النص المفهرس

صفحات 241-260

الباب السابع
قصة لوط عليه السلام

قصة لوط عليه السلام
ومما وقع في حياة إبراهيم الخليل من الأمور العظيمة : قصة قوم لوط عليه
السلام ، وما حل بهم من النقمة العميمة .
وذلك أن لوطاً بن هاران بن تارح ـ وهو آزر كما تقدم ـــ ولوط ابن أخى
إبراهيم الخليل ، فإبراهيم وهاران وناحور إخوة كما قدمنا ، ويقال إن هاران هذا هو
الذي بنى حران . وهذا ضعيف لمخالفته ما بأيدى أهل الكتاب ... والله تعالى
أعلم .
وكان لوط قد نزح عن محلة عمه الخليل عليهما السلام بأمره له وإذنه ، فنزل
بمدينة سدوم من أرض غور زغر ، وكان أم تلك المحلة ولها أرض ومعتملات
وقرى مضافة إليها . ولها أهل من أفجر الناس وأكفرهم وأسوئهم طوية ، وأردئهم
سريرة وسيرة ، يقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر ، ولا يتناهون عن منكر
فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون .
ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم ، وهى إتيان الذكران من
العالمين ، وترك ما خلق الله من النسوان لعباده الصالحين .
فدعاهم لوط إلى عبادة الله تعالى وحده ، لا شريك له ، ونهاهم عن تعاطي
هذه المحرمات والفواحش والمنكرات ، والأفاعيل المستقبحات فتمادوا على ضلالهم
وطغيانهم ، واستمروا على فجورهم وكفرانهم ، فأحل الله بهم من البأس الذي لا
يرد ما لم يكن في خلدهم وحسبانهم ، وجعلهم مثالة في العالمين . وعبرة يتعظ بها
الألباء من العالمين .
ولهذا ذكر الله تعالى قصتهم في غير ما موضع في كتابه المبين . فقال تعالى في
سورة الأعراف: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتْأُتُونَ الْفَاحِشَةَ مَاسَبَقَكُم بِهَا مِنْ
أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ
٢٤٣

مُسْرِفُونَ ﴿ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِ جُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ
يَتَطَّهَّرُونَ * فَأْنَجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّ امْرَأْتُهُ كَانَتْ مِنَ الْغَاِرِينَ * وَأُمْطَرْنَا عَلَيَهْمِ مَّطَراً
فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾(١) .
وقال تعالى في سورة هود: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا
سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ ، فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ
نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَّا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ، وَامْرَأْتُهُ
قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ، قَالَتْ يَاوَيْلَتَى
◌َّلِدُ وَأَنَا عَجُوزْ وَهَذَا بَعْلِى شَيْخاً إِنَّ هَذَا لِشَىْءٌ عَجِيبٌ ﴿ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ
أَمْرِ اللهِ رَحَمَةُ اللهِ وَبَرَ كَاتُهُ عَلَيْكُمْ أُهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ﴾ فَلَمَّا ذَهَبَ
عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ
أَوَّاةٌ مُنِيبٌ ﴿ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ
عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ * وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلْنَا لُوطَأَ سِىءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَّالَ
هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ * وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّئَاتِ
قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلَا تُحْزُونِ فِى ضَيْفِى أَلَيْسَ
مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴾ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَالَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقِّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا
تُرِيدُ. قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ
لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّ امْرَأْتُكَ
إِنَّهُ مُصِيبُها مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بُقَرِيبٍ * فَلَمَّا جَاءَ
أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارةً مِّن سِجِيلٍ مَّنْضُودٍ * مُسَوَمَةً
عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِىَ مِنَ الظَّالِمِينَ بَِعِيدٍ﴾(٢) .
وقال تعالى في سورة الحجر: ﴿وَبِئْهُم عَنِ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ، إِذْ دَخَلُوا
عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ * قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا تُبَشَّرُكَ بِعَلَامٍ
عَلِيمٍ * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى عَلَى أَن مَّسَّنِىَ الكِبْرُ فَبِمَ تُبَشْرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ
بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنِ مِّن القَانِطِينَ ،قَالَ وَمَنِ يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّ الضَّالُونَ * قَالَ
فَمَا خَطْبَكُمْ أَيُّهَا المُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * إِلَّ آلَ لُوطٍ
(١) سورة الأعراف الآيات: ٨٠ - ٨٤ .
(٢) سورة هود الآيات : ٦٩ - ٨٣ .
٢
٢٤٤

إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّ امْرَأْتُهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لِمَنَ الغَابِرِينَ . فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ
المُرْسَلُونَ ، قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنكَرُونَ " قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ »
وَأَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ، فَأُسْرٍ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَّيْلِ وَآتَّبِعْ أَذْبَارَهُمْ وَلَا
يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أُحَدٌ وَآَمْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ * وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأُمْرَ أَنَّ دَابِرَ
هَؤُلَاءِ مَقْطُوعْ مُصْبِحِينَ * وَجَاءَ أَهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ * قَالَ إِنَّ هَؤُلاءِ
ضَيْفِى فَلَا تَفْضَحُونٍ * وَاتَّقُوا اللهَ وَلَا تُحْزُونِ ، قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ
العَالَمِينَ * قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِ إِن كُمْ فَاعِلِينَ * لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَّفِى سَكْرَتِهِمْ
يَعْمَهُونَ ﴾ فَأَخَذَتُهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ، فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ
حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ * إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ * إِنّ
فِى ذَلِكَ لَآيَةً لَلْمُؤْمِنِينَ﴾(٣).
وقال تعالى في سورة الشعراء: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لوطِ المُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ
لَهُمْ أُخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ )) إِنَّى لَكُمْ رَسُولٌ أُمِينٌ ، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا
أُسْألُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أُجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ
العَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَّكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ *
قَالُوا لَئِنِ لَّمْ تُنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُوئِنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ ، قَالَ إِنَّى لِعَمَلِكُمْ مِّن القَالِينَ ،
*
رَبِّ نَجِّنِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ، فَتَجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أُجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزاً فِيٍ
الغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرَأْ فَسَاءَ مَطَرُ المُنْذَّرِينَ * إِنَّ
فِى ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الَّحِيمُ﴾(٤).
وقال تعالى في سورة النمل: ﴿ وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَّأُتُونَ الفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ
تْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ *
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أُخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ
يَتَطَهَّرُونَ . فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّ امْرَأْتُهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم
مَّطَرَأَ فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ﴾(٥).
(٣) سورة الحجر الآيات : ٥١ - ٧٧ .
(٤) سورة الشعراء الآيات: ١٦٠ - ١٧٥.
(٥) سورة النمل: الآيات : ٥٤ - ٥٨ .
٢٤٥

وقال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ
الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أُحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ* أَتِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ
السَّبِيلَ وَتَأَتُّونَ فِى نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا أَثْبِنَا
بِعَذَابِ اللهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّ انصُرْنِىٍ عَلَى القَوْمِ المُفْسِدِينَ
وَلَّمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوُاْ أَهْلِ هَذَهِ القَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا
كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطأً قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَتْنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا
امْرَأْتُهُ كَائِتْ مِنَ الغَابِرِينَ * وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلْنَا لُوطاً سِىءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ
ذَرْعاً وَقَالُوا لَا تَخْفَ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُتَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ
الغَابِرِينَ * إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ القَرْبَةِ رِجْزاً مِّن السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا
يَفْسُقُونَ * وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةٍ بَيِّنَةً لَّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾(٦).
وقال تعالى في سورة الصافات: ﴿ وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ
وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ﴿ إِلَّا عَجُوزٍاً فِى الغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخِرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ
عَلَيْهِم ◌ُصْبِحِينَ * وَبِالَّيْلِ أُفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾(٧) .
وقال تعالى في سورة الذاريات بعد قصة ضيف إبراهيم وبشارتهم إياه بغلام
عليم: ﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ
مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ » مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ
*
فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرِ بَيْتٍ مِّن المُسْلِمِينَ.
*
وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ العَذَابَ الأَلِيمَ﴾(٨) .
وقالِ في سورة القمر: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطِ بِالنُّذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
حَاصِباً إِلَّ آلَ لُوطٍ تَجَيْنَاهُم بِسَحَرٍ * نَّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِى مَن
شَكَرَ * وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَا رَوْا بِالنُّذُرِ * وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنِ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا
أَعْيْنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِى وَنُذُرٍ ﴿ وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ « فَذُوقُوا
عَذَابِى وَتُذُرٍ * وَلَقَدَ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُذَكِرٍ﴾(٩).
(٦) سورة العنكبوت الآيات: ٢٨ - ٣٥.
(٧) سورة الصافات الآيات : ١٣٣ - ١٣٨.
(٨) سورة الذاريات الآيات: ٣١ - ٣٧ .
(٩) سورة القمر : ٣٣ - ٤٠.
٢٤٦

