النص المفهرس

صفحات 281-300

على الصلاة ، والأمر بها لأهله ليقيهم العذاب ، مع ما كان يدعو إليه من عبادة
رب الأرباب، قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِعُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ
قَالَ يَابُنَى إِنَّى أَرَى فِى المَنَامِ أَنَّى أَذْبَحُكَ فَانْظُرِ مَاذَا تَرَى قَالَ يَأَبَتِ افْعَلْ مَا
ثْمَرُ سَتَجِدُنِى إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾(١) فطاوع أباه على ما إليه دعاه ،
ووعده بأنه سيصبر ، فوفى بذلك وصبر على ذلك .
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ فِى الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعْدِ وَكَانَ
رَسُولاً نِيَّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالْصِّلَاةِ وَالَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾(٢)
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَّاً إِبْرَاهِيمَ وإِسْحَاقَ ويَعْقُوبَ أُولِى الأَيْدِى
وَالأَبْصَارِ * إِنَّاَ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ . وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ
الأَخْيَارِ » واذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ واليسع وذا الكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأُخْيَارِ﴾(٣) وقال
تعالى: ﴿ وَإِسْمَاعِيلَ وإِذْرِيسَ وَذَا الكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ * وأَدْخَلْنَاهُم فِى
رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾(٤) وقال تعالى: ﴿ إِنَّا أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْ حَيْنَا
إِلَى نُوحِ وَالتَِّّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ
وَالأَسْبَاطِ ﴾(٥) الآية .
وقال تعالى: ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ
وإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ (٦) الآية. ونظيرتها من السورة
الأخرى، وقال تعالى: ﴿ أُمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وِإِسْمَاعِيلَ وإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ
والأَسْبَاطَ كَانُوا هُودَاً أَوْ نَصَارَى قُل أَنْتُم أَعْلَمُ أَمِ الله ﴾ (٧) الآية .
فذكر الله عنه كل صفة جميلة ، وجعله نبيه ورسوله ، وبرأه من كل ما
نسب إليه الجاهلون ، وأمر بأن يؤمن بما أنزل عليه عباده المؤمنون .
(١) سورة الصافات الآيتان: ١٠١، ١٠٢.
(٢) سورة مريم الآيتان : ٥٤، ٥٥ .
(٣) سورة ص الآيات : ٤٥ - ٤٨ .
(٤) سورة الأنبياء الآيتان : ٨٥، ٨٦.
(٥) سورة النساء الآية : ١٦٣ .
(٦) سورة البقرة الآية : ١٣٦.
(٧) سورة البقرة الآية : ١٤٠ .
٢٨١

وذكر علماء النسب وأيام الناس : أنه أول من ركب الخيل ، وكانت قبل
ذلك وحوشاً فأنسها وركبها . وقد قال سعيد بن يحيى الأموي(٨) في مغازيه :
حدثنا شيخ من قريش ، حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز ، عن عبد الله بن عمر ،
أن رسول الله عَ له قال: ((اتخذوا الخيل واعتقبوها فإنها ميراث أبيكم
إسماعيل)».
وكانت هذه العراب وحوشاً فدعا لها بدعوته التي كان أعطى فأجابته ، وأنه
أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة ، وكان قد تعلمها من العرب العاربة الذين
نزلوا عندهم بمكة من جرهم والعماليق وأهل اليمن ، من الأمم المتقدمين من العرب
قبل الخليل .
قال الأموي : حدثني علي بن المغيرة ، حدثنا أبو عبيدة ، مسمع بن مالك ،
عن محمد بن علي بن الحسين ، عن آبائه، عن النبي عَّ الله أنه قال: (( أول من فتق
لسانه بالعربية البينة إسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة)» فقال له يونس :
صدقت ياأبا سيار ، هكذا أبو جرى حدثني .
وقد قدمنا أنه تزوج لما شب امرأة من العماليق ، وأن أباه أمره بفراقها
ففارقها . قال الأموي : هى عمارة بنت سعد بن أسامة بن أكيل العماليقي . ثم
نكح غيرها فأمره أن يستمر بها ، فاستمر بها ، وهى السيدة بنت مضاض بن
عمرو الجرهمي ، وقيل هذه ثالثة ، فولدت له اثنى عشر ولداً ذكراً ، وقد سماهم
محمد بن إسحاق رحمه الله وهم : نابت ، وقيذر ، وازبل ، وميشى ، ومسمع ،
وماش ، ودوصا ، وأرر ، ويطور ، ونبش ، وطيما ، وقيذما . وهكذا ذكرهم
أهل الكتاب في كتابهم ، وعندهم أنهم الاثنا عشر عظيماً المبشر بهم ، المتقدم
ذكرهم وكذبوا في تأويلهم ذلك .
وكان إسماعيل عليه السلام رسولاً إلى أهل تلك الناحية وما والاها ، من
قبائل جرهم والعماليق وأهل اليمن ، صلوات الله وسلامه عليه . ولما حضرته
الوفاة أوصى إلى أخيه إسحاق، وزوج ابنته ((نسمة)) من ابن أخيه ((العيص )) بن
(٨) سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي أبو عثمان البغدادي توفي سنة ٢٤٩ هـ (تقريب التهذيب ٣٠٨/١،
تهذيب التهذيب ٩٧/٤ ) .
٢٨٢

