النص المفهرس

صفحات 621-640

الله على كل شيء قدير .
قال : فأقام بنو إسرائيل بها وردَّ الله عليهم أمرهم فمكثوا كذلك حتى غلبت
عليهم الروم في زمن ملوك الطوائف ، ثم لم يكن لهم جماعة ولا سلطان . يعني بعد
ظهور النصارى عليهم . هكذا حكاه ابن جرير في تاريخه عنه(١) .
وذكر ابن جرير أن لهراسب كان ملكاً عادلاً سائساً لمملكته قد دانت له
العباد والبلاد والملوك والقواد وأنه كان ذا رأي جيد في عمارة الأمصار والأنهار
والمعاقل ، ثم لما ضعف(٢) عن تدبير المملكة بعد مائة سنة ونيف نزل عن الملك لولده
بشتاسب ، فكان في زمانه ظهور دين المجوسية وذلك أن رجلاً اسمه زردشت(٣) كان
قد صحب أرميا عليه السلام فأغضبه فدعا عليه أرميا عليه السلام فبرص زردشت فذهب
فلحق بأرض أذربيجان وصحب بشتاسب فلقّنه دينَ المجوسية الذي اخترعه من
تلقاء نفسه فقبله منه بشتاسب وحمل الناسَ عليه وقهرهم وقتل منهم خلقاً كثيراً ممن
أباه منهم .
ثم كان بعد بشتاسب بهمن بن بشتاسب وهو من ملوك الفرس المشهورين
والأبطال المذكورين وقد ناب بختنصر لكل واحد من هؤلاء الثلاثة وعمر دهراً طويلاً
قبحه الله .
والمقصود أن هذا الذي ذكره ابن جرير من أن هذا المارّ على هذه القرية هو
أرميا عليه السلام، قاله(٤) وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عُمير وغيرهما . وهو
قوي من حيث السياق المتقدم ، وقد روي عن علي وعبد الله بن سلام وابن عباس
والحسن وقتادة والسُّدي وسليمان بن بُردة وغيرهم أنه عزير . وهذا أشهر عند كثير
من السلف والخلف . والله أعلم(٥) .
(١) ((أ)): عنهم. والخبر في تاريخ الطبري ٦٤٨/٢ (ط ليدن).
(٢) ((أ)) : عجز .
(٤) ((ط)): قال . محرفة.
(٣) ((أ)) : زرادشت .
(٥) تفسير الطبري ٢٢/٢، ٢٣.
- ٦٢١ -

وهذه قصة العزير
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر : هو عُزير بن جروة ، ويقال ابن
سوريق بن عديا بن أيوب بن درزنا بن عري بن تقي بن أسبوع بن فنحاص بن
العازر بن هارون بن عمران . ويقال عزير بن سروخا جاء في بعض الآثار أن قبره
بدمشق . ثم ساق من طريق أبي القاسم البغَوي عن داود بن عمرو ، عن حبان بن
علي ، عن محمد بن كُريب ، عن أبيه ، عن ابن عباس مرفوعاً: لا أدري العُزَير(١)
بيع أم لا ولا أدري أعزير كان(٢) نبياً أم لا.
ثم رواه من حديث مؤمل بن الحسن ، عن محمد بن إسحاق(٣) السِّجزي عن
عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن ابن أبي ذؤيب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة
مرفوعاً نحوه .
ثم روى من طريق إسحاق بن بشر ، وهو متروك عن جُوَيير ومقاتِل ، عن
الضحاك ، عن ابن عباس أن عزيراً كان ممن سباه بختنصر وهو غلام حدَث ، فلما
بلغ أربعين سنة أعطاه الله الحكمة . قال : ولم يكن أحد أحفظَ ولا أعلم بالتوراة
منه . قال : وكان يُذكر مع الأنبياء حتى محى الله اسمه من ذلك حين سأل ربه عن
القدر .
وهذا ضعيف ومنقطع ومنكر . والله أعلم .
وقال إسحاق بن بشر ، عن سعيد بن أبي عروبة (٤) ، عن قتادة ، عن
· الحسن ، عن عبد الله بن سلام ، أن عزيراً هو العبد الذي أماته الله مائة عام ثم
بعثه .
(١) ((ط)): العين. محرفة. (٢) ((ط)): أكان عزير. (٣) ((أ)): عن أبي إسحاق السجزي. محرفة.
(٤) المطبوعة : عن أبي عروبة . وهو تحريف . وفي القاموس : وابن أبي العروبة : باللام وتركها لحن .
- ٦٢٢ -

وقال إسحاق بن بشر : أنبأنا سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن كعب .
وسعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة عن الحسن ومقاتل وجوبير ، عن الضحاك ، عن
ابن عباس وعبد الله بن إسماعيل السُّدي عن أبيه ، عن مجاهد ، عن ابن عباس
وإدرايس ، عن جده وهب بن منبه . قال إسحاق : كل هؤلاء حدثوني عن حديث
عُزير وزاد بعضهم على بعض قالوا بإسنادهم : إن عزيراً كان عبداً صالحاً حكيماً
خرج ذات يوم إلى ضيعة له يتعاهدها ، فلما انصرف أتى إلى خربة حين قامت
الظهيرة وأصابه الحر ، ودخل الخربة وهو على حماره فنزل عن حماره ومعه سلة فيها تين
وسلة فيها عنب ، فنزل في ظل تلك الخربة وأخرج قصعة معه فاعتصر من العنب
الذي كان معه في القصعة (١) ثم أخرج خبزاً يابساً معه فألقاه في تلك القصعة في
العصير ليبتل ليأكله ، ثم استلقى على قفاه وأسند رجليه إلى الحائط فنظر سقف تلك
البيوت ورأى ما فيها وهي قائمة على عروشها وقد باد أهلُها ورأى عظاماً بالية
فقال: ﴿ أَنَّى يحيى هذه الله بعدَ موتها﴾ فلم يشكَّ أن الله يحيبها ولكن قالها
تعجباً ، فبعث الله ملك الموت فقبض روحه ، فأماته الله مائة عام .
فلما أتت عليه مائة عام ، وكانت فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمور
وأحداث . قال : فبعث الله إلى عزير ملكاً فخلق قلبه ليعقل قلبُه وعينيه لينظر بهما
فيعقل كيف يحيى الله الموتى . ثم ركّب خَلقه وهو ينظر ، ثم كسا عظامه اللحم
والشعر والجلد ثم نفخ فيه الروح ، كل ذلك وهو يرى ويعقل ، فاستوى جالساً فقال
له الملك : كم لبثتَ ؟ قال : لبثتُ يوماً أو بعض يوم ، وذلك أنه كان لبث صَدْر
النهار عند الظهيرة وبُعث في آخر النهار والشمس لم تَغِب ، فقال : أو بعض يوم ولم
يتم لي يوم . فقال له الملَك: بل لبثتَ مائةَ عام فانظر إلى طعامك وشرابك ، يعني الطعام
الخبز اليابس ، وشرابه العصير الذي كان اعتصره في القصعة فإذا هما على حالهما لم
يتغير العصير والخبز يابس ، فذلك قوله ﴿ لم يتسنَّه ﴾ يعني لم يتغير ، وكذلك التين
والعنب غضٌّ لم يتغير شيء من حالهما، فكأنه أنكر في قلبه فقال له الملك : أنكرتَ
ما قلت لك ؟ انظر إلى حمارك . فنظر إلى حماره قد بليت عظامه وصارت نَخِرة .
(١) ((أ)): وجوبرية.
- ٦٢٣ -

