النص المفهرس
صفحات 661-680
أي لست ببشر ولكني ملَك بعثني الله إليك ﴿لأهَب لك غلاماً زكيًّا﴾ أي ولداً زكيًّا . ﴿ قالت أنَّى يكونُ لي غلام﴾ أي كيف يكون لي غلام أو يوجد لي ولد ولم يَمْسَسْنِي بَشْرٌ ولم أكُ بَغِيًّا﴾ أي ولست ذات زوج وما أنا ممن يفعل الفاحشة قال كذلك قال ربك هو عليَّ هَيِّن﴾ أي فأجابها الملك عن تعجبها من وجود ولد منها والحالة هذه قائلاً: ﴿ كذلك قال ربك﴾ أي وعد أنه سيخلق منك غلاماً ولست بذات بعل ولا تكونين ممن تبغين ﴿ هو عليَّ هَيِّن﴾ أي وهذا سهل عليه ویسیر لدیه ، فإنه على ما يشاء قدير . وقوله: ﴿ولنجعلَه آيةً للناس﴾ أي ولنجعل خَلْقه والحالة هذه دليلاً على كمال قدرتنا على أنواع الخلق ، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى ، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى ، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر ، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى . وقوله ﴿ورحمةً منا﴾ أي نرحم به العباد بأن يدعوهم إلى الله في صغره وكبره في طفوليته وكهوليته ، بأن يفردوا الله بالعبادة وحده لا شريك له وينزهوه عن اتخاذ الصاحبة والأولاد والشركاء والنظراء والأضداد والأنداد . وقوله : ﴿ وكان أَمْراً مقضيًّا﴾. يحتمل أن يكون هذا من تمام كلام جبريل معها ، يعني أن هذا أمر قد قضاه الله وحتَّمه وقدره وقرره ، وهذا معنى قول محمد بن إسحاق واختاره ابن جرير ، ولم يحكِ سواه(١) . والله أعلم . ويحتمل أن يكون قوله: ﴿وكان أمراً مقضياً ﴾ كناية عن نفخ جبريل فيها كما قال تعالى: ﴿ ومريمَ ابنةَ عِمْرَان التي أحصنَتْ فَرْجها فنفخْنا فيه من روحنا﴾(٢) . فذكر غير واحد من السلف أن جبريل نفخ في جيب درعها فنزلت النفخة إلى فرجها فحملت من فورها كما تحمل المرأة عند جماع بعلها . ومن قال إنه نفخ في فمها أو أن الذي كان يخاطبها هو الروح الذي ولج فيها من فمها ، فقوله خلاف (١) تفسير الطبري ٦٢/١٦ ( ط الحلبي) . (٢) سورة التحريم ١٢ . - ٦٦١ - مايُفهم من سياقات هذه القصة في محالّها من القرآن ، فإن هذا السياق يدل على أن الذي أُرسل إليها ملك من الملائكة وهو جبريل عليه السلام ، وأنه إنما نفخ فيها ولم يواجه الملك الفرجَ بل نفخ في جيبها فنزلت النفخة إلى فرجها فانسلكت فيه ، كما قال تعالى ﴿فنفخنا فيه من روحنا﴾ فدلَّ(١) على أن النفخة ولجت فيه لا في فمها ، كما رواه السُّدي بإسناده عن بعض الصحابة(٢). ولهذا قال تعالى: ﴿فحملته ﴾ أي فحملت ولدها ﴿فانتبذت به مكاناً قَصِيًّا﴾ وذلك لأن مريم عليها السلام لما حملت ضاقت به ذرعاً، وعلمت أن كثيراً من الناس سيكون منهم كلام في حقها ، فذكر غير واحد من السلف منهم وهب بن منّه أنها لما ظهرت عليها مخايل الحمل كان أول من فَطِن لذلك رجل من عُبَّاد بني إسرائيل يقال له يوسف بن يعقوب النجار ، وكان ابن خالها فجعل يتعجب من ذلك عجباً شديداً ، وذلك لِمَا يعلم من ديانتها ونزاهتها وعبادتها وهو مع ذلك يراها حبلى وليس لها زوج فعرَّض لها ذات يوم في الكلام فقال : يا مريم هل يكون زرع من غير بَذْر ؟ قالت : نعم ، فمن خلَق الزرع الأول ! ثم قال : فهل يكون ولد من غير ذَكَر؟ قالت : نعم ، إن الله خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى . قال لها : فأخبريني خبرك . فقالت : إن الله بشرني ﴿ بكلمةٍ منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقرّبين . ويكلِّم الناسَ في المهد وَكَهْلاً ومن الصالحين ويروى مثل هذا عن زكريا عليه السلام أنه سألها فأجابته بمثل هذا . والله أعلم . وذكر السدي بإسناده عن الصحابة : أن مريم دخلت يوماً على أختها فقالت لها أختها : أشعرتِ أَنِّي حُبْلى ؟ فقالت مريم : وشعرتِ أيضاً أني حبلى ؟ فاعتنقتها وقالت لها أم يحيى : إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك . وذلك قوله : (١) ((ط)): يدل. وما أثبته من ((أ)). (٢) ليس في تفسير الطبري رواية عن السدي أسندها إلى بعض الصحابة في هذا والذي فيه: (( .. عن السدي قال طرحت عليها جلبابها لما قال جبريل ذلك لها ، فأخذ جبريل بكميها فنفخ في جيب درعها وكان مشقوقاً من قدامها فدخلت النفخة صدرها)) تفسير الطبري ٦٢/١٦ . - ٦٦٢ - ﴿ مصدّقاً بكلمة من الله ﴾ ومعنى السجود ها هنا الخضوع والتعظيم ، كالسجود عند المواجهة للسلام كما كان في شرع من قبلنا ، وكما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم . وقال أبو القاسم قال مالك : بلغني أن عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ابنا خالة وكان حملهما جميعاً [ معاً ](١) ، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم: إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك . قال مالك : أرى ذلك لتفضيل عيسى عليه السلام ، لأن الله تعالى جعله يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص . رواه ابن أبي حاتم . [ وروي عن مجاهد