النص المفهرس

صفحات 481-500

ذكر بناء قبة الزمان
قال أهل الكتاب : وقد أمر الله موسى عليه السلام بعمل قبة من خشب
الشمشاز وجلود الأنعام وشعر الأغنام ، وأمر بزينتها بالحرير المصبّغ والذهب والفضة
على كيفيات مفصَّلة عند أهل الكتاب ، ولها عشر سُرادقات ؛ طول كل واحد ثمانية
وعشرون(١) ذراعاً، وعرضه أربعة أذرع ولها أربعة أبواب وأطناب من حرير
ودِمَقْس(٢) مُصَبَّغ، وفيها رفوف وصفائح من ذهب وفضة ولكل زاوية بابان وأبواب
أخر كبيرة ، وستور من حرير مصبغ وغير ذلك مما يطول ذكره . وبعمل تابوت من
خشب الشمشاز يكون طوله ذراعين ونصفاً ، وعرضه ذراعين وارتفاعه ذراعاً
ونصفاً، ويكون مضيّاً بذهب خالص [ من](٣) داخله وخارجه ، وله أربع حَلَق في
أربع زواياه، ويكون على حافتيه كُرُوبَّان من ذهب - يعنون صفة ملكين
بأجنحة(٣)، وهما متقابلان صنعة(٥) رجل اسمه: ((بصليال)).
وأمره أن يعمل مائدة من خشب الشمشاز طولها ذراعان وعرضها ذراعان(٦)
ونصف ، لها ضباب ذهب وإكليل ذهب ، بشفة مرتفعة بإكليل من ذهب ، وأربع
حلق من نواحيها من ذهب ، مغرزة في مثل الرمان من خشب مُلَبَّس ذهباً . وأن
يعمل صِحَافاً ومصافي وقِصاعاً على المائدة ، ويصنع منارةً من الذهب دلِّي فيها ست
قصبات من ذهب ، من كل جانب ثلاثة ، على كل قصبة ثلاث سرج . وليكنْ في
(١) ((أ)): مائة وعشرون.
(٢) ((أ)): ونقش .
(٣) ليست في ((أ)).
(٤) قال في القاموس ((كرب)) والكروبيون: سادة الملائكة.
(٥) ((أ)): صفة.
(٦) ((ط)): طولها ذراع وعرضها ذراع ونصف.
- ٤٨١ -

المنارة أربعة قناديل ، ولتكن هي وجميع هذه الآنية من قنطار من ذهب . صنع ذلك
((بصليال)) أيضاً، وهو الذي عمل المَذْبَح أيضاً .
ونصبت(١) هذه القبة يوم سَنَتهم ، وهو أول يوم من الربيع ونصب تابوت
الشهادة، وهو - والله أعلم - المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ آية مُلْكه أن يأتيكم
التابوتُ فيه سَكِينٌ من ربّكم وبقيةٌ مما ترك آلُ موسى وآلُ هارون تَحْمله الملائكةُ إِنَّ
في ذلك لآيةً لكم إن كنتم مؤمنين ﴾(٢) .
وقد بُسط هذا الفصل في كتابهم مطولاً جداً ، وفيه شرائع لهم وأحكام وصفة
قربانِهم ، وكيفيته . وفيه أن قبة الزمان كانت موجودة قبل عبادتهم العِجْلَ الذي هو
متقدم على مجيئهم (٣) بيت المقدس ، وأنها كانت لهم كالكعبة يصلُّون فيها وإليها ،
ويتقربون عندها ، وأن موسى عليه السلام كان إذا دخلها يقفون عندها(٤) ، وينزل
عمود الغمام على بابها ، فيخُرُّون عند ذلك سُجَّداً لله عز وجل .
ويكلم الله موسى عليه السلام من ذلك العمود الغمام الذي هو نور ويخاطبه
ويناجيه ، ويأمره وينهاه ، وهو واقف عند التابوت صامد إلى ما بين الكُروبِيْنِ فإذا
فصل الخطاب يخبر بني إسرائيل بما أوحاه الله عز وجل إليه من الأوامر والنواهي .
وإذا تحاكموا إليه في شيء ليس عنده من الله فيه شيء ، يجىء إلى قُبَّةٍ
الزمان ، ويقف عند التابوت ويَصْمد لما بين ذَيْنِك الكروبِيَّيْن ، فيأتيه الخطاب بما فيه
فَصْل تلك الحكومة .
وقد كان هذا مشروعاً لهم في زمانهم ، أعني استعمال الذهب والحرير المصَبَّغ
واللآلي ، في معبدهم وعند مصلاهم ، فأما في شريعتنا فلا ، بل قد نُهينا عن زخرفة
المساجد وتزيينها ؛ لئلا تشغل المصلين ، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، لمّا
وسع في مسجد رسول الله عَّهِ، للذي وَكَّله على عمارته : ابنِ للناس ما
يُكِنُّهم ، وإياك أن تحمِّر أو تصفِّر فتفتِن الناسَ ! وقال ابن عباس: لا نُزَخْرِفتَّها كما
(١) ((ط)): ونصب.
(٢) سورة البقرة ٢٤٨ .
(٣) ((ط)) : مجيء.
(٤) ((أ)) : حولها .
- ٤٨٢ -

