النص المفهرس
صفحات 521-540
غلب عليه . قال البخاري [ رحمه الله ](١): حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني ، حدثنا ابن المبارك، عن معمر ، عن همام عن أبي هريرة عن النبي عَ لٍ قال: ((إنما سمي الخضير أنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء)) (٢). تفرد به البخاري ، وكذلك رواه عبد الرزاق عن معمر به . ثم قال عبد الرزاق : الفروة : الحشيش الأبيض وما أشبهه يعني الهشيم اليابس . وقال الخطابي: وقال أبو عُمَر : الفروة الأرض البيضاء التي لا نبات فيها . وقال غيره : هو الهشيم اليابس شبهه بالفروة ، ومنه قيل فروة الرأس وهي جلدته بما عليها من الشعر ، كما قال الراعي : جَذِلاً إذا ما نال يوماً مَأْكَلَا ولقد(٣) ترى الحبشَّ حولَ بيوتنا بُذْرتْ فأنبتَ جانباه فُلفلاً صَعْلاً (٤) أسَكَّ كَأَنَّ فروةَ رأسه قال الخطابي: [ ويقال ](٥) إنما سمي الخضر خضراً لحسنه وإشراق وجهه . قلت : وهذا لا ينافي ما ثبت في الصحيح(٦) ، فإن كان ولا بد من التعليل بأحدهما ، فما ثبت في الصحيح أولى وأقوى ، بل لا يلتفت إلى ما عداه . وقد روى الحافظ ابن عساكر هذا الحديث أيضاً من طريق إسماعيل بن (١) سقطت من ((أ)). (٢) صحيح البخاري كتاب المناقب باب قول الله تعالى ﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾ ١١٥/٢ (ط الأميرية ) . (٣) المطبوعة : وقد . (٤) ((أ): الصعل: الدقيق الرأس والعنق. وفي المطبوعة جعدا. وما أثبته من ((أ)). وفي الأصل والمطبوعة : أصك . وهو تحريف وما أثبته من ديوان الراعي ص ١١٧ (ط دمشق ) والأسك : الصغير الأذن أو الأصم . من (( أ)). (٥) ليس في غريب الحديث للخطابي ٢٢/١. وما أثبته من ((أ)). (٦) ((أ)) : في الحديث. - ٥٢١ - حفص بن عمر الأُبُلِّي : حدثنا عثمان وأبو جُزَيّ وهمام بن يحيى عن قتادة ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن ابن عباس عن النبي عَ بم قال: (( إنما سمي الخضر خضِراً لأنه صلى على فروة بيضاء فاهتزت خضراء )). وهذا غريب من هذا الوجه . وقال قبيصة عن الثوري عن منصور عن مجاهد قال : إنما سمي الخضر لأنه كان إذا صلى اخضرَّ ما حوله . وتقدم أن موسى ويوشع عليهما السلام لما رجعل يقصَّان الأثر ، وجداه على طنفسة خضراء على كبد البحر ، وهو مسجَّى بثوب قد جعل طرفاه من تحت رأسه وقدميه ، فسلم موسى عليه السلام فكشف عن وجهه فردّ، وقال : أنَّى بأرضك السلام؟! من أنت ؟ قال: أنا موسى. قال: [ نبي ](١) بني إسرائيل ؟ قال : نعم . فكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه عنهما . وقد دل سياق القصة على نبوته من وجوه: أحدها : قوله تعالى: ﴿ فوجدا عَبْداً من عِبَادنا آتيناه رحمةً من عندنا وعَلَّمناه من لَدُنَّا عِلْماً﴾ . الثاني: قول موسى له: ﴿ هل أَتَبِعُكَ على أن تُعَلِّمني مما عُلِّمتَ رُشْداً * قال إنك لن تستطيع مَعِيَ صبراً * وَكيف تَصْبر على ما لم تُحِطْ به خُبْراً * قال ستجدُني إن شاء الله صابِراً ولا أعصي لكَ أمراً * قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أُحْدِث لك منه ذِكْراً ﴾ . فلو كان وليًّا وليس بنبي(٢) لم يخاطبه موسى بهذه المخاطبة، ولم يردّ على موسى هذا الرد ، بل موسى إنما سأله صحبته لينال ما عنده من العلم الذي اختصه الله به دونه . فلو كان غير نبي ، لم يكن معصوماً ، ولم تكن لموسى - وهو نبي عظيم ورسول كريم واجب العصمة - كبير رغبة ولا عظيم طَلِبة في علم وليّ غير واجب العصمة ، ولمَا عزم على الذهاب إليه والتفتيش عنه ، ولو أنه يمضي حقباً من (١) من ((أ)). - (٢) ((أ)): ولم يكن بنبي. - ٥٢٢ - الزمان ، قيل ثمانين سنة . ثم لما اجتمع به تواضع له وعظّمه ، واتبعه في صورة مستفيد منه فدل (١) على أنه نبيّ مثله يوحى إليه كما يوحى إليه، وقد خُصَّ من العلوم اللدنية والأسرار النبوية بما لم يُطْلع الله عليه موسى الكليم ، نبي بني إسرائيل الكريم . وقد احتج بهذا المسلك بعينه الرُّمَّاني على نبوة الخضر عليه السلام . الثالث : أن الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام ، وما ذاك إلا للوحي إليه من الملك العلام . وهذا دليل مستقل على نبوته ، وبرهان ظاهر على عصمته ، لأن الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفوس بمجرد ما يُلْقَى في خَلَده ، لأن خاطره ليس بواجب العصمة ، إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق . ولَما أقدم الخضر على قتل ذلك الغلام الذي لم يبلغ الحلم ، علماً منه بأنه إذا بلغ يكفر ، ويحمل أبويه على الكفر لشدة محبتهما له فيتابعانه عليه ، ففي قتله مصلحة عظيمة تربو على بقاء مهجته ، صيانة لأبويه من الوقوع في الكفر وعقوبته ، دل ذلك على نبوته ، وأنه مؤيَّد من الله بعصمته . وقد رأيت الشيخ أبا الفرج ابن الجوزِيّ طَرَق هذا المسلك بعينه في الاحتجاج . على نبوة الخضر وصححه . وحكى الاحتجاج عليه الرُّماني أيضاً . الرابع : أنه لما فسَّر الخضر تأويلَ الأفاعيل لموسى ووضح له عن حقيقة أمره وجلّى ، قال بعد ذلك كله: ﴿ رحمةً من ربك وما فعلته عن أمري ﴾ يعني ما فعلته من تلقاء نفسي ، بل [ أمرٌ ](٢) أمرت به وأوحي إلَّ فيه . فدلت هذه الوجوه على نبوته . ولا ينافي ذلك حصول ولايته ، بل ولا رسالته ، كما قال آخرون. وأما كونه مَلَكاً من الملائكة [فقول ](٢) غريب جداً، وإذا ثبت نبوته - كما ذكرناه - لم يبق لمن قال بولايته وأن الولي قد يطلع على حقيقة الأمور دون أرباب الشرع الظاهر ، مستنَد يستندون إليه ، ولا معتمد يعتمدون عليه . (١) ((أ)) : دل. (٢) من ((أ)). - ٥٢٣ - وأما الخلاف في وجوده إلى زماننا هذا ؛ فالجمهور على أنه باق إلى اليوم ، قيل لأنه دفن آدم بعد خروجهم من الطوفان فنالته دعوةُ أبيه آدم بطول الحياة ، وقيل لأنه شرب من عين الحياة فحبي . وذكروا أخباراً استشهدوا بها على بقائه إلى الآن . وسنوردها [ مع غيرها ](١) إن شاء الله تعالى وبه الثقة . • وهذه وصيته لموسى حين: ﴿ قال هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنك سأُنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صَبْراً ﴾ روي في ذلك آثار منقطعة كثيرة : قال البيهقي : أنبأنا أبو سعيد بن أبي عمرو ، حدثنا أبو عبد الله الصفَّار حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا ، حدثنا إسحاق بن إسماعيل ، حدثنا جرير ، حدثني أبو عبد الله الملطي قال : لما أراد موسى أن يفارق الخضر قال له موسى: أوصني ، قال : كن نَفَّاعاً ولا تكن ضَرَّاراً ، كن بَشَّاشاً ولا تكن غضبان ، ارجع عن اللَّجاجة ولا تمش في غير حاجة ، وفي رواية من طريق أخرى زيادة : ولا تضحك إلا من عجّب . وقال وهب بن منبه : قال الخضر: يا موسى إن الناس معَذَّبون في الدنيا على قَدْر همومهم بها ! وقال بشر بن الحارث الحافي : قال موسى للخضر : أوصني ، فقال: يسَّر الله عليك طاعته . • وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه ابن عساكر من طريق زكرياء بن يحيى الوقاد - إلا أنه من الكذابين الكبار - قال: قرى على عبد الله بن وهب وأنا أسمع ، قال الثوري : قال مُجاهد ، قال أبو الوداك ، قال أبو سعيد الخدري ، قال عمر بن الخطاب، قال رسول الله عَ بلهم: ((قال أخي موسى يا رب وذكر كلمته، فأتاه الخضر وهو فتى طيب الريح حسن بياض الثياب مشمّرها ، فقال : السلام عليك ورحمة الله يا موسى بن عمران ، إن ربك يقرأ عليك السلام . قال : موسى : هو السلام وإليه السلام ، والحمد لله رب العالمين ، الذي لا أُحصي نعمه ، ولا أقدر على أداء شكره إلا بمعونته . (١) من ((أ)). - ٥٢٤ - ثم قال موسى : أريد أن توصيني بوصية ينفعني الله بها بعدك ، فقال الخضر : يا طالب العلم إن القائل أقلُّ ملالة من المستمع ، فلا تُمِلَّ جلساءك إذا حدثتهم ، واعلم أن قلبك وعاء فانظر ماذا تحشو به وعاءك ، واعزِفٍ عن(١) الدنيا وانبذها وراءك ، فإنها ليست لك بدار ولا لك فيها محلّ قرار ، وإنما جعلت بُلْغة للعباد والتزود منها ليوم المعاد(٢) ورُضْ نفسك على الصبر تَخْلص من الإثم. يا موسى تفرّغ للعلم إن كنت تريده ، فإنما العلم لمن تفرَّغ له ، ولا تكن مكثاراً للعلم مهذاراً ، فإن كثرة المنطق تشين العلماء وتبدي مساوىء السخفاء . ولكن عليك بالاقتصاد ، فإن ذلك من التوفيق والسداد وأعرض عن الجهال وماطِلْهم ، واحلم عن السفهاء ، فإن ذلك فعل الحكماء وزين العلماء . وإذا شتمك الجاهل فاسكت عنه حلماً ، وجانِبْه حزماً ، فإن ما بقي من جهله عليك وسبِّه إياك أكثر وأعظم . يا بن عمران ولا تَر أنك أوتيت من العلم إلا قليلاً، فإن الاندلاث (٣) والتعسف من الاقتحام والتكلف . يا بن عمران لا تفتحنَّ باباً لا تدري ما غَلْقه ، ولا تغلقن باباً لا تدري ما فتحه . يا بن عمران من لا تنتهي من الدنيا نَهْمته ، ولا تنقضي منها رغبته ومن يَحْقِر حالَه ، ويتهم الله فيما قضي له كيف يكون زاهداً (٤)؟ هل يكف عن الشهوات من غلب عليه هواه ؟ أو ينفعه طلب العلم والجهل قد حواه ؟ لأن سعيه إلى آخرته وهو مقبل على دنياه . يا موسى تعلَّم ما تعلمتَ لتعمل به، ولا تعلمه لتحدّث به ، فيكون عليك بَواره، ولغيرك نوره . يا موسى بن عمران ، اجعل الزهد والتقوى لباسك ، والعلم والذكر كلامك ، واستكثر من الحسنات فإنك مصيب(٥) السيئات ، وزعزع بالخوف قلبك فإن ذلك يرضي ربك ، واعمل خيراً فإنك لا بد عامل سوءاً ، وقد وعظتُ إِن حفظتَ . (١) المطبوعة: واغرف من الدنيا. وهو تحريف! (٤) ((أ)) : عابداً. (٢) ((أ)) : للمعاد. (٣) الاندلاث : الانصباب . (٥) ((أ)) : تصيب . - ٥٢٥ - قال : فتولّى الخضر وبقي موسى محزوناً مكروباً يبكي . • لا يصح هذا الحديث ، وأظنه من صنعة زكريا بن يحيى الوقاد المصري [وقد ] (١) كذبه غيرُ واحد [ من الأئمة](١) والعجب أن الحافظ ابن عساكر سكت عنه . وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني : حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني ، حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصي ، حدثنا محمد بن الفضل بن عمران الكندي ، حدثنا بقية بن الوليد ، عن محمد بن زياد ، عن أبي أمامة أن رسول الله عَ لّم قال [لأصحابه](١) ((ألا أحدثكم عن الخضير؟ قالوا: بلى يا رسول الله ، قال : بينما هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل ، أبصره رجل مكاتب ، فقال : تصدَّق عليّ بارك الله فيك . فقال الخضر : آمنت بالله ، ما شاء الله من أمر يكون ، ما عندي من شيء أعطيكه . فقال المسكين : أسألك بوجه الله لما تصدقتَ عليّ ، فإني نظرت إلى السماء في وجهك ، ورجوتُ البركة عندك. فقال الخضر: آمنت بالله ما عندي شيء أعطيكه ، إلا أن تأخذني فتبيعني ، فقال المسكين : وهل يستقيم هذا ؟ قال : نعم ، الحق أقول لك لقد سألتني بأمر عظيم ، أما إني لا أخيبك بوجه ربي ، بعني . قال : فقدَّمه إلى السوق فباعه بأربعمائة درهم ، فمكث عندي المشتري زماناً لا يستعمله في شيء ، فقال له: إنك [إنما ](٢) ابتعتني التماسَ خير فأوصني بعمل ، قال : أكره أن أشقَّ عليك ، إنك شيخ كبير ضعيف . قال : ليس تشق عليّ ، قال : فانقل هذه الحجارة . وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم . فخرج الرجل لبعض حاجاته ثم انصرف وقد نقل الحجارة في ساعة ، فقال : أحسنتَ وأجملت وأطفْتَ ما لم أرك تطيقه . ثم عرض للرجل سفر ، فقال : إني أحسبك أميناً فاخلُفني في أهلي خلافةً حسنة . قال : فأوصني بعمل ، قال : إني (٣) أكره أن أشق عليك ، قال : ليس تشق عليّ ، قال : فاضرب من اللَّبِن لبيتي حتّى أَقْدَم عليك . فمضى الرجل لسفره ، فرجع وقد شيد بناؤه . (١) ليست في ((أ)) . (٢) من ((أ)). (٣) ((ط)): فإني. - ٥٢٦ - فقال : أسألك بوجه الله ما سبيلك(١) وما أمْرك؟ فقال : سألتَني بوجه الله ، والسؤال بوجه الله أوقعني في العبودية ، سأخبرك من أنا . أنا الخضر الذي سمعت به ، سألني مسكينٌ صدقةً فلم يكن عندي من شيء أعطيه ، فسألني بوجه الله فأمْكَنْتُه من رقبتي ، فباعني . وأُخبرك أنه من سئل بوجه الله فردَّ سائله وهو يقدر ، وقف يوم القيامة جلده لا لحم له ولا عظم يتقعقع . فقال الرجل: آمنت بالله ، شقَقْتُ عليك يا نبي الله ولم أعلم! فقال(٢): لا بأس أحسنتَ وأبقيت . فقال الرجل : بأبي وأمي يا نبي الله ، احكم في أهلي ومالي بما أراك الله ، أو أخيّرك فأخلّي سبيلك ، فقال : أحب أن تخلي سبيلي ، فأعبد ربي ، فخلى سبيله . فقال الخضر : الحمد لله الذي أوقعني في العبودية ثم نجاني منها . • وهذا حديث رفعه خطأ، والأشبه أن يكون موقوفاً ، وفي رجاله من لا يُعرف . فالله أعلم . وقد رواه ابن الجوزي في كتابه ((عُجَالة المنتظِر في شرح حال الخضِر)) من طريق عبد الوهاب بن الضحاك، وهو متروك ، عن بَقِيَّة . • وقد روى الحافظ ابن عساكر بإسناد إلى السُّدي : أن الخضر وإلياس كانا أخوين ، وكان أبوهما ملِكاً ، فقال إلياس لأبيه : إن أخي الخضر لا رغبة له في الملك ، فلو أنك زوَّجته لعله يجيء منه ولد يكون المُلْك له ، فزوجه أبوه بامرأة حسناء بكر ، فقال لها الخضر : إنه لا حاجة لي في النساء ؛ فإن شئت أطلقتُ سراحك ، وإن شئت أقمت معي تعبدين الله عز وجل وتكتمين عليَّ سِرِّي. فقالت : نعم ، وأقامت معه سنة . فلما مضت السنة دعاها الملك ، فقال : إنك شابة وابني شاب فأين الولد ؟ فقالت : إنما الولد من عند الله ، إن شاء كان وإن لم يشأ لم يكن . فأمره فطلقها وزوَّجه بأخرى ثيباً قد ولد لها ، فلما زُفت إليه قال لها كما قال للتي قبلها ، فأجابت (١) ((أ)): ما سببك. (٢) ((أ)) : قال . - ٥٢٧ - إلى الإِقامة عنده . فلما مضت السَّنة سألها الملك عن الولد ، فقالت : إن ابنك لا حاجة له بالنساء . فتطلبه أبوه فهرب ، فأرسل وراءه فلم يقدروا عليه . فيقال إنه قتل المرأة الثانية لكونها أفشت سره ، فهرب من أجل ذلك ، وأطلق سراح الأخرى . فأقامت تعبد الله في بعض نواحي تلك المدينة ، فمر بها رجل يوماً فسمعته يقول : بسم الله . فقالت له : أنَّى لك هذا الاسم ؟ فقال : إني من أصحاب الخضير ، فتزوجته فولدت له أولاداً . ثم صار من أمرها أن صارت ماشطة بنت فرعون ، فبينما هي يوماً تمشطها إذ وقع المشط من يدها فقال : بسم الله . فقالت ابنة فرعون : أبي ؟ فقالت: لا ، ربي وربك ورب أبيك الله. فأعلمت أباها فأمر بنقرة من نحاس فأحميت ، ثم أمر بها فألقيت فيها . فلما عاينت ذلك تقاعست أن تقع فيها ، فقال لها ابن معها صغير : يا أمَّه اصبري فإنك على الحق . فألقت نفسها في النار فماتت ، رحمها الله . وقد روى ابن عساكر عن أبي داود الأعمى تُفَيع - وهو كذاب وضَّاع - عن أنس بن مالك ، ومن طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف - وهو كذاب أيضاً - عن أبيه عن جده: أن الخضر جاء ليلة فسمع النبي عَّ ◌ٍ وهو يدعو ويقول: ((اللهم أعنِّي على ما ينجيني مما خوفتني ، وارزقني شوقَ الصالحين إلى ما شوقتهم إليه )). فبعث إلى رسول الله عَ ل أنس بن مالك فسلّم عليه فردَّ عليه السلام وقال قل له : ((إن الله فضلك على الأنبياء كما فضل [ شهر ](١) رمضان على سائر الشهور ، وفضل أمتك على الأمم كما فضل يوم الجمعة على غيره )) الحديث . • وهو مكذوب لا يصح سنداً ولا متناً ، فكيف لا يتمثَّل بين يدي رسولِ الله عَّه ويجيء بنفسه مسلّماً ومتعلماً ؟! • وهم يذكرون في حكاياتهم وما يسندونه عن بعض مشايخهم: أن الخضر يأتي إليهم ويسلم عليهم ، ويعرف أسماءهم ومنازلهم ومحالّهم ، وهو مع هذا لا يعرف موسى بن عمران كليم الله ، الذي اصطفاه الله في ذلك الزمان على من سواه ، حتى يتعرّف إليه بأنه موسى بني إسرائيل . (١) ليست في (( أ)). - ٥٢٨ - وقد قال الحافظ أبو الحسين بن المنادي ، بعد إيراده حديث أنس هذا : وأهلُ الحديث متفقون على أنه حديث منكر الإِسناد سقيم المتن ، يتبين فيه أثر الصنعة .. فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي قائلاً : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو بكر ابن بالويه ، حدثنا محمد بن بشر بن مطر ، حدثنا كامل بن طلحة ، حدثنا عباد بن عبد الصمد ، عن أنس بن مالك قال : لما قُبض رسول الله عَ لّهِ أَحدَق به أصحابه ، فبكوا حوله واجتمعوا . فدخل رجل أشهب اللحية جَسِيم صَبِيح فتخطَّى رقابهم فبكى. ثم التفت إلى أصحاب رسول الله عَ لّم فقال: إن في الله عزاءً من كل مصيبة ، وعوضاً من كل فائت ، وخلفاً من كل. هالك ، فإلى الله فأنيبوا وإليه فارغبوا ، وقد نظر إليكم في البلاء فانظروا ، فإن المصاب من لم يُجْبر ، وانصرف . فقال بعضهم لبعض : أتعرفون الرجل ؟ فقال أبو بكر وعليّ : نعم ، هو أخو رسول الله عَ ليه الخضر عليه السلام. وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن كامل بن طلحة به . وفي متنه مخالفة لسياق البيهقي . ثم قال البيهقي: عبَّاد بن عبد الصمد ضعيف فهذا منكر بمرّة (١). قلت : عباد بن عبد الصمد هذا هو ابن معمر البصري ، روى عن أنس نسخة ، قال ابن حبان والعقيلي : أكثرها موضوع ، وقال البخاري : منكر الحديث ، وقال أبو حاتم : ضعيف الحديث جداً منكره . وقال ابن عدي : عامة ما يرويه في فضائل علي ، وهو ضعيف غالٍ في التشيع .. وقال الشافعي في مسنده : أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر ، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين قال: لما توفي رسول الله عَ ليه وجاءت التعزية سَمعوا قائلاً يقول : إن في الله عزاءً من كل مصيبة ، وخلفاً من كل هالك ، ودَرَكاً من كل فائت ، فبالله فثقوا ، وإياه فارجو ، فإن المصاب من حُرم الثواب . قال علي بن الحسين : أتدرون من هذا ؟ هذا الخضر . (١) دلائل النبوة للبيهقي ٢٦٩/٧. - ٥٢٩ - شيخ الشافعي القاسم العُمَري متروك . . قال أحمد بن حنبل ويحيى بن مَعِين : يكذب . زاد أحمد : وبضع الحديث. ثم هو مرسل ومثله لا يُعتمد عليه ها هنا . والله أعلم . وقد روي من وجه آخر ضعيف ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبيه ، عن عليٍّ ، ولا يصح . وقد روى عبد الله بن وهب عمن حدثه ، عن محمد بن عَجْلان ، عن محمد ابن المنكدر : أن عمر بن الخطاب بينما هو يصلي على جنازة إذ سمع هاتفاً وهو يقول : لا تَسْبقنا يرحمك الله . فانتظره حتى لحق بالصف ، فذكر دعاءه للميت : إن تعذِّ به فكثيراً عصاك ، وإن تغفر له ففقير إلى رحمتك . ولما دفن قال : طوبى لك يا صاحب القبر إن لم تكن عَرِيفاً أو جابياً أو خازناً أو كاتباً أو شرطياً . فقال عمر : خذوا الرجل نسأله عن صلاته وكلامه عمن هو ؟ [ قال ](١) فتوارى عنهم ، فنظروا فإذا أثر قدمه ذراع . فقال عمر : هذا والله الخضير الذي حدثنا عنه رسول الله له وهذا الأثر فيه مبهم ، وفيه انقطاع ولا يصح مثله . وروى الحافظ ابن عساكر عن الثوري عن عبد الله بن المحرَّر(٢) عن زيد بن الأصم ، عن علي بن أبي طالب قال : دخلت الطوافَ في بعض الليل ، فإذا برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول: يا من لا يمنعه سمع عن سمع ، ويا من لا تغلّطه المسائل ، ويا من لا يُبْرِمه إلحاحُ الملحِّين ولا مسألة السائلين. أُذِقْني بَرْدَ عفوك وحلاوةَ رحمتك . قال : فقلت أعِدْ علّ ما قلت ، فقال لي : أوسمعته ؟ قلت نعم . فقال لي : والذي نفس الخضر بيده - قال : وكان هو الخضر - لا يقولها عبدٌ خلفَ صلاةٍ مكتوبة إلا غفر الله له ذنوبه ، ولو كانت مثل زَبد البحر وورق الشجر وعدد النجوم، لغفرها الله له . وهذا ضعيف من جهة عبد الله بن المحرر ، فإنه متروك الحديث ، ويزيد بن الأصم لم يدرك عليًّا ، ومثل هذا لا يصح . والله أعلم . (١) ليست في ((أ)). (٢) ((ط)): ابن محرز. وهو تحريف صوابه من ((أ)) وانظر ميزان الاعتدال ٥٠٠/٢ . - ٥٣٠ - وقد رواه أبو إسماعيل الترمذي : حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا صالح بن أبي الأسود ، عن محفوظ بن عبد الله الحضرمي ، عن محمد بن يحيى قال : بينما علي بن أبي طالب يطوف بالكعبة ، إذا هو برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول : يا من لا يشغله سمع عن سمع ، ويا من لا يغلِّطه السائلون ، ويا من لا يتبرم بإلحاح الملحين ، أذقني بردَ عفوك وحلاوة رحمتك . قال : فقال له علي : يا عبد الله أعِدْ دعاءك هذا . قال : أوقد سمعته ؟ قال : نعم . قال : فادع به في دُبر كل صلاة ، فوالذي نفس الخضر بيده لو كان عليك من الذنوب عددُ نجوم السماء ومطرها ، وحصباء الأرض وترابها ، لغفر لك أسرعَ من طرفة عين . · وهذا أيضاً منقطع ، وفي إسناده من لا يعرف ، والله أعلم . وقد رواه(١) ابن الجوزي من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا : حدثنا يعقوب بن يوسف ، حدثنا مالك بن إسماعيل فذكر نحوه . ثم قال : وهذا إسناد مجهول منقطع ، وليس فيه ما يدل على أن الرجل الخضر . وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: أنبأنا أبو القاسم ابن الحصين (٢) أنبأنا أبو طالب محمد بن محمد، أنبأنا أبو إسحق المزَكِّي، حدثنا محمد بن إسحق بن خزيمة ، حدثنا محمد بن أحمد بن يزيد أملاه علينا بعبادان ، أنبأنا عمرو بن عاصم ، حدثنا الحسن بن رَزين (٣) عن ابن جريج ، عن عطاء عن ابن عباس قال : ولا أعلمه إلا مرفوعاً إلى النبي عَ ظله - قال: ((يلتقي الخضر وإلياس كل عام في الموسم فيحلق كل [واحد ](٤) منهما رأسَ صاحبه، ويتفرقان عن هؤلاء الكلمات : بسم الله ما شاء الله ، ولا يسوق الخير إلا الله ما شاء الله لا يصرف السّوءِ(٥) إلا الله ، ما شاء الله ما كان من نعمة فمن الله ، ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله)). قال وقال ابن عباس : من قالهن حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات ، آمنه الله من الغرق والحَرَق والسَّرق . قال : وأحسبه قال : ومن الشيطان والسلطان والحية والعقرب . (١) ((ط)) : وقد أورد. (٢) (أ)): ابن الحسين . (٣) ((ط)): ابن زريق. وهو تحريف صوابه من ((أ)). وانظر ميزان الاعتدال ٤٩٠/١. (٤) من ((أ)). (٥) ((ط)) : الشر. - ٥٣١ - قال الدارقطني في الأفراد : هذا حديث غريب من حديث ابن جريج لم يحدث به غير هذا الشّيخ [ عنه ](١) يعني الحسن بن رزين هذا(٢). وقد روى عن محمد بن كثير العبدي أيضاً ، ومع هذا قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي : ليس بالمعروف . وقال الحافظ أبو جعفر العقيلي: مجهول وحديثه غير محفوظ . وقال أبو الحسين ابن المنادي : هو (٣) حديث واه بالحسن بن رزين . وقد روى ابن عساكر نحوه من طريق علي بن الحسن الجهضَمي - وهو كذاب - عن ضمرة بن حبيب المقدسي ، عن أبيه ، عن العلاء بن زياد القشيري ، عن عبد الله بن الحسن ، عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب مرفوعاً قال: يجتمع كلَّ يوم عرفة بعرفات ــ جبريل وميكائيل وإسرافيل والخضر . وذكر حديثاً طويلاً موضوعاً تركنا إيراده قصداً والله الحمد . وروى ابن عساكر من طريق هشام بن خالد عن الحسن بن يحيى الخشني ، عن ابن أبي روّاد قال : إلياس والخضر يصومان شهر رمضان ببيت المقدس ، ويحجّان في كل سنة، ويشربان من ماء زمزم شربة [واحدة ](٤) تكفيهما إلى مثلها من قابل . وروى ابن عساكر : أن الوليد بن عبد الملك بن مروان - باني جامع دمشق - أحبَّ أن يتعبد ليلة في المسجد ، فأمر القوَمة أن يُخْلوه له ففعلوا ، فلما كان من الليل جاء في باب الساعات فدخل الجامع ، فإذا رجل قائم يصلي فيما بينه وبين باب الخضراء ، فقال للقومة : ألم آمركم أن تُخْلوه ؟ فقالوا : يا أمير المؤمنين هذا الخضر يجيء كل ليلة يصلي ها هنا . قال ابن عساكر أيضاً : أنبأنا أبو القاسم بن إسماعيل بن أحمد أنبأنا أبو بكر ابن الطبري ، أنبأنا أبو الحسين بن الفضل ، أنبأنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا يعقوب - هو ابن سفيان الفسَوي - حدثني محمد بن عبد العزيز ، حدثنا (١) ليست في ((أ)) . (٢) ((ط)) : عنه. (٣) ((أ) : هذا حديث. (٤) ليست في (( أ )) . - ٥٣٢ - ضمرة(١) عن السَّرِي بن يحيى ، عن رباح بن عبيدة ، قال: رأيت رجلاً يماشي عمر ابن عبد العزيز معتمداً على يديه ، فقلت في نفسي : إن هذا الرجل حافٍ ، قال : فلما انصرف من الصلاة ، قلت : من الرجل الذي كان معتمداً على يدك آنفاً ؟ قال: وهل رأيته يا رياح؟ قلت : نعم . قال: ما أحسبك إلا رجلاً صالحاً ، ذاك أخي الخضر بشرني أني سَألِي وأعدِل . قال الشيخ أبو الفرج ابن الجوزِيّ : الرملي مجروح عند العلماء . وقد قدَح أبو الحسين بن المنادى في ضمرة والسرِيّ ورباح . ثم أورد من طرق أخر عن عمر بن عبد العزيز ، أنه اجتمع بالخضر ، وضعَّفها كلها . وروى ابن عساكر أيضاً أنه اجتمع بإبراهيم التيمي وبسفيان بن عيينة وجماعة يطول ذكرهم . • وهذه الروايات والحكايات هي عمدة من ذهب إلى حياته إلى اليوم . وكل من الأحاديث المرفوعة ضعيفة جداً لا يقوم بمثلها حجة في الدين ، والحكايات لا يخلو أكثرها عن ضعف الإِسناد. وقصاراها أنها صحيحة إلى من ليس بمعصوم من صحابي أو غيره ؛ لأنه يجوز عليه الخطأ . والله أعلم . وقال عبد الرزاق : أنبأنا مَعْمَر ، عن الزهري ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة، أن أبا سعيد قال: حدثنا رسول الله عَ لّه حديثاً طويلاً عن الدجال: وقال فيما يحدثنا: ((يأتي الدجال - وهو مُحرَّم عليه أن يدخل نِقَابَ المدينة - فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خيرهم ، فيقول أشهد أنك أنت الدجال الذي حدثنا (٢) رسول الله عَ ليه بحديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكّون في الأمر ؟ فيقولون : لا . فيقتله ثم يُحْييه . فيقول حين يحيا : والله ما كنتُ أَشدّ بصيرةً فيك مني الآن . قال : فيريد قتله الثانية فلا يسلّط عليه . قال معمر : بلغني أنه يُجعل على حلقة صحيفة من نحاس ، وبلغني أنه (١) ((ط)): جمرة . محرفة. (٢) الأصل والمطبوعة : حدثنا عنك . وما أثبته من صحيح البخاري كتاب الفتن باب ذكر الدجال . - ٥٣٣ - الخضر الذي يقتله الدجال ثم يحييه . وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري به(١) . وقال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الراوي عن مسلم الصحيحَ (٢): يقال إن هذا الرجل [هو ](٣) الخضر (٤). وقول معمر وغيره : بلَغني . ليس فيه حجة . وقد ورد في بعض ألفاظ الحديث : فيأتي بشاب ممتلىء شباباً فيقتله ، وقوله : الذي حدثنا عنه رسول الله عَ لٍّ لا يقتضي المشافهة ، بل يكفي التواتر. • وقد تصدى الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله في كتابه: ((عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر)) الأحاديث الواردة في ذلك من المرفوعات فبيَّن أنها موضوعة ، ومن الآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم فبين ضعف أسانيدها ببيان أحوالها وجهَالة رجالها ، وقد أجاد في ذلك وأحسن الانتقاد . وأما الذين ذهبوا إلى أنه قد مات ، ومنهم البخاري وإبراهيم الحربي وأبو الحسين بن المنادي والشيخ أبو الفرج الجوزي ، وقد انتصر لذلك وألف (٥) فيه كتاباً أسماه ((عُجالة المنتظِر في شرح حالة الخضر)) فيحتج لهم بأشياء كثيرة ؛ منها قوله تعالى: ﴿ وما جعلنا لِبَشرٍ من قَبْلك الخُلْد﴾(٦)، فالخضر إن كان بشراًا(٧) فقد دخل في هذا العموم لا محالة ، ولا يجوز تخصيصه منه إلا بدليل صحيح ، (١) صحيح البخاري كتاب الفتن باب ذكر الدجال ٢٣٢/٤ (بحاشية السندي). وصحيح مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة باب صفة الدجال وتحريم المدينة عليه ٥٧٤/٢ (ط عيسى الحلبي) . (٢) أي الذي روى صحيح مسلم . كما قال النووي: أبو إسحق هذا هو إبراهيم بن سفيان راوي الكتاب عن مسلم . (٣) من صحيح مسلم ٥٧٤/٢ . ٥ (٤) كذا في صحيح مسلم ٥٧٤/٢ . وفي الأصل والمطبوعة: عن مسلم الصحيح أن يقال ! وهو تحريف شنيع . (٥) ((أ)) : وصنف. (٦) سورة الأنبياء ٣٤ (٧) ((أ)): بشريا. - ٥٣٤ - والأصل عدمه حتى يثبت . ولم يُذكر فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قبوله . ومنها : أن الله تعالى قال: ﴿وإذْ أُخذ الله ميثاقَ النبيِّين لمَا آتَيْتُكُمْ من كتابٍ وحكمة ثم جاءكم رسول ◌ُّصَدِّقٌ لِمَا معكم لَتُؤْمنُنَّ به ولَتَنْصُرَنَّه ، قال أأقررتم وأخذتم على ذلِكُمْ إِصْري ؟ قالوا أقرَرْنا ، قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ﴾(١) . قال ابن عباس : ما بعث الله نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بُعث محمد وهو حيّ ليؤمنن به ولينصرنه . وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق ؛ لئن بُعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه . ذكره البخاري عنه (٢) • فالخضر إن كان نبيًّا أو وليًّا، فقد دخل في هذا الميثاق ، فلو كان حيًّا في زمن رسول الله عَ لّه لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه ، يؤمن بما أنزل الله عليه ، وينصره أن يصل أحد من الأعداء إليه ؛ لأنه إن كان وليًّا فالصِّدِّيق أفضل منه ، وإن كان نبيًّا فموسى أفضل منه . وقد روى الإمام أحمد في مسنده : حدثنا سُرَيْج (٣) بن النعمان ؛ حدثنا هُشَيم، أنبأنا مجالِد، عن الشَّعبي، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله عَ ليه قال: ((والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًّ ما وسِعه إلا أن يتبعني)) (٤). وهذا الذي يُقطع به ويُعلم من الدين علمَ الضرورة ، وقد دلت عليه هذه الآية الكريمة : أن الأنبياء كلهم لو فرض أنهم أحياء [ مكلفون ](8) في زمن رسول الله عَ لَّهِ ، لكانوا كلهم أتباعاً له ، وتحت أوامره وفي عموم شرعه. كما أنه صلوات الله وسلامه عليه لمَّا اجتمع بهم (٦) ليلةَ الإِسراء رُفع فوقهم كلهم . ولما هبطوا معه إلى بيت المقدس وحانت الصلاة أمره جبريل عن أمر الله أن يؤمهم ، فصلى(٧) بهم في (٢) هذا وهم ، ولم يرد ذلك في صحيح البخاري . (١) سورة آل عمران ٨١. (٣) الأصل والمطبوعة: شريح. محرفة والتصويب من المسند ٣٨٧/٣. (٤) مسند أحمد ٣٨٧/٣. (٦) ((ط )) : معهم . (٥) ليست في ((أ)). (٧) ((أ)) : فيصلي - ٥٣٥ - محل ولايتهم ودار إقامتهم . فدل على أنه الإِمام الأعظم ، والرسول الخاتم المبجل المقدم ، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين . فإذا علم هذا - وهو معلوم عند كل (١) مؤمن - علم أنه لو كان الخضر حيًّا لكان من جملة أمة محمد عَّهِ ، ومن يقتدي بشرعه لا يسعه إلا ذلك . هذا عيسى بن مريم عليه السلام إذا نزل في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة ، لا يَخْرج منها ولا يحيد عنها ، وهو أحد أولي العزم الخمسة المرسلين وخاتم أنبياء بني إسرائيل . والمعلوم (٢) أن الخضر لم يُنقل بسند صحيح ولا حسن تسكنُ النفس إليه ؛ أنه اجتمع برسول الله عَ ◌ّه في يوم واحد، ولم يشهد معه قتالاً في مشهد من المشاهد . وهذا يوم بدر يقول الصادق المصدوق فيما دعا به ربَّه عز وجل ، واستنصره واستفتحه على من كفَره: ((اللهم إن تَهْلِكْ هذه العصابةُ لا تُعبد بعدها في الأرض )) ، وتلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ، وسادة الملائكة حتى جبريل عليه السلام ، كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له ، في بيت يقال إنه أفخر بيت قالته العرب : وببئر(٣) بَدر إذ يردُّ وجوهَهم جبريلُ تحت لوائنا ومحمدُ فلو كان الخضر حيًّا ، لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته وأعظم غزواته . ● قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي : سئل بعض أصحابنا عن الخضر : هل مات ؟ فقال: نعم . قال : وبلغني مثل هذا عن أبي طاهر بن الغباري قال: وكان يحتج بأنه لو كان حيًّا لجاء إلى رسول الله عَ له. نقله ابن الجوزي في العجالة . فإن قيل : فهل (٤) يقال إنه كان حاضراً في هذه المواطن كلها ولكن لم يكن (١) ((أ)) : لكل مؤمن . (٢) ((أ)) : ومعلوم . (٣) المطبوعة: وثبير. وهو تحريف! والبيت من قصيدته في رثاء حمزة رضي الله عنه. سيرة ابن هشام ١٥٨/٢ . (٤) ((أ)): فهلا. - ٥٣٦ - أحد يراه ؟ فالجواب : أن الأصل عدم هذا الاحتمال البعيد الذي يلزم منه تخصيص العموميات بمجرد التوهمات . ثم ما الحامل(١) له على هذا الاختفاء؟ وظهوره أعظمُ لأجره وأعلى في مرتبته وأظهر لمعجزته ؟ ثم لو كان باقياً بعده ، لكان تبليغه عن رسول الله عَ ليه الأحاديث النبوية والآيات القرآنية، وإنكاره لما وقع من الأحاديث المكذوبة ، والروايات المقلوبة والآراء البدعية والأهواء العصبية ، وقتاله مع المسلمين في غزواتهم وشهوده جمعهم وجماعاتهم ، ونفعه إياهم ودفعه الضرر عنهم ممن سواهم ، وتسديده العلماء والحكام ، وتقريره الأدلة والأحكام ، أفضل مما يقال عنه من كُمونه في الأمصار ، وجَوْبِه الفيافي والأقطار ، واجتماعه بُعُبَّاد لا يعرف أحوال كثير منهم ، وجعله لهم كالنقيب المترجم عنهم . وهذا الذي ذكرناه لا يتوقف فيه أحد فيه بعد التفهيم ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . · ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما - عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله عَ لّه صلى ليلة العشاء ثم قال: ((أرأيتم ليلتكم هذه؟ فإنه إلى مائة سنة لا يبقى ممن هو على وجه الأرض اليوم أحد)). وفي رواية ((عين تطرف)). قال ابن عمر: فَوُهِلَ الناس(٢) من مقالة رسول الله عَ لِ هذه، وإنما أراد انخرام (٣) قرنه (٤) . قال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن الزهري قال : أخبرني سالم بن عبد الله وأبو بكر بن سليمان بن أبي خيثمة ، أن عبد الله بن عمر قال: صلى رسول الله عَ ليه ذات ليلة [ صلاة](٥) العشاء في آخر حياته ، فلما سلَّم قام فقال: ((أرأيتم ليلتكم هذه ؟ فإن على رأس مائة سنة لا يبقى ممن على ظهر الأرض أحد )) (٦) . وأخرجه البخاري ومسلم من حديث الزهري . (١) (( أ)) : الحاصل . محرفة. (٣) الانخرام : الانقطاع . (٢) وهلوا : فزعوا . (٥) من (( أ)) . (٤) صحيح البخاري كتاب مواقيت الصلاة ٨٨/١ (ط الأميرية). (٦) مسند أحمد ٨٨/٢ وصحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة ٤١٢/٢ ( ط عيسى الحلبي ). - ٥٣٧ - وقال الإِمام أحمد : حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن سليمان التيمي ، عن أبي نَضْرة، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله عَ لّه قبل موته بقليل أو بشهر: (( ما من نفس مَنْفوسة - أو ما منكم من نفس اليومَ منفوسةٍ - يأتي عليها مائة سنة وهي يومئذ حية ))(١) . وقال أحمد : حدثنا موسى بن داود ، حدثنا ابن لَهِيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر، عن النبي عَّمه أنه قال قبل أن يموت بشهر: ((يسألونني عن الساعة وإنما عِلْمها عند الله ، أقسم بالله ما على الأرض نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة))(٢) . وهكذا رواه مسلم من طريق أبي نضرة وأبي الزبير : كل منهما عن جابر بن عبد الله به نحوه (٣) . وقال الترمذي : حدثنا عباد ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله عَ له: ((ما على الأرض من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة)). وهذا أيضاً على شرط مسلم . قال ابن الجوزي : فهذه الأحاديث الصحاح تقطّع دابر دَعوى حياة الخضِر . قالوا: فالخضر(٤) إن لم يكن قد أدرك زمان رسول الله عَ لّهم كما هو المظنون الذي يترقى في القوة إلى القطع ، فلا إشكال ، وإن كان قد أدرك زمانه ، فهذا الحديث يقتضي أنه لم يعش بعد مائة سنة ، فيكون الآن مفقوداً لا موجوداً ؛ لأنه (١) مسند أحمد ٣٠٥/٣. (٢) المسند ٣٤٥/٣. (٣) صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة باب قوله عَ ◌ّم: ((لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة )) ٤١٣/٢ ( ط الحلبي). (٤) ((أ)) : والخضر . - ٥٣٨ - داخِل في هذا العموم ، والأصل عدم المخصِّص له حتى يثبت بدليل صحيح يجب قبوله . والله أعلم . وقد حكى الحافظ أبو القاسم السُّهيلي في كتابه: ((التعريف والإِعلام )) عن البخاري وشيخه أبي بكر بن العربي: أنه أدرك حياة النبي عَ طٍ ولكن مات بعده لهذا الحديث . وفي كون البخاري رحمه الله يقول بهذا وأنه بقي إلى زمان النبي عَّة ، نظر . ورجّح السهيلي بقاءه ، وحكاه عن الأكثرين . قال: وأما اجتماعه مع النبي عَ لّم وتعزيته لأهل البيت بعده فمروي من طرق صحاح ، ثم ذكر ما تقدم مما ضعفناه ، ولم يورد أسانيدها . والله علم . - ٥٣٩ - [ وأما ](١) إلياس عليه السلام قال الله تعالى بعد قصة موسى وهارون من سورة الصافات: ﴿وإنَّ إلياسَ لَمِنَ المُرْسَلين « إذ قال لقومه أَلا تَتَّقون * أَتَدْعون بَعْلاً وَتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالقين « الله رَبَّكم وَرَبَّ آبائكم الأولين » فكذَّبوه فإنهم لمحضرون ، إلا عبادَ الله المخلصين : وتركنا عليه في الآخِرِين * سلامٌ على إلياسين * إنا كذلك نجزي المحسنين = إنه من عبادنا المؤمنين ﴾(٢). قال علماء النسب هو : إلياس النشبي ، ويقال : ابن یاسین بن فنحاص بن العيزار بن هارون . وقيل : إلياس بن العازر بن العيزار بن هارون بن عمران . قالوا : وكان إرساله إلى أهل بعلبك غربي دمشق ، فدعاهم إلى الله عز وجل وأن يتركوا عبادة صنم لهم كانوا يسمونه (( بَعْلاً)). وقيل كان امرأة اسمها ((بعل)). والله أعلم . [ والأول أصح](٣) ولهذا قال لهم: ﴿أَلَا تتقون * أَتَدْعُون بَعْلاً وَتَذَرون أحسنَ الخالقين ؛ الله ربكم وربَّ آبائكم الأولين ﴾ . فكذَّبوه وخالفوه وأرادوا قتله . فيقال إنه هرب منهم واختفى عنهم قال أبو يعقوب الأذرعي ، عن يزيد بن عبد الصمد ، عن هشام بن عمار ، قال : وسمعت من يذكر عن كعب الأحبار أنه قال : إن إلياس اختفى من ملك قومه في الغار الذي تحت الدم (٤) عشر سنين ، حتى أهلك الله الملك وولَّى غيره ، فأتاه (١) من ((أ)) . (٢) سورة الصافات ١٢٣ - ١٣٢ . (٣) ليست في ((أ)). (٤) كذا بالأصول ولم أجد في كتب البلدان إلا ((ذو دم)) موضع يضاف إلى دم كان فيه . معجم ما استعجم للبكري ٥٥٦/١ . - ٥٤٠ -