قال: قالت مريم كنت إذا خلوت حدَّثني وكلمني وإذا كنت بين الناس سبَّح في بطني ](١) . • ثم الظاهر أنها حملت به تسعة أشهر كما تحمل النساء ويضَعْن لميقات حملهن ووضعهن ، إذ لو كان خلاف ذلك لذُكر . وعن ابن عباس وعكرمة أنها حملت به ثمانية أشهر ، وعن ابن عباس ما هو إلا أن حملت به فوضعته . قال بعضهم : حملت به تسع ساعات واستأنسوا لذلك بقوله: ﴿ فحملتْه فانتبذَتْ به مكاناً قَصِيًّا . فأجاءها المخاض إلى جِذْع النخلة﴾. والصحيح أن تعقيب كل شيء بحسبه ، كقوله: ﴿فُتُصْبِح الأرضُ مخضرّة﴾(٢) وكقوله: ﴿ ثم خلَقنا النطفةَ علَقة فخلقنا العلَقة مُضْغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ، ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾( ( ((٣ ومعلوم أن بين كل حالين أربعين يوماً كما ثبت في الحديث المتفق عليه . قال محمد بن إسحاق : شاع واشتهر في بني إسرائيل أنها حامل ، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل [ بيت ](٤) زكريا . (١) ليست في ((أ)) . (٢) سورة الحج ٦٣ . (٣) سورة المؤمنون ١٤ . (٤) ليست في ((أ)). - ٦٦٣ - قال : واتهمها بعض الزنادقة بيوسف الذين كان يتعبد معها في المسجد ، وتوارت عنهم مريم واعتزلتهم وانتبذت مكاناً قصياً. وقوله: ﴿فأجاءها المخاضُ إلى جِذْع النخلة﴾ أي فألجأها واضطرها الطّلق إلى جذع النخلة، وهو بنص الحديث الذي رواه النسائي بإسناد لا بأس به عن أنس مرفوعاً والبيهقي بإسناد وصححه ، عن شَدَّاد بن أَوْس مرفوعاً أيضاً ، ببيت لحم الذي بنى عليه بعض ملوك الروم فيما بعد على ما سنذكره هذا البناء المشاهد الهائل . ﴿ قالت : يا ليتني مِتُّ قبلَ هذا وكنت نَسْياً مَنْسياً ﴾ فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتن ، وذلك أنها علمت أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها بل يكذبونها حين تأتيهم بغلام على يدها ، مع أنها قد كانت عندهم من العابدات الناسكات المجاورات في المسجد المنقطعات إليه المعتكفات فيه ، ومن بيت النبوة والديانة فحملت بسبب ذلك من الهم ما تمنت أن لو كانت ماتت قبل هذا(٤)(١) إل أو كانت ﴿ نَسْياً منسياً ﴾ أي لم تُخْلق بالكلّية. وقوله : ﴿ فناداها مَنْ تَحْتَها﴾ وقرىء ﴿ مِنْ تَحْتِها﴾ على الخفض ، وفي المضمر قولان : أحدهما أنه جبريل . قاله العَوْفي عن ابن عباس قال: ولم يتكلم عيسى بحضرة القوم . وبهذا قال((٢) سعيد بن جُبَير وعمرو بن ميمون والضحاك والسُّدي وقتادة . وقال مجاهد والحسن وابن زيد وسعيد بن جبير في رواية : هو ابنها عيسى . واختاره ابن جرير"(٣) . وقوله : ﴿ أَن لا تحزني قد جعَل رَبُّك تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. قيل النهر وإليه ذهب الجمهور . وجاء فيه حديث رواه الطبراني لكنه ضعيف واختاره ابن جرير (٤) وهو الصحيح . وعن الحسن والربيع بن أنس وابن أسلم وغيرهم أنه ابنها . والصحيح الأول لقوله : ﴿ وهُزِّي إليكِ بجذع النخلة تساقط عليك رُطباً جَنِيًّا﴾ فذكر الطعام والشراب ولهذا قال: ﴿ فكلي واشربي وقَرِّي عيناً﴾ . (١) ((أ)) : هذه. (٢) ((ط)): وهكذا قال. (٣) تفسير الطبري ٦٨/١٦ ( ط الحلبي). (٤) تفسير الطبري ٦٩/١٦ . - ٦٦٤ - ثم قيل : كان جذع النخلة يابساً وقيل كانت نخلة مثمرة . فالله أعلم . ويحتمل أنها كانت نخلة ، لكنها لم تكن مثمرة إذ ذاك ، لأن ميلاده كان في زمن الشتاء وليس ذاك وقت ثمر ، وقد يفهم ذلك من قوله تعالى على سبيل الامتنان تُسَاقِطْ عليك رُطَباً جَنيًّا ﴾. قال عمرو بن ميمون: ليس شيء أجود (١) للنفساء من التمر والرطب ثم تلا هذه الآية . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا شيبان ، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي ، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (٢) عن عروة بن رُوَيم عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله عَ ليه: (( أكرموا عمتكم النخلة فإنها خُلقت من الطين الذي خُلق منه آدم وليس من الشجر شيء يُلْقَح غيرها))(٣) وقال رسول الله عَ لِ: ((أطعموا نساءكم الوُلْدَ الرطَبَ، فإن لم يكن رطب فَتَمْر، وليس من الشجر أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران)) (٤) . وكذا رواه أبو يعلى في مسنده عن شيبان بن فُرُوخ ، عن مسروق بن سعيد . وفي رواية مسرور بن سعد ، والصحيح مسرور بن سعيد التميمي ، أورد له ابن عَدِي هذا الحديث عن الأوزاعي به ثم قال : وهو منكر الحديث ولم أسمع بذكره إلا في هذا الحديث . وقال ابن حبان : يروى عن الأوزاعي المناكير الكثيرة التي لا يجوز الاحتجاج بمن يرويها . وقوله : ﴿ فإمَّا تَرِينَّ من البَشر أحداً فقولي إني نذرتُ للرحمن صَوْماً فلن (١) ((أ)) : خير . (٢) ((ط)): الأنصاري. وما أثبته من ((أ)). (٣) كشف الخفا ١٧٢/١ وقال: رواه أبو نعيم والرامهرمزي في الأمثال عن علي مرفوعاً وأخرجه أبو يعلى في مسنده عن ابن عباس . (٤) روى صدره