النص المفهرس
صفحات 401-420
يخبر تعالى عن كفرهم وعتوهم واستمرارهم على الضلال والجهل ، والاستكبار عن اتباع آيات الله ، وتصديق رسوله ، مع ما أيده به من الآيات العظيمة الباهرة ، والحجج البليغة القاهرة ، التي أراهم الله إياها عِيَاناً ، وجعلها عليهم دليلاً وبرهاناً . وكلما شاهدوا آيَةً وعاينوها ، وجهدهم وأَضْتَكهم ، حلفوا وعاهدوا موسى لئن كشف(١) عنهم هذه ليؤمننَّ به ، وليرسِلُن معه مَن هو مِن حِزْبه ، فكلما رفِعتْ عنهم تلك الآية عادوا إلى شرِّ مما كانوا عليه ، وأعرضوا عما جاءهم به من الحق ولم يلتفتوا إليه ، فيرسل الله عليهم آية أخرى هي أشد مما كانت قبلها وأقوى ، فيقولون ويكذبون(٢)، ويعِدون ولا يفُون: ﴿لئن كشفتَ عنا الرجز لنومننَّ لك ولَنرسلنَّ معك بني إسرائيل ﴾ فيكشف عنهم ذلك العذاب الوبيل ، ثم يعودون إلى جهلهم العريض الطويل . • هذا؛ والعظيم الحليم القدير ، يُنْظرهم ولا يَعْجَل عليهم، ويؤخرهم ويتقدم بالوعيد إليهم . ثم أخذهم بعد إقامة الحجة عليهم ، والإِعذار(٣) إليهم، أخذَ عزيز مقتدر ؛ فجعلهم عبرةً وتكالاً وسَلفاً لمن أشبههم من الكافرين ، ومثلاً لمن اتعظ بهم من عباده المؤمنين . كما قال تبارك وتعالى وهو أصدق الصادقين ، في سورة حم والكتاب المبين : ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسولُ ربِّ العالمين * فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون ، وما نُريهم من آيةٍ إلا هي أكبرُ من أُختها ، وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون ﴿ وقالوا يا أيها الساحرُ ادعُ لنا رَبَّك بما عهد عندك إننا لَمهتدون ﴾ فلما كشفنا عنهم العذابَ إذا هم يَنْكُثُون (( ونادى فرعونُ في قومه ، قال يا قوم أليس لي مُلْك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ؟ أفلا تبصرون * أم أنا خيرٌ من هذا الذي هو مَهِين ولا يكاد يُبين « فلولا ألقى عليه أُسْوِرَةٌ من ذَهبٍ (١) ((أ)) : كشفت . (٢) ((ط )): فيكذبون. (٣) ((ط)): والإنذار . - ٤٠١ - أو جاء معه الملائكةُ مقترنِين » فاستخفَّ قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين فلما آسَقُونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين * فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخِرِين ﴾ · يذكر تعالى إرساله عبده الكليم [الكريم](١) إل فرعون الخسيس اللئيم ، وأنه تعالى أيَّد رسوله بآيات بينات واضحات ، تستحق أن تقابل بالتعظيم والتصديق ، وأن يرتدعوا عما هم فيه من الكفر ويرجعوا إلى الحق والصراط المستقيم ، فإذا هم منها يضحكون وبها يستهزئون ، وعن سبيل الله يَصدون وعن الحق ينصرفون(٢) . فأرسل الله عليهم الآيات تَتْرى يتبع بعضها بعضاً ، وكل آية أكبر من التي تتلوها ؛ لأن التوكيد أبلغ مما قبله . وأخذناهم بالعذابِ لعلهم يرجعون ﴿ وقالوا يا أيها الساحرُ ادْعُ لنا رَبَّكَ بما عَهِدَ عندك إننا لمهتدون﴾ لم يكن لفظ الساحر في زمنهم نقصاً ولا عيباً ؛ لأن علماءهم في ذلك الوقت هم السحرة ، ولهذا خاطبوه به في حال احتياجهم إليه ، وضراعتهم لديه ، قال الله تعالى: ﴿ فلما كشفنا عنهم العذابَ إذا هم ينكُثُون ﴾. ثم أخبر تعالى عن تبجّح فرعون بمُلكه ، وعظمة بلده وحسنها ، وتخرّق الأنهار فيها ، وهي الخلجانات التي يكسرونها أيامَ(٣) زيادة النيل ثم تبجح بنفسه وحِلْيته ، وأخذ يتنقّص رسولَ الله موسى عليه السلام ، ويزدريه بكونه ﴿ لا یکاد يُبين﴾ يعني كلامه، بسبب ما كان في لسانه من [بقية تلك](١) اللثغة ، التي هي شرفٌ له وكمال وجمال ، ولم تكن مانعة له أنْ كلَّمه الله تعالى وأوحى إليه ، وأنزل بعد ذلك التوراة عليه . وتنقَّصه فرعونُ - لعنه الله - بكونه لا أساورَ في يديه، ولا زينةَ عليه ! إنما ذلك من حلية النساء ، لا يليق بشهامة الرجال ، فكيف بالرسل الذين هم (١) ليست في ((أ)). (٢) ((أ)): يصدون . (٣) ((ط)) : أمام. - ٤٠٢ - أكمل(١) عقلاً، وأعلى همةً وأزهد في الدنيا، وأعلم بما أعد الله لأوليائه في الأخرى ؟! وقوله: ﴿أو جاء معه الملائكةُ مقترِنِين﴾ لا يحتاج الأمر إلى ذلك ؛ فإن كان المراد (٢) أن تعظمه الملائكة فالملائكة يعظِّمون ويتواضعون لمن هو دون موسى عليه السلام بكثير ؛ كما جاء في الحديث: (( إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع))(٣) فكيف يكون تواضعهم وتعظيمهم لموسى الكليم عليه الصلاة والسلام والتكريم ! وإن كان(٤) المراد شهادتهم فقد أُيِّد من المعجزات بما يدل قطعاً لذوي الألباب ، ولمن قصد إلى الحق والصواب ، ويعمى عما جاء به من البينات والحجج الواضحات مَن نظر إلى القشور ، وترك لبَّ اللباب ، وطبع على قلبه رب الأرباب ، وختم عليه بما فيه من الشك والارتياب ، كما هو حال فرعون القبطيِّ العَمِيِّ الكذاب ! قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قومَه فأطاعوه ﴾ أي استخف عقولهم ودرَّجهم من حال إلى حال إلى أن صدَّقوه في دعواه الربوبية ، لعنه الله وقبحهم ﴿إنهم كانوا قوماً فاسقين ؛ فلما آسَفُونا﴾ أي أغضبونا ﴿انتقمنا منهم﴾ أي بالغرق والإهانة وسَلْب العز ، والتبدل بالذل ، وبالعذاب بعد النعمة ، والهوان بعد الرفاهية ، والنار بعد طيب العيش ، عياذاً بالله العظيم ، وسلطانه القديم [ من ذلك ](٥). فجعلناهم سلفاً﴾ أي لمن اتبعهم في الصفات ﴿ومثلاً﴾ أي لم اتعظ بهم وخاف من وبيل مصرعهم ، ممن بلغه جَلِيّة خبرهم وما كان من أمرهم ، كما قال الله تعالى : (١) ((أ)): أتم . (٢) ((أ )): إن كان إنما المراد . (٣) من حديث رواه ابن ماجه في سننه . المقدمة باب فضل العلماء والحث على طلب العلم . حديث رقم ٢٢٥ . (٤) ((أ)) : وإن كان إنما . (٥) ليست في (( أ)). - ٤٠٣ - فلما جاهم موسى بآياتنا بيناتٍ قالوا ما هذا إلا سِحْر مُفْتَرِى ، وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين * وقال موسى ربي أَعْلمُ بمن جاء بالهدى من عنده ومَنْ تَكُون له عاقبةُ الدار إنه لا يفلح الظالمون * وقال فرعونُ يا أيُّها الملأُ ما علمتُ لكم من إلهٍ غيري فأوقِدْ لي يا هامان على الطِّين فاجعل لي صَرْحاً لعلي أطَّلِعُ إلى إله موسى وإني لَأظنه من الكاذبين * واستكبرَ هو وجنودُه في الأرض بغير الحق وظنُّوا أنهم إلينا لا يرجعون ؛ فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليمِّ فانظر كيف كان عاقبة الظالمين * وجعلناهم أئمةً يَدْعُون إلى النار ويومَ القيامة لا يُنصرون « وُتْبعناهم في هذه الدنيا لعنةً ويوم القيامة هم من المَقْبُوحين﴾(٢). يخبر تعالى أنهم لما استكبروا عن اتباع الحق ، وادعى مَلِكهم الباطلَ ووافقوه عليه وأطاعوه فيه ، اشتد غضبُ الرب القدير العزيز . الذي لا يغالَب ولا يمانَع عليهم ، فانتقم منهم أشد الانتقام ، وأغرقه هو وجنوده في صبيحةٍ واحدة فلم يفلت منهم أحد ، ولم يبق منهم دَيَّر ، بل كلٌّ قد غرق فدخل النار ، وأُتبعوا في هذه الدار لعنة بين العالمين ، ويوم القيامة بئس الرفْدُ المرفود ، ويوم القيامة هم من المقبوحين . (١) سورة القصص ٣٦ - ٤٢ . - ٤٠٤ - ذکر هلاك فرعون وجنوده ● لما تمادَى قِبْطُ مصر على كفرهم وعتوهم وعنادهم ؛ متابعةً لملكهم فرعون ، ومخالفةً لنبي الله ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام أقام الله على أهل مصر الحجج العظيمة القاهرة ، وأراهم من خوارق العادات ما بهر الأبصار وحيَّر العقول ، وهم مع ذلك لا يَرْعوون ولا ينتهون ، ولا ينزِعون ولا يرجعون . ولم يؤمن منهم إلا القليل . قيل ثلاثة: وهم امرأة فرعون ، ولا علم لأهل الكتاب بخبرها ، ومؤمن آل فرعون الذي تقدمت حكاية موعظته ومشورته وحجته عليهم ، والرجل الناصح الذي جاء يسعى من أقصى المدينة ، فقال: ﴿ يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرجْ إني لك من الناصحين﴾ . قاله ابن عباس فيما رواه ابن أبي حاتم عنه [ ومراده غير السحرة ؛ فإنهم كانوا من القبط ](١) . وقيل بل آمن به طائفة من القبط من قوم فرعون ، والسحرة كلهم وجميع شعب بني إسرائيل . ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿ فما آمن لموسى إلا ذُريَّةٌ من قومه على خَوْفٍ من فرعون وملئهم أن يَفْتنهم وإنَّ فرعونَ لَعالٍ في الأرض وإنه لمن المُسْرِفِين﴾(٢) . فالضمير في قوله : ﴿ إلا ذريةٌ من قومه﴾ عائد على فرعون لأن السياق يدل عليه ، وقيل على موسى لقربه ، والأول أظهر كما هو مقرر في التفسير وإيمانهم كان خُفْية لمخافتهم من فرعون وسطوته ، وجبروته وسلطته ، ومن مَلئهم أن يَنِمُّوا عليهم إليه فيفتنهم عن دينهم . (١) ليست في ((أ)). (٢) سورة يونس ٨٣. - ٤٠٥ - قال الله تعالى مخبراً عن فرعون وكفى بالله شهيداً: ﴿وإنَّ فرعون لعالٍ في الأرض﴾ أي جبار عنيد مشتغل بغير الحق ، ﴿وإنه لمن المسرفين﴾ أي في جميع أموره وشئونه وأحواله. ولكنه جرثومة قد حان انجعافها(١) وثمرة خبيثة قد آن قطافها ، ومُهْجة ملعونة قد حُتِّم إنلافها ! وعند ذلك قال موسى: ﴿ يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مُسْلمين * فقالوا على الله توكلنا ربَّنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين * ونجّنا برحمتك من القوم الكافرين﴾(٢) فأمرهم بالتوكل على الله ، والاستعانة به ، والالتجاء إليه ، فأتمروا بذلك فجعل الله لهم مما كانوا فيه فَرَجاً ومخرجاً . ﴿ وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تَبوَّءا لقومكما بِمصْرَ بيوتاً ، واجعلوا بيوتكم قِبْلةً وأقيموا الصلاةَ وبشِّر المؤمنين﴾(٣). أوحى الله تعالى إلى موسى وأخيه هارون عليهما السلام أن يتخذا لقومهما بيوتاً متميزة فيما بينهم