النص المفهرس

صفحات 521-540

النبي عَّ ◌ُله أنه مر ليلة أسرى به بموسى في السماء السادسة، فقال له جبريل: هذا
موسى، فسلم عليه. قال: ((فسلمت عليه فقال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ
الصالح ، فلما تجاوزت بكى . قيل له ما يبكيك ؟ قال : أبكي لأن غلاما بعث
بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي)) !(١٣).
وذكر إبراهيم في السماء السابعة ، وهذا هو المحفوظ .
وما وقع في حديث شريك بن أبي نمر ، عن أنس ، من أن إبراهيم في السادسة
وموسى في السابعة ، بتفضيل كلام الله ـ فقد ذكر غير واحد من الحفاظ : أن
الذي عليه الجادة : أن موسى في السادسة وإبراهيم في السابعة ، وأنه مسند ظهره
إلى البيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه
آخر ما عليهم .
واتفقت الروايات كلها على أن الله تعانى لما فرض على محمد عَ له وأمته
خمسين صلاة في اليوم والليلة - مر بموسى ، فقال: ارجع إلى ربك فسله
التخفيف لأمتك ، فإني قد عالجت بني إسرائيل قبلك أشد المعالجة ، وإن أمتك
أضعف أسماعا وأبصارا وأفئدة ، فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله عز وجل ،
ويخفف عنه في كل مرة ، حتى صارت إلى خمس صلوات في اليوم والليلة . وقال
الله تعالى: هي خمس وهي خمسون. أي بالمضاعفة ، فجزى الله عنا محمدا عد هم.
خيرا ، وجزى الله عنا موسى عليه السلام خيرا .
وقال البخاري : حدثنا مسدد ، حدثنا حصين بن نمير عن حصين بن
عبد الرحمن ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خرج علينا رسول الله عَ ليه
يوما فقال: ((عرضت على الأمم ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق ، فقيل هذا موسى
في قومه )».
هكذا روى البخاري هذا الحديث هاهنا مختصرا (١٤).
. وقد رواه الإمام أحمد مطولا فقال : حدثنا شريح ، حدثنا هشام ، حدثنا
(١٣) أخرجه بهذا اللفظ مسلم فى صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإِسراء برسول الله عَ لَّه.
(١٤) أخرجه البخارى فى صحيحه ، كتاب الأنبياء ، باب وفاة موسى عليه السلام .
٥٢١

حصين بن عبد الرحمن ، قال : كنت عند سعيد بن جبير فقال : أيكم رأى
الكوكب الذي انقض البارحة ؟ قلت : أنا ، ثم قلت : إني لم أكن في صلاة ولكن
لدغت . قال : وكيف فعلت ؟ قلت : استرقيت . قال : وما حملك على ذلك ؟
قال قلت : حديث حدثناه الشعبي عن بريدة الأسلمي أنه قال: (( لا رقية إلا من
عين أو حمة )) فقال سعيد - يعني ابن جبير - قد أحسن من أنهى إلى ما سمع .
ثم قال: حدثنا ابن عباس عن النبي عَ لّه قال: عرضت عليّ الأمم فرأيت
النبي ومعه الرهط ، والنبي معه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد ، إذ رفع
لي سواد عظيم فقلت : هذه أمتي ؟ فقيل : هذا موسى وقومه ، ولكن انظر إلى
الأفق ، فإذا سواد عظيم ، ثم قيل انظر إلى هذا الجانب ، فإذا سواد عظيم ، فقيل :
هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب .
ثم نهض رسول الله عَ ◌ّه فدخل، فخاض القوم في ذلك ، فقالوا : من
هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ؟ فقال بعضهم : لعلهم الذين
صحبوا النبي عَ ◌ِّ. وقال بعضهم: لعلهم الذين ولدوا في الإِسلام ولم يشركوا
بالله شيئا قط ، وذكروا أشياء .
فخرج إليهم رسول الله عَّم فقال: ((ما هذا الذي كنتم تخوضون فيه)) ؟
فأخبروه بمقالتهم فقال: (( هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى
ربهم يتوكلون )) ، فقام عكاشة بن محصن الأسدي (١٥) فقال : أنا منهم يا رسول
الله؟ قال: (( أنت منهم)) ثم قام آخر فقال : أنا منهم يا رسول الله ؟ فقال :
((سبقك بها عكاشة)).
وهذا الحديث له طرق كثيرة جدا وهو في الصحاح والحسان وغيرها وقد
أوردناها في باب صفة الجنة عند ذكر أحوال القيامة وأهوالها(١٦).
(١٥) عكاشة بن محصن بن حرثان بن قيس الأسدى ، استشهد فى حروب الردة وهو مع خالد بن الوليد سنة
١٢ هـ . [ طبقات ابن سعد ٣ / ٦٤].
(١٦) أخرجه الإِمام أحمد فى مسنده ١ / ٢٧١ .
٥٢٢

