النص المفهرس
صفحات 441-460
فذكر أن هذا الحيوان لا يتكلم ولا يرد جواباً ، ولا يملك ضرًّا ولا نفعاً ، ولا يهدي إلى رشد ، اتخذوه وهم ظالمون لأنفسهم ، عالِمون في أنفسهم بُطْلان ما هم عليه من الجهل والضلال . ولما سُقِطَ في أيديهم﴾ أي ندموا على ما صنعوا ﴿ورأوا أنهم قد ضَلُّوا قالوا لئن لم يَرْحمنا رُبُّنَا ويغفرْ لنا لنكونَنَّ من الخاسرين﴾. ولما رجع موسى عليه السلام إليهم ، ورأى ما هم عليه من عبادة العجل ، ومعه الألواح المتضمنة التوراة ، ألقاها ، فيقال إنه كسَرها . وهكذا هو عند أهل الكتاب ، وإن الله أبدله غيرها ، وليس في اللفظ القرآني ما يدل على ذلك، إلا أنه ألقاها حين عايَن ما عاين . وعند أهل الكتاب: أنهما كانا لَوْحَيْن ، وظاهر القرآن أنها ألواح متعددة . ولم يتأثر بمجرد الخبر من الله تعالى عن عبادة العجل ، فأمره بمعاينة ذلك . ولهذا جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان عن ابن عباس قال : قال رسول الله عَّله: ((ليس الخبر كالمعاينة))(١). ثم أقبل عليهم فعنَّفهم وونخهم [وهجَّنهم ](٢) في صنيعهم هذا القبيح فاعتذروا إليه ، بما ليس بصحيح، ﴿ قالوا إنا حُمِّلنا أوزاراً من زينة القوم فقذَفْناها فكذلك أُلْقَى السامريّ﴾ تحرجوا من تملّك حُلي آلٍ فرعون وهم أهل حَرْب ، وقد أمرهم الله بأخذه وأباحه لهم ، ولم يتحرجوا بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم من عبادة العجل الجسد الذي له خُوار ، مع الواحد الأحد الفرد الصمد القهار ! ثم أقبل على أخيه هارون عليهما السلام قائلاً له : ﴿ يا هارون ما منعك إذْ (١) مسند أحمد ٢١٥/١، ٢٧١. والمستدرك للحاكم ٣٢١/٢. (٢) ليست في ((أ)) . - ٤٤١ - رأيتَهم ضَلُّوا أن لا تتبعن﴾ أي هلَّا لما رأيت ما صنعوا اتبعتني فأعلَّمْتَنِي بما فعلوا . فقال : ﴿ إني خشيتُ أن تقولَ فَّقتَ بين بني إسرائيل﴾ أي تركتهم وجئتني وأنت قد استخلفتني فيهم . قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين ﴾ وقد كان هارون عليه السلام نهاهم عن هذا الصنيع الفظيع أشد النهي ، وزجَرهم عنه أتمّ الزجر . قال الله تعالى: ﴿ولقد قال لهم هارونُ من قبلُ يا قوم إنما فُتِْتُم به ﴾ أي إنما قَدَّر الله أَمَرَ هذا العجل وجعله يخور فتنةً واختباراً لكم ، ﴿وإنَّ ربكم الرحمن﴾ أي لا هذا ﴿فاتبعوني﴾ أي فيما أقول لكم ﴿ وأطيعوا أمري » قالوا لن نَّبْرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ﴾ يشهد(١) الله لهارون عليه السلام ، ﴿وكفى بالله شهيداً ﴾ أنه نهاهم وزجَرهم عن ذلك فلم يطيعوه ولم يتبعوه . ثم أقبل موسى على السامريِّ ﴿ قال فما خَطْبُكَ يا سامريّ﴾ أي ما حمَلَك على ما صنعتَ ؟ ﴿ قال بَصُرْتُ بما لم يَبْصُروا به)) أي رأيت جبرائيل وهو راكب فرساً ﴿فقبَضْتُ قبضةً من أثَر الرسول﴾ أي من أثر فرس جبريل . وقد ذكر بعضهم أنه رآه ، وكلما وطئت بحوافرها على موضع اخضرَّ وأعْشَبَ ، فأخذ من أثر حافرها ، فلما ألقاه في هذا العجل المصنوع(٢) من الذهب كان من أمره ما كان . ولهذا قال : ﴿ فَنَبَذْتُها وكذلك سوَّلتْ لي نفسي = قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مِسَاس﴾ وهذا دعاء عليه بأن لا يمسَّ أحداً، معاقبة له على مَسِّه ما لم يكن له مسُّه! هذا معاقبة له في الدنيا ، ثم توعَّده في الأخرى فقال: ﴿وإنَّ لك مَوْعِداً لن تُخْلَفه﴾ وقرىء: ﴿لن نُخْلِفه﴾ ﴿وانظر إلى إلهك الذي ظَلْتَ عليه عاكفاً لنُحرِّقتَّه ثم لَنْسِفِنَّه في اليم نسفاً ﴾ قال : فعمد موسى عليه السلام إلى هذا العجل ، فحرقه [ قيل ](١) بالنار، كما قاله قتادة وغيره. وقيل بالمبارد ، كما قاله عليّ (١) ((أ)) : فشهد . (٢) ((أ)) : المصوغ . (٣) من ((أ)) . - ٤٤٢ - وابن عباس وغيرهما ، وهو نص أهل الكتاب ، ثم ذرّاه في البحر ، وأمر بني إسرائيل فشربوا ، فمن كان من عابديه عَلق على شفاههم من ذلك الرماد ما يدل عليه ، وقيل بل اصفرت ألوانهم . ثم قال تعالى إخباراً عن موسى أنه قال لهم: ﴿ إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وَسِعِ كلِّ شيءٍ عِلماً ﴾ . وقال تعالى: ﴿ إن الذين اتخذوا العِجلَ سَيَنَالهم غَضَبٌ من ربهم وذِلة في الحياة الدنيا وكذلك نَجْزِي المفترِين﴾ وهكذا وقع . وقد قال بعض السلف : وكذلك نجزي المفترين﴾ مسجّلة لكل صاحب بِدْعَة إلى يوم القيامة! ثم أخبر تعالى عن حلمه(١) ورحمته بخلقه ، وإحسانه على عبيده في قبوله توبةً من تاب إليه ، بتوبته عليه ، فقال: ﴿والذين عَملوا السيئاتِ ثم تابوا من بَعْدها وَآمَنوا إن ربك من بعدها لَغفور رحيم ﴾. لكن لم يقبل الله توبة عابِدي العِجْل إلا بالقتل، كما قال تعالى: ﴿ وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظَلَمْتم أنفسكم باتخاذكم العجلَ ، فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسَكم ، ذلكم خيرٌ لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم﴾(٢). فيقال إنهم أصبحوا يوماً وقد أخذ من لم يعبد العجل في أيديهم السيوف ، وألقى الله عليهم ضباباً حتى لا يعرف القريبُ قريبه ولا النسيبُ نسيبه ، ثم مالوا على عابديه فقتلوهم وحَصدوهم فيقال إنهم قتلوا في صبيحة واحدة سبعين ألفاً ! • ثم قال تعالى: ﴿ ولما سكتَ عن موسى الغضبُ أخذَ الألواحَ وفي نُسختها هدى ورحمةٌ للذين هم لربهم يُرْهبون﴾ استدل بعضهم بقوله: ﴿وفي نُسْختها ﴾ على أنها تكسَّرت ، وفي هذا الاستدلال نظر ، وليس في اللفظ ما يدل على أنها تكسرت . والله أعلم . وقد ذكر ابن عباس في حديث الفتون كما سيأتي : أن عبادتهم العجل كانت (١) ((أ)) : حكمته. (٢) سورة البقرة ٥٤ . - ٤٤٣ - على أثر خروجهم من البحر . وما هو ببعيد ، لأنهم حين خرجوا ﴿ قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة﴾. وهكذا عند أهل الكتاب ، فإن عبادتهم العجل كانت قبل مجيئهم بلادَ بيتِ المقدس . وذلك أنهم لمّا أُمروا بقتل من عبَد العجلَ ، قتلوا في أول يوم ثلاثة آلاف ، ثم ذهب موسى يستغفر لهم ، فعُفر لهم بشرط أن يدخلوا الأرض المقدسة . واختار موسَى قومَه سبعين رجلاً لميقاتنا ، فلما أخذَتْهم الرجفة قال ربِّ لو شئتَ أهلكْتَهم من قبلُ وإيايَ أتهلكنا بما فعل السفهاءُ منا إنْ هي إلا فِتْنَتُك تُضِلُّ بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت وليُّنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خيرُ الغافرين " واكتبْ لنا في هذه الدنيا حسنةً وفي الآخرة إنا هُدْنا إليك ، قال عذابي أُصِيبُ به من أَشاءُ ، ورحمتي وَسِعَتْ كلَّ شيءٍ ، فسأكتُبها للذين يَتَّقون ويُؤْتون الزكاةَ والذين هم بآياتنا يؤمنون » الذين يَتَّبعون الرسولَ النبيَّ الأمَّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المُنْكَرِ، ويُحلُّ لهم الطيباتِ ويحرِّم عليهم الخبائثَ ؛ ويضَعُ عنهم إصْرَهِم والأغلالَ التي كانت عليهم ، فالذين آمَنوا به وعزَّرُوه ونصروه واتبعوا النورَ الذي أُنزل معه أولئك هم المفلحون﴾(١). ● ذكر السُّدي وابن عباس وغيرهما أن هؤلاء السبعين كانوا علماء بني إسرائيل ، ومعهم موسى وهارون ويوشع وناذاب(٢) وأبيهو ، ذهبوا مع موسى عليه السلام ليعتذروا عن بني إسرائيل في عبادة من عبد منهم العجلَ . وكانوا قد أُمروا أن يتطيبوا ويتطهروا ويغتسلوا ، فلما ذهبوا معه واقتربوا من الجبل وعليه الغمام وعمود النور ساطع صعد(٣) موسى الجبل . فذكر بنو إسرائيل أنهم (٤) سمعوا كلامَ الله. وهذا قد وافقهم عليه طائفة من . المفسرين، وحمَلوا عليه قولَه تعالى: ﴿وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلامَ الله ، ثم يحرّفونه من بعدٍ ما عقَلوه وهم يعلمون ﴾(٥) وليس هذا بلازم ، لقوله تعالى: ﴿ فأجِرْه حتى يَسْمع كلامَ الله﴾(٦) أي (١) سورة الأعراف ١٥٠ - ١٥٧. (٤) ((أ )) : فذكر أن بني إسرائيل سمعوا. (٢) ((أ)) : وياذاب . (٥) سورة البقرة ٧٥ . (٣) ((أ)): وصعد . (٦) سورة التوبة ٦ . - ٤٤٤ - مبلَّغاً ، وهكذا هؤلاء سمعوه مبلَّغاً من موسى عليه السلام . وزعموا أيضاً أن السبعين رأوا الله ، وهذا غلط منهم ، لأنهم لما سألوا الرؤية أخذتهم الرجْفة ، كما قال تعالى: ﴿وإذ قلتم يا موسى لن تُؤْمِنَ لك حتى نَرَى اللهَ جَهْرةً فأخذَتْكُم الصاعقةُ وأنتم تَنْظرون » ثم بَعَتْناكم مِن بَعْدٍ موتكم لعلكم تشكرون﴾(١) . وقال ها هنا ﴿ فلما أخذتهم الرجفةُ قال ربِّ لو شئتَ أهلكتَهم من قَبْلُ وإيايَ ﴾. قال محمد بن إسحق : اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلاً : الخيّر فالخير ، وقال انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه بما صنَعتم وسَلوه التوبةَ على من تركتم وراءكم من قومكم ، صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم . فخرج بهم إلى طور سيناء ، لميقاتٍ وقَّته له ربه ، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم . فطلب (٢) منه السبعون أن يسمعوا كلامَ الله ، فقال : أفعل . فلما دنا موسى من الجبل ، وقع عليه عمود الغمام حتى تغشَّ الجبلَ كله ، ودنا موسى فدخل في الغمام ، وقال للقوم : ادنُوا . وكان موسى إذا كلمه الله ، وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضُرب دونه الحجاب ، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجوداً ، فسمعوه وهو يكلم موسى ، يأمره وينهاه : افعل ولا تفعل . فلما فرغ الله من أمره وانكشف عن موسى الغمام أقبل إليهم فقالوا: ﴿ يا موسى لن نؤمنَ لك حتى نرى الله جهرةً ﴾ فأخذتهم الرجفة ، وهي الصاعقة فانفلتَتْ (٣) أرواحهم فماتوا جميعاً . فقام موسى يناشد ربه ويدعوه، ويَرْغب إليه ويقول: ﴿ رَبِّ لو شئتَ أهلكْتَهُمْ من قَبْلُ وإِيَّاي ، أَتُهْلِكُنا بما فَعَل السفهاءُ منا﴾ أي لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء الذين عبدوا العجلَ منا فإنا بَراء مما عملوا . وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جُرَيج : إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم ينهَوا (١) سورة البقرة ٧٥ . (٢) ((أ)) : فقال له وطلب منه. (٣) ((أ)): فاثلبت وفي ((ط)): فالتقت. وما أثبته من تاريخ الطبري ٤٩٦/١ (ط ليدن ). - ٤٤٥ - قومهم عن عبادة العجل . وقوله : ﴿إن هي إلا فِتْنَتُك ﴾ أي إختبارك وابتلاؤك وامتحانك . قاله ابن عباس وسعيد بن جُبير وأبو العالية والربيع بن أنس ، وغير واحد من علماء السلف والخلف ، يعني أنت الذي قدَّرت هذا ، وخلقتَ ما كان من أمر العجل اختباراً تختبرهم به كما قال لهم هارون من قبلُ: ﴿يا قوم إنما فتنتم به ﴾ أي اختُبرتم . ولهذا قال: ﴿ تُضِلُّ بها من تشاء وتهدي من تشاء ﴾ أي من شئت أضللته باختبارك إياه ، ومن شئت هديْته ، لك الحكم والمشيئة [ ولا مانع ](١) ولا رادً لما حكمتَ وقضيت . ﴿ أنت ولُّنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين " واكتب لنا في هذه الدنيا حَسنةً وفي الآخرة إنا هُدْنا إليك﴾ أي تُبْنا إليك ورجعنا وأنبنا . قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جُبَير وأبو العالية وإبراهيم النِّيمي والضحاك والسُّدي وقتادة وغير واحد . وهو كذلك في اللغة . ﴿ قال عذابي أُصيبُ به من أشاء ، ورحمتي وَسِعَتْ كلَّ شيء﴾ أي أنا أعذب من شئت بما أشاء من الأمور التي أُخلقها وأقدّرها . ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ كما ثبت في الصحيحين عن رسول الله عد اله أنه قال: (( إن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض كتب كتاباً فهو موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي))(٢) ﴿ فسأكتُبها للذين يتَّقون ويُؤتون الزكاةَ والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ أي فسأوجبها حتماً لمن يتصف بهذه الصفات : الذين يتبعون الرسولَ النبيَّ الأمَّ﴾ الآية. وهذا فيه تنويه بذكر محمد عَّ له وأمته من الله لموسى عليه السلام ، في جملة ما ناجاه به وأعلمه وأطلعه عليه . وقد تكلمنا على هذه الآية وما بعدها في التفسير بما فيه كفاية ومَقنَع ، ولله الحمد والمنة . (١) ليست في ((أ)). (٢) صحيح البخاري كتاب التوحيد وكتاب بدء الخلق ٨٥/٢ (ط الأميرية). وصحيح مسلم كتاب التوبة حديث رقم ١٤ - ١٦ (٤٩٣/٢ ط عيسى الحلبي ) . - ٤٤٦ - وقال قتادة : قال موسى : يا رب إني أجدُ في الألواح أمةً هي خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، رب اجعلهم أمتي . قال : تلك أمة أحمد . قال : رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخِرون في الخَلْق ، السابقون في دخول الجنة ، رب اجعلهم أمتي ، قال : تلك أمة أحمد . قال : رب إني أجد في الألواح أمةً أناجيلهم في صدروهم يقرءونها ، وكان من قبلهم يقرءون كتابهم نظراً ، حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئاً ولم يعرفوه ، وإن الله أعطاهم(١) من الحفظ شيئاً لم يعطه أحداً من الأمم ، قال : رب اجعلهم أمتي ، قال : تلك أمة أحمد . قال : رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ويقاتلون فضول (٢) الضلالة حتى يقاتلوا الأعوَرَ الكذاب ، فاجعلهم أمتي . قال : تلك أمة أحمد . قال : رب إني أجد في الألواح أمةً صَدقاتهم يأكلونها في بطونهم ، ويُؤْجرون عليها . وكان مَن قبلهم [ من الأمم ](٣) إذا تصدق بصدقة فقُبلت منه بعث الله عليها ناراً فأكلتْها ، وإن رُدَّت عليه تُركت فتأكلها السباع والطير ، وإن الله أخذ صدقاتهم من غنيهم لفقيرهم (٤)، قال: رب فاجعلهم أمتي ، قال : تلك أمة أحمد . قال : رب فإني أجد في الألواح أمة إذا همّ أحدُهم بحسَنة ثم لم يعملها كُتبت له عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف . قال : رب اجعلهم أمتي ، قال : تلك أمة أحمد . قال : رب إني أجد في الألواح أمة هم المشفّعون المشفوع لهم ، فاجعلهم (١) ((أ)) : وإن الله أعطاكم أيتها الأمة. (٢) الرواية في الوفا لابن الجوزي ٤٠/١ أهل الضلالة. (٣) ليست في ((أ)). (٤) ((أ)): من غنيكم الفقيركم. - ٤٤٧ - أمتي ، قال : تلك أمة أحمد . قال قتادة : فذكر لنا أن موسى عليه السلام نبذَ الألواحَ ، وقال : اللهم اجعلني من أمة أحمد(١). وقد ذكر كثير من الناس ما كان من مناجاة موسى عليه السلام ، وأوردوا أشياء كثيرة لا أصل لها ونحن نذكر ما تيسر ذكره من الأحاديث والآثار بعون الله وتوفيقه ، وحسن هدايته ومعونته وتأييده . قال الحافظ أبو حاتم محمد بن حاتم بن حِبّان في صحيحه: ((ذكر سؤال كَليم الله ربَّه عز وجل عن أدنى أهل الجنة وأرفعهم منزلة )) أخبرنا عمر بن سعيد الطائي ببلْخ(٢) ، حدثنا حامد بن يحيى البلْخي ، حدثنا سفيان ، حدثنا مطرف بن طريف وعبد الملك بن أبحر شيخان صالحان ، قالا سمعنا الشَّعبي يقول : سمعت المغيرة بن شعبة يقول على المنبر عن النبي عَ له: ((إن موسى عليه السلام سأل ربه عز وجل : أُّ أهلِ الجنة أدنى منزلة ؟ فقال: رجل يجيء(٣) بعد ما يدخل أهل الجنة الجنة ، فيقال [ له ](٤): ادخل الجنة . فيقول : كيف أدخل الجنة وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا إخاذاتهم ؟ فيقال له : أترضى أن يكون لك من الجنة مثل ما كان لملك من ملوك الدنيا ؟ فيقول : نعم أي رب، فيقال: لك هذا ومثله معه((٥) فيقول : أي رب رضيت ، فيقال له : لك مع هذا ما اشتهت نفسك ولذَّت عينك . وسأل ربَّه : أي أهل الجنة أرفع منزلة ؟ قال سأحدثك عنهم ؛ غرست كرامتهم بيدي ، وختمت عليها ، فلا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)) . ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل: ﴿ فلا تعلم نفسٌ ما أخفي لهم من قُرّة أعينٍ جزاءً بما كانوا يعملون﴾(٦) . (١) ((أ)): من أمة محمد. وقد روى هذا الخبر أبو نعيم في دلائل النبوة ص ٣١ من المختصر المطبوع عن أبي هريرة مرفوعاً وقال عنه : وهذا الحديث من غرائب حديث سهيل لا أعلم أحد رواه مرفوعاً إلا من هذا الوجه . تفرد به الربيع بن النعمان وبغيره من الأحاديث عن سهيل وفيه لين . (٢) ((ط)) : بمنبج. (٣) المطبوعة : يحيا . محرفة . (٤) سقطت من (( أ)) . (٥) المطبوعة : ومثله ومثله . (٦) سورة السجدة ١٧ . - ٤٤٨ - وهكذا رواه مسلم والترمذي كلاهما عن ابن أبي عمر ، عن سفيان - [وهو ](١) ابن عيينة - به. ولفظ مسلم: ((فيقال له : أترضى أن يكون لك مثل مُلْك [ ملِك ] (١) من ملوك الدنيا ؟ فيقول : رضيت رب . فيقال له : لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله ، فيقول في الخامسة : رضيت رب . فيقال : هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك ، فيقول : رضيت رب . قال رب : فأعلاهم منزلة ؟ قال : أولئك الذين أردت غرس كرامتهم بيدي وختمت عليها ، فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر)). قال : ومصداقه من كتاب الله: ﴿ فلا تَعْلم نفسٌ ما أُخِفِي لهم من قُرّة أعينٍ جزاءً بما كانوا يعملون﴾(٢). وقال الترمذي : حسن صحيح . قال : ورواه بعضهم عن الشَّعبي عن المغيرة فلم يرفعه ، والمرفوع أصح (٣). وقال ابن حبان: ((ذكر سؤال الكليم ربَّه عن خصال سبع)) : حدثنا عبد الله بن محمد بن مسلم ببيت المقدس ، حدثنا حَرْمَلة بن يحيى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، أن أبا السَّمح حدثه عن ابن حُجَيرةٍ عن أبي هريرة عن النبي عَّ أنه قال: ((سأل موسى ربَّه عز وجل عن سِتّ خصال كان يظن أنها له خالصة ، والسابعة لم يكن موسى يحبها . قال : يا رب أيُّ عبادك أَتْقَى ؟ قال : الذي يَذْكر ولا ينسى . قال : فأي عبادك أَهْدَى ؟ قال : الذي يَتَّبَع الهدَى. قال : فأي عبادك أحْكَم ؟ قال : الذي يحكم للناس كما يحكم لنفسه . قال : فأي عبادك أُعْلَم ؟ قال : عالم لا يشبع من العلم ، يجمع علمَ الناس إلى علمه . قال : فأي عبادك أعزّ ؟ قال : الذي إذا قدَر غَفر . قال : فأي عبادك أغنى ؟ قال: الذي يرضى بما يؤنَّى. قال : فأي عبادك أفقر؟ قال: صاحب منقوص)). (١) سقطت من ((أ)). (٢) صحيح مسلم كتاب الإِيمان حديث رقم ٣١٢. (٣) سنن الترمذي حديث رقم ٣١٩٨. - ٤٤٩ - وقال رسول الله عَ له: ((ليس الغنى عن ظهْر (١)، إنما الغنى غنى النفس))، ((وإذا أراد الله بعبد خيراً جعل غِنَاه في نفسه وتُقاه في قلبه ، وإذا أراد بعبد شراً جعل فقره بين عينيه )). قال ابن حبان: قوله: ((صاحبٌ منقوص)) يريد به منفوصٌ حالته ، يستقل ما أُوتِي ويطلب الفضل . وقد رواه ابن جرير في التاريخ عن ابن حُمَيد ، عن يعقوب القُمِّي(٢) ، عن هارون بن عَنْتَرَةُ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : سأل موسى رَبَّه عز وجل فذكر نحوه . وفيه (( قال : أيْ رب فأيّ عبادك أعلَم ؟ قال : الذي يبتغي علم الناس إلى علمه ، عسى أن يُصيب (٤) كلمة تهديه أو تردّه عن ردىِّ ، قال: أي رب فهل في الأرض أحدٌ أعلم مني ؟ قال : نعم الخضر فسأل السبيل إلى لقيه ، فكان(٥) ما سنذكره بعد إن شاء الله ، وبه الثقة (٦) . ذكر حديث آخر بمعنى ما تركه ابن حبان قال الإِمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، حدثنا ابن لَهِيعة ، عن درّاج ، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي عَ ◌ّه أنه قال: ((إن موسى قال: أيْ ربِّ، عبدُك المؤمنُ تُقَتِّر(٧) عليه في الدنيا ! قال : ففتح له باب من الجنة فنظر (٨) إليها ، قال : يا موسى هذا ما أعددتُ له . فقال موسى : يا رب وعزتك وجلالك لو كان أَقْطَع(٩) اليدين والرجلين يُسْحَب على وجهه منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة ، وكان هذا مصيره لم ير بؤساً قط . قال : ثم قال: أيْ ربِّ، عَبْدُك الكافرُ (١) الظهر: كثرة المال. والرواية