النص المفهرس
صفحات 421-440
تعرضتم له ﴿ يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ﴾ أى وأنتم تشفقون أن ينالكم أيسر جزاء مما يتوعدكم به ، فكيف بكم إن حل جميعه عليكم ؟ وهذا الكلام فى هذا المقام ، من أعلى مقامات التلطف والاحتراز والعقل التام . وقوله: ﴿ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِى الْأَرْضِ﴾ يحذرهم أن يسلبوا هذا الملك العزيز ، فإنه ما تعرضت الدول للدين إلّا سلبوا ملكهم وذلوا بعد عزهم ! . وكذا وقع لآل فرعون ، ما زالوا فى شك وريب ، ومخالفة ومعاندة لما جاءهم موسى به حتى أخرجهم الله مما كانوا فيه من الملك والأملاك والدور والقصور ، والنعمة والحبور ، ثم حولوا إلى البحر مهانين ، ونقلت أرواحهم بعد العلو والرفعة إلى أسفل السافلين . ولهذا قال هذا الرجل المؤمن المصدق ، البار الراشد ، التابع للحق ، الناصح لقومه، الكامل العقل: ﴿يَا قَوْمٍ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِى الْأَرْضِ ﴾ أى عالين على الناس حاكمين عليهم، ﴿ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللهِ إِن جَاءَنَا﴾؟ أى لو كنتم أضعاف ما أنتم فيه من العدد والعدة والقوة والشدة لما نفعنا ذلك ، ولا رد عنا بأس مالك الممالك . قَالَ فِرْعَوْنَ﴾ أى فى جوابه هذا كله: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّ مَا أَرَى﴾ أى ما أقول لكم إلّا ما عندى ﴿ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الَّرِشَادِ ﴾. وكذب فى كل من هذين القولين وهاتين المقدمتين ، فإنه قد كان يتحقق فى باطنه وفى نفسه أن هذا الذى جاء به موسى من عند الله لا محالة . وإنما كان يظهر خلافه بغياً وعدواناً ، وعتواً وكفراناً . قال الله تعالى إخباراً عن موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّ رَبُّ السَّمَواتِ والْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنَّى لَّأُظُنُكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً، فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً ، وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِى إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِيْنَا بِكُمْ لَفِيفاً﴾(٢) (١٣) الإسراء الآيات: ١٠٢ - ١٠٤. ٤٢١ وقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوَّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾(١٤). وأما قوله: ﴿ وَمَا أَهْدِيكُم إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ فقد كذب أيضاً ، فإنه لم يكن على رشاد من الأمر ، بل كان على سفه وضلال وخبل وخيال ، فكان أولًا ممن يعبد الأصنام والأمثال ، ثم دعا قومه الجهلة الضلال إلى أن اتبعوه وطاوعوه وصدقوه فيما زعم من الكفر والمحال ، فى دعواه أنه رب ، تعالى الله ذو الجلال ! . قال الله تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمٍ أُلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِى مِن تَحْتِى أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ بُبِينَ * فَلَوْلَا أُلْقِىَ عَلَيْهِ أُسْوِرَةٌ مّنِ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأْطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا للْآخِرِينَ﴾(١٥). وقال تعالى: ﴿فَأْرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَذْبَرِ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَتَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللهُ تَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّمَن يَحْشَى﴾(١٦). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُواْ فِى هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾(١٧). (١٤) النمل الآيتان : ١٣ - ١٤. (١٥) الزخرف الآيات : ٥١ - ٥٦ . (١٦) النازعات الآيات: ٢٠ - ٢٦. (١٧) هود الآيات : ٩٦ - ٩٩. ٤٢٢ والمقصود بيان كذبه فى قوله: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ وفى قوله : وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ . وقَالَ الَّذِى آمَنَ یَا قَوْمِ إِنَّى أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأُحْزَابِ ، مِثْلَ دَأْبٍ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لَّلْعِبَادِ » وَيَاقَوْمٍ إِنَّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التََّادِ " يَوْمَ تُوَلُّونَ مُذْبِرِينَ مَالَكُم مِّنَ اللهِ مِنْ عَاصِم وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَالَهُ مِنْ هَادٍ * وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيَِّاتِ فَمَازِلْتُمْ فِى شَكٍ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللهُ مِن بَعْدِهِ رَسُوْلاً كَذَلِكَ يُضِلُ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ * الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِ آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾(١٨). يحذرهم ولى الله إن كذبوا برسول الله موسى أن يحل بهم ما حل بالأمم من قبلهم ، من النقمات والمثلات ، مما تواتر عندهم وعند غيرهم ، مما حل بقوم نوح وعاد وثمود ومن بعدهم إلى زمانهم ذلك ، مما أقام به الحجج على أهل الأرض قاطبة ، فى صدق ما جاءت به الأنبياء ، لما أنزل من النقمة بمكذبهم من الأعداء ، وما أنجى الله من اتبعهم من الأولياء وخوفهم يوم القيامة ، وهو يوم التناد ، أى حين ينادى الناس بعضهم بعضاً ، حين يولون أن قدروا على ذلك ، ولا إلى ذلك سبيلاً ﴿يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلَّا لَا وَزَرَ» إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ (١٩) وقال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مَنِ أَقْطَارِ السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُواْ لَا تَنفُذُونَ إِلَّ بِسُلْطَانٍ * فَبِأَىِّ آلَاءِ رَبَّكُمَا تُكَّذِّبَانِ* يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارِ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ)* فَبِأَىِّ آلَاءِ ٢٠) . رَبُّكُمَا ◌ُكَذِّبَانِ (١٨) غافر الآيات: ٣٠ - ٣٥. (١٩) القيامة الآيات: ١٠ - ١٢. (٢٠) الرحمن الآيات: ٣٣ - ٣٦ . ٤٢٣ وقرأ بعضهم: ﴿ يَوْمَ التََّاد﴾ بتشديد الدال(٢١)، أى يوم الفرار ويحتمل أن يكون يوم يحل الله بهم البأس، فيودون الفرار ولات حين مناص ﴿فَلَمًّا أَحَسُّواْ بِأُسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ * لَا تَرْكُضُواْ وَارْجِعُواْ إِلَى مَا أُتِرْفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾(٢٢) . ثم أخبرهم عن نبوة يوسف فى بلاد مصر ، وما كان منه من الإِحسان إلى الخلق فى دنياهم وأخراهم . وهذا من سلالته وذريته ، ويدعو الناس إلى توحيد الله وعبادته ، وأن لا يشركوا به أحداً من بريته ، وأخبر عن أهل الديار المصرية فى ذلك الزمان ، وأن من سجيتهم التكذيب بالحق ومخالفة الرسل . ولهذا قال : فَمَازِلْتُمْ فِى شَكٍ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُم لَنِ يَبْعَثَ اللهُ مِن بَعْدِهِ رِسُولاً﴾ أى وكذبتم فى هذا. ولهذا قال: ﴿كَذِّلِكَ يُضِلُّ اللهُ من هُوَ مُسْرِفٌ ◌ُرْتَابٌ * الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِ آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أى يردون حجج الله وبراهينه ودلائل توحيده ، بلا حجة ولا دليل عندهم من الله ، فإن هذا أمر يمقته الله غاية المقت ، أن يبغض من تلبس به من الناس ، ومن اتصف به من الخلق، ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِرٍ جَبَّارٍ ) قرىء بالإِضافة وبالنعت ، وكلاهما متلازم(٢٣): أى هكذا إذا خالفت القلوب الحق - ولا تخالفه إلا ببرهان - فإن الله يطبع عليها، أى يختم عليها بما فيها . وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِى صَرْحَاً لَّعَلَّى أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ « أَسْبَابَ السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنَّى لَّأَظُنُّهُ كَاذِباً وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ﴾ (٢٤) . (٢١) قراءة ﴿يَوْم الثَّنَاذَ﴾ بتشديد الدال، قرأ بها أبو عمرو وهشام وحمزة والكسائى وخلف [ إتحاف فضلاء البشر ١ / ٤٣٧ ] . (٢٢) الأنبياء الآيتان: ١٢ - ١٣. (٢٣) قرأ أبو عمرو وحده ﴿عَلَى كُلِّ قَلَبٍ مُتَكَبِرِ جَبَّارِ﴾. بتنوين ﴿قَلْبِ﴾، وقرأ الباقون: ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبرٍ جَبَّارٍ ﴾ مضافاً [السبعة لابن مجاهد ص ٥٧٠ سورة غافر ]. (٢٤) غافر الآيتان: ٣٦ - ٣٧ . ٤٢٤ كذب فرعون موسى عليه السلام فى دعواه أن الله أرسلِه ، وزعم فرعون لقومه ما كذبه وافتراه فى قوله لهم: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرِى فَأَوْقِذْ لِى يَاهَامَانُ عَلى الطِّينِ فَاجْعَل لَّى صَرْحاً لَعَلَّى أَطَّلِعُ إِلَى إِلَّهِ مُوسَى وَإِنَّى لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾(٢٥). وقال ها هنا : ﴿ لَعَلَّى أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ" أَسْبَابَ السَّمَواتِ﴾ أى طرقها ومسالكها ﴿فَأْطَّلِعَ إِلَى إِلَّهِ مُوسَى وَإِنَّى لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ ويحتمل هذا معنيين : أحدهما : وإنى لأظنه كاذباً فى قوله أن للعالم رباً غيرى . والثانى : فى دعواه أن الله أرسله . والأول : أشبه بظاهر حال فرعون ، فإنه كان ينكر ظاهراً إثبات الصانع والثانى: أقرب إلى اللفظ حيث قال: ﴿ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ أى فأسأله هل أرسله أم لا؟ ﴿وإِنّى لَأَظُهُ كَاذِباً﴾ أى فى دعواه ذلك . وإنما كان مقصود فرعون أن يصد الناس عن تصديق موسى عليه السلام ، وأن يحثهم على تكذيبه . قال الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ﴾ وقرىء: ﴿ وَصَدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾(٢٦) ﴿ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِ تَبَابٍ ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: يقول : إلّا فى خسار ، أى باطل ، لا يحصل له شىء من مقصوده الذى رامه ، فإنه لا سبيل للبشر أن يتوصلوا بقواهم إلى نيل السماء أبداً - أعنى السماء الدنيا - فكيف بما بعدها من السموات العلى ؟ وما فوق ذلك من الارتفاع الذى لا يعلمه إلا الله عزّ وجل ؟ وذكر غير واحد من المفسرين أن هذا الصرح ، وهو القصر الذى بناه وزيره هامان له لم ير بناء أعلى منه، وأنه كان مبنياً من الآجر المشوى بالنار ولهذا قال: ﴿فَأَوْقِدْ لِى يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لَّى صَرْحاً ﴾ . وعند أهل الكتاب : أن بنى إسرائيل كانوا يسخرون فى ضرب اللبن ، وكان مما حملوا من التكاليف الفرعونية أنهم لا يساعدون على شىء مما يحتاجون إليه فيه ، (٢٥) القصص الآية : ٣٨ . (٢٦) بفتح الصاد وتشديد الدال مع الفتح . ٤٢٥ بل كانوا هم الذين يجمعون ترابه وتبنه وماءه ، ويطلب منهم كل يوم قسطاً معيناً ، إن لم يفعلوه ضربوا وأهينوا غاية الإهانة وأوذوا غاية الأذية . ولهذا قالوا لموسى : ﴿ أُوْذِينَا مِن قَبْلِ أن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَاجِيْنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَحْلِفَكُمْ فِىِ الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾(٢٧). فوعدهم بأن العاقبة على القبط ، وكذلك وقع ، وهذا من دلائل النبوة . ولنرجع إلى نصيحة المؤمن وموعظته واحتجاجه . قال الله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِى آمَنَ يَا قَوْمِ الَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ » يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وإِنَّ الْآخِرَةَ هِىَّ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾(٢٨) . يدعوهم رضى الله عنه إلى طريق الرشاد الحق ، وهى متابعة نبى الله موسى وتصديقه فيما جاء به من عند ربه ثم زهدهم فى الدنيا الدنية الفانية المنقضية لا محالة ، ورغبهم فى طلب الثواب عند الله الذى لا يضيع عمل عامل لديه ، القدير الذى ملكوت كل شىء بيديه . الذى يعطى على القليل كثيراً ، ومن عدله لا يجازى على السيئة إلّ مثلها، وأخبرهم أن الآخرة هى دار القرار، التى من وافاها - مؤمنا قد عمل الصالحات - فله الدرجات العاليات ، والغرف الآمنات ، والخيرات الكثيرة الفائقات ، والأرزاق الدائمة التى لا تبيد ، والخير الذى كل ما لهم منه فى مزید . ثم شرع في إبطال ما هم عليه ، وتخويفهم مما يصيرون إليه ، فقال : وَيَاقَوْمِ مَالِى أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِى إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِى لِأُكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَالَيْسَ لَى بِهِ عِلْمٌ وَأَنا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ العَفَّارِ . لَا جَرَمَ أَنَّمَاَ تَدْعُونَنِى إِلَيْهُ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِ الدُّنْيَا وَلَا فِىَ الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى الله وأنَّ : (٢٧) الأعراف الآية : ١٢٩. (٢٨) غافر الآيات : ٣٨ - ٤٠. ٤٢٦ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأَفَوِّضُ أَفَرِى إِلَى الله إِنَّ اللّه بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ " فَوَقَّاهُ اللهُ سَيَّاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِآلٍ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾(٢٩). كان يدعوهم إلى عبادة رب السموات والأرض ، الذى يقول للشيء كن فيكون ، وهم يدعونه إلى عبادة فرعون الجاهل الضال الملعون ! . ولهذا قال لهم على سبيل الإِنكار: ﴿وَيَا قَوْمٍ مَالِى أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُوِئِنِى إِلى النَّارِ * تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَالَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَأَنًا أَدْعُوكُمْ إِلى العَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾(٣٠). ثم بين لهم بطلان ما هم عليه من عبادة ما سوى الله من الأنداد والأوثان ، وأنها لا تملك من نفع ولا إِضرار، فقال: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فىَ الدُّنْيَا وَلَا فِى الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾ أى لا تملك تصرفاً ولا حكماً فى هذه الدار ، فكيف تملكه يوم القرار ؟ وأما الله عزّ وجل فإنه الخالق الرازق للأبرار والفجار ، وهو الذى أحيا العباد ويميتهم ويبعثهم ، فيدخل طائعهم الجنة ، وعاصيهم إلى النار . ثم توعدهم إن هم استمروا على العناد بقوله: ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُم وَأَفَوِّضُ أمْرِى إِلَى الله إنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ ﴾ . قال الله : ﴿ فَوَقَاهُ اللهُ سَيْئِاتِ مَامَكَرُواْ﴾ أى بإنكاره سلم مما أصابهم من العقوبة على كفرهم بالله ، ومكرهم فى صدهم على سبيل الله ، مما أظهروا للعامة من الخيالات والمحالات ، التى ألبسوا بها على عوامهم وطغامهم ، ولهذا قال : وَحَاقَ﴾ أى أحاط ﴿ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوَّاً وَعَشِياً﴾ أى تعرض أرواحهم فى برزخهم صباحاً ومساءً على النار . وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أُدْخِلُواْ آلِ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ وقد تكلمنا على دلالة (٢٩) غافر الآيات : ٤١ - ٤٦ . (٣٠) غافر الآيتان : ٤١ - ٤٢ . ... ٠٠ ٤٢٧ هذه الآية على عذاب القبر فى التفسير ، ولله الحمد . والمقصود أن الله تعالى لم يهلكهم إلّا بعد إقامة الحجة عليهم ، وإرسال الرسول إليهم ، وإزالة الشبه عنهم ، وأخذ الحجة عليهم منهم ، بالترهيب تارة والترغيب أخرى، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِِّينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَاهَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَُّواْ بِمُوسَى وَمَنِ مَّعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَّةٍ لْتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ » فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالصَّفَادِ عَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾(٣١). يخبر تعالى أنه ابتلى آل فرعون وهم قومه من القبط بالسنين وهى أعوام الجدب التى . لا يستغل فيها زرع ولا ينتفعٍ بضرع. وقوله: ﴿وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ﴾ وهى قلة الثمار من الأشجار ﴿ لَعَلَّهُمْ يَذْكَّرُونَ﴾ أى فلم ينتفعوا ولم يرتدعوا ، بل تمردوا واستمروا على كفرهم وعنادهم ﴿ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ ﴾ والخصب ونحوه ﴿قَالُواْ لَنَا هَذِهِ ﴾ أى هذا الذى نستحقه ، وهذا الذى يليق بنا وإِن تُصِبْهُم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ﴾ أى يقولون هذا بشؤمهم أصابنا هذا ، ولا يقولون فى الأول أنه ببركتهم وحسن مجاورتهم لهم ولکن قلوبهم منكرة مستكبرة نافرة عن الحق ، إذا جاء الشر أسندوه إليه ، وإن رأوا خيراً ادعوه لأنفسهم. قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهِ﴾ أى الله يجزيهم على هذا أوفر الجزاء . ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لْتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أى مهما جئتنا به من الآيات - وهى الخوارق للعادات - فلسنا نؤمن بك ولا نتبعك ولا نطيعك ، ولو جئتنا بكل آية . وهكذا أخبر الله عنهم فى قوله : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾(٣٢). (٣١) الأعراف الآيات : ١٣٠ - ١٣٣. (٣٢) يونس الآيتان : ٩٦ - ٩٧ . ٤٢٨ قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ والْجَرَادَ والْقُمَّلَ (٣٣) وَالصَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبِرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ ﴾ أما الطوفان فعن ابن عباس : هو كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار ، وبه قال سعيد بن جبير وقتادة والسدى والضحاك وعن ابن عباس وعطاء : هو كثرة الموت ، وقال مجاهد : الطوفان الماء والطاعون على كل حال ، وعن ابن عباس : أمر طاف بهم . وقد روى ابن جرير وابن مردويه من طريق يحيى بن يمان ، عن المنهال ابن خليفة، عن الحجاج، عن الحكم بن ميناء ، عن عائشة عن النبى عَ له أنه قال: ((الطوفان الموت)) وهو غريب (٣٤). وأما الجراد فمعروف ، وقد روى أبو داود عن أبى عثمان ، عن سلمان الفارسى، قال: سئل رسول الله عَّ له عن الجراد، فقال: (( أكثر جنود الله لا آكله ولا أحرمه(٣٥). وترك النبى معَّ ل أكله إنما هو على وجه التقذر له، كما . ترك أكل الضب ، وتنزه عن أكل البصل والثوم والكراث ، لما ثبت فى الصحيحين عن عبد الله بن أبى أوفى قال: غزونا مع رسول الله عَدّ ◌ُله سبع غزوات نأكل الجراد(٣٦) وقد تكلمنا على ماورد فيه من الأحاديث والآثار فى التفسير. والمقصود أنه استاق خضراءهم فلم يترك لهم زرعاً ولا ثماراً ولا سبداً ولا لبداً . وأما القمل فعن ابن عباس : هو السوس الذى يخرج من الحنطة . وعنه أنه الجراد الصغار الذى لا أجنحة له ، وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة . وقال سعيد بن جبير والحسن : هو دواب سود صغار . وقال عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم (٣٧): القمل هى البراغيث . وحكى ابن جرير عن أهل العربية : أنها (٣٣) قرىء ﴿ وَالفَمْلِ﴾ بإسكان الميم وتخفيفها عن الحسن [إتحاف فضلاء البشر ٢ / ٦٠]. (٣٤) ذكره ابن جرير فى تفسير سورة الأعراف ٩ / ٣١ وفى سنده المنهال بن خليفة العجلى أبو قدامة الكوفى ، وهو ضعيف [ تقريب التهذيب ٢ / ٢٧٧ ] (٣٥) أخرجه أبو داود فى سننه ، كتاب الأطعمة ، باب أكل الجراد . (٣٦) أخرجه البخارى فى كتاب الذبائح ، باب أكل الجراد ومسلم فى كتاب الصيد ، باب إباحة أكل الجراد . (٣٧) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوى المدنى توفى سنة ١٨٢ هـ [تهذيب التهذيب ٦ / ١٧٧ ] . ٤٢٩ الحمنان ، وهو صغار القردان فوق القمامة ، فدخل معهم البيوت والفرش ، فلم يقر لهم قرار ، ولم يمكنهم معه الغمض ولا العيش . وفسره عطاء بن السائب بهذا القمل المعروف . وقرأها الحسن البصرى كذلك بالتخفيف . وأما الضفادع فمعروفة ، لبستهم حتى كانت تسقط فى أطعمتهم وأوانيهم ، حتى إن أحدهم إذا فتح فاه لطعام أو شراب سقطت فيه ضفدعة من تلك الضفادع . وأما الدم فكان قد مزج ماؤهم كله به فلا يستقون من النيل شيئاً إلّا وجدوه دماً عبيطاً (٣٨)، ولا من نهر ولا بئر ولا شىء إلّا كان دماً فى الساعة الراهنة . هذا كله ولم ينل بنى إسرائيل من ذلك شىء بالكلية . وهذا من تمام المعجزة الباهرة ، والحجة القاطعة ، أن هذا كله يحصل لهم عن فعل موسى عليه السلام ، فينالهم عن آخرهم ، ولا يحصل هذا لأحد من بنى إسرائيل ، وفى هذا أدل دليل . قال محمد بن إسحاق : فرجع عدو الله فرعون حين آمنت السحرة مغلوباً مغلولًا ، ثم أبى إلّا الإِقامة على الكفر والتمادى فى الشر، فتابع الله عليه بالآيات ، فأخذه بالبنين : فأرسل عليه الطوفان ثم الجراد ، ثم القمل ، ثم الضفادع ، ثم الدم ، آيات مفصلات ، فأرسل الطوفان - وهو الماء - ففاض على وجه الأرض ثم ركد ، لا يقدرون على أن يحرثوا ولا أن يعملوا شيئاً ، حتى جهدوا جوعاً . فلما بلغهم ذلك ﴿ قَالُواْ يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّ الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِى إِسْرَائِيلَ﴾(٣٩) . فدعا موسى ربه فكشفه عنهم . فلما لم يفوا له