النص المفهرس

صفحات 501-520

يفعل هذا إلا وهو أمين . فسرى عن أبيها وصدقها ، وظن به الذي قالت .
فقال له : هل لك ﴿أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْتَتَىَّ هَائِيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي
ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَثْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشْقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي
إِن شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١٩) ففعل فكانت على نبي الله موسى ثماني سنين
واجبة ، وكانت السنتان عدة منه ، فقضى الله عنه عدته فأتمها عشرا .
قال سعيد - وهو ابن جبير - لقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم ،
فقال : هل تدري أي الأجلين قضى موسى ؟ قلت : لا ، وأنا يومئذ لا أدري .
فلقيت ابن عباس فذكرت ذلك له ، فقال : أما علمت أن ثمانية كانت على نبي
الله واجبة ، لم يكن نبي الله لينقص منها شيئا ؟ وتعلم أن الله كان قاضيا عن موسى
· عدته التى وعده ، فإنه قضى عشر سنين . فلقيت النصراني فأخبرته ذلك ، فقال :
الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك ، قلت : أجل وأولى .
فلما سار موسى بأهله كان من أمر الناس والعصا ويده ، ما قص الله عليك
في القرآن .
فشكا إلى الله تعالى ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه ، فإنه
کان في لسانه عقدة تمنعه من کثیر من الكلام ، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون ،
يكون له ردءاً ، يتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه . فأتاه الله عزّ وجل سؤله
وحل عقدةٌ لسانه ، وأوحى الله إلى هارون فأمره أن يلقاه .
فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون ، فانطلقًا جميعا إلى فرعون ، فأقاما
على بابه حينا لا يؤذن لهما . ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا: ﴿ إِنَّا رَسُولًا
رَبِّكَ﴾ (٢٠) قال: ﴿ فَمَن رَّبُّكُمَا﴾(٢١) فأخبره بالذي قص الله عليك في
القرآن . قال: فما تريدان ؟ وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت ، قال أريد أن
تؤمن بالله وتربيل معي بني إسرائيل ، فأبى عليه وقال: ﴿ ... فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ
(١٩) القصص : ٢٧ .
(٢٠) طه : ٤٧ .
(٢١) طه : ٤٩ .
٥٠١

مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ... ﴾ (٢٢) حية عظيمة فاغرة فاها
مسرعة إلى فرعون ، فلما رآها فرعون قاصدة إليه خافها فاقتحم عن سريره
واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل .
ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء ، يعني من غير برص ، ثم
ردها فعادت إلى لونها الأول .
فاستشار الملأ من حوله فيما رأى فقالوا له : ﴿ إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ
أَن يُخْرِ جَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾(٢٣) يعني
ملكهم الذي هم فيه والعيش ، وأبوا على موسى أن يعطوه شيئا مما طلب ، وقالوا
له : اجمع السحرة فإنهم بأرضك كثير ، حتى تغلب بسحرك سحرهما .
فأرسل إلى المدائن فحشر له كل ساحر متعلم ، فلما أتوا فرعون قالوا : بم
يعمل هذا الساحر ؟ قالوا : يعمل بالحيات . قالوا : فلا والله ما أحد فى الأرض
يعمل السحر بالحيات والحبال والعصى الذي نعمل ، فما أجرنا إن نحن غلبنا ؟ قال
لهم : أنتم أقاربي وخاصتي ، وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم . فتواعدوا
... يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى﴾ (٢٤) .
قال سعيد : فحدثني ابن عباس أن يوم الزينة ، اليوم الذي أظهر الله فيه
موسى على فرعون والسحرة ، هو يوم عاشوراء .
فلما اجتمعوا في صعيد قال الناس بعضهم لبعض : انطلقوا فلنحضر هذا
الأمر ﴿ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِينَ﴾ (٢٥) يعنون موسى وهارون
استهزاء بهما، فقالوا يا موسى، بعد تريثهم بسخرهم: ﴿ ... إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا
أَن تَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ (٢٦) قال بل ألقوا، ﴿ فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيِّهِمْ
وَقَالُوا بِعِزَّةٍ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ (٢٧) فرأى موسى من سحرهم ما
(٢٢) الأعراف : ١٠٦، ١٠٧
(٢٣) طه : ٦٣ .
(٢٤) طه : ٥٩ .
(٢٥) الشعراء : ٤٠ .
(٢٦) الأعراف : ١١٥.
(٢٧) الشعراء : ٤٤ .
٥٠٢