فنادى الملك عظامَ الحمار فأجابت وأقبلت من كل ناحية حتى رَكَّبه الملك وعُزَير
ينظر إليه ثم ألبسها العروق والعصب ، ثم كساها اللحم ثم أنبت عليها الجلد
والشعر ، ثم نفخ فيه الملك فقام الحمار رافعاً رأسه وأذنيه إلى السماء ناهقاً يظن
القيامة قد قامت . فذلك قوله : ﴿ وانظر إلى حمارك ولنجعلك آيةً للناس وانظر إلى
العظام كيف نُنْشزها ثم نكسوها لحماً ﴾ يعني وانظر إلى عظام حمارك كيف يركب
بعضها بعضاً في أوصالها حتى إذا صارت عظاماً مصوَّرا حماراً بلا لحم ، ثم انظر
كيف نكسوها لحماً ﴿ فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ من
إحياء الموتى وغيره .
قال : فركب حماره حتى أتى محلته فأنكره الناسُ وأنكر الناسَ وأنكر منزله
فانطلق على وهم منه حتى أتى منزله ، فإذا هو بعجوز عمياء مُقْعدة قد أتى عليها
مائة وعشرون سنة كانت أمّة لهم ، فخرج عنهم عُزَير وهي بنت عشرين سنة كانت
عرفته وعقلته ، فلما أصابها الكبر أصابها الزَّمانة ، فقال لها عزير : يا هذه أهذا منزل
عزير ؟ قالت : نعم هذا منزل عزير . فبكت وقالت : ما رأيت أحداً من كذا وكذا
سنة يذكر عُزيراً وقد نسيه الناس . قال : فإني أنا عزير كان الله أماتني مائة سنة ثم
بعثني . قالت : سبحان الله ! فإن عزيراً قد فقدناه منذ مائة سنة فلم نسمع له
بذكر . قال : فإني أنا عزير . قالت : فإن عزيراً رجل مستجاب الدعوة يدعو
للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء ، فادع الله أن يردّ عليَّ بصري حتى أراك
فإن كنت عُزيراً عرفتُك .
قال : فدعا ربه ومسح بيده على عينيها فصَحَتا وأخذ بيدها وقال : قومي بإذن
الله . فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال ، فنظرت
فقالت : أشهد أنك عُزَيْر .
وانطلقت إلى محلة بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم ، وابنٌ لعزير شيخ
ابن مائة وثماني عشرة سنة وبني بنيه شيوخ في المجلس ، فنادتهم فقالت : هذا عُزَير قد
جاءكم . فكذَّبوها ، فقالت : أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه فردَّ عليَّ بصري وأطلق
رجلي وزعم أن الله أماته مائة سنة ثم بعثه . قال : فنهض الناس فأقبلوا إليه فنظروا إليه
- ٦٢٤ -

فقال ابنه : كان لأبي شامة سوداء بين كتفيه . فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير .
فقالت بنو إسرائيل : فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما حُدِّثنا غير عزير وقد
حرق بختنصر التوراةَ ولم يبق منها شيء إلا ما حفظت الرجال ، فاكتبها لنا وكان أبوه
سروخا قد دفن التوراة أيام بختنصر في موضع لم يعرفه أحد غير عزير ، فانطلق بهم
إلى ذلك الموضع فحفره فاستخرج التوراةَ وكان قد عِفِن الورقُ ودَرَس الكتاب .
قال : وجلس في ظل شجرة وبنو إسرائيل حوله فجدَّد لهم التوراة ونزل من
السماء شهابان حتى دخلا جوفه . فتذكَّر التوراة فجددها لبني إسرائيل ، فمن ثم
قالت اليهود : عُزَير ابن الله ، للذي كان من أمر الشهابين وتجديده التوراة وقيامه بأمر
بني إسرائيل ، وكان جدَّد لهم التوراة بأرض السواد بدير حِزْقيل، والقرية التي مات
فيها يقال لها سايراباذ .
قال ابن عباس: فكان كما قال الله تعالى: ﴿ ولنجعلك آيةً للناس ﴾ يعني
لبني إسرائيل ، وذلك أنه كان يجلس مع بنيه وهم شيوخ وهو شاب لأنه مات وهو
ابن أربعين سنة ، فبعثه الله شاباً كهيئته يوم مات .
قال ابن عباسٍ : بُعث بعدَ بختنصَّر وكذلك قال الحسن .
وقد أنشد أبو حاتم السجستاني في معنى ما قاله ابن عباس :
ومن قَبْله ابنُ ابنِه فهو أكبرُ
واسْوَدَّ رأسٌ شابَ من قَبْلِهِ ابْنُه
ولحيته سوداء والرأس أشقرُ !
يرى ابنَه شيخاً يدِبُّ على عَصا
يقوم كما يمشي الصبيّ فيعثرُ
وما لابنه حيلٌ ولا فَضْل قوةٍ
وعشرين لا يجري ولا يتبخترُ
يعدّ ابنه في الناس تسعين حِجَّةً
ولابنِ ابنه تسعون في الناس غُبَّرُ
وعمر أبيه أربعون أمرَّها
فما هو في المعقول إن كنت دارياً وإن كنت لا تدري فبالجهل تعذّر !
فصل
المشهور أن عزيراً نبي من أنبياء بني إسرائيل وأنه كان فيما بين داود وسليمان
- ٦٢٥ -