زخرفت اليهود والنصارى كنائسهم .
وهذا من باب التشريف والتكريم والتنزيه ، فهذه الأمة غير مشابهة من كان
قبلهم من الأمم؛ إذ جمع الله هِمَمهم(١) في صلاتهم على التوجه إليه والإقبال عليه ،
وصان أبصارهم وخواطرهم عن الاشتغال والتفكر في غير ما هم بصدده(٢) ، من
العبادة العظيمة . فلله الحمد والمنة .
• وقد كانت قبة الزمان هذه مع بني إسرائيل في التيه ، يصلُّون إليها وهي
قبلتهم وكعبتهم ، وإمامهم كليم الله موسى عليه السلام ، ومقدِّم القربان أخوه هارون
عليه السلام .
فلما مات هارون ثم موسى عليهما السلام استمرَّ بنو هارون في الذي كان يليه
أبوهم ، من أمر القربان وهو فيهم إلى الآن .
• وقام بأعباء النبوة بعد موسى وتدبير الأمر(٣) بعده فتاه يوشع بن نون عليه
السلام ، وهو الذي دخل بهم بيتَ المقدس كما سيأتي بيانه .
والمقصود هنا أنه لما استقرت يده على بيت المقدس نَصَبَ هذه القبة على
صخرة بيت المقدس فكانوا يصلُّون إليها . فلما بادَتْ صلَّوا إلى مَحلتها وهي
الصخرة ؛ فلهذا كانت قبلة الأنبياء بعده إلى زمان رسول الله عَ ليه . وقد صلى إليها
رسول الله عَّ له قبلَ الهجرة، وكان يجعل الكعبة بين يديه ، فلما هاجر أمر بالصلاة
إلى بيت المَقْدس ، فصلى إليها ستةَ عشرَ - وقيل سبعة عشر - شهراً .
ثم حولت القبلة إلى الكعبة وهي قِبْلة إبراهيم في شعبان سنة ثنتين في وقت
صلاة العصر وقيل الظهر ، كما بسطنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى : ﴿ سيقول
السفهاءُ من الناس ، ما وَلَّاهم عن قِبْلَتهم التي كانوا عليها﴾ إلى قوله: ﴿ قد نرى
تَقَلُّبَ وَجْهك في السماء فَلَنُولِّينَّكَ قِبلةً ترضاها فولِّ وجهك شَطْرَ المسجد
الحرام﴾(٢) الآيات .
(١) ((ط)): همهم.
(٢) ((أ)) : في غير ما هم فيه .
(٣) ((أ)) : الأمور .
(٤) سورة البقرة ١٤٢ - ١٤٤.
- ٤٨٣ -

قصة قارون مع موسى عليه السلام
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ قارونَ كان من قَوم موسى فبغَى عليهم ، وآتيناه من
الكنوز ما إنّ مفاتحه لتنوءُ بالعُصْبة أولي القوة ، إذ قال له قومُه لا تَفْرح إن الله لا
يحبُّ الفرِحين * وابتغٍ فيما آتاك الله الدارَ الآخرة ولا تنسَ نصيبك من الدنيا،
وأحسنْ كما أحسن الله إليك، ولا تبغِ الفسادَ في الأرض إن الله لا يحب المفسدين *
قال إنما أُوتِيتُه على علمٍ عندي أوَلم يعلم أن الله قد أهلَك مِنْ قَبله من القرون من هو
أشد منه قوةً وأكثر جمعاً ؟ ولا يُسأل عن ذنوبهم المجرمون » فخرجَ على قومه في
زينته ، قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثلَ ما أوتي قارون؛ إنه لذو حظ
عظيم . وقال الذين أوتوا العلم ويلكم، ثوابُ الله خيرٌ لمن آمنَ وعمل صالحاً ، ولا
يلقَّاها إلا الصابرون » فخسفْنا به وبداره الأرضَ ، فما كان له من فئة يَنْصرونه من
دون الله ، وما كان من المنتصرين ، وأصبحَ الذين تمنَّوا مكانَه بالأمس ، يقولون
وَيْكأنّ الله يَبْسط الرزقَ لمن يشاء من عباده وَيَقْدر ، لولا أن منَّ الله علينا لخسَف
بنا ، وَيْكأنه لا يفلح الكافرون * تلك الدارُ الآخرةُ نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في
الأَرْضِ ولا فَسَاداً والعاقبة للمتقين﴾(١) .
قال الأعمش عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بين جبير ، عن ابن عباس
قال : كان قارون ابن عم موسى ، وكذا قال إبراهيم النَّخَعي وعبد الله بن الحارث بن
نوفل ، وسِمَاك بن حَرْب وقتَادة ومالك بن دينار وابن جُرَيح وزاد فقال : هو قارون
ابن يصهب بن قاهث ، وموسى بن عمران بن قاهث .
(١) سورة القصص ٧٦ - ٨٣ .
- ٤٨٤ -

قال ابن جرير(١): وهذا قول أكثر أهل العلم : أنه كان ابن عم موسى ، وردّ
قول ابن إسحاق إنه كان عم موسى .
قال قتادة : وكان يسمى المنوّر لحسن صوته بالتوراة ، ولكن عدو الله نافقَ كما
نافق السامري ، فأهلكه البغْي لكثرة ماله . وقال شَهْر بن حَوْشَب : زاد في ثيابه
شِبراً طولاً ترفُّعاً على قومه .
وقد ذكر الله تعالى كثرة كنوزه ؛ حتى إن مفاتحه كانَ يثْقل حَمْلها على
الفِئام(٢) من الرجال الشداد، وقد قيل إنها كانت [ من الجلود وإنها كانت ](٣)
تُحمل على ستين بغلاً ، فالله أعلم .
وقد وعظه(٤) النصحاء من قومه قائلين: ﴿ لا تَفْرح ﴾ أي لا تبطر بما
أُعطيت وتفخر على غيرك، ﴿إِنَّ الله لا يحب الفَرحين * وابتغٍ فيما آتاك الله الدارَ
الآخرة ) يقولون: لتكن همتك مصروفة لتحصيل(٥) ثواب الله في الدار الآخرة ،
فإنه خير وأبقى ، ومع هذا ﴿ لا تَنْسَ نصيبك من الدنيا﴾ أي وتناول منها بمالك ما
أحلَّ الله لك، فتمتَّع لنفسك بالملاذّ الطيبة الحلال، ﴿وأحْسِنْ كما أحْسَنَ الله
إليك ﴾ أي وأحسن إلى خَلْق الله كما أحسن الله خالقُهم وبارئهم إليك، ﴿ولا تَبْغ
(١) المطبوعة: قال ابن جريج وهو تحريف. وانظر تاريخ الطبري ٥١٧/١ (ط ليدن) ونصه: ((وأما
أهل العلم من سلف أمتنا ومن أهل الكتابين فعلى ما قال ابن جريج )
ومن العجب أن أحد الذين ادعوا القيام بتحقيق ((قصص الأنبياء لابن كثير)) بعد تحقيقي وطبعي
له، وهو («عبد القادر عطا)) قد خطأ تعقيبي هذا في (طبعته) حيث قال: ((هكذا في الأصول
ابن جريج . وقد خطأه محقق الأولى - يريدني - فجعله ابن جرير . فليس ابن جرير من هذه الطبقة
أولاً (! ) وثانياً ابن جريج هو المروي عنه قبل هذا بسطر أو سطرين )) !
هكذا قال هذا ((المحقق)) ولا تعقيب لي ! فالكلام لا يحتاج إلى تعقيب !
إنما نلفت نظر القراء إلى ما أصاب تحقيق التراث من خلط وهزل ، حتى ليقول فيهم أحدهم بغير
علم ولا هدى .. ولا مراجعة ولا تثبت . فلا حول ولا قوة إلا بالله !
(٢) الفئام : الجماعة من الناس .
(٣) من ((أ)).
(٤) ((أ )) : نصحه .
(٥) ((أ)): إلى تحصيل.
- ٤٨٥ -

