النص المفهرس
صفحات 641-660
إلى جانبه أصلي ، قال : فذبح في طست وحمل رأسه ودمه إليها . قال : فقال رسول الله عَّهِ: فما بلغَ من صبرك ؟ قال : ما انفلتُّ من صلاتي. قال : فلما حمل رأسه إليها فوضع بين يديها فلما أمسَوا خسف الله بالملك وأهل بيته وحشَمه ، فلما أصبحوا قالت بنو إسرائيل : قد غضب إله زكريا ، لزكريا فتعالَوا حتى نغضب لملكنا فنقتل زكريا . قال : فخرجوا في طلبي ليقتلوني وجاءني النذير ، فهربت منهم وإبليس أمامهم يدلهم عليَّ ، فلما تخوفتُ أن لا أعجزهم عرضتْ لي شجرة فنادتني وقال إليّ إليّ. وانصدعتْ لي ودخلت فيها . قال : وجاء إبليس حتى أخذ بطرف ردائي والتأمت الشجرة وبقي طرف ردائي خارجاً من الشجرة ، وجاءت بنو إسرائيل فقال إبليس : أما رأيتموه دخل هذه الشجرة ، هذا طرف ردائه دخلها بسِحره . فقالوا : نحرق هذه الشجرة . فقال إبليس : شُقُّوه بالمنشار شقًّا . قال : فشُققت مع الشجرة بالمنشار . قال له عَ له: هل وجدت له مسًّا أو وجعاً؟ قال: لا إِنما وجدتْ ذلك الشجرة التي جعل الله روحي فيها . هذا سياق(١) غريب جداً وحديث عجيب ورفعه منكر ، وفيه ما ينكر على كل حال ، ولم يُر في شيء من أحاديث الإِسراء ذِكْر زكريا عليه السلام إلا في هذا الحديث ، وإنما المحفوظ في بعض ألفاظ الصحيح في حديث الإسراء : فمررت بابني الخالة يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة [فجاء ](٢) على قول الجمهور كما هو ظاهر الحديث ، فإن أم يحيى أشياع بنت عمران أخت مريم بنت عمران . وقيل : بل أشياع وهي امرأة زكريا ، أم يحيى هي أخت حنة امرأة عمران أم مريم ، فيكون يحيى ابن خالة مريم فالله أعلم . • ثم اختلف في مقتل يحيى بن زكريا هل كان في المسجد الأقصى أم بغيره على قولين : فقال الثَّوري عن الأعمش عن شمر بن عطية قال : قُتل على الصخرة (١) ((أ)): إسناد. (٢) من ((أ)). - ٦٤١ - التي ببيت المقدس سبعون نبياً ، منهم يحيى بن زكريا عليه السلام . وقال أبو عبيدة القاسم بن سلَّام : حدثنا عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، قال : قدم بُخْتنصّر دمشقَ ، فإذا هو بدم يحيى بن زكريا يَغْلي ، فسأل عنه فأخبروه ، فقتل على دمه سبعين ألفاً فسكن . وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيّب وهو يقتضي أنه قتل بدمشق وأن قصة بختنصر كانت(١) بعد المسيح كما قال عطاء والحسن البصري . فالله أعلم . وروى الحافظ ابن عساكر من طريق الوليد بن مسلم ، عن زيد بن واقد ، قال : رأيت رأس يحيى بن زكريا حين أرادوا بناء مسجد دمشق أُخرج من تحت ركن من أركان القبلة الذي يلي المحراب مما يلي الشرق ، فكانت البشرة والشعر على حاله لم يتغير . وفي رواية : كأنما قُتل الساعة . وذكر في بناء مسجد دمشق أنه جعل تحت العمود المعروف بعمود السكاسكة . فالله أعلم . [ وقد روى الحافظ ابن عساكر في المستقصَى في فضائل الأقصى ، من طريق العباس بن صبح ، عن مروان ، عن سعيد بن عبد العزيز ، عن قاسم مولى معاوية ، قال : كان ملك هذه المدينة يعني دمشق هداد بن هدار ، وكان قد زوج ابنه بابنة أخيه أريل ملكة صيدا ، وقد كان من جملة أملاكها سوق الملوك بدمشق وهو الصاغة العتيقة ، قال : وكان قد حلف بطلاقها ثلاثاً . ثم إنه أراد مراجعتها فاستفتى يحيى بن زكريا فقال : لا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك ، فحقدتْ عليه وسألت من الملك رأس يحيى بن زكريا ، وذلك بإشارة أمها ، فأبى عليها ثم أجابها إلى ذلك وبعث إليه وهو قائم يصلي بمسجد جَبرون من أتاه برأسه في صينية ، فجعل الرأس يقول له : لا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره . فأخذت المرأة الطبق فحملته على رأسها وأتت به أمها وهو يقول كذلك ، فلما تمثلت بين يدي أمها خسف بها إلى قدميها ثم إلى حِقْوبها ، وجعلت أمها تولول والجواري يصرخن ويلطمن وجوههن ، ثم خسف بها إلى منكبيها فأمرت أمها السياف أن يضرب عنقها لتتسلّى برأسها ، ففعل فنظت (١) ((أ)): وأن بختنصر كان بعد المسيح. - ٦٤٢ - الأرض جثتها عند ذلك ، ووقعوا في الذل والفناء ، ولم يزل دم يحيى يفور حتى قدم بختنصر فقتل عليه خمسة وسبعين ألفاً . قال سعيد بن عبد العزيز : وهي دم كل نبي . ولم يزل يفور حتى وقف عنده أرْميا عليه السلام فقال : أيها الدم أفنيتَ بني إسرائيل فاسكن بإذن الله . فسكن فرفع السيف وهرب من هرب من أهل دمشق إلى بيت المقدس فتتبعهم إليها فقتل خلقاً كثيراً لا يُحصَون كثرةً وسبا منهم ثم رجع عنهم ](١) . (١) سقط من ((أ)). - ٦٤٣ - قصة عيسى بن مريم عبد الله ورسوله وابن أمته عليه من الله أفضل الصلاة والسلام