وبَيْن زكريا ويحيى ، وأنه لمَّا لم يبق في بني إسرائيل من يحفظ التوراة ألهمه الله حِفْظها
فسردَها على بني إسرائيل ، كما قال وهب بن منبه : أمر الله ملكاً فنزل بمغرفة من نور
فقذفها في عزير فنسخ التوراة حرفاً بحرف حتى فرغ منها .
وروى ابن عساكر عن ابن عباس أنه سأل عبد الله بن سلام عن قول الله
تعالى: ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله ﴾ لم قالوا ذلك؟ فذكر له ابن سلام ما كان
من كَتْبِه لبني إسرائيل التوراةَ مِنْ حِفظه ، وقول بني إسرائيل : لم يستطع موسى أن
يأتينا بالتوراة إلا في كتاب وإن عزيراً قد جاءنا بها من غير كتاب . فرماه طوائف
منهم وقالوا : عزير ابن الله .
ولهذا يقول كثير من العلماء : إن تواتر التوراة انقطع في زمن العُزَير .
وهذا متجه جداً إذا كان العزير غير نبي كم(١) قاله عطاء بن أبي رباح والحسن
البصري . وفيما رواه إسحاق بن بشر عن مقاتل بن سليمان ، عن عطاء ، وعن
عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه ، ومقاتل عن عطاء بن أبي رباح قال : كان في
الفترة تسعة أشياء : بُخْتنصَّر وجنة صنعاه وجنة سباً وأصحاب الأخدود وأمر
حاصورا وأصحاب الكهف وأصحاب الفيل ومدينة أنطاكية وأمر تُبَّع .
وقال إسحاق بن بشر : أنبأنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، قال : أمر
عزير وبختنصر في الفَتْرة .
وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله عَ ليه قال: ((إن أولى الناس بابن مريم
لأنا ، إنه ليس بيني وبينه نبي)) (٢) .
وقال وهب بن منبه : كان فيما بين سليمان وعيسى عليهما السلام .
وقد روى ابن عساكر عن أنس بن مالك وعطاء بن السائب أن عزيراً كان في
زمن موسى بن عمران ، وأنه استأذن عليه فلم يأذن له ، يعني لما كان من سؤاله عن
القدَر وأنه انصرف وهو يقول : مائة موتة أهون من ذُل ساعة .
(١) ((أ)): كذا قاله.
(٢) صحيح مسلم كتاب الفضائل حديث رقم ٢٢٤ .
- ٦٢٦ -

وفي معنى قول عزير مائة موتة أهون من ذل ساعة قول بعض الشعراء :
وَيَأْنَفُ الصبرَ على الحيْفِ
قد يَصْبِرِ الحُرُّ على السيفِ
يَعْجز فيها عن قِرَى الضيفِ
ويُؤْثر الموتَ على حالةٍ
فأما ما روى ابن عساكر وغيره عن ابن عباس وتَوْف البِكَالِيّ وسفيان الثَّوري
وغيرهم ، من أنه سأل عن القَدَر فمحِي اسمه من ذكر الأنبياء ، فهو مُنْكَر وفي
صحته نظر ، وكأنه مأخوذ عن الإسرائيليات .
وقد روى عبد الرزاق وقتيبة بن سعيد ، عن جعفر بن سليمان ، عن أبي
عمران الجَوْني ، عن نَوْف البكالي قال : قال عُزَيْرٌ فيما يناجي ربه : يا رب تَخْلق
خَلْقاً فتُضلّ من تشاء وتَهْدي من تشاء ؟ فقيل له : أعرضْ عن هذا . فعاد فقيل
له : لتعرضنّ عن هذا أو لأمحونَّ اسمَك من الأنبياء ، إني لا أُسْأل عما أفعل وهم
يُسألون .
وهذا يقتضي وقوعَ ما توعّد عليه لو عاد، فما مُحِي(١).
وقد روى الجماعة سوی الترمذي من حديث يونس بن يزيد ، عن سعيد وأبي
سلمة ، عن أبي هريرة . وكذلك رواه شعيب عن أبي الزِّناد ، عن الأعرج ، عن أبي
هريرة، قال: قال رسول الله عَّه: ((نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغَتْه
نملة ، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها ثم أمر بها فأحرقت بالنار ، فأوحى الله إليه :
فهلَّا نملة واحدة ))(٢) !
فروى إسحاق بن بشر عن ابن جريج ، عن عبد الوهاب بن مجاهد ، عن أبيه
أنه عزير ، وكذا روي عن ابن عباس والحسن البصري أنه عُزَير . فالله أعلم .
(١) ((ط)): فما محيا.
(٢) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق ١٠٠/٢ (ط الأميرية) وصحيح مسلم كتاب السلام باب النهي
عن قتل النمل ٢٩٧/٢ ( ط عيسى الحلبي ).
- ٦٢٧ -

قصة زكريا ويحيى عليهما السلام
قال الله تعالى في كتابه العزيز: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ كهيعص . ذِكْرُ
رحمةِ رَبِّكَ عبدَه زكريا. إذ نادَى رَبَّه نداءً خفيًّا . قال ربِّ إني وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي
واشتعلَ الرأسُ شيباً ولم أكُنْ بدعائك ربِّ شقيًّا. وإني خِفْت الموالِيَ مِن ورائي وكانت
امرأتي عاقراً فَهَبْ لي من لَدُنْكَ وليًّا. يرثني ويرثُ من آلِ يعقوبَ واجعله ربِّ رَضِيًّا.
يا زكريا إنا نبشرك بغلامِ اسمه يحيى لم نجعل له من قَبْلُ سَمِيًّا. قال ربِّ أَنَّى يكون لي
غلام وكان امرأتي عاقراً وقد بَلَعْتُ من الكِبَر ◌ِيًّا . قال كذلكَ قال رَبِّكَ هو عَلَيَّ
هَيِّن وقد خلقتُك من قَبْلُ ولم تَكُ شيئاً . قال ربِّ اجعَلْ لي آية قال آيَتُك أَلَّا تُكلِّم
الناسَ ثلاثَ ليالٍ سَوِيًّا. فخَرَجَ على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سَبِّحُوا بُكْرَةً
وعشِيًّا. يا يحيى خُذ الكتابَ بقوةٍ وآتيناه الحُكْمَ صبِيًّا. وحَناناً من لَدُنَّا وزكاةً
وكان تقيًّا. وبَرَّا بوالديه ولم يكن جباراً عَصِيًّا . وسلامٌ عليه يوم ولد ويوم يموتُ ويوم
يُبعث حيًّا﴾(١).
وقال تعالى: ﴿وَكَفَّلَها زكريّا كُلَّما دخل عليها زكريّا المحرابَ وجَد عندها
رِزْقاً قال يا مريم أنَّى لكِ هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير
حساب . هنالك دعا زكريا ربَّه قال رَبِّ هَبْ لي من لَدُنْكَ ذريةً طيبةً إِنَّكَ سميعِ
الدعاء . فنادته الملائكةُ وهو قائم يصلِّي في المحراب إن الله يبشِّرك بيحيى مصدِّقاً
بكلمةٍ من الله وسيداً وحَصُوراً ونبياً من الصالحين . قال رب أَنَّى يكون لي غلامٌ وقد
بَلَغْنِي الكِبِرُ وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء . قال رب اجعل لي آيةً ،
قال آيتك أن لا تكلم الناسَ ثلاثة أيام إلا ◌َرَمْزاً واذكر ربك كثيراً وسبِّح بالعشي
والإِبكار ﴾(٢).
وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وزكريا إذ نادَى ربه ربِّ لا تَذَرْنِي فرداً وأنت
(١) سورة مريم ١ - ١٥ .
(٢) سورة آل عمران ٣٧ - ٤١ .
- ٦٢٨ -