في صحيح البخاري كتاب الرقاق: ((ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى عن النفس)) ١٢١/٤ بحاشية السندي. وكذلك في صحيح مسلم كتاب الزكاة ٤١٨/١ (ط عيسى الحلبي ). (٢) الأصل والمطبوعة : التميمي. وما أثبته من تاريخ الطبري ٤٢٢/١ ( ط ليدن). (٥) (أ)): كما سنذكره . (٦) ((أ)): وله المنة . (٧) الأصل : مقتر . وما أثبته من المسند . (٣) الأصل والمطبوعة: ابن هبيرة. وما أثبته من المصدر السابق. (٨) المسند : فيفتح له باب الجنة فينظر إليها. (٩) الأصل : مقطع . وما أثبته من مسند أحمد (٤) كذا في ((أ)) موافقاً لتاريخ الطبري وفي غيرها : يجد . - ٤٥٠ - تُوسِّع (١) عليه في الدنيا . قال : ففتح له باب إلى النار فقال(٢) : يا موسى هذا ما أعددت له . فقال موسى : أي رب وعزتك وجلالك لو كانت له الدنيا منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة وكان هذا مصيره لم ير(٣) خيراً قط)). تفرد به أحمد من هذا الوجه ، وفي صحته نظر (٤) . والله أعلم . وقال ابن حبان: ((ذكر سؤال كليم الله ربه جل وعلا أن يعلمه شيئاً يذكره به )): حدثنا ابن سلَمة ، حدثنا حَرْملة بن يحيى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو ابن الحارث أن دَرَّاجاً حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي عَِّ أنه قال: ((قال موسى: يا رب علِّمني شيئاً أذكرك به وأدعوك به . قال: قل يا موسى : لا إله إلا الله. قال : يا رب كلُّ عبادك يقول هذا . قال : قل لا إله إلا الله . قال : إنما أريد شيئاً تخصني به . قال : يا موسى لو أن أهل السموات السبع والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالتْ بهم لا إله إلا الله)). ويشهد لهذا الحديث حديث البطاقة ، وأقرب شيء إلى معناه الحديث المروي في السنن عن النبي عَّمِ أنه قال: (( أفضل الدعاء دعاء عرفة . وأفضل ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير )) وقال ابن أبي حاتم عند تفسير آية الكرسي : حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدسكي(٥) ، حدثني أبي عن أبيه ، حدثنا أشعث بن إسحاق ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن (١) الأصل : موسع . وما أثبته من المسند . (٢) ((ط )) : فيقول . (٣) المسند : كأن لم ير . (٤) مسند أحمد ٨١/٣ والعجب أن أحد الذين ادعوا تحقيق هذا الكتاب خرج هذا الحديث كما يلي اعتماداً على المعجم المفهرس ٣٢٢/٤، ٣٤٥، ٣٤٦ وليس هذا الحديث في واحد منها ! بل هو حديث آخر يشتمل على لفظة واحدة منه ! (٥) ((أ)): الدسيكي. ولم أجد هذه النسبة . - ٤٥١ - عباس : أن بني إسرائيل قالوا لموسى : هل ينام ربك ؟ قال : اتقوا الله ! فناداه ربه عز وجل : يا موسى سألوك هل ينام ربك ، فخذ زجاجتين في يديك فقم الليلَ ، ففعل موسى . فلما ذهب من الليل ثلثه نعس فوقع لركبتيه ، ثم انتعش فضبطهما ، حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقطت الزجاجتان فانكسرتا ، فقال : يا موسى لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلَكْن كما هلكت الزجاجتان في يديك ! قال : وأنزل الله على رسوله آية الكرسيّ . وقال ابن جرير : حدثنا إسحق بن أبي إسرائيل ، حدثنا هشام بن يوسف ، عن أمية بن شِئْل(١) عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله عَّ له يحكي عن موسى عليه السلام على المنبر قال: ((وقع في نفس موسى عليه السلام هل ينام الله عز وجل ؟ فأرسل الله إليه ملكاً فأرَّقه ثلاثاً ، ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما . قال : فجعل ينام نوماً فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان ، قال: ضرب الله له مثلاً: أنْ لو كان ينام لم تَسْتمسك السماء والأرض)). وهذا حديث غريب رفعه . والأشبه أن يكون موقوفاً ، وأن يكون أصله إسرائيلياً(٢) . وقال الله تعالى: ﴿ وإذ أخذْنا ميثاقكم ورفعنا فوقَكم الطورَ خُذوا ما آتيناكم بقوة ، واذكروا ما فيه لعلكم تتقون " ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضلُ الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين﴾(٣) وقال تعالى: ﴿وإذ نَتَقْنا الجبل فوقَهم كأنه ظُلُّةٌ وظنُّوا أنه واقعٌ بهم، خُذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ﴾(٤) . (١) الأصل : ابن سبل . محرفة والتصويب من ميزان الاعتدال ٢٧٦/١ وقال عنه : يماني له حديث منكر رواه عن الحكم بن أبان، عن عكرمة عن أبي هريرة مرفوعاً. قال: ((وقع في نفس موسى .. )) الحديث. (٢) أورده ابن الجوزي في كتابه ((العلل المتناهية)) ٢٦/١ عن طريق عكرمة عن أبي هريرة - يرفعه - ثم قال عنه: ((ولا يثبت هذا الحديث عن رسول الله عَ له وغلط من رفعه. (٣) سورة البقرة ٦٣، ٦٤. (٤) سورة الأعراف ١٧١ . - ٤٥٢ - قال ابن عباس وغير واحد من السلف : لما جاءهم موسى بالألواح فيها التوراة أمرهم