النص المفهرس
صفحات 481-500
لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكن كما هلكت الزجاجتان فى يديك ! قال : وأنزل الله على رسوله آية الكرسى . وقال ابن جرير : حدثنا إسحاق بن أبى إسرائيل ، حدثنا هشام بن يوسف ، عن أمية بن شبل ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن أبى هريرة قال : سمعت رسول الله عَ لّم يحكى عن موسى عليه السلام على المنبر قال: ((وقع فى نفس موسى عليه السلام هل ينام الله عز وجل ؟ فأرسل الله إليه ملكاً فأرقه ثلاثاً ، ثم أعطاه قارورتين فى كل يد قارورة ، وأمره أن يحتفظ بهما . قال : فجعل ينام وكادت يداه تلتقيان ، فيستيقظ فيحبس إحداهما على الأخرى ، حتى نام نومه فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان ، قال : ضرب الله له مثلًا : أن لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض)) (٣٣). وهذا حديث غريب رفعه ، والأشبه أن يكون موقوفاً ، وأن يكون أصله إسرائيلياً . وقال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ أُخِذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذواْ مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فَيْهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَيْتُم مِّن بِعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾(٣٤) وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣٥). قال ابن عباس وغير واحد من السلف : لما جاءهم موسى بالألواح فيها التوراة أمرهم بقبولها والأخذ بها بقوة وعزم . فقالوا : انشرها علينا فإن كانت أوامرها ونواهيها سهلة قبلناها . فقال : بل اقبلوها بما فيها ، فراجعوه مراراً ، فأمر (٣٣) ذكره ابن جرير فى تفسيره . تفسير سورة البقرة ٣ / ٨. (٣٤) البقرة الآيتان : ٦٣ - ٦٤ . (٣٥) الأعراف الآية : ١٧١ . ٤٨١ الله الملائكة فرفعوا الجبل على رءوسهم حتى صار كأنه ظلة - أى غمامة ــ على رءوسهم ، وقيل لهم إن لم تقبلوها بما فيها وإلّا سقط هذا الجبل عليكم فقبلوا ذلك وأمروا بالسجود فسجدوا ، فجعلوا ينظرون إلى الجبل بشق وجوههم ، فصارت سنة لليهود إلى اليوم ، يقولون : لا سجدة أعظم من سجدة رفعت عنا العذاب . وقال سنيد بن داود عن حجاج بن محمد ، عن أبى بكر بن عبد الله قال : فلما نشرها لم يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر ولا حجر إلّا اهتز ، ليس على وجه الأرض يهودى صغير ولا كبير تقرأ عليه التوراة إلّا اهتز ونفض لها رأسه . قال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أى ثم بعد مشاهدة هذا الميثاق العظيم والأمر الجسيم نكثتم عهودكم ومواثيقكم ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بأن تدارككم بالإِرسال إليكم وإنزال الكتب عليكم. ﴿لَكُنتُم مِّن الخاسِرِینَ ٤٨٢ [ الفصل الثامن ] قصة بقرة بني إسرائيل قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَنْتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أُكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا اذْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمِرُونَ : قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لََّا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَةَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللهُ لَّمُهْتَدُونَ. قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ ثِيرُ الأَرْضَ وَلَا تَسْقِى الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لََّشِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴿ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذِّلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْنَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾(١). قال ابن عباس وعبيدة السلماني وأبو العالية ومجاهد والسدي ، وغير واحد من السلف : كان رجل في بني إسرائيل كثير المال ، وكان شيخا كبيرا ، وله بنو أخ ، وكانوا يتمنون موته ليرثوه ، فعمد أحدهم فقتله في الليل وطرحه في مجمع الطرق ، ويقال على باب رجل منهم . فلما أصبح الناس اختصموا فيه ، وجاء ابن أخيه فجعل يصرخ ويتظلم ، فقالوا : ما لكم تختصمون ولا تأتون نبي الله ؟ فجاء ابن أخيه فشكا أمر عمه إلى رسول الله موسى عَ لمه. فقال موسى عليه السلام: ((أنشد الله رجلا عنده علم من أمر هذا القتيل إلا أعلمنا به )) فلم يكن عند أحد منهم علم منه ، وسألوه أن يسأل في هذه القضية ربه عزّ وجل . (١) البقرة : ٦٧ - ٧٣ . ٤٨٣ فسأل ربه عز وجل في ذلك ، فأمره الله أن يأمرهم بذبح بقرة . فقال : إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَنْتَّخِذُنَا هُزُواً ﴾ يعنون نحن نسألك عن أمر هذا القتيل، وأنت تقول لنا هذا؟ ﴿ قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي أعوذ بالله أن أقول عنه غير ما أوحي إِلّ، وهذا هو الذي أجابني حين سألته عما سألتموني أن أسأله فيه . قال ابن عباس وعبيدة ومجاهد وعكرمة والسدي وأبو العالية وغير واحد : فلو أنهم عمدوا إلى أي بقرة فذبحوها لحصل المقصود منها ، ولكن شددوا فشُدد عليهم (٢). وقد ورد فيه حديث مرفوع ، وفي إسناده ضعف . فسألوا عن صفتها ، ثم عن لونها ، ثم عن سنها ، فأجيبوا بما عز وجوده عليهم . وقد ذكرنا تفسير ذلك كله في التفسير . والمقصود أنهم أمروا بذبح بقرة عوان ، وهي الوسط بين الفارض وهي الكبيرة ، والبكر وهي الصغيرة . قاله ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والحسن وقتادة وجماعة . ثم شددوا وضيقوا على أنفسهم فسألوا عن لونها ، فأمروا بصفراء فاقع لونها ، أي مشرب بحمرة ، تسر الناظرين ، وهذا اللون عزيز . ثم شددوا أيضا ﴿قَالُوا اذْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لََّا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ ﴾ . ففي الحديث المرفوع الذي رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه: ((لولا أن بني إسرائيل استثنوا لما أعطوا)) وفي صحته نظر .. والله أعلم . ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ ثُثِيرُ الأَرْضَ وَلَا تَسْقِى الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّشِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَّ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ وهذه الصفات أضيق مما تقدم ، حيث أمروا بذبح بقرة ليست بالذلول ، وهي المذللة بالحراثة وسقي الأرض بالساقية ، مسلمة ، وهي الصحيحة التي لا عيب فيها ، قاله أبو العالية وقتادة . وقوله : ﴿لَاشِيَةَ فِيهَا ﴾ أي ليس فيها لون يخالف لونها ، (٢) تفسير القرطبي جـ ١ / ٢٦٧. ٤٨٤ 3 بل هي مسلمة من العيوب ، ومن مخالطة سائر الألوان غير لونها . فلما حددها بهذه الصفات، وحصرها بهذه النعوت والأوصاف ﴿قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ﴾ . ويقال إنهم لم يجدوا هذه البقرة بهذه الصفة إلا عند رجل منهم كان بارا بأبيه ، فطلبوها منه فأبى عليهم ، فأرغبوه في ثمنها حتى أعطوه ، فيما ذكر السدي ، بوزنها ذهبا فأبى عليهم ، حتى أعطوه بوزنها عشر مرات ، فباعها لهم . فأمرهم نبي الله بذبحها ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ أي وهم يترددون في أمرها . ثم أمرهم عن الله أن يضربوا ذلك القتيل ببعضها قيل بلحم فخذها ، وقيل بالعظم الذي يلي الغضروف وقيل بالبضعة التي بين الكتفين ، فلما ضربوه ببعضها أحياه الله تعالى ، فقام وهو يشخب أوداجه ، فسأله نبي الله موسى : من قتلك؟ قال: قتلني ابن أخي. ثم عاد ميتا كما كان (٣). قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِىِ اللهُ الْمَوْنِى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ أي کما شاهدتم إحياء هذا القتيل عن أمر الله له ، كذلك أمره في سائر الموتى، إذا شاء إحياءهم أحياهم في ساعة واحدة كما قال: ﴿ مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ (٤) . . (٣) تفسير الطبري جـ ١ / ٢٨٥. (٤) لقمان : ٢٨ . ٤٨٥ [ الفصل التاسع] قصة موسى والخضر عليهما السلام قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِئَا هَذَا نَصَباً * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أُوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أُذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً ﴾ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَّدًا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً « فَوَجَدَا عَبْدَاً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً :* قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أُتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ﴾ قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللهُ صَابِراً وَلَا أُعْصِي لَكَ أَمْراً * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرَاً * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَفَهَا قَالَ أُخْرَقْتَهَا لِتُعْرِقَ أُهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ». قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِيٍ عُسْراً ، فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً تُكْراً * قَالَ أُلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنِ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَعْتَ مِن لَُّنِّي عُذْراً،». فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبُوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَخَذْتَ عَلَيْهِ أُجْراً ﴾ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعِ عَلَيْهِ صَبْراً " أُمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً * وَأُمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبُوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً .. فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً * وَأُمَّا الْجِدَارُ فَكَان لِغُلَامَيْنِ يِمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشْدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِ جَا كَنزَهُمَا ٤٨٦ رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أُغْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَلَيْهِ صَبْراً﴾ (١) . قال بعض أهل الكتاب : إن موسى هذا الذي رحل إلى الخضر هو موسى بن منسا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ، وتابعهم على ذلك بعض من يأخذ من صحفهم وينقل عن كتبهم ، منهم نوف بن فضالة الجميري الشامي البكالي . ويقال إنه دمشقي ، وكانت أمه زوجة كعب الأحبار . والصحيح الذي دل عليه سياق القرآن ونص الحديث الصحيح الضريح المتفق عليه : أنه موسى بن عمران صاحب بني إسرائيل . قال البخاري : حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا عمرو بن دينار ، قال : أخبرني سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو صاحب بني إسرائيل ، فقال ابن عباس : كذب عدو الله. حدثنا أبيّ بن كعب أنه سمع رسول الله عَّ له يقول: ((إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل : أي الناس أعلم ؟ فقال: أنا . فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه ، فأوحى الله إليه : إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك . قال موسى : يا رب .. فکیف لي به ؟ قال : تأخذ معك حوتا فتجعله في مکتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثَمَّ ، فأخذ حوتا فجعله في مكتل ، ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون ، حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما ، واضطرب الحوت في المكتل ، فخرج منه فسقط في البحر ، واتخذ سبيله في البحر سربا ، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء ، فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت ، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما . حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَّقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِئًا هَذَا نَصَباً﴾ قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به ، فقال له فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّحْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَالْخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾ قال : فكان للحوت (١) الكهف : ٦٠ - ٨٢ . ٤٨٧ سربا ، ولموسى ولفتاه عجبا فقال له موسى: ﴿ ذَلِكَ مَا كُنَّا تَبْغِ فَارْتَذَا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصّا قال : فرجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة ، فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى، فقال الخضر : وأنى بأرضك السلام ؟ قال : أنا موسى . قال : موسى بني إسرائيل ؟ قال : نعم ، أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه أنت ، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه . فقال موسى : ﴿ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللهُ صَابِراً وَلَا أُعْصِي لَكَ أُمْراً﴾ . فقال له الخضر: ﴿ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنِ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ .ذِكْراً ﴾ فَانطَلَقًا﴾ يمشيان على ساحل البحر ، فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم ، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول (٢) فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم ، فقال له موسى : قوم حملونا بغير نول ، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها ﴿لِتُعْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنِ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ﴾ . قال: وقال رسول الله عَّ له: فكانت الأولى من موسى نسيانا . قال : وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة ، فقال له الخضر : ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من هذا البحر ! . ثم خرجا من السفينة ، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان ، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله ، فقال له موسى : أُقْتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرٍ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً ثُكْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلِ لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ قال: وهذه أشد من الأولى ﴿ قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَعْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً ﴾ . فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبُوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا (٢) أي بغير أجر . ٤٨٨ فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ﴾ قال: مائل. فقام الخضر ﴿فَقَامَةُ بيده، فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْئِكَ سَأَنْتُكَ ... ) إلى قوله: ﴿ ... ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعٍ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ (٣). فقال رسول الله عَّم: ((وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما )). قال سعيد بن جبير : فكان ابن عباس يقرأ : « وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا » وكان يقرأ : « وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين » (٤) . ثم رواه البخاري أيضا عن قتيبة عن سفيان بن عيينة بإسناده نحوه . وفيه : (( فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون ومعهما الحوث حتى انتهيا إلى الصخرة فنزلا عندها ، قال : فوضع موسى رأسه فتأم)). قال سفيان : وفي حديث غير عمرو قال : وفي أصل الصخرة عين يقال لها الحياة ، لا يصيب من مائها شيء إلا حيي ، فأصاب الحوت من ماء تلك العين ، قال : فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر ، فلما استيقظ قال موسى لفتاه : آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا ... ﴾ الآية . وساق الحديث . وقال : ووقع عصفور على حرف السفينة فغمس منقاره في البحر ، فقال الخضر لموسى : ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره .. وذكر تمام الحديث . وقال البخاري (٥) : حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا هشام بن يوسف : أن ابن جريج أخبرهم ، قال : أخبرني يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار ، عن سعيد بن جبير قال : إنا لعند ابن عباس في بيته إذا قال : سلوني ، فقلت : أي أبا عباس (٣) الكهف : ٨٢ . (٤) أخرجه البخاري في كتاب التفسير ، تفسير سورة الكهف (٥) صحيح البخاري - تفسير سورة الكهف . ٤٨٩ - جعلني الله فداك - بالكوفة رجل قاص يقال له نوف ، يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل . أما عمرو فقال لي ، قال : قد كذب عدو الله . وأما يعلى فقال ـرة لي : قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله مَ له : موسى رسول الله . قال : ذكّر الناس يوما حتى إذا فاضت العيون ، ورقت القلوب ولَّى، فأدركه رجل فقال : أي رسول الله ! هل في الأرض أحد أعلم منك ؟ قال : لا . فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله ، قيل : بلى . قال : أي رب فأين ؟ قال : بمجمع البحرين ، قال : أي رب اجعل لي علما أعلم ذلك به . قال لي عمرو : قال : حيث يفارقك الحوت ، وقال لي يعلى : قال : خذ نونا ميتا حيث ينفخ فيه الروح . فأخذ حوتا فجعله في مكتل ، فقال لفتاه : لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقكِ الحوت ، قال : ما كلفت كثيرا ، فذلك قوله جل ذكره : ﴿ وإذا قال مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ يوشع بن نون ، ليست عن سعيد بن جبير ، قال بينما هو في ظل صخرة في مكان ثريان(٦) إذا تضرب (٧) الحوت وموسى نائم ، فقال فتاه لا أوقظه ، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره ، وتضرب الحوت حتى دخل البحر فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كأن أثره في حجر ، قال لي عمرو : هكذا ، كأن أثره في حجر وحلق بين إبهاميه واللتين تلیانهما . لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً﴾ قال : قد قطع الله عنك النصب ليست هذه عن سعيد . أخبره فرجعا فوجدا خضرا - قال لي عثمان بن أبي سليمان - عن طنفسة خضراء على كبد البحر ، قال سعيد بن جبير مسجى بثوبه ، قد جعل طرفه تحت رجليه ، وطرفه تحت رأسه ، فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه ، وقال : هل بأرضي من سلام ؟ من أنت ؟ فقال : أنا موسى . قال : موسى بني إسرائيل ؟ قال : نعم . قال : فما شأنك ؟ قال : جئتك لتعلمنى مما علمت رشدا ، قال : أما يكفيك أن التوراة بيديك ، وأن الوحي يأتيك ؟ يا موسى .. إن لي علما لا ينبغي لك أن تعلمه ، وإن لك علما لا ينبغي لي أن أعلمه ، فأخذ طائر (٦) أي الأرض الندية . (٧) أي تحرك . ٤٩٠ بمنقاره من البحر ، فقال : والله ما علمي وعلمك في جنب علم اللّه كما اخد هدا الطائر بمنقاره من البحر . حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِيَةِ﴾ وجد معابر صغارا تحمل أهل هذا الساحل. إلى أهل هذا الساحل الآخر ، عرفوه فقالوا : عبد الله الصالح . قال : فقلنا لسعيد : خضر؟ قال: نعم. لا نحمله بأجر، فخرقها ووتد فيها وتدا ﴿ قَالَ﴾ موسى: ﴿ أَخَرَقْتُهَا لِتُعْرِقَ أُهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيئاً إِمْرأْ﴾ قال مجاهد: منكرا . قَالَ أَلَّمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ كانت الأولى نسيانا . والوسطى شرطا ، والثالثة عمدا ﴿ قَالَ لَّا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً . فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ ﴾ قال يعلى قال سعيد : وجد غلمانا يلعبون فأخذ غلاما كافرا ظريفا فأضجعه ، ثم ذبحه بالسكين ﴿ قَالَ أُقْتُلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرٍ نَفْسٍ﴾ لم تعمل بالخبث . وكان ابن عباس قرأها : زكية زاكية مسلمة . كقولك : غلاما زكيا . فانطلقا ﴿ فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ﴾ (٨) قال سعيد بيده هكذا ، ورفع يده فاستقام . قال يعلى : حسبت أن سعيدا قال : فمسحه بيده فاستقام: ﴿ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أُجْراً ﴾ قال سعيد : أجرا نأكله . ﴿ وَكَانَ وَرَاءَهُمْ﴾ كان أمامهم قرأها ابن عباس : أمامهم ملك يزعمون عن غير سعيد أنه « هدد بن بدد » والغلام المقتول اسمه يزعمون « جيسور » مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِيئَةٍ غَصْباً ﴾ فأردت إِذا هي مرّت به أن يدعها لعيبها ، فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها . ومنهم من يقول : سدوها بقاروة ، ومنهم من يقول بالقار . فَكَانَ أَبُوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ (٩) وكان كافرا ﴿ فَخَشِيْنَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ أي يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه ﴿ فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً﴾ لقوله: ﴿ أُقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً﴾، ﴿ وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ هما به أرحم منهما بالأول الذي قتل الخضر . (٨) الكهف : ٧٧ بلفظ ﴿ فَوَجَدُوا فِيهَا جِدَاراً ... ﴾ (٩) الكهف: ٨٠ بلفظ ﴿ فَكَانَ ... ٤٩١ وزعم غير سعيد بن جبير أنهما أبدلا جارية ، وأما داود بن أبي عاصم فقال غير واحد : إنها جارية . وقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : خطب موسى بني إسرائيل ، فقال : ما أحد أعلم بالله وبأمره مني ، فأمر أن يلقي هذا الرجل ، فذكر نحو ما تقدم . وهكذا رواه محمد بن إسحاق عن الحسن بن عمارة ، عن الحكم بن عيينة ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب، عن رسول الله عد اله كنحو ما تقدم أيضا . ورواه العوفي عنه موقوفا . وقال الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس : أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى ، فقال ابن عباس : هو خضر فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس ، فقال : إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه ، فهل سمعت من رسول الله فيه شيئا ؟ قال : نعم ، وذكر الحديث . وقد تقصينا طرق هذا الحديث وألفاظه في تفسير سورة الكهف ولله الحمد . وقوله : ﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِعُلَامَيْنِ يَتِيْمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ ﴾ قال السهيلي : وهما أصرم وصريم ابنا كاشح ﴿ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا ﴾ قيل كان ذهبا ، قاله عكرمة . وقيل علما ، قاله ابن عباس . والأشبه أنه كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه علم . قال البزار : حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، حدثنا بشر بن المنذر ، حدثنا الحارث بن عبد الله اليحصبي عن عياش بن عباس الغساني عن ابن حجيرة ، عن أبي ذر رفعه قال: (( إن الكنز الذي ذكره الله في كتابه لوح من الذهب مصمت مكتوب فيه : عجبت لمن أيقن بالقدر كيف نصب ؟ وعجبت لمن ذكر النار لِمَ ضحك؟ وعجبت لمن ذكر الموت كيف غفل؟ لا إله إلا الله محمد رسول الله )). وهكذا روي عن الحسن البصري وعمر مولى غفرة وجعفر الصادق (١٠) نحو (١٠) هو الإِمام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين الهاشمى العلوى، تُوفى سنة ١٤٨ هـ . [ شذرات الذهب ١ / ٢٢٠ ]. ٤٩٢ هذا . وقوله : ﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ ، قيل إنه كان الأب السابع وقيل العاشر ، وعلى كل تقدير : فيه دلالة على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته .. والله المستعان . وقوله: ﴿رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّكَ ﴾ دليل على أنه كان نبيا ، وأنه ما فعل شيئا من تلقاء نفسه بل بأمر ربه فهو نبي ، وقيل رسول ، وقيل ولي ، وأغرب من هذا من قال إنه كان ملكا . قلت وقد أغرب جدا من قال هو ابن فرعون ، وقيل إنه ابن ضحاك الذي ملك الدنيا ألف سنة . قال ابن جرير : والذي عليه جمهور أهل الكتاب أنه كان في زمن « أفريدون » ، ويقال إنه كان على مقدمة ذي القرنين ، الذي قيل إنه كان أفريدون ، وذو الفرس هو الذي كان في زمن الخليل ، وزعموا أنه شرب من ماء الحياة فخلد وهو باق إلى الآن(١١). وقيل إنه من ولد بعض من آمن بإبراهيم ، وهاجر معه من أرض بابل . وقيل اسمه « ملكان » وقيل « أرميا بن حلقيا » ، وقيل كان نبيا