خير الوارثين . فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأَصْلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في
الخيرات ويدعوننا رغَباً ورَهَباً وكانوا لنا خاشعين﴾(١).
وقال تعالى: ﴿وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كلٍّ من الصالحين﴾(٢).
قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في كتابه التاريخ المشهور الحافل : زكريا
ابن برخيا ويقال زكريا بن دان ، ويقال زكريا بن لدن بن مسلم بن صدوق بن
حشبان(٣) بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخيا بن بلعاطة بن ناحور
ابن شلحوم بن بهفاشاط بن إينامن بن رحبعام (٤) بن سليمان بن داود ، أبو يحيى
النبي عليه السلام من بني إسرائيل .
دخل البَتْنة من أعمال دمشق في طلب ابنه يحيى . وقيل إنه كان بدمشق
حين قُتل ابنه يحيى . والله أعلم .
وقد قيل غير ذلك في نسبه . ويقال فيه زكرياء بالمد وبالقصر . ويقال زكرى
أيضاً .
والمقصود أن الله تعالى أمر رسوله مَ طلم أن يقص على الناس خبر زكريا عليه
السلام وما كان من أمره حين وهبه الله ولداً على الكبر وكانت امرأته [ مع ذلك ](6)
عاقراً في حال شيبتها وقد أسنّتْ أيضاً ، حتى لا يبأس أحد من فضل الله ورحمته ولا
يقنط من فضله تعالى ﴿ ذِكْر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيًّا﴾.
قال قتادة عند تفسيرها : إن الله يعلم القلبَ النقي ويسمع الصوت الخفي . وقال
بعض السلف : قام من الليل فنادى ربه مناداة أسرَّها عمن كان حاضراً عنده مخافته
فقال : يا رب يا رب يا رب. فقال الله: لبيك لبيك لبيك. ﴿قال ربِّ إني وهَن
العظم منِّي ﴾ أي ضعف وخار من الكبر ﴿ واشتعل الرأسُ شَيْباً﴾ استعارة من
(١) ((أ)): سورة الأنبياء ٨٩ - ٩٠.
(٢) سورة الأنعام ٨٥ .
(٣) ((أ)) : ابن حنشبان.
(٤) ((أ)): رحبعم.
(٥) من ((أ)).
- ٦٢٩ -

اشتعال النار في الحطب أي غلب على سواد الشعر كما قال ابن دُرَيد في مقصورته :
طُرَّة صُبْحٍ تحت أذيالِ الدُّجَا
أَما تَرَيْ رأسِيَ حاكَى لونُه
مثلَ اشتعال النار في جَمْر الغضَا
واشتعل المبيضُّ في مُسْوَدِّه
مِنْ بَعْدِ ما قد كان مجَّاجِ الثَّرَى
وآضَ عود اللهو(١) يَبْساً ذَاوياً
يذكر أن الضعف قد استحوذ عليه باطناً وظاهراً . وهكذا قال زكريا عليه
السلام ﴿ إني وهَن العظمُ مني واشتعل الرأسُ شيباً ﴾ .
وقوله : ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقيًّا﴾ أي ما عودتني فيما أسألك إلا
الإِجابة وكان الباعث له على هذه المسألة أنه لما كفَل مريم بنت عمران بن ماثان ،
وكان كلما دخل عليها محرابها وجد عندها فاكهة في غير إِيَّانها(٢) ولا في أوانها وهذه
من كرامات الأولياء ، فعلم أن الرازق للشيء في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولداً وإن
كان قد طَعن في سنه ﴿ هنالك دعا زكريا ربَّه قال ربِّ هَبْ لي من لدنك ذريةً طيبةً
إنك سميعُ الدعاء ﴾ .
وقوله : ﴿وإني خِفْت المواليَ مِن ورائي وكانت امرأتي عاقراً ﴾ قيل المراد
بالموالي العَصَبة ، وكأنه خاف من تصرفهم بعده في بني إسرائيل بما لا يوافق شرع الله
وطاعته فسأل وجود ولد من صُلبه يكون بَرَّاً تقيَّاً مرضياً ولهذا قال: ﴿فَهَبْ لي من
لدنك﴾ أي من عندك بِحَوْلك وقوّتك ﴿ولِيًّا يرثني﴾ [ أي في النبوة والحكم في
بني إسرائيل](٣) ﴿ وَيَرِث من آلِ يعقوب واجعله ربِّ رضيًا﴾ يعني كما كان آباؤه
وأسلافه من ذرية يعقوب أنبياء فاجعله مثلهم في الكرامة التي أكرمتهم بها من النبوة
والوحي ، وليس المراد ها هنا وراثة المال - كما زعم ذلك من زعمه من الشيعة
ووافقهم ابن جرير ها هنا وحكاه عن أبي صالح من السلف - لوجوه :
أحدها : ما قدمناه عند قوله تعالى: ﴿وورث سليمانُ داودَ ﴾ أي في النبوة
(١) وقعت في طبعتنا السابقة محرفة تحريفاً طباعياً: عود اللهم . وإذا أصحاب الطبعات المزورة ينقلونها بهذا
التحريف !
(٢) ((ط)): أوانها. وما أثبته من ((أ)).
(٣) ليست في ((أ)).
- ٦٣٠ -