إسحاق ، فولدت له الروم ، ويقال لهم بنو الأصفر ، لصفرة كانت في العيص .
وولدت له اليونان في أحد الأحوال . ومن ولد العيص الأشبان قيل منهما أيضاً .
وتوقف ابن جرير رحمه الله .
ودفن نبي الله إسماعيل بالحجر مع أمه هاجر ، وكان عمره يوم مات مائة
وسبعاً وثلاثين سنة .
وروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال : شكا إسماعيل عليه السلام إلى ربه
عز وجل حر مكة ، فأوحى الله إليه : إني سأفتح لك باباً من الجنة إلى الموضع
الذي تدفن فيه . يجري عليك روحها إلى يوم القيامة .
وعرب الحجاز كلهم ينتسبون إلى ولديه : نابت ، وقيذار .
٢٨٣

[ الفصل الثاني ]
ذكر إسحاق بن إبراهيم الكريم ابن الكريم
عليهما الصلاة والسلام
قد قدمنا أنه ولدولأبيه مائة سنة ، بعد أخيه إسماعيل بأربع عشرة سنة .
وكان عمر أمه سارة حين بشرت به تسعين سنة .
قال الله تعالى: ﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيِهِ
وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَتِهِمَا مُحْسَنٌ وَظَالِمٌ لَّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾(١).
وقد ذكره الله تعالى بالثناء عليه في غير ما آية من كتابه العزيز .
وقدمنا في حديث أبي هريرة عن رسول الله عَ له: ((إن الكريم ابن الكريم
ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم )) (١) .
وذكر أهل الكتاب أن إسحاق لما تزوج ((رفقا)) بنت بتوابيل في حياة أبيه ،
كان عمره أربعين سنة ، وأنها كانت عاقراً فدعا الله لها فحملت ، فولدت غلامين
تومين: أولهما اسمه ((عيصو)) وهو الذي تسميه العرب ((العيص)) وهو والد
الروم. والثاني خرج وهو آخذ بعقب أخيه فسموه ((يعقوب )) وهو إسرائيل
الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل .
قالوا : وكان إسحاق يحب عيصو أكثر من يعقوب ، لأنه بكره . وكانت
أمهما ((رفقا)) تحب يعقوب أكثر ، لأنه الأصغر .
قالوا : فلما كبر إسحاق وضعف بصره اشتهى على ابنه العيص طعاماً .
(١) سورة الصافات الآيتان: ١١٢، ١١٣.
(٢) أحمد في المسند ١٠١/٤ .
٢٨٤

وأمره أن يذهب فيصطاد له صيداً ويطبخه له ، ليبارك عليه ويدعو له . وكان
العيص صاحب صيد، فذهب يبتغي ذلك، فأمرت ((رفقا)) ابنها يعقوب أن
يذبح جدیین من خیر غنمه ، ويصنع منهما طعاماً كما اشتهاه أبوه ، ويأتي إليه به
قبل أخيه ليدعو له ، فقامت فألبسته ثياب أخيه ، وجعلت على ذراعيه وعنقه من
جلد الجديين ، لأن العيص كان أشعر الجسد ويعقوب ليس كذلك . فلما جاء به
وقربه إليه قال : من أنت ؟ قال ولدك . فضمه إليه وجسه وجعل يقول : أما
الصوت فصوت يعقوب . وأما الحس والثياب فالعيص . فلما أكل وفرغ دعا له
أن یکون أکبر أخواته قدراً ، و کلمته عليهم وعلى الشعوب بعده ، وأن یکثر رزقه
وولده
فلما خرج من عنده جاء أخوه العيص بما أمره به والده فقربه إليه ، فقال له :
ما هذا يابنى ؟ قال : هذا الطعام الذي اشتهيته ، فقال : أما جئتني به قبل ساعة
وأكلت منه ودعوت لك ؟ فقال : لا والله، وعرف أن أخاه قد سبقه إلى ذلك ،
فوجد في نفسه عليه وجداً كثيراً . وذكروا أنه تواعده بالقتل إذا مات أبوهما ،
وسأل أباه فدعا له بدعوة أخرى ، وأن يجعل لذريته غليظ الأرض ، وأن يكثر
أرزاقهم وثمارهم .
فلما سمعت أمهما ما يتواعد به العيص أخاه يعقوب ، أمرت ابنها يعقوب أن
یذهب إلى أخيها (( لابان )) الذي بأرض حران ، وأن یکون عندہ إلی حین یسکن
غضب أخيه ، وأن يتزوج من بناته . وقالت لزوجها إسحاق أن يأمره بذلك
ويوصيه ويدعو له ، ففعل .
فخرج يعقوب عليه السلام من عندهم من آخر ذلك اليوم ، فأدركه المساء
في موضع فنام فيه ، وأخذ حجراً فوضعه تحت رأسه ونام ، فرأى في نومه ذلك
معراجاً منصوباً من السماء إلى الأرض ، وإذا الملائكة يصعدون فيه وينزلون ،
والرب تبارك وتعالى يخاطبه ، ويقول له : إني سأبارك عليك وأكثر ذريتك ،
وأجعل لك هذه الأرض ولعقبك من بعدك .
فلما هب من نومه فرح بما رأى ، ونذر لله لئن رجع إلى أهله سالماً ليبْنِينَّ في
هذا الموضع معبداً لله عز وجل ، وأن جميع ما يرزقه من شيء يكون لله عشره .
٢٨٥

