النص المفهرس
صفحات 361-380
أبي أيوب ، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، قال: سمعت عُتبةٍ (١) بن النُّدَّر يقول: كنا عند رسول الله عَّله فقر طَسْمَ، حتى إذا بلغ قصة موسى قال: ((إن موسى عليه السلام آجرَ نفسه ثماني سنين أو عشر سنين على ◌ِفة فرجه وطعام بطنه))(٢). وهذا الحديث من هذا الوجه لا يصح ، لأن مَسْلمة بن عُلَيّ الخشنيّ الدمشقي البلاطي ضعيف عند الأئمة لا يحتج بتفرده(٣). ولكن قد روى من وجه آخر ، فقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا صفوان بن عبد الله بن بكر ، حدثني ابن لَھیعة .ح . وحدثنا أبو زُرْعة ، حدثنا صفوان ، حدثنا الوليد ، حدثنا عبد الله بن ◌َهِيعة ، عن الحارث بن يزيد الحضرمي ، عن علي بن رباح اللَّخْمي قال: سمعت ◌ُتبة بن النُّدَّر السُّلَمي صاحب رسول الله عَ لّمِ يحدّث أن رسول الله قال : ((إن موسى عليه السلام آجَر نفسه بعفة (٤) فرجه وطعمة بطنه)). ثم قال تعالى: ﴿ ذلك بَيْنِي وبينك أَيَّما الأجَلَيْنِ قضيتُ فلا عُدوانَ عليَّ والله على ما نقول شهيد ﴾، يقول: إن موسى قال لصهره: الأمر على ما قلتَ، فأيهما قضيتُ فلا عدوان عليَّ والله على مقالتنا سامع وشاهد، ووكيلٌ عليَّ وعليك ، ومع هذا فلم يَقْض موسى إلا أكملَ الأجلين وأتمهما وهو العَشْر سنينَ كواملَ تامة . قال البخاري : حدثنا محمد بن عبد الرحيم ، أخبرنا سعيد بن سليمان ، حدثنا مروان بن شجاع ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جُبير ، قال : سألني يهودي من أهل الحِيرة : أيَّ الأَجَلين قضَى موسى؟ فقلت: لا أدري حتى أُقْدَم على حَبْر العرب فأسأله . فقدِمت فسألت ابنَ عباس فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما ، إن رسول الله إذا قال فعل . (١): ((أ) : عقبة: محرفة. (٢) سنن ابن ماجة حديث رقم ٢٤٤٤. (٣). قال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال ١٠٩/٤: شامي واه .. تركوه . قال رحيم ليس بشيء وقال أبو حاتم : لا يشتغل به وقال البخاري : منكر الحديث . (٤) العفة . - ٣٦١ - تفرد به البخاري من هذا الوجه(١) ، وقد رواه النسائي في حديث الفتون ، كما سيأتي من طريق القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جُبير [ به ](٢). وقد رواه ابن جرير ، عن أحمد بن محمد الطُّوسي ، وابن أبي حاتم عن أبيه ، كلاهما عن الحميدي ، عن سفيان بن عُيَينة ، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله عد اله قال: ((سألتُ جبيل أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما وأكملهما))(٣). وإبراهيم هذا غير معروف إلا بهذا الحديث . وقد رواه البزار عن أحمد بن أبان القرشي ، عن سفيان بن عُيَينة ، عن إبراهيم بن أَعْيَن، عن الحكم بن أبَان ، عن عِكرمة عن ابن عباس عن النبي عَ ◌ّه فذكره . وقد رواه سنيد عن حجاج ، عن ابن جُريج ، عن مجاهد مرسلاً : أن رسول الله سأل عن ذلك جبريل فسأل جبريل إسرافيل ، فسأل اسرافيل الربَّ عز وجل فقال: ((أبَّهما وأوفاهما)). وبنحوه رواه ابن أبي حاتم من حديث يوسف بن سرج مرسلاً . ورواه ابن جرير من طريق محمد بن كعب، أن رسول الله عَ لّه سُئل: أيّ الأجلين قضى موسى ؟ قال: ﴿ أوفاهما وأتمهما ﴾ . وقد رواه البَزَّار وابن أبي حاتم من حديث عُوَيد بن أبي عمران الجَوْني ، وهو ضعيف، عن أبيه عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، أن رسول الله عد اله سُئل أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: ((أوفاهما وأبرهما)) قال: ((وإن سئلت أي المرأتين تزوّج ؟ فقل الصغرى منهما)). وقد رواه البزار وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن ◌َهِيعة ، عن الحارث بن يزيد الحضْرَمي، عن علي بن رباح، عن عُتبة بن النُدّر، أن رسول الله عَ ◌ّمِ قال: (١) صحيح البخاري كتاب الشهادات باب رقم ٢٨. ٣٨١/١ (ط الأميرية). (٢) من ((أ)). (٣) تاريخ الطبري ٤٦١/١ (ط أوربا). - ٣٦٢ - ((إن موسى آجَر نفسه بعفة فرجه وطعام بطنه)) فلما وفى الأجل. قيل: يا رسول الله أيّ الأجلين؟ قال: ((أبّهما وأوفاهما)). فلما أراد فراقَ شعيب - سأل(١) امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به ، فأعطاها ما ولدت غنمه ، من قالِب لَوْن(٢) من ولد ذلك العام، وكانت غنمه سوداء حساناً ، فانطلق موسى عليه السلام [ إلى عصا قسمها من طرفها ثم وضعها في أدنى الحوض ، ثم أوردها فسقاها ، ووقف موسى عليه السلام ](٣) بإزاء الحوض ، فلم يصدر منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة ، قال : فأتأمت وألبنت (٤) ووضعت كلها قوالب ألوان ، إلا شاة أو شاتين ، ليس فيها فَشُوش ، ولا ضَبوب ، ولا عَزوز ، ولا تَعول ، ولا كَموش(٥) تفوت الكف . قال النبي عَّه ((لو افتتحتم (٦) الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية)). قال ابن لَهِيعة : الفَشُوش : واسعة الشَّخْب (٧)، والضَّبوب: طويلة الضرع تجره . والعَزُوز : ضيّقة الشخب ، والثعول : الصغيرة الضرع كالحلمتين ، والكموش : التي لا يحكم الكف على ضرعها لصغره . وفي صحة رفع هذا الحديث نظر . وقد يكون موقوفاً كما قال ابن جرير : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثنا أبي ، عن قتادة ، حدثنا أنس بن مالك قال: (( لما دعا نبي الله موسى صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما ، قال له صاحبه : كل شاة ولدت على غير لونها فلك ولدها ، فعمد موسى فوضع حبالاً(٨) على الماء فلما رأت الحبال فزعت فجالت جولةً فولدن كلهن بُلقا إلا شاة واحدة، فذهب بأولادهن [ كلهن ](٩) ذلك العام)) (١٠) وهذا إسناد [جيّد](١١) رجاله ثقات . والله أعلم . (١) ((أ)): أمر. (٢) ((أ)): فأعطاها ولد من ولدت من قالبه لون. وقالب لون : على غير لون أمها. (٤) ((أ)): فأغنت وأنثت . (٣) سقطت من (( أ)) (٥) ((أ)) : كمشة (٦)) (( ط)) : اقتحمتم . (٧) الشخب : ما يخرج من الضرع من اللبن (٨) ((ط)) : خيالاً. (٩) ليست في ((أ)). (١٠) تفسير الطبري ٦٩/٢٠.(١١) - ٣٦٣ - وقد تقدم عن نقل أهل الكتاب عن يعقوب عليه السلام حين فارق خاله ((لابان)) أنه أطلق له ما يولد من غنمه بُلقاً ، ففعل نحو ما ذكر عن موسى عليه السلام . فالله أعلم . [ قال الله: ](١) ﴿ فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنسَ مِن جانب الطُّور نارً ، قال لأهله امكثوا إني آنَسْتُ ناراً لعلِّي آتيكم منها بخبرٍ أو جَدْوة من النار لعلكم تَصْطَلون ؛ فلما أتاها نُودي من شاطئ الوادي الأيمنِ في البُقْعة المباركة من الشجرة أنْ يا موسى إني أنا الله رب العالمين * وأنْ ألقِ عصاك فلما رآها تهتزّ كأنها جانٌّ وَلَّى مُذْبراً ولم يعقِّب، يا موسى أقْبِلْ ولا تخَفْ إنك من الآمنين = اسلُكْ يَدَك في جيبك تخرج بيضاء من غير سُوءٍ، واضمُمْ إليك جَناحك من الرَّهْبِ ، فذاِك بُرْهَانان من رَبِّك إلى فرعونَ ومَلِئِه إنهم كانوا قوماً فاسقين﴾(٢). • تقدم أن موسى قضى أتمَّ الأجلين وأكملهما ، وقد يؤخذ هذا من قوله : فلما قضى موسى الأجلَ ﴾ وعن مجاهد أنه أكمل عشراً وعشراً بعدها . وقوله : ﴿ وسارَ بأهله﴾ أي من عند صهره، زاعماً(٣) - فيما ذكره غير واحد من المفسرين وغيرهم - أنه اشتاق إلى أهله ، فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة مُخْتَف ، فلما سار بأهله ومعه ولدان