النص المفهرس
صفحات 561-580
وروى ابن عساكر أيضا أنه اجتمع بإبراهيم التيمي وبسفيان بن عيينة وجماعة يطول ذكرهم . وهذه الروايات والحكايات هي عمدة من ذهب إلى حياته إلى اليوم ، وكل من الأحاديث المرفوعة ضعيفة جدا لا يقوم بمثلها حجة في الدين ، والحكايات لا يخلو أكثرها عن ضعف الإسناد . وقصاراها أنها صحيحة إلى من ليس بمعصوم من صحابي أو غيره ، لأنه يجوز عليه الخطأ .. والله أعلم . وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن الزهري ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة ، أن أبا سعيد قال: حدثنا رسول الله عَ لّم حديثا طويلا عن الدجال ، وقال فيما يحدثنا: ((يأتي الدجال - وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة - فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس - أو من خيرهم - فيقول : أشهد أنك أنت الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله عَ لم بحديثه، فيقول الدجال : أرأيتم إن قتلت هذا. ثم أحييته أتشكون في الأمر ؟ فيقولون : لا ، فيقتله ثم يحييه ، فيقول حين يحيا : والله ما كنت أشد بصيرة فيك مني الآن . قال : فيريد قتله الثانية فلا يسلط عليه )). قال معمر : بلغني أنه يحمل على حلقه صحيفة من نحاس ، وبلغني أنه الخضر الذي يقتله الدجال ثم يحييه . وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري به (١١). وقال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الراوي عن مسلم : الصحيح أن يقال إن هذا الرجل الخضر ، وقول معمر وغيره : بلغني - ليس فيه حجة . وقد ورد في بعض ألفاظ الحديث : فيأتي بشاب ممتلىء شبابا فيقتله ، وقوله الذي حدثنا عن رسول الله عَ ل ــ لا يقتضي المشافهة ، بل يكفي التواتر . وقد تصدى الشيخ أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله في كتابه: ((عجالة (١١) أخرجه البخارى فى صحيحه ، كتاب فضائل المدينة، باب لايدخل الدجال المدينة. ومسلم فى صحيحه ، كتاب الفتن وأشراط الساعة ، باب فى صفة الدجال وتحريم المدينة عليه . ٥٦١ ٠ المنتظر في شرح حالة الخضر)) الأحاديث الواردة في ذلك من المرفوعات فبيّن أنها موضوعة ، ومن الآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم فبين ضعف أسانيدها بيان أحوال وجهالة رجالها ، وقد أجاد في ذلك أحسن الانتقاد . وأما الذين ذهبوا إلى أنه قد مات ، ومنهم البخاري وإبراهيم الحربي وأبو الحسن بن المنادي والشيخ أبو الفرج بن الجوزي ، وقد انتصر لذلك وألف فيه كتابا أسماه ((عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر)) فيحتج لهم بأشياء كثيرة : منها قوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِيَشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ (١٢) ، فالخضر إن كان بشرا فقد دخل في هذا العموم لا محالة ، ولا يجوز تخصيصه منه إلا بدليل صحيح ، والأصل عدمه حتى يثبت . ولم يذكر فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قبوله . ومنها : أن الله تعالى قال: ﴿ وَإِذْ أُخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِينَ لَمَا آتَيْئُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لَّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أُقَرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾(١٣). قال ابن عباس : ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه .. وأمره أن يأخذ على أمّته الميثاق ، لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه . ذكره البخاري عنه . فالخضر إن كان نبيا أو وليا ، فقد دخل في هذا الميثاق ، فلو كان حيا في زمن رسول الله عَ ل لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه ، يؤمن بما أنزل الله عليه ، وينصره أن يصل أحد من الأعداء إليه ، لأنه إن كان وليا فالصدّيق أفضل منه ، وإن كان نبيا فموسى أفضل منه . وقد روى الإمام أحمد في مسنده : حدثنا شريح بن النعمان ، حدثنا هشيم ، أنبأنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله عَ لّم قال : (١٢) الأنبياء: ٣٤. (١٣) آل عمران: ٨١. ٥٦٢ ((والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني)) (١٤). وهذا الذي يقطع به ويعلم من الدين علم الضرورة ، وقد دلت عليه هذه الآية الكريمة : أن الأنبياء كلهم لو فرض أنهم أحياء مكلفون في زمن رسول الله عَ لّهِ ، لكانوا كلهم أتباعا له ، وتحت أوامره وفي عموم شرعه ، كما أنه صلوات الله وسلامه عليه لما اجتمع بهم ليلة الإسراء رفع فوقهم كلهم ، ولما هبطوا معه إلى بيت المقدس وحانت الصلاة أمره جبريل عن أمر الله أن يؤمهم ، فصلى بهم في محل ولايتهم ودار إقامتهم ، فدل على أنه الإِمام الأعظم ، والرسول الخاتم المبجل المقدم ، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين . فإذا علم هذا - وهو معلوم عند كل مؤمن - علم أنه لو كان الخضر حيا لكان من جملة أمة محمد عَ لّه، وممن يقتدى بشرعه لا يسعه إلا ذلك. هذا عيسى ابن مريم عليه السلام إذا نزل في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة ، لا يخرج منها ولا يحيد عنها ، وهو أحد أولي العزم الخمسة المرسلين وخاتم أنبياء بني إسرائيل ، والمعلوم أن الخضر لم ينقل بسند صحيح ولا حسن تسكن النفس إليه، أنه اجتمع برسول الله عَ ◌ّةٍ في يوم واحد ، ولم يشهد معه قتالا في مشهد من المشاهد . وهذا يوم بدر يقول الصادق المصدوق فيما دعا به لربه عز وجل ، واستنصره واستفتحه على من كفره: ((اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض)) (١٥)، وتلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ، وسادة الملائكة حتى جبريل عليه السلام ، كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له ، في بيت يقال إنه أفخر بيت قالته العرب : وببئر بدر إذ يرد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد فلو كان الخضر حيا ، لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته وأعظم غزواته . (١٤) أخرجه أحمد فى مسنده ٣ / ٣٨٧ . (١٥) أخرجه مسلم فى كتاب الجهاد ، باب الإمداد بالملائكة فى غزوة بدر. وأحمد فى مسنده ١ /٠٣٢،٣٠ ٥٦٣ قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي : سئل بعض أصحابنا عن الخضر : هل مات ؟ فقال : نعم . قال : وبلغني مثل هذا عن أبي طاهر بن الغباري قال: وكان يحتج بأنه لو كان حيا لجاء إلى رسول الله عَّههٍ. نقله ابن الجوزي في (( العجالة)). فإن قيل : فهل يقال إنه كان حاضرا في هذه المواطن كلها ولكن لم يكن أحد يراه ؟ فالجواب : إن الأصل عدم هذا الاحتمال البعيد الذي يلزم منه تخصيص العموميات بمجرد التوهمات . ثم ما الحامل له على هذا الاختفاء ؟ وظهوره أعظم لأجره وأعلى في مرتبته وأظهر لمعجزته ؟ ثم لو كان باقیا بعده ، لکان تبليغه عن رسول الله عَ لّ الأحاديث النبوية والآيات القرآنية، وإنكاره لما وقع من الأحاديث المكذوبة ، والروايات المقلوبة والآراء البدعية والأهواء العصبية ، وقتاله مع المسلمين في غزواتهم ، وشهوده جمعهم وجماعاتهم ، ونفعه إياهم ودفعه الضرر عنهم ممن سواهم ، وتسديده العلماء والحكام ، وتقريره الأدلة والأحكام ، أفضل مما يقال عنه من كنونه في الأمصار ، وجوبه الفيافي والأقطار ، واجتماعه بعباد لا يعرف أحوال كثير منهم ، وجعله لهم كالنقيب المترجم عنهم . وهذا الذي ذكرناه لا يتوقف فيه أحد بعد التفهيم ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما - عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله عَّ الله صلى ليلة العشاء ثم قال: ((أرأيتم ليلتكم هذه؟ فإنه إلى مائة سنة لا يبقى ممن هو على وجه الأرض اليوم أحد)). وفي رواية ((عين تطرف)). قال ابن عمر: فوهل الناس (١٦) من مقالة رسول الله عَ ل هذه، أراد انخرام (١٧) قرنه (١٨). قال الإِمام أحمد : حدثنا بعد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن الزهري قال : أخبرني سالم بن عبد الله وأبو بكر بن سلمان بن أبي خيثمة ، أن عبد الله بن عمر (١٦) أي فزعوا . (١٧) أي انقطاعه . (١٨) أخرجه البخارى فى كتاب المواقيت، باب السمر فى الفقه والخير بعد العشاء . ومسلم فى كتاب فضائل الصحابة ، باب لا تأتى مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم . ٥٦٤ قال: صلى رسول الله عَ لّه ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته ، فلما سلم قام فقال: ((أرأيتم ليلتكم هذه؟ فإن على رأس مائة سنة لا يبقى ممن على ظهر الأرض أحد )). وأخرجه البخاري ومسلم من حديث الزهرى(١٩). وقال الإِمام أحمد : حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن سليمان التيمي ، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله عَ لّم قبل موته بقليل أو بشهر : (( ما من نفس منفوسة - أو ما منكم من نفس اليوم منفوسة - يأتي عليها مائة سنة وهي يومئذ حية)) (٢٠) . وقال أحمد : حدثنا موسى بن داود ، حدثنا ابن لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر، عن النبي عَّم قال - قبل أن يموت بشهر -: (( يسألونني عن الساعة وإنما علمها عند الله ، أقسم بالله ما على الأرض نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة)) . وهكذا رواه مسلم من طريق أبي نضرة وأبي الزبير : كل منهما عن جابر بن عبد الله به نحوه (٢١) . وقال الترمذي : حدثنا عباد ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي سيفيان، عن جابر قال: قال رسول الله عَّه: ((ما على الأرض من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة)) (٢٢). وهذا أيضا على شرط مسلم . قال ابن الجوزي : فهذه الأحاديث الصحاح تقطع دابر دعوى حياة الخضر . (١٩) وأخرجه أحمد فى مسنده ٢ / ٨٨ وراجع تخريج الحديث السابق . (٢٠) أخرجه أحمد فى مسنده ٣ / ٣٠٥، ومسلم فى صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب لا تأتى مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم . (٢١) أخرجه أحمد فى مسنده ٣ / ٣٤٥، ومسلم فى الموضع نفسه ((الحديث السابق)). (٢٢) أخرجه الترمذى فى سننه ، كتاب الفتن ، باب رقم ٦٤ . ٥٦٥ قالوا: فالخضر إن لم يكن قد أدرك زمان رسول الله عَ ليه كما هو المظنون الذى يترقى في القوة إلى القطع ، فلا إشكال ، وإن كان قد أدرك زمانه ، فهذا الحديث يقتضي أنه لم يعش بعد مائة سنة ، فيكون الآن مفقودا لا موجودا ، لأنه داخل في هذا العموم ، والأصل عدم المخصص له حتی یثبت بدلیل صحیح یجب قبوله .. والله أعلم . وقد حكى الحافظ أبو القاسم السهيلي في كتابه: (( التعريف والإعلام » عن البخاري وشيخه أبي بكر العربي: أنه أدرك حياة النبي عَّ له ولكن مات بعده لهذا الحديث . وفي كون البخاري رحمه الله يقول بهذا وأنه بقي إلى زمان النبي عَ الٍ ، نظر . ورجح السهيلي بقاءه، وحكاه عن الأکثرین . قال : وأما اجتماعه مع النبي عالمه وتعزیته لأهل البيت بعده فمروي من طرق صحاح ، ثم ذكر ما تقدم مما ضعفناه ، ولم يورد أسانيدها .. والله أعلم . ٥٦٦ [ الفصل الثانى] قصة إلياس عليه السلام قال الله تعالى بعد قصة موسى وهارون من