النص المفهرس
صفحات 461-480
الَّذِى هُوَ أَذْنَى بِالَّذِى هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾ أى هذا الذى تطلبونه وتريدونه بدل هذه النعم التى أنتم فيها حاصل لأهل الأمصار الصغار والكبار موجود بها ، وإذا هبطتم إليها ، أى ونزلتم عن هذه المرتبة التى لا تصلحون لمنصبها - تجدون بها ما تشتهون وما ترومون بما ذكرتم من المآكل الدنية والأغذية الردية ، ولكنى لست أجيبكم إلى سؤال ذلك ها هنا ، ولا أبلغكم ما تعنتم به من المنى . وكل هذه الصفات المذكورة عنهم الصادرة منهم ، تدل على أنهم لم ينتهوا عما نهوا عنه ، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمُ غَضَبِى وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىَ ﴾ أى فقد هلك وحق له والله الهلاك والدمار ، وقد حل عليه غضب الملك الجبار . ولكنه تعالى مزج هذا الوعيد الشديد بالرجاء لمن أناب وتاب ولم يستمر على متابعة الشيطان المريد ، فقال: ﴿ وَإِنَّى لَغَفَّارٌ لَّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدیَ ٤٦١ [ الفصل السادس ] سؤال الرؤية قال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَثْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأُخِهِ هَارُونَ احْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ * وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أُرِنِى أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِى وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ ذَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تَبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ * قَالَ يَا مُوسَى إِنَّى اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسَ بِرِسَالَاتِى وَبِكَلَامِى فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنِ مِّنَ الشَّاكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لَّكُلِّ شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأُمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَلْجِسَتِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ، سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاَ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْاَ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيْلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُم كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِينَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾(١). قال جماعة من السلف منهم ابن عباس ومسروق ومجاهد : الثلاثون ليلة هى شهر ذى القعدة بكماله ، وأتمت أربعين ليلة بعشرة من ذى الحجة(٢). فعلى هذا يكون كلام الله له يوم عيد النحر ، وفى مثله أكمل الله عزّ وجل لمحمد عَّ دينه ، وأقام حجته وبراهينه . والمقصود أن موسى عليه السلام لما استكمل الميقات ، وكان فيه صائماً يقال (١) الأعراف الآيات : ١٤٢ - ١٤٧ . (٢) تفسير الطبرى جـ ٩ / ٣٢ - ٣٣. ٤٦٢ إنه لم يستطعم الطعام . فلما كمل الشهر أخذ لحاء شجرة فمضغه ليطيب ريح فمه ، فأمره الله أن يمسك عشراً أخرى ، فصارت أربعين ليلة . ولهذا ثبت فى الحديث: ((أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)). فلما عزم على الذهاب استخلف على شعب بنى إسرائيل أخاه هارون ، المحبب المبجل الجليل ، وهو ابن أمه وأبيه ، ووزيره فى الدعوة إلى مصطفيه ، فوصاه ، وأمره وليس فى هذا لعلو منزلته فى نبوته منافاة . قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ أى فى الوقت الذى أمر بالمجىء فيه ﴿وَكُلُّمَهُ رَبُّهُ﴾ أى كلمه الله من وراء حجاب، إلّا أنه أسمعه الخطاب ، فناداه وناجاه ، قربه وأدناه ، وهذا مقام رفيع ومعقل منيع ، ومنصب شريف ومنزل منيف ، فصلوات الله عليه تترى ، وسلامه عليه فى الدنيا والأخرى . ولما أعطى هذه المنزلة العلية والمرتبة السنية ، وسمع الخطاب ، سأل رفع الحجاب ، فقال للعظيم الذى لا تدركه الأبصار القوى البرهان: ﴿ رَبِّ أُرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِى﴾ ثم بين تعالى أنه لا يستطيع أن يثبت عند تجليه تبارك وتعالى ، لأن الجبل الذى هو أقوى وأكبر ذاتاً وأشد ثباتاً من الإِنسان ، لا يثبت عند التجلى من الرحمن ، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِن اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى ﴾. وفى الكتب المتقدمة : أن الله تعالى قال له : « ياموسى .. إنه لا يرانى حى إلّا مات ، ولا يابس إلّا تدهده))(٣) .. وفى الصحيحين عن أبى موسى عن رسول الله عَ م أنه قال: «حجابه النور - وفى رواية - النار - لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه))(٤) . (٣) أی تدحرج. (٤) أخرجه الإمام أحمد فى مسنده ٤ / ٤٠١، ٤٠٥ وابن ماجه فى مقدمة سنته ، باب فيما أنكرت الجهمية . ٤٦٣ %) وقال ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿لَا تُذْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾(٥) ذاك نوره الذى هو نوره ، إذا تجلى لشىء لا يقوم له شىء . ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلجَبَلِ جَعَلَهُ ذَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أُوَّلُ الْمُؤْمِيَنَ﴾. قال مجاهد : ﴿ وَلَكِن انظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِن اسْتَقَرَّ مَكَانهُ فَسَوْفَ تَرَانِى فإنه أكبر منك وأشد خلقاً، ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلِجَبَلِ﴾ فنظر إلى الجبل لا يتمالك وأقبل الجبل فدك على أوله ، ورأى موسى ما يصنع الجبل فخر صعقاً . وقد ذكرنا فى التفسير ما رواه الإمام أحمد والترمذى ، وصححه ابن جرير والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت ، زاد ابن جرير وليث عن أنس أن رسول الله عَ ◌ّهِ قرأ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلِجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً﴾ قال هكذا بإصبعه، ووضع النبى عَّ الإِبهام على المفصل الأعلى من الخنصر ، فساخ الجبل . (٦) لفظ ابن جرير وقال السدى عن عكرمة ، عن ابن عباس : ما تجلى - يعنى من العظمة - منه إلّا قدر الخنصر فجعل الجبل دكا، قال: تراباً: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾ أى مغشياً عليه . وقال قتادة: ميتاً . والصحيح الأول لقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ ﴾ فإِن . الإفاقة إنما تكون عن غشى ﴿قَالَ سُبْحَائَك﴾ تنزيه وتعظيم وإجلال أن يراه بعظمته أحد، ﴿ ثُّبْتُ إِلَيْكَ﴾ أى فلست أسأل بعد هذا الرؤية ﴿ وَأْنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنه لا يراك أحد حى إلّا مات ، ولا يابس إلّا تدهده . وقد ثبت فى الصحيحين من طريق عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبى حسن المازنى الأنصارى ، عن أبيه ، عن أبى سعيد الخدرى ، قال : قال رسول الله سَ الله: ((لا تخيرونى من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق ، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش ، فلا أدرى أفاق قبلى أم (٥) الأنعام الآية : ١٠٣ .. (٦) ذكره ابن جريرى فى تفسيره ، تفسير سورة الأعراف ٩ / ٥٣. ٤٦٤ جوزى بصعقة الطور)) ؟(٧) . لفظ البخارى . وفى أوله قصة اليهودى الذى لطم وجهه الأنصارى حين قال: لا والذى اصطفى موسى على البشر. فقال رسول الله: ((لا تخيرونى من بين الأنبياء))(٨). وفى الصحيحين من طريق الزهرى عن أبى سلمة وعبد الرحمن الأعرج ، عن أبى هريرة، عن النبى عَ لِ بنحوه. وفيه: ((لا تخيرونى على موسى)) وذكر تمامه . : وهذا من باب الهضم والتواضع ، أو نهى عن التفضيل بين الأنبياء على وجه الغضب والعصبية ، أو : ليس هذا إليكم بل الله هو الذى رفع بعضهم فوق بعض درجات ، وليس ينال هذا بمجرد الرأى ، بل بالتوقيف . ومن قال إن هذا قاله قبل أن يعلم أنه أفضل ، ثم نسخ باطلاعه على أفضليته عليهم كلهم ، ففى قوله نظر ، لأن هذا من رواية أبى سعيد وأبى هريرة ، وما هاجر أبو هريرة إلّا عام حنين متأخراً، فيبعد أنه لم يعلم بهذا إلّا بعد هذا .. والله أعلم . ولا شك أنه ، صلوات الله وسلامه عليه ، أفضل البشر بل الخليقة ، قال الله تعالى: ﴿ كُنتُمْ خَيَرِ أُمَّةٍ أُخْرِ جَتْ لِلنَّاسِ﴾(٩) وما كملوا إلّا بشرف نبيهم . وثبت بالتواتر عنه، صلوات الله وسلامه عليه، أنه قال: (( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر)) ثم ذكر اختصاصه بالمقام المحمود الذى يغبطه به الأولون والآخرون ، الذى تحيد عنه الأنبياء والمرسلون ، حتى أولو العزم الأكملون : نوح - وإبراهيم - وموسى - وعيسى ابن مريم(١٠). (٧) أخرجه البخارى فى صحيحه ، كتاب الخصومات ، باب ما يذكر فى الأشخاص والملازمة ، والخصومة بين المسلم واليهودى . وأخرجه مسلم فى صحيحه ، كتاب الفضائل باب من فضائل موسى عليه السلام . (٨) أخرجه البخارى فى الموضع المشار إليه . (٩) آل عمران الآية : ١١٠ . (١٠) أخرجه ابن ماجه فى كتاب الزهد ، باب ذكر الشفاعة . ٤٦٥ وقوله عٍَّ: ((فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشاً بقائمة العرش - (أى آخذاً بها - فلا أدرى أفاق أم جوزى بصعقة الطور)» دليل على أن هذا الصعق الذى يحصل للخلائق فى عرصات القيامة ، حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين عباده، فيصعقون من شدة الهيبة والعظمة والجلال، فيكون أولهم إفاقة محمد خاتم الأنبياء ، ومصطفى رب الأرض والسماء على سائر الأنبياء ، فيجد موسى باطشاً بقائمة العرش. قال الصادق المصدوق: (( فلا أدرى أصعق فأفاق قبلى))؟ أى وكانت صعقته خفيفة، لأنه قد ناله بهذا السبب فى الدنيا صعق ((أو جوزى بصعقة الطور ؟ (١١) يعنى فلم يصعق بالكلية . وهذا فيه شرف كبير لموسى عليه السلام من هذه الحيثية ، ولا يلزم تفضيله بها مطلقاً من كل وجه. ولهذا نبه رسول الله عَ لٍ على شرفه وفضيلته بهذه الصفة ، لأن المسلم لما ضرب وجه اليهودى حين قال : لا والذى اصطفى موسى على البشر ، قد يحصل فى نفوس المشاهدين لذلك هضم بجناب موسى عليه الصلاة والسلام، فبين النبى عَ لّه فضيلته وشرفه . وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّى اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِى وَبِكْلَامِى﴾ أى فى ذلك الزمان ، لا ما قبله ، لأن إبراهيم الخليل أفضل منه ، كما تقدم بيان ذلك فى قصة إبراهيم ، ولا مابعده ، لأن محمداً عَ لّم أفضل منهما ، كما ظهر شرفه ليلة الإسراء على جميع المرسلين والأنبياء، وكمأ ثبت أنه قال: ((سأقوم مقاماً يرغب إلىّ الخلق حتى إبراهيم)) (١٢). وقوله تعالى: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْئُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أى فخذ ما أعطيتك من الرسالة والكلام ، ولا تسأل زيادة عليه ، وكن من الشاكرين على ذلك . وقال تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِىِ الْأَلْوَاحِ من كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لَكُلِّ شَىْءٍ﴾ وكانت الألواح من جوهر نفيس ، ففى الصحيح : أن الله كتب له (١١) أخرجه البخارى فى كتاب التفسير ، تفسير سورة الأعراف . (١٢) أخرجه مسلم فى كتاب المسافرين ، باب بيان أن القرآن أنزل على سبعة أحرف . ٤٦٦ التوارة بيده ، وفيها مواعظ عن الآثام ، وتفصيل لكل ما يحتاجون إليه من الحلال والحرام . فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أى بعزم ونية صادقة قوية ﴿ وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بأحسَنِها﴾ أن يضعوها على أحسن وجوهها وأجمل محاملها ﴿ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ أى سترون عاقبة الخارجين عن طاعتى، والمخالفين لأمرى ، المكذبين لرسلی . سَأَصْرِفُ عنْ آيَاتِى﴾ أى عن فهمها وتدبرها، وتعقل معناها الذى أريد منها، ودل عليه مقتضاها ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنِواْ بِهَا﴾ ولو شاهدوا مهما شاهدوا من الخوارق والمعجزات ، لا ينقادون لاتباعها، ﴿ وَإِن يَرَوْا سِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ﴾ أى لا يسلكوه ولا يتبعوه ﴿وَإِن يَرَوْاْ سِيلَ الغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سِلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِأَيَاتِنَا ﴾ أى صرفناهم عن ذلك لتكذيبهم بآياتنا ، وتغافلهم عنها ، وإعراضهم عن التصديق بها والتفكير فى معناها، وترك العمل بمقتضاها. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَاءٍ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ٤٦٧ [ الفصل السابع ] قصة عبادتهم العجل فى غيبة كليم الله عنهم قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنِ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدَاً لَّهُ خَوَارٌ أَلَمْ يَرَوَأْ أَنَّهُ لايُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيِهِمْ سَبِيلًا الْخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ * وَلَمَّا سُقِطَ فِى أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلَّوْ قَالُّواْ لَئِنِ لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَّنَا لَكُوئِنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ* وَلَمَّ رَجَعَ مُوسَى إِلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِنِ بَعْدِى أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسٍ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِى وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِى الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْلِ وَلِأُخِي وَأُدْخِلْنَا فِى رَحَمَتِكَ وَأُنثَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * إِنَّ الَّذِينَ الْخُذُواْ الْعِجْلَ سَيَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَّلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ * وَالَّذِيَنِ عَمِلُواْ السََّاتِ ثُمَّ كَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إِنَّ رَبِّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَلَّمَّا سَكَتَ عَن ◌ُوسَى الْغَضَبُ أَخْذَ الْأَلْوَاحَ وَفَى تُسْخَتِهَا هُدىً وَرَحْمَةٌ لَلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾(١) . وقال تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنِ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُوْلَاءِ عَلَى أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى * قَالَ فَإِنَّا قَدْ قَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُم السَّامِرِىُّ * فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أُسِفاً قَالَ يَا قَوْمٍ أَلَمْ يَعِدُكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدَاً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أُمْ أَرَدَُّمْ أَن يَحِلّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى ، فَإِلُواْ مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارِاً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِىُّ ، فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدَاً لَّهُ مُوَارٌ فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَّهُ مُوسَى فَتَسِىَ * أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّا وَلَّا نَفْعاً ، وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمٍ إِنَّمَا فُسِتُم (١) الأعراف الآيات : ١٤٨ - ١٥٤. ٤٦٨ ١ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَِّعُونِى وَأَطِيعُواْ أَمْرِى ، قَالُواْ لَنْ تَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعِ إِلَيْنَا مُوسَى * قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ وَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ، أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى * قَالَ يَابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِى إِنَّى خَشِيتُ أَن تَقُولَّ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى * قَالَ فَمَّا خَطْبُكَ يَا سَامِرِىُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَتَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى ﴾ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدَاً لَّنِ تُحْلَفَهُ وَانظُرْ إِلى إِلَهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَتَهُ ثُمَّ لَشِفَنَّهُ فِى الْيَمِّ نَسْفاً * إِنَّمَا إِلَّهُكُمُ اللهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمَاً﴾(٢) . يذكر تعالى ما كان من أمر بنى إسرائيل ، حين ذهب موسى عليه السلام إلى ميقات ربه فمكث على الطور يناجيه ربه ويسأله موسى عليه السلام عن أشياء كثيرة وهو تعالى يجيبه عنها . فعمد رجل منهم يقال له هارون السامرى ، فأخذ ما كانوا استعاروه من الحلى ، فصاغ منه عجلًا وألقى فيه قبضة من التراب ، كان أخذها من أثر فرس جبريل ، حين رآه يوم أغرق الله فرعون على يديه . فلما ألقاها فيه خار كما يخور العجل الحقيقى ، ويقال إنه استحال عجلاً جسداً ، أى لحماً ودماً حياً يخور ، قاله قتادة وغيره . وقيل بل كانت الريح إذا دخلت من دبره خرجت من فمه فيخور كما تخور البقرة ، فيرقصون حوله ويفرحون . فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَتَسِىَ ﴾ أى فنسى موسى ربه عندنا ، وذهب يتطلبه وهو ها هنا ! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً ، وتقدست أسماؤه وصفاته ، وتضاعفت آلاؤه وهباته . قال الله تعالى مبيناً بطلان ما ذهبوا إليه ، ومَا عولوا عليه من إلهية هذا الذى قصاراه أن يكون حيواناً بهيماً أو شيطاناً رجيماً: ﴿أُفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِم قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعاً﴾؟ وقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ (٢) طه الآيات: ٨٣ - ٩٨ . ٤٦٩ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ﴾(٣). فذكر أن هذا الحيوان لا يتكلم ولا يرد جواباً ، ولا يملك ضراً ولا نفعاً ، ولا يهدى إلى رشد ، اتخذوه وهم ظالمون لأنفسهم ، عالمون فى أنفسهم بطلان ما هم عليه من الجهل والضلال . وَلَمَّا سُقِطَ فِى أَيْدِيهِم﴾ أى ندموا على ما صنعوا ﴿ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلَّواْ قَالُوا لَئِنِ لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَعْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ (٤) ولما رجع موسى عليه السلام إليهم ، ورأى ما هم عليه من عبادة العجل ، ومعه الألواح المتضمنة التوارة ، ألقاها ، فيقال إنه كسرها . وهكذا هو عند أهل الكتاب ، وأن الله أبدله غيرها ، وليس فى اللفظ القرآنى ما يدل على ذلك ، إلّا أنه ألقاها حين عاين ما عاين . وعند أهل الكتاب : أنهما كانا لوحين ، وظاهر القرآن أنها ألواح متعددة . ولم يتأثر بمجرد الخبر من الله تعالى عن عبادة العجل ، فأمره بمعاينة ذلك . ولهذا جاء فى الحديث الذى رواه الإِمام أحمد وابن حبان عن ابن عباس قال : قال رسول الله عَّ الله: ((ليس الخبر كالمعاينة))(٥). ثم أقبل عليهم فعنفهم ووبخهم وهجنهم فى صنيعهم هذا القبيح فاعتذروا إليه، بما ليس بصحيح، قالوا إنا ﴿ حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْتَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِىُّ ﴾ تحرجوا من تملك حلى آل فرعون وهم أهل حرب ، وقد أمرهم الله بأخذه وأباحه لهم ، ولم يتحرجوا بجهلهم وقلة عملهم وعقلهم من عبادة العجل الجسد الذى له خوار ، مع الواحد الأحد الفرد الصمد القهار ! . ثم أقبل على أخيه هارون عليهما السلام قائلًا له : ﴿يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ (٣) الأعراف الآية : ١٤٨ . (٤) الأعراف الآية : ١٤٩ . (٥) أخرجه أحمد فى مسنده ١ / ٢١٥ . ٤٧٠ رأيْتَهُمْ ضَلُّواْ ، أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ أى هلا لما رأيت ما صنعوا اتبعتنى فأعلمتنى بما فعلوا فقال : ﴿ إِنِی خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَّقْتَ بِيْنَ بَنِى إِسْرَائِيلَ ﴾ أی تر کتهم وجئتنى وأنت قد استخلفتنی فیهم . ﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْلِى وَلِأُخِى وأدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾(٦) وقد كان هارون عليه السلام نهاهم عن هذا الصنيع الفظيع أشد النهى ، وزجرهم عنه أتم الزجر . قال الله تعالى: ﴿وَلَقْدَ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُسِتُم بِهِ ﴾ أى إنما قدر الله أمر هذا العجل وجعله يخور فتنة واختباراً لكم ، ﴿ وَإِن رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ أى لا هذا ﴿ فَاتَّبِعُونِ﴾ أى فيما أقول لكم ﴿ وَأَطِيعُواْ أمْرِى. قَالُواْ لَن تَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعِ إِلَيْنَا مُوسَى ﴾ يشهد الله لهارون عليه السلام ﴿وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً﴾ (٧) أنه نهاهم وزجرهم عن ذلك فلم يطيعوه ولم يتبعوه . ثم أقبل موسى على السامرى ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِىُّ ﴾ أى ما حملك على ما صنعت ؟ ﴿ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ ﴾ أى رأيت جبرائيل وهو راكب فرساً ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أى من أثر فرس جبريل . وقد ذكر بعضهم ، أنه رآه ، وكلما وطئت بحوافرها على موضع أخضر وأعشب ، فأخذ من أثر حافرها ، فلما ألقاه فى هذا العجل المصنوع من الذهب كان من أمره ما كان. ولهذا قال: ﴿فَتَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِ نَفْسِى « قَالَ فَإِذْهَبْ فَإِنَّ لَكَّ فِي الحَيَاةِ أَن تَقْولَ لَا مِسَاسَ﴾ وهذا دعاء عليه بأن لا يمس أحداً ، معاقبة له على مسه مالم يكن له مسه ، هذا معاقبة له فى الدنيا ، ثم توعده فى الآخرة فقال: ﴿ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدَاً لَّنِ تُحْلَفَهُ﴾ وقرىء: ((لن تخلفه)) ﴿وانظُرْ إِلى إِلَهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرَّقَتَهُ ثُم لَتَنسِفَنَّهُ فِى الْيَمِّ نَسْفاً﴾ قال : فعمد موسى عليه السلام إلى هذا العجل ، فحرقه ، قيل : بالنار ، كما قال قتادة وغيره . وقيل بالمبارد ، كما قاله على وابن عباس وغيرهما ، وهو نص أهل الكتاب ، ثم ذراه (٦) الأعراف الآية : ١٥١ . (٧) الفتح الآية : ٢٨ . ٤٧١ فى البحر ، وأمر بنى إسرائيل فشربوا ، فمن كان من عابديه علق فى شفاههم من ذلك الرماد ما يدل عليه ، وقيل بل اصفرت ألوانهم(٨). ثم قال إخباراً عن موسى أنه قال لهم: ﴿إِنَّمَا إِلَّهُكُمُ اللهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْماً﴾ . وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الِعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةُ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نِجْزِى المُفْتَرِينَ ﴾(٩) وهكذا وقع . وقد قال بعض السلف : ﴿ وَكَذَلِكَ تَجْزِى المُفْتَرِينَ﴾ مسجلة لكل صاحب بدعة إلى يوم القيامة . ثم أخبر تعالى عن حلمه ورحمته بخلقه ، وإحسانه على عبيده فى قبوله توبة من تاب إليه، بتوبته عليه ، فقال: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(١٠). لكن لم يقبل الله توبة عابدى العجل إلّا بالقتل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بَاتَّخَاذِكُمُ العِجْلَ قَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُم فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾(١١) .. فيقال إنهم أصبحوا يوماً وقد أخذ من لم يعبد العجل فى أيديهم السيوف ، وألقى الله عليهم ضباباً حتى لا يعرف القريب قريبه ولا النسيب نسيبه ، ثم مالوا على عابديه فقتلوهم وحصدوهم ، فيقال إنهم قتلوا فى صبيحة واحدة سبعين ألفاً ! . ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَكَ عَنِ مُوسَى العَضَبُ أُخْذَ الْأَلْوَاحَ وَفِى نُسْخَتِهَا هُدىً وَرَحْمَةٌ لَلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾(١٢) استدل بعضهم بقوله : ﴿ وَفِى نُسْخَتِهَا﴾ على أنها تكسرت ، وفى هذا الاستدلال نظر، وليس فى (٨) تاريخ الطبرى جـ ١ / ٢٩٨ - ٣٠٠ (٩) الأعراف الآية : ١٥٢ . (١٠) الأعراف الآية : ١٥٣ . (١١) البقرة الآية : ٥٤. (١٢) الأعراف الآية : ١٥٤. ٤٧٢ اللفظ ما يدل على أنها تكسرت .. والله أعلم . وقد ذكر ابن عباس فى حديث الفتون كما سيأتى : أن عبادتهم العجل كانت على أثر خروجهم من البحر. وما هو ببعيد، لأنهم حين خرجوا ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾(١٣). وهكذا عند أهل الكتاب ، فإن عبادتهم العجل كانت قبل مجيئهم ، بلاد بيت المقدس . وذلك أنهم لما أمروا بقتل من عبد العجل، قتلوا فى أول يوم ثلاثة آلاف، ثم ذهب موسى يستغفر لهم، فغفر لهم بشرط أن يدخلوا الأرض المقدسة . وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًّا لَّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّىَ أَتُّهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِىَ إِلَّ فِيْتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِىَ مَن تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيَُّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَّنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَاَ حَسَنَةً وَفِى الْآخِرَةِ إِنَّا هُذْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتْقُونَ وَيُؤْثُونَ الزِّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَبِعُونَ الرَّسُولَ النَِّىَّ الْأُمِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِى التّوْرَاةِ وَاْلْإِنِجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطََّاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ واْلََّغْلَالَ الَّتِى كَائَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الذِّى أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(١٤) . ذكر السدى وابن عباس وغيرهما أن هؤلاء السبعين كانوا علماء بنى إسرائيل ، ومعهم موسى وهارون ويوشع وناذاب وأبيهو ، ذهبوا مع موسى عليه السلام ليعتذروا عن بنى إسرائيل فى عبادة من عبد منهم العجل . وكانوا قد أمروا أن يتطيبوا ويتطهروا ويغتسلوا ، فلما ذهبوا معه واقتربوا من الجبل وعليه الغمام وعمود النور ساطع صعد موسى الجبل(١٥) . فذكر بنو إسرائيل أنهم سمعوا كلام الله . وهذا قد وافقهم عليه طائفة من (١٣) الأعراف الآية : ١٣٨. (١٤) الأعراف الآيات : ١٥٥ - ١٥٧ . (١٥) تفسير الطبرى جـ ٩ / ٥٠. ٤٧٣ المفسرين، وحملوا عليه قوله تعالى: ﴿ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُم يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾(١٦) . وليس هذا بلازم، لقوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ الله ﴾(١٧) أى مبلغاً ، وهكذا هؤلاء سمعوه مبلغاً من موسى عليه السلام . وزعموا أيضاً أن السبعين رأوا الله ، وهذا غلط منهم ، لأنهم لما سألوا الرؤية أخذتهم الرجفة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُم يَا مُوسَى لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّنِ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾(١٨) .. وقال ها هنا: ﴿ فَلَمَّا أَخْذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّىَ ﴾ . قال محمد ابن إسحاق : اختار موسى من بنى إسرائيل سبعين رجلاً . الخير فالخير ، وقال انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه بما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم ، صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم . فخرج بهم إلى طور سيناء ، لميقات وقته له ربه ، وكان لا يأتيه إلّا بإذن منه وعلم ، فطلب منه السبعون أن يسمعوا كلام الله ، فقال: أفعل . فلما دنا موسی من الجبل ، وقع عليه عمود الغمام حتى تغشی الجبل کله ودنا موسى فدخل فى الغمام، وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهته نور ساطع ولا يستطيع أحد من بنى آدم أن ينظر إليه ، فضرب دونه الحجاب ، ودنا القوم حتى إذا دخلوا فى الغمام وقعوا سجوداً، فسمعوه وهو يكلم موسى ، يأمره وينهاه : افعل ولا تفعل . فلما فرغ الله من أمره وانكشف عن موسى الغمام أقبل إليهم فقالوا: ﴿يَا مُوسَى لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى الله جَهْرَةَ﴾ فأخذتهم الرجفة ، وهى الصاعقة فأتلفت أرواحهم فماتوا جميعاً . فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ، ويرغب إليه ويقول: ﴿ رَبُّ لَوْ شِئْتِ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيََّىَ أَتَّهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ أى لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء الذين (١٦) البقرة الآية : ٧٥ . (١٧) التوبة الآية : ٦ . (١٨) البقرة الآيتان : ٥٥ - ٥٦ . ٤٧٤ عبدوا العجل منا فإنا برآء مما عملوا(١٩) . وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج : إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم ينهوا قومهم عن عبادة العجل . وقوله : ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْتَتُكَ﴾ أى اختبارك وابتلاؤك وامتحانك . قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وأبو العالية والربيع بن أنس ، وغير واحد من علماء السلف والخلف ، يعنى أنت الذى قدرت هذا ، وخلقت ما كان من أمر العجل اختباراً تختبرهم به كما: ﴿قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ بِا قَوْمِ إِنَّمَا فُسِتُم بِهِ﴾(٢٠) أى اختبرتم . ولهذا قال: ﴿ تُضِلَّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِى مَن تَشَاءُ ﴾ أى من شئت أضللته باختبارك إياه ، ومن شئت هديته ، لك الحكم والمشيئة ولا مانع ولا راد لما حكمت وقضيت . ﴿ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فَى هَذِهِ الدُّنْياَ حَسنَةً وفِى الْآخِرَةِ إِنَّا هُذْنَا إِلَيْكَ﴾ أى تبنا إليك ورجعنا وأنبنا ، قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو العالية وإبراهيم التيمى والضحاك والسدى وقتادة وغير واحد . وهو كذلك فى اللغة . قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ أى أنا أعذب من شئت بما أشاء من الأمور التى أخلقها وأقدرها . ﴿ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ ﴾ كما ثبت فى الصحيحين عن رسول الله عَ ظُلِ أنه قال: (( إن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض كتب كتاباً فهو موضوع عنده فوقِ العرش : إن رحمتى تغلب غضبى ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ أى فسأوجبها حتماً لمن يتصف بهذه الصفات: ﴿الَّذِينَ يَتَّعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الْأُمِّىَّ﴾(٢١) الآية. وهذا فيه تنويه بذكر محمد عَّ له وأمته من الله لموسى عليه السلام، فى جملة (١٩) تفسير الطبرى جـ ٩ / ٥٢. (٢٠) طه الآية : ٩٠ . (٢١) أخرجه البخارى فى كتاب التوحيد، باب قوله تعالى ﴿بِلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ . فِى لَوْحِ مَّحْفُوظٍ ومسلم فى صحيحه فى كتاب التوبة ، باب فى سعة رحمة الله تعالى . ٤٧٥ ماناجاه به وأعلمه وأطلعه عليه . وقد تكلمنا على هذه الآية وما بعدها فى التفسير بما فيه كفاية ومقنع ، ولله الحمد والمنة . وقال قتادة : قال موسى عليه السلام : يارب .. إنى أجد فى الألواح أمة هى خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، رب اجعلهم أمتى ، قال : تلك أمة أحمد . قال: رب .. إنى أجد فى الألواح أمة هم الآخرون فى الخلق ، السابقون فى دخول الجنة ، رب اجعلها أمتى ، قال : تلك أمة أحمد . قال : رب .. إنى أجد فى الألواح أمة أناجيلهم فى صدورهم يقرءونها ، وكان من قبلهم يقرءون كتابهم نظراً ، حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئاً ولم يعرفوه ، وإن الله أعطاهم من الحفظ شيئاً لم يعطه أحداً من الأمم ، قال : رب .. اجعلهم أمتى ، قال : تلك أمة أحمد . قال: رب .. إنى أجد فى الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ، ويقاتلون فضول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب ، فاجعلهم أمتى ، قال : تلك أمة أحمد . قال : رب .. إنى أجد فى الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها فى بطونهم ، ويؤجرون عليها . وكان من قبلهم من الأمم إذا تصدق بصدقة فقبلت منه بعث الله عليها ناراً فأكلتها ، وإن ردت عليه تركت فتأكلها السباع والطير ، وإن الله أخذ صدقاتهم من غنيهم لفقيرهم ، قال : رب .. فاجعلهم أمتى ، قال : تلك أمة أحمد . قال : رب .. فإنى أجد فى الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف . قال : رب .. اجعلهم أمتى ، قال : تلك أمة أحمد . قال : رب .. إنى أجد فى الألواح أمة هم المشفعون المشفوع لهم ، فاجعلهم أمتى ، قال : تلك أمة أحمد . ٤٧٦ قال قتادة : فذكر لنا أن موسى عليه السلام نبذ الألواح ، وقال : اللهم اجعلنى من أمة أحمد .. · وقد ذكر كثير من الناس من مناجاة موسى عليه السلام ، وأوردوا أشياء كثيرة لا أصل لها ونحن نذكر ما تيسر ذكره من الأحاديث والآثار بعون الله وتوفيقه ، وحسن هدايته ومعونته وتأييده(٢٢) . قال الحافظ أبو حاتم محمد بن حاتم بن حبان فى صحيحه: (( ذکر سؤال كليم الله ربه عزّ وجل عن أدنى أهل الجنة وأرفعهم منزلة )) أخبرنا عمر بن سعيد الطائى ببلخ ، حدثنا حامد بن يحيى البلخى ، حدثنا سفيان ، حدثنا مطرف ابن طريف وعبد الملك بن أبجر شيخان صالحان ، قالا : سمعنا الشعبى يقول : سمعت المغيرة بن شعبة(٢٣) يقول على المنبر عن النبى معَ له: (( أن موسى عليه السلام سأل ربه عزّ وجل : أى أهل الجنة أدنى منزلة ؟ فقال : رجل يجىء بعدما يدخل أهل الجنة الجنة ، فيقال له : ادخل الجنة . فيقول : كيف أدخل الجنة وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخاذاتهم ؟ فيقال : له : أترضى أن يكون لك من الجنة مثل ما كان لملك من ملوك الدنيا ؟ فيقول : نعم أى رب ، فيقال : لك هذا ومثله معه . فيقول أى رب رضيت ، فيقال له : لك مع هذا ما اشتهت نفسك ولذت عينك وسأل ربه : أى أهل الجنة أرفع منزلة ؟ قال : سأحدثك عنهم : غرست كرامتهم بيدى ، وختمت عليها ، فلا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.))(٢٤) . ومصداق ذلك فى كتاب الله عزّ وجل: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُحْفِىَ لَهُمْ مِّنْ قُرَّةٍ أُعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾(٢٥). وهكذا رواه مسلم والترمذى وكلاهما عن ابن عمر ، وعن سفيان ــ وهو (٢٢) تفسير الطبرى جـ ٩ / ٤٥ وص ٥٦ . (٢٣) المغيرة بن شعبة بن أبى عامر أبو عيسى الثقفى الصحابى توفى سنة ٥٠ هـ [ تهذيب التهذيب ١٠ / ٢١٢ ] . (٢٤) أخرجه ابن حبان فى صحيحه . انظر [الإِحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٩ / ٢٥٧]. (٢٥) السجدة الآية : ١٧ . ٤٧٧ ابن عيينة - به. ولفظ مسلم: (( فيقال له : أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا ؟ فيقول : رضيت رب . فيقال له : لك ذلك ومثله ومثله ومثله ، فيقول فى الخامسة : رضيت رب . فيقال : هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك ، فيقول : رضيت رب . قال : رب فأعلاهم منزلة ؟ قال : أولئك الذين أردت غرس كرامتهم بيدى وختمت عليها ، فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر)). قال: ومصداقه من كتاب الله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُمْ مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُنِ جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ . وقال الترمذى : حسن صحيح ، قال : ورواه بعضهم عن الشعبى عن المغيرة فلم يرفعه ، والمرفوع أصح (٢٦). وقال ابن حبان ((ذكر سؤال الكليم ربه عن خصال سبع)): حدثنا عبد الله ابن محمد بن مسلم المقدس ، حدثنا حرملة بن يحيى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرنى عمرو بن الحارث ، أن أبا السمح حدثه عن ابن حجيرة عن أبى هريرة عن النبى عَّلِ أنه قال: ((سأل موسى ربه عزّ وجل عن ست خصال كان يظن أنها له خالصة ، والسابعة لم يكن موسى يحبها . قال : زَب .. أى عبادك أتقى ؟ قال: الذى يذكر ولا ينسى . قال : فأى عبادك أهدى ؟ قال : الذى يتبع الهدى . قال : فأى عبادك أحكم ؟ قال : الذى يحكم للناس كما يحكم لنفسه . قال : فأى عبادك أعلم ؟ قال : عالم لا يشبع من العلم ، يجمع علم الناس إلى علمه . قال : فأى عبادك أعز ؟ قال : الذى إذا قدر غفر . قال : فأى عبادك أغنى ؟ قال : الذى يرضى بما يؤتى . قال : فأى عبادك أفقر ؟ قال : صاحب منقوص)) (٢٧) . وقال رسول الله عَّ له: ((ليس الغنى عن ظهر(٢٨)، إنما الغنى غنى النفس ، (٢٦) أخرجه مسلم فى صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها والترمذى فى سننه ، كتاب التفسير ، تفسير سورة ألم السجدة . (٢٧) أخرجه ابن حبان فى صحيحه. انظر [ الإِحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٨ / ٣٤]. (٢٨) أى عن كثرة المال. ٤٧٨ وإذا أراد الله بعبد خيراً جعل غناه فى نفسه وتقاه فى قلبه ، وإذا أراد بعبد شراً جعل فقره بين عينيه)) (٢٩) قال ابن حبان: قوله: (( صاحب منقوص)) يريد به منقوص حالته ، يستقل ما أوتى ويطلب الفضل . وقد رواه ابن جرير فى تاريخه عن ابن حميد ، عن يعقوب التميمى ، عن هارون بن هبيرة ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : سأل موسى ربه عزّ وجل فذكر نحوه. وفيه: (( قال: أى رب .. فأى عبادك أعلم؟ قال : الذى يبتغى علم الناس إلى علمه ، عسى أن يجد كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى . قال : أى رب .. فهل فى الأرض أحد أعلم منى ؟ قال : نعم الخضر. فسأل السبيل إلى لقيه ، فكان ما سنذكره بعد إن شاء الله ، وبه الثقة . ذكر حديث آخر بمعنى ما ذكره ابن حبان قال الإِمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، حدثنا ابن لهيعة ، عن دراج ، عن أبى الهيثم، عن أبى سعيد الخدرى، عن النبى عَ لم أنه قال: ((إن موسى قال : أى رب .. عبدك المؤمن مقتر عليه فى الدنيا ! قال : ففتح له باب من الجنة فنظر إليها ، قال : يا موسى .. هذا ما أعددت له . فقال موسى : يارب .. وعزتك وجلالك لو كان مقطع اليدين والرجلين يسحب على وجهه منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة ، وكان هذا مصيره لم ير بؤساً قط . قال : ثم قال : أى رب .. عبدك الكافر موسع عليه فى الدنيا ، قال ، ففتح له باب إلى النار فقال : يا موسى .. هذا ما أعددت له . فقال موسى : أى رب .. وعزتك وجلالك لو .(٢٩) أخرجه البخارى فى صحيحه ، كتاب الرقاق ، باب الغنى غنى النفس ، ولكن بدون هذه الزيادة ، أى من أول قوله : [ وإذا أراد الله بعبد خيراً ] وأخرجه مسلم فى صحيحه ، كتاب الزكاة ، باب ليس الغنى عن كارة العرض بدون الزيادة أيضاً . وأخرجه الترمذى فى سننه ، كتاب الزهد ، باب الغنى غنى النفس بدون الزيادة أيضاً . أما هذه الزيادة فقد جاءت من طرق أخرى . ٤٧٩ كانت له الدنيا منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة وكان هذا مصيره لم ير خيراً قط)). تفرد به أحمد من هذا الوجه ، وفى صحته نظر .. والله أعلم (٣٠). وقال ابن حبان: ((ذكر سؤال كليم الله ربه جلّ وعلا أن يعلمه شيئاً يذكره به )) حدثنا ابن سلمة ، حدثنا حرملة بن يحيى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرنى عمرو ابن الحارث أن دراجاً حدثه عن أبى الهيثم، عن أبى سعيد، عن النبى معَ لّم أنه قال: ((قَال موسى: يارب .. علمنى شيئاً أذكرك به وأدعوك به . قال : قل يا موسى : لا إله إلّا الله. قال: يارب .. كل عبادك يقول هذا . قال: قل لا إله إلّا الله . قال : إنما أريد شيئاً تخصنى به . قال: ياموسى .. لو أن أهل السموات السبع والأرضين السبع فى كفة ولا إله إلّا الله فى كفة مالت بهم لا إله إلّا الله)) (٣١) . ويشهد لهذا الحديث حديث البطاقة ، وأقرب شىء إلى معناه الحديث المروى فى السنن عن النبى معَ له: أنه قال: ((أفضل الدعاء دعاء عرفة . وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلى : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو : على كل شيء قدير ))(٣٢) . وقال ابن أبى حاتم عند تفسير آية الكرسى : حدثنا أحمد بن القاسم ابن عطية ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدسكى ، حدثنى أبى عن أبيه ، حدثنا أشعث بن إسحاق ، عن جعفر أبى المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أن بنى إسرائيل قالوا لموسى : هل ينام ربك ؟ قال : اتقوا الله ! فناداه ربه عزّ وجل : يا موسى .. سألوك هل ينام ربك ؟ فخذ زجاجتين فى يديك فقم الليل ، ففعل موسى . فلما ذهب من الليل ثلثه نعس فوقع لركبتيه ، ثم انتعش فضبطهما ، حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقطت الزجاجتان فانكسرتا ، فقال : يا موسى .. (٣٠) أخرجه الإمام أحمد فى مسنده ٣ /٨١ والحديث ضعيف ، لأنه من رواية دراج عن أبى الهيثم . انظر [ تقريب التهذيب ١ / ٢٣٥ ] . (٣١) أخرجه ابن حبان فى صحيحه. انظر [الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٨ /٣٥] والحديث ضعيف لرواية دراج عن أبى الهيثم كما ذكرنا فى الحديث السابق . (٣٢) أخرجه مالك فى موطئه ، كتاب الحج ، باب جامع الحج . ٤٨٠