النص المفهرس
صفحات 501-520
ذكر وفاته عليه السلام قال البخاري في صحيحه: ((وفاة موسى عليه السلام)) حدثنا يحيى بن موسى ، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا مَعْمَر عن ابن طاووس، عن أبيه عن أبي هريرة قال : أُرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام ، فلما جاءه صكَّه(١) فرجع إلى ربه عز وجل ، فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ! قال : ارجع إليه فقل له يضَعْ يده على مَتن ثَور ، فله بما غطَّت يده بكل شَعرة سنَّة . قال : أيْ ربِّ ثم ماذا ؟ قال : ثم الموت ، قال فالآن . قال : فسأل الله عز وجل أن يُدْنِيَه من الأرض المقدسة رَمْيَةً بحجَر قال أبو هريرة: فقال رسول الله عَ ليه: ((فلو كنت ثَم لأريتكم قَبره إلى جانب الطريق عند الكَثِيب الأحمر )) . قال: وأخبرنا مَعْمر عن همَّم عن أبي هريرة عن النبي عَّ له نحوه(٢). وقد روى مسلم الطريق الأول من حديث عبد الرزاق به (٣)، ورواه الإمام أحمد من حديث حماد بن سَلَمة ، عن عمار بن أبي عمار ، عن أبي هريرة مرفوعاً وسيأتي (٤) . وقال الإِمام أحمد : حدثنا الحسن ، حدثنا [ ابن ](٥) لَهِيعة ، حدثنا أبو يونس يعني سليم بن جبير ، عن أبي هريرة ، قال الإِمام أحمد : لم يرفعه ، قال : (١) صكه : دفعه . (٢) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق ١١٨/٢ (ط الأميرية ). (٣) صحيح مسلم كتاب الفضائل. باب من فضائل موسى ٣٤٤/٢ (ط عيسى الحلبي) . (٤) بل روى الإمام أحمد هذا الحديث من الطريق الذي رواه الشيخان عن عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة . المسند ٢٦٩/٢. كما رواه في صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة المسند ٣١٥/٢. (٥) سقطت من الأصل والمطبوعة وأثبتها من المسند ٣٥١/٢. وسقطت أيضاً من طبعات ((المحققين!)) الذين ادعوا تحقيق الكتاب . - ٥٠١ - ((جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام، فقال: أجب ربك ، فلطَم موسى عينَ مَلَك الموت ففقأها ، فرجع الملك إلى الله فقال : إنك بعثتني إلى عبدٍ لك لا يريد الموت ! قال : وقد فقا عيني . قال : فردَّ الله عينه ، وقال : ارجع إلى عبدي فقل له : الحياةَ تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على مَتْن ثَور ، فما وارتْ يُدُك من شَعْره فإنك تعيش بها سنَّة . قال : ثم مه ؟ قال : ثم الموت . قال : فالآن يا رب من قريب)) . تفرد به أحمد ، وهو موقوف بهذا اللفظ(١). وقد رواه ابن حبان في صحيحه من طريق مَعْمَر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال معمر: وأخبرني من سمع الحسن عن رسول الله عَ ليه. فذكره . ثم استشكله ابن حبان وأجاب عنه بما حاصله : أن ملَك الموت لمَّا قال له هذا لم يعرِفه ، لمجيئه له على غير صورة يعرفها موسى عليه السلام كما جاء جبريل في صورة أعرابي ، وكما وردت الملائكة على إبراهيم ولوط في صورة شَباب ، فلم يعرفهم إبراهيم ولا لوط أولاً . وكذلك موسى لعله لم يعرفه ؛ لذلك لَطمه ففقاً عينه لأنه دخل داره بغير إذنه ، وهذا موافق لشريعتنا في جواز فقء عين من نظر إليك في دارك بغير إذن . ثم أورد الحديث من طريق عبد الرزاق عن مَعْمَر ، عن هَمَّام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ ليه: ((جاء ملك الموت إلى موسى ليقبض روحه ، قال له : أجب ربَّك، فلطم موسى عين ملك الموت ففقأ عينه)). وذكر تمام الحديث كما أشار إليه البخاري . ثم تأوَّله على أنه لما رفع يده ليلطمه ، قال له : أجب ربك ، وهذا التأويل لا يتمشَّى على ما ورد به اللفظ ؛ من تعقيب قوله : أجب ربك بلطمه . ولو استمر (١) مسند أحمد ٣٥١/٢. - ٥٠٢ - على الجواب الأول لتمشى له ، وكأنه لم يعرفه في تلك الصورة . ولم يحمل قوله هذا على أنه مطابق؛ إذ لم يتحقق في [ تلك] (١) الساعة الراهنة أنه مَلَك كريم، لأنه كان يرجو أمورا كثيرة كان يحب وقوعها في حياته ؛ من خروجهم من التيه ، ودخولهم الأرض المقدسة . وكان قد سبق في قَدَر(٢) الله أنه عليه السلام يموت في التِّيه بعد هارون أخيه ، كما سنبينه إن شاء الله تعالى . وقد زعم بعضهم : أن موسى عليه السلام هو الذي خرج بهم من التِّيه ودخل بهم الأرض المقدسة . وهذا خلاف ما عليه أهل الكتاب وجمهور المسلمين . و [ ما ](٣) يدل على ذلك قوله لما اختار الموت: ربِّ أَدْنني إلى الأرض المقدَّسة رميةَ حَجر ، ولو كان قد دخلها لم يسأل ذلك . ولكن لما كان مع قومه بالتيه وحانت وفاته عليه السلام أحبَّ أن يتقرب إلى الأرض التي هاجر إليها ، وحث قومَه عليها . ولكن حال بينهم وبينها القدَر ، رميةً بحجر . ولهذا قال سيد البشر، ورسول الله إلى أهل الوبر والمدر: ((فلو كنتُ ثَمَّ الأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر )). وقال الإِمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد ، حدثنا ثابت وسليمان التَّيمي عن أنس بن مالك أن رسول الله عَ اله قال: ((لمَّا أُسْرِي بي مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر)) (٤) . ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به (٥) . وقال السُّدي عن أبي مالك وأبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة قالوا : ثم إن الله تعالى أوحى إلى موسى أني متوفٌّ هارون فائت به جبلَ كذا وكذا . (١) من ((أ)). (٢) المطبوعة: دورة. محرفة. وما أثبته من ((أ)). (٣) ليست في ((أ)). (٤) المسند ٢٤٨/٣ . (٥) صحيح مسلم ٣٤٥/٢ كتاب الفضائل ( ط عيسى الحلبي ) . - ٥٠٣ - فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل ، فإذا هم بشجرة لم تُر شجرة مثلها ، وإذا هم ببيت مبنيّ ، وإذا هم بسرير عليه فرش ، وإذا فيه ريح طيبة . فلما نظر هارون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه ، قال يا موسى : إني أحب أن أنام على هذا السرير ، قال له موسى : فنمْ عليه ، قال : إني أخاف أن يأتي ربُّ هذا البيت فيغضب عليّ، قال له : لا تَرْهَب أنا أكفيك رب هذا البيت فنم . قال: يا موسى [بل](١) نم معي فإن جاء رب هذا البيت غضب عليَّ وعليك جميعاً. فلما ناما أخذ هارونَ الموتُ. فلما وجدَ حِسَّه(٢) قال: يا موسى خدعتني ! فلما قبض رفع ذلك البيت ، وذهبت تلك الشجرة ، ورفع السرير به إلى السماء . فلما رجع موسى إلى قومه وليس معه هارون قالوا إن موسى قتل هارون ، وحسده على حب بني إسرائيل له ! وكان هارون أكفّ عنهم وأَلْيَنَ لهم من موسى ، وكان في موسى بعض الغِلْظة عليهم . فلما بلغه ذلك قال لهم : ويحكم ! كان أخي أفتروني أقتله ؟ فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ، ثم دعا الله فنزل السرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض . ثم إن موسى عليه السلام بينما هو يمشي ويوشع فتاه إذ أقبلت ريح سوداء ، فلما نظر إليها يوشع ظن أنها الساعة ، فالتزم موسى وقال : تقوم الساعة وأنا ملتزم موسى نبيَّ الله! فاستُلَّ موسى عليه السلام من تحت القميص وترك القميص في يدي يوشع . فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إسرائيل وقالوا قتلتَ نبي الله . فقال : لا والله ما قتلته ، ولكنه استُل مني ، فلم يصدِّقوه وأرادوا قتله . قال: فإذا لم تصدقوني فأخروني ثلاثة أيام ، فدعا الله فأُتِي كلُّ رجل ممن كان يحرسه في المنام فأخبر أن يوشع لم يقتل موسى ، وأنَّا قد رفعناه إلينا . فتركوه . ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبارين مع موسى إلا مات ولم يشهد الفتح(٣) . (١) من ((أ)). (٢) وجد حسه : عرف علاماته . (٣) الخبر بطوله في تاريخ الطبري ٥٠٢/١ - ٥٠٣ (ط ليدن). - ٥٠٤ - · وفي بعض هذا السياق نكارة وغرابة ، والله أعلم . • وقد قدمنا أنه لم يخرج أحد من التّیہ ممن کان مع موسى ، سوی یُوشَع بن نون ، وكالب بن يوفنا ، وهو زوج مريم أخت موسى وهارون ، وهما الرجلان المذكوران فيما تقدم ، اللذان أشارا على ملأ بني إسرائيل بالدخول عليهم . ١ وذكر وهب بن منبه : أن موسى عليه السلام مَّ بملأ من الملائكة يحفرون قبراً ، فلم ير أحسن منه ولا أنضر ولا أبهج ، فقال يا ملائكة الله : لمن تحفرون هذا القبر ؟ فقالوا : لعبد من عباد الله كريم ، فإن كنت تحب أن تكون هذا العبد فادخل هذا القبر ، وتمدَّدْ فيه وتوجه إلى ربك ، وتنفّس أسهلَ تنفس ، ففعل ذلك ، فمات صلوات الله وسلامه عليه ، فصلَّت عليه الملائكة ودفنوه(١). وذكر أهل الكتاب وغيرهم أنه مات وعمره مائة وعشرون سنة . وقد قال الإِمام أحمد : حدثنا أمية بن خالد ويونس ، قالا : حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة عن النبي عَ لّم ، قال يونس: رفع هذا الحديث إلى النبي عَ لّم قال: ((كان ملك الموت يأتي الناس عِياناً، قال فأتى موسى عليه السلام فلطمه ففقاً عينه ، فأتى ربه فقال : يا رب عبدك موسى فقاً عيني ، ولولا كرامته عليك لعتبتُ عليه - وقال يونس : لشققت عليه - قال له اذهب إلى عبدي ، فقل(٢) له فليضع يده على جلد أو مَسْك ثور ، فله بكل شعرة وارت يده سنة ، فأتاه فقال له ، فقال : ما بعد هذا ؟ قال: الموت . قال : فالآن. قال : فشمه شمة فقبض روحه)). قال يونس فرد الله عليه عينه وكان يأتي الناس خُفْية(٣) . وكذا رواه ابن جرير عن أبي كُريب ، عن مُصْعَب بن المقدام عن حماد بن سلمة به ، فرفعه [ أيضاً ](٤). (١) في تاريخ الطبري ٥٠٣/١ : ثم سوت عليه الملائكة . (٢) كذا في ((أ)) موافقاً للمسند وفي غيرها : وقل . (٣) المسند ٥٣٣/٢. (٤) ليست في ((أ) والخبر في تاريخ الطبري ٥٠٥/١ ( ط ليدن). - ٥٠٥ - ذکر نبوة یوشع وقيامه بأعباء بني إسرائيل بعد موسى وهارون عليهما السلام هو الخليل يوشع بن نون بن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ، وأهل الكتاب يقولون : يوشع ابن عم هود . وقد ذكره الله تعالى في القرآن(١) غير مصرح باسمه في قصة الخضر كما تقدم من قوله: ﴿وإذ قال موسى لِفَتاه﴾، ﴿ فلما جاوزًا قال لفتاه ﴾ وقدمنا ما ثبت في الصحيح من رواية أبىِّ بن كعب رضي الله عنه عن النبي عَّم: من أنه يوشع ابن نون . وهو متفق على نبوته عند أهل الكتاب ؛ فإن طائفة منهم وهم السامرة ، لا يقرون بنبوة أحد بعد موسى إلا يوشع بن نون ، لأنه مصرح به في التوراة ، ويكفرون بما وراءه وهو الحق [مصدِّقاً لما معهم ](٢) [ من ربهم](٣) فعليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة ! وأما ما حكاه ابن جرير وغيره من المفسرين عن محمد بن إسحاق : من أن النبوة حوّلت من موسى إلى يوشع في آخر عمر موسى ، فكان موسى يَلقى يوشع فيسأله ما أحدث الله [ إليه ](٢) من الأوامر والنواهي، حتى قال له: يا كليم الله إني كنت لا أسألك عما يُوحِي الله إليك حتى تخبرني أنت ابتداء من تلقاء نفسك . فعند ذلك كره موسى الحياة وأحبَّ الموت . ففي هذا نظر(٤) ؛ لأن موسى (١) ((أ)): في الكتاب . (٢) من (( أ)). (٣) سقطت من (( أ)). أ(٤) تاريخ الطبري ٥٠٣/١ (ط ليدن). - ٥٠٦ - عليه السلام لم يزل الأمر والوحي والتشريع والكلام من الله إليه من جميع أحواله ، حتى توفاه الله عز وجل . ولم يزل معززاً مكرماً مدَّلاً وجيهاً عند الله ، كما قدمنا في الصحيح من قصة فقئه عين ملك الموت ، ثم بعثه الله إليه إن كان يريد الحياة فليضع يده على جلد ثور فله بكل شعرة وارت يده سنة يعيشها ، قال : ثم ماذا ؟ قال : الموت ، قال : فالآن يا ربِّ . وسأل الله أن يُدْنيه إلى بيت المقدس رميةً بحجر ، وقد أجيب إلى ذلك صلوات الله وسلامه عليه . • فهذا الذي ذكره محمد بن إسحاق إن كان إنما يقوله من كتب أهل الكتاب ؛ ففي كتابهم الذي يسمونه التوراة : أن الوحي لم يزل ينزل على موسى في كل حين (١) يحتاجون إليه إلى آخر مدة موسى ، كما هو المعلوم من سياق كتابهم عند تابوت الشهادة في قبة الزمان . ولقد ذكروا في السفر الثالث : أن الله أمر موسى وهارون أن يَعُدَّا بني إسرائيل على أسباطهم ، وأن يَجْعلا على كل سِبْط من الاثني عشر أميراً وهو النقيب ، وما ذاك إلا ليتأهبوا للقتال ، قتال الجبارين عند الخروج من التِّيه ، وكان هذا عند اقتراب انقضاء الأربعين سنة . ولهذا قال بعضهم: إنما فقأ موسى عينَ ملك الموت ؛ لأنه لم يعرفه في صورته تلك ، ولأنه كان قد أُمر بأمرٍ كان يرتجي وقوعه في زمانه ، ولم يكن في قَدر الله أن يقع ذلك في زمانه ، بل في زمان [ فتاه ](٢) يوشع بن نون عليه السلام . • كما أن رسول الله عَ له كان قد أراد غزو الروم بالشام فوصل إلى تبوك ثم رجع عامَه ذلك في سنة تسع ثم حجَّ في سنة عشر ، ثم رجع فجهز جيش أسامة إلى الشام طليعة بين يديه ، ثم كان على عزم الخروج امتثالاً لقوله تعالى: ﴿ قاتِلُوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرِّمون ما حرم الله ورسولُه، ولا يَدِينُون دینَ (١) ((أ)) : في كل أمر . (٢) ليست في ((أ)). - ٥٠٧ - ٠ الحق من الذين أوتوا الكتابَ حتى يُعْطوا الجِزْيَة عن يَدٍ وهم صاغرون﴾(١). ولما جهّز رسول الله جيشَ أسامة ، توفي عليه الصلاة والسلام وأسامة مخيِّم بالجُرف، فَأَنْفَذَهُ(٢) صديقه وخليفته أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، ثم لما لَمَّ شَعَثَ جزيرة العرب ، وما كان دَهى من أُمْر أهلها ، وعاد الحق إلى نصابه ، جهز الجيوش يمنةً ويسرة إلى العراق أصحاب كسرى ملك الفرس ، وإلى الشام أصحاب قيصر ملك الروم ، ففتح الله لهم ومكَّن لهم وبهم ، وملَّكهم نواصي أعدائهم . وهكذا موسى عليه السلام : كان الله قد أُمره أن يجنّد بني إسرائيل وأن يجعل عليهم نقباء كما قال تعالى: ﴿ ولقد أخذ الله ميثاقَ بني إسرائيل وبَعَثْنا منهم اثني عشر نقيباً ، وقال الله إنِّي معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتُم الزكاةَ وآمنتم بُرُسلي وعزَّرْتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً لَأُكَفِّرَنَّ عنكم سيِّتكم ، ولأدخلنكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار ، فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضلَّ سواء السبيل﴾(٣) يقول لهم : لئن قمتم بما أوجبتُ عليكم ، ولم تَنْكلوا عن القتال كما نكلتم أولَ مرة، لأجعلن ثواب هذه مكفراً (٤) لما وقع عليكم من عقاب تلك ، كما قال تعالى لمن تخلَّف من الأعراب عن رسول الله عَ ◌ّه في غزوة الحديبية: ﴿قل للمُخَلَّفين من الأعراب ستُدْعَوْن إلى قوم أُولي بأسٍ شديد ، تقاتلونهم أو يُسْلمون ، فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً ، وإن تتولوا كما توليتم من قبلُ يعذبكم عذاباً أيماً ﴾(٥). وهكذا قال تعالى لبني إسرائيل: ﴿ فَمَنْ كفَر بعد ذلك منكم فقد ضلِّ سواءَ السبيل﴾(٦) . ثم ذمهم تعالى على سوء صنيعهم ونقضهم مواثيقهم كما ذم من بعدهم من النصارى على اختلافهم في دينهم وأديانهم . وقد ذكرنا ذلك في التفسير مستقصَّى ولله الحمد . ● والمقصود أن الله تعالى أمَر موسى عليه السلام أن يكتب أسماء المقاتلة من بني إسرائيل ممن يحمل السلاح ويقاتل ممن بلغ عشرين سنة فصاعداً ، وأن يجعل على كل سبط نقيباً منهم . السبط الأول : سبط روبيل لأنه بكر يعقوب ، وكان عِدّة (١) سورة التوبة ٢٩ . (٢) ((أ )) : فنفذه . (٣) سورة المائدة ١٢ . : (٤) ((أ)): كفر . (٥) سورة الفتح ١٦ . : (٦) سورة المائدة ١٢ . - ٥٠٨ - المقاتلة منهم ستة وأربعين ألفاً وخمسمائة ، ونقيبهم منهم وهو اليصور بن شديئور (١). السبط الثاني : سبط شمعون ، وكانوا تسعة وخمسين ألفاً وثلاثمائة ، ونقيبهم شلوميئيل ابن هوريشداي (٢). السبط الثالث: سبط يهوذا، وكانوا أربعة وسبعين ألفاً وستمائة ، ونقيبهم نحشون بن عمينا ذاب . السبط الرابع سبط إيساخر وكان أربعة وخمسين ألفاً وأربعمائة ونقيبهم نشائيل بن صوعر (٣). السبط الخامس: سبط يوسف عليه السلام ، وكانوا أربعين ألفاً وخمسمائة ، ونقيبهم يوشع بن نون. السبط السادس : سبط ميشا ، وكانوا أحداً وثلاثين ألفاً ومائتين(٤) ، ونقيبهم جمليئيل بن فدهصور . السبط السابع : سبط بنيامين ، وكانوا خمسة وثلاثين ألفاً وأربعمائة ، ونقيبهم أبيدن بن جدعون . السبط الثامن : سبط جاد ، وكانوا خمسة وأربعين ألفاً وستمائة وخمسين رجلاً ، ونقيبهم الياساف بن رعوئيل . السبط التاسع: سبط أشير ، وكانوا أحداً وأربعين ألفاً وخمسمائة ، ونقيبهم فجعيئيل بن عكرن . السبط العاشر : سبط دان ، وكانوا اثنين وستين ألفاً وسبعمائة ، ونقيبهم أخيعزر بن عمشداي(٥) . السبط الحادي عشر : سبط نفتالي ، وكانوا ثلاثة وخمسين ألفاً وأربعمائة ، ونقيبهم الباب بن حيلون . هذا نص كتابهم الذي بأيديهم ، والله أعلم . وليس منهم (٦) ((بنو لاوي)) فقد أمر الله موسى أن لا يعدّهم معهم ، لأنهم موكلون بحمل قبة الشهادة وضربها [ وخزنها ](٧) ونصبها وحَملها إذا ارتحلوا ، وهم سبط موسى وهارون عليهما السلام ، وكانوا اثنين وعشرين ألفاً ، من ابن شهر فما فوق ذلك ، وهم في أنفسهم قبائل من (٨) كل قبيلة طائفة من قبة الزمان يحرسونها ويحفظونها ويقومون بمصالحها ونصبها وحملها ، وهم كلهم حولها ، ينزلون ويرتحلون أمامها ويمنتها وشمالها ووراءها . وجملة ما ذكر من المقاتلة غير بني لاوي خمسمائة ألف وأحد وسبعون ألفاً (١) ((أ )): النصون بن ساذون. (٥) ((أ)) : عميشذي . (٢) (( أ)) : شاموال بن صور شدي . (٦) ((أ)): فيهم . (٣) ((أ)): صاعون. (٧) من ((أ)). (٤) ((أ)» : وأربعمائة (٨) ((ط)) : عهد إلى كل قبية طائفة . - ٥٠٩ - وستمائة وستة وخمسون . لكن قالوا : فكان عدد بني إسرائيل ممن عمره عشرون سنة فما فوق ذلك ؛ ممن حمل السلاح ، ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسة وخمسين رجلاً ، سوى بني لاوي . وفي هذا نظر ، فإن جميع الجمل المتقدمة إن كانت كما وجدنا في كتابهم ، لا تطابق الجملة التي ذكروها . والله أعلم . فكان بنو لاوي الموكلون بحفظ قبة الزمان يسيرون في وسط بني إسرائيل ، وهم القلب ، ورأس الميمنة بنو روبيل، ورأس الميسرة بنو دان ، وبنو نفتالي (١) يكونون ساقة . وقرر موسى عليه السلام - بأمر الله تعالى له - الكهانة في بني هارون ، كما كانت لأبيهم من قبلهم ، وهم : ناداب وهو بكره ، وأبيهو والعازر ، ويثمر . • والمقصود أن بني إسرائيل لم يبق منهم أحد ممن كان نكل عن دخول مدينة الجبارين الذين قالوا: ﴿ فاذهب أنت وربك فقاتِلا إنا ها هنا قاعدون ﴾ قاله الثَّوري عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس ، وقاله قَتادة وعكرمة ، ورواه السُّدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة ، حتى قال ابن عباس وغيره من علماء السلف والخلف : ومات موسى وهارون قبله كلاهما في التِّيه جميعاً . • وقد زعم ابن إسحاق أن الذي فتح بيت المقدس هو موسى ، وإنما كان يوشع على مقدمته . وذكر في مروره إليها قصة بلعام بن باعوراء الذي قال تعالى فيه: ﴿ واتُلُ عليهم نبأً الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأُتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ، ولكنه أخْلَد إلى الأرضِ واتبع هواه ، فمثله كمثل الكلبِ إنْ تحملْ عليه يلهثْ أو تتركه يلهث ، ذلك مثلُ القوم الذين كذَّبوا بآياتنا فاقصُص القصَصَ لعلهم يتفكرون = ساءَ مثلاً القومُ الذين كذبوا بآياتنا وأنفسَهم كانوا يظلمون ﴾(٢). (١) ((أ)): وبنو ثالي يلفون . (٢) سورة الأعراف ١٧٥ - ١٧٧. - ٥١٠ - • وقد ذكرنا قصته في التفسير ، وأنه كان - فيما قاله ابن عباس وغيره - يعلم الاسم الأعظم ، وأن قومه سألوه أن يدعو على موسى وقومه ، فامتنع عليهم ، ولما ألخُوا عليه ركب حمارة له ، ثم سار نحو معسكر بني إسرائيل، فلما أشرف عليهم ربضت به حمارته فضربها حتى قامت ، فسارت غير بعيد وربضت ، فضربها ضرباً أشد من الأول فقامت ثم ربضت ، فضربها فقالت له يا بلعام : أين تذهب ؟ أما ترى الملائكة أمامي تردُّني عن وجهي هذا ؟ أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم ؟ فلم ينزع عنها ، فضربها حتى سارت به حتى أشرف عليهم من رأس جبل ((حسبان)) ونظر إلى معسكر موسى وبني إسرائيل فأخذ يدعو عليهم ، فجعل لسانه لا يطيعه إلا أن يدعو لموسى وقومه ، ويدعو على قوم نفسه ، فلاموه على ذلك فاعتذر إليهم بأنه لا يجري على لسانه إلا هذا، واندلع (١) لسانه حتى وقع على صدره ، فقال لقومه : قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة ، ولم يبق إلا المكر والحيلة . ثم أمر قومه أن يزينوا النساء ويبعثوهن بالأمتعة يبعن عليهم ويتعرضن لهم لعلهم يقعون في الزنا ، فإنه متى زنى رجل منهم كُفيتموهم ! ففعلوا وزينوا نساءهم وبعثوهن إلى المعسكر ، فمرت(٢) امرأة منهم اسمها ((كسبتي)) برجل من عظماء بني إسرائيل ، وهو ((زمري بن شلوم)) يقال إنه كان رأس سبط بني شمعون [ بن يعقوب ](٣) فدخل بها قبته ، فلما خلا بها أرسل الله الطاعون على بني إسرائيل ، فجعل يجوس فيهم ، فلما بلغ الخبر إلى ((فنحاص)) بن العيزار بن هارون، أخذ حربته وكانت من حديد ، فدخل عليهما القبة فانتظمهما جميعاً فيها ، ثم خرج بهما على الناس والحربة في يده ، وقد اعتمد على خاصرته وأسندها إلى لحيته ، ورفعهما نحو السماء وجعل يقول: اللهم هكذا نَفْعل بمن يعصيك! ورُفِع الطاعون . فكان جملة من مات في تلك الساعة سبعين ألفاً ، والمقلل يقول عشرين ألفاً ، وكان فنحاص بكر أبيه العيزار بن هارون ، فلهذا يجعل بنو إسرائيل لولد فنحاص من الذبيحة - القِبَّةِ(٤) والذراع واللّحْي، ولهم البِكْر من [ كل ](٥) أموالهم وأنفَسها . (١) ((ط)): واندفع. (٢) ((أ) : حتى مرت . (٣) من ((أ)). (٤). كذا في ((أ)) موافقاً للطبري ٥١١/١ (ط ليدن) وفي المطبوعة: الليلة . محرفة . (٥) ليست في ((أ)) . - ٥١١ - وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من قصة بلعام صحيح ، وقد ذكره غير واحد من علماء السلف ، لكن لعله لما أراد موسى دخولَ بيت المقدس أول مَقْدمه من الديار المصرية ، ولعله مراد ابن إسحاق ، ولكنه غير ما فهمه بعض الناقلين عنه ، وقد قدمنا عن نصّ التوراة ما يشهد لبعض هذا . والله أعلم . ولعل هذه قصة أخرى كانت في خلال سيرهم في التِّيه ، فإن في هذا السياق ذكر ((حسبان)) وهي بعيدة عن أرض بيت المقدس ، أو لعله كان هذا الجيش قوم موسى الذين عليهم يوشع بن نون ، حين خرج بهم من التيه قاصداً بيت المقدس ، كما صرح به السُّدي . والله أعلم . وعلى كل تقدير فالذي عليه الجمهور : أن هارون توفّي بالتيه قبل موسى أخيه بنحو من سنتين ، وبعده موسى في التيه أيضاً ، كما قدمنا. وأنه سأل [ ربه ](١) أن يقربه إلى بيت المقدس فأجيب إلى ذلك . · فكأن الذي خرج بهم من التيه ، وقصد بهم بيت المقدس ، هو يوشع بن نون عليه السلام . فذكر أهل الكتاب وغيرهم من أهل التاريخ ، أنه قطع بيني إسرائيل نحو نهر الأردن وانتهى إلى أريحا ، وكانت من أحصن المدائن سوراً وأعلاها قصوراً ، وأكثرها أهلاً، فحاصرها ستة أشهر . ثم إنهم أحاطوا بها يوماً وضربوا بالقرون - يعني الأبواق - وَكَّروا تكبيرة رجل واحد ، فتفسَّخ سورها وسقط وَجْبَةً واحدة ، فدخلوها وأخذوا ما وجدوا فيها من الغنائم ، وقتلوا اثني عشر ألفاً من الرجال والنساء ، وحاربوا ملوكاً كثيرة . ويقال إن يوشع ظهر على أحد وثلاين مَلكاً من ملوك الشام . وذكروا أنه انتهى محاصرته إلى يوم جمعة بعد العصر ، فلما غربت الشمس أو كادت تغرب ، ويدخل عليهم السبت الذي جعل عليهم وشرع لهم ذلك الزمان ، قال لها : إنك مأمورة وأنا مأمور ، اللهم احبسها عليَّ. فحبسها الله عليه حتى تمكن من فتح البلد ، وأمر القمر فوقف عن الطلوع ، وهذا يقتضي أن هذه الليلة كانت الليلة الرابعة عشرة من الشهر الأول وهو قصة الشمس المذكورة في الحديث الذي (١) ليست في ((أ)). - ٥١٢ - سأذكره . وأما قصة القمر فمن عند أهل الكتاب ، ولا ينافي الحديث بل فيه زيادة تستفاد فلا تصدَّق ولا تكذب . ولكن ذكرهم أن هذا في فتح أريحا فيه نظر ، والأشبه - والله أعلم - أن هذا كان في فتح بيت المقدس الذي هو المقصود الأعظم ، وفتح أريحا كان وسيلة إليه . والله أعلم . قال الإِمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، حدثنا