الفسادَ في الأرض﴾ أي ولا تسيء إليهم ولا تفسد فيهم، فتقابلهم ضدَّ ما أُمرت فيهم
فيعاقبك ويَسْلبك ما وهبك ؛ ﴿ إن الله لا يحبُّ المفسدين ﴾ .
فما كان جواب قومه لهذه النصيحة الصحيحة الفصيحة إلا أن ﴿ قال إنما
أُوتيته على عِلْمٍ عندي﴾ يعني أنا لا أحتاج إلى استماع(١) ما ذكرتم، ولا [إلى ](٢)
ما إليه أشرتم ، فإن الله إنما أعطاني هذا لعلمه أني أستحقه ، وأني أهلٌ له ، ولولا أني
حبيب إليه وحَظِيٌّ عنده لمَا أعطاني ما أعطاني .
قال الله تعالى ردًّا عليه فيما(٣) ذهب إليه: ﴿أوَلم يَعْلم أنَّ الله قد أهْلَك مِن
قَبْله من القرونِ مَنْ هو أشدُّ منه قوةً وأكثر جمعاً ولا يُسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾ أي
قد أهلكنا من الأمم الماضين بذنوبهم وخطاياهم من هو أشد من قارون قوةً وأكثر
أموالاً وأولاداً ؛ فلو كان ما قال صحيحاً لم نعاقب أحداً ممن كان أكثر مالاً منه ، ولم
يكن ماله دليلاً على محبتنا له واعتنائنا به ، كما قال تعالى: ﴿ وما أموالكم ولا أولادكم
بالتي تقرِّبكم عِنْدنا زُلْفَى إلا مَنْ آمنَ وعمل صالحاً﴾(٤)، وقال تعالى :
﴿ أَيَحْسَبُونَ أنما نمدُّهم به من مالٍ وبنين « نسارعُ لهم في الخيرات بل لا
يشعرون﴾(٥) وهذا الرد عليه يدل على صحة ما ذهبنا إليه من معنى قوله : ﴿ إنما
أوتيته على علم عندي ﴾ .
وأما من زعم أن المراد من ذلك أنه كان يعرف صنعة الكيمياء ، أو أنه كان
يحفظ الاسم الأعظم فاستعمله في جمع الأموال ، فليس بصحيح ، لأن الكيمياء
تخييل وصنعة ، لا تحيل الحقائق ، ولا تشابه صنعة الخالق (٦). والاسم الأعظم لا
يَصعد الدعاء به من كافر به ، وقارون كان كافراً في الباطن منافقاً في الظاهر . ثم لا
يصح جوابه لهم بهذا على هذا التقدير ، ولا يبقى بين الكلامين تلازم ، وقد وضحنا
هذا في كتابنا التفسير ، ولله الحمد .
(١) ((ط)): إلى استعمال.
(٢) ليست في ((أ)).
(٣) المطبوعة : وما ذهب .
(٤) سورة سبأ ٣٧ .
(٥) سورة المؤمنون ٥٥ ، ٥٦ .
(٦) ((ط)) : الخلاق.
- ٤٨٦ -

قال الله تعالى: ﴿ فخَرَج على قومه في زينته﴾ ذكر كثير من المفسرين أنه
خرج في تجمُّل عظيم ، من ملابس ومراكب وخدَم وحشَم . فلما رآه من يعظِّم زهرةَ
الحياة الدنيا تمنَّا أنْ لو كانوا مثله، وغبَطوه بما عليه وله ، فلما سمع مقالتهم العلماءُ ،
ذوو الفهم الصحيح الزهَّاد الألبَّاء ، قالوا لهم: ﴿ وَيْلَكُم ثوابُ الله خير لمن آمنَ
وعمل صالحاً ﴾ أي ثواب الله في الدار الآخرة خير وأبقى وأجلُّ وأعلى. قال الله
تعالى: ﴿ ولا يُلقَّاها إلا الصابرون﴾ أي وما يلقَّى هذه النصيحة وهذه المقالة،
وهذه الهمة السامية إلى الدار الآخرة العليّة ، عند النظر إلى زهرة هذه الدنيا الدنية
[ إلا من هَدى الله قلبه وتَبَّت فؤاده، وأَيَّد لُبَّه وحقق مراده ](١) .
وما أحسن ما قال بعض السلف : إن الله يحب البَصَر النافذ عند ورود
الشُّبهات ، والعقل الكامل عند حلول الشهوات !
قال الله تعالى: ﴿ فَخَسفْنا به وبداره الأرضَ فما كان له من فِئة يَنْصُرونه من
دونِ الله وما كان من المُنْتصِرِينَ ﴾ .
لمَّا ذكر تعالى خروجه في زينته واختياله فيها ، وفَخْره على قومه بها قال :
فخسَفْنا به وبداره الأرضَ ﴾ كما روى البخاري من حديث الزهري عن سالم عن
أبيه عن النبي عَ لّه قال: ((بَيْنا رجل يجرُّ إزاره إذ ◌ُسف به فهو يتجلجل في الأرض
إلى يوم القيامة)) .
ثم رواه البخاري من حديث جرير بن زيد ، عن سالم ، عن أبي هريرة عن
النبي عَِّ نحوه. وقد ذكر [عن ](٢) ابن عباس والسُّدي: أن قارون أعطى امرأة
بغيًّا مالاً على أن تقول لموسى عليه السلام وهو في ملأ من الناس : إنك فعلت بي
كذا وكذا ، فيقال إنها قالت له ذلك ، فأُرعِد من الفَرق وصلى وركعتين ، ثم أقبل
عليها فاستَحلفها مَنْ دَلَّك على ذلك ، وما حملكِ عليه ، فذكرت أن قارون هو الذي
حملها على ذلك . واستغفرت الله وتابت إليه . فعند ذلك خر موسى لله ساجداً ،
ودعا الله على قارون . فأوحى الله إليه : إني قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه ، فأمر
(١) ليست في ((أ)).
(٢) سقطت من المطبوعة.
- ٤٨٧ -