ثم عمد إلى ذلك الحجر فجعل عليه دهناً يتعرفه به ، وسمى ذلك الموضع :
(( بيت ايل)) أي بيت الله ، وهو موضع بيت المقدس اليوم الذي بناه يعقوب بعد
ذلك كما سيأتي(٣).
قالوا : فلما قدم يعقوب على خاله أرض حران ، إذا له ابنتان : اسم
الكبرى: ((ليا)) واسم الصغرى: ((راحيل)) وكانت أحسنهما وأجملهما،
فأجابه (٤) إلى ذلك بشرط أن يرعى غنمه سبع سنين . فلما مضت المدة على
خاله «لا بان» صنع طعاماً وجمع الناس عليه، وزف إليه ليلا ابنته الكبرى «ليا» وكانت
ضعيفة العينين قبيحة المنظر. فلما أصبح يعقوب إذا هى ((ليا)) فقال لخاله :
غدرت بي ؟ وأنت إنما خطبت إليك راحيل . فقال : إنه ليس من سنتنا أن نزوج
الصغرى قبل الكبرى ، فإن أحببت أختها فاعمل سبع سنين أخرى وأزوجكها .
فعمل سبع سنين وأدخلها عليه مع أختها . وكان سائغاً في ملتهم ثم نسخ في
شريعة التوراة . وهذا وحده دليل كاف على وقوع النسخ لأن فعل يعقوب عليه
السلام دليل على جواز هذا وإباحته، لأنه معصوم. ووهب (( لابان )) لكل
واحدة من ابنتيه جارية، فوهب لـ((ليا)) جارية اسمها ((زلفى)» ووهب
لـ((راحيل)) جارية اسمها ((بلهى))(٥) .
وجبر الله تعالى ضعف ((ليا)) بأن وهب لها أولاداً ، فكان أول من ولدت
ليعقوب، روبيل، ثم شمعون، ثم لاوي، ثم يهوذا. فغارت عند ذلك ((راحيل))
وكانت لا تحبل، فوهبت ليعقوب جاريتها ((بلهى)) فوطئها فحملت ، وولدت
له غلاماً سمته ((دان)) وحملت وولدت غلاماً آخر سمته ((نيفتالي)) فعمدت عند
ذلك ((ليا)) فوهبت جاريتها ((زلفى)) من يعقوب عليه السلام فولدت له :
جاد، وأشير، غلامين ذكرين ثم حملت ((ليا )) أيضاً فولدت غلاماً خامساً منها
وسمته ((ايساخر)) ثم حملت وولدت غلاماً سادساً سمته ((زابلون)). ثم حملت
وولدت بنتاً سمتها ((دينا)) فصار لها سبعة من يعقوب ..
(٣) تاريخ الطبري ٢٢٤/١.
(٤) كذا في الأصل. وسياق الكلام يقتضي أن يقول: فطلب ((يعقوب)) منه أن يزوجه ((راحيل)).
(٥) تاريخ الطبري ٢٢٥/١ وقال: فجمع يعقوب بينهما فذلك قوله تعالى ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما
قد سلف ﴾ .
٢٨٦

ثم دعت الله تعالى ((راحيل)) وسألته أن يهب لها غلاماً من يعقوب فسمع
الله نداءها وأجاب دعاءها ، فحملت من نبي الله يعقوب ، فولدت له غلاماً
عظيماً شريفاً حسناً جميلاً سمته ((يوسف)) :
كل هذا وهم مقيمون بأرض حران ، وهو يرعى على خاله غنمه بعد دخوله
على البنتين ست سنين أخرى ، فصارت مدة مقامه عشرين سنة .
فطلب يعقوب من خاله ((لابان)) أن يسرحه ليمر إلى أهله ، فقال له خاله :
إني قد بورك لي بسببك فسلني من مالي ماشئت . فقال : تعطيني كل حمل يولد
من غنمك هذه السنة أبقع(٦)، وكل حمل ملمع أبيض بسواد ، وكل أملح(٧)
ببياض ، وكل أجلح (٨) أبيض من المعز . فقال : نعم .
فعمد بنوه فأبرزوا من غنم أبيهم ما كان على هذه الصفات من التيوس ، لئلا
يولد شيء من الحملان على هذه الصفات . وساروا بها مسيرة ثلاثة أيام عن غنم
أبيهم .
قالوا : فعمد يعقوب عليه السلام إلى قضبان رطبة بيض من لوز ولب ،
فكان يقشرها بلقاً ، وينصبها في مساقي الغنم من المياه ، لتنظر الغنم إليها فتفزع
وتتحرك أولادها في بطونها ، فتصير ألوان حملاتها كذلك .
وهذا يكون من باب خوارق العادات ، وينتظم في سلك المعجزات .
فصار ليعقوب عليه السلام أغنام كثيرة ودواب وعبيد ، وتغير له وجه خاله
وبنيه ، وكأنهم انحصروا منه .
وأوحى الله تعالى إلى يعقوب أن يرجع إلى بلاد أبيه وقومه ، ووعده بأن
يكون معه ، فعرض ذلك على أهله فأجابوه مبادرين إلى طاعته ، فتحمل بأهله
وماله ، وسرقت راحيل أصنام أبيها .
فلما جاوزوا وتحيزوا عن بلادهم، لحقهم ((لابان)) وقومه ، فلما اجتمع
(٦) الأبقع: ما خالط لونه لون آخر . ( اللسان ) .
(٧) الأملح : ما خالط بياضه سواد ( اللسان ) .
(٨) الأجلح: هو الحيوان الذى لا قرن له (اللسان ).
٢٨٧