سورة الصافات: ﴿ وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أُحْسَنَ الْخَالِقِينَ « اللّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأُوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِلْيَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾(١) . قال علماء النسب هو : إلياس النشبي ، ويقال : ابن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون (٢) . وقيل: إلياس بن العازر بن العيزار بن هارون بن عمران (٣) . قالوا وكان إرساله إلى أهل بعلبك غربي دمشق ، فدعاهم إلى الله عز وجل وأن يتركوا عبادة صنم لهم كانوا يسمونه ((بعلا))، وقيل كانت امرأة اسمها ((بعل)) والله أعلم . والأول أصح ولهذا قال لهم: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ « اللّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأُوَّلِينَ﴾ : فكذبوه وخالفوه وأرادوا قتله . فيقال إنه هرب منهم واختفى عنهم ، قال أبو يعقوب الأذرعي ، عن يزيد بن عبد الصمد ، عن هشام بن عمار قال : وسمعت من يذكر عن كعب الأحبار أنه قال : إن إلياس اختفى من ملك قومه في (١) الصافات : ١٢٣ - ١٣٢. (٢) تاريخ الطبري جـ ١ / ٢٢٥. (٣) تهذيب ابن عساكر جـ ١ / ٩٨ . ٥٦٧ الغار الذي تحت الدم عشر سنين ، حتى أهلك الله الملك وولى غيره ، فأتاه إلياس فعرض عليه الإِسلام ، وأسلم من قومه خلق عظيم غير عشرة آلاف منهم ، فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم . وقال ابن أبي الدنيا : حدثني أبو محمد القاسم بن هاشم ، حدثنا عمر بن سعيد الدمشقى ، حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن بعض مشيخة دمشق قال : أقام إلياس عليه السلام هاربا من قومه في كهف جبل عشرين ليلة - أو قال أربعين ليلة - تأتيه الغربان برزقه . وقال محمد بن سعد (٤) كاتب الواقدي : أنبأنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، عن أبيه قال : أول نبي بعث إدريس ، ثم نوح ثم إبراهيم ، ثم إسماعيل وإسحاق ، ثم يعقوب ثم يوسف ثم لوط ثم هود ثم صالح ثم شعيب ، ثم موسى وهارون ابنا عمران ، ثم إلياس النشبي بن العازر بن هارون بن عمران بن قاهث ابن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام . هكذا قال : وفي هذا الترتيب نظر . وقال مكحول عن كعب : أربعة أنبياء أحياء ، اثنان في الأرض : إلياس والخضر ، واثنان في السماء : إدريس وعيسى عليهم السلام . وقد قدمنا قول من ذكر إن إلياس والخضر يجتمعان في كل عام في شهر رمضان ببيت المقدس ، وأنهما يحجان كل سنة ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى مثلها من العام المقبل ، وأوردنا الحديث الذي فيه أنهما يجتمعان بعرفات كل سنة . وبيّنا أنه لم يصح شىء من ذلك ، وأن الذي يقوم عليه الدليل : أن الخضر مات ، وكذلك إلياس عليهما السلام . وما ذكره وهب بن منبه وغيره : أنه لما دعا ربه عز وجل أن يقبضه إليه لما كذبوه وآذوه ، فجاءته دابة لونها لون النار فركبها ، وجعل الله له ريشا وألبسه النور ، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وصار ملكيا بشريا سماويا أرضيا ، وأوصى إلى اليسع بن أخطوب ، ففي هذا نظر ، وهو من الإِسرائيليات التي لا تصدق ولا (٤) محمد بن سعد كاتب الواقدى: أبو عبد الله، تُوفى سنة ٢٣٠ هـ [ شذرات الذهب ٢ / ٦٩]. ٥٦٨ تكذب ، بل الظاهر أن صحتها بعيدة .. والله تعالى أعلم . فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثني أبو العباس أحمد بن سعيد المعداني البخاري ، حدثنا عبد الله بن محمود ، حدثنا عبدان بن سنان ، حدثني أحمد بن عبد الله البرقي ، حدثنا یزید بن يزيد البلوي ، حدثنا أبو إسحاق الفزاري ، عن الأوزاعي ، عن مكحول ، عن أنس بن مالك قال: كنا مع رسول الله عَّ له في سفر، فنزلنا منزلا فإذا رجل في الوادي يقول: اللهم اجعلني من أمة محمد علي له المرحومة المغفورة المتاب لها. قال : فأشرفت على الوادي فإذا رجل طوله أكثر من ثلاثمائة ذراع ، فقال لي : من أنت؟ فقلت: أنس بن مالك خادم رسول الله عَ لّه ، قال: فأين هو ؟ قلت : هو ذا يسمع كلامك ، قال : فأته فأقرئه مني السلام ، وقل له : أخوك إلياس يقرئك السلام. قال: فأتيت النبي عَ له فأخبرته، فجاء حتى لقيه فعانقه وسلم ، ثم قعدا يتحادثان فقال له : يا رسول الله .. إني ما آكل في السنة إلا يوما ، وهذا يوم فطري فآكل أنا وأنت . قال : فنزلت عليهما مائدة من السماء ، عليها خبز وحوت وكرفس ، فأكلا وأطعماني وصلينا العصر ، ثم ودعه ورأيت مره في السحاب نحو السماء (٥) . فقد كفانا البيهقي أمره ، وقال : هذا حديث ضعيف بمرة . والعجب أن الحاكم أبا عبد الله النيسابوري أخرجه في مستدركه على الصحيحين ، وهذا مما يستدرك به على المستدرك : فإنه حديث موضوع مخالف للأحاديث الصحاح من وجوه ومعناه لا يصح أيضا ، فقد تقدم في الصحيحين أن رسول الله عَ ◌ّه قال: ((إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعا في السماء - إلى أن قال -: ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن )). وفيه أنه لم يأت رسول الله عَ لّم حتى كان هو الذي ذهب إليه ، وهذا لا يصح ، لأنه كان أحق بالسعي إلى بين يدي خاتم الأنبياء . وفيه أنه يأكل في السنة مرة ، وقد تقدم عن وهب أنه سلبه الله لذة المطعم والمشرب ، وفيما تقدم عن (٥) تهذيب ابن عساكر جـ ١ / ١٠١ : ٦٩ بعضهم : أنه يشرب من زمزم كل سنة شربة تكفيه إلى مثلها من الحول الآخر . وهذه أشياء متعارضة وكلها باطلة لا يصح شىء منها . وقد ساق ابن عساكر هذا الحديث من طريق أخرى واعترف بضعفها وهذا عجب منه ، كيف تكلم عليه ؟ فإنه أورده من طريق حسين بن عرفة ، عن هالیء ابن الحسن ، عن بقية ، عن الأوزاعي ، عن مكحول ، عن واثلة ، عن ابن الأسقع ، فذكر نحو هذا مطولا . وفيه أن ذلك كان في غزوة تبوك ، وأنه بعث إليه رسول الله عَ لّلم أنس بن مالك وحذيفة بن اليمان ، قالا : فإذا هو أعلى جسما منا بذراعين أو ثلاثة ، واعتذر بعدم قدرته لئلا تنفر الإِبل . وفيه أنه لما اجتمع به رسول الله عَ لّم أكلا من طعام الجنة، وقال: إن لي في كل أربعين يوما أكلة، وفي المائدة خبز وعنب وموز ورطب وبقل ، ماعدا الكراث . وفيه أن رسول الله ◌َ الله سأله عن الخضر فقال: عهدي به عام أول، وقال لي : إنك ستلقاه قبلي فأقرئه مني السلام. وهذا يدل على أن الخضر وإلياس ، بتقدير وجودهما وصحة هذا الحديث لم يجتمعا به إلى سنة تسع من الهجرة ، وهذا لا يسوغ شرعا ، وهذا موضوع أیضا وقد أورد ابن عساكر طرقا فيمن اجتمع بإلياس من العباد ، وكلها لا يفرح بها ، لضعف إسنادها أو لجهالة المسند إليه فيها . ومن أحسنها ما قال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثني بشر بن معاذ ، حدثنا حماد بن واقد ، عن ثابت قال : كنا مع مصعب بن الزبير بسواد الكوفة ، فدخلت حائطا أصلى فيه ركعتين فافتتحت : حَمّ « تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ « غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيد الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ فإذا رجلٍ من خلفي على بغلة شهباء ، عليه مقطعات يمنية فقال لي : إذا قلت : ﴿ غَافِرِ الذُّنبِ ﴾ فقل : يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي ، وإذا قلت: ﴿ قَابِلِ التَّوْبِ﴾ فقل: يا قابل التوب تقبل توبتي ، وإذا قلت : شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ فقل: يا شديد العقاب لا تعاقبني، وإذا قلت : ﴿ ذِي الطَّوْلِ﴾ فقل: يا ذا الطول تطول على برحمة ، فالتفت فإذا لا أحد . وخرجت فسألت : مر بكم رجل على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنية ؟ فقالوا : ما مر بنا ٥٧٠ أحد . فكانوا لا يرون إلا أنه إلياس (٦). وقوله تعالى: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴾ أي للعذاب ، إما في الدنيا والآخرة ، أو في الآخرة . والأول أظهر على ما ذكره المفسرون والمؤرخون ، وقوله : ﴿إِلَّ عِبَادَ اللهِ الْمُحْلَصِينَ﴾ أي إلا من آمن منهم. وقوله: ﴿وَثَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ ﴾ أي أبقينا بعده ذكرا حسنا له في العالمين فلا يذكر إلا بخير ، ولهذا قال: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْيَاسِينَ﴾ (٧) أي سلام على إلياس والعرب تلحق النون في أسماء كثيرة وتبدلها من غيرها كما قالوا : إسماعيل وإسماعين ، وإسرائيل وإسرائين ، وإلياس وإلياسين ، وقد قرىء : سلام على آل ياسين ، أي على آل محمد ، وقرأ ابن مسعود وغيره : سلام على إدراسين ، ونقل عنه من طريق إسحاق عن عبيدة بن ربيعة عن ابن مسعود أنه قال : إلياس هو إدريس . وإليه ذهب الضحاك بن مزاحم، وحكاه قتادة ومحمد بن إسحاق . والصحيح أنه غيره كما تقدم .. والله أعلم . (٦) تهذيب ابن عساكر جـ ١ / ١٠٣. (٧) اختلفوا في ( آل ياسين ) فنافع وابن عامر ويعقوب قرءوا بفتح الهمزة وكسر اللام وألف بينهما ، وفصلهما عما بعدها. [إتحاف فضلاء البشر ٢ / ٤١٥]. ٥٧١ الباب الخامس عشر قصص جماعة من أنبياء بنى إسرائيل بعد موسى عليه السلام تمهيد : قصة حزقيل . الفصل الأول الفصل الثانى : قصة اليسع عليه السلام . الفصل الثالث : أمر بنى إسرائيل من وفاة «يوشع بن نون» إلى مبعث « شمويل » . الفصل الرابع : قصة شمويل عليه السلام، وبدء أمر داود عليه السلام . [تمهيد ](*) قال ابن جرير في تاريخه : لا خلاف بين أهل العلم بأخبار الماضين وأمور السالفين من أمتنا وغيرهم أن القائم بأمور بني إسرائيل بعد يوشع : كالب بن يوفنا ، يعني أحد أصحاب موسى عليه السلام وهو زوج أخته مريم ، وهو أحد الرجلین اللذّین ممن يخافون الله ، وهما یوشع و کالب ، وهما القائلان لبني إسرائيل حين نكلوا عن الجهاد: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُون وَعَلَى اللّهِ قَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾(١). قال ابن جرير : ثم من بعده کان القائم بأمور بني إسرائيل حزقيل بن بوذي وهو الذي دعا الله فأحيا الذين أخرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت . ٠ (٥) فى جميع النسخ التى وقعت تحت أيدينا كان عنوان هذا الباب (( ذكر جماعة من أنبياء بنى إسرائيل عليهم السلام ممن لا يعلم وقت زمانهم على التعيين إلا أنهم بعد داود عليه السلام وقبل زكريا ويحيى عليهما السلام )» ويبدو : أن وضع هذا العنوان هنا خطأً من النساخ ، والصواب ما سنراه فى ص ٦٣٧ . كما أن العنوان المناسب هنا: هو الذى وضعناه لهذا الباب .. والله أعلم .. فتأمل. (١) المائدة : ٢٣ . ٥٧٥ [الفصل الأول ] قصة حزقيل قال: الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَّ إِلَى الَّذِينَ خِرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أَلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَخْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَّذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أُكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾(١) . قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه : إن كالب بن