النص المفهرس
صفحات 201-220
وقد ثبت في الحديث الذي رواه البخاري : حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال: قال النبي عَ لِ: ((اختتن إبراهيم النبي عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم(٩) . تابعه عبد الرحمن بن إسحاق عن أبي الزناد ، وتابعه عجلان ، عن أبي هريرة ، ورواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، وهكذا رواه مسلم عن قتيبة . وفي بعض الألفاظ: (( اختتن إبراهيم بعد ما أتت عليه ثمانون سنة واختتن بالقدوم (١٠) والقدوم هو الآلة .، وقيل موضع . وهذا اللفظ لا ينافي الزيادة على الثمانين ... والله أعلم، لما سيأتي من الحديث عند ذكر وفاته، عن أبي هريرة عن رسول الله عَ ل أنه قال: ((اختتن إبراهيم وهو ابن مائة وعشرين سنة ، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة)) . رواه ابن حبان في صحيحه . وليس في هذا السياق ذكر قصة الذبيح وأنه إسماعيل ، ولم يذكر في قدمات إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث مرات : أولاهن بعد أن تزوج إسماعيل بعد موت هاجر ، وكيف تركهم من حين صغر الولد - على ماذكر - إلى حين تزويجه لا ينظر في حالهم ، وقد ذكر أن الأرض كانت تطوي له"، وقيل إنه كان يركب البراق إذا سار إليهم ، فكيف يتخلف عن مطالعة حالهم وهم في غاية الضرورة الشديدة والحاجة الأكيدة ؟! وكأن بعض هذا السياق متلقى من الإسرائيليات ومطرز بشيء من المرفوعات ، ولم يذكر فيه قصة الذبيح ، وقد دللنا على أن الذبيح هو إسماعيل على الصحيح في سورة الصافات . (٩) البخاري كتاب خلق آدم . (١٠) البخاري كتاب الاستئذان . ٢٠١ [ الفصل السادس ] قصة الذبيح قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّى ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّى سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِى مِنَ الصَّالِحِينَ، فَبَشَّرْنَاهُ بِعُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغْ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَابُنَىَّ إِنِّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنَّى أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِى إِن شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أُسْلَمَا وَثَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ ﴾ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ المُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْجِ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِى المُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نِبِياً مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لْنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾(١). يذكر تعالى عن خليله إبراهيم أنه لما هاجر من بلاد قومه ، سأل ربه أن يهب له ولداً صالحاً ، فبشره الله بغلام حليم ، وهو إسماعيل عليه السلام ، لأنه أول من ولد له على رأس ست وثمانين سنة من عمر الخليل . وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل الملل ، لأنه أول ولده وبكره . وقوله: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ﴾(٢) أي شب وصار يسعى في مصالحه كأبيه. قال مجاهد: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ﴾ أي شب وارتحل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل(٣). فلما كان هذا ، رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يؤمر بذبح ولده هذا ، (١) سورة الصافات الآيات: ٩٩ - ١١٣. (٢) سورة الصافات الآية : ١٠٢ . (٣) تفسير مجاهد ص (٥٤٤ ) . ٢٠٢ وفي الحديث عن ابن عباس مرفوعاً: ((رؤيا الأنبياء وحي)) قاله عبيد بن عمير أيضاً (٤). وهذا اختيار من الله عز وجل لخليله في أن يذبح هذا الولد العزيز الذي جاءه على كبر ، وقد طعن في السن ، بعد ما أمر بأن يسكنه هو وأمه في بلاد قفر ، وواد ليس به حسيس ولا أنيس ، ولا زرع ولا ضرع . فامتثل أمر الله في ذلك ، وتركهما هناك ثقة بالله وتوكلا عليه ، فجعل الله لهما فرجاً ومخرجاً ، ورزقهما من حيث لا يحتسبان . ثم لما أمر بعد هذا كله بذبح ولده هذا الذي قد أفرده عن أمر ربه ، وهو بكره ووحيده الذي ليس له غيره ، أجاب ربه وامتثل أمره ، وسارع إلى طاعته . ثم عرض ذلك على ولده ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قسراً ويذبحه قهراً: قَالَ يَابُنَىَّ إِنِّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنَّى أُذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ فبادر الغلام الحليم سر والده الخليل إبراهيم فقال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِى إِن شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾(٥). وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد . قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾(٥) قيل: ((أسلما)): أي استسلما لأمر الله وعزم على ذلك . وقيل : وهذا من المقدم والمؤخر ، والمعنى : ((تله للجبين)) أي ألقاه على وجهه . قيل أراد أن يذبحه من قفاه لئلا يشاهده في حال ذبحه ، قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك . وقيل : بل أضجعه كما تضجع الذبائح وبقى طرف جبينه لا صقاً بالأرض ((وأسلما)) أي سَمَّى إبراهيم وكبر ، وتشهد الولد للموت . قال السدي وغيره : أمَرَّ السكين على حلقه فلم تقطع شيئاً . ويقال : جعل بينها وبين حلقه صفيحة من نحاس ... والله أعلم . فعند ذلك نودي من الله عز وجل: ﴿ ... أَن يَا إِبْرَاهِيمُ ﴾ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ﴾ (٦) أي قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك ، ومبادرتك إلى أمر (٤) أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب الوضوء ، باب التخفيف في الوضوء . (٥) سورة الصافات الآيتان : ١٠٢، ١٠٣. (٦) سورة الصافات الآيتان : ١٠٤، ١٠٥. ٢٠٣ ربك ، وبذلت ولدك للقربان ، كما سمحت ببدنك للنيران . وكما مالك مبذول للضيفان! ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ المُبِينُ﴾(٧) أي الاختبار الظاهر البين . وقوله : ﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذَبْحٍ عَظِيمٍ ﴾(٨) أي وجعلنا فداء ذبح ولده ما يسره الله تعالى له من العوض عنه . والمشهور عن الجمهور أنه كبش أبيض أعين أقرن (٩)، رآه مربوطا بسمرة في ثبیر(١٠) . قال الثوري عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفاً . وقال سعيد بن جبير : كان يرتع في الجنة حتى تشقق عنه ثبير . وكان عليه عهن (١١) أحمر. وعن ابن عباس : هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء فذبحه ، وهو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه . رواه ابن أبي حاتم . قال مجاهد : فذبحه بمنى ، وقال عبيد بن عمير : ذبحه بالمقام . فأما ما روى عن ابن عباس أنه كان وعلا ، وعن الحسن أنه كان تيساً من الأروى واسمه جرير ، فلا يكاد يصح عنهما . ثم غالب ما ها هنا من الآثار مأخوذ من الإسرائيليات . وفي القرآن كفاية عما جرى من الأمر العظيم والاختبار الباهر ، وأنه فدی بذبح عظيم ، وقد ورد في الحديث أنه كان كبشاً . قال الإِمام أحمد : حدثنا سفيان ، حدثنا منصور ، عن خاله نافع ، عن صفية بنت شيبة قالت : أخبرتني امرأة من بني سليم ولدت عامة أهل دارنا قالت: أرسل رسول الله عَّ إلى عثمان بن طلحة ، وقالت مرة: إنها سألت (٧) سورة الصافات الآية : ١٠٦ . (٨) سورة الصافات الآية : ١٠٧ . (٩) أي عظيم سواد العينين ، وكبير القرنين . (١٠) ثبير: جبل من أعظم جبال مكة. [ معجم البلدان ٧٢/٢ ]. (١١) العهن : الصوف المصبوغ . ٢٠٤ عثمان: لم دعاك رسول الله عَ اله؟ قال: قال لي رسول الله عَ له: ((إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت، فنسيت أن آمرك أن تخمرهما (١٢) فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي))(١٣) . قال سفيان : لم يزل قرنا الكبش معلقين في البيت حتى احترق البيت فاخترقا . وكذا روى ابن عباس أن رأس الكبش لم يزل معلقاً عند ميزاب الكعبة قد یبس . وهذا وحده دليل على أن الذبيح إسماعيل ، لأنه كان هو المقيم بمكة وإسحاق لا نعلم أن قدمها في حال صغره ... والله أعلم . وهذا هو الظاهر من القرآن ، بل كأنه نص على أن الذبيح هو إسماعيل ، لأنه ذكر قصة الذبيح ثم قال بعده: ﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِياً مِنَ الصَّالِحِينَ﴾(١٤) ومن جعله حالاً فقد تكلف ، ومستنده أنه إسحاق إنما هو إسرائيليات . وكتابهم فيه تحريف ، ولا سيما ها هنا قطعاً لا محيد عنه ، فإن عندهم أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده ، وفي نسخة من المعربة : بكره إسحاق ، فلفظة إسحاق ها هنا مقحمة مكذوبة مفتراة ، لأنه ليس هو الوحيد ولا البكر إنما ذاك إسماعيل . وإنما حملهم على هذا حسد العرب ، فإن إسماعيل أبو العرب الذين يسكنون الحجاز الذين منهم رسول الله عَّ الله، وإسحاق والد يعقوب - وهو إسرائيل - الذي ينتسبون إليه ، فأرادوا أن يجروا هذا الشرف إليهم ، فحرفوا كلام الله وزادوا فيه وهم قوم بهت ولم يقروا بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء .. وقد قال بأنه إسحاق طائفة كثيرة من السلف وغيرهم ، وإنما أخذوه - والله أعلم - من كعب الأحبار ، أو من صحف أهل الكتاب . وليس في ذلك حديث صحيح عن المعصوم حتى نترك لأجله ظاهر الكتاب (١٢) خمر الشيء : ستره وواراه . (١٣) أخرجه الإمام أحمد في مسبده ٦٨/٤ . (١٤) سورة الصافات الآية : ١١٢ . ٢٠٥ . العزيز ولا يفهم هذا من القرآن ، بل المفهوم بل المنطوق بل النص عند التأمل على أنه إسماعيل . وما أحسن ما استدل به ابن كعب القرظي على أنه إسماعيل وليس بإسحاق من قوله : ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ (١٥) قال: فكيف تقع البشارة بإسحاق وأنه سيولد له يعقوب ، ثم يؤمر بذبح إسحاق وهو صغیر قبل أن يولد له ؟ هذا لا يكون ، لأنه يناقض البشارة المتقدمة ... والله أعلم . وقد اعترض السهيلي على هذا الاستدلال بما حاصله أن قوله: ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ جملة تامة، وقوله: ﴿ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ جملة أخرى ليست في حيز البشارة . قال : لأنه لا يجوز من حيث العربية أن يكون مخفوضاً إلا أن يعاد معه حرف الجر ، فلا يجوز أن يقال مررت بزيد ومن بعده عمرو ، حتى يقال ومن بعده بعمرو ، وقال: فقوله: ﴿وَمِنِ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ (١٦) منصوب بفعل مضمر تقديره : ووهبنا لإِسحاق يعقوب . وفي هذا الذي قاله نظر . ورجح أنه إسحاق، واحتج بقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ﴾(١٧) قال : وإسماعيل لم يكن عنده إنما كان في حال صغره هو وأمه بجبال مكة فكيف يبلغ معه السعي ؟ وهذا أيضاً فيه نظر ، لأنه قد روى أن الخليل كان يذهب في كثير من الأوقات راكباً البراق إلى مكة ، يطلع على ولده وابنه ثم يرجع ... والله تعالى أعلم . فممن حكى القول عنه بأنه إسحاق : كعب الأحبار ، وروى عن عمر والعباس وعلي وابن مسعود ، ومسروق وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ، (١٥) سورة هود الآية : ٧١ . (١٦) سورة هود الآية : ٧١ . (١٧) سورة الصافات الآية : ١٠٢ . ٢٠٦ وعطاء والشعبي ومقاتل وعبيد بن عمير ، وأبي ميسرة وزيد بن أسلم وعبد الله ابن شقيق ، والزهري والقاسم وابن أبي بردة ومكحول ، وعثمان بن حاضر والسدي والحسن وقتادة ، وأبي الهذيل وابن سابط ، وهو اختيار ابن جرير ، وهذا عجب منه وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس . ولكن الصحيح عنه ــ وعن أكثر هؤلاء - أنه إسماعيل عليه السلام قال مجاهد وسعيد والشعبي ويوسف بن مهران وعطاء وغير واحد عن ابن عباس : هو إسماعيل عليه السلام . وقال ابن جرير : حدثني يونس ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن قيس ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس أنه قال : المفدى إسماعيل وزعمت اليهود أنه إسحاق و کذبت اليهود . وقال عبد الله بن الإِمام أحمد عن أبيه : هو إسماعيل . وقال ابن أبي حاتم : سألت أبا حاتم : وروى عن علي وابن عمر وأبي هريرة ، وأبي الطفيل ، وسعيد ابن المسيب ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، ومجاهد والشعبي ، ومحمد بن كعب ، وأبي جعفر محمد بن علي ، وأبي صالح أنهم قالوا : الذبيح هو إسماعيل عليه السلام . وحكاه البغوي أيضاً عن الربيع بن أنس والكلبي وأبي عمرو بن العلاء . قلت: وروى عن معاوية، وجاء عنه: أن رجلاً قال لرسول الله عَ لّه: يا بن الذبيحين ... فضحك رسول الله عَ لّم (١٨). وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز ومحمد بن إسحاق بن يسار ، وكان الحسن البصري يقول : لا شك في هذا . وقال محمد بن إسحاق عن بريدة عن سفيان بن فزوة الأسلمي ، عن محمد ابن كعب : أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة إذ كان معه بالشام - يعنى استدلاله بقوله بعد العصمة(١٩): ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءٍ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾(٢٠) - فقال له عمر: إن هذا الشىء ما كنت أنظر فيه، وإنى لأراه (١٨) أخرجه الحاكم في المستدرك ٥٥٤١٢، وسكت عليه لكن الذهبي تعقبه وقال عنه: [إسناده واه ]. (١٩) لعل المقصود : بعد القصة . (٢٠) سورة هود الآية : ٧١ . ٢٠٧ کما قلت. ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام، کان یهودیا فأسلم وحسن إسلامه ، وكان يرى أنه من علمائهم ، قال : فسأله عمر بن عبد العزيز : أي ابني إبراهيم أمر بذبحه ؟ فقال : إسماعيل والله يا أمير المؤمنين ، وإن اليهود لتعلم بذلك ، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه والفضل الذي ذكره الله منه لصبره لما أمر به ، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق ، لأن إسحاق أبوهم . وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاة بأدلتها وآثارها في كتابنا التفسير ... ولله الحمد والمنة . ٢٠٨ [ الفصل السابع ] ذكر مولد إسحاق عليه السلام. قال الله تعالى: ﴿وُبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِياً مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لْنَفْسِهِ مُبِينٌ ﴾(١) . وقد كانت البشارة به من الملائكة لإبراهيم وسارة لما مروا يهما مجتازين ذاهبين إلى مدائن قوم لوط ، ليدمروا عليهم لكفرهم وفجورهم . كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى : قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلِ حَنِيذٍ ، فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيهِم لَا تَصِلُ إِلَيْهِ تَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَحْفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأْتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءٍ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴿ قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِّدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِى شَيْخَاً إِنَّ هَذَا لَّشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرٍ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أُهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ﴾(٢). وقال تعالى: ﴿ وَنَبْهُمْ عَنِ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ دَخُلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ ، قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِعُلَامٍ عَلِيمٍ ﴾ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى عَلَى أَن مَّسَّنِىَ الكِبُرُ فَبِمَ تَّبَشْرُونَ ﴾ قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّن القَانِطِينَ * قَالَ وَمَن يَقْتَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّ الصَّالُونَ﴾(٣). وقال تعالى: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ * إِذْ دَخُلُوا (١) سورة الصافات الآيتان: ١١٢، ١١٣. (٢) سورة هود الآيات : ٦٩ - ٧٣ . (٣) سورة الحجر الآيات : ٥١ - ٥٦ . ٢٠٩ عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنْكَرُونَ ، فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينِ ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأُوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخْفْ وَبَشَّرُوهُ بِعْلَمِ عَلِيمٍ ، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِى صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ، قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ ﴾(٤) .. يذكر تعالى : أن الملائكة - قالوا : كانوا ثلاثة : جبريل وميكائيل وإسرافيل - لما وردوا على الخليل حسبهم أولاً أضيافاً ، فعاملهم معاملة الضيوف ، وشوى لهم عجلاً سميناً من خيار بقره ، فلما قربه إليهم وعرض عليهم لم ير لهم همة إلى الأكل بالكلية ، وذلك لأن الملائكة ليس فيهم قوة الحاجة إلى الطعام فنكرهم إبراهيم ﴿ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوِم لُوطٍ ﴾(٥) أي لندمر عليهم . فاستبشرت عند ذلك سارة غضباً لله عليهم . وكانت قائمة على رءوس الأضياف كما جرت به عادة الناس من العرب وغيرهم ، فلما ضحكت استبشاراً بذلك. قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾(٦) أي بشرتها الملائكة بذلك ﴿ فَأَقْبَلَتِ امْرَأْتُهُ فِى صَرَّة﴾ أي في صرخة ﴿ فَصَكَّتِ وَجْهَهَا﴾(٧) أي كما يفعل النساء عند التعجب وقالت: ﴿يَاوَيْلَتَى أَلِّدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِى شَيْخاً ﴾(٨) أي كيف يلد مثلي وأنا كبير وعقيم أيضاً ، وهذا بعلي ، أي زوجي ، شيخاً ؟ تعجبت من وجود ولد والحالة هذه. ولهذا قالت: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ ﴾ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله رَحْمَةُ الله وَبَرَ كَاتُه عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴾(٩) . وكذلك تعجب إبراهيم عليه السلام استبشاراً بهذه البشارة وتثبيتاً لها وفرحاً بها . ﴿ قَالَ أَبْشَرْتُمُونِى عَلَى أَن مَّسَنِى الِكَبْرُ فَبِمَ تُّبَشِّرُوُن * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ .(٤) سورة الذاريات الآيات : ٢٤ - ٣٠ (٥) سورة هود الآية : ٧٠ . (٦) سورة هود الآية : ٧١ . (٧) سورة الذاريات الآية : ٢٩ . (٨) سورة هود الآية : ٧٢. (٩) سورة هود الآيتان : ٧٢، ٧٣ . ٢١٠ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ﴾(١٠) أكدوا الخبر بهذه البشارة وقرروه معه ، فبشروهما ﴿ بِغُلَام عَلِيمٍ﴾(١١)، وهو إسحاق أخو إسماعيل، غلام عليم مناسب لمقامه وصبره ، وهكذا وصفه ربه بصدق الوعد والصبر ، وقال في الآية الأخرى : فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ . وهذا مما استدل به محمد بن كعب القرظي (١٢) وغيره على أن الذبيح هو إسماعيل ، وأن إسحاق لا يجوز أن يؤمر بذبحه بعد أن وقعت البشارة بوجوده ووجود ولده يعقوب المشتق من العقب من بعده . وعند أهل الكتاب أنه أحضر مع العجل الحنيذ ، وهو المشوي . رغيفاً من مكة فيه ثلاثة أكيال وسمن ولبن . وعندهم أنهم أكلوا ، وهذا غلط محض ، وقيل : كانوا يرون أنهم يأكلون والطعام يتلاشى في الهواء . وعندهم أن الله تعالى قال لإبراهيم : أما سارا امرأتك فلا يدعى اسمها سارا ولكن اسمها سارة ، وأبارك عليها وأعطيك منها ابناً ، وأباركه ويكون الشعوب وملوك الشعوب منه ، فخر إبراهيم على وجهه - يعني ساجداً ــ وضحك قائلاً في نفسه : أبعد مائة سنة يولد لي غلام ؟ أو سارة تلد وقد أتت عليها تسعون سنة ؟! وقال إبراهيم لله تعالى : ليت إسماعيل يعيش قدامك ، فقال الله لإِبراهيم: بحق إن امرأتك سارة تلد لك غلاماً وتدعو اسمه إسحاق إلى مثل هذا الحين من قابل وأوثقه ميثاقي إلى الدهر ولخلفه من بعده ، وقد استجبت لك في إسماعيل وباركت عليه وكثرته ونميته جداً كثيراً ، ويولد له اثنا عشر عظيماً وأجعله رئيساً لشعب عظيم . وقد تكلمنا على هذا بما تقدم ... والله أعلم . (١٠) سورة الحجر الآيتان : ٥٤، ٥٥ . (١١) سورة الحجر الآية : ٥٣. (١٢) هو: محمد بن كعب بن سليم بن أسد القرظي أبو حمزة، توفي سنة ١١٨ هـ . انظر [ تهذيب التهذيب ٤٢٢/٩ ] . ٢١١ فقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾(١٣) دليل على أنها تستمتع بوجود ولدها إسحاق ، ثم من بعده بولد ولده يعقوب . أي يولد في حياتهما لتقر أعينهما به كما قرت بولده . ولو لم يرد هذا لم يكن لذكر يعقوب وتخصيص التنصيص عليه من دون سائر نسل إسحاق فائدة ، ولما عين بالذكر دل على أنهما يتمتعان به ويسران بولده كما سرا بمولد أبيه من قبله . وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاَّ هَدَيْنَا﴾(١٤) وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾(١٥). وهذا إن شاء الله ظاهر قوي ، ويؤيده ما ثبت في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش عن إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبيه ، عن أبي ذر ، قال: قلت: يارسول الله ... أي مسجد وضع أول؟ قال: ((المسجد الحرام)) قلت: ثم أي؟ قال: ((المسجد الأقصى)) قلت: كم بينهما؟ قال: ((أربعون سنة)) قلت: ثم أي؟ قال: (( ثم حيث أدركت الصلاة فصل فكلها مسجد))(١٦). وعند أهل الكتاب ، أن يعقوب عليه السلام هو الذي أسس المسجد الأقصى ، وهو مسجد إيليا ببيت المقدس شرفه الله . وهذا متجه ويشهد له ما ذكرناه من الحديث ، فعلى هذا يكون بناء يعقوب عليه السلام وهو - إسرائيل - بعد بناء الخليل وابنه إسماعيل المسجد الحرام بأربعين سنة سواء . وقد كان بناؤهما ذلك بعد وجود إسحاق ، لأن إبراهيم عليه السلام لما دعا، قال في دعائه كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْتُبْنِى وَبَنِىَّ أَن ◌َّعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرٍ مِّنَ إِلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهِ مِنِّى وَمَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * رَبَّنَا إِنِّى أَسْكَنْتُ مِنِ ذُرِّيتَّى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبََّا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْعِدَةً (١٣) سورة هود الآية : ٧١ . (١٤) سورة الأنعام الآية : ٨٤ . (١٥) سورة مريم الآية : ٤٩ . (١٦) أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب بدء الخلق . ومسلم في صحيحه ، كتاب المساجد . ٢١٢ مِّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ، رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُحْفِى وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَحْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَىْءٍ فِى اٌلْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ » الحَمْدُ لله الَّذِى وَهبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِى لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ « رَبِّ اجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي رَبَنَّا وَتَقَبَّل دُعَاءِ * رَبَنَّا اغْفِرْ لِى وَلِوالِدِيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾(١٧) . وما جاء في الحديث من أن سليمان بن داود عليهما السلام ، لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالاً ثلاثاً كما ذكرناه عند قوله: ﴿ رَبِّ اغْفِرِ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِى لأُحَدٍ مِّن بَعْدِى﴾(١٨)، وكما سنورده