موسى الأرض أن تبتلعه وداره ، فكان ذلك . فالله أعلم .
وقد قيل إن قارون لما خرج على قومه في زینته مرَّ بجحفله وبغاله وملابسه على
مجلس موسى عليه السلام ، وهو يذكِّر قومه بأيام الله . فلما رآه الناس انصرفت وجوه
كثير منهم (١) ينظرون إليه، فدعاه موسى عليه السلام فقال له: ماحَمَلك على
هذا؟ فقال : يا موسى أمَا لئن كنت فضِّلت عليّ بالنبوة ، فقد فُضِّلت عليك
بالمال ، ولئن شئت لتخرجن فَلْتدعون عليَّ وْأَدْعُونَّ عليك.
فخرج [ موسى ](٢) وخرج قارون في قومه ، فقال له موسى: تدعو أو أدعو
أنا ؟ قال : أدعو أنا ، فدعا قارونُ فلم يُجَبْ له في موسى ، فقال موسى : أدعو ؟
قال : نعم . فقال موسى : اللهم مُر الأرض فلتطعني اليومَ . فأوحى الله إليه أني قد
فعلت . فقال موسى : يا أرض خذيهم . فأخذتهم إلى أقدامهم ، ثم قال : خذيهم .
فأخذتهم إلى رُكَبهم ، ثم إلى مناكبهم . ثم قال : أقبلى بكنوزهم وأموالهم ، فأقبلت
بها حتى نظروا إليها ، ثم أشار بيده فقال : اذهبوا بني لاوي . فاستوت بهم الأرض.
وقد روي عن قتادة أنه قال : يُخسف بهم كلَّ يوم قامة إلى يوم القيامة . وعن
ابن عباس أنه قال : خسف بهم إلى الأرض السابعة . وقد ذكر كثير من المفسرين
ها هنا إسرائيليات كثيرة ، أضربنا عنها صفحاً وتركناها قصداً .
وقوله تعالى: ﴿ فما كان له مِن فِئَةٍ يَنْصُرونه من دونِ الله وما كان من
المُنْتَصِيرِين﴾ لم يكن له ناصر من نفسه ولا من غيره كما قال: ﴿ فما له من قوةٍ ولا
ناصرٍ ﴾(٣).
ولما حلّ به ما حل من الخسف وذهاب الأموال وخراب الدار ، وإهلاك
النفس والأهل والعقار ، ندم من كان تمنَّى مثل ما أوتي ، وشكروا الله تعالى الذي
يدبِّر عباده بما يشاء من حسن التدبير المخزون، ولهذا قالوا: ﴿ لولا أن منَّ الله علينا
(١) ((أ)) : كثير من الناس.
(٢) ليست في (( أ)) .
(٣) سورة الطارق ١٠ .
- ٤٨٨ -

لخسَف بنا وَيْكَأنه لا يفلح الكافرون﴾ وقد تكلمنا على لفظ ويكأن في التفسير ،
وقد قال قتادة : ويكأن بمعنى ألم تر أن . وهذا قول حسَن من حيث المعنى . والله
أعلم .
ثم أخبر تعالى: أن ﴿ الدار الآخرة﴾ وهي دار القرار، وهي الدار التي
يُغبط من أُعطيها ويعزَّى(١) من حُرمها إنما هي مُعَدَّة ﴿اللَّذين لا يريدون علوًّا في
الأرضِ ولا فساداً ﴾. فالعلو [هو](٢) التكبر والفخر والأشر والبطر.
والفساد هو عمل المعاصي اللازمة والمتعدّية ، من أخذ أموال الناس وإفساد
معايشهم، والإساءة إليهم وعدم النصح لهم .
ثم قال تعالى: ﴿ والعاقبةُ للمتقين﴾.
وقصة قارون هذه قد تكون قبل خروجهم من مصر ، لقوله : ﴿ فخسَفْنا به
وبدارِهِ الأرضَ ﴾ فإن الدار ظاهرة في البنيان ، وقد تكون بعد ذلك في التِّيه ، وتكون
الدار عبارة عن المحلة التي تُضرب فيها الخيام ؛ كما قال عنترة :
يا دارَ عَبْلَة بالجِوَاء تكلَّمِي وعِمي صباحاً دارَ عَبْلَة واسلمِي(٢)
والله أعلم .
وقد ذكر الله تعالى مذمَّةَ قارون في غير ما آية من القرآن ، قال الله: ﴿ ولقد
أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحرٌ
كذاب ﴾(٣) .
وقال تعالى في سورة العنكبوت بعد ذكر عاد وثمود: ﴿وقارونَ وفرعون وهامان
ولقد جاءهم موسى بالبينات ، فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين * فكلًّا أخذْنا
بذنبه ، فمنهم من أرسلنا عليه حاصِباً ، ومنهم من أخذتْه الصَّيحةُ ، ومنهم من
خسّفْنا به الأرض ، ومنهم من أغَقْنَا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسَهم
(١) يريد : يرثي لحاله .. وإلا فأي عزاء يتعزى به ؟!
(٢) ليست في ((أ)) .
(٣) شرح المعلقات السبع للزوزني ص ١٣٧.
(٤) سورة غافر ٢٣، ٢٤.
- ٤٨٩ -

يَظلمون﴾(١).
فالذي خُسف به الأرض قارون كما تقدم ، والذي أُغرق فرعون وهامان
وجنودهما إنهم كانوا خاطئين .
وقد قال الإِمام أحمد : حدثنا أبو عبد الرحمن ، حدثنا سعيد ، حدثنا كعب
ابن علقمة ، عن عيسى بن هلال الصدفيّ ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي
عَ لِ أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: ((من حافظَ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم
القيامة ، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة ، وكان يوم القيامة مع
قارون وفرعون وهامان وأُبِّ بن خلف))(٢).
انفرد به أحمد رحمه الله .
٠٠٫٫٠٠٠.
(١) سورة العنكبوت ٣٩، ٤٠.
(٢) مسند أحمد ١٦٩/٢ (ط الميمنية).
- ٤٩٠ -