منهم وغنم قد استفادها مدةَ مقامه . قالوا : واتفق ذلك في ليلة مظلمة باردة ، وتاهوا في طريقهم فلم يهتدوا إلى السلوك في الدرب المألوف، وجعل يُورِي زِنادَه فلا يرى (٤) شيئاً ، واشتد الظلام والبرد . فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بُعْد ناراً تأجَّج في جانب الطور - وهو الجبل الغربي منه عن يمينه - ﴿ فقال لأهله امكثوا إني آنستُ ناراً﴾ وكأنه والله أعلم رآها (١) من ((أ)). (٢) سورة القصص ٢٩ - ٣٢. (٣) ((أ )) : ذاهباً. (٤): ((أ)) : فلا يوري . - ٣٦٤ - دونهم ، لأن هذه النار هي نور في الحقيقة ، ولا يصلح رؤيتها لكل أحد ، ﴿ لعلِّي آتيكم منها بخبر﴾ أي [لعلي ](١) أستعلم من عندها عن الطريق ﴿ أو جَذْوةٍ من النار لعلكم تَصْطلون﴾ فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة ومظْلمة ، لقوله في الآية الأخرى: ﴿وهل أتاك حديثُ موسى ؛ إذ رأى ناراً فقال لأهله امكثُوا إني آنَسْتُ ناراً ، لعِّي آتيكم منها بقبَس أو أجد على النار هُدىٍ﴾(٢) فدل على وجود الظلام وكونهم تاهوا عن الطريق . وجمع الكل في سورة النمل في قوله : ﴿ إذ قال موسى لأهله إني آنستُ ناراً سآتيكم منها بخبرٍ ، أو آتيكم بشهابٍ قَبَسٍ لعلكم تَصْطَلون﴾(٣) وقد أتاهم منها بخبر وأيّ خبر ، ووجد عندها هدىٍ وأي هدى ، واقتبس منها نوراً وأي نور ؟! قال الله تعالى: ﴿ فلما أتاها نُودِي من شاطئ الوادِي الأيمن في البقعةِ المباركة من الشجرة أنْ يا موسى إني أنا الله رب العالمين ﴾(٤). وقال في النمل : ﴿ فلما جاءها نودِيَ أنْ بُورِكَ من في النارِ ومَن حَوْلها وسبحانَ الله ربِّ العالمين﴾(٥) أي سبحان الله الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ﴿ يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم﴾(٦). وقال في سورة طه: ﴿ فلما أتاها نُودِي يا موسى * إنِّي أنا رُبُّك فاخلع نَعْليك، إنك بالوادي المقدَّس طوىٍّ وأنا اخترتُك فاستمع لِمَا يُوحَى» إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعُبُدْني وأقِم الصلاةَ لِذِكْرِي * إنَّ الساعَةَ آتيةٌ أكاد أْفيها لتُجْزَى كلُّ (١) ليست في ((أ)). (٢) سورة طه ٩، ١٠. (٣) سورة النمل ٨. (٤) سورة القصص ٣٠. (٥) سورة النمل ٨. (٦) : سورة النمل ٩ . - ٣٦٥ - نفسٍ بما تسعَى * فلا يصدُّنَّك عنها مَن لا يُؤْمِن بها واتبع هواه فَتَرْدَى﴾(١). قال غير واحد من المفسرين من السلف والخلف : لمَّا قصد موسى إلى تلك النار التي رآها فانتهى إليها ، وجدها تأجَّج في شجرة خضراء من العَوْسج(٢)، وكلّ ما لتلك النار في اضطرام ، وكل ما لخضرة [ تلك](٣) الشجرة في ازدياد . فوقف متعجباً ، وكانت تلك الشجرة في لحف جبل غربيٍّ منه عن يمينه ، كما قال تعالى : ﴿ وما كنت بجانب الغربيِّ إذ قضَينا إلى موسى الأمرَ ، وما كنت من الشاهدين﴾(٤) وكان موسى في واد اسمه ((طُوَى)) فكان موسى مستقبلَ القبلة ، وتلك الشجرة عن يمينه من ناحية الغرب ، فناداه ربه بالوادي المقدس طُوى ، فأُمر أولاً بخلع نعليه تعظيماً وتكريماً وتوقيراً لتلك البقعة المباركة ، ولا سيما في تلك الليلة المباركة . وعند أهل الكتاب : أنه وضع يده على وجهه من شدة ذلك النور ، مهابةً له وخوفاً على بصره . ثم خاطبه تعالى كما يشاء قائلاً له: ﴿إني أنا الله رب العالمين﴾(٥) ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبُدْني وأقِم الصلاةَ لِذِكْرِي﴾ (٦) أي أنا رب العالمين الذي لا إله إلا هو ، الذي لا تصلح العبادة وإقامة الصلاة إلا له . ثم أخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار ، وإنما الدارُ الباقية يومَ القيامة ، التي لا بد من كونها ووجودها ﴿ [إن الساعة آتية أكاد أُخْفِيها ] لِتُجْزَى كلُّ نفسٍ بما تسعَى﴾(٧) أي من خير وشر. وحضَّه وحثَّه على العمل لها ، ومُجَانبة من لا يؤمِن بها ممن عصى مولاه واتبع هواه . ثم قال له مخاطباً ومؤانساً ومبيّناً له أنه القادر على كل شيء ، الذي يقول للشيء كن فيكون: ﴿ وما تلك بيمينك يا موسى؟