في كشف الخفا ١٣٤/١ وقال : رواه عبد الله بن المنذر بسند فيه كذاب ومن ثم أورده ابن الجوزي في الموضوعات . - ٦٦٥ - أكلِّم اليومَ إِنْسيًّا﴾. وهذا من تمام كلام الذي ناداها من تحتها قال: كلي واشربي وقرِّي عيناً ﴿فإما ترين من البشر أحداً﴾ أي فإن رأيت أحداً من الناس فقولي ﴾ له أي بلسان الحال والإِشارة ﴿إني نذرتُ للرحمن صَوماً ﴾ أي صمتاً ، وكان من صومهم في شريعتهم ترك الكلام والطعام . قاله قتَادة والسُّدي وابن أسلم . ويدل على ذلك قوله: ﴿ فلن أكلِّم اليومَ إِنْسِيًّا﴾ فأما في شريعتنا فيكره للصائم صمت يوم إلى الليل . وقوله تعالى: ﴿ فَأَتَتْ به قَوْمَها تحمله قالوا يا مريمُ لقد جئتِ شيئاً فَرِيًّا . يا أُختَ هارونَ ما كان أبوكِ امرأْ سَوْءٍ وما كانت أمُّكِ بَغِيًّا﴾ ذكر كثير من السلف ممن ينقل عن أهل الكتاب أنهم لما افتقدوها من بين أظهرهم ذهبوا في طلبها فمروا على محلتها والأنوار حولها ، فلما واجهوها وجدوا معها ولدها فقالوا لها: ﴿يا مريمُ لقد جئتِ شيئاً فَرِيًّا﴾ أي أمراً عظيماً منكراً. وفي هذا الذي قالوه نظر ، مع أنه كلام ينقض أوله آخره وذلك لأن ظاهر سياق القرآن العظيم يدل على أنها حملته بنفسها وأتت به قومها وهي تحمله . قال ابن عباس: وذلك بعد ما تعالَّتْ(١) من نفاسها بعد أربعين يوماً . والمقصود أنهم لما رأوها تحمل معها ولدها ﴿ قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرًّا﴾ والفَرِيَّةُ هي الفعلة المنكرة العظيمة من الفَعَال والمقال. • ثم قالوا لها: ﴿يا أختَ هارون﴾ قيل شبهوها بعابد من عبَّاد زمانهم كانت تُسَاميه في العبادة ، وكان اسمه هارون . قاله سعيد بن جُبير . وقيل : أرادوا بهارون أخا موسى شبَّهوها به في العبادة . وأخطأ محمد بن كعب القُرَظِي في زعمه أنها أخت موسى وهارون نسباً ، فإن بينهما من الدهور الطويلة ما لا يخفى على [ أدنى ](٢) من عنده من العلم ما يردّه عن هذا القول الفظيع ، وكأنه غره أن في التوراة أن مريم أخت موسى وهارون ضَربت (١) ((ط)): تعلت . (٢) ليست في ((أ)). - ٦٦٦ - بالدف يوم نجَّى الله موسى وقومه وأغرق فرعون وملأه ، فاعتقد أن هذه هي هذه . وهذا في غاية البطلان والمخالفة للحديث الصحيح مع نص القرآن كما قررناه في التفسير مطولاً ولله الحمد والمنة . وقد ورد الحديث الصحيح الدال على أنه قد كان لها أخ اسمه هارون وليس في ذكر قصة ولادتها وتحرير أمها لها ما يدل على أنها ليس لها أخ سواه . والله أعلم قال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الله بن إدريس ، سمعت أبي يذكره ، عن سِمَاك، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله عَ لّه إلى نجران فقالوا : أرأيت ما تقرءون: ﴿يا أخت هارون﴾ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال فرجعت(١) فذكرت ذلك لرسول الله عَ المه فقال: ((ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمّون بالأنبياء والصالحين قبلهم))(٢). وكذا رواه مسلم والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن إدريس ، وقال الترمذي : حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديثه(٣). وفي رواية (( ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمَّون بأسماء صالحيهم وأنبيائهم)). وذكر قتادة وغيره أنهم كانوا يكثرون من التسمية بهارون حتى قيل إنه حضر بعضَ جنائزهم بشرٌ كثير منهم ممن يسمَّى بهارون أربعون ألفاً ! فالله أعلم . ● والمقصود أنهم قالوا: ﴿ يا أخت هارون ﴾ ودل الحديث على أنها قد كان لها أخ نَسَبِيِّ اسمه هارون ، وكان مشهوراً بالدين والصلاح والخير ، ولهذا قالوا : ﴿ ما كَان أبوكِ امْرأُ سَوْءٍ وما كانت أمُّك بغيًّا﴾ أي لستِ من بيتٍ هذا شيمتهم ولا سجَّتهم لا أخوك ولا أمك ولا أبوك ، فاتهموها بالفاحشة العظيمة ورموها بالداهية الدهياء. (١) الأصل والمطبوعة: فرحت. وما أثبته من المسند ٢٥٢/٤. (٢) مسند أحمد ٢٥٢/٤. (٣) صحيح مسلم كتاب الآداب باب النهي عن التكني بأبي القاسم وبيان ما يستحب من الأسماء ٢٥٩/٢ (ط عيسى الحلبي). وسنن الترمذي كتاب التفسير حديث رقم ٣١٥٥. - ٦٦٧ - فذكر ابن جرير في تاريخه أنهم اتهموا بها زكريا وأرادوا قتله ففر منهم فلحقوه وقد انشقت له الشجرة فدخلها وأمسك إبليس بطرف ردائه فنشره فيها كما قدمناه . ومن المنافقين من اتهمها بابن خالها يوسف بن يعقوب النجار . ● فلما ضاق الحال وانحصر المجال وامتنع المقال ، عظُم التوكل على ذي الجلال ، ولم يبق إلا الإِخلاص والاتكال ﴿فأشارَتْ إليه﴾ أي خاطِبُوه وكلِّموه فإِن جوابكم عليه وما تبغون من الكلام لديه ، فعندها ﴿قالوا ﴾ من كان منهم جباراً شقياً: ﴿ كيف نكلِّمُ من كان في المهد صبيًّا﴾ أي كيف تُحِيليننا في الجواب على صبي صغير لا يعقل الخطاب ، وهو مع ذلك رضيع في مهده لا يميز بين مَحْضٍ وزَبده ، وما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا والاستهزاء والتنقص لنا