باب ذكر فضائل موسى عليه السلام وشمائله وصفاته ووفاته
قال الله تعالى: ﴿واذكر في الكِتَابِ موسى إنه كان مُخْلصاً وكان رسولاً نبيًّا
* وناديناه من جانب الطُّورِ الأَيْمَنِ وقَرَّبْنَاه نجيًّا » ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون
نبيًّا﴾(١). وقال تعالى: ﴿ قال يا موسى إني اصطفيتُكَ على الناس برسالاتي
وبِكَلامي فخذْ ما آتيتك وكن من الشاكرين ﴾(٢) .
وتقدم في الصحيحين عن رسول الله عَ ل أنه قال: ((لا تفضِّلوني على
موسى ؛ فإن الناس يُصْعَقُون يومَ القيامة فأكونُ أولَ من يفيق ، فأجد موسى باطشاً
بقائمة العرش ، فلا أدري أَصُعِقَ فأفاق قَبلي ؟ أم جُوزِيَ بِصَعْقة الطور؟))(٣) .
وقد قدمنا أنه من رسول الله عَ لّم من باب الهضم والتواضع، وإلا فهو
- صلوات الله وسلامه عليه - خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة ،
[ قطعاً ](٤) جزماً لا يحتمل النقيض .
وقال تعالى: ﴿ إِنا أَوْحَيْنَا إليكَ كما أوحينا إلى نوحٍ والنبيين من بَعْدِهِ وأوحينا
إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ والأسباط﴾ إلى أن قال: ﴿رُسُلاً قد
قصَصْناهم عليكَ من قبلُ ، ورُسُلاَّ لم نَقْصُصْهُم عليك، وَكلَّم الله موسى
تكليماً ﴾(٥) .
وقال تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تَكُونوا کالذين آذَوْا موسى فبرَّأه الله مما
قالوا ، وكان عند الله وَجِيهاً﴾(٦).
(١) سورة مريم ٥١، ٥٢.
(٢) سورة الأعراف ١٤٤ .
(٣) سبق تخريج هذا الحديث قريباً.
(٤) ليست في ((أ)).
(٥) سورة النساء ١٦٤
(٦) سورة الأحزاب ٦٩ .
- ٤٩١ -

قال الإِمام أبو عبد الله البخاري : حدثنا إسحق بن إبراهيم بن رَوْح بن
عُبادة ، عن عوف عن الحسن ومحمد وخلاس ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله
عَ ◌ّمِ: ((إن موسى كان رجلاً حَيياً سِتْبراً لا يُرى [من](١) جلده شيء استحياءً
منه . فآذاه من آذاه من بني إسرائيل ، فقالوا ما يستتر هذا التستر إلا من عيب
بجلده ، إما بَرَص ، وإما أدَرةٍ(٢) وإما آفة، وإن الله عز وحل أراد أن يبرئه مما قالوا
لموسى ، فخلا يوماً وحدَه ، فوضع ثيابه على الحجَر ثم اغتسل ، فلما فرغ أقبل على
ثيابه ليأخذها ، وإن الحجر عَدا بثوبه ، فأخذ موسى عصاه وطلَب الحجر فجعل
يقول : ثوبي حَجَر ، ثوبي حجر ! حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عُرْياناً
أحسنَ ما خلق الله، وبرأه [الله](٣) مما يقولون، وقام الحَجرُ (٤) فأخذ ثوبه
فلبسه ، وطفق بالحجر ضرباً بعصاه ، فوالله إن بالحجر لندَباً من أثَر ضربه ثلاثاً أو
أربعاً أو خمساً . فذلك قوله عز وجل: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذَوْا
موسى فبرّه الله مما قالوا وكان عند الله وَجِيهاً ﴾.
وقد رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن شقيق وهمَّام بن منبه عن أبي
هريرة به(٥) . وهو في الصحيحين من حديث عبد الرزاق عن مَعْمَر عن همام عنه
به . ورواه مسلم من حديث عبد الله بن شقيق العقيلي عنه (٦) .
● قال بعض السلف : كان من وجاهته أنه شفع في أخيه عند الله ، وطلب
منه أن يكون معه وزيراً، فأجابه الله إلى سؤاله وأعطاه طلبته وجعله نبيًّا ، كما قال :
ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيًّا ﴾ .
ثم قال البخاري : حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة عن الأعمش(٧) قال سمعت
(١) سقطت من الأصل وأثبتها من صحيح البخاري ١١٨/٢ (ط الأميرية).
(٢) الأدرة : انتفاخ الخصية .
(٣) من ((أ)) ورواية البخاري: وأبرأه مما يقولون.
(٤) هكذا الرواية في صحيح البخاري . والمراد : استقر الحجر بعد أن كان يتحرك بفعل الهواء .
(٥) مسند أحمد ٣١٥/٢، ٣٢٤. كما رواه أحمد أيضاً عن عوف عن الحسن عن أبي هريرة ٥١٤/٢ .
(٦) صحيح مسلم كتاب الفضائل ٣٤٣/٢ (ط عيسى الحلبي) .
(٧) ((أ)) : حدثنا الأعمش.
- ٤٩٢ -