﴾(٨) أي (١) سورة طه ١١ - ١٦ . (٢) العوسج : الشوك . (٣) ليست في (( أ)) . (٤) سورة القصص ٤٤ . (٥) سورة القصص ٣٠ . (٦) سورة طه ١٤ . (٧) سورة طه ١٥ . (٨) سورة طه ١٧ . - ٣٦٦ - أمًا هذه عصاك التي تعرفها منذ صَحِبْتَها ؟ ﴿ قال هي عَصَاي أتوَكَّؤْ عليها وأهشُّ بها على غَنمي ولِيَ فيها مآربُ أُخرى﴾(١). أي بلى هذه عصاي التي أعرفها وأتحققها، ﴿ قال أَلْقِهَا يا موسى. فألقاها فإذا هي حيةٌ تسعى﴾(٢). وهذا خارق عظيم وبرهان على أن الذي يكلمه [ هو الذي ](٣) يقول للشيء كن فيكون ، وأنه الفعال بالاختيار . وعند أهل الكتاب : أنه سأل برهاناً [صادقاً ](٣) على صدقه عند من يكذبه من أهل مصر ، فقال له الرب عز وجل : ما هذه التي في يدك ؟ قال عصاي (٤)، قال ألقها إلى الأرض ﴿فألقاها فإذا هي حيّةٌ تسعَى ﴾ فهرب موسى من قُدامها ، فأمره الرب عز وجل أن يبسط يده ويأخذها بذنَبها ، فلما استمكن منها ارتدت عصا في يده . وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى : ﴿ وأنْ ألقٍ عصاك فلما رآها تهتزُّ كأنها جانٌّ وَلَّى مُذْبراً ولم يعقِّب﴾ (٥) أي قد صارت حية عظيمة لها ضخامة [ هائلة ](٦) وأنياب تصكّ، وهي مع ذلك في سرعة حركة الجان ، وهو ضَرْب من الحيات يقال [ له ] الجانُّ والجِنَّان(٧)، وهو لطيف ولكن سريع الاضطراب والحركة جداً ، فهذه جمعت الضخامة والسرعة الشديدة . فلما عاينها موسى عليه السلام ﴿ وَلَّى مُذْبراً ﴾ أي هارباً منها ، لأن طبيعته البشرية (٨) تقتضي ذلك ﴿ ولم يعقّب﴾ أي ولم يلتفت، فناداه ربه قائلاً له: ﴿يا موسى أقْبل ولا تخَف إنك من الآمنين ﴾(٩). فلما رجع أمرَه الله تعالى أن يمسكها ﴿ قال خُذْها ولا تَخَفْ سنعيدها سيرتها الأولى ﴾ فيقال إنه هابَها شديداً، فوضع يده في كُمّ مِدْرَعته ، ثم وضع (١) سورة طه ١٨ . (٢) سورة طه ١٩، ٢٠. (٣) من ((أ)). (٤) ((أ)) : قال : عصا . (٥) سورة النمل ٨ . (٦) ليست في (( أ)) . (٧) الجان للمفرد . والجنان للجمع . (٨) ((أ) : لأن طبيعة البشر تقتضي ذلك . (٩) سورة القصص ٣١ . - ٣٦٧ - يده في وسط فمها . وعند أهل الكتاب : أمسكَ بذنبها ، فلما استمكن منها إذا هي قد عادت كما كانت عصا ذات شعبتين ، فسبحان القدير العظيم ، رب المشرقين والمغربين ! ثم أمره تعالى بإدخال يده في جيبه ، ثم أمره بنزعها فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضاً من غير سوء، أي من غير برص ولا بهَق، ولهذا قال: ﴿ أُسْلُكْ يدَك في جَيبك تخرج بيضاءَ من غير سُوءٍ، واضمُمْ إليك جنَاحك من الرَّهْبُ﴾ قيل معناه : إذا خِفت فضع يدك على فؤادك يَسْكن جأشك . وهذا وإن كان خاصًّا به ، إلا أن بركة الإِيمان به حق بأن(٢) ينفع من استعمل ذلك على وجه الاقتداء بالأنبياء . وقال في سورة النمل: ﴿ وأُدْخِل يدَك في جيبك تخرج بيضاء من غير سُوء، في تسع آياتٍ إلى فرعون وقومه ، إنهم كانوا قوماً فاسقين﴾ (٣) أي هاتان الآيتان وهما : العصا واليد، هما البرهانان المشار إليهما في قوله: ﴿فَذَانِكَ بُرهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوماً فاسقين ﴾ ومع ذلك سبع آيات أخر . فذلك تسع آيات بينات وهي المذكورة في آخر سورة سبحان ، حيث يقول تعالى: ﴿ ولقد آتينا موسَى تسعَ آيات بَيِّنات » فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم ، فقال