النص المفهرس

صفحات 381-400

حكاه أبو الحسن الأشعرى(١٠) عن أهل السنة والجماعة .
قال السهيلى: واسم أم موسى ((أيارخا))، وقيل ((أياذخت)) .. المقصود
أنها أرشدت إلى هذا الذى ذكرناه ، وألقى فى خلدها وروعها أن لا تخافى
ولا تحزنى ، فإنه إن ذهب فإن الله سيرده إليك . وإن الله سيجعله نبياً مرسلًا،
يعلى كلمته فى الدنيا والآخرة ، فكانت تصنع ما أمرت به فأرسلته ذات يوم
وذهلت أن تربط الحبل عندها فذهب مع النيل فمر على دار فرعون ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ
فِرْعَوْنَ﴾ قال الله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَّهُم عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ قال : بعضهم : هذه
(( لام)) العاقبة، وهو ظاهر إن كان متعلقاً بقوله فالتقطه، وأما إن جعل متعلقاً
بمضمون الكلام ، وهو أن آل فرعون قيضوا لا لتقاطه ليكون لهم عدواً وحزناً .
وصارت اللام معللة كغيرها .. والله أعلم . ويقوى هذا التقدير الثانى قوله :
إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ وهو الوزير السوء ﴿وَجُنُودَهُمَا﴾ التابعين لهما
كَانُواْ خَاطِئِينَ﴾ ، أى كانوا على خلاف الصواب ، فاستحقوا هذه العقوبة
والحسرة .
وذكر المفسرون : أن الجوارى التقطته من البحر فى تابوت مغلق عليه ، فلم
يتجاسرن على فتحه، حتى وضعنه بين يدى امرأة فرعون (آسية)) بنت مزاحم
ابن عبيد بن الريان بن الوليد ، الذى كان فرعون مصر فى زمن يوسف . وقيل
إنها كانت من بنى إسرائيل من سبط موسى . وقيل بل كانت عمته ، حكاه
السهيلى .. فالله أعلم(١١).
وسيأتى مدحها والثناء عليها فى قصة مريم بنت عمران ، وأنهما يكونان يوم
القيامة من أزواج رسول الله عَ ليه فى الجنة .
فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب ، ورأت وجهه يتلألأً بتلك الأنوار
النبوية والجلالة الموسوية ، فلما رأته ووقع نظرها عليه أحبته حباً شديداً جداً فلما
جاء فرعون قال : ما هذا ؟ وأمر بذبحه ، فاستوهبته منه ودفعت عنه وقالت :
(١٠) هو: على بن إسماعيل البصرى، من ولد أبى موسى الأشعرى. وتوفى سنة ٣٣٤ هـ [ اللباب فى
تهذيب الأنساب ١ / ٦٤ ] .
(١١) تفسير الطبرى جـ ٢٠ / ٢١.
٣٨١

قُرَّةُ عَيْنِ لِّى وَلَكَ﴾ . فقال لها فرعون : أما لك فنعم وأما لى فلا . أى
لا حاجة لى به . والبلاء موكل بالمنطق ! .
وقولها: ﴿ عَسَى أَن يَنفَعَنَا﴾ قد أنالها الله ما رجت من النفع: أما فى
الدنيا فهداها الله به، وأما فى الآخرة فأسكنها جنته بسببه. ﴿ أُوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ﴾
وذلك أنهما تبنياه ، لأنه لم يكن يولد لهما ولد. وقال الله تعالى: ﴿وَهُم
لَا يَشْعُرُونَ﴾ أى لا يدرون ماذا يريد الله بهم ، أن قيضهم لالتقاطه، من النقمة
العظيمة بفرعون وجنوده ؟ .
وعند أهل الكتاب أن التى التقطت موسى ((دربتة )) ابنة فرعون وليس
لامرأته ذكر بالكلية وهذا من غلطهم على كتاب الله عزّ وجل .
وقال تعالى: ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤْادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنِ كَادَتْ لَتُبْدِی بِهِ لَوْلَا أن
وَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِن الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيْهِ فَبَصْرَتْ بِهِ عَن
جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُكُمْ عَلَى
أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمِْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا
وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾(١٢).
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيدة والحسن وقتادة
والضحاك وغيرهم: ﴿وَأَصْبَحَ فُتْادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً ﴾ أى من كل شىء من
أمور الدنيا إلّا من. موسى ﴿إِنَّ كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ﴾ أى لتظهر أمره وتسأل عنه
جهرة ﴿ لَوْلا أَنَ رَّبِّطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أى صبرناها وثبتناها ﴿لِتَكُونَ مِن
الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ وهى ابنتها الكبيرة: ﴿قُصِّيهِ﴾ أى اتبعى أثره ،
واطلبى لى خبره ﴿فَبَصُوَتِ بِهِ عَنِ جُنُبٍ﴾ قال مجاهد: عن بعد . وقال
قتادة: جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده. ولهذا قال: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ،
وذلك لأن موسى عليه السلام لما استقر بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة فلم
يقبل ثدياً ولا أخذ طعاماً ، فحاروا فى أمره : واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم
يفعل، كما قال تعالى: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ ﴾ فأرسلوه مع القوابل
(١٢) القصص الآيات : ١٠ - ١٣.
٣٨٢