وقد تكلمنا على هذه القصص في أماكنها من هذه السور في التفسير .
وقد ذكر الله لوطاً وقومه في مواضع أخر من القرآن ، تقدم ذكرها مع نوح
وعاد وثمود .
والمقصود الآن إيراد ما كان من أمرهم ، وما أحل الله بهم ، مجموعاً من
الآيات والآثار ... وبالله المستعان .
وذلك أن لوطاً عليه السلام لما دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ،
ونهاهم عن تعاطي ما ذكر الله عنهم من الفواحش ، لم يستجيبوا له ولم يؤمنوا به
حتى ولا رجل واحد منهم ، ولم يتركوا ما عنه نهوا . بل استمروا على حالهم ، ولم
يرعوواعن غيهم وضلالهم ، وهموا بإخراج رسولهم من بين ظهرانيهم . وما كان
حاصل جوابهم عن خطابهم - إذا كانوا لا يعقلون إلا أن قالوا: ﴿أُخْرِجُوا آلَ
لُوطٍ مِن قَرْيَتَكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَّهَرُونَ ﴾ (١٠) فجعلوا غاية المدح ذماً يقتضى الإخراج !
وما حملهم على مقالتهم هذه إلا العناد والدجاج .
فطهره الله وأهله إلا امرأته ، وأخرجهم منها أحسن إخراج ، وتركهم في
محلتهم خالدين ، لكن بعدما صيرها عليهم بحرة منتنة ذات أمواج ، لكنها عليهم في
الحقيقة نار تأجج ، وحر يتوهج ، وماؤها ملح أجاج .
وما كان هذا جوابهم إلا لما نهاهم عن ارتكاب الطامة العظمى ، والفاحشة
الكبرى ، التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين أهل الدنيا . ولهذا صاروا مثلة فيها
وعبرة لمن عليها .
وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق ، ويخونون الرفيق ، ويأتون في ناديهم -
وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم - المنكر من الأقوال والأفعال على اختلاف
أصنافه . حتى قيل إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم ، ولا يستحيون من
مجالسيهم ، وربما وقع منهم الفعلة العظيمة في المحافل ولا يستنكفون ، ولا يرعوون
لوعظ واعظ ولا نصيحة عما كانوا عليه في الحاضر ، ولا ندموا على ما سلف من
(١٠) سورة النحل الآية : ٥٦.
٢٤٧

الماضي ، ولا راموا في المستقبل تحويلاً، فأخذهم الله أخذاً وبيلاً .
وقالوا له فيما قالوا: ﴿اثْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِن كُنتَ مِن الصَّادِقِينَ﴾(١١)
فطلبوا منه وقوع ما حذرهم عنه من العذاب الأليم ، وحلول البأس العظيم .
فعند ذلك دعا عليهم نبيهم الكريم ، فسأل من رب العالمين وإله المرسلين أن
ينصره على القوم المفسدين .
فغار الله لغيرته ، وغضب لغضبته ، واستجاب لدعوته ، وأجابه إلى طلبته
وبعث رسله الكرام ، وملائكته العظام ، فمروا على الخليل إبراهيم وبشروه بالغلام
العليم ، وأخبروه بما جاءوا له من الأمر الجسيم والخطب العميم: ﴿قَالَ فَمَا
خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ﴾ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِتُرْسِلَ عَلَيْهِمْ
حِجَارَةً مِّن طِينٍ » مُسَوَمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾(١٢) وقال: ﴿ وَلَمَّا جَاءَتْ
رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَذَهِ القَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا
ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنْتَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّ امْرَأَتُهُ
كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ﴾(١٣) وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الَّوْعُ
وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ﴾ (١٤) وذلك أنه كان يرجو أن يجيبوا أو
ينيبوا ويسلموا ويقلعوا ويرجعوا، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أُوَّاةٌ
مُنِيبٌ ﴿ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ
مَرْدُودٍ ﴾(١٥) أي أعرض عن هذا وتكلم غيره ، فإنه قد حتم أمرهم ، ووجب
عذابهم وتدميرهم وهلاكهم ، ﴿ إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أُمْرُ رَبِّكَ ﴾ أي قد أمر به من لا
يرد أمره، ولا يرد بأسه، ولا معقب لحكمه. ﴿وإِنَّهُم آتيهم عذابٌ غيرُ
مردود ﴾ .
وذكر سعيد بن جبير والسدي وقتادة ومحمد بن إسحاق : أن إبراهيم عليه
(١١) سورة العنكبوت الآية : ٢٩ .
(١٢) سورة الذاريات: الآيات : ٣١ - ٣٤.
(١٣) سورة العنكبوت الآيتان: ٣١، ٣٢.
(١٤) سورة هود الآية : ٧٤ .
(١٥) سورة هود الآيتان: ٧٥، ٧٦ .
٢٤٨

السلام جعل يقول : أنهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن قالوا : لا . قال : فمائتا
مؤمن ؟ قالوا : لا . قال : فأربعون مؤمنا ؟ قالوا : لا . قال : فأربعة عشر
مؤمنا ؟ قالوا : لا . قال ابن إسحاق : إلى أن قالٍ : أفرأيتم إن كان فيها مؤمن
واحد ؟ قالوا: لا ﴿ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُوا نحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا ﴾(١٦) الآية .
-
وعند أهل الكتاب أنه قال: ((يارب ... أتهلكهم وفيهم خمسون صالحاً )) ثم
تنازل إلى عشرة فقال الله: ((لا أهلكهم وفيهم عشرة صالحون)).
قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِىَءٍ بِهِمْ وَضَاقَ بهم ذَرْعاً
وقَالَ هَذَا يومٌ عَصِيبٌ﴾(١٧) قال المفسرون : لما فصلت الملائكة من عند
إبراهيم - وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل - أقبلوا حتى أتوا أرض سدوم ، في
صور شبان حسان ، اختباراً من الله تعالى لقوم لوط وإقامة للحجة عليهم .
فاستضافوا لوطاً عليه السلام وذلك عند غروب الشمس ، فخشى إن لم يُضَيِّفهم
أن يضيفهم غيره، وحسبهم بشراً من الناس ،و﴿ سيّء بِهِمْ وَضَاقَ بهم ذَرْعاً
وقَالَ هَذَا يومٌ عَصِيبٌ﴾. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق :
شديد بلاؤه . وذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم ، كما كان يصنع بهم في
غيرهم ، وكانوا قد اشترطوا عليه أن لا يضيف أحداً ، ولكن رأى من لا يمكن
المحيد عنه .
وذكر قتادة : أنهم وردوا عليه وهو في أرض له يعمل فيها ، فتضيفوا
فاستحيا منهم وانطلق أمامهم ، وجعل يعرض لهم في الكلام لعلهم ينصرفون عن .
هذه القرية وينزلون في غيرها ، فقال لهم فيما قال : والله يا هؤلاء ما أعلم على
وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء . ثم مشى قليلا ، ثم أعاد ذلك عليهم حتى
کررہ أربع مرات . قال : و کانوا قد أمروا أن لا يہلکوهم حتی یشھد عليهم نبيهم
بذلك (١٨) .
وقال السدي : خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط ، فأتوها
(١٦) تاريخ الطبري جـ ٢٠٩/١ .
(١٧) سورة هود الآية : ٧٧ .
(١٨) تاريخ الطبري جـ ٢١٠١.
٢٤٩

نصف النهار ، فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لأهلها ، وكانت
له ابنتان: اسم الكبرى ((ريثا)) والصغرى ((زغرتا)) فقالوا لها : ياجارية ... هل
من منزل ؟ فقالت لهم : نعم ، مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم . شفقة عليهم من
قومها ، فأتت أباها فقالت : يا أبتاه ... أرادك فتيان على باب المدينة ، ما رأيت
وجوه قوم قط هى أحسن منهم ، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم . وقد كان قومه
نهوْه أن يضيف رجلاً فقالوا : خل عنا فلنضيف الرجال(١٩).
فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل البيت ، فخرجت امرأته فأخبرت قومها
فقالت : إن في بيت لوط رجالاً ما رأيت مثل وجوههم قط فجاءه قومه يهرعون
إليه .
وقوله: ﴿وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْملون السيئات﴾(٢٠) أي هذا مع ما سلف
لهم من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة ، ﴿ قَالَ يَاقَوم هؤلاء بناتِي هُنَّ أَطْهَرُ
لكم ﴾ يرشدهم إلى غشيان نسائهم وهن بناته شرعاً ، لأن النبي للأمة بمنزلة
الوالد ، كما ورد في الحديث ، كما قال تعالى: ﴿النبى أُوْلَى بالمؤمنين مِنْ أَنفُسِهِم
وأزواجُهُ أُمْهَاتُهم﴾ (٢١) وفي قول بعض الصحابة والسلف : وهو أب لهم .
وهذا كقوله: ﴿ أَتَأَثُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ العَالَمِينَ * وَتَذَرُونِ مَا خَلَقَ لَكُم رَبُّكُم
مَن أَزْوَاجِكُم بَلَ أَنتُمْ قَومٌ عادون﴾(٢٢).
وهذا هو الذي نص عليه مجاهد وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة
والسدي ومحمد بن إسحاق ، وهو الصواب .
والقول الآخر خطأ مأخوذ من أهل الكتاب ، وقد تصحف عليهم كما أخطئوا
في قولهم : إن الملائكة كانوا اثنين ، وإنهم تعشوا عنده . وقد خبط أهل الكتاب.
في هذه القصة تخبيطاً عظيماً .
وقوله : ﴿ فَاتَّقُوا اللهَ وَلَا تُحْزُونِ فِى ضَيْفِي أُلَيْسَ مِنكُمْ رجلٌ
(١٩) تاريخ الطبري جـ ٢١٠١.
(٢٠) سورة هود الآية : ٧٨ .
(٢١) سورة الأحزاب الآية : ٦ .
(٢٢) سورة الشعراء الآيتان: ١٦٥، ١٦٦.
٢٥٠