((لابان)) بيعقوب عاتبه في خزوجه بغير علمه ، وهَلَّا أعلمه، فيخرجهم في فرح
ومزاهر وطبول ، وحتى يودع بناته وأولادهن، وَلِمَ أخذوا أصنامه معهم ؟
ولم يكن عند يعقوب علم من أصنامه ، فأنكر أن يكون أخذوا له أصناماً
فدخل بيوت بناته وإمائهن يفتش فلم يجد شيئاً ، وكانت راحيل قد جعلتهن في
برذعة الجمل وهى تحتها ، فلم تقم ، واعتذرت بأنها طامث . فلم يقدر عليهن .
فعند ذلك تواثقوا على رابية هناك يقال لها ((جلعاد)) على أنه لا.يهين بناته ،
ولا يتزوج عليهن ، ولا يجاوز هذه الرابية إلى بلاد الآخر ، لا لابان ولا يعقوب ،
وعملا طعاماً وأكل القوم معهم وتودع كل منهما من الآخر . وتفارقوا راجعين
إلى بلادهم .
فلما اقترب يعقوب من أرض ((ساعير)) تلقته الملائكة يبشرونه بالقدوم .
وبعث يعقوب البرد إلى أخيه العيصو يترفق له ويتواضع له . فرجعت البرد
وأخبرت يعقوب بأن العيص قد ركب إليه في أربعمائة راجل .
فخشى يعقوب من ذلك ، ودعا الله عز وجل وصلى له ، وتضرع إليه
وتمسکن لديه ، وناشده عهده ووعده الذي وعده به . وسأله أن یکف عنه شر
أخيه العيص. وأعد لأخيه هدية عظيمة وهى : مائتا شاة ، وعشرون تيساً ،
ومائتا نعجة ، وعشرون كبشاً ، وثلاثون لقحة (٩)، وأربعون بقرة ، وعشرة من
الثيران ، وعشرون أتانا ، وعشرة من الحمر . وأمر عبيده أن يسوقوا كلا من هذه
الأصناف وحده . وليكن بين كل قطيع وقطيع مسافة ، فإذا لقيهم العيص فقال
) للأول : لمن أنت ؟ ولمن هذه معك ؟ فليقل : لعبدك يعقوب ، أهداها لسيدي
العيص ، وليقل الذي بعده كذلك ، وكذلك الذي بعده ، وكذا الذي بعده ،
ويقول كل منهم : وهو جاء بعدنا .
وتأخر يعقوب بزوجتيه وأمتيه وبنيه الأحد عشر بعد الكل بليلتين ، وجعل
يسير فيهما ليلاً ويكمن نهاراً ، فلما كان وقت الفجر من الليلة الثانية ، تبدى له
ملك من الملائكة في صورة رجل ، فظنه يعقوب رجلا من الناس ، فأتاه يعقوب .
· (٩) اللقحة: الناقة الحلوب الغزيرة اللبن، والجمع لقاح ( اللسان).
٢٨٨

ليصارعه ويغالبه ، فظهر عليه يعقوب فيما يرى ، إلا أن الملك أصاب وركه فعرج
يعقوب. فلما أضاء الفجر قال له الملك : ما اسمك ؟ قال : يعقوب . قال : لا
ينبغي أن تدعى بعد اليوم إلا إسرائيل . فقال له يعقوب : ومن أنت ؟ وما
اسمك ؟ فذهب عنه . فعلم أنه ملك من الملائكة ، وأصبح يعقوب وهو يعرج من
رجله . فلذلك لا يأكل بنو إسرائيل عرق النساء !
ورفع يعقوب عينيه فإذا أخوه عيصو قد أقبل في أربعمائمة راجل ، فتقدم
أمام أهله . فلما رأى أخاه العيص سجد له سبع مرات ، وكانت هذه تحيتهم في
ذلك الزمان . وكان مشروعاً لهم ، كما سجدت الملائكة لآدم تحية له ، وكما سجد
إخوة يوسف وأبوه كما سيأتي .
فلما رآه العيص تقدم إليه واحتضنه وقبله وبكى ، ورفع العيص عينيه ونظر
إلى النساء والصبيان فقال : من أين لك هؤلاء ؟ فقال : هؤلاء الذين وهب الله
لعبدك، فدنت الأمتان وبنوهما فسجدوا له. ودنت ((ليا )) وبنوها فسجدوا له .
ودنت ((راحيل)) وابنها يوسف فخرًّا سجدا له . وعرض عليه أن يقبل هديته
وألح عليه فقبلها .
ورجع العيص فتقدم أمامه ، ولحقه يعقوب بأهله وما معه من الأنعام
والمواشى والعبيد قاصدين جبال ((ساعير)).
فلما مر بساحور ابتنى له بيتاً ، ولدوابه ظلالا ، ثم مر على أورشليم قرية
شخيم فنزل قبل القرية ، واشترى مزرعة شخيم بن جمور بمائة نعجة ، فضرب
هنالك فسطاطه، وابتنى ثَمَّ مذبحاً فسماه (( ايل)) إله إسرائيل وأمره الله ببنائه
لیستعلن له فيه . وهو بيت المقدس اليوم ، الذي جدده بعد ذلك سليمان بن داود
عليهما السلام . وهو مكان الصخرة التي علمها بوضع الدهن عليها قبل ذلك ،
كما ذكرنا أولاً .
وذكر أهل الكتاب هنا قصة ((دينا)) بنت يعقوب بنت ((ليا )) وما كان من
أمرها مع شخيم بن جمور الذي قهرها على نفسها ، وأدخلها منزله ثم خطبها من
أبيها وإخوتها ، فقال إخوتها : إلا أن تختتنوا كلكم فنصاهركم وتصاهرونا ، فإنا لا
نصاهر قوماً غلفاً ، فأجابوهم إلى ذلك واختتنوا كلهم . فلما كان اليوم الثالث
٢٨٩