عن بيوت القِبْط ؛ ليكونوا على أهبة الرحيل إذا أُمروا به ، ليعرف بعضُهم بيوتَ بعض . وقوله: ﴿ واجعلوا بيوتكم قبلة﴾. قيل مساجد ، وقيل معناه كثرة الصلاة فيها . قاله مجاهد وأبو مالك وإبراهيم النَّخَعي والربيع والضحاك وزيد بن أَسْلم وابنه عبد الرحمن وغيرهم . ومعناه على هذا : الاستعانة على ما هم فيه من الضر والشدة والضيق بكثرة الصلاة، كما قال تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾(٤)، وكان رسول الله عَ ليه إذا حَزبه أمر صلى . وقيل معناه: أنهم لم يكونوا [ حينئذ ](٥) يقدرون على إظهار عبادتهم في مجتمعاتهم ومعابدهم ، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم ؛ عوضاً عما فاتهم من إظهار (١) الانجعاف : الاقتلاع والاستئصال. (٢) سورة يونس ٨٤ - ٨٦. (٣) سورة يونس ٨٧ . (٤) سورة البقرة ٤٥ . (٥) ليست في ((أ)) . - ٤٠٦ - شعائر الدين الحق في ذلك الزمان ، الذي اقتضى حالهم إخفاءه خوفاً من فرعون وملئه والمعنى الأول أقوى لقوله: ﴿وبشِّر المؤمنين﴾. وإن كان لا ينافي الثاني أيضاً . والله أعلم . وقال سعيد بن جبير : ﴿ واجعلوا بيوتكم قبلة ﴾ أي متقابلة . · وقال موسى : ربََّا إنكَ آتيتَ فرعون ومَلاَّه زينةً وأموالاً في الحياة الدنيا ، ربّنا لِيُضِلُّوا عن سبيلك ، ربنا اطْمِسْ على أموالهم واشدُدْ على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يَروا العذابَ الأليم * قال قد أُجيبتْ دعوتُكما فاستقيما ولا تَتَّبِعَانِّ سبيلَ الذين لا يعلمون ﴾ (١) . • هذه دعوة عظيمة دعا بها كليم الله موسى على عدوّ الله فرعون ، غضباً لله [عليه ](٢)؛ لتكبّره عن اتباع الحق ، وصده عن سبيل الله ومعاندته وعتوّه وتمرده، واستمراره على الباطل ، ومكابرته الحق الواضح الجلي الحسي والمعنوي ، والبرهان القطعيّ، فقال: ﴿ ربنا إنك آتيتَ فرعونَ وملأه)) يعني قومه من القِبْط ، ومن كان على ملته ودانَ بدينه ﴿زينةً وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك﴾ أي وهذا يغتُرُّ به من يعظِّم أمَرَ الدنيا ، فيحسب الجاهل أنهم على شيء ، لكن هذه الأموال وهذه الزينة ، من اللباس والمراكب الحسنة الهنّة ، والدور الأنيقة والقصور المبنية ، والمآكل الشهية والمناظر البهية، والملك العزيز والتمكين، والجاه العريض، في الدنيا لا الدين . ﴿ ربنا اطمسْ على أموالهم﴾ قال ابن عباس ومجاهد: أي أهلكها. وقال أبو العالية والربيع بن أنس والضحاك : اجعلها حجارة منقوشة كهيئة ما كانت ، وقال قتادة : بلغنا أن زروعهم صارت حجارة ، وقال محمد بن كعب : جعل سُكَّرهم حجارة ، وقال أيضاً : صارت أموالهم كلها حجارة ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز ، فقال عمر بن عبد العزيز لغلام له [ قم ](٢) ائتني بكيس . فجاءه بكيس ، فإذا فيه حمص وبيض قد حوَّل حجارة ! . (١) سورة يونس ٨٨، ٨٩. (٢) ليست في ((أ)) . - ٤٠٧ - رواه ابن أبي حاتم . وقوله ﴿ واشدُدْ على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يَروا العذابَ الأليم ﴾ قال ابن عباس : أي اطبع عليها . وهذه دعوة غضبٍ لله تعالى ولدينه ولبراهينه . فاستجاب الله تعالى لها (٢) ، وحققها. وتقبلها، كما استجاب لنوح في قومه حيث قال: ﴿ رَبِّ لا تذَرْ على الأرض من الكافرين دَيَّاراً * إنك إن تذَرْهم يُضِلوا عبادَك ولا يلدوا إلا فاجراً كفَّاراً﴾(٢) ولهذا قال تعالى، مخاطباً لموسى حين دعا على فرعون وملئه ، وأمَّن أخوه هارونُ على دعائه فنزل ذلك منزلة الداعي أيضاً: ﴿ قالى قد أُجيبت دَعْوتُكما فاستقيما ولا تتبعانِّ سبيلَ الذين لا يعلمون ﴾ . قال المفسرون وغيرهم من أهل الكتاب : استأذن بنو إسرائيل فرعونَ في الخروج إلى عيد لهم ، فأذن لهم وهو كاره ، ولكنهم تجهزوا للخروج وتأهبوا له ، وإنما كان في نفس الأمر(٣) مكيدة بفرعون وجنوده ، ليتخلصوا منهم ويخرجوا عنهم. وأمرهم الله تعالى - فيما ذكره أهل الكتاب - أن يستعيروا حليًّا منهم ، فأعاروهم شيئاً كثيراً ، فخرجوا بليل فساروا مستمرين ذاهبين من فورهم ، طالبين بلادَ الشام . فلما علم بذهابهم فرعون حَنِق عليهم كلِّ الحَنق ، واشتد غضبه عليهم ، وشرع في استحثاث جيشه وجمع جنوده ليَلْحَقهم ويَمْحقهم . قال الله تعالى: ﴿وأوحينا إلى موسى أن أسْرٍ بعبادي إنكم مُتَّبَعُون * فأرسلَ فرعونُ في المدائن حاشِرين « إنّ هؤلاء لَشِرْذمةٌ قليلون « وإنهم لنا لَغائظون * وإنّا لجميعٌ حَذِرون (( فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم * كذلك وأورثناها بني إسرائیل » فاتبعوهم مُشْرقین » فلما تراءَی الجمعانِ قال أصحابُ موسی إنا لَمُدْرَكون * قال كلّا إن مَعِيَ ربِّي سيهدين » فأوحينا إلى موسى أنِ اضرب بعصاك (١) ((أ)) : لهما. (٢) سورة نوح ٢٦ - ٢٧ . (٣) الأصل والمطبوعة : في نفس