له فرعونُ إني لأظنُّكَ ياموسى مَسْحوراً " قال لقد علمتَ ما أنزل هؤلاء إلا ربُّ السمواتِ والأرض بصائرَ ، وإني لَأظنك يا فرعونُ مثبوراً ﴾ (٤) . وهي المبسوطة في سورة الأعراف في قوله: ﴿ولقد أخَذْنا آلَ فرعونَ بالسِّنِينَ ونَقْصٍ من الثمرات لعلَّهم يَذَّكرون » فإذا جاءتهم الحسنةُ قالوا لنا هذه ، وإن تُصِبْهم سيئةٌ يطََّّروا بموسى ومن معه ، ألا إنما طائرهم عند الله ولكنّ أكثرهم لا يعلمون . وقالوا مَهْما تأتنا به من آيةٍ لتَسْحَرنا بها فما نحن لك بمؤمنين = فأرسلنا عليهم الطوفانَ (١) سورة القصص ٣٢. (٢) ((أ)) : إلا بأن . (٣) سورة النمل ١٢ . (٤) سورة الإسراء ١٠١، ١٠٢. - ٣٦٨ - (١) والجرادَ والقُمَّل والضفادعَ والدمَ ، آياتٍ مفصَّلات فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين كما سيأتي الكلام على ذلك في موضعه . وهذه التسع الآيات غير العشر الكلمات ، فإن التسع من كلمات الله القَدرية ، والعشر من كلماته الشَّرعية ، وإنما نبهنا على هذا لأنه قد اشتبه أمرها على بعض الرواة ، فظن أن هذه هي هذه ، كما قررنا ذلك في تفسير آخر سورة بني إسرائيل(٢). والمقصود أن الله سبحانه لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون ﴿ قال ربِّ إني قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون ؛ وأخي هارونُ هو أَفْصَح مني لساناً فأرسِلْه معي رِدْءاً يصدِّقني، إني أخاف أن يكذّبون » قال سنشدُّ عَضُدك بأخيك ونجعلُ لكما سُلطاناً ، فلا يَصِلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ﴾(٣). يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله وكليمه موسى عليه السلام ، في جوابه لربه عز وجل حين أمره بالذهاب إلى عدوه الذي خرج من ديار مصر فراراً من سطوته وظلمه ، حين كان من أمره ما كان في قتل ذلك القبطي [ ولهذا ](٤) ﴿ قال ربِّ إني قتلتُ منهم نفساً فأخاف أن يَقتلون » وأخي هارون هو أفصحُ مني لساناً فَأَرْسِلْه معي رِدْءاً يصدّقني إني أخاف أن يكذبون﴾ أي جعله معي معيناً ورِدْءاً ووزيراً يساعدني ، ويعينني على أداء رسالتك [إليهم ](٥) فإنه أفصح مني لساناً وأبلغ بياناً . (١) سورة الأعراف ١٣٠ - ١٣٣. (٢) تفسير ابن كثير ٢٢٥/٢ . (٣) سورة القصص ٣٣ - ٣٥ (٤) من (( أ)) . (٥) ليست في ( أ)) . - ٣٦٩ - قال الله تعالى مجيباً له إلى سؤاله: ﴿سنشدُّ عَضُدكَ بأخيك ونجعل لكما سُلطاناً ﴾ أي برهاناً ﴿ فلا يَصِلون إليكما﴾ أي فلا ينالون منكما مكروهاً بسبب قيامكما ﴿بآياتنا]، وقيل ببركة آياتنا. ﴿أنتما ومن اتبعكما الغالبون ﴾. وقال في سورة طه: ﴿اذهب إلى فرعون إنه طَغَى ﴾ قال ربِّ اشرح لي صَدْري » ويسِّر لي أمرِي » واحلل عقدةً من لساني يَفْقَهوا قولي﴾ قيل إنه أصابه في لسانه لَثْغة ، بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه ، والتي كان فرعون أراد اختبار عقله ، حين أخذ بلحيته وهو صغير فهمَّ بقتله ، فخافت عليه آسية وقالت : إنه طفل ، فاختبره بوضع تمرة وجمرة بين يديه . فهمَّ بأخذ الثمرة فصرف الملك يده إلى الجمرة ، فأخذها فوضعها على لسانه فأصابه لثغة بسببها . فسأل زوالَ بعضها بمقدار ما يفهمون قوله ، ولم يسأل زوالها بالكلية . قال الحسن البصري : والرسل إنما يَسْألون بحسب الحاجة ، ولهذا بقيت في لسانه بقية . ولهذا قال فرعون ، قبحه الله، فيما زعم أنه يعيب به الكَلِيم: ﴿ ولا يكاد يُبين﴾(١) أي يفصح عن مراده ، ويعبر عما في ضميره وفؤاده. ثم قال موسى عليه السلام: ﴿ واجعل لي وزيراً من أَهْلي = هارون أخي " أُشدُدْ به أَزْرِي « وأَشْركه في أمري » كي نسبِّحك كثيراً * وَنَذْكُرك كثيراً » إنك كنتَ بنا بَصِيراً * قال قد أوتيتَ سُؤْلك يا موسى﴾(٢) . أي قد أجبناك إلى جميع ما سألتَ ، وأعطيناك الذي طلبت . وهذا من وجاهته عند ربه عز وجل ، حين شفع أن يوحِي الله إلى أخيه فأوحى إليه . وهذا جاه عظيم، قال الله تعالى: ﴿وكان عند الله وجِيهاً﴾(٣). وقال تعالى: ﴿ووهَبْنا له مِن رحمتنا أخاه هارون نبيًّا﴾(٤). (١) سورة الزخرف ٥٢ . (٢) سورة طه ٢٤ - ٣٦ . (٣) سورة الأحزاب ٦٩. (٤) سورة مريم ٥٣ . - ٣٧٠ - وقد سمعت أم المؤمنين عائشة رجلاً يقول لأناس وهم سائرون في طريق الحج : أيّ أخِ أمَنُّ على أخيه ؟ فسكت القوم ، فقالت عائشة لمن حول هَوْدجها : هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هارون فأوحى إليه . قال الله تعالى: ﴿ووهبنا له من رحمتنا أخاه هاروہ نبيًّا وقال تعالى في سورة الشعراء: ﴿وإذْ نادَى رَبُّكَ موسى أن ائتِ القَومَ الظالمين * قومَ فرعون ألا يَتَّقُون » قال ربِّ إني أخاف أن يكذبون * ويضيق صَدْري ولا ينطلق لساني فأرسِلْ إلى هارون * ولهم عليَّ ذنبٌ فأخاف أن يقتلون » قال كَلَّا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مُسْتمعون * فَأُتيا فرعونَ فقولا إنا رسولُ ربِّ العالمين * أن أرسل معنا بني إسرائيل * قال ألم نربِّكَ فينا وليداً ولبثتَ فينا من عُمُرِكَ سنينَ " وفعلتَ فَعْلتك التي فَعَلت وأنت من الكافرين﴾(١) . تقدير الكلام : فأتياه فقالا له ذلك ، وبلَّغاه ما أُرسلا به من دعوته إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ، وأن يفك أسارى بني إسرائيل من قبضته وقَهْره وسَطْوته ، ويتركهم يعبدون ربهم حيث شاءوا ، ويتفرغون لتوحيده ودعائه والتضرع لديه . فتكبَّر فرعون في نفسه وعتا وطغَى ، ونظر إلى موسى بعين الازدراء والتنقص قائلاً له: ﴿ألم نربِّك فينا وَلِيداً ولبثتَ فينا من عُمرك سنين ؟ ﴾ أي أما أنت الذي ربَّيناه في منزلنا ؟ وأحسنًا إليه وأنعمنا عليه مدة من الدهر ؟ وهذا يدل على أن فرعون الذي بُعث إليه هو الذي فَرَّ منه ، خلافاً لما عند أهل الكتاب : من أن فرعون الذي فَّ منه مات في مدة مقامه بمدْيَن ، وأن الذي بعث إليه فرعون آخر . وقوله : ﴿ وفعلتَ فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين﴾ أي وقتلت الرجل القبطي ، وفررت منا وجحدت نعمتنا . : (١) سورة الشعراء ١٠ - ١٩. - ٣٧١ - قال فعلتُها إذاً وأنا من الضالين﴾(١) أي قبلَ أن يوحى إلي وينزل علي ، فقررتُ منكم لمَّ خِفْتكم فوهَب لي ربي حُكْماً وجعلني من المرسَلين﴾(١). ثم قال مجيباً لفرعون عما امتن به من التربية والإحسان إليه: ﴿وتلك نعمةٌ تمنّها عليَّ أَن عَبَّدْت بني إسرائيل﴾(١) أي وهذه النعمة التي ذكرت ، من أنك أحسنت إليَّ وأنا رجل واحد من بني إسرائيل تقابل ما استخدمتَ هذا الشعب العظيم بكماله ، واستعبدتهم في أعمالك وخدمتك وأشغالك . قال فرعونُ وما ربُّ العالمين ؟ » قال ربُّ السمواتِ والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين " فال لمن حوله ألا تستمعون » قال ربكم ورب آبائكم الأولين * قال إنّ رسولكم الذي أُرسل إليكم لمَجنون » قال ربُّ المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ﴾(٢) . يذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المقاولة والمحاجَّة والمناظَرة ، وما أقامه الكَلِيم على فرعون اللئيم ، من الحجة العقلية المعنوية ثم الحسية . وذلك أن فرعون - قبحه الله - أظهر جحد الصانع تبارك وتعالى ، وزعم أنه الإِله ﴿فحشَر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى﴾(٣). ﴿وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمتُ لكم من إله غيري ﴾ (٤) . وهو في هذه المقالة معاند ، يعلم أنه عبد مربوب ، وأن الله هو الخالق البارئ المصور ، الإِله الحق كما قال تعالى: ﴿وجحَدُوا بها واستَيقَنَتْها أنفسُهم ظُلماً وعُلوًّا ، فانظر كيف كانت عاقبة المفسدين ﴾(٥) . ولهذا قال لموسى عليه السلام على سبيل الإِنكار لرسالته ، والإظهار أنه ما ثَمَّ ربِّ أرسَله: ﴿وما ربُّ العالمين؟