واشتد وجعهم من ألم الختان ، مال عليهم بنو يعقوب فقتلوهم عن آخرهم ،
وقتلوا شخيماً وأباه جمور لقبيح ما صنعوا إليهم ، مضافاً إلى كفرهم ، وما كانوا
يعبدونه من أصنامهم ، فلهذا قتلهم بنو يعقوب وأخذوا أموالهم غنيمة .
ثم حملت راحيل فولدت غلاماً هو ((بنيامين)) إلا أنها جهدت في طلقها به
جهداً شديداً وماتت عقيبه ، فدفنها يعقوب في (( أفراث)) بقبر راحيل إلى اليوم .
وكان أولاد يعقوب الذكور اثنى عشر رجلاً. فمن ((ليا)) روبيل ، وشمعون،
ولاوي، ويهوذا، وايساخر، وزابلون. ومن ((راحيل)): يوسف ، وبنيامين.
ومن أمة ((راحيل)): دان، ونفتالي، ومن أمة ((ليا)): جاد ، وأشير ، عليهم
السلام (١٠).
وجاء يعقوب إلى أبيه إسحاق فأقام عنده بقرية حبرون التي في أرض كنعان
حيث كان يسكن إبراهيم . ثم مرض إسحاق ومات عن مائة وثمانين سنة ودفنه
ابناه: العيص ، ويعقوب مع أبيه إبراهيم الخليل في المغارة التي اشتراها(١١) كما
قدمنا .
(١٠) قارن تاريخ الطبري ٢٢٥/١.
(١١) وردت هذه الأخبار عن يعقوب وأخيه في ((العهد القديم)) ولم تتعرض المصادر الإسلامية لها .
٢٩٠

الباب العاشر
ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل
الفصل الأول : قصة يوسف عليه السلام .
الفصل الثانى : قصة أيوب عليه السلام .
الفصل الثالث : قصة ذى الكفل عليه السلام .

[ الفصل الأول ]
قصة يوسف بن راحيل ( عليه السلام )
وقد أنزل الله عز وجل في شأنه وما كان من أمره سورة من القرآن
العظيم ، ليتدبر ما فيها من الحكم والمواعظ والآداب والأمر الحكيم . أعوذ بالله من
الشيطان الرجيم ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الَرِ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ »
إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنَاً عَرَبِيّا لُّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾(١).
قد تكلمنا على الحروف المقطعة أول تفسير سورة البقرة ، فمن أراد تحقيقه
فلينظره ثم ، وتكلمنا على هذه السورة مستقصى في موضعها من التفسير . ونحن
نذكرها هنا نبذاً مما هناك على وجه الإِيجاز والنجاز .
وجملة القول في هذا المقام : أنه تعالى يمدح كتابه العظيم الذي أنزله على عبده
ورسوله الكريم بلسان عربي فصيح ، بين واضح جلى ، يفهمه كل عاقل ذكي
زكى. فهو أشرف كتاب نزل من السماء ، أنزله أشرف الملائكة على أشرف
الخلق في أشرف زمان ومكان ، بأفصح لغة وأظهر بيان ..
فإن كان السياق في الأخبار الماضية أو الآتية ذكر أحسنها وأبينها وأظهر الحق
مما اختلف الناس فيه ، ودمغ الباطل وزيفه ورده .
وإن كان في الأوامروالنواهي فأعدل الشرائع وأوضح المناهج وأبين حكماً
وأعدل حكماً .
فهو كما قال تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقَاً وَعَدْلاً﴾(٢).
(١) سورة يوسف الآيات: ١ - ٣ .
(٢) سورة الأنعام الآية : ١١٥.
٢٩٣