وقد ذكر الله تعالى موسى عليه السلام في القرآن كثيرا ، وأثنى عليه وأورد
قصته في كتابه العزيز مرارا ، وكررها كثيرا ، مطولة ومبسوطة ومختصرة ، وأثنى
عليه ثناء بليغا .
وكثيرا ما يقرنه الله ويذكره، ويذكر كتابه مع محمد عَ لّه وكتابه، كما قال
في سورة البقرة: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِنِدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لَّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ
فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ ﴾(١٧).
وقال تعالى: ﴿الّمَ ) اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ
الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقَاً لَّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ « مِن قَبْلُ هُدَى
لَّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ لَهُمُ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ
ذُو انِتِقَامٍ ﴾(١٨) .
وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ
اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدَى
لَلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُحْفُونَ كَثِيراً وَعُلَّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا
آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أُنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ
مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُِذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ
يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ (١٩).
فأثنى الله تعالى على التوراة ، ثم مدح القرآن العظيم مدحا عظيما .
وقال تعالى في آخرها: ﴿ ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ
وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدَى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَهَذَا كِتَابٌ
أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكْ فَاتَبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢٠) .
(١٧) البقرة : ١٠١ .
(١٨) آل عمران : ١ - ٤ .
(١٩) الأنعام : ٩١، ٩٢ .
(٢٠) الأنعام : ١٥٤°، ١٥٥.
٥٢٣

وقال تعالى في سورة المائدة: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمَ
بِهَا النَُّّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرََّّانِيُونَ وَالأُخْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن
كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَحْشَوُا النَّاسَ وَاحْشَوْنِ وَلَا تَشْتُرُوا بِآيَاتِي
ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾(٢١). إلى أن
قال: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ
فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لَّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِن
الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ (٢٢) ... الآية .
فجعل القرآن حاكما على سائر الكتب غيره ، وجعله مصدقا لها ومبينا ما وقع
فيها من التحريف والتبديل ، فإن أهل الكتاب استحفظوا على ما بأيديهم من
الكتب ، فلم يقدروا على حفظها ولا على ضبطها وصونها ، فلهذا دخلها ما
دخلها من تغييرهم وتبديلهم ، لسوء فهمهم وقصورهم في علومهم ، ورداءة
قصودهم وخيانتهم لمعبودهم ، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة ، ولهذا
يوجد في كتبهم من الخطإ البين على الله وعلى رسوله - ما لا يحد ولا يوصف ،
وما لا يوجد مثله ولا يعرف .
وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الفُرِقَانَ وَضِيَاءً
وَذِكْرَى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَحْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ *
وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ (٢٣) .
وقال الله تعالى في سورة القصص: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا
لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَ لَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا
سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلِّ كَافِرُونَ ﴿ قُلْ فَأَتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِنِدِ اللّهِ هُوَ
أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢٤) .
فأثنى الله على الكتابين وعلى الرسولين عليهما السلام .
(٢١) المائدة : ٤٤ .
(٢٢) المائدة : ٤٧، ٤٨ .
(٢٣) الأنبياء : ٤٨ - ٥٠ .
(٢٤) القصص : ٤٨، ٤٩ .
٥٢٤

وقالت الجن لقومهم: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى﴾ (٢٥).
وقال ورقة بن نوفل لما قص عليه رسول الله عَ ظله خبر ما رأى من أول
الوحي وتلا عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقِ :
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمُ﴾(٢٦). قال :
سبوح سبوح ، هذا الناموس الذي أنزل على موسى بن عمران .
وبالجملة فشريعة موسى عليه السلام كانت شريعة عظيمة ، وأمته كانت أمة
كثيرة ، ووجد فيها أنبياء وعلماء ، وعباد وزهاد وألباء وملوك وأمراء ، وسادات
وكبراء ، لكنهم كانوا فبادو!، وتبدلوا كما بدلت شريعتهم ومسخوا قردة
وخنازير ، ثم نسخت بعد كل حساب ملتهم ، وجرت عليهم خطوب وأمور
يطول ذكرها . ولكن سنورد ما فيه مقنع لمن أراد أن يبلغه خبرها إن شاء الله ،
وبه الثقة وعليه التكلان .
(٢٥) الأحقاف : ٣٠.
(٢٦) العلق: ١- ٥ .
٥٢٥

[ الفصل الرابع عشر ]
ذكر حجه عليه السلام
إلى البيت العتيق، وصفته
قال الإِمام أحمد : حدثنا هشام ، حدثنا داود بن أبي هند ، عن أبي العالية ،
عن ابن عباس أن رسول الله عَّ الم مر بوادي الأزرق فقال: ((أي واد هذا)) ؟
قالوا: وادي الأزرق ، قال: ((كأني أنظر إلى موسى وهو هابط من الثنية ، وله
جؤار إلى الله عز وجل بالتلبية))، حتى أتى على ثنية هرشاء فقال: (( أي ثنية
هذه))؟ قالوا: هذه ثنية هرشاء(١)، قال: ((كأني انظر إلى يونس بن متَّى على
ناقة حمراء ، عليه جبة من صوف ، خطام ناقته خلبة )) - قال هشيم : يعني
ليفا - وهو يلبي .
أخرجه مسلم من حديث داود بن أبى هند به(٢).
وروى الطبراني عن ابن عباس مرفوعا: (( أن موسى حج على ثور أحمر ))
وهذا غريب جدا .
(١) ثنية هرشاء: ثنية فى طريق مكة قريبة من الجحفة. [معجم البلدان ٥ / ٣٩٧ ].
(٢) أخرجه أحمد فى مسنده ١ / ٢١٥، ٢١٦ . ومسلم فى صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب الإسراء برسول
الله للّه .
٥٢٦