والنساء إلى السوق ، لعلهم يجدون من يوافق رضاعته . فبينما هم وقوف به والناس
عكوف عليه إذ بصرت به أخته ، فلم تظهر أنها تعرفه بل قالت: ﴿ هل أُدُلُّكُم
عَلَى أَهْلِ بِيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾ ؟ قال ابن عباس : لما قالت
ذلك ، قالوا لها : ما يدريك بنصحهم وشفقتهم عليه ؟ فقالت : رغبة من سرور
الملك ورجاء منفعته(١٣)
فأطلقوها وذهبوا معها إلى منزلهم ، فأخذته أمه . فلما أرضعته التقم ثديها وأخذ
يمتصه ويرتضعه ، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً، وذهب البشير إلى ((آسية))
يعلمها بذلك ، فاستدعتها إلى منزلها وعرضت عليها أن تكون عندها ، وأن تحسن
إليها ، فأبت عليها وقالت : إن لى بعلًا وأولاداً، ولست أقدر على هذا إلّا أن
ترسليه معى . فأرسلته معها ، ورتبت لها رواتب ؛ وأجرت عليها النفقات
والكساوى والهبات ، فرجعت به تحوزه إلى رحلها وقد جمع الله شمله
بشملها(١٤).
قال الله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ
وَعْدَ اللهِ حَقّ﴾ أى كما وعدناها برده ورسالته، فهذا رده، وهو دليل على صدق
البشارة برسالته . ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ .
وقد امتن على موسى بهذا ليلة كلمه، فقال له فيما قال: ﴿وَلَقَدْ مَتَنَّا
عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أُوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ
فِقْدِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالْسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتِ عَلَيْكَ
مَحَبَّةٌ مِّنِّى﴾(١٥) وذلك أنه كان لا يراه أحد إلّا أحبه ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى
عَيْنِى﴾(١٥) قال قتادة وغير واحد من السلف : أى تطعم وترفه وتغذی بأطيب
المآكل ، وتلبس أحسن الملابس بمرأی منی ، وذلك کله بحفظی و کلاءتی لك فيما
صنعت بك ولك ، وقدرته من الأمور التى لا يقدر عليها غيرى : ﴿ إِذْ تَمْشِى
أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا
(١٣) تفسير الطبرى جـ ٢٠ / ٢٣.
(١٤) تفسير الطبرى جـ ٢٠ / ٢٧.
(١٥) طه الآيات: ٣٧ - ٣٩ ..
٣٨٣

وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَتَجَيْنَاكَ مِنِ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فْتُوناً﴾(١٦) وسنورد حديث
الفتون فى موضعه بعد هذا إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة وعليه التكلان .
وَلَّمَّا بَلَغَ أَشْدَّهُ وَاسْتَوِىْ آتَيْنَاهُ حُكْمَاً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِى
الْمُحْسِنِينَ * وَدَخْلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينٍ غَقْلَةٍ مِّن أُهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتِلَانِ
هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِى مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوّهِ
فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌ مُّبِينٌ .
قَالَ رَبِّ إِنَّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْلِي فَغْفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ قَالَ رَبِّ
بِمَا أُنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً للْمُجْرِمِينَ﴾(١٧).
لما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه برده لها وإحسانه بذلك وامتنانه عليها ، شرع
فى ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى ، وهو احتكام الخَلْق والخُلُق ، وهو سن
الأربعين فى قول الأكثرين ، آتاه الله حكماً وعلماً ، وهو النبوة والرسالة التى كان
بشر بها أمه حين قال: ﴿ إِنَّا رَادُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِن الْمُرْسَلِينَ﴾.
ثم شرع فی ذکر سبب خروجه من بلاد مصر ، وذهابه إلى أرض مدين
وإقامته هنالك ، حتى كمل الأجل وانقضى الأمد ، وكان ما كان من كلام الله
له ، وإكرامه بما أكرمه به . كما سيأتى.
قال تعالى : ﴿ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفَلَةٍ مِن أَهْلِهَا ﴾ قال ابن عباس
وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدى : وذلك نصف النهار ، . وعن
ابن عباس : بين العشائين(١٨).
﴿ فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ﴾ أى يتضاربان ويتهارشان ﴿هَذَا مِن
شِيعَتِهِ﴾ أى إسرائيلى ﴿ وَهَذَا مِن عَدُوَّهِ﴾ أى قبطى . قاله ابن عباس وقتادة
والسدى ومحمد بن إسحاق. ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الذِى مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِى مِنْ
عَدُوِّهِ ﴾ وذلك أن موسى عليه السلام . كانت له بديار مصر صولة ، بسبب
نسبته إلى تبنى فرعون له وتربيته فى بيته
(١٦) طة الآية : ٤٠ .
(١٧) القصص الآيات : ١٤ - ١٧.
(١٨) تفسير الطبرى جـ ٢٠ / ٢٨.
٣٨٤

وكانت بنو إسرائيل قد عزوا وصارت لهم وجاهة ، وارتفعت رءوسهم بسبب
أنهم أرضعوه ، وهم أخواله ـ أى من الرضاعة ، فلما استغاث ذلك الإسرائيلى
موسى عليه السلام على ذلك القبطى أقبل إليه موسى ﴿ فَوَكَزَهُ﴾ قال مجاهد :
أى طعنه بجمع كفه، وقال قتادة: بعصا كانت معه، ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ ﴾ أى
فمات منها .
وقد كان ذلك القبطى كافراً مشركاً بالله العظيم ، ولم يرد موسى قتله بالكلية ،
وإنما أراد زجره وردعه. ومع هذا قال موسى: ﴿ هَذَا مِن عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ
عَدُوٌّ مُضِلِّ مُّبِينٌ ﴾ قَالَ رَبِّ إِنَّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْلِي فَعَفَر لَّهُ إِنَّهُ هُوَ العَفُورُ
الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَى فَلَنْ أَكَوُنَ ظَهِيراً للْمُجْرِمِينَ﴾ .
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِى اسْتَنْصَرَهُ بِالْأُمْسِ
يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَّهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ، فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أن يَبْطِشَ بِالَّذِى هُوَ
عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَثُرِيدُ أَنَّ تَقْتُلَنِى كَمَا قَلْتَ نَفْسَاً بِالْأَمْسِ إِنَ تُرِيدُ إِلَّا
أن تَكُونَ جَبَّاراً فى الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنِ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ * وَجَاءَ رَجُلٌ
مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَّ يَأْتِمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ
إِنَّى لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجْنِى مِنَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ﴾(١٩).
يخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفاً - أى من فرعون وملئه - أن
يعلموا أن هذا القتيل الذى رفع إليه أمره ، إنما قتله موسى فى نصرة رجل من بنى
إسرائيل ، فتقوى ظنونهم أن موسى منهم ويترتب على ذلك أمر عظيم .
فصار يسير فى المدينة فى صبيحة ذلك اليوم ﴿ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ أى يلتفت ،
فبينما هو كذلك ، إذا ذلك الرجل الإسرائيلى الذى استنصره بالأمس يستصرخه ،
أى يصرخ به ويستغيثه على آخر قد قاتله ، فعنفه موسى ولامه على كثرة شره
ومخاصمته، قال له: ﴿ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ثم أراد أن يبطش بذلك القبطى ،
الذی هو عدو لموسی وللإِسرائیلی ، فیردعه عنه ويخلصه منه ، فلما عزم على ذلك
(١٩) القصص الآيات : ١٨ - ٢١ .
٣٨٥