أو جس في نفسه خيفة، فأوحى الله إليه: ﴿ ... أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ (٢٨) فلما
ألقاها صارت ثعبانا عظيمة فاغرة فاها ، فجعلت العصا تلتبس بالحبال ، حتى
صارت حرزا للثعابين تدخل فيه حتى ما أبقت عصا ولا حبلا إلا ابتلعته .
فلما عرف السحرة ذلك ، قالوا لو كان هذا سحرا لم يبلغ من سحرنا كل
هذا ، ولكنه أمر من الله تعالى ، آمنا بالله وبما جاء به موسى ، ونتوب إلى الله مما
كنا عليه .
فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه وظهر الحق ﴿ ... وَبَطَل
مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿ فَعْلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ (٢٩) .
وامرأة فرعون بارزة مبتذلة تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه ،
فمن رآها من آل فرعون ظن أنها ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه ، وإنما كان
حزنها وهمها لموسى .
فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة ، كلما جاء بآية وعده عندها
أن يرسل معه بني إسرائيل ، فإذا مضت أخلف موعده وقال هل يستطيع ربك أن
يصنع غير هذا ؟ أرسل الله على قومه الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم
آيات مفصلات . كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفها عنه ، ليوافقه
على أن يرسل معه بني إسرائيل ، فإذا كف ذلك عنه أخلف بوعده ونكث
عهده ، حتى أمر الله موسى بالخروج بقومه ، فخرج بهم ليلا .
فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين فتبعه بجنود
عظيمة كثيرة وأوحى الله إلى البحر : إذا ضربك موسى عبدي بعصاه فانفلق اثنتي
عشرة فرقة ، حتى يجوز موسى ومن معه ، ثم التق على من بقي بعد من فرعون
وأشياعه
فتسي موسى أن يضرب البحر بالعصا وانتهى إلى البحر وله قصيف (٣٠) مخافة
(٢٨) الأعراف : ١١٧ .
(٢٩) الأعراف : ١١٨، ١١٩.
(٣٠) أي سمع صوت تكسر أمواجه كأنه صوت الرعد .
٥٠٣

أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصيا لله عزّ وجل ! .
فلما تراءى الجمعان وتقاربا ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُذْرَكُونَ﴾ (٣١)
افعل ما أمرك به ربك ، فإنه لم يكذب ولم تكذب ، قال : وعدني ربي إذا أتيت
البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه ، ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب
البحر بعصاه حين دنا أوائل جند موسى ، فانفرق البحر كما أمره ربه وكما وعد
موسى فلما أن جاوز موسى وأصحابه كلهم البحر ، ودخل فرعون وأصحابه ،
التقى عليهم البحر كما أمر فلما جاوز موسى البحر قال أصحابه : إنا نخاف ألا
يكون فرعون غرق ولا نؤمن بهلاكه ، فدعا ربه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا
بهلا که .
ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهمٍ ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل
◌َّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ
وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣٢) قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم .
ومضى فأنزلهم موسى منزلا وقال : أطيعوا هارون فإن الله قد استخلفه
عليكم ، فإني ذاهب إلى ربي ، وأجلهم ثلاثين يوما أن يرجع إليهم فيها .
فلما أتى ربه عزّ وجل وأراد أن یکلمه في ثلاثین یوما ، وقد صامهن لیلهن
ونهارهن ، كره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم ، فتناول موسى شيئا من
نبات الأرض فمضغه ، فقال له ربه حين أتاه : لم أفطرت ؟ ــ وهو أعلم بالذي
كان - قال : يا رب .. إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح . قال :
أوما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك ! ارجع
فصم عشرا ثم ائتني ، ففعل موسى ما أمره به ربه .
فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم في الأجل ساءهم ذلك ، وكان هارون
قد خطبهم فقال : إنكم خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم عواری وودائع ،
ولكم فيها مثل ذلك ، وأنا أرى أن تحتسبوا ما لكم عندهم ، ولا أحل لكم وديعة
(٣١) الشعراء : ٦١ .
(٣٢) الأعراف : ١٣٨، ١٣٩.
٥٠٤

٥
استودعتموها ولا عارية ، ولسنا برادين إليهم شيئا من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا .
فحفر حفيرا وأمر كل قوم عندهم من ذلك متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك
الحفير ، ثم أوقد عليه النار فأحرقه ، فقال : لا يكون لنا ولا لهم .
وكان السامري من قوم يعبدون البقر ، جيران لبني إسرائيل ، ولم يكن من
بني إسرائيل ، فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا فقضى له أن رأى
أثرا فقبض منه قبضة فمر بهارون فقال له هارون : يا سامري .. ألا تلقي ما في
يديك ؟ وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك ، فقال : هذه قبضة من أثر
الرسول الذي جاوز بكم البحر ، ولا ألقيها لشيء ، إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن
يكون ما أريد ، فألقاها ودعا له هارون . فقال : أريد أن تكون عجلا ، فاجتمع
ما كان في الحفرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد ، فصار عجلا أجوف ،
ليس فيه روح وله خوار .
قال ابن عباس : لا والله ما كان فيه صوت قط ، إنما كانت الريح تدخل من
دبره وتخرج من فيه ، فكان ذلك الصوت من ذلك .
فتفرق بنو إسرائيل فرقا ، فقالت فرقة : يا سامري .. ما هذا وأنت أعلم
به ؟ قال : هذا ربكم ، ولكن موسى أضل الطريق ! .
وقالت فرقة : لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى ، فإن كان ربنا لم نكن
ضيعناه وعكفنا عليه حين رأيناه ، وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى .
وقالت فرقة : هذا من عمل الشيطان وليس بربنا ولا نؤمن به ولا نصدق ،
وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل وأعلنوا عدم التكذيب
به (٣٣).
فقال لهم هارون عليه السلام: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُسِتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ
الرَّحْمَنُ﴾ (٣٤) ليس هذا .
قالوا : فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوما ثم أخلفنا ؟ هذه أربعون يوما قد
(٣٣) قارن الطبري جـ ٩ / ٣١.
(٣٤) طه : ٩٠ .
٥٠٥