بشىء مما قالوا أرسل الله عليهم الجراد ، فأكل الشجر فيما بلغنى ، حتى إن كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم ، فقالوا مثل ما قالوا . فدعا ربه فكشف عنهم ، فلم يفوا له بشىء مما قالوا ، فأرسل الله عليهم القمل ، فذكر لى أن موسى عليه السلام ، أمر أن يمشى إلى كثيب حتى يضربه بعصاه فمشى إلى كثيب أهيل (٣٨) أى دما طرياً ، والجمع : عبط وعباط . (٣٩) الأعراف الآية : ١٣٤. ٣٠ عظيم ، فضربه بها ، فانثال عليهم قملًا ، حتى غلب على البيوت والأطعمة ، ومنعهم النوم والقرار . فلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا له ، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشىء مما قالوا ، فأرسل الله عليهم الضفادع ، ملأت البيوت والأطعمة والآنية ، فلا يكشف أحد ثوباً ولا طعاماً ، إلّا وجد فيه الضفادع قد غلبت عليه . فلما جهدهم ذلك قالوا له مثل ماقالوا ، فدعا ربه فكشف عنهم ، فلم يفوا بشىء مما قالوا . فأرسل الله عليهم الدم ، فصارت مياه آل فرعون دماً ، لايستقون من بئر ولا نهر . ولا يغترفون من إناء، إلّا عاد دماً عبيطاً . قال زيد ابن أسلم (٤٠) : المراد بالدم الرعاف ، رواه ابن أبى حاتم . قال الله تعالى: ﴿ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا ◌َهِدَ عِندَكَ لَئِنِ كِشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِى إِسْرَائِيلَ » فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أُجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْتَاهُمْ فِى الْمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَ كَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ﴾(٤١) . يخبر تعالى عن كفرهم وعتوهم واستمرارهم على الضلال والجهل ، والاستكبار عن اتباع آيات الله وتصديق رسوله ، مع ما أيده به من الآيات العظيمة الباهرة ، والحجج البليغة القاهرة ، التى أراهم الله إياها عياناً ، وجعلها عليهم دليلًا وبرهاناً . وكلما شاهدوا آية وعاينوها ، وجهدهم وأضنكهم ، حلفوا وعاهدوا موسی لئن کشف عنهم هذه ليؤمنن له ، وليرسلن معه من هو من حزبه ، فكلما رفعت عنهم تلك الآية عادوا إلى شر مما كانوا عليه ، وأعرضوا عما جاءهم به من الحق ولم يلتفتوا إليه"، فيرسل الله عليهم آية أخرى هى أشد مما كانت قبلها وأقوى ، فيقولون ويكذبون ، ويعدون ولا يفون: ﴿ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ (٤٠) زيد بن أسلم المدنى الفقيه، أبو أسامة توفى سنة ١٣٦ هـ [ تذكرة الحفاظ ١ / ١٣٢، شذرات الذهب ١ / ١٩٤ ] . (٤١) الأعراف الآيتان : ١٣٤ - ١٣٦. ٤٣١ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِى إِسْرَائِيلَ ﴾ فيكشف عنهم ذلك العذاب الوبيل ، ثم يعودون إلى جهلهم العريض الطويل . ٠ هذا ، والعظيم الحليم القدير ، ينظرهم ولا يعجل عليهم ، ويؤخرهم ويتقدم بالوعيد إليهم . ثم أخذهم بعد إقامة الحجة عليهم ، والإِعذار إليهم ، أخذ عزيز مقتدر ، فجعلهم عبرة ونكالًا وسلفاً لمن أشبههم من الكافرين ، ومثلًا لمن اتعظ بهم من عباده المؤمنين . كما قال تبارك وتعالى وهو أصدق القائلين ، فى سورة حم والكتاب المبين : وَلَقَدْ أُرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنَّى رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ * وَمَا تُرِبِهِمٍ مِّنْ آيَةٍ إِلَّ هِىَ أُكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذَّنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَقَالُواْ يَأَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبِّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُلُّونَ * وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ قَالَ بَا قَوْمٍ أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِى مِن تِحْتِى أُفَلَا تُبْصِرُونَ * أُمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُو مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ بُبِينُ * فَلَوْلَا أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أُوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَاً فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونًا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْتَاهُمْ أُجْمَعِينَ ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾(٤٢) . يذكر تعالى إرساله عبده الكليم الكريم إلى فرعون الخسيس اللئيم ، وأنه تعالى أيد رسوله بآيات بينات واضحات ، تستحق أن تقابل بالتعظيم والتصديق ، وأن يرتدعوا عما هم فيه من الكفر ويرجعوا إلى الحق والصراط المستقيم ، فإذا هم منها يضحكون وبها يستهزئون ، وعن سبيل الله يصدون وعن الحق ينصرفون . فأرسل الله عليهم آيات تترى يتبع بعضها بعضاً ، وكل آية أكبر من التى تتلوها ، لأن التوكيد أبلغ مما قبله . ﴿ وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُم يَرْجِعُونَ * وَقَالواْ يَأَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبِّكَ بِمَا عَهَدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ لم يكن لفظ الساحر فى زمنهم نقصاً (٤٢) الزخرف الآيات : ٤٦ - ٥٦ . ٤٣٢ ولا عيباً ، لأَن علماءهم فى ذلك الوقت هم السحرة ، ولهذا خاطبوه به فى حال احتياجهم إليه ، وضراعتهم لديه ، قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُم يَنكُثُونَ ثم أخبر تعالى عن تبجح فرعون بملكه ، وعظمة بلده وحسنها ، وتخرق الأنهار فيها ، وهى الخلجانات التى يكسرونها أيام زيادة النيل ثم تبجح بنفسه وحليته ، وأخذ يتنقص رسول الله موسى عليه السلام، ويزدريه بكونه ◌ْ لَا يَكَادُ يُبِينٌ ﴾ يعنى كلامه بسبب ما كان فى لسانه من بقية تلك اللثغة ، التى هى شرف له وكمال وجمال ، ولم تكن ما نعة له أن كلمه الله تعالى وأوحى إليه ، وأنزل بعد ذلك التوراة عليه . وتنقصه فرعون - لعنه الله - بكونه لا أساور فى يديه ، ولا زينة عليه ! وإنما ذلك من حلية النساء ، لا يليق بشهامة الرجال ، فكيف بالرسل الذين هم أكمل عقلًا، وأتم معرفة ، وأعلى همة وأزهد فى الدنيا ، وأعلم بما أعد الله لأوليائه فى الأخرى ؟ . وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ لا يحتاج الأمر إلى ذلك ، فإن كان المراد أن تعظمه الملائكة فالملائكة يعظمون ويتواضعون لمن هو دون موسى عليه السلام بكثير ، كما جاء فى الحديث: (( إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع ))(٤٣)، فكيف يكون تواضعهم وتعظيمهم لموسى الكليم عليه السلام والتسليم والتكريم !؟ . وإن كان المراد شهادتهم له بالرسالة فقد أيد من المعجزات بما يدل قطعاً لذوى الألباب ، ولمن قصد إلى الحق والصواب ، ويعمى عما جاء به من البينات والحجج الواضحات من نظر إلى القشور ، وترك لب اللباب ، وطبع على قلبه رب الأرباب ، وختم عليه بما فيه من الشك والارتياب ، كما هو حال فرعون القبطى العمى الكذاب . (٤٣) أخرجه أحمد فى مسنده ٤ / ٢٣٩ وابن ماجه فى مقدمة سننه . ٤٣٣ قال الله تعالى: ﴿ فَاسْتَحَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ﴾ أى استخف عقولهم ودرجهم من حال إلى حال إلى أن صدقوه فى دعواه الربوبية ، لعنه الله وقبحهم ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ أى أغضبونا ﴿انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أى بالغرق والإهانة وسلب العز ، والتبدل بالذل وبالعذاب بعد النعمة ، والهوان بعد الرفاهية ، والنار بعد طيب العيش ، عياذاً بالله وسلطانه القديم من ذلك . فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفَاً ﴾ أى لمن اتبعهم فى الصفات ﴿ وَمَثَلًا﴾ أى لمن اتعظ بهم : وخاف من وبيل مصرعهم ، ممن بلغه جلية خبرهم وما كان من أمرهم كما قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُم ◌َّوِسَىَ بِآيَاتِنَا بَيَِّاتٍ قَالُواْ مَا هَذَا إِلَّ سِحْرٌ مُفْتَرَى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِى آبَائِنَا الْأُوَّلِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبِّى أَعْلَمُ بِمَن جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ بِأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرِىَ فَأَوْقِدْ لِ يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلِ لَّى صَرْحاً لَعَلِى أَطَّلِعُ إِلَى إِلَّهِ مُوسَى وَإِنِّى لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ # وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرَ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَايُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ (٤٤) . يخبر تعالى أنهم لما استكبروا عن اتباع الحق ، وادعى ملكهم الباطل ووافقوه عليه وأطاعوه فيه ، اشتد غضب الرب القدير العزيز ، الذى لا يغالب ولا يمانع عليهم ، فانتقم منهم أشد الانتقام ، وأغرقه هو وجنوده فى صبيحة واحدة فلم يفلت منهم أحد ، ولم يبق منهم ديار ، بل كل قد غرق فدخل النار ، وأتبعوا فى هذه الدار لعنة بين العالمين ، ﴿ ويوم القيامة بئس الرفد المرفود ﴾ ، ﴿ ويوم ﴾ . القيامة هم من المقبوحين (٤٤) القصص الآيات : ٣٦ - ٤٢ .. ٤٣٤ [الفصل الثالث ] ذكر هلاك فرعون وجنوده لما تمادى قبط مصر على كفرهم وعتوهم وعنادهم ، متابعة لملكهم فرعون ، ومخالفة لنبى الله ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام أقام الله على أهل مصر الحجج العظيمة القاهرة ، وأراهم من خوارق العادات ما بهر الأبصار وحير العقول ، وهم مع ذلك لا يرعوون ولا ينتهون ، ولا ينزعون ولا يرجعون . ولم يؤمن منهم إلّ القليل . قيل ثلاثة : وهم امرأة فرعون - ولا علم لأهل الكتاب بخبرها ـ ومؤمن آل فرعون الذى تقدمت حكاية موعظته ومشورته وحجته عليهم ـ والرجلي الناصح الذى جاء يسعى من أقصى المدينة ، فقال : ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَّ يَأْتِمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَالحُرُجْ إِنَّى لَكَ مِنَ ( النَّاصِحِین قال ابن عباس فيما رواه ابن أبى حاتم عنه ومراده غير السحرة ، فإنهم كانوا من القبط . وقيل بل آمن به طائفة من القبط من قوم فرعون، والسحرة كلهم وجميع شعب بنى إسرائيل . ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِى الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾(٢). فالضمير فى قوله : ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ﴾ عائد على فرعون لأن السياق يدل عليه ، وقيل على موسى لقربه ، والأول أظهر كما هو مقرر فى التفسير وإيمانهم كان خفية لمخافتهم من فرعون وسطوته ، وجبروته وسلطته ، ومن ملئهم أن (١) القصص الآية : ٢٠ . (٢) يونس الآية: ٨٣. ٤٣٥ ینُّوا عليهم إليه فیفتنهم عن دينهم . قال الله تعالى: مخبراً عن فرعون وكفى بالله شهيداً: ﴿ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أى جبار عنيد مشتغل بغير الحق، ﴿ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ أى فى جميع أموره وشئونه وأحواله ولكنه جرثومة قد حان انجعافها(٣) وثمرة خبيثة قد آن قطافها ، ومنهجة ملعونة قد حتم إتلافها . وعند ذلك قال موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُسْلِمِينَ * فَقَالُواْ عَلَى اللهِ تَوَكُّلْنَا رَبَّنَاَ لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لَّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾(٤) فأمرهم بالتوكل على الله والاستعانة به ، والالتجاء إليه ، فأتمروا بذلك فجعل الله لهم مما كانوا فيه فرجاً ومخرجاً. وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وأَخِيهِ أَن تَبَّوَّءًا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتَاً وَاجْعَلُواْ بُيُوتِكُمْ قِلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾(٥). أوحى الله تعالى إلى موسى وأخيه هارون عليهما السلام أن يتخذا لقومهما بيوتاً متميزة فيما بينهم عن بيوت القبط ، ليكونوا على أهبة الرحيل إذا أمروا به ، ليعرف بعضهم بيوت بعض. وقوله: ﴿ وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِلَةٌ ﴾ قيل مساجد ، وقيل معناه كثرة الصلاة فيها . قاله مجاهد وأبو مالك وإبراهيم النخعى والربيع والضحاك وزيد بن أسلم وابنه · عبد الرحمن وغيرهم . ومعناه على هذا : الاستعانة على ما هم فيه من الضر والشدة والضيق بكثرة الصلاة ، كما قال تعالى: ﴿ وَاسْتَعِنُواْ بِالصَّْرِ وَالصَّلَاة ﴾(٦) ، و کان رسول الله عَ ◌ّلِ إذا حزبه أمر صلى . وقيل معناه : أنهم لم يكونوا حينئذ يقدرون على إظهار عبادتهم فى مجتمعاتهم (٣) أى الاقتلاع والاستئصال . (٤) يونس الآيات : ٨٤ - ٨٦ . (٥) يونس الآيتان : ٨٧ . (٦) البقرة الآية : ٤٥ . ٤٣٦ ومعابدهم ، فأمروا أن يصلوا فى بيوتهم ، عوضاً عما فاتهم من إظهار شعائر الدين الحق فى ذلك الزمان ، الذى اقتضى حالهم إخفاءه خوفاً من فرعون وملئه ، والمعنى الأول أقوى لقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وإن كان لا ينافى الثانى أيضاً .. والله أعلم . وقال سعيد بن جبير: ﴿ وَاجْعَلُواْ بُيُوتِكُمْ قِبْلَةً﴾ أى متقابلة . وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهْ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُذْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتَ ذَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانٌ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾(٧) . هذه دعوة عظيمة دعا بها كليم الله موسى على عدو الله فرعون ، غضباً لله عليه ، لتكبره عن اتباع الحق ، وصهده عن سبيل الله ومعاندته وعتوه وتمرده ، واستمراره على الباطل ، ومكابرته الحق الواضح الجلي الحسى والمعنوى ، والبرهان القطعى ، فقال: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَّهِ﴾ يعنى قومه من القبط ، ومن كان على ملته ودان بدينه ﴿ زِينَةً وَأُمْوَالًا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ﴾ أى وهذا يغتر به من يعظم أمر الدنيا ، فيحسب الجاهل أنهم على شىء، ولكن هذه الأموال وهذه الزينة ، من اللباس والمراكب الحسنة الهينة ، والدور الأنيقة والقصور المبنية ، والمآكل الشهية والمناظر البهية ، والملك العزيز والتمكين ، والجاه العريض فى الدنيا لا الدين . ◌ْ رَبَّنَا الْمِسَّ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد : أى أهلكها . وقال أبو العالية والربيع بن أنس والضحاك : اجعلها حجارة منقوشة كهيئة ما كانت ، وقال قتادة : بلغنا أن زروعهم صارت حجارة ، وقال محمد بن كعب : جعل سكرهم حجارة ، وقال أيضاً : صارت أموالهم كلها حجارة ذكر ذلك لعمر ـ۔ (٧) يونس الآيتان : ٨٨ - ٨٩ . ٤٣٧ ابن عبد العزيز ، فقال عمر بن عبد العزيز لغلام له : قم اثتنى بكيس . فجاء بكيس ، فإذا فيه حمص وبيض قد حول حجارة ! . رواه ابن أبى حاتم وقوله: ﴿وَاشْدُذْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوَأْ العَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ قال ابن عباس : أى اطبع عليها . وهذه دعوة غضب الله تعالى ولدينه ولبراهينه . فاستجاب الله تعالى لها ، وحققها وتقبلها ، كما استجاب لنوح فى قومه حيث قال: ﴿رَبِّ لَاتَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِن الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّاّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾(٨) ولهذا قال تعالى مخاطباً لموسى حين دعا على فرعون وملئه ، وأمَن أخوه هارون على دعائه فنزل ذلك منزلة الداعىّ أيضاً : قَالَ قَدْ أُجِيْتَ دَّغْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَبِعَانٌ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾. قال المفسرون وغيرهم من أهل الكتاب : استأذن بنو إسرائيل فرعون فى الخروج إلى عيد لهم ، فأذن لهم وهو كاره ، ولكنهم تجهزوا للخروج وتأهبوا له ، وإنما كان فى نفس الأرض(٩) مكيدة بفرعون وجنوده ، ليتخلصوا منهم ويخرجوا عنهم . وأمرهم الله تعالى - فيما ذكره أهل الكتاب - أن يستعيروا حلياً منهم ، فأعاروهم شيئاً كثيراً ، فخرجوا بليل فساروا مستمرين ذاهبين من فورهم طالبين بلاد الشام . فلما علم بذهابهم فرعون حنق عليهم كل الحنق ، واشتد غضبه عليهم ، وشرع