الأرض . - ٤٠٨ - البحرَ فانفلقَ، فكان كلُّ فِرُق كالطَّودِ العظيم » وأزلفنا ثَمَّ الآخرين » وأنجينا موسى ومَن معه أجمعين . ثم أغرقنا الآخرين : إنّ في ذلك لآيَةً وما كان أكثرهم مؤمنين * وإنَّ ربك لهو العزيز الرحيم﴾(١). قال علماء التفسير : لمّا ركب فرعون في جنوده طالباً بني إسرائيل يقفو أثرهم كان في جيش كثيف عَرَمُرَم ، حتى قيل كان في خيوله مائة ألف فحل أَدْهم ، وكانت عدة جنوده تزيد على ألف ألف وستمائة ألف . فالله أعلم . وقيل إن بني إسرائيل كانوا نحواً من ستمائة ألف مقاتل غير الذرية ، وكان بين خروجهم من مصر صحبةً موسى عليه السلام ودخولهم إليها صحبة أبيهم إسرائيل أربعمائة سنة وستاً وعشرين سنة شمسية . والمقصود أن فرعون لحقهم بالجنود ، فأدركهم عند شروق الشمس ، وتراءَى الجمعان ، ولم يبق ثَمَّ ريبٌ ولا لَيْس ، وعاين كلٍّ من الفريقين صاحبه وتحقق ورآه ، ولم يبق إلا المقاتلة والمجادلة(٢) والمحاماة. فعندها قال أصحاب موسى وهم خائفون : ﴿ إِنَا لَمُدْرَكون﴾ وذلك لأنهم اضطروا في طريقهم إلى البحر فليس لهم طريق ولا مَحِيد إلا سلوكه وخَوْضه ، وهذا ما لا يستطيعه أحد ولا يَقْدر عليه ، والجبال عن يَسْرتهم وعن أيمانهم وهي شاهقة مُنِيفة ، وفرعون قد غالَقهم وواجَههم ، وعاينوه في جنوده وجيوشه(٣) وُدده وعَدده، وهم منه في غاية الخوف والذعر ؛ لِمَا قاسَوا في سلطانه من الإِهانة والمَكر (٤). فشكُوا إلى نبي الله ما هم فيه مما قد شاهدوه وعاينوه . فقال لهم الرسول الصادق المصدوق: ﴿ كلَّ إن معِيَ ربِّي سيهدينٍ﴾ وكان في الساقة . فتقدم إلى المقدِّمة ، ونظر إلى البحر وهو يتلاطم بأمواجه ، ويتزايد زيد أُجَاجه ، وهو يقول : هاهنا أمرت . ومعه أخوه هارون ، ويوشع بن نون ، وهو يومئذ من سادات بني إسرائيل وعلمائهم وعُبَّادهم الكِبَار ، وقد أوحى الله إليه وجعله نبيًّا بعد موسى وهارون عليهما (١) سورة الشعراء ٥٣ - ٦٨. (٢) ((أ)): والمحاولة . (٣) ((أ): في جيوشه وجنوده . (٤) ((أ)): والمنكر . - ٤٠٩ - السلام، كما سنذكره فيما بعد إن شاء الله، ومعم [ أيضاً ](١) مؤمن آل فرعون، وهم وقوف ، وبنو إسرائيل بكمالهم عليهم عكوف . ويقال إن مؤمن آل فرعون جعل يقتحم بفرسه مِراراً في البحر ، هل يمكن سلوكه ؟ فلا يمكن ، ويقول لموسى عليه السلام : با نبي الله ها هنا أمرتَ ؟ فيقول : نعم . ● فلما تفاقم الأمر وضاق الحال واشتد الأمر ، واقترب فرعون وجنوده في جِدهم وحَدِّهم وحديدهم، وغضَبهم وحَنَقهم ، وزاغت الأبصار وبلغت القلوبُ الحناجر ، عند ذلك أوحى الحليمُ العظيم القدير ، ربُّ العرش الكريم ، إلى موسى الكليم : ﴿ أن اضرب بعصاك البحر﴾. فلما ضربه ، يقال إنه قال له : انفلق بإذن الله . ويقال : إنه كنَّاه بأبي خالد . فالله أعلم . قال الله تعالى : ﴿ فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كلُّ فِرْق كالطَّوْد العظيم ﴾. ويقال إنه انفلق اثني عشر طريقاً ، لكل سِبْط طريق يسيرون فيه ، حتى قيل إنه صار فيه أيضاً شبابيك ليرى بعضهم بعضاً ! وفي هذا نظر ، لأن الماء جرم شفاف إذا كان من ورائه ضياء حكاه . وهكذا كان ماء البحر قائماً مثل الجبال ، مكفوفاً بالقدرة العظيمة الصادرة من الذي يقول للشيء كن فيكون، وأمر الله تعالى ريحَ الدَّبور فلفَحت حال (٢) البحر فأذهبته ، حتى صار يابساً لا يَعْلَق في سَنابك الخيول والدواب . قال الله تعالى: ﴿ ولقد أوحينا إلى موسى أنْ أَسْرٍ بعبادي فاضرب لهم طريقاً في البحر يَبَساً ؛ لا تخاف دَرَكاً ولا تخشَى * فَأَتْبعهم فرعونُ بجنوده فَغَشِيهم من اليَمِّ ما غَشيهم : وأضلَّ فرعونُ قومَه وما هَدى﴾ (٣) . والمقصود أنه لما آل أمُرُ البحر إلى هذه الحال ، بإذن الرب العظيم الشديد المِحَال ، أمر موسى عليه السلام أن يَجُوزه ببني إسرائيل ، فانحدروا فيه مُسْرعين مستبشرين مبادرين ، وقد شاهدوا من الأمر العظيم ما يحير الناظرين ، ويهدي قلوب المؤمنين . فلما جازوه(٤) وجاوَزوه وخرج آخرهم منه ، وانفصلوا عنه ، كان ذلك (١) ليست في ((أ)) . (٢) الحال : الطين الأسود . (٣) سورة طه ٧٧ - ٧٩ . (٤) المطبوعة : جاوزوه . محرفة . - ٤١٠ - عند قدوم أول جيش فرعون إليه ، ووفودهم عليه . فأراد موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما (١) كان عليه ، لئلا يكون لفرعون وجنوده وصولٌ إليه ، ولا سبيل عليه ، فأمره (٢) القدير ذو الجلال أن يترك البحر على هذا الحال، كما قال وهو الصادق في المقال: ﴿ولقد فتنًّا قَبْلَهم قومَ فرعون وجاءهم رسولٌ كريم = أن أدُّوا إلَّ عبادَ الله إني لكم رسولٌ أمين « وأن لا تَعْلُوا على الله إني آتيكم بسلطانٍ مبين * وإني عُذْتُ بربي وربكم أَن تَرْجُمون ، وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون« فدعا ربَّه أنّ هؤلاء قومٌ مجرمون ﴾ فأَسْرِ بعبادي ليلاً إنكم متَبعون * واترك البحر رَهْواً إنهم جُنْدٌ مغرقون » كم تركوا من جناتٍ وعيون = وزروع ومقام كريم » ونَعْمةٍ كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوماً آخرين " فما بكت عليهم السماء والأرضُ وما كانوا مُنظَرين * ولقد نجَّينا بني إسرائيل من العذاب المهين * من فرعون إنه كان عالياً من المسرفين * ولقد اخترناهم على عِلْمٍ على العالمين. وآتيناهم من الآياتِ ما فيه بلاءٌ مبين﴾(٣) . فقوله تعالى ﴿ واترك البحر رَهْواً﴾ أي ساكناً على هيئته ، لا تغيّره عن هذه الصفة . قاله عبد الله بن عباس ومجاهِد وِكْرمة والربيع والضَّحَّاك وقتادة وكعب الأحبار وسِمَاك بن حَرْب وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغيرهم . فلما تركه على هيئته وحالته (٤) وانتهى فرعون، فرأى ما رأى وعاين ما عاين ، هالَه هذا المنظر العظيم ، وتحقق ما كان يتحققه قبل ذلك من أن هذا من فعل رب العرش الكريم ، فأحجم ولم يتقدم ، وندم في نفسه على خروجه في طلبهم والحالة هذه حيث لا ينفعه الندم ، ولكنه أظهر لجنوده تجلّداً وعاملهم معاملة العِدَا، وحملته النفس الكافرة والسجيّة الفاجرة على أن قال لمن استخفّهم فأطاعوه ، وعلى باطله تابعوه(٥) : انظروا كيف انحسر [البحر ](٦) لي لأدرك عبيدي الآبقين من يدي، الخارجين على (٧) طاعتي وبلدي ؟! وجعل يوري في نفسه أن يذهب خلفهم ، ويرجو (١) ((أ)) : عما . (٢) ((أ)) : فأمر . (٣) سورة الدخان ١٧ - ٢٣ . (٤) ((أ)) : وحاله . (٥) ((أ)): بايعوه . (٦) سقطت من (( أ)) . (٧) ((أ)): عن طاعتي. - ٤١١ - أن ينجو وهيهات ، ويُقدم تارة ويُحْجم تاراتٍ ! فذكروا أن جبريل عليه السلام تبدَّى في صورة فارس راكب على رَمَكة حائل(١) فمَرَّ بين يَدِيْ فَحْل فرعون لعنه الله، فحمْحَم إليها وأقبل عليها ، وأسرع جبريل بين يديه فاقتحم البحرَ ، واستبق الجوادُ وقد أجاد ، فبادر مسرعاً ، هذا وفرعون لا يملك من نفسه ضراً ولا نفعاً ، فلما رأته الجنود قد سلك البحرَ اقتحموا وراءه مسرعين ، فحصلوا في البحر أجمعين أَكْتَعين أَبْصَعين، حتى همَّ أولهم بالخروج منه ، فعند ذلك أمر الله تعالى كَلِيمه فيما أوحاه إليه أن يضرب بعصاه البحرَ . فضربه فارتطم عليهم البحر كما كان ، فلم ينجُ منهم إنسان . قال الله تعالى: ﴿ وأنجينا موسَى ومن معه أجمعين » ثم أغرقنا الآخرين » إنّ في ذلك لآيةً وما كان أكثرهم مؤمنين . وإنّ ربك لَهو العزيز الرحيم﴾(٢) أي في إنجائه أولياءه فلم يغرق منهم أحد ، وإغراقه أعداءه فلم يخلص منهم أحد ، آية عظيمة ، وبرهان قاطع على قدرته تعالى العظيمة ، وصِدْق رسوله فيما جاء به عن ربه من الشريعة الكريمة ، والمناهج المستقيمة . وقال تعالى: ﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البَحْرَ فُتبعهم فرعونُ وجنوده بَغياً وعَدْواً حتى إذا أدركه الغرقُ قال آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمَنَتْ به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين * الآنَ وقد عَصْيْتَ قَبْلُ وكنتَ من المفسدين « فاليومَ نُنَجِّيك بِيَدنك لتكون لمن خَلْفكَ آيةً، وإنّ كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون﴾(٣). يخبر تعالى عن كيفية غرق فرعون زعيم كفرة القبط ، وأنه لما جعلت الأمواج تخفضه تارة وترفعه أخرى (٤)، وبنو إسرائيل ينظرون إليه وإلى جنوده ، ماذا أحلَّ الله به وبهم من البأس العظيم والخطب الجسيم ؛ ليكون أقرّ لأعينٍ بني إسرائيل، وأشفَى لنفوسهم . فلما عاينَ فرعونُ الهلكة وأحيط به ، وباشر سكرات الموت أناب حينئذ وتاب ، وآمنَ حين لا ينفع نفساً إيمانُها؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين حَقَّتْ عليهم كلمةُ ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كلّ آيةٍ حتى يَروا العذاب الأليم﴾(٥) . (١) الرمكة : الفرس. والحائل: التي لم تلقح . (٢) سورة الشعراء ٦٥ - ٦٨. (٣) سورة يونس ٩٠ - ٩٢. (٤) ((أ)): ترفعه تارة وتخفضه أخرى . (٥) سورة يونس ٩٦ ، ٩٧ . - ٤١٢ - وقال تعالى: ﴿ فلما رأوا بَأْسَنا قالوا آمنًّا بالله وَحْدَه وَكَفَرْنا بما كنا به مشرِكين » فلم يكُ ينفعهم إيمانُهم لمَّا رأَوْا بأسَنا سُنةَ الله التي قد خَلَتْ في عباده وخَسِر هنالك الكافرون ﴾(١) . وهكذا دعا موسى على فرعون وملئه ، أن يَطْمس على أموالهم ، ويَشْدُد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ، أي حين لا ينفعهم ذلك ، ويكون حسرةً عليهم. وقد قال تعالى لهما - أي لموسى وهارون - حين دعَوا بهذا: ﴿ قد أُجيبتْ دَعْوتُكما﴾ فهذا من إجابة الله تعالى دعوةَ كَلِيمه وأخيه هارون عليهما السلام . ومن ذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله عَ له: ((لما قال