[ الفصل الخامس عشر]
صفة موسى عليه السلام
وقال الإِمام أحمد : حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن ابن عون ، عن مجاهد
قال : كنا عند ابن عباس فذكروا الدجال ، فقال : إنه مكتوب بين عينيه
((ك فر)) قال: ما يقولون؟ قال: يقولون مكتوب بين عينيه ((ك ف ر))
فقال ابن عباس: لم أسمعه قال ذلك ولكن قال: ((أما إبراهيم فانظروا إلى
صاحبكم ، وأما موسى فرجل آدم جعد الشعر على جمل أحمر مخطوم بخلبة ، كأني
أنظر إليه وقد انحدر من الوادي يلبي)) قال هشيم: الخلبة: الليف (١).
ثم رواه الإمام أحمد عن أسود ، عن إسرائيل ، عن عثمان بن المغيرة ، عن
مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله عَ له: ((رأيت عيسى ابن مريم
وموسى وإبراهيم : فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر ، وأما موسى فآدم جسيم
سبط)) قالوا: فإبراهيم؟ قال: ((قال: ((انظروا إلى صاحبكم)) (٢).
وقال الإِمام أحمد : حدثنا يونس ، حدثنا شيبان قال : حدث قتادة عن أبي
العالية، حدثنا ابن عم نبيكم ابن عباس قال: قال نبي الله عَ له: ((رأيت ليلة.
أسرى بي موسى بن عمران رجلا طوالا جعدا ، كأنه من رجال شنوءة (٣)،
ورأيت عيسى ابن مريم مربوع (٤) الخلق إلى الحمرة والبياض ، سبط (٥)
(١) أخرجه أحمد فى مسنده ١ / ٢٧٧ .
(٢) أخرجه أحمد فى مسنده ١ / ٢٩٦.
(٣) شنوءة : أرض باليمن ، بينها وبين صنعاء اثنان وأربعون فرسخا وإليها ينسب قبائل أزدشنوءة .
[ معجم البلدان ٣ / ٣٦٨ ] .
(٤) المربوع والمربعة : الوسط بين الطول والقصر .
(٥) سبط الرأس : مسترسل الشعر .
٥٢٧

الرأس)) (٨).
وأخرجاه من حديث قتادة به . وقال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ،
حدثنا معمر قال الزهري : وأخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : قال
رسول الله عَ لّه حين أسرى به: ((لقيت موسى، قال فنعته ، فإذا رجل
- حسبته - مضطرب (٩) ، رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة ، ولقيت عيسى
- فنعته رسول الله عَ لّه فقال: ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس - يعني
الحمام - قال: ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به)) الحديث (١٠).
وقد تقدم غالب هذه الأحاديث في ترجمة الخليل .
(٨) أخرجه أحمد فى مسنده ١ / ٢٤٥ .
(٩) أي الطويل في رخاوة .
(١٠) أخرجه أحمد فى مسنده ٢ / ٢٨٢.
٥٢٨

[ الفصل السادس عشر ]
ذكر وفاته عليه السلام
قال البخاري في صحيحه: ((وفاة موسى عليه السلام)) حدثنا يحيى بن
موسى ، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي
هريرة قال : أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام ، فلما جاءه صكه فرجع
إلى ربه عز وجل ، فقال : أرسلثني إلى عبد لا يريد الموت ، قال : ارجع إليه فقل
له يضع يده على متن ثور ، فله بما غطت يده بكل شعرة سنة . قال : أي رب ..
ثم ماذا ؟ قال : ثم الموت ، قال : فالآن .
قال : فسأل الله عز وجل أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر . قال أبو
هريرة: فقال رسول الله عَ ليه: ((فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق
عند الكثيب الأحمر)) (١).
قال: وأنبأنا معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي عمٍّ نحوه .
وقد روى مسلم الطريق الأول من حديث عبد الرزاق به ـ ورواه الإِمام
أحمد من حديث حماد بن سلمة ، عن عمار بن أبي عمار ، عن أبي هريرة مرفوعا
وسيأتي .
وقال الإِمام أحمد : حدثنا الحسن ، حدثنا لهيعة ، حدثنا أبو يونس - يعني
سليم بن جبير - عن أبي هريرة، قال: الإِمام أحمد لم يرفعه، قال: ((جاء ملك
الموت إلى موسى عليه السلام ، فقال : أجب ربك ، فلطم موسى عين ملك الموت
ففقها ، فرجع الملك إلى الله فقال : إنك بعثتني إلى عبد لك لا يريد الموت ،
قال : وقد فقأ عيني . قال : فرد الله عينه ، وقال : ارجع إلى عبدي فقل له :
(١) أخرجه البخارى فى صحيحه ، كتاب الأنبياء ، باب وفاة موسى ، ومسلم فى صحيحه ، كتاب
الفضائل ، باب من فضائل موسى عليه السلام .
٥٢٩