أبا وائل ، قال سمعت عبد الله، قال: قسمَ رسول الله عَ لِ قَسْماً، فقال رجل:
إِنَّ هذه لقَسمةٌ(١) ما أريد بها وجه الله، فأتيتُ النبيَّ عَ لِ فأخبرته فغضب، حتى
رأيت الغضبَ في وجهه، ثم قال: (( يرحم الله موسى قد أوذي(٢) بأكثر من هذا
فصبر)) .
وكذا رواه مسلم من غير وجه عن سليمان بن مهران الأعمش به (٤).
وقال الإِمام أحمد : حدثنا حجاج (٤) ، سمعت إسرائيل بن يونس ، عن الوليد
ابن أبي هاشم مولى الهمداني(٥) ، عن زيد بن أبي زائد، عن عبد الله بن مسعود
قال: قال رسول الله عَ له لأصحابه: ((لا يبلغني أحدٌ عن أحد شيئاً، فإني أحب
أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر )). قال: وأنى رسولَ الله عَ لّه مال فقسمه،
قال : فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه : والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله
ولا الدارَ الآخرة ، فثبتُّ حتى سمعت ما قالا ، ثم أتيت رسول الله فقلت يا رسول
الله ! إنك قلت لنا لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً . وإني مررت بفلان
وفلان وهما يقولان كذا وكذا . فاحمّ وجه رسول الله عَّ المه وشقَّ عليه ، ثم قال:
((دَعْنا منك فقد أوذي موسى أكثر من ذلك فصبر!))(٦) .
وهكذا رواه أبو داود والترمذي من حديث إسرائيل عن الوليد بن أبي هاشم
به . وفي رواية للترمذي وأبي داود من طريق ابن عبد عن إسرائيل عن السُّدي عن
الوليد به . وقال الترمذي : غريب من هذا الوجه .
وقد ثبت في الصحيحين في أحاديث الإِسراء أن رسول الله عد اله مرّ بموسى
(١) ((ط)): قسمة. وما أثبته عن ((أ)) موافق لرواية البخاري ٢٢٨/٢ (ط الأميرية).
(٢) ((أ)): لقد أوذي .
(٣) صحيح مسلم كتاب الزكاة حديث رقم ١٤٠، ١٤١ (٤٢٥/١ ط عيسى الحلبي ) .
(٤) الأصل : حدثنا أحمد بن حجاج . وهو تحريف . وما أثبته من المسند ٣٩٥/١ .
(٥) الأصل والمطبوعة: مولى لهمدان. وما أثبته من المسند ٣٩٦/١.
(٦) مسند أحمد ٣٩٦/١ .
- ٤٩٣ -

وهو قائم يصلِّي في قبره . ورواه مسلم عن أنس . وفي الصحيحين من رواية قتادة
عن أنس عن مالك بن صَعْصعة عن النبي عَّلم أنه مر ليلة أسري به بموسى في
السماء السادسة ، فقال له جبريل: هذا موسى، فسلِّم عليه. قال: ((فسلَّمتُ
عليه فقال : مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح ، فلما تجاوزتُ بكى . قيل له : ما
يبكيك ؟ قال : أبكي لأن غلاماً بُعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها
من أمتي !)).
وذكر إبراهيم في السماء السابعة . وهذا هو المحفوظ .
وما وقع في حديث شريك بن أبي نمر ، عن أنس ، من أن إبراهيم في
السادسة وموسى في السابعة ، بتفضيل كلام الله - فقد ذكر غير واحد من
الحفاظ : أن الذي عليه الجادة : أن موسى في السادسة وإبراهيم في السابعة ، وأنه
مُسْندٌ ظهرَه إلى البيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة ثم لا
يعودون إليه آخر ما عليهم .
واتفقت الروايات كلها على أن الله تعالى لمّا فرض على محمد عَ له وأمته
خمسين صلاة في اليوم والليلة - مَرَّ(٢) بموسى، فقال: ارجع إلى ربك فسَلْه
التخفيفَ لأمتك ، فإني قد عالجتُ بني إسرائيل قبلك أشدَّ المعالجة ، وإن أمتك
أضعف أسماعاً وأبصاراً وأفئدة . فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله عز وجل ، ويخفف
عنه في كل مرة ، حتى صارت إلى خمس صلوات في اليوم والليلة . وقال الله تعالى :
هي خمس وهي خمسون أي بالمضاعفة .
فجزى الله عنا محمداً عَ لَّه خيراً، وجزى الله عنا موسى عليه السلام خيراً .
وقال البخاري: حدثنا مُسَدَّد، حدثنا حُصَين بن نُمَيرعن حُصَيْن بن
عبد الرحمن ، عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: خرج علينا رسول الله عد اله
(١) صحيح مسلم كتاب الفضائل باب من فضائل موسى: ٣٤٥/٢ (ط عيسى الحلبي) .
(٢) ((أ)) : فمر .
- ٤٩٤ -

يوماً فقال: (( عُرضت علَّ الأممُ ورأيت سَواداً كثيراً سَدَّ الأُفقَ ، فقيل هذا موسى
في قومه )» .
هكذا روى البخاري هذا الحديث هاهنا مختصراً(١).
وقد رواه الإِمام أحمد مطولاً فقال: حدثنا سُرَيْج(٢)، حدثنا هُشَيْم(٣) ،
حدثنا حصين بن عبد الرحمن ، قال : كنت عند سعيد بن جبير فقال : أيكم رأى
الكوكب الذي انقضَّ البارحةَ ؟ قلت: أنا ، ثم قلت : [ أما ](٤) إني لم أكن في
صلاة ولكن لُدغت . قال : وكيف فعلتَ ؟ قلت : استرقيتُ . قال : وما حمَلك
على ذلك ؟ قال : قلت : حديث حدثناه الشَّعبي عن بريدة الأسلمي أنه قال :
(( لا رُقْية إلا من عينٍ أو حِمَة))؛ فقال سعيد - يعني ابن جبير ـــ قد أحسنَ من
انتهى(٥) إلى ما سمع .
ثم قال : حدثنا ابن عباس عن النبي عَ ◌ّه قال: عُرضت عليَّ الأممُ فرأيت
النبي ومعه الرَّهْط ، والنبي معه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد، إذ رُفع إليَّ
سواد عظيم فقلت هذه أمتي ؟ فقيل : هذا موسى وقومه ، ولكن انظر إلى الأفق ،
فإذا سواد عظيم ، فقيل : هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب
ولا عذاب .
ثم نهض رسول الله عَّ فدخل ، فخاض القوم في ذلك ، فقالوا: مَنْ هؤلاء
الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ؟ فقال بعضهم : لعلهم الذين صحبوا
النبَّ عَ لِه. وقال بعضهم: لعلهم الذين ولدوا في الإِسلام ولم يشركوا بالله شيئاً
قط ، وذكروا أشياء .
(١) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق ( باب وفاة موسى وذكره بعد ) ١١٩/٢ (ط الأميرية).
(٢) الأصل والمطبوعة: شريح. وهو تحريف. وما أثبته من مسند أحمد ٢٧١/١ .
(٣) الأصل والمطبوعة: هشيم. محرفة. وما أثبته من المسند ٢٧١/١ .
(٤) من المسند .
(٥) الأصل والمطبوعة: من أنهى . وهو تحريف . وما أثبته من المسند .
- ٤٩٥ -