رَشيدٌ﴾ (٢٣) نهى لهم عن تعاطي ما لا يليق من الفاحشة ، وشهادة عليهم بأنه
ليس فيهم رجل له مسكة ولا فيه خير ، بل الجميع سفهاء ، فجرة أقوياء ، كفرة
أغبياء .
وكان هذا من جملة ما أراد الملائكة أن يسمعوه منه من قبل أن يسألوه عنه .
فقال قومه ، عليهم لعنة الله الحميد المجيد ، مجيبين لنبيهم فيما أمرهم به من
الأمر السديد: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَّنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا
تُرِيدُ﴾(٢٤) . يقولون - عليهم لعائن الله - لقد علمت يالوط أنه لا أرب لنا في
نسائنا ، وإنك لتعلم مرادنا وغرضنا .
واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولهم الكريم ، ولم يخافوا سطوة العظيم ، ذي
العذاب الأليم . ولهذا قال عليه السلام: ﴿لَو أَنَّ لِى بِكُمْ قُوقً أو آوى إِلَی رُکْنِ
شَدِيدٍ﴾(٢٥) . ود أن لو كان له بهم قوة ، أو له منعة وعشيرة ينصرونه عليهم ،
ليحل بهم ما يستحقونه من العذاب على هذا الخطاب .
وقد قال الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً :
(( نحن أحق بالشك من إبراهيم ، ويرحم الله لوطاً ، لقد كان يأوى إلى ركن
شديد ، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي )).
ورواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة(٢٦).
وقال محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة : أنَّ رسول
الله عَ ◌ّه قال: ((رحمة الله على لوط، أن كان يأوي إلى ركن شدي - يعني الله
عز وجل - فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه)) (٢٧) .
وقال تعالى: ﴿ وَجَاءَ أَهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ * قَالَ إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِى فَلَا
(٢٣) سورة هود الآية : ٧٨ .
(٢٤) سورة هود الآية : ٧٩ .
(٢٥) سورة هود الآية : ٨٠.
(٢٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء ، باب ﴿وإذ قال إبراهيم ربِّ أرنى كيف تحيى
الموتى) وأحمد في مسنده ٣٢٦/٢ .
(٢٧) أخرجه أحمد في مسنده ٣٣٢/٢ .
٢٥١

تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللهَ وَلَا تُحْزُونٍ ﴿ قَالُوا أُوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ * قَالَ
هُؤُلَاءِ بَنَاتِى إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾(٢٨) فأمرهم بقربان نسائهم، وحذرهم
الاستمرار على طريقتهم وسياتهم .
وهذا وهم فى ذلك لا ينتهون ولا يرعوون، بل كلما نها هم يبالغون فى تحصيل هؤلاء الضيفان
ويحرصون، ولم يعلموا ما حم به القدر مما هم إليه صائرون، وصبيحة ليلتهم إليه منقلبون.
ولهذا قال تعالى مقسماً بحياة نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه :
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾(٢٨) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُنذَرَهُم
بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ * وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنِ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا
عَذَابِى وَثُذُرٍ « وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌ﴾(٢٩).
ذكر المفسرون وغيرهم : أن نبى الله لوطاً عليه السلام جعل يمانع قومه
الدخول ويدافعهم والباب مغلق ، وهم يرومون فتحه وولوجه ، وهو يعظهم
وينهاهم من وراء الباب ، وأكلٍ ما لهم في إلحاح وإنجاح ، فلما ضاق الأمر وعسر
الحال قال ما قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَةً أَو آوَى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾(٣٠).
لأحللت بكم النكال .
قالت الملائكة: ﴿ يَالُوطُ إِنَّ رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾(٣١) وذكروا
أن جبريل عليه السلام خرج عليهم ، فضرب وجوههم خفقة بطرف جناحه
فطمست أعينهم ، حتى قيل إنها غارت بالكلية ولم يبق لها محل ولا عين ولا أثر ،
فرجعوا يتحسسون مع الحيطان ، ويتوعدون رسول الرحمن ، ويقولون : إذا كان
الغد كان لنا وله شأن !
قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنِ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أُعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِى
وَنُذُرٍ ، وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرّ﴾(٣٢).
(٢٨) سورة الحجر الآيات ٦٧ - ٧٢ .
(٢٩) سورة القمر الآيات ٢٦ - ٣٨.
(٣٠) سورة هود الآية : ٨٠ .
(٣١) سورة هود الآية: ٨١ .
(٣٢) سورة القمر الآيتان: ٣٧، ٣٨
٢٥٢

فذلك أن الملائكة تقدمت إلى لوط ، عليه السلام ، آمرين بأن يسرى هو
وأهله من آخر الليل ﴿ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحْدٌ﴾(٣٣)، يعني عند سماع صوت
العذاب إذا حل بقومه ، وأمروه أن يكون سيره في آخرهم كالساقة لهم .
وقوله : ﴿إِلَّا امرأئكَ﴾ على قراءة النصب (٣٤): يحتمل أن يكون مستثنى
من قوله : ﴿فَأَسْرٍ بِأَهْلِكَ﴾ كأنه يقول إلا امرأتك فلا تسر بها ، ويحتمل أن
يكون من قوله : ﴿وَلَا يلتفت منكُم أحدٌ إلا امرأتكَ﴾ أي فإنها ستلتفت
فيصيبها ما أصابهم . ويقوي هذا الاحتمال قراءة الرفع ، ولكن الأول أظهر في
المعنى ... والله أعلم .
قال السهيلي. واسم امرأة لوط ((والهة)) واسم امرأة نوح ((والغة)).
وقالوا له مبشرين بهلاك هؤلاء البغاة العتاة . الملعونين النظراء والأشباه الذين
جعلهم الله سلفاً لكل خائن مريب: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُم الصُّبْحُ أليس الصبحُ
بقریپٍ ﴾(٣٥) .
فلما خرج لوط عليه السلام بأهله ، وهم ابنتاه ، لم يتبعه منهم رجل واحد ،
ويقال إن امرأته خرجت معه ... والله أعلم .
فلما خلصوا من بلادهم وطلعت الشمس فكانت عند شروقها ، جاءهم من
أمر الله ما لا يرد ، ومن البأس الشديد مالا يمكن أن يصد .
وعند أهل الكتاب : أن الملائكة أمروه أن يصعد إلى رأس الجبل الذي هناك
فاستبعده ، وسأل منهم أن يذهب إلى قرية قريبة منهم ، فقالوا : اذهب فإنا
ننتظرك حتى تصير إليها وتستقر فيها ، ثم نُحِلّ بهم العذاب . فذكروا أنه ذهب إلى
قرية ((صوعر)) التى يقول الناس: غور زغر، فلما أشرقت الشمس نزل بهم العذاب .
قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءَ أُمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيهَا سَافِلِهَا وأَمْطَرِنَا عَلِهِم
حِجَارةً مِّن سِجِيلٍ منضودٍ * مسومةً عند رَبِّكَ وما هى مِنَ الظَّالِمِينَ
(٣٣) سورة هود الآية : ٨١.
(٣٤) قراءة النصب في ((امرأتك))، قرأ بها نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائى، أما قراءة الرفع: فقد.
قرأ بها ابن كثير وأبو عمر [السبعة لابن مجاهد ص ٣٣٨].
(٣٥) سورة هود الآية : ٨١ .
٢٥٣