الحياة تريد ؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور ، فما وارت يدك من
شعره فإنك تعيش بها سنة ، قال : ثم مه ؟ قال : ثم الموت . قال : فالآن يارب
من قريب )) .
تفرد به أحمد ، وهو موقوف بهذا اللفظ (٢) .
وقد رواه ابن حبان في صحيحه من طريق معمر ، عن ابن طاوس ، عن
أبيه، عن أبي هريرة ، قال معمر: وأخبرني من سمع الحسن عن رسول الله عباد.
ذكره .
ثم استشكله ابن حبان ، وأجاب عنه بما حاصله : أن ملك الموت لما قال له
هذا لم يعرفه ، لمجيئه له على غير صورة يعرفها موسى عليه السلام كما جاء جبريل في
صورة أعرابي ، وكما وردت الملائكة على إبراهيم ولوط في صورة شباب ، فلم
يعرفهم إبراهيم ولا لوط أولا . وكذلك موسى لعله لم يعرفه ، لذلك لطمه ففقاً
عينه لأنه دخل داره بغير إذن ، وهذا موافق لشريعتنا في جواز فقء عين من نظر
إليك في دارك بغير إذن .
ثم أورد الحديث من طريق عبد الرزاق عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله عَ له: ((جاء ملك الموت إلى موسى ليقبض روحه ، قال
له : أجب ربك ، فلطم موسى عين ملك الموت ففقاً عينه )) . وذكر تمام الحديث
كما أشار إليه البخاري (٣).
ثم تأوله على أنه لما رفع يده ليلطمه ، قال له : أجب ربك ، وهذا التأويل لا
يتمشى على ما ورد به اللفظ ، من عقيب قوله : أجب ربك فلطمه ، ولو استمر
على الجواب الأول تمشى له ، وكأنه لم يعرفه في تلك الصورة . ولم يحمل قوله هذا
على أنه مطابق ، إذ لم يتحقق في تلك الساعة الراهنة أنه ملك كريم ، لأنه كان
يرجو أمورا كثيرة كان يحب وقوعها في حياته ، من خروجهم من التيه ، ودخولهم
الأرض المقدسة ، وكان قد سبق في قدر الله أنه عليه السلام يموت في التيه بعد
هارون أخيه ، كما سنبينه إن شاء الله تعالى .
(٢) أخرجه أحمد فى مسنده موقوفا على أبى هريرة ٢ / ٣٥١ .
(٣) أخرجه ابن حبان فى صحيحه ، انظر [الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٨ / ٣٩، ٤٠].
٥٣٠

وقد زعم بعضهم : أن موسى عليه السلام هو الذي خرج بهم من التيه
ودخل بهم الأرض المقدسة . وهذا خلاف ما عليه أهل الكتاب رجمهور
المسلمين .
ومما يدل على ذلك قوله لما اختار الموت: ((رب آدنني إلى الأرض المقدسة
رمية بحجر ))، ولو كان قد دخلها لم يسأل ذلك . ولكن لما كان مع قومه بالتيه
وحانت وفاته عليه السلام أحب أن يتقرب إلى الأرض التي هاجر إليها ، رحث
قومه عليها ، ولكن حال بينهم وبينها القدر ، رمية بحجر .
ولهذا قال سيد البشر، ورسول الله إلى أهل الوبر والمدر: ((فلو كنت ثم
لأريتكم قبره عند الكئيب الأحمر )).
وقال الإِمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد ، حدثنا ثابت وسليمان
التيمي عن أنس بن مالك أن رسول الله عَ بّه قال: ((لما أسرى بي مررت بموسى
وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر )).
ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة يه (٤).
وقال السدي عن أبي مالك وأبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن
ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة قالوا : ثم إن الله تعالى أوحى إلى موسى أني
متوف هارون فائت به جبل كذا وكذا .
فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل ، فإذا هم بشجرة لم تُرَ شجرة
مثلها ، وإذا هم ببيت مبني ، وإذا هم بسرير عليه فرش ، وإذا فيه ريح طيبة .
فلما نظر هارون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه ، قال : يا موسى .. إني
أحب أن أنام على هذا السرير ، قال له موسى : فنم عليه ، قال : إني أخاف أن
يأتي رب هذا البيت فيغضب علي ، قال له : لا ترهب أنا أكفيك رب هذا البيت
فتم . قال : يا موسى .. بل نم معي فإن جاء رب هذا البيت غضب علي وعليك
جميعا . فلما ناما أخذ هارون الموت . فلما وجد حسه قال : يا موسى ..
خدعتني .. فلما قبض رفع ذلك البيت ، وذهبت تلك الشجرة ، ورفع السرير به
(٤) أخرجه أحمد فى مسنده ٣ / ٢٤٨ . ومسلم فى كتاب الفضائل ، باب من فضائل موسى عليه السلام .
٥٣١