والازدراء ، إذ لا تردين علينا قولاً نُطْقياً ، بل تحيلين في الجواب على من كان في المهد صبيا . فعندها ﴿ قال إنِّي عبدُ الله آتاني الكتابَ وجعلني نبيًّا. وجعلني مباركاً أينما كنتُ وأوصاني بالصلاةِ والزكاة ما دمتُ حيًّا . وبرًّا بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقيًّا . والسلامُ علَّ يومٍ وُلِدْتُ ويوم أموتُ ويوم أُبْعَثُ حيًّا ﴾ . هذا أول كلام تفوّه به عيسى بن مريم ، فكان أول ما تكلم به أنْ ﴿ قال إني عبدُ الله ﴾ اعترف لربه تعالى بالعبودية ، وأن الله ربُّه ، فنزَّه جنابَ الله عن قول الظالمين في زعمهم أنه ابن الله ، بل هو عبده ورسوله وابن أمَته ، ثم برّأْ أمَّه مما نسبها إليه الجاهلون وقذفوها به ورموها بسببه بقوله : ﴿ آتانِيَ الكتابَ وجعلني نبيًّا﴾ فإن الله لا يعطي النبوة من هو كما زعموا لعنهم الله وقبحهم ، كما قال تعالى : وبِكُفْرهم وقولهم على مريمَ بُهتاناً عظيماً ﴾(١) . وذلك أن طائفة من اليهود في ذلك الزمان قالوا إنها حملت به من زنا في زمن الحيض . لعنهم الله! فبرَّأها الله من ذلك وأخبر عنها أنها صِدِّيقة واتخذ ولدها نبيًّا مُرْسَلاً أحدَ أولي العزم الخمسة الكبار . ولهذا قال: ﴿وجَعَلني مباركاً أينما كُنتُ ﴾ وذلك أنه حيث كان دعا إلى (١) سورة النساء ١٥٦ . - ٦٦٨ - عبادة الله وحده لا شريك له ونَّ جَنابه عن النقص والعيب من اتخاذ الولد والصاحبة تعالى وتقدَّس ﴿وأوصانِي بالصلاةِ والزكاةِ ما دُمْتُ حيًّا﴾ وهذه وظيفة العبيد في القيام بحق العزيز الحميد بالصلاة ، والإحسان إلى الخليقة بالزكاة ، وهي تشتمل على طهارة النفوس من الأخلاق الرذيلة وتطهير الأموال الجزيلة بالعطية للمحاويح على اختلاف الأصناف وقِرَى الأضياف ، والنفقات على الزوجات والأزرقَّاء والقرابات وسائر وجوه الطاعات وأنواع القربات . ثم قال ﴿ وَبَرَّا بوالدتي ولم يَجْعلني جَبَّاراً شقيًّا﴾ أي وجعلني بَرَّا بوالدتي وذلك أنه تأكَّد حقُّها عليه لتمخُّض جهتها إذ لا والد له سواها ، فسبحان من خَلق الخليقة وبَرأها وأعطى كل نفس هُداها. ﴿ولم يجعلني جَبَّراً شقيًّا﴾ أي لست بفظّ ولا غليظ ، ولا يَصْدر مني قول ولا فعل ينافي أمر الله وطاعته . والسلامُ علَّ يومَ ولِدتُ ويومَ أموت ويوم أُبْعَثُ حيًّا﴾ . وهذه المواطن الثلاثة التي تقدم الكلام عليها في قصة يحيى بن زكريا عليهما السلام . • ثم لما ذكر تعالى قصته على الجليّة وبيَّن أمره ووضَّحه وشرحَه قال: ﴿ ذلك عيسى بنُ مريم قولَ الحق الذي فيه يَمْترون . ما كان لله أن يتخذ من ولدٍ سبحانه إذا قضَى أمراً فإنما يقولُ له كُنْ فيكون ﴾ . كما قال تعالى بعد [ذكر](٢) قصته وما كان من أمره في آل عمران: ﴿ ذلك نتلوه عليكَ من الآياتِ والذِّكر الحكيم * إِنَّ مثَلَ عيسى عند الله كمثل آدمَ خلقه من ترابٍ ثم قال له كن فيكون « الحقُّ من ربك فلا تكن من المُمْتَرين » فمن حاجَّكَ فيه من بَعْدِ ما جاءك من العِلْم فقل تعالَوْا تَدْعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسَنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين = إنّ هذا لهو القَصَصُ الحقُّ وما من إلهٍ إلا الله وإنّ الله لهو العزيز الحكيم * فإنْ تولَّوا فإن الله عَلِيم بالمفسِدين﴾(١). (١) سورة آل عمران ٥٧ - ٦٣ . - ٦٦٩ - • ولهذا لما قدِم وفدُ نجران وكانوا ستين راكباً يرجع أمرهم إلى أربعة عشر منهم ، ويؤول أمُرُ الجميع إلى ثلاثة هم أشرافهم وسادتهم وهم العاقب والسيِّد وأبو حارثة بن عَلْقمة ، فجعلوا يُنَاظِرون في أمر المسيح فأنزل الله صدرَ سورة آل عمران في ذلك ، وبيّن أمر المسيح وابتداء خلقه وخَلْق أمّه من قبله ، وأمر رسوله بأن يُبَاهلهم إن لم يستجيبوا له ويتبعوه ، فلما رأوا عينيها وأذنيها نكصوا(١) وامتنعوا عن المُبَاهَلَة وعدَلوا إلى المُسَالَمة(٢) والموادَعة وقال قائلهم وهو العاقب عبد المسيح: يا معشر النصارى لقد علمتم أن محمداً لَنبِيٌّ مرسَل ، ولقد جاءكم بالفَصْل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم أنه ما لاعَن قومٌ نبيًّا قط فبقي كبيرهم ولا نبَت صغيرهم وإنها لَلاستئصال منكم إن فعلتم ، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلْف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادِعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم . فطلبوا ذلك من رسول الله سَ لّه وسألوه أن يضرب عليهم جزيةً وأن يبعث معهم رجلاً أميناً، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح وقد بينًا ذلك في تفسير آل عمران وقد بسطنا هذه القصة في السيرة النبوية(٢). والمقصود أن الله تعالى بَيَّن أمرَ المسيح فقال لرسوله : ﴿ ذلك عيسى بن مريم قولَ الحق الذي فيه يمترون ﴾ يعني من أنه عبدٌ مخلوق من امرأة من عباد الله، ولهذا قال: ﴿ ما كان للهِ أن يتخذَ مِن ولٍ سبحانه إذا قضَى أمراً فإنما يقولُ له كن فيكون ﴾ أي لا يعجزه شيء ولا