والملك لما(١) ذكرنا في الحديث المتفق عليه بين العلماء المروي في الصحاح والمسانيد
[ والسنن](٢) وغيرها من طرق عن جماعة من الصحابة أن رسول الله عَ لّه قال:
((لا نُورث ما تركنا فهو صدقة))(٣) فهذا نص على أن رسول الله عَ لّه لا يورث،
ولهذا منع الصِّدِّيق أن يُصرف ما كان يختص به في حياته إلى أحد من وراثه الذين
لولا هذا النص لصرف إليهم ، وهم ابنته فاطمة وأزواجه التسع وعمه العباس رضي الله
عنهم ، واحتج عليهم الصِّديق في منعه إياهم بهذا الحديث ، وقد وافقه على روايته عن
رسول الله عَ لم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والعباس بن
عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن الزبير وأبو هريرة وآخرون رضي الله
عنهم .
الثاني: أن الترمذي رواه بلفظ يعم سائر الأنبياء: ((نحن معاشر الأنبياء لا
نورث )) وصححه .
الثالث : أن الدنيا كانت أحقرَ عند الأنبياء من أن يكنزوا لها أو يلتفتوا إليها
أو يهمهم أمرها حتى يسألوا الأولاد ليحوزوها بعدهم ، فإن من لا يصل إلى قريب
من منازلهم في الزهادة لا يهتم بهذا المقدار أن يسأل ولداً يكون وارثاً له فيها .
الرابع : أن زكريا عليه السلام كان نجاراً يعمل بيده ويأكل من كسبها ، كما
كان داود عليه السلام يأكل من كسب يده ، والغالب ولا سيما في مثل حال الأنبياء
أنه لا يُجهد نفسه في العمل إجهاداً يستفضل منه ما لا يكون ذخيرة له يَخْلفه من
بعده . وهذا أمر بيِّن واضح لكل من تأمله وتدبره وتفهمه إن شاء الله .
قال الإِمام أحمد : حدثنا يزيد ، يعني ابن هارون ، أنبأنا حماد بن سلمة ،
عن ثابت ، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن رسول الله عَّ اله قال: ((كان زكريا
تجاراً)) وهكذا رواه مسلم وابن ماجه من غير وجه ، عن حماد بن سلمة به (٤) .
(١) ((ط)): كما. وما أثبته من ((أ)).
(٢) ليست في ((أ)).
(٣) سبق تخريج هذا الحديث .
(٤) مسند أحمد ٢٩٦/٢ . وصحيح مسلم كتاب الفضائل حديث رقم ١٦٩ . وسنن ابن ماجه كتاب
التجارات حديث رقم ٢١٥٠ .
- ٦٣١ -

• وقوله: ﴿ يا زكريا إنا نبشِّرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبلُ سَمِيًّا ﴾
وهذا مفسَّر بقوله : ﴿ فنادَتْه الملائكةُ وهو قائمٌ يصلِّي في المحرابِ أنَّ الله يبشِّرك
بيحيى مصدّقاً بكلمةٍ من الله وسيِّداً وحَصُوراً ونبيًّا من الصالحين ﴾.
فلما بشِّر بالولد وتحقق البشارة شرع يستعلم على وجه التعجب وجودَ الولد له
والحالة هذه ﴿ قال ربِّ أَنَّى يكون لي غلامٌ وكانت امرأتي عاقراً وقد بلغتُ من الكبر
عِنِيًّا﴾ أي كيف يوجد ولد من شيخ كبير ، قيل كان عمره إذ ذاك سبعين سنة،
والأشبه والله أعلم أنه كان أسنَّ من ذلك ﴿ وكانت امرأتي عاقراً ﴾ يعني وقد كانت
امرأتي في حال شبيبتها عاقراً لا تلد . والله أعلم .
كما قال الخليل: ﴿أبشَّرْتُموني على أن مسَّنِي الكِبَر فبم تبشِّرون﴾(١) وقالت
سارة: ﴿يا وَيَلتَى أَالدُ وأنا عجوز وهذا بَعْلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب . قالوا
أتعجبين من أمرِ الله رحمةُ الله وبركاته عليكم أهلَ البيت إنه حميدٌ مجيد﴾(٢).
وهكذا أجيب زكريا عليه السلام قال له الملك الذي يوحي إليه بأمر ربه :
كذلك قال ربُّك هو عليّ عَيِّن﴾ أي هذا سهل يسير عليه ﴿ وقد خلقتُك من
قبلُ ولم تك شيئاً ﴾ أي: قُدْرَتُه أوجدتك بعد أن لم تكن شيئاً مذكوراً ، أفلا يوجد
منك ولداً وإن كنت شيخاً ؟!
وقال تعالى: ﴿ فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زَوْجَه إنهم كانوا
يسارعون في الخيرات ويَدْعوننا رَغَباً ورهَباً وكانوا لنا خاشعين﴾ ومعنى إصلاح زوجته
أنها كانت لا تحيض فحاضت . وقيل كان في لسانها شيء ، أي بذاءة .
﴿ قال رب اجعلْ لي آيَةً﴾ أي علامة على وقتِ تَعْلَقُ منِّي المرأة بهذا الولد
المبشَّر به ﴿ قال آيْتُك أن لا تكلم الناسَ ثلاثَ ليال سويًّا﴾ يقول علامة ذلك أن
يعتريك سَكْت لا تنطق معه ثلاثة أيام إلا رمزاً وأنت على ذلك سَوِيّ الخَلق صحيح
المزاج معتدل البِنْية . وأمر بكثرة الذكر في هذه الحال بالقلب واستحضار ذلك
بفؤاده بالعشى والإِبكار .
(١) سورة الحجر ٥٤ .
(٢) سورة هود ٧٢ ، ٧٣ .
- ٦٣٢ -