إلى السماء .
فلما رجع موسى إلى قومه وليس معه هارون قالوا : إن موسى قتل هارون
وحسده على حب بني إسرائيل له ، وكان هارون أكف عنهم وألين لهم من
موسى ، وكان في موسى بعض الغلظة عليهم . فلما بلغه ذلك قال لهم : ويحكم !
كان أخي ، أفتروني أقتله ؟ فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ، ثم دعا الله فنزل
السرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض ..
ثم إن موسى عليه السلام بينما هو يمشي ويوشع فتاه إذ أقبلت ريح سوداء ،
فلما نظر إليها يوشع ظن أنها الساعة ، فالتزم موسى وقال : تقوم الساعة وأنا ملتزم
موسى نبي الله . فاستل موسى عليه السلام من تحت القميص وترك القميص في
يدي يوشع ، فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إسرائيل وقالوا : قتلت نبي
الله . فقال : لا والله ما قتلته ، ولكنه استل مني ، فلم يصدقوه وأرادوا قتله .
قال : فإذا لم تصدقوني فأخروني ثلاثة أيام ، فدعا الله فأتى كل رجل ممن كان
يحرسه في المنام فأخبر أن يوشع لم يقتل موسى ، وإنا قد رفعناه إلينا . فتركوه .
ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبارين مع موسى إلا مات ولم يشهد
الفتح .
وفي بعض هذا السياق نكارة وغرابة .. والله أعلم .
وقد قدمنا أنه لم يخرج أحد من التيه ممن كان مع موسى ، سوى يوشع بن
نون ، وكالب بن يوفنا ، وهو زوج مريم أخت موسى وهارون وهما الرجلان
المذكوران فيما تقدم ، اللذان أشارا على ملا بني إسرائيل بالدخول عليهم .
وذكر وهب بن منبه : أن موسى عليه السلام مر بملإٍ من الملائكة يحفرون
قبرا ، فلم ير أحسن منه ولا أنضر ولا أبهج ، فقال : يا ملائكة الله .. لمن تحفرون
هذا القبر ؟ فقالوا : لعبد من عباد الله كريم ، فإن كنت تحب أن تكون هذا العبد
فادخل هذا القبر ، وتمدد فيه وتوجه إلى ربك ، وتنفس أسهل تنفس ، ففعل
ذلك ، فمات صلوات الله وسلامه عليه ، فصلت عليه الملائكة ودفنوه .
وذكر أهل الكتاب ، وغيرهم أنه مات وعمره مائة وعشرون سنة .
٥٣٢

وقد قال الإِمام أحمد : حدثنا أمية بن خالد ويونس ، قالا : حدثنا حماد بن
سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة عن النبي عَّ له، قال يونس:
رفع هذا الحديث إلى النبي عَّ المه قال: ((كان ملك الموت يأتي الناس عيانا،
قال : فأتى موسى عليه السلام فلطمه ففقاً عينه ، فأتى ربه فقال : يا رب .. عبدك
موسى فقأ عيني ، ولولا كرامته عليك لعتبت عليه . وقال يونس : لشققت
عليه - قال له : اذهب إلى عبدي ، وقل له فليضع يده على جلد - أو مسك
ثور - فله بكل شعرة وارت يده سنة ، فأتاه فقال له ، فقال : ما بعد هذا ؟
قال : الموت قال : الآن . قال : فشمه شمة فقبض روحه » .
قال يونس : فرد الله علیه عينه و کان يأتي الناس خفية . و کذا رواه ابن جرير
عن أبي كريب ، عن مصعب بن المقدام عن حماد بن سلمة به ، فرفعه أيضا (٥) .
(٥) أخرجه الإمام أحمد فى مسنده ٢ / ٥٣٣.
٥٣٣

الفصل السابع عشر .
ذكر نبوة يوشع وقيامه بأعباء بنى إسرائيل
بعد موسى وهارون عليهما السلام
هو الخليل يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن
إبراهيم عليهم السلام ، وأهل الكتاب يقولون : يوشع ابن عم هود .
وقد ذكره الله تعالى في القرآن غير مصرح باسمه في قصة الخضر كما تقدم من
قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ (١) ﴿فَلَمَّ جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ ﴾ (٢) . وقدمنا
ما ثبت في الصحيح من رواية أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي عَّ له : من أنه
یوشع بن نون .
وهو متفق على نبوته عند أهل الكتاب ، فإن طائفة منهم وهم السامرة ، لا
يقرون بنبوة أحد بعد موسى إلا يوشع بن نون ، لأنه مصرح به في التوراة ،
ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم من ربهم فعليهم لعائن الله المتتابعة
إلى يوم القيامة ! .
.. وأما ما حكاه ابن جرير وغيره من المفسرين عن محمد بن إسحاق : من أن
النبوة حولت من موسی إلی یوشع في آخر عمر موسى ، فكان موسى يلقى يوشع
فيسأله ما أحدث الله إليه من الأوامر والنواهي ، حتى قال له : يا كليم الله . إني
كنت لا أسألك عما يوحي الله إليك حتى تخبرني أنت ابتداء من تلقاء نفسك .
فعند ذلك كره موسى الحياة وأحب الموت . ففي هذا نظر ، لأن موسى عليه
السلام لم يزل الأمر والوحي والتشريع والكلام من الله إليه من جميع أحواله ، حتى
توفاه الله عز وجل ، ولم يزل معززا مكرما مدللا وجيها عند الله ، كما قدمنا في
الصحيح من قصة فقئه عين ملك الموت ، ثم بعثه الله إليه إن كان يريد الحياة
فليضع يده على جلد ثور فله بكل شعرة وارت يده سنة يعيشها ، قال : ثم ماذا ؟
(١) الكهف : ٦٠ .
(٢) الكهف : ٦٢ .
٥٣٤