بقبولها والأخذ بها بقوة وعزم . فقالوا : انشرها علينا فإن كانت أوامرها ونواهيها سهلةً قبلناها . فقال : بل اقبلوها بما فيها ، فراجعوه مراراً ، فأمر الله الملائكةَ فرفعوا الجبل على رؤوسهم حتى صار كأنه ظُلّة ، أي غمامة ، على رءوسهم . وقيل لهم : إن لم تقبلوها بما فيها وإلا سقط هذا (١) الجبل عليكم فقبلوا ذلك وأمروا بالسجود فسجَدوا ، فجعلوا ينظرون إلى الجبل بشِقّ وجوههم ، فصارت سُنّة لليهود إلى اليوم ، يقولون لا [سجدة ] (٤) أعظم من سجدة رفَعت عنا العذاب ! وقال سُنَيد بن داود عن حجاج بن محمد ، عن أبي بكر بن عبد الله قال : فلما نشرها لم يبقَ على وجه الأرض جبلٌ ولا شجر ولا حجَر إلا اهتز، فليس على وجه الأرض يهودي صغير ولا كبير تُقرأ عليه التوراة إلا اهتزّ ونفض لها رأسه . قال الله تعالى: ﴿ ثم تولَّيتم من بعد ذلك ﴾ أي [ ثم ](٤) بعد مشاهدة هذا الميثاق العظيم والأمر الجسيم نكثتم عهودكم ومواثيقكم ﴿ فلولا فضلُ الله عليكم ورحمته﴾ بأن تدارككم بالإرسال إليكم وإنزال الكتب عليكم. ﴿لَكُنتم من الخاسرین (١) ((أ)) : ذلك الجبل . (٢) سقطت من ((أ)). - ٤٥٣ - قصة بقرة بني إسرائيل قال الله تعالى: ﴿وإذ قال موسى لقومه إنَّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرةً ، قالوا أتخذُنا هُزُواً ؟ قال أعوذُ بالله أن أكونَ من الجاهلين » قالوا ادْعُ لنا رَبَّك يبَيِّن لنا ما هي ؟ قال إنه يقولُ إنها بقَرةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرِ ، عَوانٌ بين ذلك ، فافعلوا ما تُؤمرون * قالوا ادعُ لنا رَبَّك يبيّن لنا ما لونها ؟ قال إنه يقول إنها بقرة صفراءُ فاقِع لونُها تَسُرُّ الناظرين « قالوا ادعُ لنا رَبَّك يبين لنا ما هي ؟ إن البقَر تشابه علينا، وإنَّا إن شاء الله لَمهتدون * قال إنه يقول إنها بقرةٌ لا ذَلُولٌ تثير الأرضَ ولا تَسْقي الحرثَ، مُسَلَّمة لا شِيَةَ فيها ، قالوا الآنَ جئتَ بالحقّ فذبحوها وما كادوا يفعلون « وإذ قلتم نفساً فادَّارَأَتُمْ فيها والله مُخْرجٌ ما كنتم تكتمون " فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى وبريكم آياته لعلكم تعقلون ﴾(١). قال ابن عباس وعبيدة السَّلْماني وأبو العالية ومجاهد والسُّدي ، وغير واحد من السلف : كان رجل في بني إسرائيل كثير المال ، وكان شيخاً كبيراً، وله بنو أخ ، وكانوا يتمنَّون موته ليرثوه ، فعَمد أحدهم فقتله في الليل وطرحه في مَجْمع الطرق ، ويقال على باب رجل منهم . فلنا أصبح الناس اختصموا فيه ، وجاء ابن أخيه فجعل يصرخ ويتظلم ، فقالوا : ما لكم تختصمون ولا تأتون نبيَّ الله ؟ فجاء ابن أخيه فشكا أمرَ عمه إلى رسول الله موسى عَ لّمه. فقال موسى عليه السلام: ((أَنْشد الله رجلاً عنده عِلم من أمر هذا القتيل إلا أعلمنا به )) فلم يكن عند أحد منهم علم منه . وسألوه أن يسأل في هذه القضية ربه عز وجل . فسأل ربَّه عز وجل في ذلك، فأمره الله أن يأمرهم بذبح بقرة . فقال ﴿إنّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ، قالوا أتتخذنا هُزُواً ؟ ﴾ يعنون نحن نسألك عن أمر هذا (١) سورة البقرة ٦٧ - ٧٣ . - ٤٥٤ - القتيل ، وأنت تقول [ لنا](١) هذا؟ ﴿قال أعوذُ بالله أنْ أكون من الجاهلين ﴾ أي أعوذ بالله أن أقول عنه غير ما أُوحى إليّ ، وهذا هو الذي أجابني حين سألته عما سألتموني (٢) أن أسأله فيه . قال ابن عباس وعُبيدة وعِكْرمة والسُّدي وأبو العالية وغير واحد : فلو أنهم عمدوا إلى أي بقرة فذبحوها لحصل المقصود منها ، ولكنهم شدَّدوا فشدِّد عليهم . وقد ورد فيه حديث مرفوع ، وفي إسناده ضعف . فسألوا عن صفتها ، ثم عن لونها ، ثم عن سنها ، فأجيبوا بما عزَّ وجوده عليهم . وقد ذكرنا تفسير ذلك كله في التفسير . ● والمقصود أنهم أمروا بذبح بقرة عَوان ، وهي الوسط النَّصَف بين الفارض وهي الكبيرة ، والبكر وهي الصغيرة . قال ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والحسن وقتادة وجماعة . ثم شدَّدوا وضيقوا على أنفسهم فسألوا عن لَونِها ، فأمروا بصفراء فاقع لونها ، أي مُشْرَب بحمرة ، تَسُر الناظرين ، وهذا اللون عزيز . ثم شددوا أيضاً ﴿ قالوا ادعُ لنا ربك يبيِّن لنا ما هي إِنَّ البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله المهتدون ﴾ . ففي الحديث المرفوع الذي رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه: (( لولا أن بني إسرائيل استثْنوا لما أُعطوا)) وفي صحته نظر. والله أعلم . ﴿ قال إنه يقولُ إنها بقرةٌ لا ذَلُول تثير الأرضَ ولا تسقي الحرثَ مُسَلَّمة لا شِيَة فيها ، قالوا الآن جئتَ بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون ﴾ وهذه الصفات أضيق مما تقدم ؛ حيث أمروا بذبح بقرة ليست بالذلول ، وهي المذلّلة بالحراثة وسقي الأرض (١) بالساقية ، مسلّمة ، وهي الصحيحة التي لا عيب فيها ، قاله أبو العالية