مضت . وقال سفهاؤهم : أخطأ ربه فهو يطلبه ويبتغيه .
فلما كلم الله موسى وقال له ما قال ، أخبره بما لقى قومه من بعده ،
فِ ﴿رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفَاً﴾ (٣٥) فقال لهم ما سمعتم مما في القرآن
وَأَخَذَ بِرَأْسٍ أَخِيهِ يَجُّهُ إِلَيْهِ﴾ (٣٥) وألقى الألواح من الغضب . ثم إنه عذر
أخاه بعذره واستغفر له ، وانصرف إلى السامري فقال له : ما حملك على ما
صنعت ؟ قال : قبضت قبضة من أثر الرسول وفطنت لها وعميت عليكم ﴿ ...
قَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَلَتْ لِى نَفْسِىءٍ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَِ
وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدَاً لَن تُحْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَّهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّتُحَرِّقَتَهُ ثُمَّ
لَتَسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْقاً﴾ (٣٦) ولو كان إلها لم يخلص إلى ذلك منه .
فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة ، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي
هارون ، فقالوا لجماعتهم : يا موسى .. سل لنا ربك أن يفتح لنا باب توبة
نصنعها فتكفر عنا ما عملنا ، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا لذلك ، لا يألوا
الخير من خيار بني إسرائيل ومن لم يشرك في الحق ، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة
فرجفت بهم الأرض .
فاستحيا نبي الله عليه السلام من قومه ومن وفده حين فعل بهم ما فعل
فقال: ﴿ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّيَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ
مِنَّا﴾(٣٧) وفيهم من كان الله اطلع منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمانه
به ، فلذلك رجفت بهم الأرض، فقال: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتٍْ كُلَّ شَيْءٍ
فَسَأَكْبُهَا لِلذِّينَ يَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّعُونَ
الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ
الرَّسُولَ النَّبِيَّ
والإنجيل ﴾ (٣٨).
(٣٥) الأعراف : ١٥٠.
(٣٦) طه : ٩٦، ٩٧.
(٣٧) الأعراف : ١٥٥ .
(٣٨) الأعراف : ١٥٦، ١٥٧.
٥٠٠

فقال : يا رب .. سألتك التوبة لقومي ، فقلت : إن رحمتي كتبتها لقوم غير
قومي ، فليتك أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحوم ، فقال له : إن
توبتهم أن يقتل كل رجل منهم من لقي من والد وولد ، فيقتله بالسيف ولا يبالي
من قتل في ذلك الموطن .
وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون أمرهم ، وأطلع الله من
ذنوبهم فاعترفوا بها ، وفعلوا ما أمروا وغفر الله القاتل والمقتول .
ثم سار بهم موسى عليه السلام متوجها نحو الأرض المقدسة ، وأخذ الألواح
بعد ما سكت عنه الغضب فأمرهم بالذي أمر به من الوظائف فثقل ذلك عليهم
وأبوا أن يقروا بها ، فنتق (٣٩) الله عليهم الجبل كأنه ظلة ، ودنا منهم حتى خافوا
أن يقع عليهم ، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون ينظرون إلى الجبل ،
والكتاب بأيديهم وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم ، ثم مضوا حتى أتوا
الأرض المقدسة ، فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون ، خلقهم خلق منكر ، وذكروا
من ثمارهم أمرا عجبا من عظمها، فقالوا: ﴿ يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً
جَبَّارِينَ﴾ (٤٠) لا طاقة لنا بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها، ﴿فَإِن يَخْرُجُوا
مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴾ (٤٠) .
قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَحَافُونَ﴾ (٤١) قيل ليزيد : هكذا قرأه ؟ قال :
نعم ، من الجبارين ، آمنا بموسى وخرجا إليه ، فقالوا : نحن أعلم بقومنا إن كنتم
إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنهم لا قلوب لهم ولا منعة عندهم ،
فادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون . ويقول أناس : إنهم من قوم
موسى .
فقال الذين يخافون من بني إسرائيل: ﴿يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أبدا مَّا
دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (٤٢) فأغضبوا
(٣٩) أي رفعه .
(٤٠) المائدة : ٢٢ .
(٤١) المائدة : ٢٣ .
(٤٢) المائدة : ٢٤ .
٥٠٧

موسى ، فدعا عليهم وسماهم فاسقين ، ولم يدع عليهم قبل ذلك لما رأى منهم من
المعصية وإساءتهم ، حتى كان يومئذ فاستجاب الله له ، وسماهم كما سماهم موسى
فاسقين ، فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ، يصبحون كل يوم
فيسيرون ليس لهم قرار ثم ظلل عليهم الغمام في التيه ، وأنزل عليهم المن والسلوى ،
وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ ، وجعل بين ظهرانيهم حجرا مربعا ، وأمر
موسى فضربه بعصاه ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، في كل ناحية ثلاثة أعين ،
وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها ، فلا يرتحلون من مخلة إلا وجدوا ذلك
الحجر بينهم بالمكان الذي كان فيه بالمنزل الأول بالأمس .
رفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي عَ ◌ّهم ، وصدق ذلك عندي أن معاوية
سمع ابن عباس يحدث هذا الحديث فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على
موسى أمر القتيل الذي قتل . فقال : كيف يفشي عليه ولم يكن علم به ولا ظهر
عليه إلا الإِسرائيلي الذي حضر ذلك ؟ فغضب ابن عباس ، فأخذ بيد معاوية
وانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري ، فقال له : يا أبا إسحاق .. هل تذكر يوم
حدثنا رسول الله عَ لّه عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون ؟ الإسرائيلى الذي
أفشى عليه أم الفرعوني ؟ قال : إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع من الإِسرائيلي
الذي شهد ذلك وحضره .
هكذا ساق الحديث الإِمام النسائي ، وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم في
تفسیرهما من حدیث یزید بن هارون .
والأشبه - والله أعلم - أنه موقوف ، وكونه مرفوعا فيه نظر .
وغالبه متلقى من الإسرائيليات وفيه شيء يسير مصرح برفعه في أثناء
الكلام .
وفي بعض ما فيه نظر ونكارة ، والأغلب أنه من كلام كعب الأحبار . وقد
سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك .. والله أعلم .
٥٠٨