فلما بشّر بهذه البشارة خرج مسروراً بها على قومه من محرابه(١) ﴿ فأوحى
إليهم أن سبِّحوا بكرةً وعَشِيًّا﴾ والوحي ها هنا هو الأمر الخفي إما بكتابة ، كما قاله
مجاهد والسُّدي ، أو إشارة كما قاله مجاهد أيضاً ووهب وقتادة . قال مجاهد وعكرمة
ووهب والسدي وقتادة : اعتُقل لسانُه من غير مرض . وقال ابن زيد : كان يقرأ
ويسبح ولكن لا يستطيع كلامَ أحد .
وقوله تعالى: ﴿ يا يحيى خُذ الكتابَ بقوة وآتيناه الحكم صَبِيًّا ﴾ يخبر تعالى
عن وجود الولد وفق البشارة الإلهية لأبيه زكريا عليه السلام وأن الله علَّمه الكتابَ
والحكمة وهو صغير في حال صباه .
قال عبد الله بن المبارك : قال مَعْمَر : قال الصبيان ليحيى بن زكريا : اذهب
بنا نلعب. فقال: ما لِلَّعب خُلقنا. قال: وذلك قوله: ﴿وآتيناه الحُكْم
صبيًّا ﴾ .
وأما قوله : ﴿وحناناً من لدنَّا﴾ فروى ابن جرير عن عمرو بن دينار عن
عكرمة عن ابن عباس أنه قال : لا أدري ما الحنان(٢). وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة
وقتادة والضحاك : ﴿وحناناً من لدنَّا﴾ أي رحمةً من عندنا رحمنا بها زكريا فوهبنا له
هذا الولد. وعن عكرمة: ﴿وحنانا﴾ أي محبة عليه ويحتمل أن يكون ذلك صفةً
لتحّن يحيى على الناس ولا سيما على أبويه ، وهو محبتهما والشفقة عليهما وبرّه بهما .
وأما الزكاة فهو طهارة الخلق وسلامته من النقائص والرذائل . والتقوى طاعة
الله بامتثال أوامره وترك زواجره .
ثم ذكر بِره بوالديه وطاعته لهما أمراً ونهياً وترك عقوقهما قولاً وفعلاً فقال :
وبرَّا بوالديه ولم يكن جباراً عَصِيًّا﴾ ثم قال: ﴿وسلامٌ عليه يوم ولِد ويوم يموت
ويوم يُبعث حيًّا﴾ هذه الأوقات الثلاثة أشد ما تكون على الإِنسان ، فإنه ينتقل في
كل منها من عالم إلى عالم آخر ، فيفقد الأول بعد ما كان ألِفِه وعَرفه ويصير إلى الآخر
(١) ((أ)): المحراب.
(٢) تفسير الطبري ٥٦/١٦.
- ٦٣٣ -

ولا يدري ما بين يديه ، ولهذا يستهلّ صارخاً إذا خرج من بين الأحشاء وفارق لينها
وضَمَّها وينتقل إلى هذه الدار ليكابد همومها وغَمَّها !
• وكذلك إذا فارق هذه الدار وانتقل إلى عالم البرزخ بينها وبين دار القرار ،
وصار بعد الدور والقصور إلى عَرْصة الأموات سكان القبور ، وانتظر هناك النفخة
في الصور ليوم البعث والنشور ، فمن مسرور ومحبور ومن محزون ومَثْبور ، وما بين
جَبِير وكَسِير ، وفريق في الجنة وفريق في السعير ! ولقد أحسن بعض الشعراء حيث
يقول :
والناسُ حولك يَضْحكون سُروراً
ولدتك أمك باكياً مُسْتصرخاً
في يوم موتك ضاحكاً مسروراً
فاحرص لنفسك أن تكون إذا بكوا
• ولما كانت هذه المواطن الثلاثة أشقَّ ما تكون على ابن آدم سلَّم الله على يحيى
في كل موطن منها فقال: ﴿وسلامٌ عليه يوم ولِد ويوم يموت ويوم يُبعث حيًّا﴾ .
وقال سعيد بن أبي عُرُوبة ، عن قتادة أن الحسن قال : إن يحيى وعيسى
التقيا ، فقال له عيسى : استغفر لي أنت خير مني . فقال له الآخر : استغفر لي
أنت خير مني . فقال له عيسى: أنت خيرٌ مني سَلَّمتُ على نفسي وسلَّم الله
عليك ! فعرِف والله فَضْلُهما .
وأما قوله في الآية الأخرى: ﴿وسيِّداً وحَصُوراً ونبيًّا من الصالحين﴾ فقيل
المراد بالحصور الذي لا يأتي النساء . وقيل غير ذلك، وهو أشبه لقوله ﴿هَبْ لي
من لدنك ذريةً طيّبة ﴾ .
وقد قال الإِمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد ، أنبأنا علي بن زيد ، عن
يوسف بن مهران ، عن ابن عباس أن رسول الله عَّ الم قال: ((ما من أحد من ولد
آدم إلا وقد أخطأ أو هَمَّ بخطيئة ليس يحيى بن زكريا ، وما ينبغي لأحد يقول أنا خير
من يونس بن مثَّى))(١) .
علي بن زيد بن جُدْعان تكلّم فيه غيرُ واحد من الأئمة ، وهو منكر
(١) مسند أحمد ٢٥٤/١ .
- ٦٣٤ -

الحديث . وقد رواه ابن خزيمة والدارقطني من طريق أبي عاصم العبَّاداني ، عن علي
ابن زيد بن جدعان به مطولاً . ثم قال ابن خزيمة : وليس على شرطنا .
وقال ابن وهب : حدثني ابن لَهِيعة ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ،
قال: خرج رسول الله عَ ليه على أصحابه يوماً وهم يتذاكرون فضلَ الأنبياء فقال
قائل : موسى كَلِيم الله . وقال قائل : عيسى روح الله وكلمته . وقال قائل : إبراهيم
خليل الله [ وهم يذكرون ذلك](١) فقال: (( أين الشهيد ابن الشهيد ، يلبس الوبر
ويأكل الشجر مخافة الذَّئْب ! )) قال ابن وهب : يريد يحيى بن زكريا .
وقد رواه محمد بن إسحاق وهو مدّس ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن
سعيد بن المسيّب، حدثني ابن العاص، أنه سمع رسول الله عَ ◌ّم يقول: ((كل ابن
آدم يأتي يومَ القيامة وله ذَنْب إلا ما كان من يحيى بن زكريا )).
فهذا من رواية ابن إسحاق وهو من المدلِّسين وقد عَنْعن هاهنا .
ثم قال عبد الرزاق : عن مَعْمر ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيّب مرسلاً .
ثم رأيت ابن عساكر ساقه من طريق أبي أسامة ، عن يحيى بن سعيد
الأنصاري ، ثم رواه ابن عساكر من طريق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب
دمشق ، حدثنا محمد بن الأصبهاني ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن يحيى بن
سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن عبد الله بن عمرو قال : ما أحد إلا يلقى الله
بذنب إلا يحيى بن زكريا. ثم تلا ﴿وسيّداً وحَصُوراً﴾ ثم رفع شيئاً من الأرض
فقال : ما كنا معه إلا مثل هذا ، ثم ذُبح ذبحاً !
وهذا موقوف من هذا الطريق وكونه موقوفاً أصح من رفعه والله أعلم .
وأورده ابن عساكر من طرق عن معمر : من ذلك ما أورده من حديث
إسحاق بن بشر ، وهو ضعيف ، عن عثمان بن ساج(٢) ، عن ثور بن يزيد ، عن
خالد بن مَعْدان ، عن معاذ عن النبي عَِّ . بنحوه .
(١) سقط من المطبوعة وأثبته من ((أ)).
(٢) ((ط)) : ابن سباح. محرفة .
- ٦٣٥ -