وقتادة . وقوله: ﴿ لا شِيَة فيها ﴾ أي ليس فيها لون يخالف لونها ، بل هي مسلَّمة (١) من ((أ)). (٢) ((ط )): عما سألتموني عنه . (٣) ((أ)): وسقى الحرث. - ٤٥٥ - من العيوب ، ومن مخالطة سائر الألوان غير لونها . فلما حددها بهذه الصفات ، وحصرها بهذه النعوتَ والأوصاف ﴿ قالوا الآن جئتَ بالحق ﴾. ويقال إنهم لم يجدوا هذه البقرة بهذه الصفة إلا عند رجل منهم كان بارًّا بأبيه ، فطلبوها منه فأبى عليهم ، فأَرْغبوه في ثمنها حتى أعطوه ، فيما ذكره السُّدي ، بوزنها ذهباً فأبى عليهم ، حتى أعطوه بوزنها عشر مرات ، فباعها منهم . فأمرهم نبي الله موسى بذبحها ﴿ فذبحوها وما كادوا يفعلون ﴾ أي وهم يترددون في أمرها . ثم أمرهم عن الله أن يضربوا ذلك القتيل ببعضها قيل بلحم فخذها ، وقيل بالعظم الذي يلي الغضروف (١) ، وقيل بالبَضْعة التي بين الكتفين ، فلما ضربوه ببعضها أحياه الله تعالى، فقام وهو يَشْخب(٢) أَوْداجه ، فسأله نبي الله [ موسى] (٣) من قتلك ؟ قال قتلني ابنُ أخي. ثم عاد ميتاً كما كان. قال الله تعالى: ﴿ كذلك يحيى الله الموتَى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ﴾ أي كما شاهدتم إحياءً هذا القتيل عن أمر الله له ، كذلك أمره في سائر الموتى، إذا شاء إحياءهم أحياهم في ساعة واحدة كما قال: ﴿ما خَلْقكم ولا بَعْتكم إلا كنفسٍ واحدة ﴾ (٤). (١) ((أ)) : الذي في الغضروف. (٢) يشخب : يسيل . (٣) من ((أ)) . (٤) سورة لقمان ٢٨ . - ٤٥٦ - قصة موسى والخضر عليهما السلام قال الله تعالى: ﴿وإذ قال موسى لِفتاه لا أُبْرحُ حتى أَبلُغ مَجْمَعَ البحرَيْن أو أمضِيَ حُقُباً * فلما بلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَّهما فاتخذَ سبيلَه في البحرِ سَربا » فلما جاوزًا قال لِفَتاه آتنا غداءنا لقد لقينا مِن سفرنا هذا نَصباً * قال أرأيتَ إذ أَوْنَا إلى الصخرة فإنِّي نَسِيتُ الحوتَ ، وما أنسانِيه إلا الشيطانُ أن أَذْكُرَه ، واتخذ سبيله في البحر عَجباً * قال ذلك ما كنا نَبْغ فارتدًّا على آثارهما قَصصاً « فوَجدا عَبْداً من عبادنا آتيناه رحمةً من عندنا وعلَّمناه من لدنّا عِلماً » قال له موسى هل أتَّبعك على أن تُعَلِّمني مما علمتَ رُشْداً؟ * قال إنك لن تستطيع مَعِيَ صَبراً * وَكيف تَصْبر على ما لم تُحِطْ به ◌ُبْراً * قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمْراً * قال فإنٍ اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أُحْدِثَ لك منه ذِكْراً * فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خَرَقها ، قال أخرقْتها لِتُغْرقَ أهلها؟ لقد جئتَ شيئاً إمْراً ( قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً * قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا تُرْهقني من أمرِي عُسراً » فانطلقًا حتى إذا لقيًا غلاماً فقتله ، قال أقتلتَ نفساً زَكِيَّة(١) بغير نفس لقد جئتَ شيئاً تُكْراً * قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً * قال إن سألتُك عن شيء بعدها فلا تُصَاحِبْنِي قد بلَغْتَ من لَدُنِّي عُذْراً * فانطلقا حتى إذا أتيَا أهل قريةٍ اسْتَطْعَمَا أهلَها فأبُوْا أن يُضَيِّفوهما ، فوجَدا فيها جِداراً يريد أن يَنْقَضَّ فأقامه ، قال لو شئتَ لاتخذتَ عليه أجراً » قال هذا فِراقُ بيني وَبَبْنِك ، سَأُنْبِّئُك بتأويل ما لم تستطعْ عليه صبراً * أما السفينةُ فكانت لمساكينَ يَعْملون في البحر ، فأردتُ أنْ أعِيبها ، وكان وراءهم مَلِكَ يأخذُ كلَّ سفينة غَصباً » وأما الغلامُ فكان أُبَواه مؤمنَيْنٍ فخشِيًا أن يُرهقهما طغياناً وكفرً » فأردنا أن يُبْدلهما ربُّهما خيراً منه زكاةٌ وأقربَ رُحْماً * وأما الجدارُ فكان لغلامين يتيمَيْن في المدينة ، وكان تحته كنزٌ لهما ، وكان أبوهما صالحاً ، (١) ((أ): زاكية. وهي قراءة . - ٤٥٧ - فأراد ربُّك أن يَبْلُغَا أَشُدَّهما ويستخرجَا كنزهما رَحْمةً من ربك ، وما فعلتُه عن أمرِي ذلك تأويلُ ما لم تَسْطِعْ عليه صبراً ﴾(١). ● قال بعض أهل الكتاب : إن موسى هذا الذي رحل إلى الخضر هو موسى ابن منشا(٢) بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ، وتابعهم على ذلك بعض من يأخذ من صحفهم وينقل عن كتبهم ؛ منهم نّوْف بن فضَالة الحِمْيري الشامي البِكَاليّ . ويقال إنه دمشقي ، وكانت أمه زوجة كعب الأحبار(٣) . والصحيح الذي دل عليه ظاهر سياق القرآن ونص الحديث الصحيح الصريح المتفق عليه : أنه موسى بن عِمْران صاحب بني إسرائيل . قال البخاري : حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا عمرو بن دينار ، قال : أخبرني سعيد بن جُبير قال : قلت لابن عباس : إن نَوْفاً البِكَالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل ، فقال ابن عباس : كذَب عدو الله: حدثنا أُبَّ بن كعب أنه سمع رسول الله عَّ ◌ُله يقول: ((إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل فسئل أيُّ الناس أعلم ؟ فقال: أنا . فعتب الله عليه إذْ لم يُدَّ العلم إليه ، فأوحى الله إليه: إن لي عَبْداً بِمَجْمع البحرين هو أعلم منك . قال موسی : یا رب فکیف لي به ؟ قال : تأخذ معك حوتاً فتجعله في مِكتل فحيثما فقدتَ الحوت فهو ثَمَّ ، فأخذ حوتاً فجعله في مكتل ، ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون ، حتى إذا أتيا الصخرةَ وضعا رءوسهما فناما ، واضطرب الحوت في المكتل ، فخرج منه فسقط في البحر ، واتخذ سبيله في البحر سَرباً . وأمسك الله (١) سورة الكهف ٦٠ - ٨٢ . (٢) الأصل: ابن منسا . وما أثبته من تاريخ الطبري ٤٣٤/١ (ط ليدن). (٣) روى الطبري في تاريخه ٤٣٤/١ أن بعض أهل الكتاب قال لابن عباس: إن نوفا ابن امرأة كعب يقول ذلك . فقال ابن عباس : كذب نوف . - ٤٥٨ - عن الحوت جِرْية الماء ، فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ نسي صاحبُه أن يخبره بالحوت ، فانطلقا بقيةَ يومهما وليلتهما . حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: ﴿ آتِنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نَصَباً﴾ قال : ولم يجد موسى النصَب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به ، فقال له فتاه : ﴿أرأيتَ إذ أُوْنا إلى الصخرةِ فإني نسيتُ الحوتَ وما أنسانيه إلا الشيطانُ أن أذكره ، واتخذ سبيلَه في البحر عجباً ﴾ قال: فكان للحوت سرباً ، ولموسى [ولفتاه](١) عجباً فقال له موسى: ﴿ ذلك ما كنا نبغي فارتدًّا على آثارهما قَصَصاً ﴾ . قال : فرجعا يقصَّان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة ، فإذا رجل مسجَّى بثوب فسلّم عليه موسى ، فقال الخضر : وأنَّى بأرضك السلام ؟ قال أنا موسى . قال : موسى بني إسرائيل ؟ قال: نعم، أتيتك لتعلمني مما علمتَ رُشداً. ﴿ قال إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ يا موسى إني على علم من علم الله علَّمَنيه الله لا تعلمه أنت ، وأنت على علم من عِلم الله علَّمكه الله لا أعلمه . فقال موسى : سَتَجِدُني إن شاء الله صابراً ولا أعْصِي لك أمراً ﴾. فقال له الخضر (٢): ﴿فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أُحْدِثَ لك منه ذكراً » فانطلقا﴾ يمشيان على ساحل البحر ، فمرت بهما سفينة فكلموهم(٣) أن يحملوهم ، فعرفوا الخَضر فحملوهم بغير نَوْل (٤) فلما ركبا في السفينة لم يُفْجأ إلا والخضر قد قلَع لوحاً من ألواح السفينة بالقَدُوم ، فقال له موسى: قومٌ حَمَلونا بغير نول، عمدتَ إلى سفينتهم فخرقْتها ﴿ لتغرقَ أهلَها لقد جئت شيئاً إِمْراً * قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً * قال لا تؤاخذني بما نسيتُ ولا ترهقني من أمري عسراً﴾ . (١) ليست في ((أ)). (٢) ((أ)): قال الخضر. (٣) (أ): فكلمهم . : (٤) النول : الأجر . - ٤٥٩ - قال: وقال رسول الله عَ له: فكانت الأولى من موسى نسياناً. قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نَقْرةً ، فقال له الخضر ، ما عِلمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نَقصَ هذا العصفورُ بمنقاره من هذا البحر ! ثم خرجا من السفينة ، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان ، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله ، فقال له موسى : أقْتَلْتَ نفساً زكيةً(١) بغير نفسٍ لقد جئتَ شيئاً نُكْراً * قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع مَعِيَ صبراً﴾ قال: وهذه أشد من الأولى ﴿قال إن سألتُكَ عن شيء بعدها فلا تُصَاحبني قد بلغتَ من لَدُنِّي عُذراً ﴾ . فانطلقا حتى إذا أتيَا أهلَ قرية استطعمًا أهلَها فأبَوْا أن يضيِّفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقضَّ﴾ [ قال: مائل. فقام الخضر ](٢) ﴿ فأقامه ﴾ بيده ، فقال موسى: قومٌ أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا ﴿ لو شئتَ لَاتخذتَ عليه أجراً * قال هذا فراقُ بيني وبينك سَأُنْبِّئُك) إلى قوله: ﴿ذلك تأويل ما لم تَسْطع عليه صبراً﴾. فقال رسول الله عَّ له((وددْنا أن موسى كان صبر حتى يقصّ الله علينا من خبرهما)). قال سعيد بن جبير: فكانُ) ابن عباس يقرأ: ﴿ وكان أمامهم مَلِكٌ يأخذ كل سفينة صالحة غَصْباً﴾ وكان يقرأ: ﴿وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين ﴾ (٤) ثم رواه البخاري أيضاً عن قتيبة عن سفيان بن عُيَينة بإسناده نحوه . وفيه : (( فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون ومعهما الحوت حتى انتهيا إلى الصخرة فنزلا عندها ، قال : فوضع موسى رأسه فنام )) . قال سفيان : وفي حديث غير عمرو قال : وفي أصل الصخرة عين يقال لها (١) ((أ)): زاكية . (٢) ليست في (( أ)). (٣) ((أ)) : كان. (٤) صحيح البخاري كتاب التفسير ٣٣٣/٢ (ط الأميرية). - ٤٦٠ - ٠