ببعيدٍ﴾(٣٦).
قالوا : اقتلعھن جبريل بطرف جناحه من قرارهن - و کن سبع مدن - بمن
فيهن من الأمم ، فقالوا: إنهم كانوا أربعمائة نسمة ، وقيل أربعة آلاف نسمة ،
وما معهم من الحيوانات ، وما يتبع تلك المدن من الأراضي والأماكن
والمعتملات ، فرفع الجميع حتى بلغ بهن عنان السماء ، حتى سمعت الملائكة
أصوات ديكتهم ونباح كلابهم ، ثم قلبها عليهم ، فجعل عاليها سافلها . قال
مجاهد : فكان أول ما سقط منها شرفاتها .
وَأَمْطَرْنَا عَلِيهَا حِجَارةً مِّن سِجِيلٍ﴾(٣٧) والسجيل فارسيٍ معرب :
وهو الشديد الصلب القوي ، ﴿ مَنضُود﴾ أي يتبع بعضها بعضاً في نزولها
عليهم من السماء ، ﴿ مُسَوَّمَة ﴾ أي معلمة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه
الذي يهبط عليه فيدمغه، كما قال: ﴿ مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ للمسرفين﴾ (٣٨) وكما
قال تعالى: ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلِيهَم قَطْراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾(٣٩)، وقال تعالى:
﴿ والمؤتفكة أهوى* فَغَشَّاهَا مَا غَشَى ﴾ فَبِأَىِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾(٤٠) يعني
قلبها فأهوى بها منكسة عاليها سافلها ، وغشاها بمطر من حجارة من سجيل ،
متتابعة ، مسومة مرقومة على كل حجر اسم صاحبه الذي سقط عليه ، من
الحاضرين منهم في بلدهم ، والغائبين عنها من المسافرين والنازحين والشاذين منها .
ويقال إن امرأة لوط مكثت مع قومها ، ويقال إنها خرجت مع زوجها
وبنتيها ، ولكنها لما سمعت الصيحة وسقوط البلدة ، التفتت إلى قومها وخالفت أمر
ربها قديماً وحديثاً ، وقالت : واقوماه ! فسقط عليها حجر فدمغها وألحقها
بقومها ، إذ كانت على دينهم ، وكانت عيناً لهم على من يكون عند لوط من
الضيفان .
(٣٦) سورة هود الآيتان : ٨٢، ٨٣.
(٣٧) سورة هودة الآية : ٨٢.
(٣٨) سورة الذاريات الآية : ٣٤.
(٣٩) سورة الشعراء الآية : ١٧٣. والتمل الآية : ٥٨
(٤٠) سورة النجم الآيات : ٥٣ - ٥٥ .
٢٥٤

كما قال تعالى: ﴿ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لٌّلَذِينَ كَفَرُوا امرأةً نُوحٍ وامرأةَ لُوطٍ
كانتا تحتَ عَبْدَيْنِ من عِبَادِنَا صَالِحِيْنِ فَحَائْتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِن الله شَيْئاً
وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَع الدَّاخِلِينَ﴾(٤١) أي خانتاهما في الدين فلم يتبعاهما فيه .
وليس المراد أنهما كانتا على فاحشة - حاشا وكلا ولما - فإن الله لا يقدر على
نبي قط أن تبغي امرأته ، كما قال ابن عباس وغيره من أئمة السلف والخلف : ما
بغت امرأة نبي قط . ومن قال خلاف هذا فقد أخطأ خطأ كبيراً .
قال الله تعالى في قصة الإفك ، لما أنزل براءة أم المؤمنين عائشة بنت
الصديق، زوج رسول الله عَّ الله، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فعاتب
الله المؤمنين وأنب وزجر ، ووعظ وحذر قال فيما قال : ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأُلْسِنَتِكُم
وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَيسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنَا وَهَوَ عِندَ اللّهِ عَظِيمٌ *
وَلَولَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَتَكَلَمَ بِهَذَا سُبْحَانِكَ هَذَا بُهْتَانٌ
عَظِيمٌ﴾(٤٢) أي سبحانك أن تكون زوجة نبيك بهذه المثابة .
وقوله هنا: ﴿وَمَا هِىَ مِنِ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾(٤٣) أي وما هذه العقوبة
ببعيدة ممن أشبههم في فعلهم .
ولهذا ذهب من ذهب من العلماء إلى أن اللائط يرجم ، سواء أكان محصناً أو
لا . ونص عليه الشافعي(٤٤) وأحمد بن حنبل وطائفة كثيرة من الأئمة .
واحتجوا أيضاً بما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث عمرو بن أبي
عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله عَ لم قال: ((من وجدتموه
يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به)) (٤٥).
(٤١) سورة التحريم الآية : ١٠ .
(٤٢) سورة النور الآيتان : ١٥، ١٦.
(٤٣) سورة هود الآية : ٨٣ .
(٤٤) الشافعي: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان القرشي المطلبي الشافعي ، ولد سنة ١٥٠ هـ وتوفى
سنة ٢٠٤ هـ [ تذكرة الحفاظ ٣٦١/١] .
(٤٥) أخرجه ابن ماجه في سننه ، كتاب الحدود ، باب من عمل عمل قوم لوط ، والترمذي في كتاب
الحدود ، باب حد اللوطى . وقال في إسناده مقال ، وأبو داود في سننه ، كتاب الحدود ، باب من عمل
عمل قوم لوط .
٢٥٥