[ الفصل الحادي عشر]
ذكر بناء قبة الزمان
قال أهل الكتاب : وقد أمر الله موسى عليه السلام بعمل قبة من خشب
الشمشاز وجلود الأنعام وشعر الأغنام ، وأمر بزينتها بالحرير المصبغ والذهب
والفضة على كيفيات مفصلة عند أهل الكتاب ، ولها عشر سرادقات ، طول كل
واحد ثمانية وعشرون ذراعا ، وعرضه أربعة أذرع ولها أربعة أبواب وأطناب من
حریر ودمقس مصبغ ، وفيها رفوف وصفائح من ذهب وفضة ولكل زاوية بابان
وأبواب أخر كبيرة ، وستور من حریر مصبغ وغير ذلك مما يطول ذكره . وبعمل
تابوت من خشب الشمشاز يكون طوله ذراعين ونصفا ، وعرضه ذراعين
وارتفاعه ذراعا ونصفا ، ويكون مضببا بذهب خالص من داخله وخارجه ، وله
أربع حلق في أربع زواياه ، ويكون على حافتيه کروبيان من ذهب ــ يعنون صفة
ملكين بأجنحة ، وهما متقابلان صنعه رجل اسمه : « بصليال » .
وأمره أن يعمل مائدة من خشب الشمشاز طولها ذراعان وعرضها ذراعان.
ونصف ، لها ضباب ذهب وإكليل ذهب ، بشفة مرتفعة بإكليل من ذهب ،
وأربع حلق من نواحيها من ذهب ، مغرزة في مثل الرمان من خشب ملبس ذهبا ،
وأن يعمل صحافا ومصافى وقصاعا على المائدة ، ويصنع منارة من الذهب دلی فیها
ست قصبات من ذهب ، من كل جانب ثلاثة ، على كل قصبة ثلاثة سرج ،
وليكن في المنارة أربعة قناديل ، ولتكن هي وجميع هذه الآنية من قنطار من ذهب .
صنع ذلك « بصليال » أيضا ، وهو الذي عمل المذبح أيضا .
ونصبت هذه القبة أول يوم من سنتهم ، وهو أول يوم من الربيع ونصب
تابوت الشهادة ، وهو - والله أعلم - المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ
أَن يَأْتِكُمُ الْتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ
٥٠٩

تحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾(١).
وقد بسط هذا الفصل في كتابهم مطولا جدا ، وفيه شرائع لهم وأحكام
وصفة قربانهم ، وكيفيته . وفيه أن قبة الزمان كانت موجودة قبل عبادتهم العجل
الذي هو متقدم على مجيئهم بيت المقدس ، وأنها كانت لهم كالكعبة يصلون فيها
وإليها ، ويتقربون عندها ، وأن موسى عليه السلام كان إذا دخلها يقفون عندها ،
وينزل عمود الغمام على بابها ، فيخرون عند ذلك سجدا لله عز وجل .
ويكلم الله موسى عليه السلام من ذلك العمود الغمام الذي هو نور ويخاطبه
ويناجيه ، ويأمره وينهاه ، وهو واقف عند التابوت صامد إلى ما بين الكروبيين
فإذا فصل الخطاب يخبر بني إسرائيل بما أوحاه الله عز وجل إليه من الأوامر
والنواهي .
وإذا تحاكموا إليه في شيء ليس عنده من الله فيه شيء ، يجيء إلى قبة الزمان ،
ويقف عند التابوت ويصمد لما بين ذينك الكروبيين ، فيأتيه الخطاب بما فيه فصل
تلك الحكومة .
وقد كان هذا مشروعا لهم في زمانهم ، أعني استعمال الذهب والحرير المصبغ
واللآلىء ، في معبدهم وعند مصلاهم ، فأما في شريعتنا فلا ، بل قد نهينا عن
زخرفة المساجد وتزيينها ، لئلا تشغل المصلين ، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله
عنه ، لما وسع في مسجد رسول الله عَ ليه ، للذي وكله على عمارته : ابن للناس
ما يكنهم ، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس . وقال ابن عباس : لا تزخرفتها
كما زخرفت اليهود والنصارى كنائسهم .
وهذا من باب التشريف والتكريم والتنزيه ، فهذه الأمة غير مشابهة من كان
قبلهم من الأمم ، إذ جمع الله هممهم في صلاتهم على التوجه إليه والإِقبال عليه ،
وصان أبصارهم وخواطرهم عن الاشتغال والتفكر في غير ما هم بصدده ، من
العبادة العظيمة .. فلله الحمد والمنة .
وقد كانت قبة الزمان هذه مع بني إسرائيل في التيه ، يصلون إليها وهي قبلتهم
(١) البقرة : ٢٤٨ .
٥١٠