أبو بكر ، عن هشام ، عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((إن الشمس لم تُحْبس لبشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس )) . انفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط البخاري(١). وفيه دلالة على أن الذي فتح بيت المقدس هو يوشع بن نون عليه السلام ، لا موسى ، وأن حبس الشمس كان في فتح بيت المقدس لا أريحا كما قلنا . وفيه أن هذا كان من خصائص يوشع عليه السلام ، فيدل على ضعف الحديث الذي رويناه: أن الشمس رجعت حتى صلَّى علي بن أبي طالب [ صلاة](٢) العصر، بعد ما فاته بسبب نوم النبي عّ لّ على ركبته، فسأل رسول الله أن يردها الله عليه حتى يصلي العصر فرجعت . وقد صححه أحمد(٣) بن أبي صالح المصري ولكنه ليس في شيء من الصحاح ولا الحسان ، وهو مما تتوافر الدواعي على نقله . وتفردت بنقله، امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها . والله أعلم . وقال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا مَعْمر ، عن همَّام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((غزا نبيٌّ من الأنبياء فقال لقومه : لا يتبعني رجل [ قد ](٢) ملك بُضْع امرأة، وهو يريد أن يبني بها ولمّا بَيْنِ، ولا آخرُ قد بنى بنياناً ولم يرفع سقفها ، ولا آخر قد اشترى غنماً أو خَلِفات(٤) وهو ينتظر (٥) أولادها. (١) مسند أحمد ٣٢٥/٢. (٢) ليست في ((أ)) . (٣) المطبوعة علي بن أبي صالح. وهو خطأ. صوابه من ((أ)). (٤) الخلفات : النوق الحوامل . (٥) ((أ)): وهو منتظر . - ٥١٣ - [ قال ](١): فغزا فدنا من القرية حين صُلي العصر أو قريباً من ذلك، فقال للشمس : أنت مأمورة وأنا مأمور. اللهم احبسها عليَّ شيئاً . فحبست عليه حتى فتح الله عليه ، فجمعوا ما غنموا ، فأتت النار لتأكله فأبت أن تطعمه ، فقال فيكم غُلول ، فليبايعني من كل قبيلة رجل . فبايعوه فلصقت يد رجل بيده ، فقال : فيكم الغُلُول فلتبايعْني قبيلتك ، فبايعته قبيلته ، قال فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة فقال فيكم الغلول أنتم غَلَلْتمِ . [ قال: ](١) فأخرجوا [ له ](١) مثل رأس بقرة من ذهب ، قال : فوضعوه بالمال وهو بالصعيد ، فأقبلت النار فأكلته ، لم تحلّ الغنائم لأحد من قبلنا ذلك بأن الله رأى ضَعْفنا وعجْزنا فطَّيها لنا))(٢). انفرد به مسلم من هذا الوجه(٣) وقد روى البزار من طريق مبارك بن فضالة ، عن عبيد الله عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي عَّ ◌ُّمِ نحوه. قال: ورواه محمد بن عَجْلان عن سعيد المقبري ، قال : ورواه قتادة عن سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة عن النبي صِّالله علوشلمٍ . والمقصود أنه لما دخل بهم باب المدينة أُمروا أن يدخلوها سجَّداً أي رَبَّعاً متواضعين شاكرين لله عز وجل على ما منَّ به عليهم من الفتح العظيم ، الذي كان الله وعدهم إياه، وأن يقولوا حال دخولهم: ((حِطَّة)) أي حُطَّ عنا خطايانا التي سلَفت ؛ من نُكولنا الذي تقدم منا . ولهذا [ لما ](١) دخل رسول الله عَ له مكة يوم فتحها، دخلها وهو راكب ناقته، وهو متواضع حامد شاكر، حتى إن عُثْنونه ـــ طرف لحيته ــ ليمسّ مَوْرِك (٤) رَحْله ، مما يطأطئ رأسه خضعاناً لله عز وجل ومعه الجنود والجيوش ممن لا يُرَى منه إلا الحدَق، ولا سيما الكتيبة الخضراء التي فيها رسول الله عَ ليه. ثم لما دخلها اغتسل وصلى ثماني ركعات وهي صلاة الشكر على النصر ، على المشهور (٥) (١) ليست في ((أ)) . (٢) المسند ٣١٨/٢. (٣) صحيح مسلم كتاب الجهاد باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة (٧٤/٢. ط عيسى الحلبي ) . (٥) ((أ)) : على المنصوص. (٤) المورك . - ٥١٤ - من قول العلماء . وقيل إنها صلاة الضحى ، وما حَمل هذا القائل على قوله هذا إلا لأنها وقعت وقت الضحى . • وأما بنو إسرائيل فإنهم خالفوا ما أُمروا به قولاً وفعلاً ؛ فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم [ وهم ](١) يقولون: حبة في شعرة(٢) ، وفي رواية: حنطة في شعرة. وحاصله أنهم بدَّلوا ما أُمروا به واستهزءوا به ، كما قال تعالى حاكياً عنهم في سورة الأعراف وهي مكية : ﴿وإذْ قيل لهم اسكنوا هذه القريةَ وكلوا منها حيث شِئتم ، وقولوا حِطّةٌ ، وادخلوا الباب سُجَّداً نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين * فبدَّل الذين ظلموا منهم قولاً غيرَ الذي قيل لهم ، فأرسلنا عليهم رِجْزاً من السماء بما كانوا يَظْلمون﴾ (٣). وقال في سورة البقرة وهي مدنية مخاطباً لهم: ﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القريةً فكلوا منها حيث شِئتم رَغَداً وادخلوا الباب سُنَجَّداً وقولوا حِطَّة ، نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين « فبدَّل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رِجْزاً من السماء بما كانوا يَفْسُقُون﴾ (٤). وقال الثوري عن الأعمش ، عن المِنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس: ﴿وادخلوا الباب سُجَّداً ﴾ قال : ركعاً: من باب صغير . رواه الحاكم وابن جرير وابن أبي حاتم ، وكذا روى العَوْفي عن ابن عباس ، وكذا روى الثَّوري عن ابن إسحق عن البراء . قال مجاهد والسُّدي والضحاك : والباب هو باب حطة من بيت إيلياء بيت المقدس . قال ابن مسعود : فدخلوا مُقَنِّعي رءوسهم ضد ما أُمروا به ، وهذا لا ينافي قولَ ابن عباس أنهم دخلوا يزحفون على أستاههم . وهكذا في الحديث الذي سنورده بعد ، فإنهم دخلوا يزحفون وهم مقنعوا رءوسهم . (١) من ((أ)). (٢) ((أ)) : في شعيرة . (٣) سورة الأعراف ١٦١، ١٦٢. (٤) سورة البقرة ٥٨، ٥٩ . - ٥١٥ - وقوله : ﴿وقولوا حِطّة﴾ الواو هنا حالية لا عاطفة ؛ أي ادخلوا سجداً في حال قولكم حطة . قال ابن عباس وعطاء والحسن وقتادة والربيع : أمروا أن يستغفروا . قال البخاري : حدثنا محمد ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن ابن المبارك، عن مَعْمَر، عن همَّام بن مُنَبِّهِ عن أبي هريرة عن النبي عَّ المه قال: ((قيل لبني إسرائيل: ﴿ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم ﴾ فبدلوا فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا [ حطة ](١) حبة في شعرة))(٢) .. وكذا رواه النسائي من حديث ابن المبارك ببعضه ، ورواه عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن ابن مهدي به موقوفاً . وقد قال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن همَّام بن منبه ، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله عَ لّم: ((قال الله لبني إسرائيل: ﴿ادخلوا الباب سُجَّداً وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم ﴾ فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم فقالوا حبة في شعرة)) .. ورواه البخاري ومسلم والترمذي من حديث عبد الرزاق ، وقال الترمذي حسن صحيح(٣) . وقال محمد بن إسحاق : كان تبديلهم كما حدثني صالح بن كيسان عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة وعمن لا لأنهم، عن ابن عباس أن رسول الله عد اله قال : (( ادخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجداً يزحفون على أستاههم ، وهم يقولون حنطة في شعيرة)) . وقال أسْباط عن السُّدي عن مرة عن ابن مسعود قال في قوله: ﴿فبدَّل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم﴾ قال قالوا: ((هطي سقاثا أزمة مزيا))(٤) فهي في العربية: ((حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعرة سوداء)). (١) من صحيح البخاري. (٢) صحيح البخاري كتاب التفسير، سورة البقرة. ٢٨٥/٢ (ط الأميرية). (٣) سنن الترمذي كتاب التفسير حديث رقم ٢٩٥٦. (٤) ((أ)): ((هطأ سمقانا، أدنه بزنا)). - ٥١٦ - • وقد ذكر الله تعالى أنه عاقبهم على هذه المخالفة، بإرسال الرِّجْز الذي أنزله عليهم ، وهو الطاعون ، كما ثبت في الصحيح(١) من حديث الزهري عن عامر بن سعد ، ومن حديث مالك عن محمد بن المنكدر وسالم أبي النضر ، عن عامر بن سعد، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله عَ لّم أنه قال: ((إن هذا الوجع أو السقم رجز عذِّب به بعضُ الأمم قبلكم))(٢) . وروى النسائي وابن أبي حاتم وهذا لفظه من حديث الثوري عن حبيب بن أبي ثابت ، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه ، وأسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت قالوا: قال رسول الله عَ ليه: ((الطاعون رجزُ عذاب عذِّب به من كان قبلكم )) وقال الضحاك عن ابن عباس : الرجز العذاب ، وكذا قال مجاهد وأبو مالك والسُّدي والحسن وقتادة . وقال أبو العالية : هو الغضب ، وقال الشَّعبي : الرجز إما الطاعون وإما البرد ، وقال سعيد بن جُبير هو الطاعون . ولما استقرت يد بني إسرائيل على بيت المقدس استمروا فيه ، وبين أظهرهم نبي الله يوشع يحكم بينهم بكتاب الله التوراة حتى قبضه الله إليه ، وهو ابن مائة وسبع وعشرين سنة ، فكانت مدة حياته بعد موسى سبعاً وعشرين سنة . (١) كذا في ((أ)) وفي غيرها: في الصحيحين. (٢) صحيح مسلم كتاب الطب والمرض باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها . ٢٨٥/٢ - ٢٨٦ ( ط عيسى الحلبي ) . - ٥١٧ - ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام أما الخضر : فقد تقدم أن موسى عليه السلام رحل إليه في طلب ما عنده من العلم [ اللدني ](١)، وقص الله [ من ] (١) خبرهما في كتابه العزيز في سورة الكهف ، وذكرنا في تفسير ذلك هنالك ، وأوردنا هنا ذكر الحديث المصرِّح بذكر الخضر عليه السلام ، وأن الذي رحل إليه هو موسى بن عمران نبيّ بني إسرائيل عليه السلام ، الذي أنزلت عليه التوراة . وقد اختلف في الخضر ، في اسمه ، ونسبه ، ونبوته ، وحياته إلى الآن - على أقوال - سأذكرها لك ها هنا إن شاء الله وبحوله وقوته . قال الحافظ ابن عساكر : يقال إنه الخضر بن آدم عليه السلام الصلبه ، ثم روى من طريق الدارقطني : حدثنا محمد بن الفتح القلانسيّ ، حدثنا العباس بن عبد الله الرومي ، حدثنا رَوَّاد بن الجراح ، حدثنا مقاتِل بن سليمان ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : الخضر ابن آدم لصُلبه ، ونُسىء له في أجله حتى يكذِّب الدجال . وهذا منقطع وغريب . وقال أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان السِّجستاني : سمعت مشيختنا منهم أبو عبيدة وغيره قالوا : إن أطول بني آدم عمراً الخضر ، واسمه خضرون بن قابيل بن آدم. قال: وذكر ابن إسحق: أن آدم ( عليه السلام ](١) لما حضرته الوفاة أخبر بنيه أن الطوفان سيقع بالناس ، وأوصاهم إذا كان ذلك أن يحملوا جسده معهم في (١) ليست في ((أ)). - ٥١٨ - السفينة ، وأن يدفنوه [ معهم ](١) في مكان عيَّنه لهم. فلما كان الطوفان حملوه معهم ، فلما هبطوا إلى الأرض أمر نوح بنيه أن يذهبوا ببدنه فيدفنوه حيث أوصى . فقالوا : إن الأرض ليس بها أنيس وعليها وحشة ، فحرَّضهم وحثّهم على ذلك . وقال إن آدم دعا لمن يَلي دَفنه بطول العمر ، فهابوا المسير إلى ذلك الموضع في ذلك الوقت ، فلم يزل جسده عندهم حتى كان الخضر هو الذي تولى دفنه ، وأنجز الله ما وعده ، فهو يحيا إلى ما شاء الله له أن يحيا . وذكر ابن قتيبة في المعارف عن وهب بن منبه: أن اسم الخضر ((بليا)) ويقال بليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام(٢) . وقال إسماعيل بن أبي أويس: اسم الخضر - فيما بلغنا والله أعلم - المعمر بن مالك بن عبد الله بن نصر بن الأزد . وقال غيره : هو خضرون(٣) بن عمياييل بن اليفز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل . ويقال : هو أرميا بن حلقيا . فالله أعلم . وقيل : إنه كان ابن فرعون صاحب موسى ملك مصر . وهذا غريب جداً . قال ابن الجوزي : رواه محمد بن أيوب عن ابن لَهِيعة ، وهما ضعيفان . وقيل : إنه ابن مالك وهو أخو إلياس ، قاله السُّدي كما سيأتي . وقيل إنه كان على مقدمة ذي القرنين . وقيل : كان ابن بعض من آمن بإبراهيم الخليل وهاجر معه . وقيل : كان نبيًّا في زمن بشتاسب بن بهراسب . قال ابن جرير : والصحيح أنه كان متقدماً في زمن أفريدون (٤) بن اثفيان حتى أدركه موسى عليه السلام . (١) من ((أ)). (٢) المعارف لابن قتيبة ٤٢/١. (٣) (( أ)): خضروان . (٤) تاريخ الطبري ٤١٦/١ ( ط ليدن ) : أفريذون . - ٥١٩ - وروى الحافظ ابن عساكر عن سعيد بن المسيَّب أنه قال : الخضر أمه رومية وأبوه فارسي . [ وقد ورد ما يدل على أنه كان من بني إسرائيل في زمان فرعون أيضاً . قال أبو زرعة في دلائل النبوة : حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي ، حدثنا الوليد ، حدثنا سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، عن أُبيّ بن كعب ، عن رسول الله عَ لّه: أنه ليلةَ أُسري به وجد رائحةً طيبة ، فقال : يا جبريل ما هذه الرائحة الطيبة ؟ قال : هذه ريح قبر الماشطة وابنيها وزوجها . وقال : وكان بدء ذلك أن الخضر كان من أشرف بني إسرائيل ، وكان ممّه براهب في صومعته ، فتطلع عليه الراهب فعلمه الإِسلام ، فلما بلغ الخضر زوَّجه أبوه امرأة فعلّمها الإِسلام ، وأخذ عليها أن لا تعلم أحداً ، وكان لا يقرب النساء ثم ، طلقها . ثم زوجه أبوه بأخرى فعلمها الإِسلام ، وأخذ عليها أن لا تعلم أحداً ثم طلقها ، فكتمت إحداهما وأفشت عليه الأخرى . فانطلق هارباً حتى أتى جزيرة في البحر ، فأقبل رجلان يحتطبان فرأياه فكتم أحدهما وأفشى عليه الآخر. قال: قد رأيت الخضر(١) ، قيل: ومن رآه معك؟ قال : فلان ، فسئل فكتم . وكان من دينهم أنه من كَذب قُتل ، فقتل ، وكان قد تزوج الكاتم المرأة الكاتمة . قال : فبينما هي تمشط بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها ، فقالت : تعس فرعون ، فأخبرت أباها ، وكان للمرأة ابنان وزوج ، فأرسل إليهم فراود المرأةَ زوجها أن يرجعا عن دينهما ، فأبيا ، فقال : إني قاتلكما ، فقالا : إحسان منك إلينا إن أنت قتلتنا أن تجعلنا في قبر واحد . فجعلهما في قبر واحد ، فقال : وما وجدت ريحاً أطيب منهما وقد دخلت الجنة . وقد تقدمت قصة ماشطة(٢) بنت فرعون ، وهذا المشط في أمر الخضر قد يكون مُذْرجاً من كلام أُبّ بن كعب أو عبد الله بن عباس والله أعلم. وقال بعضهم : كنيته أبو العباس ، والأشبه والله أعلم : أن الخضر لقب (١) ((أ)): العز . محرفة. (٢) الأصل والمطبوعة: ماثلة . محرفة . - ٥٢٠ -