وروى من طريق أبي داود الطيالسي وغيره ، عن الحكم بن عبد الرحمن بن
أبي نعيم، عن أبيه، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله عَ له: (( الحسن والحسين
سيّدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة يحيى وعيسى عليهما السلام)).
وقال أبو نعيم الحافظ الأصبهاني : حدثنا إسحاق بن أحمد ، حدثنا إبراهيم بن
يوسف ، حدثنا أحمد بن أبي الحوارِي ، سمعت أبا سليمان يقول : خرج عيسى بن
مريم ويحيى بن زكريا يتماشيان ، فصدم يحيى امرأة فقال له عيسى : يا بن خالة لقد
أصبتَ اليوم خطيئةً ما أظن أنه يغفر لك أبداً . قال : وما هي يا بن خالة ؟ قال :
امرأة صدمتَها . قال: والله ما شعرت بها . قال : سبحان الله بَدنُك معي فأين
روحك؟ قال : معلّق بالعرش ولو أن قلبي اطمأن إلى جبريل لظننت أني ما عرفت الله
طرفةَ عين(٢) .
فيه غرابة وهو من الإسرائيليات .
وقال إسرائيل عن أبي حصين ، عن خيثمة ، قال : كان عيسى بن مريم ويحيى
ابن زكريا ابني خالة وكان عيسى يلبس الصوف ، وكان يحيى يلبس الوبر ولم يكن
لواحد منهما دينار ولا درهم ولا عبد ولا أمة ولا مأوى يأويان إليه ، أين ما جنَّهما
الليل أويا ، فلما أرادا أن يتفرقا قال يحيى: أوصني. قال : لا تغضب . قال : لا
أستطيع إلا أن أغضب. قال لا(١) تقتن مالاً. قال: أمّا هذا فعسى.
وقد اختلفت الرواية عن وهب بن منبه : هل مات زكريا عليه السلام موتاً أو
قُتل قتلاً ؟ على روايتين فروى عبد المنعم بن إدريس بن سنان ، عن أبيه ، عن وهب
ابن منبه ، أنه قال : هرب من قومه فدخل شجرة فجاءوا فوضعوا المنشار عليهما ،
فلما وصل المنشار إلى أضلاعه أنَّ فأوحى الله إليه : لئن لم يسكن أنينك لأقلبن
الأرض ومن عليها . فسكنَ أنينه حتى قُطع باثنتين .
(١) حلية الأولياء لأبي نعيم ٢٦٩/٩.
(٢) ((أ)) : فلا .
- ٦٣٦ -

وقد روي (١) هذا في حديث مرفوع سنورده بعدُ إن شاء الله .
وروى إسحاق بن بشر ، عن إدريس بن سنان ، عن وهب أنه قال : الذي
انصدعت له الشجرة هو شَعيا ، فأما زكريا فمات موتاً . فالله أعلم .
وقال الإِمام أحمد : حدثنا عفان ، أنبأنا أبو خلف موسى بن خلف ، وكان
يُعد من البُدَلاء ، حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن زيد بن سلام ، عن جده ممطور ،
عن الحارث الأشعري أن النبي عَّ له قال: إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات
أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن ، وكاد أن يبطئ فقال له عيسى
عليه السلام : إنك قد أُمْت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن
يعملوا بهن ، فإما أن تبلغهن وإما أن أبلِّغهن. فقال [ له {٣؟ يا أخي إني أخشى إن
سبقتني أن أعذب أو يُخسَف بي . قال : فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس
حتى امتلأ المسجد فقعد على الشَّرف فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن الله عز
وجل أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن . وأَوَّهن : أن تعبدوا
الله لا تشركوا به شيئاً ، فإن مثل ذلك مثل من اشترى عبداً من خالص ماله بورق أو
ذهب فجعل يعمل ويؤدي غَلته إلى غير سيده ، فأيكم يسرُّه أن يكون عبده
كذلك؟! وإن الله خلقكم ورزقكم. فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ..
وآمركم بالصلاة فإن الله يَنْصب وجهه قِبَل عبده ما لم يلتفت فإذا صليتم فلا
تلتفتوا .
وآمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صُرة من مسك في عصابة
كلهم يجد ريح المسك ، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك .
وآمركم بالصدقة ، فإن مثل ذلك كمثل رجل أَسَره العدو فشدوا يده إلى عنقه
وقدَّموه ليضربوا عنقه فقال : هل لكم أن أفتدي نفسي منكم ؟ فجعل يفتدي نفسه
منهم بالقليل والكثير حتى فكَّ نفسه .
(٢) ((أ)) : وقد ورد .
(٣) من المسند ٢٠٢/٤.
- ٦٣٧ -