يوفنا لما قبضه الله إليه بعد يوشع خلف في بني إسرائيل حزقيل بن بوذي ، وهو ابن العجوزة، وهو الذي دعا للقوم الذين ذكرهم الله في كتابه فيما بلغنا . أُلَمْ ثَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أَلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ قال ابن إسحاق : فروا من الوباء فنزلوا بصعيد من الأرض فقال لهم الله موتوا فماتوا جميعا فحظروا عليهم حظيرة دون السباع ، فمضت عليهم دهور طويلة فمر بهم حزقيل عليه السلام فوقف عليهم متفكرا فقيل له : أتحب أن يبعثهم الله وأنت تنظر ؟ فقال : نعم . فأمر أن يدعو تلك العظام أن تكتسي لحما وأن يتصل العصب بعضه ببعض فناداهم عن أمر الله له بذلك ، فقام القوم أجمعون وكبروا تکبیرة رجل واحد(٢) . وقال أسباط عن السدي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة في قوله: ﴿أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِینَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وَهُمْ أَلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَخْيَاهُمْ ﴾ قالوا : كانت قرية يقال لها داوردان قبل واسط وقع بها الطاعون ، فهرب عامة (١) البقرة : ٢٤٣°. (٢) تفسير الطبري جـ ٢ / ٣٦٥ عن وهب. ٥٧٦ أهلها فنزلوا ناحية منها فهلك من بقي في القرية وسلم الآخرون فلم يمت منهم كثير ، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين ، فقال الذين بقوا : أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا بقينا ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم . فوقع في قابل ، فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفا حتى نزلوا ذلك المكان وهو واد أفيح ، فناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه : أن موتوا . فماتوا حتى إذا هلكوا وبقيت أجسادهم مرّ بهم نبي يقال له حزقيل ، فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم ويلوي شدقیه وأصابعه ، فأوحى الله إليه : تريد أن أريك کیف أحييهم ؟ قال : نعم ، وإنما كان تفكره أنه تعجب من قدرة الله عليهم ، فقيل له : ناد . فنادى : يأيتها العظام .. إن الله يأمرك أن تجتمعي .. فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض ، حتى كانت أجسادا من عظام ، ثم أوحى الله إليه ، أن ناد . يأيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحما ، فاكتست لحما ودما وثيابها التي ماتت فيها . ثم قيل له : ناد . فنادى : أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي .. فقاموا . قال أسباط : فزعم منصور عن مجاهد أنهم قالوا حين أحيوا: ((سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت)) فرجعوا إلى قومهم أحياء يعرفون أنهم كانوا موتى ، سحنة الموت على وجوههم لا يلبسون ثوبا إلا عاد رسما ، حتى ماتوا لآجالهم التي كُبت لهم . وعن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف ، وعنه ثمانية آلاف ، وعن أبي صالح تسعة آلاف ، وعن ابن عباس أيضا كانوا أربعين ألفا . وعن سعيد بن عبد العزيز كانوا من أهل أذرعات . وقال ابن جريج عن عطاء : هذا مثل . يعني أنه سيق مثلا مبينا أنه لن يغني حذر من قدر ! . وقول الجمهور أقوى أنَّ هذا وقع . وقد روى الإمام أحمد وصاحبا الصحيح من طريق الزهري عن عبد الحميد ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن عبد الله بن عباس ، أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه ٥٧٧ أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح (٣) وأصحابه فأخبروه أن الوباء وقع بالشام . فذكر الحديث . يعني في مشاورته المهاجرين والأنصار فاختلفوا عليه ، فجاءه عبد الرحمن