قال الله تعالى في سورة آل عمران التي أنزل صدرها وهو ثلاث وثمانون آية منها في الرد على النصارى عليهم لعائن الله ، الذين زعموا أن الله ولداً، تعالى الله عما يقولون علوًّاً كبيراً . وكان قد قدم وفد نجران منهم على رسول الله عَ لم فجعلوا يذكرون ما هم عليه من الباطل من التثليث في الأقانيم ويدَّعون بزعمهم أن الله ثالث ثلاثة وهم الذات المقدسة وعيسى ومريم ، على اختلاف فِرَقهم ، فأنزل الله عز وجل صدر هذه السورة بَيَّن فيها أن عيسى عبدٌ من عباد الله خَلقه وصَوَّره في الرحم كما صور(١) غيره من المخلوقات وأنه خلقه من غير أب كما خلق آدم من غير أب ولا أم ، وقال له كن فكان(٢) سبحانه وتعالى. وبيَّن أصلَ ميلاد أمه مريم وكيف كان من أمرها وكيف حملت بولدها عيسى ، وكذلك بسَط ذلك في سورة مريم كما سنتكلم على ذلك كله بعون الله وحسن توفيقه وهدايته . فقال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿ إِنَّ الله اصطفى آدَمَ ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين . ذريةً بعضها من بعض والله سميع عليم . إذ قالت امرأةٌ عمران رب إني نذرتُ لك ما في بطني محرَّراً فتقبَّل مِنِّي إنك أنت السميع العليم . فلما وضعتْها قالت رب إني وضَعْتُها أنثى والله أعلم بما وضعتْ وليس الذكر كالأنثى وإني سمَّيتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم. فتقبَّلها رُّها بقَبول حَسن وأنبتها نباتاً حسناً وَكفِّلها زكريا، كلما دخل عليها زكريا المحرابَ وجد عندها (١) ((أ)): كما خلق. (٢) ((أ)): فيكون . - ٦٤٤ - رزقاً قال يا مريم أنَّى لك هذا ؟ قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾(١) . يذكر تعالى أنه اصطفى آدم عليه السلام والخلَّص من ذريته المتبعين شرعه الملازمين طاعته ، ثم خصص فقال: ﴿ وآلَ إبراهيم ﴾ فدخل فيهم بنو إسماعيل ثم ذكر فضل هذا البيت الطاهر الطيب وهم آل عمران ، والمراد بعمران هذا والد مريم عليها السلام . وقال محمد بن إسحاق : وهو عمران بن باشم بن أمون بن ميشا بن حزقيا بن أحريق بن موثم بن عزازيا بن أَمْصِيا بن ياوش بن أحريهو بن يازم بن يهفاشاط بن إيشا ابن إيان بن رحبعام (٢) بن داود . وقال أبو القاسم ابن عساكر : مريم بنت عمران بن ماثان بن العازر بن اليود ابن أخنز بن صادوق بن عيازوز بن الياقيم بن أيبود بن زرياييل بن شالتال بن يوحينا ابن برشا بن أمون بن ميشا بن حزقيا(٣) بن أحاز بن موثام بن عزريا بن يوارم بن يوشافاط بن إيشا بن إيبت بن رحبعام بن سليمان بن داود عليه السلام . وفيه مخالفة لما ذكره محمد بن إسحاق . ولا خلاف أنها من سلالة داود عليه السلام وكان أبوها عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه ، وكانت أمها وهي حنة بنت فاقود بن قبيل من العابدات ، وكان زكريا نبي ذلك الزمان زوج أخت مريم أشياع في قول الجمهور وقيل زوج خالتها أشياع . فالله أعلم . وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره أن أم مريم كانت لا تحبل فرأت يوماً طائراً يزق فرخاً له فاشتهت الولد فنذرت لله إن حملت (٤) لتجعلن ولدهاً محرَّراً أي حبيساً في بيت المقدس . قالوا : فحاضت من فورها فلما طهرت واقعها بعلها فحملت بمريم عليها (١) سورة آل عمران ٣٣ - ٣٧. (٢) ((أ)) : رخيعم. (٣) ((ط)) : حزقا. (٤) ((أ)) : لئن ولدت. - ٦٤٥ - السلام ﴿ فلما وضعتها قالت ربَّ إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعَتْ ﴾ وقرىء بضم التاء ﴿ وليس الذَّكر كالأنثى﴾ أي في خدمة بيت المقدس، وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خداماً من أولادهم . وقولها : ﴿ وإني سمَّيتها مريم ﴾ استدل به على تسمية المولود يوم يولد ، وكما ثبت في الصحيحين عن أنس في ذهابه بأخيه إلى رسول الله عَ لّم فحنّك أخاه وسماه عبد الله (١). وجاء في حديث الحسن عن سَمرة مرفوعاً ((كلُّ غلام رهينةٌ بعقيقته تُذْبح عنه يوم سابعه ويسمى ويحلق رأسه )). رواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي(٢). وجاء في بعض ألفاظه: ((ويُدْمى)) بدل ويسمى وصححه بعضهم . والله أعلم . وقولها: ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ قد استجيب لها في هذا كما تُقبل منها نذرها ، فقال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر ، عن الزهري ، عن ابن المسيَّب، عن أبي هريرة، أن النبي عَّ له قال: ((ما من مولود إلا والشيطان يمسّه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إلا مريم وابنها )) ثم يقول أبو هريرة : واقرءوا إن شئتم ﴿وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾. أخرجاه