فخرج إليهم رسول الله عَّهِ فقال: ما هذا الذي كنتم تخوضون فيه ؟
فأخبروه بمقالتهم فقال: (( هم الذين لا يَكْتوون ولا يَسْتَرقون ولا يتطيَّرون وعلى ربهم
يتوكلون)). فقام عُكَّاشة بن مِحْصَن(١) الأسدي، فقال: أنا منهم يا رسول الله ؟
قال: أنت منهم. ثم قام آخر فقال: أنا منهم يا رسول الله؟ قال: (( سبقَك بها
عُكَّاشة ))(٢) .
وهذا الحديث له طرق كثيرة جداً وهو في الصحاح والحسان وغيرها وقد
أوردناها في باب صفة الجنة عند ذكر أحوال القيامة وأهوالها(٣).
• وقد ذكر الله تعالى موسى عليه السلام في القرآن كثيراً، وأثنى عليه وأورد
قصته في كتابه العزيز مِراراً، وكَرَّرها كثيراً ، مطوّلةً ومبسوطة ومختصرة ، وأثنى عليه
[ ثناءً ] يَلِيغاً .
وكثيراً ما يقرنه الله ويذكره، ويذكر كِتابه مع محمد عَّ له وكتابه، كما قال في
سورة البقرة: ﴿ ولمَّا جاءهم رسولٌ من عند الله مصدِّق لما معهم نَبِذَ فريقٌ من
الذين أوتوا الكتابَ كتابَ الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ﴾(٤).
وقال تعالى: ﴿آلم الله لا إله إلا هو الحيُّ القُّوم * نَّل عليك الكتابَ بالحق
مصدِّقاً لما بَيْنَ يدَيْه ، وأنزلَ التوراةَ والإِنجيل * من قَبَّلُ هُدَّى للناس وأنزل الفرقانَ ،
إن الذين كفروا بآياتِ الله لهم عذابٌ شديد والله عزيزٌ ذو انتقام ﴾(٥).
وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿ وما قَدروا الله حقَّ قَدْره إذ قالوا ما أُنزل اللهُ
على بشَرٍ من شيء ، قُلْ من أنزلَ الكتابَ الذي جاء به موسى نوراً وهدّى للناس ،
تَجْعلونه قراطيسَ تُبْدُونها وتُخْفون كثيراً، وعُلِّمتم ما لم تَعْلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ،
ثم ذَرْهم في خوضهم يلعبون « وهذا كتابٌ أنزلناه مبارك مُصدقُ الذي بين يديه
ولُْذر أُمَّ القُرى ومَن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم
يحافظون
(١) المطبوعة : ابن محيصن . وهو خطأ.
(٢) المسند ٢٧١/١.
(٣) وذلك في كتاب النهاية للمؤلف .
(٤) سورة البقرة ١٠١ .
(٥) سورة آل عمران ١ - ٤ .
(٦) سورة الأنعام ٩١، ٩٢ .
- ٤٩٦ -

فأثنى الله تعالى على التوراة ، ثم مدح القرآنَ العظيم مَدْحاً عظيماً .
وقال تعالى في آخرها: ﴿ ثم آتينا موسى الكتابَ تَماماً على الذي أَحْسَن
وتفصيلاً لكلِّ شيء، وهُدًى ورحمةً لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون * وهذا كتاب أنزلناه مبارك
فاتبعوه واتقوا لعلكم تُرحمون ﴾(١) .
وقال تعالى في سورة المائدة : ﴿ إنا أنزلنا التوراةَ فيها ھدی ونور یەکم بها
النبيون الذين أسلموا للذين هادُوا والربانيون والأحبارُ بما استحفظوا من كتابِ الله
وكانوا عليه شهداءَ ، فلا تخشَوا الناسَ واخشونِي ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ومن لم
يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ إلى أن قال: ﴿وليحكم أهلُ الإِنجيل بما
أنزل الله فيه ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون * وأنزلنا إليك الكتاب
بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه(٢)) الآية.
فجعل القرآن حاكماً على سائر الكتب غيره ، وجعله مصدِّقاً لها ومبيناً ما
وقع فيها من التحريف والتبديل ؛ فإن أهل الكتاب استحفظوا على ما بأيديهم من
الكتب ، فلم يَقْدروا على حفظها ولا على ضبطها وصَوْنها ، فلهذا دخلها ما دخلها
من تغييرهم وتبديلهم ؛ لسوء فهمهم(٣) وقصورهم في علومهم ، ورداءة قصودهم
وخيانتهم لمعبودهم ، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة . ولهذا يوجد في كتبهم
من الخطأ البيِّن على الله وعلى رسوله - ما لا يُحَدّ ولا يوصف، وما لا يوجد(٤) مثله
ولا يعرف .
وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقانَ وضياءً
وذكرى للمتقين * الذين يَخْشَوْنَ ربَّهم بالغيبِ وهم من الساعة مُشْفقون * وهذا
ذِكْرٌ مبارَك أنزلناه أَفأنتم له مُنْكِرُون﴾(٥) .
وقال الله تعالى في سورة القصص: ﴿ فلما جاءهم الحقّ من عندنا قالوا لولا
(١) سورة الأنعام ١٥٤، ١٥٥ .
(٢) سورة المائدة ٤٧، ٤٨ .
(٣) ((أ)): لسوء فهومهم .
(٤) ((أ)) : ولا يوجد .
(٥) سورة الأنبياء ٤٨ - ٥٠ .
- ٤٩٧ -