بن عوف (٤) و كان متغيبا ببعض حاجته فقال : إن عندي من هذا علما سمعت رسول الله مَ ◌ّه يقول: ((إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه )) . فحمد الله عمرُ ثم انصرف (٥) . وقال الإِمام : حدثنا حجاج ویزید المفتي قالا : حدثنا ابن أبي ذؤيب عن الزهري ، عن سالم ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر وهو في الشام عن النبي عَّلِ أن هذا السقم عذب به الأمم قبلكم ، فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه . قال . فرجع عمر من الشام . وأخرجاه من حديث مالك عن الزهري بنحوه (٦) . قال محمد بن إسحاق : ولم يذكر لنا مدة لبث حزقيل في بني إسرائيل ثم إن الله قبضه إليه ، فلما قبض نسي بنو إسرائيل عهد الله إليهم وعظمت فيهم الأحداث وعبدوا الأوثان وكان في جملة ما يعبدونه من الأصنام صنم يقال له ((بعل ، فبعث الله إليهم إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران . . قلت : وقد قد مناقصة إلياس تبعا لقصة الخضر لأنهما يقرنان في الذكر غالبا ، ولأجل أنها بعد قصة موسى في سورة الصافات فتعجلنا قصته لذلك .. والله أعلم . قال محمد بن إسحاق فما ذكر له عن وهب بن منبه قال : ثم تنبأ فيهم بعد إلياس وصيه اليسع بن أخطوب عليه السلام . * # (٣) أبو عبيدة بن الجراح، اسمه: عامر بن عبد الله بن الجراح تُوفى سنة ١٨ هـ . [ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣ / ٢٩٧ ]. (٤) عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف، من بنى زهرة، تُوفى سنة ٣٢ هـ [الطبقات الكبرى ٨٧/٣]. (٥) أخرجه أحمد فى مسنده ١ / ١٨٢ . والبخارى فى كتاب الطب، باب ما يذكر فى الطاعون . ومسلم فى صحيحه ، كتاب السلام ، باب الطاعون والطيرة . (٦) أخرجه أحمد فى مسنده ١ / ١٩٣. والبخارى ومسلم فى صحيحيهما فى نفس مواضع الحديث السابق. ٥٧٨ [ الفصل الثانى] قصة اليسع عليه السلام وقد ذكره الله تعالى مع الأنبياء في سورة الأنعام في قوله: ﴿ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيُسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وُكُلًا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١) وقال تعالى في سورة ص : ﴿ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ الأَخَارِ﴾ (٢) . قال ابن إسحاق : حدثنا بشر أبو حذيفة ، أنبأنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، قال : كان بعد إلياس اليسع عليهما السلام ، فمكث ما شاء الله أن يمكث يدعوهم إلى الله مستمسكا بمنهاج إلياس وشريعته حتى قبضه الله عز وجل إليه ثم خلف فيهم الخلوف وعظمت فيهم الأحداث والخطايا وكفرت الجبابرة وقتلوا الأنبياء ، وكان فيهم ملك عنيد طاغ ، ويقال إنه الذي تكفل له ذو الكفل إن هو تاب ورجع دخل الجنة فسمى ذا الكفل . قال محمد بن إسحاق : هو اليسع بن أخطوب . وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في حرف (( الياء)) من تاريخه : اليسع وهو الأسباط بن عدي بن شوتلم بن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل . ويقال هو ابن عم إلياس النبي عليهما السلام، ويقال كان مستخفیا معه بجبل قاسیون من ملك بعلبك ثم ذهب معه إليها فلما رفع إلیاس خلفه اليسع في قومه ونبأه الله بعده . ذکر ذلك عبد المنعم بن إدريس بن سنان عن أبيه ، عن وهب بن منبه ، قال وقال غيره : وكان الأسباط بيانياش . (١) الأنعام ٨٦ . (٢) سورة ص : ٤٨ . ٥٧٩ ثم ذكر ابن عساكر قراءة من قرأ اليسع بالتخفيفِ والتشديد ومن قرأ والليسع وهو اسم واحد لنبي من الأنبياء . قلت : قد قدمنا قصة ذا الكفل بعد قصة أيوب عليه السلام لأنه قد قيل إنه ابن أيوب .. فالله تعالى أعلم . ٥٨٠