من حديث عبد الرزاق (٣). ورواه ابن جرير عن أحمد بن الفرج عن بقية ، عن عبد الله بن الزبيدي ، عن الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي عَلَ ◌ّم بنحوه . وقال أحمد أيضاً : حدثنا إسماعيل بن عمر ، حدثنا ابن أبي ذئب (٤) عن (١) صحيح البخاري كتاب العقيقة ٣٠٤/٣ (بحاشية السندي ). (٢) مسند أحمد ٨/٥. وسنن الترمذي كتاب الأضاحي حديث رقم ١٥٢٢. (٣) صحيح البخاري ١٢٣/٢ (ط الأميرية) كتاب بدء الخلق باب قول الله تعالى: ﴿واذكر في الكتاب مريم﴾. وصحيح مسلم كتاب الفضائل ٤١/٢ (ط الحلبي). ومسند أحمد ٢٧٤/٢ . وفيه : ((من مسة الشيطان)). (٤) الأصل والمطبوعة : ابن أبي ذؤيب وما أثبته من المسند . - ٦٤٦ - عَجْلَان مَوْلَى المُشْمَعِلِّ، [عن أبي هريرة](١) عن النبي عَ ◌ٍّ قال: ((كل مولود من بني آدم يمسه الشيطان بإصبعه إلا مريم بنت عمران وابنها عيسى)) (٢). تفرد به من هذا الوجه . ورواه مسلم عن أبي الطاهر ، عن ابن وهب ، عن عمرو (٣) بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة، عن النبي عَ ليهِ بنحوه((٤). وقال أحمد : حدثنا هُشَيم ، حدثنا حفص بن ميسرة ، عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة، أن النبي عَ لّ قال: ((كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنيه(٥) إلا ما كان من مريم وابنها ، ألم تر إلى الصبي حين يسقط كيف يصرخ ؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: ((ذلك حين يلكزه الشيطان بحضنيه)). وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه من هذا الوجه . ورواه قيس عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله عَّةٍ: ((ما من مولود إلا وقد عَصَره الشيطان عصرة أو عصرتين إلا عيسى بن مريم ومسريم)) ثم قرأ رسول الله عَ ليه: ﴿وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ . وكذا رواه محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن عبيد الله بن قسيط ، عن أبي هريرة، عن النبي عَّلمه. بأصل الحديث. وقال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الملك، حدثنا المغيرة هو ابن عبد الرحمن الحِزَامي (٦)، عن أبي الزِّنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي عٍَّ قال: ((كل بني آدم يَطْعن الشيطان [ بإصبعه ] (٧)في جنبه حين يولد إلا عيسى بن مريم (١) سقطت من الأصل والمطبوعة وأثبتها من المسند ٢٨٨/٢. (٢) المسند ٢٨٨/٢ . (٣) الأصل والمطبوعة : عن عمر . وما أثبته من صحيح مسلم . (٤) صحيح مسلم كتاب الفضائل ٣٤١/٢ (ط عيسى الحلبي) . (٥) الحضن : الجنب وهما حضنان . (٦) ((ط)): هو ابن عبد الله الحرامي . محرفة . وهو مغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حكيم بن حزام الأسدي المدني . انظر ميزان الاعتدال ١٦٣/٤ . (٧) من المسند . - ٦٤٧ - ذهب يطعن فطعن في الحجاب)) (١) . وهذا على شرط الصحيحين ولم يخرجوه من هذا الوجه(٢). • وقوله: ﴿فتقبَّلها ربُّها بِقَبُولٍ حسَن وأثبتها نباتاً حسناً وكفَّلها زكريا﴾ ذكر كثير من المفسرين أن أمها حين وضعتها لفتها في خروقها ثم خرجت بها إلى المسجد فسلمتها إلى العُبَّاد الذين هم مقيمون به ، وكانت ابنة إمامهم وصاحب صلاتهم فتنازعوا فيها ، والظاهر أنها إنما سلمتها إليهم بعد رضاعها وكفالة مثلها في صغرها . ثم لما دفعتها إليهم تنازعوا في أيهم يكفلها ، وكان زكريا نبيهم في ذلك الزمان ، وقد أراد أن يستبد بها دونهم من أجل زوجته أختها أو خالتها على القولين . فشاخُّوه في ذلك ، وطلبوا أن يقترع معهم ، فساعدته المقادير فخرجت قرعته غالبة لهم وذلك أن الخالة بمنزلة الأم . قال الله تعالى: ﴿وَكَفَّلها زكريا﴾ أي بسبب غلبه لهم في القرعة كما قال تعالى: ﴿ ذلك من أنباء الغيب نُوحيه إليك وما كنتَ لديهم إذ يُلْقون أقلامَهم أيهم يَكْفُل مريمَ وما كنت لديهم إذ يختصمون﴾(٣). قالوا: وذلك أن كلاًّ منهم ألقى قلمه معروفاً به ، ثم حملوها ووضعوها في موضع وأمروا غلاماً لم يَبْلغ الحِنْثَ فأخرجَ واحداً منها ، وظهر قلم زكريا عليه السلام . فطلبوا أن يقترعوا مرة ثانية وأن يكون ذلك بأن يلقوا أقلامهم في النهر فأيهم جرى قلمه على خلاف جِرْيَةِ الماء (٤) فهو الغالب ، ففعلوا فكان قلم زكريا هو الذي جرى على خلاف جرية الماء ، وسارت (١) المسند ٥٢٣/٢ . (٢) الذي في صحيح البخاري ٩٧/٢ كتاب بدء الخلق باب صفة إبليس وجنوده: ( حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي عَلّم: ((كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه بإصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب )) ) . (٣) سورة آل عمران ٤٤. (٤) ((أ)): فأيهم جرى قلمه مع الماء . - ٦٤٨ - أقلامهم مع الماء ثم طلبوا منه أن يقترعوا ثالثة فأيهم جرى قلمه مع الماء ويكون بقية الأقلام قد انعكس سيرها صعدا فهو الغالب ففعلوا فكان زكريا هو الغالب لهم ، فكفلها إذا كان أحقّ بها شَرْعاً وقَدَراً لوجوه عديدة . · قال الله تعالى: ﴿ كلما دَخَلَ عليها زكريا المحرابَ وجد عندها رزقا قال: يا مريم أنَّى لك هذا ، قالت : هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾(١) قال المفسرون : اتخذ لها زكريا مكاناً شريفاً من المسجد لا يدخله سواها ، فكانت تعبد الله فيه وتقوم بما يجب عليها من سدانة البيت إذا جاءت نوبتها وتقوم بالعبادة ليلَها ونهارها ، حتى صارت يُضْرب بها المثل بعبادتها في بني إسرائيل ، واشتهرت بما ظهر عليها من الأحوال الكريمة والصفات الشريفة ، حتى إنه كان نبي الله زكريا كلما دخل عليها موضع عبادتها يجد عندها رزقاً غريباً في غير أوانه ، فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فيسألها ﴿ أنَّى لَكِ هذا﴾ فتقول: ﴿هو مِنْ عند الله﴾ أي رزق رزقنيه الله ﴿إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ . فعند ذلك وهنالك طمع زكريا في وجود ولد من صُلْبه وإن كان قد أسَنَّ وكبر ﴿ قال ربِّ هَبْ لي من لَدُنْكَ ذريةً طيبةً إنك سميعُ الدعاءِ ﴾. قال بعضهم : قال يا من يرزق مريم الثمر في غير أوانه(٣)، هَبْ لي ولداً وإن كان في غير أوانه ! فكان من خبره وقضيته ما قدمنا ذكره في قصته . ﴿ إذ قالت الملائكةُ يا مريمُ إنَّ الله اصطفاكِ وطهَّرك واصطفاك على نساء العالمين . يا مريم اقْنُتِي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين . ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليكَ وما كنتَ لديهم إذ يُلْقون أقلامَهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون . إذ قالت الملائكةُ يامريم إن الله يبشِّرِك بكلمة منه اسمه المسيحُ عيسى بن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقرّبين. ويكلِّم النَّاس في المهْد وَكَهْلاً ومن الصالحين . (١) سورة آل عمران ٣٧ . (٢) ((أ)): في غير أيامه. - ٦٤٩ - ٠ قالت رب أنَّى يكون لي ولدٌ ولم يَمْسَسْني بشَرٌ قال كذلك اللهُ يَخْلُق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون . ويعلِّمُه الكتابَ والحكمةَ والتوراةَ والإِنجِيلَ ورسولاً إلى بني إسرائيل أنِّي قد جئتكم بآيةٍ من ربكم أنى أخلقُ لكم من الطينِ كهيئة الطير فأنفحُ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأُبْرِىء الأكْمَه والأبرَصَ وأُحْيِي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تَدَّخِرُون في بيوتكم إنَّ في ذلك لآيَةً لكم إن كنتم مؤمنين . ومصدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ من التوراة ولِأُحِلّ لكم بعضَ الذي حُرِّم عليكم وجئتكم بآيةٍ من ربكم فاتقوا الله وأطيعون . إن الله ربِّي ورُّكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ﴾(١) . · يذكر تعالى أن الملائكة بشَّرت مريم باصطفاء الله لها من بين سائر نساء عالمي زمانها ، بأن اختارها لإيجاد ولد منها من غير أب وبشِّرت بأن يكون نبياً شريفاً ﴿ يكلِّم الناسَ في المهدِ ﴾ أي في صغره يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، وكذلك في حال كهوليته ، فدل على أنه يبلغ الكهولة ويدعو إلى الله فيها ، وأمرت بكثرة العبادة والقنوت والسجود والركوع لتكون أهلاً لهذه الكرامة ولتقوم بشكر هذه النعمة ، فيقال إنها كانت تقوم في الصلاة حتى تفطّرت قدماها رضي الله عنها ورحمها ورحم أمها وأباها . فقول الملائكة : ﴿ يا مريم إن الله اصطفاك ﴾ أي اختارك واجتباك وطهَّرك ﴾ أي من الأخلاق الرذيلة وأعطاك الصفات الجميلة ﴿واصطفاكِ على نساء العالمين﴾. يحتمل أن يكون المراد عالَمِي زمانها كقوله لموسى ﴿إِني اصطفيتُكَ على الناس﴾(٢) وكقوله عن بني إسرائيل ﴿ ولقد اخترْناهم على عِلْمٍ على العالمين ومعلوم أن إبراهيم عليه السلام أفضل من موسى، وأن محمداً عَ لّه أفضل منهما ، وكذلك هذه الأمة أفضل من سائر الأمم قبلها وأكثر عدداً وأفضل علماً (١) سورة آل عمران ٤٢ - ٥١ . (٢) سورة الأعراف ١٤٤ . سورة الدخان ٣٢ . - ٦٥٠ - وأزكى عملاً من بني إسرائيل وغيرهم . ● ويحتمل أن يكون قوله: ﴿واصطفاك على نساء العالمين﴾ محفوظَ العموم، فتكون أفضل نساء الدنيا ممن كان قبلها أو جَدَّ بَعْدَها ، لأنها إن كانت نبيةً ــ على قول من يقول بنبوتها ونبوة سارة أم