وكعبتهم ، وإمامهم كليم الله موسى عليه السلام ، ومقدم القربان أخوه هارون
عليه السلام
٠
فلما مات هارون ثم موسى عليهما السلام استمر بنو هارون في الذي كان
يلبه أبوهم ، من أمر القربان وهو فيهم إلى الآن .
وقام بأعباء النبوه بعد موسى وتدبير الأمر بعده فتاه يوشع بن نون عليه
السلام ، وهو الذي دخل بهم بيت المقدس كما سيأتي بيانه .
والمقصود هنا أنه لما استقرت يده على البيت المقدس نصب هذه القبة على
صخرة بيت المقدس فكانوا يصلون إليها ، فلما بادت صلوا إلى محلتها وهي
الصخرة ، فلهذا كانت قبلة الأنبياء بعده إلى زمان رسول الله } ، وقد صلى
إليها رسول الله عَ لّم قبل الهجرة ، وكان يجعل الكعبة بين يديه ، فلما هاجر أمر
بالصلاة إلى بيت المقدس فصلى إليها ستة عشر - وقيل سبعة عشر - شهرا ..
ثم حولت القبلة إلى الكعبة وهي قبلة إبراهيم عليه السلام في شعبان سنة ثنتين
في وقت صلاة العصر وقيل الظهر ، كما بسطنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى :
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التَّى كَانُوا عَلَيْهَا﴾ (٢) ،
إلى قوله : ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنَّوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ
وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٣) الآيات .
(٢) البقرة : ١٤٢ .
(٣) البقرة : ١٤٤ .
٥١١

[ الفصل الثاني عشر ]
قصة قارون مع موسى عليه السلام
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمٍ مُوسى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَ آتَيْنَاهُ مِنْ
الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَُّوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِى الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ
لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنسِ نَصِيبَكَ مِنَ
الذُّنْيَا وَأَحْسِنِ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ
الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنِدِي أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ قَدْ أُهْلَكَ مِن
قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَّا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ
الْمُجْرِمُونَ * فَخْرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيِدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ
لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِي قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٌّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ
ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّ الصَّابِرُونَ * فَحَسَفْنَا بِهِ
وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَّهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنْ
الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأُمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ
الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَحْسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا
يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ » تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُّا فِي الأَرْضِ
وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾(١) .
قال الأعمش عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس
قال : كان قارون ابن عم موسى ، وكذا قال إبراهيم النخعي وعبد الله بن الحارث
ابن نوفل، وسماك بن حرب وقتادة ومالك بن دينار وابن جريج ، وزاد فقال : هو
قارون بن يصهب بن قاهث ، وموسى بن عمران بن قاهث . قال ابن جرير :
وهذا قول أكثر أهل العلم : إنه كان ابن عم موسى ، ورد قول ابن إسحاق : إنه
جـ
(١) القصص : ٧٦ - ٨٣ .
٥١٢

كان عم موسى . قال قتادة : وكان يسمى المنور لحسن صوته بالتوراة ، ولكن
عدو الله نافق كما نافق السامري ، فأهلكه البغي لكثرة ماله . وقال شهر بن
حوشب (٢) : زاد في ثيابه شبرا طولا ترفعا على قومه .
وقد ذكر الله تعالى كثرة كنوزه ، حتى إن مفاتحه كان يثقل حملها على
الفئام(٣) من الرجال الشداد ، وقد قيل إنها كانت من الجلود وإنها كانت تحمل
على ستين بغلا .. فالله أعلم (٤) .
٥
#
#
وقد وعظه النصحاء من قومه قائلين : ﴿لَا تَفْرَخْ﴾ أي لا تبطر مما
أعطيت وتفخر على غيرك ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغْ فِيمَا آتَاكَ اللهُ
الذَّارَ الآخِرَةَ﴾ يقولون : لتكن همتك مصروفة لتحصيل ثواب الله في الدار
الآخرة ، فإنه خير وأبقى ، ومع هذا ﴿لَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيَا﴾ (٥) أي
وتناول منها بمالك ما أحل الله لك ، فتمتع لنفسك بالملاذ الطيبة الحلال ،
وَأَحْسِنِ كَمَا أُحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ أي وأحسنٍ إلى خلق الله كما أحسن الله
خالقهم وبارئهم إليك ، ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ﴾ أي ولا تسىء إليهمٍ
ولا تفسد فيهم ، فتقابلهم ضد ما أمرت فيهم فيعاقبك ويسلبك ما وهبك، ﴿ إِنّ
اللّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ .
فما كان جواب قومه لهذه النصيحة الصحيحة الفصيحة إلا أن ﴿ قَالَ إِنَّمَا
أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِى﴾ يعني أنا لا أحتاج إلى استماع ما ذكرته ، ولا إلى ما إليه
أشرتم ، فإن الله إنما أعطاني هذا لعلمه أني أستحقه ، وأني أهل له ، ولولا أني
حبيب إليه وحظى (٦) عنده لما أعطاني ما أعطاني .
قال الله تعالى ردا عليه فيما ذهب إليه: ﴿أُوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن
(٢) هو شهر بن حوشب الأشعرى الشامى - تُوفي سنة ١٠٠ هـ. [ شذرات الذهب ١ / ١١٩].
(٣) أى : الجماعة من الناس .
(٤) قارن تفسير الطبري جـ ٢٠ / ٦٨، ٦٩.
(٥) القصص : ٧٧ بلفظ ﴿ وَلَا تَنْسَ ... ﴾.
(٦) حظي : بفتح الحاء وكسر الظاء وضم الياء مع التشديد .
٥١٣

قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةٌ وَأَكْثِرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ
الْمُجْرِمُونَ﴾ أي قد أهلكنا من الأمم الماضين بذنوبهم وخطاياهم من هو أشد من
قارون قوة وأكثر أموالا وأولادا ، فلو كان ما قال صحيحا لم نعاقب أحدا ممن كان
أكثر مالا منه ، ولم يكن ماله دليلا على محبتنا له واعتنائنا به ، كما قال تعالى :
وَمَا أُمْوَالُكُمْ وَلَا أُوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ
صَالِحاً﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا تُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ .
نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ ﴾ (٨) وهذا الرد عليه يدل على صحة
ما ذهبنا إليه من معنى قوله : ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾ .
وأما من زعم أن المراد من ذلك أنه كان يعرف صنعة الكيمياء ، أو أنه كان
يحفظ الاسم الأعظم فاستعمله في جمع الأموال ، فليس بصحيح ، لأن الكيمياء
تخييل وصنعة ، لا تحيل الحقائق ، ولا تشابه صنعة الخالق . والاسم الأعظم لا
يصعد الدعاء به من كافر به ، وقارون كان كافرا في الباطن منافقا في الظاهر . ثم
لا يصح جوابه لهم بهذا على التقدير ، ولا يبقى بين الكلامين تلازم ، وقد وضحنا
هذا في كتابنا التفسير ، ولله الحمد .
قال الله تعالى: ﴿فَخْرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ ذكر كثير من المفسرين أنه
خرج في تجمل عظيم ، من ملابس ومراكب وخدم وحشم ، فلما رآه من يعظم
زهرة الحياة الدنيا تمنوا أن لو كانوا مثله ، وغبطوه بما عليه وله ، فلما سمع مقالتهم
العلماء ، ذوو الفهم الصحيح الزهاد الألباء. قالوا لهم: ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ
لْمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ أي ثواب الله في الدار الآخرة خير وأبقى وأجل
وأعلى، قال الله تعالى: ﴿ وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّ الصَّابِرُونَ﴾ أي وما يلقى هذه
النصيحة وهذه المقالة ، وهذه الهمة السامية إلى الدار الآخرة العلية ، عند النظر إلى
زهرة هذه الدنيا الدنية إلا من هدى الله قلبه وثبت فؤاده ، وأيد لبه وحقق
مراده .
(٧) سبأ : ٣٧ .
(٨) المؤمنون : ٥٥ ، ٥٦ .
٥١٤

وما أحسن ما قال بعض السلف : إن الله يحب البصر النافذ عند ورود
الشبهات ، والعقل الكامل عند حلول الشهوات ! .
قال الله تعالى: ﴿فَحْسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ
مِن دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾.
لما ذكر تعالى خروجه في زينته واختياله فيها ، وفخره على قومه بها قال :
فَحَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ ﴾ كما روى البخاري من حديث الزهري عن سالم
عن أبيه عن النبي عَ ل قال: ((بينا رجل يجر إزاره إذا خسف به فهو يتجلجل في
الأرض إلى يوم القيامة)) .
ثم رواه البخاري من حديث جرير بن زيد ، عن سالم ، عن أبي هريرة عن
النبي ◌َّلِ نحوه . وقد ذكر عن ابن عباس والسدى : أن قارون أعطى امرأة بغيا
مالا على أن تقول لموسى عليه السلام وهو في ملا من الناس : إنك فعلت بي كذا
وكذا ، فيقال إنها قالت له ذلك . فأرعد من الفرق وصلى ركعتين ، ثم أقبل عليها
فاستحلفها من ذلك على ذلك ، وما حملك عليه ، فذكرت أن قارون هو الذي
حملها على ذلك واستغفرت الله وتابت إليه ، فعند ذلك خر موسى لله ساجدا ،
ودعا الله على قارون ، فأوحى الله إليه : أني قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه ،
فأمر موسى الأرض أن تبتلعه وداره ، فكان ذلك .. والله أعلم(٩).
وقد قيل إن قارون لما خرج على قومه في زينته مر بجحفله وبغاله وملابسه
على مجلس موسى عليه السلام ، وهو يذكر قومه بأيام الله ، فلما رآه الناس
انصرفت وجوه كثير منهم ينظرون إليه ، فدعاه موسى عليه السلام فقال له : ما
حملك على هذا ؟ فقال : يا موسى .. أما لئن كنت فضلت على بالنبوة ، فقد
فضلت عليك بالمال ، ولئن شئت لتخرجن فلتدعون علي ولأدعون عليك .
فخرج موسى وخرج قارون في قومه ، فقال له موسي : تدعو أو أدعو أنا ؟
قال : أدعو أنا ، فدعا قارون فلم يجب له في موسى ، فقال موسى : أدعو ؟ قال :
نعم . فقال موسى : اللهم مر الأرض فلتطعني اليوم ، فأوحى الله إليه : أني قد
(٩) أخرجه البخارى فى صحيحه ، كتاب اللباس ، باب مَن جرَّ ثوبه من الخيلاء .
٥١٥