أُوتِيَ مثلَ ما أُوتِي موسى ، أوَلَم يَكْفُروا بما أوتي موسى من قبلُ قالوا سِحْران تظاهرا
وقالوا إنا بكلِّ كافرون « قُلْ فَأُتُوا بكتابٍ من عند الله هو أهْدَى منهما أَتَّبِعْه إن كنتم
(١)
صادقين .
فأثنى الله على الكتابين وعلى الرسولين عليهما السلام .
وقالت الجن لقومهم: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا كتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدٍ موسى﴾(٢). وقال
ورقة بن نوفل لمّا قصَّ عليه رسولُ الله عَ لِّ خبرَ ما رأى من أول الوحي وتلا عليه:
اقرأ باسم ربك الذي حَلق * خلق الإِنسانَ مِنْ عَلَق * اقرأ وربُّك الأكرمُ * الذي
عِلَّم بالقلم * علَّم الإِنسانَ ما لم يعلم﴾(٣) قال: سُبُوح سبوح ، هذا الناموس الذي
أُنزل على موسى بن عمران .
وبالجملة فشريعة موسى عليه السلام كانت [شريعة](٤) عظيمة، وأمته
كانت أمة كثيرة، ووجد فيها أنبياء وعلماء، وعُبَّاد وزهاد وألِبَّاء ، وملوك وأمراء ،
وسادات وكبراء ، لكنهم كانوا فبادُوا، وتبدَّلوا كما بُدِّلت شريعتهم ومُسِخوا قردةً
وخنازير ، ثم نُسخت بعد كل حساب ملتُهم ، وجرت عليهم خطوبٌ وأمور يطول
ذكرها . ولكن سنورد ما فيه مَقْنع لمن أراد أن يبلغه خبرها إن شاء الله ، وبه الثقة
وعليه التكلان .
(١) سورة القصص ٤٨، ٤٩.
(٢) سورة الأحقاف ٣٠.
(٣) سورة العلق ١ - ٥ .
(٤) سقطت من المطبوعة .
- ٤٩٨ -

ذكر حجّه عليه السلام إلى البيت العتيق [وصفته ](١)
قال الإِمام أحمد : حدثنا هشيم ، حدثنا داود(٢) بن أبي هند، عن أبي
العالية، عن ابن عباس، أن رسول الله عَ ليه مرَّ بوادي الأزرق فقال: ((أيّ واد
هذا؟)) قالوا: وادي الأزرق، قال: ((كأني أنظر إلى موسى وهو هابط من الثَّنّة،
وله جوار إلى الله عز وجل بالتلبية))، حتى أتى على ثنية هَرْشَاء فقال: ((أيّ ثَنِيَّة
هذه؟)) قالوا: هذه ثنية هرشاء، قال: ((كأني أنظر إلى يونس بن مَتَّى على ناقة
حمراء [ جَعْدة](٣)، عليه جُبة من صوف، خُطام ناقته خُلْبة)) - قال هشيم:
يعني ليفاً ــ وهو يلِي.
أخرجه مسلم من حديث داود بن أبي هند به(٤) .
وروى الطبراني عن ابن عباس مرفوعاً ((أن موسى حجَّ على ثور أحمر))،
وهذا غريب جداً .
وقال الإِمام أحمد : حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن ابن عون ، عن مجاهد
قال : كنا عند ابن عباس فذكروا الدجال ، فقالوا (٥) : إنه مكتوب بين عينيه
((ك ف ر)) قال: ما يقولون؟ قال: يقولون مكتوب بين عينيه ((ك ف ر)) فقال
ابن عباس: لم أسمعه قال ذلك ولكن قال: ((أمَّا إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم ،
وأما موسى فرجل آدم جَعْد [ الشعر](٦) على جمل أحمر مخطوم بخُلبة ، كأني أنظر
إليه وقد انحدر في (٧) الوادي يلِي))، قال هُشَيم: الخُلْبة: الليف.
(١) من ((أ)).
(٢) مسند الإمام أحمد ٢١٥/١: أنبأنا أبو داود. وهو خطأ. وفي ميزان الاعتدال ١١/٢: ((داود بن
أبي هند حجة )) ما أدري لِمَ لم يخرج له البخاري .
(٣) من مسند الإمام أحمد ٢١٦/١.
(٤) صحيح مسلم كتاب الإِيمان حديث رقم ٢٦٨، ٢٦٩ (٨٥/١ ط عيسى الحلبي ).
(٥) الأصل: فقال . وما أثبته من مسند الإمام أحمد ٢٧٦/١ .
(٦) ليست في ((أ)) ولا في مسند أحمد .
(٧) الأصل : من الوادي . وما أثبته من المسند ٢٧٦/١ .
- ٤٩٩ -

ثم رواه الإِمام أحمد عن أسود ، عن إسرائيل ، عن عثمان بن المغيرة ، عن
مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله عَ لّم: ((رأيت عيسى بن مريم وموسى
وإبراهيم : فأما عيسى فأحمر(١) جَعْد عريض الصدر، وأما موسى فآدَم ◌َسِيم سَبْط ،
قالوا فإبراهيم ؟ قال : انظروا إلى صاحبكم )).
وقال الإِمام أحمد : حدثنا يونس ، حدثنا شيبان قال : حدث قتَادة عن أبي
العالية، حدثنا ابن عم نبيكم (٢) ابن عباس قال: قال رسول الله عَ ليه: ((رأيت
ليلةً أُسري بي موسى بن عمران رجلاً [ آدم](٣) طِوَالاً جَعْداً، كأنه من رجال
شَنُوءة ، ورأيت عيسى بن مريم مَرْبُوع (٤) الخَلْق إلى الحمرة والبياض ، سَبط(٥)
الرأس))(٦) .
وأخرجاه من حديث قتَادة به .
وقال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق حدثنا مَعْمَر قال الزهري : وأخبرني
سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له حين أسري به: ((لقيت
موسى ، قال فنعتَه ؛ فإذا رجل - حسبته قال ــ مُضْطرب(٧)، رَجِلُ الرأس كأنه
من رجال شنوءة، ولقيت عيسى، فنعته رسول الله عَ له فقال: رَبعة أحمر كأنما
خرج (٨) من دِيمَاس ، يعني الحمَّام، قال: ورأيت إبراهيم وأنا(٩) أشبه ولده به)).
الحديث(١٠) .
وقد تقدم غالب هذه الأحاديث في ترجمة الخليل .
(١) ((أ)) : فأبيض .
(٢) ((أ)): ابن عمكم . محرفة .
(٣) ما أثبته من مسند أحمد ٢٤٥/١.
(٤) المربوع : الوسط بين الطويل والقصير .
(٥) السبط : المسترسل ، نقيض الجعد .
(٦) المسند ٢٤٥/١ .
(٧) المضطرب : الطويل مع رخاوة .
(٨) المسند : كأنه أخرج .
(٩) المسند : فأنا أشبه .
(١٠) المسند ٢٨٢/٢.
- ٥٠٠ -