قال: الموت ، قال : فالآن يا رب . وسأل الله أن يدنيه إلى بيت المقدس رمية
بحجر ، وقد أجيب إلى ذلك صلوات الله وسلامه عليه (٣) .
فهذا الذي ذكره محمد بن إسحاق إن كان إنما يقوله من كتب أهل الكتاب ،
ففي كتابهم الذي يسمونه التوراة : أن الوحي لم يزل ينزل على موسى في كل حين
يحتاجون إليه إلى آخر مدة موسى ، كما هو المعلوم من سياق كتابهم عند تابوت
الشهادة في قبة الزمان .
ولقد ذكروا في السفر الثالث : أن الله أمر موسى وهارون أن يعدأ بني
إسرائيل على أسباطهم ، وأن يجعلا على كل سبط من الاثني عشر أميرا وهو
النقيب ، وما ذاك إلا ليتأهبوا للقتال ، قتال الجبارين عند الخروج من التيه ، وكان
هذا عند اقتراب انقضاء الأربعين سنة . ولهذا قال بعضهم : إنما فقا موسى عليه
السلام عين ملك الموت ، لأنه لم يعرفه في صورته تلك ، ولأنه كان قد أمر بأمر
كان يرتجي وقوعه في زمانه ، ولم يكن في قدر الله أن يقع ذلك في زمانه ، بل في
زمان فتاه يوشع بن نون عليه السلام .
كما أن رسول الله عَ لّله كان قد أراد غزو الروم بالشام فوصل إلى تبوك ثم
رجع عامه ذلك في سنة تسع ثم حج في سنة عشر ، ثم رجع فجهز جيش أسامة
إلى الشام طليعة بين يديه ، ثم كان على عزم الخروج إليهم امتثالا لقوله تعالى :
فَأْتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ
وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنِ
يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٤) .
ولما جهز رسول الله جيش أسامة ، توفي عليه الصلاة والسلام وأسامة مخيم
بالجرف ، فنفذه صديقه وخليفته أبو بكر الصديق رضى الله عنه ، ثم لمالمت شعث
جزيرة العرب ، وما كان دهى من أمر أهلها وعاد الحق إلى نصابه ، جهز الجيوش
يمنة ويسرة إلى العراق أصحاب كسرى ملك الفرس ، وإلى الشام أصحاب قيصر
ملك الروم ، ففتح الله لهم ومكن لهم وبهم ، وملكهم نواصي أعدائهم .
(٣) الخبر في تاريخ الطبري جـ ١ / ٣٠٤ نقلا عن ابن إسحاق دون تعليق، وكذلك ص ٣٠٧ .
(٤) التوبة : ٢٩ .
٥٣٥

.وهكذا موسى عليه السلام : كان الله قد أمره أن يجند بني إسرائيل وأن يجعل
عليهم نقباء كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أُخِذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَي
عَشَرَ نِقِيباً وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الَّكَاةَ وَآمَنْتُمِ بُرُسِلِي
وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ
السَّبِيلِ﴾(٥) . يقول لهم : لئن قمتم بما أوجبت عليكم، ولم تنكلوا عن القتال كما
نكلتم أول مرة ، لأجعلن ثواب هذه مكفرا لما وقع عليكم من عقاب تلك ، كما
قال تعالى لمن تخلف من الأعراب عن رسول الله عَ له في غزوة الحديبية: ﴿ قُل
لِلْمُخْلَّفِينَ مِنَ الأُعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِى بَأْسِ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ
يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرَأَ حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَيْتُم مِّن قَبْلُ
يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾(٦) .
وهكذا قال تعالى لبني إسرائيل: ﴿ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ
سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ثم ذمهم تعالى على سوء صنيعهم ونقضهم مواثيقهم كما ذم من
بعدهم من النصارى على اختلافهم في دينهم وأديانهم ، وقد ذكرنا ذلك في التفسير
مستقصى ولله الحمد .
والمقصود أن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يكتب أسماء المقاتلة من بني
إسرائيل ممن يحمل السلاح ويقاتل ممن بلغ عشرين سنة فصاعدا ، وأن يجعل على
كل سبط نقيبا منهم . السبط الأول : سبط روبيل لأنه بكر يعقوب ، وكان عدة
المقاتلة منهم ستة وأربعين ألفا وخمسمائة ، ونقيبهم منهم وهو اليصور بن شديئور .
السبط الثاني : سبط شمعون ، وكانوا تسعة وخمسين ألفا وثلاثمائة ، ونقيبهم
شلوميئيل بن هور يشداي ، السبط الثالث : سبط يهوذا وكانوا أربعة وسبعين ألفا
وستمائة ، ونقيبهم نحشون بن عمينا ذاب . السبط الرابع : سبط ايساخر وكانوا
أربعة وخمسين ألفا وأربعمائة ونقيبهم نشائيل بن صوعر . السبط الخامس : سبط
يوسف عليه السلام ، وكانوا أربعين ألفا وخمسمائة ، ونقيبهم يوشع بن نون .
السبط السادس : سبط ميشا ، وكانوا أحدا وثلاثين ألفا ومائتين ، ونقيبهم
(٥) المائدة ١٢ .
(٦) الفتح: ١٦.
٥٣٦