فى استحثاث جيشه وجمع جنوده ليلحقهم ويمحقهم . قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرٍ بِعِبَادِى إِنَّكُم مُّتَبَعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِى الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْدِمَةٌ قَلِلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا ◌َغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَحْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَغُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْتَاهَا بَنِى إِسْرَائِيلَ * فَأَقْبَعُوهُم مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانَ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُذْرَكُونَ * قَالَ كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى (٨) نوح الآيتان: ٢٦ - ٢٧ . (٩) لعل المقصود : فى نفس الأمر . ٤٣٨ سَيَهْدِينِ* فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أنِ اضْرِبِ بُّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقِ كَالطَّْدِ الْعَظِيمِ* وَأَزْلَفْنَا فَمَّ الْآخِرِينَ* وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أُجْمَعِينَ * ثُمَّ أُغْرَقْنَا الآخَرِينَ * إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثِرُهُم ◌ُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَّهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾(١٠) . قال علماء التفسير : لما ركب فرعون فى جنوده طالباً بنى إسرائيل أن يقفوا أثرهم كان فى جيش كثيف عرمرم ، حتى قيل كان فى خيوله مائة ألف فحل أدهم ، وكانت عدة جنوده تزيد على ألف ألف وستمائة ألف ، فالله أعلم . وقيل إن بنى إسرائيل كانوا نحواً من ستمائة ألف مقاتل غير الذرية . وكان بين خروجهم من مصر صحبة موسى عليه السلام ودخولهم إليها صحبة أبيهم إسرائيل أربعمائة سنة وستاً وعشرين سنة شمسية . والمقصود أن فرعون لحقهم بالجنود ، فأدركهم عند شروق الشمس ، وتراءى الجمعان ، ولم يبق ثم ريب ولا لبس ، وعاين كل من الفريقين صاحبه وتحققه ورآه ، ولم يبق إلّ المقاتلة والمجادلة والمحاماة . فعندها قال أصحاب موسى وهم خائفون: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ وذلك لأنهم اضطروا فى طريقهم إلى البحر فليس لهم طريق ولا محيد إلّا سلوكه وخوضه ، وهذا ما لا يستطيعه أحد ولا يقدر عليه ، والجبال غن يسرتهم وعن أيمانهم وهى شاهقة منيفة ، وفرعون قد غالقهم وواجههم ، وعاينوه فى جنوده وجيوشه وعدده وعُدده(١١) ، وهم منه فى . غاية الخوف والذعر ، لما قاسوا فى سلطانه من الإهانة والمكر . فشكوا إلى نبى الله ما هم فيه مما قد شاهدوه وعاينوه . فقال لهم الرسول الصادق المصدوق: ﴿ كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ وكان فى الساقة ، فتقدم إلى المقدمة ، ونظر إلى البحر وهو يتلاطم بأمواجه ، ويتزايد زبد/ أجاجه ، وهو يقول : ها هنا أمرت . ومعه أخوه هارون ، ويوشع بن نون ،وهو يومئذ من سادات بنى إسرائيل وعلمائهم وعبادهم الكبار ، وقد أوحى الله إليه وجعله نبياً بعد موسى وهارون عليهما السلام كما سنذكره فيما بعد إن شاء الله، ومعهم أيضا (١٠) الشعراء الآيات : ٥٢ - ٦٨ . (١١) عَدده وعُدده: الأولى بفتح العين والثانية بضمها . ٤٣٩ مؤمن آل فرعون، وهم وقوف، وبنو إسرائيل بكمالهم عليهم عكوف، ويقال إن مؤمن آل فرعون جعل يقتحم بفرسه مراراً فى البحر، هل يمكن سلوكه؟ فلا يمكن، ويقول لموسى عليه السلام: يانبي الله .. ها هنا أمرت ؟ فيقول : نعم . فلما تفاقم الأمر وضاق الحال واشتد الأمر ، واقترب فرعون وجنوده فى جدهم وحدهم وحديدهم ، وغضبهم وحنقهم ، وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ، عند ذلك أوحى الحليم العظيم القدير ، رب العرش الكريم ، إلى موسى الكليم : ﴿ أَنِ اضْرِبِ بُّعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾. فلما ضربه ، يقال إنه قال له : انفلق بإذن الله . ويقال : إنه كناه بأبى خالد .. والله أعلم . قال الله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقِ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴾ . ويقال إنه انفلق اثنى عشر طريقاً ، لكل سبط طريق يسيرون فيه ، حتى قيل إنه صار فيه أيضاً شبابيك ليرى بعضهم بعضاً ! وفى هذا نظر ، لأن الماء جرم شفاف إذا كان من ورائه ضياء حكاه . وهكذا كان ماء البحر قائماً مثل الجبال ، مكفوفاً بالقدرة العظيمة الصادرة من الذى يقول للشيء كن فيكون ، وأمر الله ريح الدبور فلفحت حال(١٢) البحر فأذهبته ، حتى صار يابساً لا يعلق فى سنابك الخيول والدواب . قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أُسْرٍ بِعِبَادِى فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَساً لَّا تَخَافٍُ دَرَكاً وَلَا تَحْشَى، فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ * وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَذَىْ﴾(١٢). والمقصود أنه لما آل أمر البحر إلى هذه الحال ، بإذن الرب العظيم الشديد المحال ، أمر موسى عليه السلام أن يجوزه ببنى إسرائيل ، فانحدروا فيه مسرعين مستبشرين مبادرين ، وقد شاهدوا من الأمر العظيم ما يحير الناظرين ، ويهدى قلوب المؤمنين . فلما جاوزه وجاوزوه وخرج آخرهم منه ، وانفصلوا عنه ، كان (١٢) أى الطين الأسود . (١٣) طه الآيات : ٧٧ - ٧٩. ٤٤٠