في قصته - فالمراد من ذلك والله أعلم ، أنه جدد بناءه كما تقدم من أن بينهما أربعين سنة ، ولم يقل أحد أن بين سليمان وإبراهيم أربعين سنة سوى ابن حبان في تقاسيمه وأنواعه . وهذا القول لم يوافق عليه ولا سبق إليه . (١٧) سورة إبراهيم الآيات: ٣٥ - ٤١ . (١٨) سورة ص الآية : ٣٥ . ٢١٣ [ الفصل الثامن ] ذكر بناية البيت العتيق قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِى شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَأَذْن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجِ عَمِيقٍ ﴾(١ وقال تعالى: ﴿إِنَّ أُوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لَلنَّاسِ لَّلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لَلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِّىٌ عَنِ الْعَالَّمِينَ﴾(٢). وقال تعالى: ﴿ وَإِذِ آبْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتْمَّهُنَّ قَالَ إِنَّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ * وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَآَتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيل أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالعَاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمَ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أُهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللهِ وَأَلْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ « وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أُنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » رَبَّنَا وَاجْعَلَنَا مُسْلِمَيْنَ لَكَ وَمِن ذُرِّيِتْنَا أُمَّةٌ مُسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِئَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ » رَبَّنَا وَآبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ اٌلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾(٣). (١) سورة الحج الآيتان: ٢٦، ٢٧. (٢) سورة آل عمران الآيتان : ٩٦ ، ٩٧ . (٣) سورة البقرة الآيات : ١٢٤ - ١٢٩. ٢١٤ يذكر تعالى عن عبده ورسوله وصفيه وخليله ، إمام الحنفاء ووالد الأنبياء إبراهيم عليه السلام أنه بنى البيت العتيق الذي هو أول مسجد وضع لعموم الناس ، يعبدون الله فيه ، وبوأه الله مكانه ، أي أرشده إليه ودله عليه. وقد روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وغيره : أنه أرشد إليه بوحي من الله عز وجل . وقد ذكرنا في صفة خلق السموات : أن الكعبة بحيال البيت المعمور ، بحيث إِنه لو سقط لسقط عليها ، وكذلك معابد السموات السبع ، كما قال بعض السلف : إن في كل سماء بيتاً يعبد الله فيه أهل كل سماء ، وهو فيها كالكعبة لأهل الأرض . فأمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام أن يبني له بيتاً يكون لأهل الأرض كتلك المعابد لملائكة السموات ، وأرشده الله إلى مكان البيت المهيلم له ، المعين لذلك منذ خلق السموات والأرض ، كما ثبت في الصحيحين : ((إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق الله السموات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة)) (٤). ولم يجيء في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنياً قبل الخليل عليه السلام . ومن تمسك في هذا بقوله : ﴿ مَكَانَ الْبَيْتِ ﴾(٥) فليس بناهض ولا ظاهر ، لأن المراد مكانه المقدر في علم الله ، المقرر في قدره ، المعظم عند الأنبياء موضعه ، من لدن آدم إلى زمان إبراهيم . وقد ذكرنا أن آدم نصب عليه قبة ، وأن الملائكة قالوا له : قد طفنا قبلك بهذا البيت ، وأن السفينة طافت به أربعين يوماً أو نحو ذلك ، ولكن كل هذه • الأخبار عن بني إسرائيل . وقد قررنا أنها لا تصدق ولا تكذب فلا يحتج بها ، فأما إن ردها الحق فهي مردودة . وقد قال الله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لَلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً (٤) أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب جزاء الصيد، باب لا يحل القتال بمكة ومسلم في صحيحه ، كتاب الحج ، باب تحريم مكة . (٥) سورة الحج الآية : ٢٦ . ٢١٥ لَّلْعَالَمِينَ﴾(٦). أي أول بيت وضع لعموم الناس للبركة والهدى ، البيت الذي ببكة. وقيل محل الكعبة ﴿ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾(٦) أي على أنه بناء الخليل ، والد الأنبياء من بعده وإمام الحنفاء من ولده ، الذين يقتدرون به ويتمسكون بسنته . ولهذا قال: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾(٧) أي الحجر الذي كان يقف عليه قائماً لما ارتفع البناء عن