فعلت . فقال موسى : يا أرض .. خذيهم .. فأخذتهم إلى أقدامهم ، ثم قال :
خذيهم ، فأخذتهم إلى ركبهم ، ثم إلى مناكبهم ، ثم قال : أقبلي بكنوزهم
وأموالهم ، فأقبلت بها حتى نظروا إليها ، ثم أشار موسى بيده فقال : اذهبوا بني
لاوى ، فاستوت بهم الأرض .
وقد روى عن قتادة أنه قال : يخسف بهم كل يوم قامة إلى يوم القيامة . وعن
ابن عباس أنه قال : خسف بهم إلى الأرض السابعة ، وقد ذكر كثير من المفسرين
هاهنا إسرائيليات كثيرة ، أضربنا عنها صفحا وتركناها قصدا .
وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُنْتَصِرِينَ﴾ لم يكن ناصر له من نفسه ولا من غيره، كما قال: ﴿فَمَا لَهُ مِن
قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ﴾(١٠) .
ولما حل به ما حل من الخسف وذهاب الأموال وخراب الدار ، وإهلاك
النفس والأهل والعقار ، ندم من كان تمنى مثل ما أوتي ، وشكروا الله تعالى ،
الذي يدبر عباده بما يشاء من حسن التدبير المخزون ، ولهذا قالوا: ﴿ لَوْلَا أَن مَّنَّ
اللهُ عَلَيْنَا لَحْسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ وقد تكلمنا على لفظ
((ويكأن)) في التفسير، وقد قال قتادة: ويكأن بمعنى ألم تر أن . وهذا قول
حسن من حيث المعنى .. والله أعلم .
ثم أخبر تعالى: أن ﴿الدَّارُ الآخِرَةُ﴾ وهي دارِ القرار ، وهي الدار التي
يغبط من أعطيها ويعزى من حرمها إنما هي معدة ﴿ لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِيْ
الأَرْضِ وَلَا فَسَاداً﴾. فالعلو هو التكبر والفخر والأشر والبطر .
والفساد هو عمل المعاصي اللازمة والمتعدية ، من أخذ أموال الناس وإفساد
معايشهم ، والإِساءة إليهم وعدم النصح لهم .
ثم قال تعالى: ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾.
وقصة قارون هذه قد تكون قبل خروجهم من مصر ، لقوله : ﴿ فَحَسْفَنَا
(١٠) الطارق: ١٠ .
٥١٦

◌ِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ فإن الدار ظاهرة في البنيان ، وقد تكون بعد ذلك في التيه،
وتكون الدار عبارة عن المحلة التي تضرب فيها الخيام ، كما قال عنترة :
يا دار عبلة بالجواء تكلمي وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي
والله أعلم .
وقد ذكر الله تعالى مذمة قارون في غير ما آية من القرآن ، قال الله تعالى:
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ
فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾(١١).
وقال تعالى في سورة العنكبوت بعد ذكر عاد وثمود: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْ عَوْنَ
وَهَامَانَ وَلَقْدٍ جَاءَهُم ◌ُوسَى بِالْبِيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا
سَابِقِينَ * فَكُلَّا أَخْذَنَا بِذَنِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ
الصَّحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضِ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ
وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١٢) .
فالذي خسف به الأرض قارون كما تقدم ، والذي أغرق فرعون وهامان.
وجنودهما ، إنهم كانوا خاطئين .
وقد قال الإِمام أحمد : حدثنا أبو عبد الرحمن ، حدثنا سعيد ، حدثنا كعب
ابن علقمة، عن عيسى بن هلال الصدفي ، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي عَّة.
أنه ذكر الصلاة يوما فقال: (( من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم
القيامة ، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة ، وكان يوم القيامة
مع قارون وفرعون وهامان وأبّ بن خلف )).
انفرد به أحمد رحمه الله (١٣).
(١١) غافر: ٢٣، ٢٤ .
(١٢) العنكبوت : ٣٩، : ٤.
(١٣) أخرجه أحمد فى مسنده ٢٠ / ١٦٩.
٥١٧

[ الفصل الثالث عشر]
ذكر فضائل موسى عليه السلام
وشمائله وصفاته ووفاته
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُحْلَصاً وَكَانَ
رَسُولاً ثَّبِياً * وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبٍ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُ مِن
رَّحْمَيِّنَا أَخَاهُ هَارُونَ ئِيًّا﴾(١). وقال تعالى: ﴿ قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ
عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾(٢).
وتقدم في الصحيحين عن رسول الله عَ لّم أنه قال: ((لا تفضلوني على
موسى ، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق ، فأجد موسى
باطشا بقائمة العرش ، فلا أدري أصعق فأفاق قبلي ؟ أم جُوزي بصعقة
الطور))؟ .
وقد قدمنا أنه من رسول الله عَ ليه من باب الهضم والتواضع، وإلّا فهو
- صلوات الله وسلامه عليه - خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة ،
قطعا جزما لا يحتمل النقيض .
وقال تعالى: ﴿ إِنَّا أُوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أُوْحَيْنَا إِلَى نُوحِ وَالنَّبِّينَ مِن بَعْدِهِ
وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَتْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ (٣) إلى أن
قال: ﴿ وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلِّمَ
اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ (٤) ..
(١) مريم: ٥١ - ٥٣.
(٢) الأعراف : ١٤٤ .
(٣) النساء : ١٦٣ .
(٤) النساء: ١٦٤ .
٥١٨

وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى قَبَرَّأَهُ اللهُ
مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهاً﴾(٥) .
قال الإمام أبو عبد الله البخاري : حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن روح بن
عبادة ، عن عوف عن الحسن ومحمد وخلاس ، عن أبي هريرة قال : قال رسول
الله عَ ◌ّله: ((إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شيء استحياء
منه . فآذاه من آذاه من بني إسرائيل ، فقالوا : ما يستتر هذا التستر إلا من عيب
بجلده ، إما برص ، وإما أدرة (٦)، وإما آفة . وإن الله عز وجل أراد أن يبرئه مما
قالوا لموسى ، فخلا يوما وحده ، فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل ، فلما فرغ
أقبل على ثيابه ليأخذها ، وإن الحجر عدا بثوبه ، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر
فجعل يقول : ثوبي حجر ، ثوبي حجر ، حتى انتهى إلى ملإٍ من بني إسرائيل
فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله ، وبرأه الله مما يقولون ، وقام الحجر فأخذ ثوبه
فلبسه ، وطفق بالحجر ضربا بعصاه ، فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو
أربعا أو خمسا. فذلك قوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ
آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهاً ﴾ .
وقد رواه الإِمام أحمد من حديث عبد الله بن شقيق وهمام بن منبه عن
أبي هريرة به . وهو في الصحيحين من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عنه
به . ورواه مسلم من حديث عبد الله بن شقيق العقيلي عنه(٧) .
قال بعض السلف : كان من وجاهته أنه شفع في أخيه عند الله ، وطلب منه
أن يكون معه وزيرا ، فأجابه الله إلى سؤاله وأعطاه طلبته وجعله نبيا ، كما قال :
وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ ئِيًّ﴾(٨).
ثم قال البخاري : حدثنا أبو الوليد ، حدثنا شعبة عن الأعمش قال : سمعت
(٥) الأحزاب : ٦٩ .
(٦) أي انتفاخ الخصية .
(٧) أخرجه البخارى فى صحيحه ، كتاب الأنبياء ، باب رقم ٢٨ . ومسلم فى صحيحه ، كتاب الفضائل ،
باب من فضائل موسى عليه السلام. وأحمد فى مسنده ٢ / ٣٢٤، ٣٩٢.
(٨) مريم : ٥٣ .

أبا وائل، قال: سمعت عبد الله، قال: قسم رسول الله عَ لِ قسما، فقال
رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فأتيت النبي عَ لِ فأخبرته فغضب،
حتى رأيت الغضب في. وجهه، ثم قال: (( يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من
هذا فصبر)) .
وكذا رواه مسلم من غير وجه عن سليمان بن مهران الأعمش به (٩).
وقال الإِمام أحمد : حدثنا أحمد بن حجاج ، سمعت إسرائيل بن يونس ، عن
الوليد بن أبي هاشم مولى لهمدان ، عن زيد بن أبي زائد ، عن عبد الله بن مسعود
قال: قال رسول الله عَ له لأصحابه: (( لا يبلغني أحد عن أحد شيئا، فإني
أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر)). قال. وأتى رسول الله عَ لّه مال
فقسمه ، قال : فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه : والله ما أراد محمد
بقسمته وجه الله ولا الدار الآخرة ، فثبت حتى سمعت ما قالا ، ثم أتيت رسول
الله فقلت : يا رسول الله .. إنك قلت لنا لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي
شيئا وإني مررت بفلان وفلان وهما يقولان كذا وكذا . فاحمر وجه رسول الله
عَ ضّ وشق عليه، ثم قال: ((دعنا منك فقد أوذي موسى أكثر من ذلك
فصبر))(١٠) .
وهكذا رواه أبو داود والترمذي من حديث إسرائيل عن الوليد بن أبي هاشم
به . وفى رواية للترمذي ولأبي داود من طريق ابن عبد عن إسرائيل عن السدى
عنّ الوليد به . وقال الترمذي : غريب من هذا الوجه .
وقد ثبت في الصحيحين في أحاديث الإسراء: أن رسول الله عَّ له مر بموسى
وهو قائم يصلي في قبره ، ورواه مسلم عن أنس (١١).
وفي الصحيحين من رواية قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة(١٢) عن
(٩) أخرجه البخاري فى صحيحه، كتاب الأنبياء ، باب رقم ٢٨ . ومسلم فى صحيحه ، كتاب الزكاة ،
باب رقم ١٤٠، ١٤١.
(١٠) أخرجه أحمد فى مسنده ١ / ٣٩٦. وأبو داود فى كتاب الأدب ، باب رفع الحديث من المجلس.
والترمذي فى كتاب المناقب، باب فضل أزواج النبي عد ◌ّةٍ.
(١١) أخرجه مسلم فى صحيحه ، كتاب الفضائل ، باب من فضائل موسى عليه السلام.
(١٢) مالك بن صعصعة الأنصارى الخزرجى المازنى. [أسد الغابة ٥ / ٢٧ ] .
٥٢٠