جمليئيل بن فدهصور . السبط السابع : سبط بنيامين ، وكانوا خمسة وثلاثين ألفا
وأربعمائة ونقيبهم أبيدن بن جدعون . السبط الثامن : سبط حاد ، وكانوا خمسة
وأربعين ألفا وستمائة وخمسين رجلا ، ونقيبهم الياساف بن رعوئيل . السبط
التاسع : سبط أشير ، وكانوا واحدا وأربعين ألفا وخمسمائة ، ونقيبهم فجعيئيل بن
عكرن . السبط العاشر : سبط دان ، وكانوا اثنين وستين ألفا وسبعمائة ، ونقيبهم
أخيعزر بن عمشداي . السبط الحادي عشر : سبط نفتالي ، وكانوا ثلاثة وخمسين
ألفا وأربعمائة ، ونقيبهم الباب بن حيلون .
هذا نص كتابهم الذي بأيديهم .. والله أعلم .
وليس منهم « بنو لاوي » فقد أمر الله موسى أن لا يعدهم معهم ، لأنهم
موكلون بحمل قبة الشهادة وضربها وخزنها ونصبها وحملها إذا ارتحلوا ، وهم سبط
موسى وهارون عليهما السلام ، وكانوا اثنين وعشرين ألفا ، من ابن شهر فما فوق
ذلك ، وهم في أنفسهم قبائل من كل قبيلة طائفة من قبة الزمان يحرسونها
ويحفظونها ويقومون بمصالحها ونصبها وحملها ، وهم كلهم حولها ، ينزلون
ويرتحلون أمامها ويمنتها وشمالها ووراءها .
وجملة ما ذكر من المقاتلة غير بني لاوى خمسمائة ألف واحد وسبعون ألفا
وستمائة وستة وخمسون ، لكن قالوا : فكان عدد بني إسرائيل ممن عمره عشرون
فما فوق ذلك ، ممن حمل السلاح ، ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسة
وخمسين رجلا ، سوى بني لاوي .
وفي هذا نظر ، فإن جميع الجمل المتقدمة إن كانت كما وجدنا في كتابهم ، لا
تطابق الجملة التي ذكروها .. والله أعلم .
فكان بنو لاوى الموكلون بحفظ قبة الزمان يسيرون في وسط بني إسرائيل ،
وهم القلب ، ورأس الميمنة بنو روبيل، ورأس الميسرة بنو دان وبنو نفتالي
يكونون ساقة . وقرر موسى عليه السلام - بأمر الله تعالى له - الكهانة في بني
هارون - كما كانت لأبيهم من قبلهم ، وهم : ناداب وهو بكره ، وأبيهو ،
والعازر ، ويثمر ، والمقصود أن بني إسرائيل لم يبق منهم أحد ممن كان نكل عن
٥٣٧

دخول مدينة الجبارين الذين قالوا: ﴿ ... فَاذْهَبْ أنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا
فَاعِدُونَ ﴾ (٧) . قاله الثوري عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس ، وقاله
قتادة وعكرمة ، ورواه السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة ،
حتى قال ابن عباس وغيره من علماء السلف والخلف : ومات موسى وهارون قبله
كلاهما في التيه جميعا .
وقد زعم ابن إسحاق أن الذي فتح بيت المقدس هو موسى ، وإنما كان
يوشع على مقدمته . وذكرٍ في مروره إليها قصة بلعام بن باعوراء الذي قال تعالى
فيه: ﴿ وَاثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَحْ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ
الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أُخْلَدٍ إِلَى الأَرْضِ وَاتَبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ
كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أُوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثِ ذُّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ
كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ، سَاءَ مَثَلاَ الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا
بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ ﴾ (٨) .
وقد ذكرنا قصته في التفسير ، وأنه كان فيما قاله ابن عباس وغيره ــ یعلم
الاسم الأعظم ، وأن قومه سألوه أن يدعو على موسى وقومه - فامتنع عليهم ،
ولما ألحوا عليه ركب حمارة له ، ثم سار نحو معسكر بنيّ إسرائيل ، فلما أشرف
عليهم ربضت به حمارته فضربها حتى قامت ، فسارت غير بعيد وربضت فضربها
ضربا أشد من الأول فقامت ثم ربضت ، فضربها فقالت له : يا بلعام .. أين
تذهب ؟ أما ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا ؟ أتذهب إلى نبي الله
والمؤمنين تدعو عليهم ؟ فلم ينزع عنها فضربها حتى سارت به حتى أشرف عليهم
من رأس جبل « حسبان » ونظر إلى معسكر موسى وبني إسرائيل فأخذ يدعو
عليهم فجعل لسانه لا يطيعه إلا أن يدعو لموسى وقومه ، ويدعو على قوم نفسه ،
فلاموه على ذلك فاعتذر إليهم بأنه لا يجري على لسانه إلا هذا ، واندلع لسانه حتى
وقع على صدره ، فقال لقومه : قد ذهبت الآن مني الدنيا والآخرة ، ولم يبق إلا
المكر والحيلة .
(٧) المائدة : ٢٤ .
(٨) الأعراف : ١٧٥ - ١٧٧.
٥٣٨