يعني صدقاً في الأخبار ، وعدلا في الأوامر والنواهي .
ولهذا قال تعالى: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِينَ﴾(٣) أي بالنسبة إلى ما أوحى إليك
فيه .
كما قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِئَا مَا كُنتَ تَذْرِى مَا
الكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورَاً تَهِدِى بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ
لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم - صِرَاطِ اللهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَواتِ وَمَا فِى
الْأَرْضِ أَلا إِلَى الله تَصِيرُ الأُمُور﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿ كَذِلِكَ نَقَصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن
لَُّنَّا ذِكْراً « مَنْ أُعْرَضَ عنه فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَومَ القِيَامِةِ وِزْرَاً « خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ
لَهُمْ يَوَمَ القِيامِةِ حِمْلاً ﴾﴾(٥).
يعني من أعرض عن هذا القرآن واتبع غيره من الكتب فإنه يناله هذا
الوعيد . كما قال في الحديث المروي في المسند والترمذي عن أمير المؤمنين علي ،
مرفوعاً وموقوفاً: ((من ابتغى الهدى في غيره أضله الله)).
وقال الإِمام أحمد : حدثنا سريح بن النعمان ، حدثنا هشام ، أنبأنا خالد عن
الشعبي ، عن جابر: أن عمر بن الخطاب أتى النبي معَّ المه بكتاب أصابه من بعض
أهل الكتاب ، فقرأه على النبي معَ الم قال: فغضب وقال: (( أتتهو كون(٦) فيها يا
بن الخطاب ؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، لا تسألوهم عن
شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه ، والذي نفسي بيده لو أن موسى
كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني)).
إسناد صحيح(٧) .
(٣) سورة يوسف الآية : ٣ .
(٤) سورة الشورى الآيتان : ٥٢، ٥٣.
(٥) سورة طه الآيات : ٩٩ - ١٠١ .
(٦) أتتهو كون: قال أبو عبيدة : معناه: أمتحيرون أنتم في الإسلام حتى تأخذوه من اليهود ؟ ... [ لسان
العرب : هوك ] .
(٧) أخرجه أحمد في مسنده ٣٨٧/٣ .
٢٩٤

ورواه أحمد من وجه آخر عن عمر وفيه: فقال رسول الله عَ له: ((والذي
نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم ، إنكم حظي من
الأمم وأنا حظكم من النبيين ))(٨).
وقد أوردت طرق هذا الحديث وألفاظه في أول سورة يوسف . وفي
بعضها : أن رسول الله عَ لّم خطب الناس فقال في خطبته: ((أيها الناس ... إني
قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه ، واختصر لي اختصاراً ، وقد أتيتكم بها بيضاء
نقية فلا تتهوكوا ، ولا يغرنكم المتهو كون )) . ثم أمر بتلك الصحيفة فمحيت حرفاً
حرفاً(٩) .
إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنَّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ
وَالْقَمَرِ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ * قَالَ يَابُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِحْوَتِكَ فَيَكِيدُوا
لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَكَذَلِكِ يَجْتَبِكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن
تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَّى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَثُمَّهَا عَلَى أَبُوْكَ مِن
قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾(١٠) .
قد قدمنا أن يعقوب كان له من البنين اثنا عشر ولداً ذكراً وسميناهم وإليهم
تنسب أسباط بني إسرائيل كلهم ، وكان أشرفهم وأجلهم وأعظمهم يوسف عليه
السلام .
وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه لم يكن فيهم نبي غيره ، وباقي إخوته لم
یوح إليهم .
وظاهر ما ذكر من فعالهم ومقالهم في هذه القصة يدل على هذا القول .
ومن استدل على نبوتهم بقوله: ﴿ قُلْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ
عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأَسْبَاطِ﴾(١١) وزعم أن هؤلاء
(٨) أخرجه أحمد في مسنده ٤٧١/٣ .
(٩) رواه الحافظ ابن كثير من تفسيره عن أبى يعلى الموصلي، ثم قال: ((وعبد الرحمن بن إسحاق هو أبو شيبة .
الواسطى ، وقد ضعفوه وشيخه)) [ تفسير ابن كثير ٢٩٦/٤ ط الشعب ).
(١٠) سورة يوسف الآيات: ٤ - ٦ .
(١١) سورة آل عمران الآية: ٨٤ .
:
٢٩٥

هم الأسباط فليس استدلاله بقوى ، لأن المراد بالأسباط شعوب بني إسرائيل وما
كان يوجد فيهم من الأنبياء الذين ينزل عليهم الوحي من السماء ... والله أعلم .
ومما يؤيد أن يوسف عليه السلام هو المختص من بين إخوته بالرسالة
والنبوة - أنه ما نص على واحد من إخوته سواه ، فدل على ما ذكرناه .
ويستأنس لهذا بما قال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا عبد
الرحمن ، عن عبد الله بن دينار ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، أن رسول الله
عَ لٍ قال: (( الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن
إسحاق بن إبراهيم)).
انفرد به البخاري . فرواه عن عبد الله بن محمد وعبدة عن عبد الصمد بن
عبد الوارث به . وقد ذكرنا طرقه في قصة إبراهيم بما أغنى عن إعادته هنا ... ولله
الحمد والمنة .
قال المفسرون وغيرهم : رأى يوسف عليه السلام وهو صغير قبل أن يحتلم ،
كأن أحد عشر كوكباً ، وهم إشارة إلى بقية إخوته ، والشمس والقمر وهما
عبارة عن أبويه ، قد سجدوا له ، فهاله ذلك .
فلما استيقظ قصها على أبيه ، فعرف أبوه أنه سينال منزلة عالية ورفعة عظيمة
في الدنيا والآخرة ، بحيث يخضع له أبوه وإخوته فيها . فأمره بكتمانها وأن لا يقصها
على إخوته ، كيلاً يحسدوه وبيغوا له الغوائل ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر .
وهذا يدل على ما ذكرناه .
ولهذا جاء في بعض الآثار: (( استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها ، فإن
كل ذي نعمة محسود))(١٢) .
وعند أهل الكتاب أنه قصها على أبيه وإخوته معاً . وهو غلط منهم .
﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أي وكما أراك هذه الرؤيا العظيمة ، فإذا
(١٢) الجامع الصغير رقم (٩٨٥) والمقاصد الحسنة (١٠٣) وتمييز الطيب (١٢٥) وكشف الخفا (٤٣٢).
وصحيح الجامع (٩٥) والدرر (١٨) والموضوعات ١٦٥/٢.
٢٩٦