يَكْرِثه ولا يؤوده بل هو القدير الفعال لما يشاء إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ﴾ . وقوله: ﴿ إِنَّ الله ربِّي وربكم فاعبدوه هذا صراطٌ مستقيم ﴾ هو من تمام كلام عيسى لهم في المهد ، أخبرهم أن الله ربه وربهم وإلهه وإلههم ، وأن هذا هو الصراط المستقيم . (١) ((أ)): نكلوا . (٢) ((أ)) : إلى المسألة. (٣) ((أ)): انظر السيرة النبوية لابن كثير ١٠٠/٤ - ١٠٨ بتحقيقنا. - ٦٧٠ - قال الله تعالى: ﴿ فاختلفَ الأحزابُ من بَيْنهم فويلٌ للذين كفروا من مَشْهد يومٍ عظيم ﴾ أي فاختلف أهل ذلك الزمان ومن بعدهم فيه . فمن قائل من اليهود : إنه ولد زَنْية ، واستمروا على كفرهم وعنادهم . وقابلهم آخرون في الكفر فقالوا : هو الله . وقال آخرون : هو ابن الله . وقال المؤمنون : هو عبد الله ورسوله وابن أمَته وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه ، وهؤلاء هم الناجُون المثابون والمؤيَّدون المنصورون ، ومن خالفهم في شيء من هذه القيود فهم الكافرون الضالون الجاهلون ، وقد توعَّدهم العلّ العظيم الحكيم العليم بقوله: ﴿ فويلٌ للذين كفروا من مَشْهد يوم عظيم ﴾. قال البخاري : حدثنا صدقة بن الفضل ، أنبأنا الوليد ، حدثنا الأوزاعي ، حدثني عُمَير بن هانىء ، حدثني جُنَادة بن أبي أمية ، عن عبادة بن الصامت ، عن النبي ◌َ ◌ّله قال: ((من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه ، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل )). م قال الوليد : فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر (١) ، عن عمير ، عن جنادة : وزاد : من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء(٢). وقد رواه مسلم عن داود بن رشيد ، عن الوليد ، عن جابر به ومن طريق أخرى عن الأوزاعي به(٣). (١) صحيح البخاري : قال الوليد حدثني ابن جابر. (٢) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق باب قوله تعالى ﴿قالت الملائكة يا مريم الله ١٢٣/٢ (ط الأميرية ) . (٣) صحيح مسلم كتاب الإيمان حديث رقم ٤٦ . - ٦٧١ - باب بيان أن الله تعالى منزه عن الولد تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيراً وقال تعالى في آخر هذه السورة: ﴿وقالوا اتخذَ الرحمنُ ولداً لقد جئتم شيئاً إذًّا﴾ شيئاً عظيماً ومنكراً من القول وزوراً ﴿تكادُ السمواتُ يَتفطّرْنَ منه وتَنْشَقُّ الأرضُ وتخِرُّ الجبالُ هَذَّا. أن دعوا للرحمن ولداً * وما ينبغي للرحمن أن يتخذّ ولداً * إنْ كُلُّ مَنْ في السمواتِ والأرضِ إلا آتِي الرحمن عبداً « لقد أحصاهم وعدَّهم عَدَّا» وكلهم آتِيه يومَ القيامةِ فَرْداً ﴾(١). فبين أنه تعالى لا ينبغي له الولد لأنه خالق كل شيء ومالكه ، وكل شيء فقير إليه ، خاضع ذليل لديه وجميع سكان السموات والأرض عبيده ، هو ربهم لا إله إلا هو ولا رب سواه كما قال تعالى: ﴿وجعلوا لله شركاءَ الجِنَّ وخلقهم وخَرَقوا له بنينَ وبناتٍ بغير علم سبحانه وتعالى عما يَصِفُون » بديعُ السموات والأرض أنَّى يكون له ولدٌّ ولم تكن له صاحِبٌ وخلق كلِّ شيء وهو بكل شيء عليم . ذلك الله ربكم لا إلّه إلا هو خالقُ كلِّ شيءٍ فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل » لا تُدْركه الأبصارُ وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾(٢). ● فبين أنه خالق كل شيء فكيف يكون له ولد ، والولد لا يكون إلا بين شيئين متناسبين ، والله تعالى لا نظير له ولا شبيه ولا عديل له ، فلا صاحبة له ، فلا يكون له ولد كما قال تعالى: ﴿ قل هو الله أحدٌ * الله الصمد » لم يَلِدْ ولم يولَدْ ولم يكن له كُفواً أحد ﴾ . ● يقرر أنه الأحَد الذي لا نظير له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله (١) سورة مريم ٨٨ - ٩٥ . (٢) سورة الأنعام ١٠٠ - ١٠٣. - ٦٧٢ - الصمد﴾ وهو السيّد الذي كَمُل في علمه وحكمته ورحمته وجميع صفاته(١) لم يلد﴾ أي لم يوجد منه ولد ﴿ولم يولد﴾ أي ولم يتولد(٢) عن شيء قبله ﴿ ولم يكن له كُفْواً أحد ﴾ أي وليس له عِدْل ولا مكافىء ولا مساوٍ ، فقطع النظير المداني ، والأعلَى والمساوِي، فانتفى أن يكون له ولد، إذ لا يكون الولد إلا متولداً بين شيئين متعادلين أو متقاربين ، تعالى الله عن ذلك علوًّاً كبيراً . • وقال تبارك وتعالى وتقدس: ﴿يا أهل الكتاب لا تَغْلُوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحقَّ إنما المسيحُ عيسى بنُ مريمَ رسولُ الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه فآمنُوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثةٌ ، انتهوا خَيْراً لكم ، إنما الله إلهٌ واحدٌ سبحانه أن يكون له ولدٌ، له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً « لن يَسْتنكفَ المسيحُ أن يكون عَبْدً لله ولا الملائكةُ المقرّبون ومن يَسْتنكفْ عن عبادته ويستكبرْ فسيحشرهم إليه جميعاً . فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ، وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذِّبهم عذاباً أيماً ولا يجدون لهم من دون الله وليًّا ولا نصيراً﴾(٣). ينهي تعالى أهل الكتاب ومن شابههم عن الغلوّ والإطراء في الدين وهو مجاوزة الحد ، فالنصارى لعنهم الله غَلَوا وأطْرَوا المسيح حتى جاوزوا الحد . فكان الواجب عليهم أن يعتقدوا أنه عبد الله ورسوله وابن أمَته العذراء البتول التي أحصنت فرجها فبعثها الله الملك جبريل إليها فنفخ فيها عن أمر الله نفخة حملت منها بولدها عيسى عليه السلام . والذي اتصلَ بها من الملَك هي الروح المضافة إلى الله إضافة تشريف وتكريم ، وهي مخلوقة من مخلوقات الله تعالى كما يقال : بيت الله وناقة الله وعبد الله ، وكذا ﴿ روح الله﴾ أضيفت إليه تشريفاً لها وتكريماً. وسمِّي عيسى بها لأنه كان بها من غير أب ، وهي الكلمة أيضاً التي عنها خُلق وبسببها وجد كما قال تعالى : (١) ((أ)) : وبلغ جميع صفاته. (٢) ((أ)): ولم يولد. (٣) سورة النساء ١٧١ - ١٧٣. - ٦٧٣ - ( إن مثلَ عيسى عند الله كمثلِ آدمَ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ﴾(١) وقال تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل له ما في السموات والأرض كُلٌّ له قانتون. بديعُ السموات والأرض وإذا قضَى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾(٢). وقال تعالى: ﴿وقالت اليهود عُزَيْرٌ ابنُ الله وقالت النصارى المسيحُ ابنُ الله ذلك قولُهم بأفواههم يضاهِئُون قولَ الذين كفروا من قبلُ قاتلهم الله أنَّى يُؤْفَكون ﴾(٣) . فأخبر الله تعالى أن اليهود والنصارى عليهم لعائن الله ، كل من الفريقين ادَّعوا على الله شططاً وزعموا أن له ولداً ، تعالى الله عما يقولون علوًّاً كبيراً وأخبر أنهم ليس لهم مستند فيما زعموه ولا فيما ائتفكوه ، إلا مجرد القول ومشابهة من سبقهم إلى هذه المقالة الضالة تشابهت قلوبهم . وذلك أن الفلاسفة عليهم لعنة الله زعموا أن العقل الأول صدر عن واجب الوجود الذي يعبِّرون عنه بعلة العلل والمبدأ الأول ، وأنه صدر عن العقل الأول عقل ثان ونفس وفلك ، ثم صدر عن الثاني كذلك حتى تناهت العقول إلى عشرة والنفوس إلى تسعة والأفلاك إلى تسعة ، باعتبارات فاسدة ذكروها واختيارات باردةٍ أوردوها . ولبسط الكلام معهم وبيان جهلهم وقلة عقلهم موضع آخر . · وهكذا طوائف من مشركي العرب زعموا لجهلهم أن الملائكة بنات الله وأنه صاهَر سَروات الجن فتولد منها الملائكة . تعالى الله عما يقولون وتنزه عما يشركون. كما قال تعالى: ﴿ وجعلوا الملائكةَ الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثاً أَشَهِدوا خَلْقَهم ستُكتبُ شهادتهم ويُسْألون﴾(١) . وقال تعالى: ﴿ فاستفتهم ألِرَبِكَ البناتُ ولهم البُنُون. أمْ خَلَقْنا الملائكة إناثاً وهم شاهِدُون . ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولَد اللهُ وإنهم لكاذبون . أَصْطَفي البناتِ على البنين . ما لكم كيف تَحْكُمون . أفلا تَذَكَّرون. أم لكم سلطانٌ مبين. فَأَتوا (١) سورة آل عمران ٥٩. (٢) سورة البقرة ١١٦، ١١٧. (٣) سورة التوبة ٣٠. (٤) سورة الزخرف ١٩، ٢٠ . - ٦٧٤ - بكتابكم إن كنتم صادقين . وجعلوا بَيْنه وبين الجِنَّةِ نسَباً ولقد علمت الجنةُ إنهم لَمُحْضَرون. سبحان الله عما يصفون. إلا عباد الله المخلصين﴾(١) . وقال تعالى: ﴿وقالوا اتخذَ الرحمنُ ولداً سبحانه بل عبادٌ مُكْرَمون . لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون . يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يَشْفعون. إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون. ومن يقُلّ منهم إني إلّهُ من دونه فذلك نَجْزِيه جهنمَ كذلك نجزي الظالمين﴾(٢). وقال تعالى في أول سورة الكهف وهي مكية: ﴿الحمدُ لله الذي أنزلَ على عَبْده الكتابَ ولم يجعل له ◌ِوَجاً . فيِّما لينذر بأساً شديداً من لَدُنه ويبشِّر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أنَّ لهم أجراً حَسَناً . ماكِثين فيه أبداً. ويُنْذِر الذين قالوا اتخذ الله ولداً ما لهم به مِنْ علم ولا لآبائهم كبُرت كلمةً تخرجُ من أفواههم إنْ يقولون إلا كذباً ﴾(٣). وقال تعالى: ﴿ قالوا اتخذ الله ولداً سبحانه هو الغَنِيُّ له ما في السموات وما في الأرض إنْ عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون . قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يُفْلحون . متاعٌ في الدنيا ثم إلينا مَرْجِعُهم ثم نِذِيقهم (٤) . العذابَ الشديدَ بما كانوا يكفرون ● فهذه الآيات المكيات الكريمات تشمل الرد على سائر فرق الكفرة من الفلاسفة ومشركي العرب واليهود والنصارى الذين ادَّعوا وزعموا بلا علم أن الله ولداً سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون [المعتدون ](٥) علواً كبيراً. • ولما كانت النصارى - عليهم لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة - من أشهر