إسحاق ونبوة أم موسى ، محتجاً بكلام الملائكة والوحي إلى أم موسى ، كما يزعم ذلك ابن حزم وغيره - فلا يمتنع على هذا أن تكون مريم أفضلَ من سارة وأم موسى لعموم قوله: ﴿واصطفاك على نساء العالمين ﴾ إذ لم يعارضه غيره . والله أعلم . • وأما قول الجمهور كما قد حكاه أبو الحسن الأشعري وغيره من أهل السنة والجماعة من أن النبوة مختصة بالرجال ، وليس في النساء نبية ، فيكون أعلى مقامات مريم كما قال الله تعالى: ﴿ ما المسيحُ ابنُ مَرْيَم إلا رسولٌ قد خلَتْ من قَبْله الرسل وأمّه صِدِّيقة﴾(١) فعلى هذا لا يمتنع أن تكون أفضل الصِّدِّيقات المشهورات ممن كان قبلها وممن يكون بعدها . والله أعلم . وقد جاء ذكرها مقروناً مع آسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد عَ ◌ِّ رضي الله عنهن وأرضاهن . • وقد روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عديدة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن جعفر ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: ((خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد)) (٢). وقال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا مَعْمَر ، عن قتادة ، عن أنس ، قال: قال رسول الله عَ لّه ((حَسْبك من نساء العالمين [بأربع ](٣) مريم بنت (١) سورة المائدة ٧٥ . (٢) صحيح البخاري كتاب المناقب باب تزويج النبي عَ ◌ّم خديجة وفضلها ١٧٧/٢ (ط الأميرية). ومسند أحمد ٨٤/١ ، ١١٦. (٣) ليست في المسند ولا في نسخة ((أ)). - ٦٥١ - عمران ، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد)) (١). ورواه الترمذي عن أبي بكر بن زَنْجوية ، عن عبد الرزاق به وصححه(٢)، ورواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن أبي جعفر [ الرازي ] وابن عساكر من طريق تميم بن زياد ، كلاهما عن أبي جعفر الرازي ، عن ثابت ، عن أنس قال : قال رسول الله عَ ليه: ((خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران ، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد رسول الله )) . وقال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، قال: كان أبو هريرة يحدّث أن النبي عَ لمه قال: ((خير نساء ركبن الإِبل صالحُ نساء قريش أحْنَاه على ولِدٍ في صغره وأرعاه لزوجٍ في ذات يده )) قال أبو هريرة: ولم تركب مريم بعيراً قط (٣) .. وقد رواه مسلم في صحيحه عن محمد بن رافع وعبد بن حُميد ، كلاهما عن عبد الرزاق به (٤). وقال أحمد : حدثنا زيد بن الحُبَاب ، حدثني موسى بن علي ، سمعت أبي يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله عَ له: ((خير نساء ركبن الإِبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرأفه بزوج على قلة ذات يده )) قال أبو هريرة : وقد علم رسول الله عَ لم أن ابنة عمران لم تركب الإبل . تفرد به وهو على شرط الصحيح . ولهذا الحديث طرق أُخر عن أبي هريرة . وقال أبو يعلى الموصلي : حدثنا يونس بن محمد ، حدثنا داود بن أبي (١) مسند أحمد ١٣٥/٣ وترتيب الأسماء فيه: مريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة ابنة محمد وآسية امرأة فرعون . ولعل ابن كثير رتبها باعتبار التاريخ ، وإن كانت آسية قبل مريم . (٢) سنن الترمذي كتاب المناقب حديث رقم ٣٨٧٨. (٣) مسند أحمد ٢٧٥/٢. (٤) صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة حديث رقم ٢٠٠ . - ٦٥٢ - الفرات ، عن علباء بن أحمر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : خط رسول الله عَّ له في الأرض أربع خطوط فقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم . فقال رسول الله عَ ليه: ((أفضل نساء الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون)) (١) ورواه النسائي من طرق عن داود [ بن ](٢) أبي هند . وقد رواه ابن عساكر من طريق أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث ، حدثنا يحيى بن حاتم العسكري ، أنبأنا بشر بن مهران بن حمدان ، حدثنا محمد بن دينار ، عن داود بن أبي هند ، عن الشَّعْبي ، عن جابر بن عبد الله ، قال: قال رسول الله عَ له: ((حَسْبك منهن أربع سيدات نساء العالمين : فاطمة بنت محمد ، وخديجة بنت خويلد ، وآسية بنت مزاحم ، ومريم بنت عمران )). وقال أبو القاسم البغَوي : حدثنا وهب بن بقية(٣) حدثنا خالد بن عبد الله الواسطي ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، أنها قالت لفاطمة : أرأيتِ حين أكبيتِ على رسول الله عَ لّ فبكيتِ ثم ضحكتِ ؟ قالت : أخبرني أنه ميت من وجعه هذا فبكيت ، ثم أكببت عليه فأخبرني أنّي أسرع أهله لحوقاً به وأني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران فضحكت . وأصل هذا الحديث في الصحيح (٤). وهذا إسناد على شرط مسلم وفيه أنهما أفضل الأربع المذكورات . وهکذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا عثمان بن محمد ، حدثنا جرير ، عن يزيد هو ابن أبي زياد ، عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم (٥) ، عن أبي (٢) سقطت من الأصل وأثبتها من ميزان الاعتدال ١١/٢. (١) مسند أبي يعلى . (٣) كذا في ((أ)) وفي ((ط)): وهب بن منبه . وهو خطأ لأن وهب بن منبه من التابعين وقد روى عن ابن عباس وعبد الله بن عمرو . (٤) صحيح البخاري كتاب المناقب ١٦٥/٢ (ط الأميرية ) . (٥) ((أ)): ابن أبي يعمر. ومحرفة. وفي ((ط)): ابن أبي نعيم. محرفة أيضاً والتصويب من ميزان الأعتدال ٥٩٥/٢. ومسند أحمد ٨٠/٣ . - ٦٥٣ - سعيد، قال: قال رسول الله عَ لّم: ((فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران (١) . إسناد حسن وصححه الترمذي (٢) ولم يخرجوه ، وقد روى نحوه من حديث علي بن أبي طالب ولكن في إسناده ضعف . ● والمقصود أن هذا يدل على أن مريم أفضل هذه الأربع . ثم يحتمل الاستثناء أن تكون مريم أفضل من فاطمة ويحتمل أن يكونا على السواء في الفضيلة . ولكن ورد حديث إن صح عيَّن الاحتمال الأول فقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر : أنبانا أبو الحسين بن الفراء وأبو غالب وأبو عبد الله ابنًا البنا ، قالوا أخبرنا أبو جعفر بن المُسْلِمة ، أنبأنا أبو طاهر المخلِّص ، حدثنا أحمد بن سليمان ، حدثنا الزبير هو ابن بَكَّار ، حدثنا محمد بن الحسن ، عن عبد العزيز بن محمد ، عن موسى ابن عُقْبة، عن كُرَيب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله عَ له: ((سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية امرأة فرعون )) . فإن كان هذا اللفظ محفوظاً بثم التي للترتيب فهو مبيَّن لأحد الاحتمالين اللذين دل عليهما الاستثناء ، وتقدم على ما تقدم من الألفاظ التي وردت بواو العطف التي لا تقتضي الترتيب ولا تنفيه . والله أعلم . وقد روى هذا الحديث أبو حاتم الرازي عن داود الجعفري ، عن عبد العزيز ابن محمد وهو الدَّراوَرْدِيّ، عن إبراهيم بن عقبة ، عن كُرَيْب ، عن ابن عباس مرفوعاً . فذكره بواو العطف لا بثم الترتيبية ، فخالفه إسناداً ومتناً . فالله أعلم . فأما الحديث الذي رواه ابن مردويه من حديث شعبة ، عن معاوية بن قُرَّة ، (١) مسند أحمد ٨٠/٣ . (٢) الذي في سنن الترمذي كتاب المناقب حديث رقم ٣٨٧٣ : (( هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه )» وهو مروي عن أم سلمة . - ٦٥٤ - عن أبيه قال: قال رسول الله عَّله: ((كَمُل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا ثلاث : مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد ، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام )) وهكذا الحديث الذي رواه الجماعة إلا أبا داود من طرق ، عن شعبة عن عمرو بن مرة [ عن مرة ](١) الهمداني، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله عَ ◌ّم: ((كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران ، وإنّ فَضْل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام )). فإنه حديث صحيح كما ترى اتفق الشيخان على إخراجه(٢) ، ولفظُه يقتضي حَصْر الكمال في النساء في مريم وآسية ، ولعل المراد بذلك في زمانهما فإن كلا منهما كَفَلَتْ نبيًّا في حال صِغَره ، فَآسية كفلت موسى الكَليم ، ومريم كفلت ولدها عَبد الله ورسوله ، فلا ينفي كمالَ غيرهما في هذه الأمة كخديجة وفاطمة . • فخديجة خدمت رسول الله عَّ له قبل البعثة خمس عشرة سنة وبعدها أزيَدَ من عشر سنين ، وكانت له وزيرَ صِدْقَ بنفسها ومالها ، رضي الله عنها وأرضاها . وأما فاطمة بنت رسول الله عَّه فإنها خُصَّت بمزيد فضيلة على أخواتها لأنها أصيبت برسول الله عَّه وبقية أخواتها مِثْن في حياة النبى(٣) عَ لِّ • وأما عائشة فإنها كان أحبَّ أزواج رسول الله عَِّ إليه ولم يتزوج بِكْراً غيرها ، ولا يُعرف في سائر النساء في هذه الأمة بل ولا في غيرها أعلم منها ولا أفهم ، وقد غار اللهُ لها حين قال [ لها ](٤) أهل الإِفك ما قالوا فأنزل الله براءتها من فوق سبع سماوات ، وقد عُمِّرت بعدَ رسول الله عَ ليه قريباً من خمسين سنة تبلّغ عنه القرآن والسنة وتفتي المسلمين وتصلح بين المختلفين . (١) سقط من ((أ)). (٢) صحيح البخاري كتاب المناقب باب فضل عائشة رضي الله عنها ١٧١/٢ (ط الأميرية). وصحيح مسلم كتاب