وأقبل على القبطى ﴿ قَالَ يَا مُوسَى أَثْرِيدُ أَنَ تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْسَاً بِالْأَمْسِ إِن
تُرِيدُ إِلَّا أن تَكُون جَبَّاراً فى الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِن الْمُصْلِحِينَ ﴾ .
قال بعضهم : إنما قال هذا الكلام الإسرائيلى الذى اطلع على ما كان صنع
موسى بالأمس ، وكأنه لما رأى موسى مقبلًا إلى القبطى اعتقد أنه جاء إليه ، لما
عنفه قبل ذلك بقوله : ﴿ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ﴾ فقال ما قال لموسى، وأظهر الأمر
الذى كان وقع بالأمس . فذهب القبطى فاستعدى فرعون على موسى . وهذا
الذى لم يذكر كثير من الناس سواه . ويحتمل أن قائل هذا هو القبطى ، وأنه لما
رآه مقبلاً إليه خافه، ورأى من سجيته انتصاراً جديدا للإسرائيلى. فقال ما قال من
باب الظن والفراسة : إن هذا لعله قاتل ذاك القتيل بالأمس ، أو لعله فهم من
كلام الإسرائيلى حين استصرخه عليه ما دله على هذا .. والله أعلم .
والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالأمس فأرسل فى
طلبه، وسبقهم رجل ناصحٍ من طريق أقرب. ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِن أَقْصَى
الْمَدِينَةِ﴾ ساعياً إليه مشفقاً عليه فقال: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأْ يَأْتِمِرُونَ بِكَ
لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾ أى من هذه البلدة ﴿إِنَّى لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ أى فيما
أقوله لك (٢٠).
قال الله تعالى: ﴿فَخْرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ ، أى فخرج من مدينة
مصر من فوره على وجهه لا يهتدى إلى طريق ولا يعرفه ، قائلًا: ﴿ رَبِّ نَجِّنِی
مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَذِينَ قَالَ عَسَى رَبِّى أن يَهْدِينِى سَوَاءَ
السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَذِينَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَّ مِن
دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا فَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ
وَأَبُونَا شَيْخُ كَبِيرٌ ﴾ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظُّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنَّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَّ
مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾(٢١).
يخبر تعالى عن خروج عبده ورسوله وكليمه من مصر خائفاً يترقب ، أى
يتلفت ، خشية أن يدركه أحد من قوم فرعون ، وهو لا يدرى أين يتوجه ،
(٢٠) قارن تفسير الطبرى جـ ٢٠ / ٣٢.
(٢١) القصص الآيات: ٢١ - ٢٤ .
: ٣٨٦

ولا إلى أين يذهب ، وذلك لأنه لم يخرج من مصر قبلها .
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَذِينَ﴾ أى اتجه له طريق يذهب فيه ، ﴿ قَالَ عَسَی
رَبِّى أَن يَهْدِينِى سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ أى عسى أن تكون هذه الطريق موصلة إلى
المقصود . وكذا وقع ، فقد أوصلته إلى مقصود وأى مقصود .
﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَاَءَ مَذْينَ﴾ وكانت بئراً يستقون منها ، ومدين هى المدينة
التى أهلك فيها أصحاب الأيكة ، وهم قوم شعيب عليه السلام ، وقد كان
هلاكهم قبل زمن موسى عليه السلام فى أحد قولى العلماء .
ولما ورد الماء المذكور ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن
دُونِهِمُ امْرَأْتَيْنِ تَذُودَانٍ﴾ أى تكفكفان عنهما غنمهما أن تختلط بغنم الناس .
وعن أهل الكتاب أنهن كن سبع بنات ، وهذا أيضاً من الغلط ، ولعلهن كن
سبعاً، ولكن إنما كان تسقى اثنتان منهن ، وهذا الجمع ممكن إن كان ذاك
محفوظاً، وإلا فالظاهر أنه لم يكن له سوى بنتين ﴿ قَالَ مَاخَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي
حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخُ كَبِيرٌ﴾ أى لا نقدر على ورود الماء إلّا بعد
صدور الرعاء ، لضعفنا ، وسبب مباشرتنا هذه الرعية ضعف أبينا وكبره . قال
الله تعالى ﴿ فَسَقَى لَهُمَا ﴾ .
قال المفسرون : وذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم ، وضعوا على
فم البئر صخرة عظيمة ، فتجىء هاتان المرأتان فيشربان غنمهما فى فضل أغنام
الناس ، فلما كان ذلك اليوم ، جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده ، ثم استقى
لهما وسقى غنمهما ، ثم رد الحجر كما كان . قال أمير المؤمنين عمر : وكان
لا يرفعه إلّا عشرة، وإنما استقى ذنوباً واحداً فكفاهما .
ثم تولى إلى الظل ، قالوا : و کان ظل شجرة من السمر وروى ابن جرير عن
ابن مسعود ، أنه رآها خضراء ترف ﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لَمَا أُنزَلْتَ إِلَّ مَنْ
خَيرْ فَقِيْرٌ﴾ (٢٢)
(٢٢) تفسير الطبرى جـ ٢٠ / ٣٥ - ٣٧.
٣٨٧٠