كتمتها ﴿يَجْتَبِكَ رَبُّكَ﴾ أي يخصك بأنواع اللطف والرحمة ﴿ وَيُعَلِّمُكَ مِن
تأويلِ الأَحَادِيث ﴾أي يفهمك من معاني الكلام وتعبير المنام ما لا يفهمه غيرك .
﴿ وَيُتُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أي بالوحي إليك ﴿ وَعَلَى آلٍ يَعْقُوبَ ﴾ أي
بسببك، ويحصل لهم بك خير الدنيا والآخرة . ﴿ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبُوَيْكَ مِن
قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وإِسْحَاقَ﴾ أي ينعم عليك ويحسن إليك بالنبوة ، كما أعطاها أباك
يعقوب، وجدك إسحاق، ووالد جدك إبراهيم الخليل، ﴿إِن رَبَّكَ عَلِيمٌ
حَكِيمٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿اللّهُ أَعلَمُ حيثُ يَجْعَلُ رِسَالَّتَهُ﴾(١٣).
لهذا قال رسول الله مَّ الله لما سئل: أي الناس أكرم؟ قال: ((يوسف نبي
الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله)).
:
وقد روي ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما ، وأبو يعلى والبزار في
مسنديهما ، من حديث الحكم بن ظهير - وقد ضعفه الأئمة - عن السدي عن
عبد الرحمن بن سابط ، عن جابر قال: أتي النبي معَّلِ رجل من اليهود يقال له:
بستانة اليهودي ، فقال : يا محمد ... أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف أنها
ساجدة له ما أسماؤها ؟ قال : فسكت النبي ګآلے فلم يجبه بشيء ، ونزل جبريل
عليه السلام بأسمائها. قال: فبعث إليه رسول الله فقال: (( هل أنت مؤمن إن
أخبرتك بأسمائها))؟ قال: نعم. فقال: ((هى جريان ، والطارق ، والذيال،
وذو الكتفان ، وقابس ، ووثاب ، وعمودان ، والفيلق ، والمصبح ، والضروح ،
وذو الفرع، والضياء ، والنور)).
فقال اليهودي : أي والله إنها لأسماؤها . وعند أبي يعلى : فلما قصها على أبيه
قال : هذا أمر مشتت يجمعه الله ، والشمس أبوه والقمر أمه(١٤).
لَقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِحْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ * إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ
أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانًا لَفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ * آقْتُوا يُوسُفَ أُوٍ
(١٣) سورة الأنعام الآية: ١٢٤.
(١٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ، تفسير سورة يوسف ١٥١/١٢.
٢٩٧

اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيِكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ * قَالَ
قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوَهُ فِى غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّارَةِ إِن
كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴾(١٥) .
ينبه تعالى على ما في هذه القصة من الآيات والحكم ، والدلالات والمواعظ
والبينات . ثم ذكر حسد إخوة يوسف له على محبة أبيه له ولأخيه ــ يعنون شقيقه
لأمه بنيامين - أكثر منهم ، وهم عصبة أي جماعة يقولون: فكنا نحن أحق بالمحبة
من هذين ﴿ إِنَّ أَبَائًا لَفِى ضَلَالٍ ثُمبِينٍ﴾ أي بتقديمه حبهما علينا .
ثم اشتوروا فيما بينهم في قتل يوسف أو إبعاده إلى أرض لا يرجع منها ،
ليخلوا لهم وجه أبيهم : أي لتتمحض محبته لهم وتتوفر عليهم ، وأضمروا التوبة بعد
ذلك .
فلما تمالئوا على ذلك وتوافقوا عليه ﴿ قَالَ قَائِلٌ مَنْهُم﴾ قال مجاهد: هو
شمعون ، وقال السدي : هو يهوذا ، وقال قتادة ومحمد بن إسحاقٍ : هو أكبرهم
روبيل: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَابَةِ الجُبِّ يَلْتَقِطُهُ بَعضُ السَّيَّارَةِ ﴾
أي المارة من المسافرين ﴿ إِن كُنتُمٍ فَاعِلِينَ﴾ ما تقولون لا محالة ، فليكن هذا
الذي أقول لكم ، فهو أقرب حالاً من قتله أو نفيه وتغريبه .
فأجمعوا رأيهم على هذا، فعند ذلك ﴿قَالُوا يَأَبَانَا مَالَكَ لَا تَأْمَّنَّا عَلَى
يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْئَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
*
قَالَ إِنَّى لَيَحْزُنُنِى أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّتْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ *
قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّتْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذَنْ لَّخَاسِرُونَ﴾(١٦) . طلبوا من أبيهم
أن يرسل معهم أخاهم يوسف ، وأظهروا له أنهم يريدون أن يرعىّ معهم ، وأن
يلعب وينبسط ، وقد أضمروا له ما الله به عليم .
فأجابهم الشيخ ، عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم : يا بنى ... يشق على
أن أفارقه ساعة من النهار ، ومع هذا أخشى أن تشتغلوا في لعبكم وما أنتم فيه ،
(١٥) سورة يوسف الآيات: ٧ - ١٠.
(١٦) سورة يوسف الآيات: ١١ - ١٤ .
٢٩٨