﴾ لأنهما قالا له: ﴿ إنا رسولُ رب العالمين﴾ فكأنه يقول لهما : ومن رب العالمين ؟ الذي تزعمان أنه أرسلكما وابتعثكما ؟ (١) سورة الشعراء ٢٠ - ٢٢ . (٢) سورة الشعراء ٢٣ - ٢٨. (٣) سورة النازعات ٢٣، ٢٤ . (٤) سورة القصص ٣٨ . (٥) سورة النمل ١٤ . - ٣٧٢ - فأجابه موسى قائلاً: ﴿ رَبُّ السمواتِ والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين يعني رب العالمين خالق هذه السموات والأرض المشاهَدة ، وما بينهما من المخلوقات المتعددة(١) ، من السحاب والرياح والمطر والنبات والحيوانات التي يعلم كل موقن أنها لم تحدث بأنفسها ، ولا بدّ لها من موجِد ومحدث وخالق . وهو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين . ﴿ قال﴾ أي فرعون ﴿ لمن حوله ﴾ من أمرائه ومرازيته ووزرائه ، على سبيل التهكم والتنقص لما قرره موسى عليه السلام: ﴿ألا تستمعون ﴾ يعني كلامه هذا. ﴿ قال﴾ موسى مخاطباً له ولهم: ﴿رَبُّكم ورب آبائكم الأولين﴾ أي هو الذي خلقكم والذين من قبلكم ، من الآباء والأجداد ، والقرون السالفة في الآباد ، فإن كل أحد يعلم أنه لم يخلق نفسه ، ولا أبوه ولا أمه ، ولا يحدث من غير محدث ، وإنما أوجدَه وخلَقه ربُّ العالمين . وهذان المقامان هما المذكوران في قوله تعالى : ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ﴾(٢). · ومع هذا كله لم يستفق فرعون من رَقْدته ، ولا نزع عن ضلالته ، بل استمر على طغيانه وعناده وكفرانه : ﴿قال إنّ رسولكم الذي أُرسل إليكم لَمَجنون * قال ربُّ المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون﴾ أي هو المسخِّر لهذه الكواكب الزاهرة(٣) المسيّر للأفلاك الدائرة ، خالق الظلام والضياء ، ورب الأرض والسماء، رب الأولين والآخرين ، خالق الشمس والقمر ، والكواكب السائرة ، والثوابت الحائرة ، خالق الليل بظلامه ، والنهار بضيائه ، والكل تحت قَهْره وتسخيره وتسييره سائرون ، وفي فَلك يَسْبحون ، يتعاقبون في سائر الأوقات ويدورون . فهو تعالى الخالق المتصرف في خلقه بما يشاء . فلما قامت الحجج على فرعون وانقطعت شُبهه(٤) ، ولم يبقَ له قول سوى (١) ((ط)) : المتجددة. (٢) سورة فصلت ٥٣ (٣) ((أ)): النيرة. (٤) ((أ)) : شبهته . - ٣٧٣ - العناد ، عدل إلى استعمال سلطانه وجاهه وسَطْوته ﴿ قال لئن اتخذتَ إلهاً غيري لأجعلنَّك من المسجونين * قال أَوَلَوْ جئتُك بشيءٍ مبين " قال فأتِ به إن كنتَ من الصادقين * فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين * ونَزَع يده فإذا هيَ بيضاء للناظرين ﴾(١) . وهذان هما البرهانان اللذان أيده الله بهما ، وهما العصا واليد ، وذلك مقام أظهر فيه الخارقَ العظيم ، الذي بهر به العقول والأبصار ، حين ألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ، أي عظيم الشكل ، بديع في الضخامة والهول ، والمنظر العظيم الفظيع الباهر ، حتى قيل إن فرعون لما شاهد ذلك وعاينه ، أخذه رَهَبٌ (٢) شديد وخوف عظيم ، بحيث إنه حصل له إسهال عظيم أكثر من أربعين مرة في يوم ، وكان قبل ذلك لا يتبَّز في كل أربعين يوماً إلا مرة واحدة ، فانعكس عليه الحال . وهكذا لما أدخل موسى عليه السلام يده في جيبه واستخرجها ، أخرجها وهي كفلقة القمر تتلألأ نوراً يبهر الأبصار، فإذا أعادها إلى جيبه (٣) [ واستخرجها ] (٤) رجعت