وذهب أبو حنيفة(٤٦) إلى أن اللائط يلقى من شاهق جبل ويتبع بالحجارة كما فعل
بقوم لوط . لقوله تعالى: ﴿ وَمَا هِىَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدِ ﴾ .
وجعل الله مكان تلك البلاد بحيرة منتنة لا ينتفع بمائها ، ولا بما حولها من
الأراضي المتاخمة لفنائها ، لرداءتها ودناءتها ، فصارت عبرة ومثلة وعظة وآية على
قدرة الله تعالى وعظمته ، وعزته في انتقامه ممن خالف أمره ، وكذب رسله ،
واتبع هواه وعصى مولاه ، ودليلاً على رحمته بعباده المؤمنين في إنجائه إياهمٍ من
المهلكات؛ وإخراجه إياهم من الظلمات إلى النور، كما قال تعالى: ﴿إِنّ فِى
ذَلِكَ لآيَةً وما كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ( وإِنَّ رَبَّكَ لَّهَو الْعَزِيزِ الرَّحِيم﴾(٤٧).
وقال الله تعالى: ﴿ فَأَخَذْتُهُمُ الصِّحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيهَا سَافِلهَا
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّنُ سِجِّيلٍ * إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ للمُتَوسِّمِينَ * وَإِنَّهَا
لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ * إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٨) أي من نظر بعين الفراسة
والمتوسم فيهم ، كيف غير الله تلك البلاد وأهلها؟ وكيف جعلها بعد ما كانت
آهلة عامرة هالكة غامرة ؟
كما روى الترمذي وغيره مرفوعاً: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله))
ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ للمُتَوَسِّمِينَ﴾(٤٩).
وقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ﴾ أي لبطريقٍ مهيع مسلوك إلى الآن . كما
قال: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُون﴾(٥٠) .
وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون﴾ (٥١) وقال تعالى :
فَأَحْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا من المُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ ثُمْنَ
(٤٦) أبو حنيفة: النعمان بن ثابت التيمى، ولد سنة ٨٠ هـ، وتوفى سنة ١٥٠ هـ [ البداية والنهاية
١٠٧/١٠، تاريخ بغداد ١٣ / ٣٢٣].
(٤٧) سورة الشعراء الآيتان : ٨، ٩ .
(٤٨) سورة الحجر الآيات : ٧٣ - ٧٧ .
.(٤٩) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير ، تفسير سورة الحجر وقال ((حديث غريب ، إنما نعرفه من
هذا الوجه ، وقد روى عن بعض أهل العلم)).
(٥٠) سورة الصافات الآيتان : ١٣٧، ١٣٨.
(٥١) سورة العنكبوت الآية : ٣٥.
٢٥٦

المُسْلِمِينَ * وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لَّلَّذِينَ يَخَافُونَ العَذَابَ الأَلِيمَ﴾(٥٢).
أي تركناها عبرة وعظة لمن خاف عذاب الآخرة ، وخشى الرحمن بالغيب ،
وخاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ، فانزجر من محارم الله وترك معاصيه ،
وخاف أن يشابه قوم لوط . ومن تشبه بقوم فهو منهم ، وإن لم يكن من كل
وجه ، فمن بعض الوجوه ، كما قال بعضهم :
فإن لم تكونوا قوم لوط بعينهم فما قوم لوط منكم ببعيد
فالعاقل اللبيب الفاهم الخائف من ربه ، يمتثل ما أمره الله به عز وجل ،
ويقبل ما أرشده إليه رسول الله عَ لّم من إتيان ما خلق له من الزوجات الحلال ،
والجواري من السراري ذوات الجمال ، وإياه أن يتبع كل شيطان مريد ، فيحق
عليه الوعيد ، ويدخل في قوله تعالى: ﴿وَمَا هِىَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدِ﴾(٥٢).
(٥٢) سورة الذاريات الآيات: ٣٥ - ٣٧.
. (٥٣) سورة هود الآية : ٨٣ .
٢٥٧

0

الباب الثامن
قصة شعيب عليه السلام
1