من قال بهذه المقالة ذكروا في القرآن كثيراً للرد عليهم وبيان تناقضهم وقلة علمهم (١) سورة الصافات ١٤٩ - ١٦٠. (٢) سورة الأنبياء ٢٦ - ٢٩. (٣) سورة الكهف ١ - ٥ . (٤) سورة يونس ٦٨ - ٧٠ . (٥) ليست في ((أ)). - ٦٧٥ - وكثرة جهلهم ، وقد تنوَّعت أقوالهم في كفرهم ، وذلك أن الباطل كثير التشعب والاحتلاف والتناقض . وأما الحق فلا يختلف ولا يضطرب. قال الله تعالى: ﴿ ولو كان من عِنْد غيرِ الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾(١). فدل على أن الحق يتحد ويتفق والباطل يختلف ويضطرب. فطائفة من ضُلَّالهم وجُهَّالهم زعموا أن المسيح هو الله تعالى . وطائفة قالوا هو ابن الله ، عز الله . وطائفة قالوا هو ثالث ثلاثة . جل الله . قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿ لقد كَفَر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم ، قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يُهْلكَ المسيحَ ابنَ مريم وأمَّه ومَن في الأرضِ جميعاً ولله مُلْكُ السمواتِ والأرضِ وما بينهما يَخْلُق ما يشاءُ والله على كل شيء قدير﴾(٢) . فأخبر تعالى عن كفرهم وجهلهم وبيَّن أنه الخالق القادر على كل شيء وأنه رب كل شيء ومليكه وإلهه . وقال في أواخرها: ﴿لَقَدْ كفر الذين قالوا إنَّ اللهَ هو المسيحُ بنُ مريمَ وقال المسيحُ يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربِّي ورَبِّكُمْ إنه من يُشْرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنةَ ومأواه النارُ وما للظالمين من أنصار . لقد كفر الذين قالوا إنَّ الله ثالثُ ثلاثةٍ وما من إله إلا إله واحد وإن لم يَنْتهوا عمَّا يقولون ليمسَّن الذين كفروا منهم عذابٌ أليم . أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم. ما المسيحُ بنُ مريمَ إلا رسولٌ قد خلَتْ من قبله الرسُل وأمّه صِدِّيقةٌ كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبينُ لهم الآياتِ ثم انظر أَنَّى يُؤْفَكُون﴾(٣). حكم تعالى بكفرهم شَرْعاً وقدَراً ، فأخبر أن هذا صَدَر منهم مع أن الرسول إليهم هو عيسى بن مريم ، وقد بين لهم أنه عبدٌ مربوب مخلوق مصوَّر في الرحم ، داع إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، وتوعدهم على خلاف ذلك بالنار وعدم الفوز بدار القرار ، والخزي في الدار الآخرة والهوان والعار، ولهذا قال: ﴿إنه من يُشْرِك (١) سورة النساء ٨٢ . (٢) سورة المائدة ١٧ . (٣) سورة المائدة ٧٢ - ٧٥ . - ٦٧٦ - بالله فقد حرَّم الله عليه الجنة ومأواه النارُ وما للظالمين من أنصار﴾. ثم قال: ﴿ لقد كفَرَ الذين قالوا إنَّ الله ثالثُ ثلاثةٍ وما من إله إلا إله واحد ﴾ قال ابن جرير وغيره: المراد بذلك قولهم بالأقانيم الثلاثة (١): أقنوم الأب وأقنوم الابن وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن، على اختلافهم في ذلك ما بَيْن الملكية واليعقوبية والنَّسْطورية ، عليهم لعائن الله كما سنبين كيفية اختلافهم في ذلك ومجامعهم الثلاثة في زمن قسطنطين بن قسطس ، وذلك بعد المسيح بثلاثمائة سنة وقبل البعثة المحمدية بثلاثمائة سنة . ولهذا قال تعالى: ﴿ وما من إلهٍ إلا إله واحد ﴾ أي وما من إله إلا الله وحده لا شريك له ولا نظير له ولا كفؤ له ولا صاحبة له ولا ولد ، ثم توعدهم وتهددهم فقال: ﴿وإن لم يَنْتَهُوا عما يقولون لَيَمسَّنَّ الذين كفروا منهم عذاب أليم ﴾ ثم دعاهم برحمته ولطفه إلى التوبة والاستغفار من هذه الأمور الكبار والعظائم التي توجب النار فقال: ﴿ أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم﴾. • ثم بَيَّن حال المسيح وأمه ، وأنه عبدٌ رسول وأمه صِدِّيقة ، أي ليست بفاجرة كما يقوله اليهود لعنهم الله، وفيه دليل على أنها ليست بنبية كما زعمه طائفة من علمائنا . وقوله : ﴿ كانا يأكلان الطعام ) كناية عن خروجه منهما كما يخرج من غيرهما ، أي ومن كان بهذه المثابة كيف يكون إلها ؟! تعالى الله عن قولهم وجهلهم علواً كبيراً . وقال السُّدِّي وغيره : المراد بقوله ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ﴾ زَعْمهم في عيسى وأمه أنهما الإِلهان مع الله، يعني كما بين تعالى كفرهم في ذلك بقوله في آخر هذه السورة الكريمة: ﴿وإذْ قال الله يا عيسى بن مريم أأنتَ قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلتُه فقد عَلِمْتَه، تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب . ما قلتُ لهم إلا ما أمَرْتَنِي به أن اعبدوا الله ربِّي وربكم ، (١) ((أ)) : المراد بتلك الثلاثة . - ٦٧٧ - وكنت عليهم شهيداً ما دمتُ فيهم فلما توفيتني كنتَ أنتَ الرقيبَ عليهم وأنت على كل شيء شهيد ، إن تعذّبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾(١). ● يخبر تعالى أنه يسأل عيسى بن مريم عليه السلام يوم القيامة على سبيل الإكرام له والتقريع والتوبيخ لعابديه ممن كذب عليه وافترى وزعم أنه ابن الله ، أو أنه الله أو أنه شريكه ، تعالى الله عما يقولون، فيسأله وهو يعلم أنه لم يقع منه ما يسأله عنه ولكن لتوبيخ مَنْ كذَب عليه فيقول له : ﴿ أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ﴾ أي تعاليتَ أن يكون معك شريك ﴿ ما يكونُ لي أن أقولَ ما ليس لي بحق﴾ أي ليس هذا يستحقه أحد سواك ﴿إنْ كنتُ قلتُه فقد عَلمته تعلمُ ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ﴾ وهذا تأدب عظيم في الخطاب والجواب ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمَرْتَنِي به ﴾ [ أي ما قلت غير ما أمَرْتني عليه ](٢) حين أرسلتني إليهم وأنزلت عليَّ الكتابَ الذي كان يتلى عليهم . ثم فسر ما قال لهم بقوله: ﴿ أن اعبدوا الله ربي وربكم﴾ أي خالقِي وخالقكم ورازقي ورازقكم ﴿وَكنتُ عليهم شهيداً ما دمتُ فيهم فلما توفّيتني﴾ أي رفعتني إليك حين أرادوا قتلي وصَلْبي فرحِمتني وخلَّصتني منهم وألقيت شَبهي على أحدهم حتى انتقموا منه فلما كان ذلك ﴿ كنت أنت الرقيبَ عليهم وأنت على كل شيء شهيد ثم قال على وجه(٣) التفويض إلى الرب عز وجل والتبرِّي من أهل النصرانية: ﴿ إِنْ تعذِّبهم فإنهم عبادك﴾ أي وهم يستحقون ذلك ﴿وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ﴾ وهذا التفويض والإسناد إلى المشيئة بالشرط لا يقتضي وقوع ذلك ، ولهذا قال : ﴿ فإنك أنت العزيز الحكيم ﴾ ولم يقل الغفور الرحيم. وقد ذكرنا في التفسير ما رواه الإمام أحمد عن أبي ذر أن رسول الله عَ ليه قام (١) سورة المائدة ١١٦ - ١١٨ . (٢) من ((أ)). (٣) ((أ)): على سبيل . - ٦٧٨ - بهذه الآية الكريمة ليلة حتى أصبح: ﴿إن تعذِّبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ وقال: إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي فأعطانيها وهي نائلة إن شاء الله تعالى لمن لا يشرك بالله شيئاً(١). وقال: ﴿ وما خَلَقْنا السماءَ والأرضَ وما بينهما لاعبين. لو أردنا أن نتخذَ لهواً لاتخذناه من لَدُنَّا إنْ كنا فاعلين. بل نقذفُ بالحق على الباطل فَيَدْمَغُه فإذا هو زاهِقٍ ولكم الويلُ مما تصِفُون . وله من في السموات والأرض ومَنْ عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يَسْتَحْسِرون. يسبِّحون الليلَ والنهار لا يَفْتُرون﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿ لو أراد الله أن يتخذ ولداً لَاصْطَفَى ممَّا يخُلُق ما يشاء سبحانه هو الله الواحدُ القَهَّار . خلق السمواتِ والأرضَ بالحقِّ يكوِّرُ الليل على النهار ويكور النهارَ على الليل وسخَّر الشمس والقمر كلّ يجري لأجل مسمَّى ألا هو العزيز الغفار ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿ قُلْ إن كان للرحمن ولدٌّ فأنا أولُ العابدين . سبحانَ ربِّ السمواتِ والأرضِ ربِّ العرشِ عما يصفون﴾ (٤) . وقال تعالى : ﴿وقل الحمدُ لله الذي لم يتخذْ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولّ من الذلِّ وَكَبِّه تكبيراً ﴾(٥). وقال تعالى: ﴿ قل هو الله أحد . الله الصمد . لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ﴾ (٦) . وثبت في الصحيح عن رسول الله عَ ليه أنه قال: يقول الله تعالى: ((شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك ، يزعم أن لي ولداً وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم ◌ُولد ولم يكن لي كفواً أحد)) (٧). ٠ (١) مسند أحمد ١٤٩/٥ . (٤) سورة الزخرف ٨١، ٨٢ . (٢) سورة الأنبياء ١٦ - ٢٠ . (٥) سورة الإسراء ١١١ . (٣) سورة الزمر ٤، ٥ . (٦) سورة الإِخلاص . (٧) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق ٨٥/٢ ( ط الأميرية ) . - ٦٧٩ - وفي الصحيح أيضاً عن رسول الله عَ لّم أنه قال: ((لا أحَد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولداً وهو يرزقهم ويعافيهم)) (١) . ولكن ثبت في الصحيح أيضاً عن رسول الله عَ لِّ أنه قال: ((إن الله ليُمْلي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ﴾ ثم قرأ: ﴿ وكذلك أخذُ ربك إذا أخذَ القرى وهي ظالمة إنَّ أخذه أليم شديد﴾(٢). وهكذا قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قريةٍ أمليتُ لها وهي ظالمة ثم أخذْتُها وإليَّ ٢) ﴾(٣) . المصیر وقال تعالى: ﴿ تمتعهم قليلاً ثم نَضْطَرُّهم إلى عذابٍ غليظ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿ قل إنَّ الذين يَفْترون على الله الكذِبَ لا يُفْلِحُون. متاعٌ في الدنيا ثم إلينا مَرْجِعِهم ثم نذيقهم العذابَ الشديدَ بما كانوا يكفرون ﴾(٥) . وقال تعالى: ﴿فَمَهِّل الكافرين أُمْهِلْهُم رُوَيْداً ◌َ (١) صحيح مسلم كتاب صفة المنافقين باب لا أحد أصبر على أذى من الله عز وجل ( ٥٢٢/٢ ط عيسى الحلبي ) . (٢) سورة هود ١٠٢ . والحديث في صحيح البخاري كتاب التفسير ٣٢٣/٢ (ط الأميرية ) . (٣) سورة الحج ٤٨ . (٤) سورة لقمان ٢٤ . (٥) سورة يونس ٦٨. (٦) آخر سورة الطارق . - ٦٨٠ -