، قال : كان
أمر عُزَيْر وبختنصر في الفترة .
وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله عَ ليه قال: ((إن أولى الناس بابن مريم
(١) سورة التوبة الآية : ٣٠ .
٦٥٩

لأنا ، إنه ليس بيني وبينه نبيّ))(٢).
وقال وهب بن منبه : كان فيما بين سليمان وعيسى عليهما السلام .
وقد روى ابن عساكر عن أنس بن مالك وعطاء بن السائب أن عُزَيْراً كان
في زمن موسى بن عمران ، وانه استأذن عليه فلم يأذن له ، يعني لما كان من
سؤاله عن القدر وأنه انصرف وهو يقول : مائة موتة أهون من ذل ساعة .
وفي معنى قول عُزَيْر : مائة موتة أهون من ذل ساعة . قول بعض الشعراء :
ويأنف الصبر على الحيف
قد يصبر الجر على السيف
يعجز فيها عن قرى الضيف
ويؤثر الموت، على حالة
فأما ما روي ابن عساكر وغيره عن ابن عباس ونوف البکالي وسفيان
الثوري وغیرهم ، من أنه سأل عن القدر فمحی اسمه من ذکر الأنبياء ، فهو منکر
وفي صحته نظر ، وكأنه مأخوذ عن الإسرائيليات .
وقد روى عبد الرزاق وقتيبة بن سعيد ، عن جعفر بن سليمان ، عن أبي
عمران الجوني ، عن نوف البكالي قال : عُزَيْر فيما يناجي به : يا رب ... تخلق
خلقاً فتضل من تشاء وتهدي من تشاء؟ فقيل له : أعرض عن هذا . فعاد فقيل
له : لتعرضن عن هذا أو لأمحون اسمك من الأنبياء إني لا أسأل عما أفعل وهم
يسألون ، وهذا يقتضي وقوع ما توعد عليه لو عاد فما محى .
وقد روى الجماعة سوی الترمذي من حدیث یونس بن يزيد ، عن سعيد
وأبي سلمة ، عن أبي هريرة ، وكذلك رواه شعيب عن أبي الزناد ، عن الأعرج ،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَله: ((نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة
فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها ثم أمر بها فأحرقت بالنار فأوحى الله
إليه : فهلا نملة واحدة))! فروى إسحاق بن بشر عن ابن جريج ، عن عبد
الوهاب بن مجاهد، عن أبيه : أنه عُزَيْر ، وكذا روى عن ابن عباس والحسن
البصري أنه عُزَيْر ... فالله أعلم(٣) .
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء باب ((واذكر في الكتاب مريم)) وأخرجه مسلم في
صحيحه ، كتاب الفضائل ، باب فضائل عيسى عليه السلام .
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب بدء الخلق ، باب إذا وقع الذباب في إناء أحدكم . وأخرجه مسلم
في صحيحه ، كتاب السلام ، باب النهي عن قتل النمل .
٦٦٠