قال ابن عباس: سار من مصر إلى مدين لم يأكل إلا البقل وورق الشجر، وكان حافيا
فسقطت نعلا قدميه من الجفاء وجلس فى الظل - وهو صفوة الله من خلقه - وإن بطنه
للاصق بظهره من الجوع، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه وإنه لمحتاج إلى شق تمرة .
قال عطاء بن السائب لما قال: ﴿رَبِّ إِنَّى لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾
أسمع المرأة .
﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ
أُجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَاتَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِىُّ
الْأَمِينَ * قَالَ إِنَّى أُرِيدُ أِنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْتَنَّ هَائِيْنِ عَلَّى أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِى
حِجَجٍ فَإِنْ أَثْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أنْ أَشْقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِى إِن شَاءَ
اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُذْوَانَ عَلَىَّ
وَاللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾(٢٣) .
لما جلس موسى عليه السلام فى الظل وقال: ﴿ رَبِّ إِنَّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَیَّ مِنْ
خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ سمعته المرأتان فيما قيل ، فذهبتا إلى أبيهما فيقال إنه استنكر سرعة
رجوعهما ، فأخبرتاه بما كان من أمر موسى عليه السلام . فأمر إحداهما ، أن
تذهب إليه فتدعوه ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ أى مشى الحرائر ،
قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ صرحت له بهذا لئلا
يوهم كلامها ريبة ، وهذا من تمام حيائها وصيانتها . ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ
الْقَصَصَ﴾ وأخبره خبره ، وما كان من أمره فى خروجه من بلاد مصر فراراً من
فرعونها ، قال له الشيخ: ﴿لَا تَخْفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أى
خرجت من سلطانهم فلست فى دولتهم .
وقد اختلفوا فى هذا الشيخ من هو ؟ فقيل هو شعيب عليه السلام . وهذا
هو المشهور عند كثيرين ، وممن نص عليه الحسن البصرى ومالك بن أنس ، وجاء
مصرحاً به فى حديث ، ولكن فى إسناده نظر .
(٢٣) القصص الآيات : ٢٥ - ٢٨.
٣٨٨

وصرح طائفة بأن شعيباً عليه السلام عاش عمراً طويلًا بعد هلاك قومه ،
حتى أدركه موسى عليه وتزوج بابنته .
وروى ابن أبى حاتم وغيره عن الحسن البصرى : أن صاحب موسى عليه
السلام هذا ، اسمه شعيب ، وكان سيد الماء ، ولكن ليس بالنبى صاحب مدين
وقيل : إنه ابن أخى شعيب وقيل : ابن عمه ، وقيل : رجل مؤمن من قوم
شعيب، وقيل: رجل اسمه (( يثرون )) هكذا هو فى كتب أهل الكتاب : يثرون
كاهن مدين . أى كبيرها وعالمها .
وقال ابن عباس وأبو عبيدة بن عبد الله : اسمه يثرون . زاد أبو عبيدة وهو
ابن أخى شعيب . وزاد ابن عباس : صاحب مدين .
والمقصود : أنه لما أضافه وأكرم مثواه ، وقص عليه ما كان من أمره بشَّره
بأنه قد نيا ، فعند ذلك قالت إحدى البنتين لأبيها : ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ أى
الرعى غنمك ، ثم مدحته بأنه قوى أمين .
قال عمر وابن عباس وشريح القاضى وأبو مالك وقتادة ومحمد بن إسحاق
وغير واحد : لما قالت ذلك ، قال لها أبوها : وما علمك بهذا ؟ فقالت : إنه رفع
صخرة لا يطيق رفعها إلّا عشرة ، وأنه لما جئت معه تقدمت أمامه ، فقال :
كونى من ورائى ، فإذا اختلف الطريق فاحذفى لى بحصاة أعلم بها كيف
الطريق (٢٤).
قال ابن مسعود : أفرس الناس ثلاثة : صاحب يوسف حين قال لامرأته :
أكرمى مثواه : وصاحبة موسى حين قالت: ﴿ يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ
اسْتَأْجِرْتَ القَوِىُّ الْأَمِينَ﴾ وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب .
قَالَ إِنَّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْتَتَىَّ هَاتَيْنٍ عَلَى أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِى
حِجَجٍ فَإِنْ أَثْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشْقَّ عَلَيْكَ سَتَجُدُنِى إِن شَاءَ
اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ .
(٢٤) تفسير الطبرى جـ ٢٠ / ٤١ .
٣٨٩

استدل بهذه جماعة أصحاب أبى حنيفة رحمه الله ، على صحة ما إذا باعه أحد
هذين العبدين أو الثوبين ونحو ذلك، أنه يصح، لقوله: ﴿إِحْدَى ابْتَتَىَّ
ھائیْنِ ﴾ .
وفى هذا نظر ، لأن هذه مراوضة لا معاقدة .. والله أعلم .
واستدل أصحاب أحمد على صحة الاستئجار بالطعمة والكسوة ، كما جرت
به العادة ، واستأنسوا بالحديث الذى رواه ابن ماجه فى سننه مترجماً عليه فى
كتابه: ((باب استئجار الأجير على طعام بطنه )) حدثنا محمد بن المصفى
الحمصى ، حدثنا بقية بن الوليد ، عن مسلمة بن على ، عن سعيد بن أبى أيوب ،
عن الحارث بن يزيد ، عن على بن رباح قال : سمعت عتبة بن الندر يقول : كنا
عند رسول الله عَ ل فقرأ: ﴿طسّمَ﴾، حتى إذا بلغ قصة موسى قال: ((إن
موسى عليه السلام آجر نفسه ثمانى سنين - أو عشر سنين - على عفة فرجه
وطعام بطنه)) (٢٥).
وهذا الحديث من هذا الوجه لا يصح، لأن مسلمة بن على الخشنى
الدمشقى البلاطى ضعيف عند الأئمة لا يحتج بتفرده . ولكن قد روى من وجه
آخر ، فقال ابن أبى حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكر ،
حدثنى ابن لهيعة ، وحدثنا أبو زرعة ، حدثنا صفوان ، حدثنا الوليد ،
حدثنا عبد الله بن لهيعة ، عن الحارث بن يزيد الحضرمى ، عن على بن رباح
اللخمى قال: سمعت عتبة بن الندر السلمى صاحب رسول الله: عَ لم يحدث أن
رسول الله عَّ لِ قال: (( إنَّ موسى عليه السلام آجر نفسه بعفةِ فرجهِ وطُعمةٍ
بطنهِ)) .
ثم قال تعالى: ﴿ ذِلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُذْوَانَ عَلَىَّ
واللهُ عَلَى مَا تَقُولُ وَكِيلٌ﴾، يقول: إن موسى قال لصهره: الأمر على
ما قلت ، فأيهما قضيت فلا عدوان علىّ والله على مقالتنا سامع وشاهد ، ووكيل
(٢٥) أخرجه ابن ماجه فى سننه ، كتاب الرهون ، باب إجارة الأجير على طعام بطنه وجاء فى الزوائد :
(( إسناده ضعيف لأن فيه بقية، وهو مدلس، وليس لبقية هذا عند ابن ماجه سوى هذا الحديث ، وليس له
شىء فى بقية الكتب الخمسة )) .
٣٩٠