فيأتي الذئب فيأكله ، ولا يقدر على دفعه عنه لصغره وغفلتكم عنه .
قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّثْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذَن لَّحَاسِرُونَ ﴾ أي لئن عدا
عليه الذئب فأكله من بيننا ، أو اشتغلنا عنه حتى وقع هذا ونحن جماعة ، إنا إذن
الخاسرون ، أي عاجزون هالكون .
وعند أهل الكتاب : أنه أرسله وراءهم يتبعهم ، فضل عن الطريق حتى
أرشده رجل إليهم ، وهذا أيضاً من غلطهم وخطئهم في التعريب ، فإن يعقوب
عليه السلام كان أحرص عليه من أن يبعثه معهم ، فكيف يبعثه وحده .
فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ
لَتُنَبِّئَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءَ بَيْكُونَ * قَالُوا
يَا أَبَانًا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأُكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أُنْتَ بِمُؤْمِنٍ
أَنَا وَلَوْ كُنَّ صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ
أَنفُسُكُمْ أُمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾(١٧) .
لم يزالوا بأبيهم حتى بعثه معهم ، فما كان إلا أن غابوا عن عينيه ، فجعلوا
يشتمونه ويهينونه بالفعال والمقال ، وأجمعوا على إلقائه في غيابة الجب ، أي في
قعره على راعونته، وهى الصخرة التي تكون في وسطه يقف عليها ((الماتحُ))
وهو الذي ينزل يملأ الدلاء إذا قل الماء ، والذي يرفعها بالجبل يسمى الماتح .
فلما ألقوه فيه ، أوحى الله إليه : أنه لا بد لك من فرج ومخرج من هذه
الشدة التى أنت فيها، ولتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا فى حال أنت فيها عزيز ،
وهم محتاجون إليك خائفون منك، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُون ﴾ .
قال مجاهد وقتادة : وهم لا يشعرون بايحاء الله إليه ذلك . وعن ابن عباس :
﴿وَهُمْ لَا يشعُرون﴾ أي لتخبرنهم بأمرهم هذا في حال لا يعرفونك فيها ، رواه
ابن جرير عنه .
فلما وضعوه فيه ورجعوا عنه ، أخذوا قميصه فلطخوه بشيء من دم ،
(١٧) سورة يوسف الآيات: ١٥ - ١٨.
٢٩٩

ورجعوا إلى أبيهم عشاء وهم بيكون ، أي على أخيهم . ولهذا قال بعض السلف :
لا يغرنك بكاء المتظلم فرب ظالم وهو باك ! وذكر بكاء إخوة يوسف وقد جاءوا
أباهم عشاء بيكون ، أي في ظلمة الليل ، ليكون أمشى لغدرهم لا لعذرهم .
قَالُوا يَاأَبَانًا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا﴾ أي ثيابنا
فَأَكَلَّهُ الذِّئْبُ﴾ أي في غيبتنا عنه في استباقنا. وقولهم: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ
لََّا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ أي ما أنت بمصدق لنا في الذي أخبرناك من أكل الذئب
له ، ولو كنا غير متهمين عندك . فكيف وأنت تتهمنا في هذا ؟ فإنك خشيت أن
يأكله الذئب ، وضمنا لك أن لا يأكله لكثرتنا حوله ، فصرنا غير مصدقين
عندك ، فمعذور أنت في عدم تصديقك لنا والحالة هذه .
وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِب﴾ أي مكذوب مفتعل ، لأنهم عمدوا
إلى سخلة (١٨) ذبحوها ، فأخذوا من دمها فوضعوه على قمضيه ، ليوهموه أنه أكله
الذئب . قالوا : ونسوا أن يخرقوه ، وآفة الكذب النسيان ! ولما ظهرت عليهم
علائم الريبة لم يُرُجْ صنيعهم على أبيهم ، فإنه كان يفهم عداوتهم له ، وحسدهم
إياه على محبته له من بينهم أكثر منهم ، لما كان يتوسم فيه من الجلالة والمهابة التي
كانت عليه في صغره ، لما يريد الله أن يخصه به من نبوته . ولما راودوه عن أخذه
فبمجرد ما أخذوه أعدموه ، و غيبوه عن عينيه وجاءوا وهم يتباکون ، وعلى ما
تمالئوا يتواطئون . ولهذا ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أُمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
وَ اللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ .
وعند أهل الكتاب : أن روبيل أشار بوضعه في الجب ليأخذه من حيث لا
يشعرون ويرده إلى أبيه ، فغافلوه وباعوه لتلك القافلة . فلما جاء روبيل آخر
النهار ليخرج يوسف لم يجده ، فصاح وشق ثيابه ، وعمد أولئك إلى جدي
فذبحوه ، ولطخوا من دمه جبة يوسف ، فلما علم يعقوب شق ثيابه ، ولبس
مؤزراً أسود وحزن على ابنه أياماً كثيرة .
وهذه الركاكة جاءت من خطئهم في التعبير والتصوير .
(١٨) السَّخْلَة - بتشديد السين وفتحها وتسكين الخاء: ولد الشاة من المعز والضأن ذكرا كان أو أنثى ...
[ اللسان : سخل ] .
٣٠٠