الفضائل باب في فضل عائشة رضي الله عنها ٣٧٠/٢ (ط عيسى الحلبي ). (٣)) ((أ)): في حياة رسول الله . (٤)) من ((أ)). - ٦٥٥ - وهي أشرف أمهات المؤمنين حتى خديجة بنت خويلد أم البنات والبنين في قول طائفة من العلماء السابقين واللاحقين ، والأحْسَن الوقف فيهما رضي الله عنهما وما ذاك إلا لأن قوله عَ له: ((وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)) يحتمل أن يكون عامًّا بالنسبة إلى المذكورات وغيرهن ويحتمل أن يكون عاماً بالنسبة إلى ما عدا المذكورات . والله أعلم . • والمقصود ها هنا ذكر ما يتعلق بمريم بنت عمران عليها السلام، فإن الله طهَّرها واصطفاها على نساء عالمي زمانها ، ويجوز أن يكون تفضيلها على النساء مطلقاً كما قدمنا. وقد ورد في حديث أنها تكون من أزواج النبي عَ ◌ّةٍ في الجنة هي وآسية بنت مزاحم . وقد ذكرنا في التفسير عن بعض السلف أنه قال ذلك واستأنس بقوله: ﴿ ثَيِّات وأبكاراً﴾(١) قال: فالثيب آسية ومن الأبكار مريم بنت عمران . وقد ذكرناه في آخر سورة التحريم . فالله أعلم . قال الطبراني : حدثنا عبد الله بن ناجية ، حدثنا محمد بن سعد العَوْفي ، حدثنا أبي حدثنا عمي الحسين ، حدثنا يونس بن نفيع ، عن سعد بن جنَادة ، هو العَوْفي، قال: قال رسول الله عَ له: ((إن الله زوَّجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأة فرعون وأخت موسى )) . رواه ابن جعفر العقيلي من حديث عبد النور به . وزاد فقلت : هنيئاً لك يا رسول الله . ثم قال العقيلي : وليس بمحفوظ . وقال الزبير بن بكَّار : حدثني محمد بن الحسن ، عن يعلى بن المغيرة عن أبي داود، قال: دخل رسول الله عَ ليه على خديجة وهي في مرضها الذي توفيت فيه فقال لها : ((بالكُرْه مني ما أرى منك يا خديجة ، وقد يجعل الله في الكره خيراً كثيراً، أما علمت أن الله قد زوجني معك في الجنة مريم بنت عمران ، وكلثم أخت موسى وآسية امرأة فرعون ؟ قالت : وقد فعل الله بك ذلك يا رسول الله ؟ قال : (١) سورة التحريم ٥ . - ٦٥٦ - نعم . قالت : بالرفاء والبنين(١). وروى ابن عساكر من حديث محمد بن زكريا الغَلَابي ، حدثنا العباس بن بكار ، حدثنا أبو بكر الهذلي ، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله عَ ليه دخل على خديجة وهي في مرض الموت فقال : يا خديجة إذا لقيتٍ ضرائرك فأقرئيهن مني السلام . قالت : يا رسول الله وهل تزوجت قَبْلي ؟ قال : لا ولكن الله زوجني مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وكلثم أخت موسى(٢) . وروى ابن عساكر من طريق سُوَيد بن سعيد ، حدثنا محمد بن صالح بن عمر ، عن الضحاك ومجاهد ، عن ابن عمر ، قال : نزل جبريل إلى رسول الله عَّه بما أرسل به وجلس يحدث رسول الله عّ لّه إذ مرت خديجة، فقال جبريل: من هذه يا محمد ؟ قال : هذه صِدِّيقة أمتي . قال جبريل: معي إليها رسالة من الرب عز وجل يقرئها السلام ويبشرها بيت في الجنة من قصَب بعيد من اللَّهب لا نصَب فيه ولا صخب . قالت : الله السلام ومنه السلام والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته على رسول الله ، ما ذلك البيت الذي من قصب ؟ قال : لؤلؤة جوفاء بين بيت مريم بنت عمران وبنت آسية بنت مزاحم ، وهما من أزواجي يوم القيامة . وأصل السلام على خديجة من الله وبشارتها ببيت في الجنة من قصب لا صَخَب فيه ولا وَصَب في الصحيح(٣) ، ولكن هذا السياق بهذه الزيادات غريب جداً . وكل من هذه الأحاديث في أسانيدها نظر(٢). (١) لا يصح هذا الحديث بمجرد النظر في متنه. وهل في الجنة حمل وولادة حتى تقول: ((بالرفاء والبنين)) ! . (٢) وهذا أيضاً موضوع لا أصل له . (٣) صحيح البخاري كتاب المناقب ١٧٧/٢ (ط الأميرية). وصحيح مسلم كتاب الفضائل باب فضل خديجة أم المؤمنين ٣٧٠/٢ ( ط عيسى الحلبي ) . (٤) لا تكفي هذه الكلمة في الحكم على هذه الأحاديث التي يظهر الوضع في متونها قبل أن يظهر الخلل في أسانيدها ! - ٦٥٧ - وروى ابن عساكر من حديث أبي زُرْعة الدمشقي ، حدثنا عبد الله بن صالح حدثني معاوية ، عن صفوان ن عمرو ، عن خالد بن مَعْدان عن كعب الأحبار أن معاوية سأله عن الصخرة يعني صخرة بيت المقدس فقال : الصخرة على نخلة ، والنخلة على نهر من أنهار الجنة ، وتحت النخلة مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم يَنْظمان سموطَ أهل الجنة حتى تقوم الساعة . ثم رواه من طريق إسماعيل ، عن عياش ، عن ثعلبة بن مسلم ، عن مسعود ، عن عبد الرحمن، عن خالد بن معدان، عن عبادة بن الصامت، عن النبي عَ لهم. بمثله . وهذا منكر من هذا الوجه بل هو موضوع ! وقد رواه أبو زُرعة عن عبد الله بن صالح ، عن