فرعون: ﴿آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾ قال لي جبريل: لو رأيتَني وقد أخذتُ من حال البحر فدسَسْتُه في فيه ، مخافة أن تناله الرحمة!)) (٢) . ورواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم عند هذه الآية من حديث حماد بن سلمة ، وقال الترمذي حديث حسن(٣). وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة ، عن عَدِي بن ثابت ، وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله عَ لهم: ((قال لي جبريل : لو رأيتني وأنا آخذُ من حال البحر فأدسّه في فم فرعون مخافة أن تناله (٤) الرحمة)) (٥) . ورواه الترمذي وابن جرير من حديث شعبة ، وقال الترمذي حسنٌ غريب صحيح (٦). وأشار ابن جرير في رواية إلى وقفه . (١) سورة غافر ٨٤، ٨٥ . (٢) مسند أحمد ٣٠٩/١. كما رواه أحمد عن يونس، عن حماد ثم بقية الإسناد في ٢٥٤/١. (٣) سنن الترمذي كتاب تفسير القرآن. سورة يونس. حديث رقم ٣١٠٧. (٤) ((أ)): أن تدركه. (٥) منحه المعبود ٥٤/٢ . (٦) سنن الترمذي حديث رقم ٣١٠٨ بنحوه . - ٤١٣ - وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشجّ ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس قال : لما أغرق الله فرعون أشار بإصبعه ورفع صوته : ﴿ آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنتْ به بنو إسرائيل﴾ قال فخاف جبريل أن تسبق رحمة الله غضبه، فجعل يأخذ الحال بجناحيه ، فيضرب به وجهه فيَرْمسه(١) . ورواه ابن جرير من حديث أبي خالد ب(٢). وقد رواه ابن جرير من طريق كَثير بن زاذان وليس بمعروف ((٣)، وعن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((قال لي جبريل عليه السلام: يا محمد لو رأيتني وأنا أغطُّه وأدسُّ من الحال في فيه، مخافةً أن تدركه رحمة الله فيغفر له ! )). يَعني فرعون . وقد أرسله غير واحد من السلف كإبراهيم التَّيمي وقتادة وميمون بن مهران ، ويقال إن الضحاك بن قيس خطب به الناس ، وفي بعض الروايات أن جبريل قال : ما بغضْتُ أحداً بُغْضِي لفرعون حين قال: ﴿ أنا ربكم الأعلى﴾ ولقد جعلت أدسُّ في فيه الطين حين قال ما قال . وقوله تعالى: ﴿ الآن وقد عصَيْتَ قَبْلُ وكنتَ من المفسدين﴾ استفهام إنكار ، ونص على عدم قبوله تعالى منه ذلك؛ لأنه - والله أعلم - لو رُدَّ إلى الدنيا كما كان لعاد إلى ما كان عليه ، كما أخبر تعالى عن الكفار إذا عاينوا النارَ وشاهدوها أنهم يقولون: ﴿ يا ليتنا نُرِدُّ ولا نكذِّبَ بآيات ربنا ونكونَ من المؤمنين قال الله: ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يُخْفُون من قبلُ ، ولو رُدُّوا لعادوا لما نُهوا عنه وإنهم الكاذبون﴾(٤). وقوله ﴿ فاليومَ ننجِّيك بيدنك لتكون لمن خلفك آيةً﴾ . قال ابن عباس وغير واحد : شكَّ بعضُ بني إسرائيل في موت فرعون ، حتى (١) يرمسه : يدفنه . (٢) تفسير الطبري ١٦٤/١١. (٣) ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال ٤٠٣/٣ وقال: له حديث منكر . قال أبو زرعة وأبو حاتم : مجهول . وقال ابن معين : لا أعرفه . (٤) سورة الأنعام ٢٧، ٢٨. - ٤١٤ - قال بعضهم إنه لا يموت ، فأمر الله البحر فرفعه على مرتفع ؛ قيل على وجه الماء ، وقيل على نَجْوة من الأرض ، وعليه درعه التي يعرفونها من ملابسه ، ليتحققوا بذلك هلاكه، ويَعلموا قدرةَ اللّه عليه. ولهذا قال: ﴿فاليوم ننجِّيك ببدَنك﴾ أي مصاحباً درعك المعروفة بك؛ ﴿ لتكون﴾ أي أنت آيةً ﴿لمن خَلْفَك﴾ أي من بني إسرائيل ، ودليلاً على قدرة الله الذي أهلكك ، ولهذا قرأ بعض السلف : لتكون لمن خَلقَك آيةً﴾. ويحتمل أن يكون المراد: ننجيك بجسدك مصاحباً درعك ؛ لتكون علامةً لمن وراءك من بني إسرائيل على معرفتك وأنك هلكت ، والله أعلم . وقد كان هلا که وجنوده في يوم عاشوراء . كما قال الإِمام البخاري في صحيحه: حدثنا محمد بن بشَّار، حدثنا غُنْدَر ، حدثنا شعبة عن أبي بشر ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس قال : قِدِم النبي عَ له المدينة واليهودُ تصوم يوم عاشوراء، فقال: ((ما هذا اليوم الذي تصومونه؟)) فقالوا: هذا يوم ظَهر فيه موسى على فرعون. قال النبي عَّةٍ لأصحابه: ((أنتم أحق بموسى منهم فصوموا)) . وأصل هذا الحديث في الصحيحين وغيرهما (١) . والله أعلم. (١) صحيح البخاري كتاب الصيام ٢٧٩/١ (ط الأميرية) وصحيح مسلم كتاب الصيام باب صوم يوم عاشوراء ٤٥٦/١ ( ط عيسى الحلبي ) . - ٤١٥ - فصل فيما كان من أمر بني إسرائيل بعد هلاك فرعون قال الله تعالى: ﴿ فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليمِّ بأنهم كَذَّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين * وأورثْنا القومَ الذين كانوا يُستضعفون مَشارقَ الأرضِ ومَغَارِتَها التي بارَكْنا فيها وتمَّت كلمةُ ربك الحسنَى على بني إسرائيل