في زمن سباسب بن بهراسب . قال ابن جرير : وقد كان بين أفريدون وبين سباسب دهور طويلة لا يجهلها . أحد من أهل العلم بالأنساب ، قال ابن جرير : والصحيح أنه كان في زمن أفريدون ، واستمر حيا إلى أن أدركه موسى عليه السلام . وكانت نبوة موسى في زمن « منوشهر » الذي هو من ولد أبرج بن أفريدون أحد ملوك الفرس ، وكان إليه الملك بعد جده أفريدون لعهده وكان عادلا . وهو أول من خندق الخنادق ، وأول من جعل في كل قرية دهقانا(١٢)، وكانت مدة ملكه قريبا من مائة وخمسين سنة . ويقال إنه كان من سلالة إسحاق بن إبراهيم . وقد ذكر عنه من الخطب الحسان والكلم البليغ النافع الفصيح ما يبهر (١١) تاريخ الطبري جـ ١ / ٢٥٦. (١٢) الدهقان: رئيس القرية أو الإقليم، والجمع دهاقنة ودهاقين. ٠ ٤٩٣ العقل ، ويحير السامع ، وهذا يدل على أنه من سلالة الخليل .. والله أعلم (١٣). وقد قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ أُخَذَ اللهُ مِيثَاقَ التَِّينَ لَمَا آتَيْئُكُم مِّنِ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَنْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَقْرَرَثُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١٤). فأخذ الله ميثاق كل نبي على أن يؤمن بمن يجيء بعده من الأنبياء وينصره واستلزم ذلك الإِيمان وأخذ الميثاق لمحمد عَّ له لأنه خاتم الأنبياء فحق على كل نبي أدركه أن يؤمن به وينصره فلو كان الخضر حيا في زمانه ، لما وسعه إلا اتباعه والاجتماع به والقيام بنصره ، ولكان من جملة من تحت لوائه يوم بدر ، كما كان تحتها جبريل وسادات من الملائكة . وقصارى الخضر عليه السلام أن يكون نبيا ، وهو الحق ، أو رسولا كما قيل ، أو ملكا فيما ذكر . وأيا ما كان فجبريل رئيس الملائكة ، وموسى أشرف من الخضر ، ولو كان حيا لوجب عليه الإِيمان بمحمد ونصرته ، فكيف إن كان الخضر وليا كما يقوله طوائف كثيرون ؟ فأولى أن يدخل في عموم البعثة وأحرى . ولم ينقل في حديث حسن بل ولا ضعيف يعتمد أنه جاء يوما واحدا إلى رسول الله ◌َّله ، ولا اجتمع به وما ذكر من حديث التعزية فيه، وإن كان الحاكم قد رواه ، فإسناده ضعيف .. والله أعلم . وسنفرد لخضر ترجمة على حدة بعد هذا . (١٣) تاريخ الطبري جـ ١ / ٢٥٦ . (١٤) آل عمران : ٨١. ٤٩٤ [ الفصل العاشر ] ذكر الحديث الملقب بحديث الفتون المتضمن قصة موسى مبسوطة من أولها إلى آخرها قال الإِمام أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب التفسير من سننه ، عند قوله تعالى في سورة طه: ﴿ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَتَجَّيْنَاكَ مِنَ الْعَمِّ وَفَتَنَّاكَ قُوناً﴾ (١): (( حديث الفتون )) . حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا أصبغ بن زيد ، حدثنا القاسم بن أبي أيوب ، أخبرني سعيد بن جبير قال : سألت عبد الله بن عباس عن قول الله تعالى لموسى: ﴿ وَقَتَتَّاكَ فُوناً﴾ فسألته عن الفتون ما هي ؟ فقال : استأنف النهار يابن جبير ، فإن لها حديثا طويلا . فلما أصبحت غدوت إلى ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون ، فقال : تذكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم عليه السلام أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا ، فقال بعضهم : إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك ما يشكون فيه ، وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب ، فلما هلك قالوا ليس هكذا كان وعد إبراهيم ، فقال فرعون : فكيف ترون ؟ فأتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار ، يطوفون في بني إسرائيل ، فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه ففعلوا ذلك . فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم ، والصغار يذبحون قالوا : توشكون أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال (١) طه : ٤٠ . ٤٩٥ والخدمة التي كانوا يكفونكم ، فاقتلوا عاما كل مولود ذكر واتركوا بناتهم ، ودعوا عاما فلا تقتلوا منهم أحدا ، فیشب الصغار مکان من يموت من الكبار ، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم ، فتخافوا مكاثرتهم إياكم ، ولن يفنوا بمن تقتلون وتحتاجون إليهم . فأجمعوا أمرهم على ذلك ، فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يقتل فيه الغلمان فولدته علانية آمنة . فلما كان من قابل حملت بموسى عليه السلام . فوقع في قلبها الهم والحزن ، وذلك من الفتون ، يابن جبير .. ما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به . فأوحى الله إليها: أن ﴿لَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢) فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت وتلقيه في اليم . فلما ولدت فعلت ذلك ، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان ، فقالت في نفسها : ما فعلت بابني ؟ لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إليّ من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه ؟ . فانتهى الماء به حتى أوفى عند فرضة (٣) تستقي منها جواري امرأة فرعون ، فلما رأينه أخذنه ، فهممن أن يفتحن التابوت ، فقالت بعضهن : إن في هذا مالا ، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه ، فحملنه كهيئته لم يخرجن منه شيئا حتى دفعنه إليها . فلما فتحته رأت فيه غلاما ، فألقى الله علیه منها محبة لم يلق منها على أحد قط ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً ﴾ (٤) من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه . وذلك من الفتون يابن جبير ! . فقالت لهم : أقروه فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل ، حتى آتى فرعون فأستوهبه منه ، فإن وهبه مني كنتم قد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمر بذبحه لم (٢) القصص : ٧ بلفظ ﴿ وَلَا تَخَافِي .. ﴾. (٣) أي الثغرة التي يستقي منها في النهر . (٤) القصص : ١٠ . ٤٩٦ ألمكم . فأتت فرعون فقالت: ﴿قُرَّةُ عَيْنِ لِّي وَلَكَ ﴾(٥) فقال فرعون : يكون لك، فأما لي فلا حاجة لي فيه. فقال رسول الله عَ ليه: ((والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له ، كما أقرت امرأته لهداه الله كما هداها ، ولكن حرمه ذلك )) . فأرسلت إلى من حولها إلى كل امرأة لها لأن تختار له ظئرا ، فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها ، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت ، فأحزنها ذلك . فأمرت به فأخرج إلى السوق ومجمع الناس ترجو أن تجد له ظئرا تأخذه منها ، فلم يقبل . وأصبحت أم موسى ولهى ، فقالت لأخته : قصى أثره واطلبيه ، هل تسمعين له ذكرا ؟ أحي ابني أم قد أكلته الدواب ؟ ونسيت ما كان الله وعدها فيه . فَبَصْرَتْ بِهِ﴾ (٦) أخته ﴿ عَنِ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٦) والجنب : أن يسمو بصر الإِنسان إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به . فقالت من الفرح حين أعياهم الظئرات: أنا ﴿ أَدُلَّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾ (٧) فأخذوها فقالوا : ما يدريك ما نصحهم له ؟ هل تعرفينه ؟ حتى شكوا في ذلك ، وذلك من الفتون يابن جبير ! فقالت : نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في صهر الملك ورجاء منفعة الملك . فأرسلوها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر ، فجاءت أمه ، فلما وضعته في حجرها نزا(٨) إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا ، وانطلق البشير إلى امرأة فرعون يبشرها أن قد وجدنا لابنك ظهرا ، فأرسلت إليها فأتت بها وبه . فلما رأت ما يصنع بها قالت : امكثي ترضعي ابني هذا ، فإني لم أحب شيئا حبه قط ، قالت أم موسى : لا أستطيع أن أترك بيتي وولدي فيضيع ، فإن طابت نفسك أن تعطينيه ، فأذهب به إلى بيتي وولدي ، وذكرت أم موسى ما كان الله (٥) القصص : ٩ . (٦) القصص : ١١ . (٧) القصص : ١٢ بلفظ ﴿ هَلَ أُذُلُكُمْ ... ﴾ (٨) أي وثب . ٤٩٧ وعدها ، فتعاسرت على امرأة فرعون ، وأيقنت أن الله منجز موعوده ، فرجعت إلى بيتها من يومها ، وأنبته الله نباتا حسنا ، وحفظه لما قد قضى فيه . فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ، ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم . فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى : أزيريني ابني ، فوعدتها يوما تزيرها إياه فيه ، وقالت امرأة فرعون لخزانها وظئورها وقهارمتها : لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة ، لأرى ذلك فيه وأنا باعثة أمينا يحصى كل ما يصنع كل إنسان منكم ، فلم تزل الهدايا والكرامة والنحل تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون . فلما دخل عليها نحلته وأكرمته وفرحت به ، وأنحلت أمه لحسن أثرها عليه . ثم قالت : لآتين به فرعون فلينحلنه وليكرمنه . فلما دخلت به عليه جعله في حجره ، فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض ، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون : ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه ؟ إنه زعم أنه يرثك ويعلوك ويصرعك ! فأرسل إلي الذباحين ليذبحوه ، وذلك من الفتون يابن جبير بعد كل بلاء ابتلى به وأريد به . فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون ، فقالت : ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي ؟ فقال : ألا ترينه يزعم أن يصرعني ويعلوني ؟ فقالت : اجعل بيني وبينك أمرا تعرف فيه الحق ، ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقربهن إليه ! فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل ، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين ، علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل . فقرب إليه الجمرتين واللؤلؤتين فتناول الجمرتين ، فانتزعهما منه مخافة أن تحرقا يده ، فقالت المرأة : ألا ترى ؟ فصرفه الله عنه بعد ما كان هم به ، وكان الله بالغافيه أمره . فلما بلغ أشده وكان من الرجال، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة ، حتى امتنعوا كل الامتناع . فبينما موسى عليه السلام يمشي في ناحية المدينة ، إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما فرعوني والآخر إسرائيلي ، فاستغاثه الإِسرائيلي على الفرعوني ، فغضب موسى غضبا شديدا ، لأنه ٤٩٨ تناوله وهو يعلم منزلته من بني إسرائيل ، وحفظه لهم لا يعلم الناس إلا أنه من الرضاع إلا أم موسى ، إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره . فوكز موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله عزّ وجل والإِسرائيلي، فقال موسى حين قتل الرجل: ﴿ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌ مُبِينٌ ﴾ (٩) ثم قال: ﴿ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِيٍ فَاغْفِرْ لِي فَعْفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أُكُونَ ظَهِيراً للْمُجْرِمِينَ % فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ (١٠) الأخبارِ . فأتى فرعون فقيل له : إن بني إسرائيل قتلوا رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم ، فقال : ابغوني قاتله ومن يشهد عليه ، فإن الملك وإن كان . صفوة من قومه ، لا ينبغي له أن يقتل بغير بينة ولا ثبت ، فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقكم . فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة ، إذا بموسى من الغد قد رأى ذلك الإِسرائيلي يقاتل رجلا من آل فرعون آخر ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، فصادف موسى وقد ندم على ما كان منه وكره الذي رأى ، فغضب الإِسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني ، فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم: ﴿ إِنَّك لَغَوِىٌّ تُبِينٌ﴾(١١)، فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له ما قال ، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني ، فخاف أن يكون بعد ما قاله له : ﴿ إِنَّكَ لَغْوِيٌّ مُبِيْنٌ﴾ أن يكون إياه أراد ولم يكن أراده، إنما أراد الفرعوني ، فخاف الإِسرائيلي وقال : ﴿يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأُمْسِ﴾ (١٢) ؟ وإنما قال له مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله فتتاركا . وانطلق الفرعوني فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول : أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأُمْسِ ﴾ فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا (٩) القصص : ١٥ . (١٠) القصص: ١٦ - ١٨. (١١) القصص : ١٨. (١٢) القصص : ١٩ . ٤٩٩ موسى ، فأخذ رسل فرعون فى الطريق الأعظم يمشون على هينتهم ، يطلبون موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم ، فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة ، فاختصر طريقا حتى سبقهم إلى موسى فأخبره . وذلك من الفتون يابن جبير (١٣) . فخرج موسى متوجها نحو مدين لم يلق بلاء قبل ذلك وليسٍ له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه عزّ وجل، فإنه قال: ﴿عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَِّيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأْتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ (١٤) يعني بذلك حابستين غنمهما، فقال لهما ﴿ مَا خَطْبُكُمَا﴾ (١٤) معتزلتين الناس . قالتا : ليس لنا قوة نزاحم القوم وإنما ننتظر فضول حياضهم . فسقى لهما فجعل يغترف من الدلو ماء كثيرا حتى كان أول الرعاء وانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما ، وانصرف موسى فاستظل بشجرة ، وقال : ﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (١٥). واستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلا بطانا (١٦) فقال: إن لكما اليوم لشأنا ، فأخبرتاه بما صنع موسى ، فأمر إحداهما أن تدعوه ، فأتت موسى فدعته . فلما كلَّمه ﴿ قَالَ لَا تَحْفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾(١٧) ليس الفرعون ولا لقومه علينا من سلطان ولسنا في مملكته ، فقالت إحداهما : ﴿ يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ (١٨) فاحتملته الغيرة على أن قال لها : ما يدريكِ ما قوته وما أمانته ؟ فقالت : أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا لم أر رجلا قط أقوى في ذلك السقي منه ، وأما الأمانة فإنه نظر إليّ حين أقبلت إليه وشخصت له ، فلما علم أني امرأة صوب رأسه فلم يرفعه حتى بلغته رسالتك . ثم قال لي : امشي خلفي وانعتي لي الطريق ، فلم (١٣) القصة بطولها في تفسير الطبري جـ ١٦ / ١٢٥ - ١٢٧. (١٤) القصص: ٢٢، ٢٣. (١٥) القصص : ٢٤. (١٦) الحفل : المتلئة الضروع باللبن ، والبطان : الشباع . (١٧) القصص : ٢٥ . (١٨) القصص : ٢٦ . ٥٠٠