ثم أمر قومه أن يزينوا النساء ويبعثونهن بالأمتعة ببعن عليهم ويتعرضن لهم
لعلهم يقعون في الزنا ، فإنه متى زنا رجل منهم كفيتموهم ، ففعلوا وزينوا
نساءهم وبعثوهن إلى المعسكر ، فمرت امرأة منهم اسمها « كسبتى » برجل من
عظماء بني إسرائيل : وهو « زمري بن شلوم » يقال إنه كان رأس سبط بني
شمعون بن يعقوب فدخل بها قبته ، فلما خلا بها أرسل الله الطاعون على بني
إسرائيل ، فجعل يجوس فيهم ، فلما بلغ الخبر إلى « فنحاص » بن العيزار بن
هارون ، أخذ حربته وكانت من حديد ، فدخل عليهما القبة فانتظمهما جميعا
فيها ، ثم خرج بهما على الناس والحربة في يده ، وقد اعتمد على خاصرته وأسندها
إلى لحيته ، ورفعهما نحو السماء وجعل يقول: اللهم .. هكذا نفعل بمن
يعصيك . ورفع الطاعون . فكان جملة من مات في تلك الساعة سبعين ألفا ،
والمقلل يقول عشرين ألفا ، وكان فنحاص بكر أبيه العيزار بن هارون ، فلهذا
يجعل بنو إسرائيل لولد فنحاص من الذبيحة اللبة والذراع واللحى ، ولهم البكر
من كل أموالهم وأنفسها .
وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من قصة بلعام صحيح ، وقد ذكره غير واحد
من علماء السلف ، لكن لعله لما أراد موسى دخول بيت المقدس أول مقدمه من
الديار المصرية ، ولعله مراد ابن إسحاق ، ولكنه غير ما فهمه بعض الناقلين عنه ،
وقد قدمنا عن نص التوراة ما يشهد لبعض هذا .. والله أعلم .
ولعل هذه قصة أخرى كانت في خلال سيرهم في التيه ، فإن في هذا السياق
ذكر « حسبان » وهي بعيدة عن أرض بيت المقدس ، أو لعله كان قاصدا بيت
المقدس ، كما صرح به السدي .. والله أعلم .
وعلى كل تقدير فالذي عليه الجمهور : أن هارون توفي بالتيه قبل موسى أخيه
بنحو من سنتين ، وبعده موسى في التيه أيضا ، كما قدمنا . وأنه سأل ربه أن يقربه
إلى بيت المقدس فأجيب إلى ذلك .
فكأن الذي خرج بهم من التيه ، وقصد بهم بيت المقدس ، هو يوشع بن
نون عليه السلام . فذكر أهل الكتاب وغيرهم من أهل التاريخ ، أنه قطع ببني
إسرائيل نهر الأردن وانتهى إلى أريحا ، وكانت من أحصن المدائن سورا وأعلاها
٥٣٩

قصوراً ، وأكثرها أهلا ، فحاصرها ستة أشهر . ثم إنهم أحاطوا بها يوما وضربوا
بالقرون - يعني الأبواق ــ وكبروا تكبيرة رجل واحد ، فتفسخ سورها وسقط
وجبة واحدة ، فدخلوها وأخذوا ما وجدوا فيها من الغنائم وقتلوا اثني عشر ألفا
من الرجال والنساء، وحاربوا ملوكا كثيرة . ويقال إن يوشع ظهر على واحد
وثلاثين ملكا من ملوك الشام .
وذكروا أنه انتهى محاصرته إلى يوم الجمعة بعد العصر ، فلما غربت الشمس
أو كادت تغرب ، ويدخل عليهم السبت الذي جعل عليهم وشرع لهم ذلك
الزمان ، قال لها : إنك مأمورة وأنا مأمور ، اللهم احبسها على ، فحبسها الله عليه
حتى تمكن من فتح البلد ، وأمر القمر فوقف عن الطلوع ، وهذا يقتضي أن هذه
الليلة كانت الرابعة عشرة من الشهر الأول وهو قصة الشمس المذكورة في الحديث .
الذي سأذكره . وأما قصة القمر فمن عند أهل الكتاب ، ولا ينافي الحديث بل فيه
زيادة تستفاد فلا تصدق ولا تكذب . ولكن ذكرهم أن هذا في فتح أريحا فيه
نظر ، والأشبه - والله أعلم - أن هذا كان في فتح بيت المقدس الذي هو
المقصود الأعظم ، وفتح أريحا كان وسيلة إليه .. والله أعلم .
قال الإِمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، حدثنا أبو بكر ، عن هشام ، عن
ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهِحَ له: ((إن الشمس لم تحبس لبشر
إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس )) انفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على
شرط البخاري (٩) .
وفيه دلالة على أن الذي فتح بيت المقدس هو يوشع بن نون عليه السلام ، لا
موسى ، وأن حبس الشمس كان في فتح بيت المقدس لا أريحا كما قلنا . وفيه أن
هذا كان من خصائص يوشع عليه السلام ، فيدل على ضعف الحديث الذي
رويناه : أن الشمس رجعت حتى صلى علي بن أبي طالب صلاة العصر ، بعدما
فاتته بسبب نوم النبي عګمه على ر کبته ، فسأل رسول الله أن يردها الله علیه حتى
يصلي العصر فرجعت . وقد صححه أحمد بن أبي صالح المصري ولكنه ليس في
شيء من الصحاح ولا الحسان ، وهو مما تتوافر الدواعي على نقله . وتفردت بنقله
(٩) أخرجه الإمام أحمد فى مسنده ٢ / ٣٢٥ .
٥٤٠