علىّ وعليك ومع هذا فلم يقض موسى إلّا أكمل الأجلين وأتمهما وهو العشر
سنين كوامل تامة .
قال البخارى : حدثنا محمد بن عبد الرحيم ، حدثنا سعيد بن سليمان ،
حدثنا مروان بن شجاع ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير ، قال : سألنى
يهودى من أهل الحيرة : أى الأجلين قضى موسى ؟ فقلت : لا أدرى حتى أقدم
على حبر العرب فأسأله . فقدمت فسألت ابن عباس فقال : قضى أكثرهما
وأطيبهما ، إن رسول الله إذا قال فعل .
تفرد به البخارى من هذا الوجه ، وقد رواه النسائى فى حديث الفتون ، كما
سيأتى من طريق القاسم بن أبى أيوب عن سعيد بن جبير به(٢٦).
وقد رواه ابن جرير عن أحمد بن محمد الطوسى ، وابن أبى حاتم عن أبيه ،
كلاهما عن الحميدى ، عن سفيان بن عيينة ، حدثنى إبراهيم بن يحيى
ابن أبى يعقوب ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن رسول الله
عَّ ◌َّه قال: ((سألت جبريل أى الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما
وأكملهما)) (٢٧).
وإبراهيم هذا غير معروف إلّا بهذا الحديث ، وقد رواه البزار عن أحمد بن
أبان القرشى ، عن سفيان بن عيينة ، عن إبراهيم بن أعين ، عن الحكم بن أبان ،
عن عكرمة عن ابن عباس عن النبى عَ ◌ّهِ فذكره .
وقد رواه سنيد عن حجاج عن ابن جريج ، عن مجاهد مرسلًا : أن رسول
الله عَ ◌ّه سأل عن ذلك جبريل فسأل جبريل إسرافيل، فسأل إسرافيل الرب عزّ
وجل فقال: ((أبرهما وأوفاهما:)).
وبنحوه رواه ابن أبى حاتم من حدیث یوسف بن سرج مرسلاً .
ورواه ابن جرير من طريق محمد بن كعب ، أن رسول الله عَّ اللّه سئل: أى
الأجلين قضى موسى؟ قال: ((أوفاهما وأتمهما)).
(٢٦) أخرجه البخارى فى كتاب الشهادات ، باب من أمر بإنجاز الوعد .
(٢٧) أخرجه ابن جرير فى تفسير سورة القصص ٢٠ / ٦٨.
٣٩١

وقد رواه البزار وابن أبى حاتم من حديث عويد بن أبي عمران الجونى ، وهو
ضعيف عن أبيه عن عبد الله بن الصامت، عن أبى ذر، أن رسول الله عَ ليه
سئل: أى الأجلين قضى موسى؟ قال: ((أوفاهما وأبرهما)) قال: ((وإن سئلت
أى المرأتين تزوج؟ فقل الصغرى منهما)) (٢٨).
وقد رواه البزار وابن أبى حاتم من طريق عبد الله بن لهيعة ، عن الحارث
ابن يزيد الحضرمى ، عن على بن رباح، عن عتبة بن الندر، أن رسول الله عَ ليه
قال: ((إن موسى آجر نفسه بعفة فرجه وطعام بطنه)) فلما وفى الأجل قيل :
يا رسول الله .. أى الأجلين؟ قال: ((أبرهما وأوفاهما)).
فلما أراد فراق شعيب - سأل امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه
ما يعيشون به ، فأعطاها ما ولدت غنمه ، من قالب لون من ولد ذلك العام ،
وكانت غنمه سوداء حساناً ، فانطلق موسى عليه السلام إلى عصا قسمها من
طرفها ثم وضعها فى أدنى الحوض ، ثم أوردها فسقاها ، ووقف موسى عليه السلام
بإزاء الحوض ، فلم يصدر منها شاة إلّا ضرب جنبها شاة شاة، قال: ((فأتأمت
وألبنت)) ووضعت كلها فى قوالب ألوان ، إلّا شاة أو شاتين ، ليس فيها فشوش ،
ولا ضبوب ، ولا عزوز ولا ثعول ، ولا كموش تفوت الكف . قال النبى
عَ ل: ((لو افتتحتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهى السامرية)).
قال ابن لهيعة: ((الفشوش : واسعة الشخب ، والضبوب: طويلة الضرع
تجره . والعزوز : شيقة الشخب ، والثعول : الصغيرة الضرع كالحلمتين ،
والكموش : التى لا يحكم الكف على ضرعها لصغره )).
وفى صحة رفع الحدیث نظر . وقد یکون موقوفاً کما قال ابن جرير : حدثنا
محمد بن المثنى ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثنا أبى ، عن قتادة ، حدثنا أنس
ابن مالك قال: (( لما دعا نبى الله موسى صاحبه إلى الأجل الذى كان بينهما ، قال
له صاحبه : كل شاة ولدت على غير لونها فلك ولدها ، فعمد موسى فوضع حبالا
على الماء فلما رأت الحبال فزعت فجالت جولة فولدن كلهن بلقاً إلّا شاة واحدة ،
فذهب بأولادهن كلهن ذلك العام )) وهذا إسناد جيد رجاله ثقات .. والله
(٢٨) ذكره ابن جرير فى تفسير سورة القصص ٢٠ / ٦٨ .
٣٩٢