وآمركم بذكر الله عز وجل كثيراً ، فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو
سراعاً في إثره فأتى حِصْناً حصيناً فتحصَّن فيه ، وإن العبد أحصن ما يكون من
الشيطان إذا كان في ذكر الله عز وجل .
قال: وقال رسول الله عَ ليه: ((وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: بالجماعة
والسَّمْع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله ، فإن من خرج عن الجماعة قيد شِبْر
فقد خلع رِبْقَ الإِسلام من عنقه إلا أن يرجع ، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو مِنْ حَثا
جهنم . قال : يا رسول الله وإن صام وصلى ؟ قال وإن صام وصلى وزعم أنه
مسلم ، ادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله عز وجل المسلمين المؤمنين عباد الله
عز وجل)) (١) .
وهكذا رواه أبو يعلى عن هُذْبة بن خالد ، عن أبان بن زيد ، عن يحيى بن
أبي كثير به . وكذلك رواه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي وموسى بن
إسماعيل ، كلاهما عن أبان بن يزيد العطار به(٢). ورواه ابن ماجه عن هشام بن
عمار ، عن محمد بن شعيب بن سابور ، عن معاوية بن سلام ، عن أخيه زيد بن
سلام ، عن أبي سلام ، عن الحارث الأشعري به . ورواه الحاكم من طريق مروان بن
محمد الطاطَري ، عن معاوية بن سلام ، عن أخيه به . ثم قال : تفرد به مروان
الطاطري ، عن معاوية بن سلام(٣).
قلت : وليس كما قال . ورواه الطبراني عن محمد بن عبدة ، عن أبي توبة
الربيع بن نافع ، عن معاوية بن سلام ، عن أبي سلام ، عن الحارث الأشعري ،
فذكر نحوه فسقط ذكر زيد بن سلام ، عن أبي سلام ، عن الحارث الأشعري فذكر
نحو هذه الرواية .
ثم روى الحافظ ابن عساكر من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي ، عن
(١) مسند أحمد ٢٠٢/٤ .
(٢) سنن الترمذي كتاب الأمثال حديث رقم ٢٨٦٣ . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح
غريب .
(٣) المستدرك للحاكم ١١٨/١.
- ٦٣٨ -

أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: ذكر لنا عن أصحاب رسول الله عَ ليه فيما سمعوا
من علماء بني إسرائيل أن يحيى بن زكريا أُرسل بخمس كلمات وذكر نحو ما تقدم .
● وقد ذكروا أن يحيى عليه السلام كان كثير الانفراد من الناس ، إنما كان
يأنس إلى البراري ويأكل من ورق الأشجار ويرد ماء الأنهار ويتغذى بالجراد في بعض
الأحيان ، ويقول : مَنْ أَنْعَمُ منك يا يحيى !
وروى ابن عساكر أن أبويه خرجا في تطلّبه فوجداه عند بحيرة الأردن فلما
اجتمعا به أبكاهما بكاء شديداً لما هو فيه من العبادة والخوف من الله عز وجل .
وقال ابن وهب عن مالك ، عن حميد بن قيس ، عن مجاهد قال : كان طعام
يحيى بن زكريا العشب ، وإنه كان ليَبكي من خشية الله حتى لو كان القارُ على
عينيه لخرقه !
وقال محمد بن يحيى الذهلي : حدثنا الليث ، حدثني عقيل ، عن ابن
شهاب ، قال : جلست يوماً إلى أبي إدريس الخُولاني وهو يقص فقال : ألا أخبركم
يمن كان أطيبَ الناس طعاماً ؟ فلما رأى الناسَ قد نظروا إليه قال : إن يحيى بن
زكريا كان أطيبَ الناس طعاماً ؟ إنما كان يأكل مع الوحش كراهة أن يخالط الناس
في معايشهم .
وقال ابن المبارك عن وهيب بن الورد : قال : فقد زكريا ابنه يحيى ثلاثةَ أيام
فخرج يلتمسه في البريّة فإذا هو قد احتفر قبراً وأقام فيه يبكي على نفسه ، فقال
يا بنى أنا أطلبك من ثلاثة أيام وأنت في قبر قد احتفرته قائم تبكي فيه ؟ فقال :
يا أبت ألستَ أنت أخبرتني أن بين الجنة والنار مفازَة لا تُقطع إلا بدموع البكَّائين ؟
فقال له : ابْكِ يا بني ! فبكيًا جميعاً .
وهكذا حكاه وهب بن منبه ومجاهد بنحوه .
وروى ابن عساكر عنه أنه قال : إن أهل الجنة لا ينامون للذة ما هم فيه من
النعيم ، فكذا ينبغي للصِّديقين أن لا يناموا لما في قلوبهم من نعيم المحبة لله عز وجل ثم
قال : كم بين النعيمين وكم بينهما ؟!
- ٦٣٩ -

وذكروا أنه كان كثير البكاء حتى أثَّر البكاء في خديه من كثرة دموعه .
بيان سبب قتل يحيى عليه السلام
● وذكروا في قتله أسباباً من أشهرها أن بعض ملوك ذلك الزمان بدمشق كان
يريد أن يتزوج ببعض محارمه أو من لا يحل له تزويجها ، فنهاه يحيى عليه السلام عن
ذلك فبقي في نفسها منه . فلما كان بينها وبين الملك ما يحب منها استوهبت منه دَمَ
يحيى ، فوهبه لها فبعثت إليه من قتله وجاء برأسه ودمه في طست إلى عندها فيقال
إنها هلكت من فورها وساعتها .
وقيل أحبته امرأة ذلك الملك [ وراسلته ](١) فأبى عليها ، فلما يئست منه
تحَيَّلت في أن استوهبته من الملك، فتمنَّع عليها الملك ثم أجابها إلى ذلك فبعث من
قتله وأحضر إليها رأسه ودمه في طست .
وقد ورد معناه في حديث رواه إسحاق بن بشر في كتابه المبتدأ حيث قال :
أنبأنا يعقوب الكوفي ، عن عمرو بن ميمون ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، أن رسول
الله عَ طِّ ليلة أسري به رأى زكريا في السماء فسلم عليه وقال له : يا أبا يحيى خبرني
عن قتلك كيف كان ولم قتلك بنو إسرائيل ؟ قال : يا محمد أخبرك أن يحيى كان
خير أهل زمانه ، وكان أجملهم وأصبحهم وجهاً، وكان كما قال الله تعالى: ﴿سيّداً
وحَصُوراً﴾ وكان لا يحتاج إلى النساء فهويته امرأة ملك بني إسرائيل ، وكانت بغيّة ،
فأرسلت إليه وعصمه الله وامتنع يحيى وأبى عليها فأجمعت على قتل يحيى ولهم عيد
يجتمعون في كل عام ، وكانت سنة الملك أن يَعد ولا يخلف ولا يكذب .
قال : فخرج الملك إلى العيد فقامت امرأته فشيعته ، وكان بها معجباً ولم
تكن تفعله فيما مضى ، فلما أن شيعته قال الملك سَلِيني ، فما سألتني شيئاً إلا
أعطيتك . قالت : أريد دم يحيى بن زكريا . قال لها : سليني غيره . قالت : هو
ذاك . قال : هو لك . قال : فبعثت جَلاوزتها(٢) إلى يحيى وهو في محرابه يصلي وأنا
(١) ليست في ((أ)).
(٢) الجلاوزة : الشرط .
- ٦٤٠ -