بما صَبروا، ودمَّرنا ما كان يَصنع فرعونُ وقومُه وما كانوا يَعْرِشون » وجاوَزْنا ببني إسرائيل البحرَ فأتوا على قوم يَعْكُفونَ على أصنام لهم ، قالوا يا موسى اجعلْ لنا إلهاً كما لهم آلهةٌ ، قال إنكم قومٌ تَجْهَلُون « إنّ هؤلاء مُتَبَّر ما هُمْ فِيه ، وباطلٌ ما كانوا يعملون ﴾ قال أغَيْرَ الله أَبْغيكم إلهاً وهو فضَّلكم على العالَمين » وإذ أنجيناكم من آلِ فرعون يَسُومونكم سُوءَ العذاب، يقتِّلون أبناءكم ويَسْتَحْيون نساءكم وفي ذلكم بلاءٌ من ربكم عظيم﴾(١). يذكر تعالى ما كان من أمر فرعون وجنوده في غرقهم، وكيف سلَبهم عزَّهم ومالَهم وأنفسَهم ، وأورث بني إسرائيل جميعَ أموالهم وأملاكهم ، كما قال : كذلك وأورثناها بني إسرائيل﴾(٢) وقال: ﴿ونريد أن نُمُنَّ على الذين اسْتُضْعِفُوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين﴾(٣) وقال ها هنا: ﴿وَأوْرَثْنَا القومَ الذين كانوا يُستضعفون مشارقَ الأرض ومغاربها التي بارَكْنا فيها ، وتمَّتْ كلمةٌ ربك الحسنَى على بني إسرائيل بما صَبَروا ، ودَمَّرنا ما كان يَصنعُ فرعونُ وقومُه وما كانوا . . یعْرشون أي أهلك ذلك جميعه ، وسلَبهم عزَّهم العزيز العريض في الدنيا ، وهلك الملكُ وحاشيته وأمراؤه وجنوده ، ولم يبق ببلد مصر سوى العامة والرعايا . • ذكر ابن عبد الحكم في تاريخ مصر : أنه من ذلك الزمان تسلط نساء (١) سورة الأعراف ١٣٦ - ١٤١. (٢) سورة الشعراء ٥٩ . (٣) سورة القصص ٥ . - ٤١٦ - مصر(١) على رجالها ؛ بسبب أن نساء الأمراء والكبراء تزوجن بمن دونهن من العامة ، فكانت لهن السطوة عليهم . واستمرت هذه سُنة نساء مصر إلى يومنا (٢) هذا! · وعند أهل الكتاب : أن بني إسرائيل لما أُمروا بالخروج من مصر جعل الله ذلك الشهر أول تسَنتهم ، وأمروا أن يذبح كل أهل بيت حَملاً من الغنم ، فإن كانوا لا يحتاجون إلى حمل فليشترك الجار وجاره فيه . فإذا ذبحوه فَلْيَنْضَحُوا من دمه على أعتاب أبوابهم ، ليكون علامةً لهم على بيوتهم ، ولا يأكلونه مطبوخاً ، ولكن مشويًّا برأسه وأكارعه وبطنه ، ولا يبقوا منه شيئاً ، ولا يكسروا له عظماً ، ولا يخرجوا منه شيئاً إلى خارج بيوتهم . وليكن خبزهم فطيراً سبعة أيام ، ابتداؤها من الرابع عشر من الشهر الأول من سنتهم ، وكان ذلك في فصل الربيع فإذا أكلوا فلتكن أوساطهم مشدودة ، وخِفَافهم في أرجلهم ، وعصيِّهم في أيديهم ، وليأكلوا بسرعة قياماً ، ومهما فَضل عن عشائهم فما بقي إلى الغد فليحرقوه بالنار . وشرع لهم هذا عيداً لأعقابهم ما دامت التوراة معمولاً بها . فإذا نُسخت بطل شرعها . وقد وقع ! قالوا : وقتل الله عز وجل في تلك الليلة أبكار القبط وأبكار دوابهم ، ليشتغلوا عنه . وخرج بنو إسرائيل حين انتصف النهار ، وأهل مصر في مناحة عظيمة على أبكار أولادهم وأبكار أموالهم ، ليس من بيتٍ إلا وفيه عويل . وحين جاء الوحي إلى موسى خرجوا مسرعين ، فحملوا العجين قبل اختماره ، وحملوا الأزواد في الأردية وألقوها على عواتقهم ، وكانوا قد استعاروا من أهل مصر حليًّا كثيراً ، فخرجوا وهم ستمائة ألف رجل سوى الذّرَاري بما معهم من الأنعام ، وكانت مدة مقامهم بمصر أربعمائة سنة وثلاثين سنة . هذا نص كتابهم . • وهذه السنة عندهم تسمى سنة الفسخ ، وهذا العيد عيد الفسخ ، ولهم عيد الفطر (٣)، وعيد الحمل وهو أول السنة ، وهذه الأعياد الثلاثة آكَد أعيادهم، منصوص عليها في كتابهم . (١) المطبوعة : مصري . محرفة . (٢) ((أ)): إلى يومك هذا. (٣) ((ط)) : الفطير. - ٤١٧ - ولما خرجوا من مصر أخرجوا معهم تابوت يوسف عليه السلام ، وخرجوا على طريق بحر سوف(١) ، وكانوا في النهار يسيرون والسحاب بين أيديهم يسير أمامهم فيه عمود نور ، والليل أمامهم عمود نارٍ ، فانتهى بهم الطريق إلى ساحل البحر فنزلوا هنالك ، وأدركهم فرعون وجنوده من المصريين ، وهم هناك حلول على شاطئء اليَمّ ، فَقَلق كثير من بني إسرائيل ، حتى قال قائلهم : كان بقاؤنا بمصر أُحبَّ إلينا من الموت بهذه البرّة . فقال موسى عليه السلام لمن قال هذه المقالة : لا تخشوا فإن فرعون وجنوده لا يرجعون إلى بلدهم بعد هذا . قالوا : وأمر الله موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه ، وأن يقسمه ليدخل بنو إسرائيل في البحر واليبس . وصار الماء من ها هنا وها هنا كالجبلين ، وصار وسطه ببساً ، لأن الله سلط عليه ريح الجنوب والسَّهُوم. فجاز بنو إسرائيل البحر وأتبعهم فرعون وجنوده ، فلما توسطوه أمر الله موسى فضرب البحر بعصاه ، فرجعَ الماء كما كان عليهم . لكنْ عند أهل الكتاب : أن هذا كان في الليل ، وأن البحر ارتطم عليهم عند الصبح . وهذا من غلطهم وعدم فهمهم في تعريبهم . والله أعلم . ● قالوا : ولما أغرق الله فرعون وجنوده حينئذ سبَّح موسى وبنو إسرائيل بهذا التسبيح للرب، وقالوا: ((نسبح الرب [البهيّ ](٢)، الذي قهَر الجنود، ونبذ فرسانها في البحر المنيع المحمود )) وهو تسبيح طويل . قالوا وأخذت مريم النبيّة - أخت هارون ـــ دفًّا بيدها، وخرج النساء في أثرها كلهن بدفوف وطبول . وجعلت مريم ترتل لهن وتقول : سبحان الرب القهار ، الذي قهر الخيول وركبانها إلقاءً في البحر . هكذا رأيته في كتابهم . ولعل هذا [هو من ](٢) الذي حَمل محمد بن كعب القُرَظي على زعمه : أن مريم بنت عمران أم عيسى ؛ هي أخت هارون وموسى ، مع قوله : ﴿ يا أخت هارون ﴾ (١) ((أ)) : بحر سون. (٢) ليست في (( أ)) . - ٤١٨ - وقد بينًّا غَلطه في ذلك ، وأن هذا لا يمكن أن يقال ، ولم يتابعه أحد عليه ، بل كل واحد (١) خالفه فيه . ولو قدِّر أن هذا محفوظ فهذه مريم بنت عمران أخت موسى وهارون عليهما السلام . وأم عيسى عليها السلام وافقتْها في الاسم واسم الأب واسم الأخ، لأنهم كما قال رسول الله عَّ الله للمغيرة بن شعبة، لمّا سأله أهل نجران عن قوله: ﴿يا أخت هارون﴾ فلم يَدْر ما يقول لهم، حتى سأل رسولَ الله عَ لَّه عن ذلك فقال: ((أما علمت أنهم كانوا يسمُّون بأسماء أنبيائهم)) رواه مسلم (٢). وقولهم : ﴿ النبّة﴾ كما يقال للمرأة من بيت الملك مَلِكة ، ومن بيت الإِمرة أميرة ، وإن لم تكن مباشرة [ شيئاً ](٢) من ذلك، فكذا هذه استعارة لها، لا أنها نبية حقيقية يوحَنى إليها . وضّرْبها بالدف في مثل هذا اليوم الذي هو أعظم الأعياد عندهم دليل على أنه قد كان شرع من قبلنا ضَرْب الدف في العيد ، وهذا مشروع لنا أيضاً في حق النساء ، لحديث الجاريتين اللتين كانتا عند عائشة تَضْربان بالدف في أيام منى ، ورسول الله عَ ليه مضطجع مولّ ظَهره إليهم، ووجهه إلى الحائط فلما دخل أبو بكر زجرهن وقال: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله عَ لمه؟ فقال: ((دَعْهن یا أبا بكر فإن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا)) (٤). وهكذا يُشْرع عندنا في الأعراس ولقدوم الغيَّب ، كما هو مقرَّر في موضعه . والله أعلم . ● وذكروا أنهم لما جازُوا البحرَ وذهبوا قاصِدين إلى بلاد الشام مكثوا ثلاثة أيام لا يجدون ماء ، فتكلم من تكلم منهم بسبب ذلك ، فوجدوا ماء زُعَافاً أُجاجاً لم يستطيعوا شربه ، فأمر الله موسى فأخذ خشبة فوضعها فيه ، فحلًا وساغ شربه . وعلَّمه الرب هنالك فرائض وسنناً ، ووصاه وصايا كثيرة . (١) ((أ)) : كل أحد . (٢) صحيح مسلم كتاب الآداب باب ما يستحب من الأسماء . ٢٥٧/٢ ( ط عيسى الحلبي). (٣) سقطت من ((أ)) . (٤) صحيح مسلم كتاب صلاة العيدين باب (( الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد)) ٣٥٢/١ ( ط عيسى الحلبي). - ٤١٩ - وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز المهيمن على ما عَداه من الكتب : وجاوَزْنا ببني إسرائيل البحرَ فأتوا على قومٍ يَعْكُفون على أصنام لهم ، قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كمالهم آلهةٌ ، قال إنكم قومٌ تَجْهلون » إن هؤلاء مُتَبَّر ما هُمْ فيه ، وباطلٌ ما كانوا يَعْملون﴾(١). قالوا هذا الجهل والضلال ، وقد عاينوا من آيات الله وقدرته ، ما دلهم على صِدق ما جاءهم به رسول ذي الجلال والإكرام وذلك أنهم مُرُّوا على قوم يعبدون أصناماً ، قيل كانت على صُوَر البقر ، فكأنهم سألوهم : لم يعبدونها ؟ فزعموا لهم أنها تنفعهم وتضرهم ، ويسترزقون بها عند الضرورات ، فكأن بعض الجهال منهم صدَّقوهم في ذلك ، فسألوا نبيهم الكليم الكريم العظيم ، أن يجعل لهم آلهةً كما لأولئك آلهة ، فقال لهم مبيّناً لهم أنهم لا يعقلون ولا يهتدون: ﴿إن هؤلاء مُتَبَّر ما هم فيه وباطلّ ما كانوا يعملون ثم ذكَّرهم نعمةَ الله عليهم ، في تفضيله إياهم على عَالَمِي زمانِهم بالعلم والشرع ؛ والرسول الذي بَيْن أظهرهم، وما أحسنَ به إليهم وما امتنَّ به عليهم من إنجائهم من قبضة فرعون الجبّار العنيد، وإهلاكه إياه وهم ينظرون ، وتوريثه إياهم ما كان فرعون وملؤه يجمعونه من الأموال والسعادة ، وما كانوا يَعْرشون، وبيَّن لهم أنه لا تصلح العبادة إلا الله وحده لا شريك له ؛ لأنه الخالق الرازق القهار . وليس كلُّ بني إسرائيل سأل هذا السؤال، بل [ هذا ](٢) الضمير عائد على الجنس في قوله: ﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحرَ فأتّوا على قوم يَعْكُفون على أصناع لهم ، قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهةٌ ﴾ أي قال بعضهم كما في قوله : وحشَرْناهم فلم نغادِر منهم أحداً * وعُرضوا على ربك صفًّا لقد جئتمونا كما خلقناكم أولَ مرة بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعداً ﴾(٣) فالذين زعموا هذا بعضُ الناس لا كلهم . (١) سورة الأعراف ١٣٨، ١٣٩. (٢) سقطت من (( أ)). (٣) سورة الكهف ٤٧، ٤٨ . - ٤٢٠ -