أعلم .
وقد تقدم عن نقل أهل الكتاب عن يعقوب عليه السلام حين فارق خاله
((لا بان)) أنه أطلق له ما يولد من غنمه بلقا ، ففعل نحو ما ذكر عن موسى عليه
السلام .. والله أعلم .
قال الله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنْسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ
نَاراً قَالَ لِأُهْلِهِ امْكُثُواْ إِنَّى آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّى آتِيكُم مِّنْهَا بِخْبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ
لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ، فَلَمَّا أَتَاهَاَ نُودِىَ مِن شَاطِىءِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِى الْبُفْعَةِ الْمُبَارَكَةِ
مِنَ الشَّجَرَةِ أن يَا مُوسَى إِنِّى أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلَّقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءَاهَا
تَهْتُّ كَأَنَّهَا جَانٌ وَلَّى مُدَبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَحَفْ إِنَّكَ مِنَ
الْآَمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْئِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ
جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَاً
فَاسِقِينَ ﴾(٢٩) .
تقدم أن موسى قضى أتم الأجلين وأكملها ، وقد يؤخذ هذا من قوله :
فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ وعن مجاهد : أنه أكمل عشراً وعشراً بعدها .
وقوله : ﴿ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ أى من عند صهره، زاعما - فيما ذكره غير
واحد من المفسرين وغيرهم - أنه اشتاق إلى أهله ، فقصد زيارتهم ببلاد مصر فى
صورة مختف . فلما سار بأهله ومعه ولدان منهم وغنم قد استفادها مدة مقامه .
قالوا : واتفق ذلك فى ليلة مظلمة باردة ، وتاهوا فى طريقهم فلم يهتدوا إلى
السلوك فى الدرب المألوف ، وجعل يورى زناده فلا يورى شيئاً ، واشتد الظلام
والبرد .
فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد ناراً تأجج فى جانب الطور - وهو الجبل
الغربى منه عن يمينه فـ ﴿ قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُواْ إِنَّى آنَسْتُ نَاراً﴾ وكأنه والله أعلم
رآها دونهم ، لأن هذه النار هى نور فى الحقيقة ، ولا يصلح رؤيتها لكل أحد ،
(٢٩) القصص الآيات: ٢٩ - ٣٢.
٣٩٣
٠

لَعَلَّى آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخبرٍ﴾ أى لعلى أستعلم من عندها عن الطريق ﴿أو جَذْوَةٍ
مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَّلُونَ ﴾ فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق فى ليلة
باردة ومظلمة ، لقوله فى الآية الأخرى: ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأى
نَارَاً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُواْ إِنَّى آنَسْتُ نَاراً لُّعَلَّى آتِيَكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى
النَّارِ هُدَى﴾ (٣٠) فدل على وجود الظلام وكونهم تاهوا عن الطريق . وجمع
الكل فى سورة النمل فى وقوله: ﴿ إِذْ قَالَ مُوسَى لِأُهْلِهِ إِنَّى آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُم
مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبسٍ لَّعَلَّكُم تَصْطَلُونَ﴾(٣١) وقد أتاهم بخبر وأى
خبر ، ووجد عندها هدى وأى هدى ، واقتبس منها نوراً وأى نور ؟ ! .
٠
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِىَ مِن شَاطِىءِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِى الْبُفْعَةِ
الْمُبَارَكَةِ مِنِ الشَّجَرَةِ أن يَا مُوسَى إِنِّى أنَا اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ ﴾.
وقال فى النمل: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهَا تُودِىَ أن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا
وَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾(٣٢) أى سبحان الله الذى يفعل ما يشاء ويحكم ما
يريد ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ﴾(٣٣).
وقال فى سورة طه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِىَ يَا مُوسَى * إِنَّى أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ
تَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىٍ ، وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى « إِنَّنَى أَنَا
اللهُ لَا إِلَّهُ إِلَّاّ أَنَا فَاعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِى « إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أُكَادُ أُخْفِيهَا
لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَالَّبَعَ هَوَاهُ
فَتَرْدَى﴾(٣٤) .
قال غير واحد من المفسرين من السلف والخلف : لما قصد موسى إلى تلك
النار التى رآها فانتهى إليها ، وجدها تأجج فى شجرة خضراء من العوسج (٣٥) ،
(٣٠) طه الآيتان: ٩ - ١٠ .
(٣١) النحل الآية : ٧ .
(٣٢) النحل الآية ٨.
(٣٣) النحل الآية : ٩.
(٣٤) طه الآيات : ١١ - ١٦.
(٣٥) العوسج : الشوك .
٦
٣٩٤

وكل ما لتلك النار فى اضطرام ، وكل ما لخضرة تلك الشجرة فى ازدياد . فوقف
متعجباً ، وكانت تلك الشجرة فى لحف جبل غربى منه عن يمينه ، كما قال تعالى :
وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الغَرْبِىِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ
الشَّاهِدِينَ﴾(٣٦) وكان موسى فى واد اسمه (( طوى)) فكان موسى مستقبل
القبلة، وتلك الشجرة عن يمينه من ناحية الغرب، فناداه ربه بالوادى المقدس
طوى ، فأمر أولًا بخلع نعليه تعظيماً وتكريماً وتوقيراً لتلك البقعة المباركة ،
ولا سيما فى تلك الليلة المباركة .
وعند أهل الكتاب : أنه وضع يده على وجهه من شدة ذلك النور ، مهابة له
وخوفاً على بصره .
ثم خاطبه تعالى كما يشاء قائلاً له: ﴿إِنّى أَنَا اللهُ رَبُّ
العَالَمِينَ﴾(٣٧) ﴿إِنَّنِى أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَاعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصَّلَاةِ
لِذِكْرِى﴾ (٣٨) أى أنا رب العالمين الذى لا إله إلا هو، الذى لا تصلح العبادة
وإقامة الصلاة إلّا له .
ثم أخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار ، وإنما الدار الباقية يوم القيامة ، التى
لا بد من كونها ووجودها ﴿ لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ أى من خير وشر ،
وحضه وحثه على العمل لها ، ومجانبة من لا يؤمن بها ممن عصى مولاه واتبع
هواه . ثم قال له مخاطباً ومؤانساً ومبيناً له أنه القادر على كل شىء ، الذى يقول
للشيء كن فيكون : ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾(٣٩) أى أما هذه عصاك
التى تعرفها منذ صحبتها؟ ﴿قال هى عَصَاىَ أَتَوَكَأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُ بِهَا عَلَى
غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى﴾ (٤٠). أى بلى هذه عصاى التى أعرفها
وأتحققها، ﴿ قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾(٤١).
(٣٦) القصص الآية : ٤٤ .
(٣٧) القصص الآية : ٣٠.
(٣٨) طه الآية : ١٤ .
(٣٩) طه الآية : ١٧ .
(٤٠) طه الآية : ١٨ .
(٤١) طه الآيتان : ١٩ - ٢٠ .
٣٩٥