قامته ، فوضع له ولده هذا الحجر المشهور ، ليرتفع عليه لما تعالى البناء وعظم الفناء . كما ذكر في حديث ابن عباس الطويل . وقد كان هذا الحجر ملصقاً بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فأخره عن البيت قليلاً ، لئلا يشغل المصلين عنده الطائفين بالبيت ، واتبع عمر بن الخطاب رضى الله عنه في هذا ، فإنه قد وافقه ربه في أشياء، منها قوله لرسوله عَ له: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى(٨)، فأنزل الله: ﴿ وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾(٩). وقد كانت آثار قدمي الخليل باقية في الصخرة إلى أول الإِسلام . وقد قال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة : وراق ليرق في حراء ونازل وثور ومن أرسى ثبيراً مكانه وبالله أن الله ليس بغافل وبالبيت حق البيت من بطن مكة إذ اكتنفوه بالضحى والأصائل وبالحجر المسود إذ يمسحونه على قدميه حافيا غير ناعل وموطيء إبراهيم في الصخر رطبة يعني أن رجله الكريمة غاصت في الصخرة فصارت على قدر قدمه حافية لا منتعلة . ولهذا قال تعالى: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيل﴾ (١٠) أي في حال قولهم: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾(١٠) فهما في غاية الإِخلاص والطاعة لله عز وجل ، وهما يسألان من الله عز وجل السميع العليم أن يتقبل منهما ما هما فيه من الطاعة العظيمة والسعي (٦) سورة آل عمران الآية : ٩٦ . (٧) سورة آل عمران الآية : ٩٧ . (٨) صيحيح البخاري ، كتاب التفسير ، تفسير سورة البقرة . (٩) سورة البقرة الآية : ١٢٥. ٢١٦ المشكور: ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَِّنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِئًا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١٠). والمقصود أن الخليل بنى أشرف المساجد في أشرف البقاع ، في واد غير ذي زرع ، ودعا لأهلها بالبركة ، وأن يرزقوا من الثمرات ، مع قلة المياه وعدم الأشجار والزروع والثمار ، وأن يجعله حرماً محرماً وآمنا محتماً . فاستجاب الله - وله الحمد - له مسألته ، ولبى دعوته ، وآتاه طلبته ، فقال تعالى: ﴿أُوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرِماً آمِناً وَيُتَخْطَّفُ النَّاسُ مِن حَوْلِهْمِ﴾(١١) وقال تعالى: ﴿أُوَ لَمْ تُمَكِّنَ لَّهُم حَرَماً آمِناً يُجْبِىَ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَىْءٍ رَزْقاً مِّن لَّدُنَّا﴾(١٢). وسأل الله أن يبعث فيهم رسولاً منهم، أي من جنسهم ، وعلى لغتهم الفصيحة البليغة النصيحة . لتتم عليهم النعمتان الدنيوية والدينية ، سعادة الأولى والآخرة . وقد استجاب الله له : فبعث فيهم رسولاً وأي رسول ! ختم به أنبياءه ورسله ، وأكمل له من الدين ما لم يؤت أحداً قبله ، وعم بدعوته أهل الأرض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم ، في سائر الأقطار والأمصار والأعصار إلى يوم القيامة ، وكان هذا من خصائصه من بين سائر الأنبياء ، لشرفه في نفسه وكال ما أرسل به ، وشرف بقعته وفصاحة لغته ، وكمال شفقته على أمنه ، ولطفه ورحمته ، وكريم محتده وعظيم مولده ، وطيب مصدره ومورده . ولهذا استحق إبراهيم الخليل عليه السلام إذا كان باني الكعبة لأهل الأرض . أن يكون منصبه ومحله وموضعه ، في منازل السموات ورفيع الدرجات ، عند البيت المعمور ، الذي هو كعبة أهل السماء السابعة المبارك المبرور ، الذي يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة يتعبدون فيه ، ثم لا يعودون إليه إلى يوم البعث (١٠) سورة البقرة الآيتان : ١٢٧، ١٢٨. (١١) سورة العنكبوت الآية : ٦٧ . (١٢) سورة القصص الآية : ٥٧ . ٢١٧ والنشور . وقد ذكرنا في التفسير من سورة البقرة صفة بنائه للبيت ، وما ورد في ذلك من الأخبار والآثار بما فيه كفاية ، فمن أراد فليراجعه ثَمَّ ... ولله الحمد . فمن ذلك ما قال السدي: لما أمر الله إبراهيم وإسماعيل أن يبنيا البيت لم يدريا أين مكانه ، حتى بعث الله ريحاً يقال له ((الخجوج)) لها جناحان ورأس في صورة حية ، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول ، وأتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس . وذلك حين يقول تعالى: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتَ﴾ (١٣). فلما بلغا القواعد وبنيا الركن ، قال إبراهيم لإِسماعيل: يابني ... اطلب لي حجراً حسناً أضعه ها هنا . قال : ياأبت ... إني كسلان تعب . قال : على ذلك فانطلق ، وجاءه جبريل بالحجر الأسود من الهند ، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثغامة (١٤) . وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس ، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن . فقال : ياأبت ... من جاءك بهذا ؟ قال : جاء به من هو أنشط منك. فبنيا وهما يدعوان الله(١٥): ﴿رَبََّا تَقَبَلْ مِنَّ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾(١٦). وذكر ابن أبي حاتم أنه بناه من خمسة أجبل ، وأن ذا القرنين ــ وكان ملك الأرض إذ ذاك - مر بهما وهما يبنيانه فقال: من أمر كما بهذا ؟ فقال إبراهيم : الله أمرنا به . فقال وما يدريني بما تقول ؟ فشهدت خمسة أكبش أنه أمره بذلك فآمن وصدق . وذكر الأزرقي : أنه طاف مع الخليل بالبيت . وقد كانت الكعبة على بناء الخليل مدة طويلة ، ثم بعد ذلك بنتها قريش . فقصرت بها عن قواعد إبراهيم من جهة الشمال مما يلي الشام على ما هى عليه (١٣) سورة الحج الآية: ٢٦ . (١٤) الثغامة : شجرة بيضاء الثمر والزهر . (١٥) هذه الرواية من الإسرائيليات. انظر نقدها ونقد ما جاء من الدخيل في قصة بناء البيت الحرام في | رسالة الماجستير لتلميذنا الدكتور جمال مصطفى، وهى بعنوان «الدخيل في تفسير الخطيب الشربيني) ]. (١٦) سورة البقرة الآية : ١٢٧. ٢١٨ اليوم . وفي الصحيحين من حديث مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم : أن عبد الله ابن محمد بن أبي بكر أخبر عن ابن عمر، عن عائشة: أن رسول الله عَ لّه قال: ((ألم تر أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم)) ؟ فقلت : يا رسول الله ... ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال: (( لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت)). وفي رواية: ((لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية - أو قال بكفر - لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها الحجر)) (١٧). وقد بناها ابن الزبير رحمه الله في أيامه على ما أشار إليه رسول الله عَ لّهِ حسبما أخبرته به خالته عائشة ، أم المؤمنين عنه، فلما قتله الحجاج في سنة ثلاث وسبعين كتب إلى عبد الملك بن مروان الخليفة إذ ذاك ، فاعتقدوا أن ابن الزبير إنما صنع ذلك من تلقاء نفسه . فأمر بردها إلى ما كانت عليه ، فنقضوا الحائط الشامي وأخرجوا منها الحجر ، ثم سدوا الحائط وردموا الأحجار في جوف الكعبة ، فارتفع بابها الشرقي وسدوا الغربي بالكلية ، كما هو مشاهد إلى اليوم . ثم لما بلغهم أن ابن الزبير إنما فعل هذا لما أخبرته عائشة أم المؤمنين ندموا على ما فعلوا ، وتأسفوا أن لو كانوا تركوه وما تولى من ذلك . ثم لما كان في زمن المهدي بن المنصور استشار الإِمام مالك بن أنس في ردها على الصفة التي بناها ابن الزبير فقال له : إني أخشى أن يتخذها الملوك لعبة . يعني كلما جاء ملك بناها على الصفة التي يريد . فاستقر الأمر على ما هي عليه اليوم . (١٧) أخرجه البخارى فى صحيحه ، تفسير سورة البقرة . ومسلم فى صحيحه ، كتاب الحج ، باب نقض الكعبة وبنائها . ٢١٩ [ الفصل التاسع ] ذكر ثناء الله ورسوله الكريم على عبده وخليله إبراهيم قال تعالى: ﴿ وَإِذٍ أَبْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَئِمَّهُنَّ قَالَ إِنَّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِى قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾(١) لما وفي ما أمره به ربه من التكاليف العظيمة ، جعله للناس إماماً يقتدون به ويأتمون بهديه . وسأل الله أن تكون هذه الإمامة متصلة بسببه ، وباقية في نسبه ، وخالدة في عقبه فأجيب إلى ما سأل ورام وسلمت إليه الإِمامة بزمام ، واستثنى من نيلها الظالمون ، واختص بها من ذريته العلماء العاملون. كما قال تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَّهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ الْتُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِى الذُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾(٢) وقال تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلَّا هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى المُحْسِنِينَ " وَزَكَرِيًّا وَيَخْبَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلُّ مِّنَ الصَّالِحِينَ* وَإِسْمَاعِيلَ وَاَلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلَّا فَضَّلْنَا عَلَى العَالَمِينَ " وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم ﴾(٣). فالضمير في قوله : ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ عائد على إبراهيم على المشهور ، ولوط وإن كان ابن أخيه إلا أنه دخل في الذرية تغليباً ، وهذا هو الحامل للقائل الآخر أن الضمير عائد على نوح كما قدمنا فى قصته ... والله أعلم (١) سورة البقرة الآية : ١٢٤. (٢) سورة العنكبوت الآية : ٢٧ . (٣) سورة الأنعام الآيات : ٨٤ - ٨٧ . ٢٢٠