معاوية عن مسعود بن عبد الرحمن ، عن ابن عابد ، أن معاوية سأل كعباً عن صخرة بيت المقدس فذكره . قال الحافظ ابن عساكر : وكونه من كلام كعب الأحبار أشبه . قلت : وكلام كعب الأحبار هذا إنما تلقَّاه من الإسرائيليات التي منها ما هو مكذوب مفتعل وضعه بعض زنادقتهم أو جهالهم ، وهذا منه . والله أعلم . - ٦٥٨ - ذكر ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم العذراء البتول قال الله تعالى: ﴿واذكر في الكتاب مريمَ إذ انتبذتْ من أهلها مكاناً شَرْقِيًّا * فاتخذت من دونهم حِجَاباً فأرسلنا إليها روحنا فتمثَّل لها بَشراً سَوِيّاً . قالت إني أعوذُ بالرحمن منك إنْ كنتَ تقيًَّ ﴾ قال إنما أنا رسولُ ربك لِأَهَبَ لك غلاماً زكياً » قالت أنَّى يكون لي غلام ولم يَمْسَسْنِي بشّرٌ ولم أكُ بغيًّا » قال كذلك قال ربك هو عليَّ هيِّن ولنجعله آيَةً للناس ورحمةً منا وكان أمراً مقضيًّا ؛ فحملته فانتبذتْ به مكاناً قَصِيًّا ؛ فأجاءها المَخَاضُ إلى جِذْعِ النخلة قالت يا ليتني مِتُّ قَبْلَ هذا وكنت نَسْياً مَنْسياً * فناداها من تحتها أن لا تَحْزني قد جعل ربُّك تحتك سَرِيًّا ، وهُزِّي إليك بجذع النخلةِ تُسَاقِطْ عليك رُطَباً جَنِيًّا ؛ فكلي واشربي وقَرِّي عَيْناً فإِما تَرِيِنَّ من البَشر أحداً فقولي إني نذرْتُ للرحمن صَوْماً فلن أكلِّم اليوم إنسياً ؛ فأتتْ به قومَها تحمله قالوا : يا مريم لقد جئتِ شيئاً فَرِيًّا * يا أخت هارونَ ما كان أبوكِ امرأْ سَوْءٍ وما كانت أمُّك بَغِيًّا » فأشارت إليه قالوا: كيف نكلِّم مَنْ كان في المهد صَبيًّا ؛ قال إني عبدُ الله آتانِيَ الكتابَ وجَعَلني نبيًّا » وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دُمتُ حَيًّا * وَبَرَّ بوالدتي ولم يَجْعلني جَباراً شَقِيًّا » والسلامُ عليَّ يوم ولدتُ ويوم أموت ويوم أُبعث حيًّا » ذلك عيسى ابن مريم قولَ الحق الذي فيه يمترون » ما كان للهِ أن يتخذَ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كُنْ فيكون « وإن الله رِّي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزابُ من بينهم فويلٌ للذين كفروا من مَشْهد يوم عظيم﴾(١). ● ذكر تعالى هذه القصة بعد قصة زكريا التي هي كالمقدمة لها والتوطئة [ قبلها ](٢) كما ذكر في سورة آل عمران، قرن بينهما في سياق واحد وكما قال في (١) سورة مريم ١٦ - ٣٧. (٢) ليست في ((أ)). - ٦٥٩ - سورة الأنبياء: ﴿وزكريًّا إِذْ نادَى رَبَّه ربِّ لا تَذَرْني فرداً وأنت خيرُ الوارثين ** فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصْلَحنا له زَوْجَه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات وَيَدْعوننا رَغَباً ورهَباً وكانوا لنا خاشعين * والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آيةً للعالمين﴾(١). • وقد تقدم أن مريم لما جعلتها أمها محرَّرة تخدم بيت المقدس وأنه كفلها زوج أختها أو خالتها نبي ذلك الزمان زكريا عليه السلام ، وأنه اتخذ لها محراباً وهو المكان الشريف من المسجد لا يدخله أحد عليها سِوَاه ، وأنها لما بِلَغت اجتهدت في العبادة فلم يكن في ذلك الزمان نظيرها في فنون العبادات ، وظهر عليها من الأحوال ما غبطها به زكريا عليه السلام ، وأنها خاطبتها الملائكةُ بالبشارة لها باصطفاء الله لها وبأنه سيهب لها ولداً زكيًّا يكون نبياً كريماً طاهراً مكرَّماً مؤيداً بالمعجزات ، فتعجَّبت من وجود ولد من غير والد ، لأنها لا زوج لها ، ولا هي ممن تتزوج ، فأخبرتها الملائكة بأن الله قادر على ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ، فاستكانت لذلك وأنابت وسلَّمت لأمر الله ، وعلمت أن هذا فيه محنة عظيمة لها ، فإن الناس يتكلمون فيها بسببه ، لأنهم لا يعلمون حقيقة الأمر ، وإنما ينظرون إلى ظاهر الحال من غير تدبر ولا تعقل(٢). وكانت إنما تخرج من المسجد في زمن حيضها أو لحاجة ضرورية لا بد منها في استقاء ماء أو تحصيل غذاء ، فبينما هي يوماً قد خرجت لبعض شؤونها و ﴿ انتبذتْ﴾ أي انفردت وحدها شرقيَّ المسجد الأقصى إذ بعث الله إليها الروحَ الأمين جبريل عليه السلام ﴿ فتمثّل لها بَشَراً سَويًّا﴾ فلما رأته ﴿ قالت إني أعوذُ بالرحمن منك إن كنتَ تقيّ﴾ . قال أبو العالية: علمت أن التقيّ ذو نُهْية . وهذا يردّ قول من زعم أنه كان في بني إسرائيل رجل فاسق مشهور بالفسق اسمه ((تقيّ)) فإن هذا قول باطل بلا دليل ، وهو من أسخف الأقوال ! قال إنما أنا رسول ربك ﴾ أي خاطبها المَلَكُ قائلاً(٣) إنما أنا رسول ربك (١) سورة الأنبياء ٨٩ - ٩١ . (٢) ((أ)) : ولا عقل. (٣) ((ط)) : فال. - ٦٦٠ -