وهذا خارق عظيم وبرهان قاطع على أن الذى يكلمه هو الذى يقول للشىء
كن فيكون ، وأنه الفعال بالاختيار .
وعند أهل الكتاب : أنه سأله برهاناً صادقاً على صدقه عند من يكذبه من
أهل مصر ، فقال له الرب عزّ وجل : ما هذه التى فى يدك ؟ قال : عصابى ،
قال: ألقها إلى الأرض ﴿ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ فهرب موسى من
قدامها ، فأمر الرب عزّ وجل أن يبسط يده ويأخذها بذنبها ، فلما استمكن منها
ارتدت عصا فى يده .
وقد قال الله تعالى فى الآية الأخرى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَُّ
كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُذْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ (٤٢) أى قد صارت حية عظيمة لها ضخامة
هائلة وأنياب تصك ، وهى مع ذلك فى سرعة حركة الجان ، وهو ضرب من
الحيات يقال له الجان والجنان ، وهو لطيف ولكن سريع الاضطراب والحركة
جداً ، فهذه جمعت الضخامة والسرعة الشديدة . فلما عاينها موسى عليه السلام :
﴿ وَلَّى مُذْبِراً﴾ أى هارباً منها، لأن طبيعته البشرية تقتضى ذلك ﴿ وَلَمْ
يُعَقِّبْ﴾ أى ولم يلتفت، فناداه ربه قائلًا له: ﴿يَا مُوسَى أَقْبِل وَلَا تَحْف إِنَّكَ
مِن الآمِنِينَ ﴾ .
فلما رجع أمره الله تعالى أن يمسكها ﴿ قَالَ خُذْهَا وَلَا تَحْفْ سَنُعِيدُهَا
سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ (٤٣) فيقال إنه هابها شديداً ، فوضع يده فى كم مدرعته ، ثم
وضع يده فى وسط فمها . وعند أهل الكتاب : أمسك بذنبها ، فلما استمكن منها
إذا هى قد عادت كما كانت عصاً ذات شعبتين ، فسبحان القدير العظيم ، رب
المشرقين والمغربين ! .
ثم أمره تعالى بإدخال يده فى جيبه ، ثم أمره بنزعها فإذا هى تتلألأ كالقمر
بياضاً من غير سوء ، أى من غير برص ولابهق ، ولهذا قال : ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في
جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ
(٤٢) القصص الآية : ٣١ .
(٤٣) طه الآية : ٢١ .
٣٩٦

الرَّهْبِ ﴿(٤٤) قيل معناه : إذا خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك .
وهذا وإن كان خاصاً به ، إلّا أن بركة الإِيمان به حق بأن ينفع من استعمل
ذلك على وجه الاقتداء بالأنبياء .
وقال فى سورة النمل: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِن غَيْرِ
سُوءٍ فِىَ تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَاً فَاسِقِينَ ﴾ (٤٥) أى
هاتان الآيتان وهما : العصا واليد، هما البرهانان المشار إليهما فى قوله: ﴿ فَذَانِكَ
بُرْهَاتَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُم كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾(٤٦) ومع ذلك
سبع آيات أخرى . فذلك تسع آيات بينات وهى المذكورة فى آخر سورة
سبحان، حيث يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيَِّاتٍ فَاسْأَلْ بَنِى
إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنَّى لَأَظُنُكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً * قَالَ لَقَدْ
عَلِمْتَ مَا أَزَلَ هَؤْلَاءٍ إِلَّا رَبُّ السَّمَواتِ والْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنَّى لَأَظُنُكَ
يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ﴾(٤٧) .
وهى المبسوطة فى سورة الأعراف فى قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ
بِالْسِِّينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسنَةُ قَالُواْ
لَنَاهَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَّطَيِّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهِ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ أَّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ
لَكُ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالصَّفَادِعَ وَالذَّمَ آيَاتٍ
مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمَاً مُّجْرِمِينَ ﴾ (٤٨) كما سيأتى الكلام على ذلك فى
موضعه .
وهذه التسع الآيات غير العشر الكلمات ، فإن التسع من كلمات الله
القدرية ، والعشر من كلماته الشرعية ، وإنما نبهنا على هذه لأنه قد اشتبه أمرها
(٤٤) القصص الآية : ٣٢.
(٤٥) العمل الآية : ١٢ .
(٤٦) القصص الآية : ٣٢ .
(٤٧) الإسراء الآيتان : ١٠١ - ١٠٢.
(٤٨) الأعراف الآيات : ١٣٠ - ١٣٣.
٣٩٧

على بعض الرواة ، فظن أن هذه هى كما قررنا ذلك فى تفسير آخر سورة بنى
إسرائيل .
والمقصود أن الله سبحانه وتعالى لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى
قَالَ رَبِّ إِنَّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأْخَافُ أَنَ يَقْتُلُونِ « وَأَخِي هَارُونُ هُوَ
فرعون
أَفْصَحُ مِنِّى لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِى إِنَّى أَخَافُ أن يُكَذِّبُونِ * قَالَ
سَتَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلَا يَصِلُونِ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ
(٤٩)
اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ
يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله وكليمه موسى عليه السلام ، فى جوابه
لربه عزّ وجل حين أمره بالذهاب إلى عدوه الذى خرج من ديار مصر فراراً من
سطوته وظلمه ، حين كان من أمره ما كان فى قتل ذلك القبطى ولهذا ﴿ قَالَ رَبِّ
إِنَّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ، وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَاناً
فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِى إِنَّى أَخَافُ أن يُكَذِّبُونِ﴾ أى اجعله معى معيناً
وردءاً ووزيراً يساعدنى ، ويعينى على أداء رسالتك إليهم فإنه أفصح منى لساناً
وأبلغ بياناً .
قال الله تعالى مجيباً له إلى سؤاله: ﴿سَنَشُدُ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا
سُلْطَاناً﴾ أى برهاناً ﴿ فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ أى فلا ينالون منكما مكروهاً
بسبب قيامكما بآياتنا، وقيل ببركة آياتنا. ﴿أَنتُمًا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ .
وقال فى سورة طه: ﴿ اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * قَالَ رَبِّ ◌ِشْرَح لى
صَدْرِى * وَيَسِّرْ لى أَمْرِى « واحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِّسَانِى «يَفْقَهُواْ قَوْلِى﴾(٥٠) قيل
"إنه أصابه فى لسانه لثغة ، بسبب تلك الجمرة التى وضعها على لسانه ، والتى كان
فرعون أراد اختبار عقله ، حين أخذ بلحيته وهو صغير فهم بقتله ، فخافت عليه
آسية وقالت : إنه طفل ، فاختبره بوضع ثمرة وجمرة بين يديه فهم بأخذ الثمرة
فصرف الملك يده إلى الجمرة ، فأخذها فوضعها على لسانه فأصابته لثغة بسببها .
(٤٩) القصص الآيات : ٣٣ - ٣٥.
(٥٠) طه الآيات : ٢٤ - ٢٨.
٣٩٨

فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله ، ولم يسأل زوالها بالكلية .
قال الحسن البصرى : والرسل إنما يسألون بحسب الحاجة ، ولهذا بقيت فى
لسانه بقية .
ولهذا قال فرعون ، قبحه الله، فيما زعم أنه يعيب به الكليم: ﴿ وَلَا يَكَادُ
يُبِينَ﴾ (٥١) أى يفصح عن مراده ، ويعبر عما فى ضميره وفؤاده.
ثم قال موسى عليه السلام : ﴿ واجْعَل لیِّ وَزِيراً مِنْ أهْلِی ۔ ھَارُونَ اخِی.
*
أَشْدُذْ بِهِ أَزْرِى « وأَشْرِكْهُ فِ أمْرِى « كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً »
إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾(٥٢) .
أى قد أجبناك إلى جميع ما سألت ، وأعطيناك الذى طلبت. وهذا من
وجاهته عند ربه عزّ وجل ، حين شفع أن يوحى الله إلى أخيه فأوحى إليه . وهذا
جاه عظيم، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ عِندَ اللّه وَجِيهَاً﴾(٥٣) وقال تعالى :
وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً ﴾ (٥٤).
وقد سمعت أم المؤمنين عائشة رجلًا يقول لأناس وهم سائرون فى طريق
الحج : أى أخ أمن على أخيه ؟ فسكت القوم ، فقالت عائشة لمن حول هودجها :
هو موسى بن عمران حين شفع فى أخيه هارون فأوحى إليه . قال الله تعالى :
وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِياً ﴾ .
وقال تعالى فى سورة الشعراء: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ اْتِ الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ * قَالَّ رَبِّ إِنَّى أَخَافُ أن يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ
صَدْرِى وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِى فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أن
يَقْتُلُونِ . قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُسْتَمِعُونَ ، فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا
رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرَائِيلَ * قَالَ أَلَمْ تُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً
(٥١) الزخرف الآية : ٥٢ .
(٥٢) طه الآيات: ٢٩ - ٣٦.
(٥٣) الأحزاب الآية : ٦٩ .
(٥٤) مريم الآية : ٥٣ .
٣٩٩

وَلَبِثْتَ فِيَا مِنْ عُمُرٍكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التَِّ فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ
الْكَافِرِينَ ﴾(٥٥) .
تقدير الكلام : فأتياه فقالا له ذلك ، وبلغاه ما أرسلا به من دعوة إلى عبادة
الله تعالى وحده لاشريك له ، وأن يفك أسارى بنى إسرائيل من قبضته وقهره
وسطوته ، ويتركهم يعبدون ربهم حيث شاءوا ، ويتفرغون لتوحيده ودعائه
والتضرع لديه .
فتكبر فرعون فى نفسه وعتا وطغى ، ونظر إلى موسى بعين الازدراء والتنقص
قائلًا له: ﴿أَمْ تُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِئْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِين ﴾ أى أما أنت
الذى ربيناه فى منزلنا ؟ وأحسنا إليه وأنعمنا عليه مدة من الدهر ؟.
وهذا يدل على أن فرعون الذى بعث إليه هو الذى فر منه ، خلافاً لما عند
أهل الكتاب : من أن فرعون الذى فر منه مات فى مدة مقامه بمدين ، وأن الذى
بعث إليه فرعون آخر .
وقوله : ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التَّيِ فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكِافِرِينَ﴾(٥٦) أى
وقتلت الرجل القبطى ، وفررت منا وجحدت نعمتنا .
قَالَ فَعَلْتُهَا إِذَنْ وَأْنَا مِنَ الضَّالِّينَ ﴾(٥٧) أی قبل أن يوحى إلىّ وينزل
علىّ، ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّ خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِى رَبِّى حُكْماً وَجَعَلَنِى مِنَ
الْمُرْسَلِينَ﴾(٥٨).
ثم قال مجيباً لفرعون عما امتن به من التربية والإِحسان إليه: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ
تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِى إِسْرَئِيلَ﴾ (٥٩) أى وهذه النعمة التى ذكرت ، من
أنك أحسنت إلىّ وأنا رجل واحد من بنى إسرائيل تقابل ما استخدمت هذه
الشعب العظيم بكماله ، واستبعدتهم فى أعمالك وخدمتك وأشغالك .
(٥٥) الشعراء الآيات: ١٠ - ١٩ .
(٥٦) الشعراء الآية : ١٩ .
(٥٧) الشعراء الآية : ٢٠ .
(٥٨) الشعراء الآية : ٢١ .
(٥٩) الشعراء الآية : ٢٢.
٤٠٠