إلى صفتها الأولى . ومع هذا كله لم ينتفع فرعون ــ لعنه الله ــ بشيء من ذلك ، بل استمر على ما هو عليه ، وأظهر أن هذا كله سِحر ، وأراد معارضَته بالسَّحرة ، فأرسل يجمعهم من سائر مملكته ومن هم في رعيته وتحت قهره ودولته ، كما سيأتي بسطه وبيانه في موضعه ، من إظهار الله الحق المبين والحجة الباهرة القاطعة على فرعون وملئه ، وأهل دولته وملته . ولله الحمد والمنة . وقال تعالى في سورة طه : ﴿ فلبثتَ سنين في أهل مَذْيَن ثم جئتَ على قَدَرٍ يا موسى * واصطنعتك لنفسي ، اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تَنِيًا في ذِكْري ، اذهبا إلى فرعون إنه طَغَى * فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكَّر أو يخشَى * قالا ربنا إننا نخاف أن يَفْرُطَ علينا أو أن يطغَى » قالا لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ﴾(٥) . (١) سورة الشعراء ٢٩ - ٣٣ . (٢) ((أ)): رعبة. ورهب: ضبط بضم الراء وفتحها مع سكون الهاء وبالتحريك. (٣) ((أ)): في جيبه . (٤) من ((أ)). (٥) سورة طه ٤٧ - ٤٦ . - ٣٧٤ - يقول تعالى مخاطباً لموسى فيما كلَّمه به ليلةَ أَوحى إليه ، وأنعم بالنبوة عليه ، · وكلمه منه إليه : قد كنتُ مشاهداً لك وأنت في دار فرعون ، وأنت تحت كَنَفي وحِفظي ولطفي ، ثم أخرجتك من أرض مصر إلى أرض مَذْين بمشيئتي وقدرتّي وتدبيري ، فلبثتَ فيها سنين ﴿ ثم جئتَ على قَدر﴾ أي مني لذلك ، فوافق ذلك تقديري وتسييري ﴿ واصطنعتُك لنفسِي﴾ أي اصطفيتك لنفسي برسالتي وبکلامي . ﴿ اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تَنِيًا في ذكري﴾ يعني ولا تَفْترا في ذكري إذا قدمتما(١) عليه ووفدتما إليه(٢)، فإنَّ ذلك عونٌ لكما على مخاطبته ومجاوبته ، وأداء(٣) النصيحة إليه وإقامة الحجة عليه . وقد جاء في بعض الأحاديث : يقول الله تعالى: (( إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني (٤) وهو مُلاق(٥) قِرْنه)) وقال تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئةً فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون﴾(٦) . ثم قال تعالى: ﴿اذهبا إلى فرعونَ إنه طَغى » فقولا له قولاً ليّناً لعله يتذكَّر أو يخشَى﴾ وهذا من حلمه تعالى وكرمه(٧) ورأفته ورحمته بخَلْقه ، مع علمه بكفر فرعون وعتوّه وتجبّره ، وهو إذ ذاك أردَى خلقه ، وقد بعث إليه صفوتَه من خلقه في ذلك الزمان ، ومع هذا يقول لهما ويأمرهما أن يدعواه إليه بالتي هي أحسن برفق ولين ، ويعاملاه [ بألطف ](٨) معاملة من يرجو أن يتذكر أو يخشى. كما قال لرسوله عَّ له: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادِلهم بالتي هي أحسنُ﴾(٩)، وقال تعالى: ﴿ ولا تجادِلوا أهلَ الكتاب إلا بالتي هي أحسنُ إلا الذين ظلموا منهم﴾(١). قال الحسن البصري: ﴿فقولا له قولاً (١) ((أ)): إذا دخلتما. (٦) سورة الأنفال ٤٥ . (٢) ((أ)): عليه. (٧) ((أ)): وعلمه. (٣) ((ط)): وإهداء . (٨) من ((أ)). (٤) ((أ)) : لمن يذكرني. (٥) ((أ)): وهو مناجز قرنه. (٩) سورة النحل ١٢٥ . (١٠) سورة العنكبوت ٤٦. - ٣٧٥ - لّناً﴾ أَعْذِرا إليه ، قولا له : إن لك ربًّ ولنا مَعاداً ، وإن بين يديك جنة وناراً. وقال وهب بن منبه : قولا له : إني إلى العفو والمغفرة أقربُ مني إلى الغضب والعقوبة . قال يزيد الرَّقَاشِيّ عند هذه الآية: يا من يتحبَّب إلى من يعاديه ، فكيف بمن يتولاه ويناديه ؟! قالا ربنا إننا نخاف أن يَفْرُط علينا أو أن يطغَى﴾، وذلك أن فرعون كان جباراً عنيداً وشيطاناً مَرِيداً ، له سلطان في بلاد مصر طويل عريض ، وجاه وجنود ، وعساكر وسطوة ، فهاباه من حيث البشرية ، وخافا أن يسطو عليهما في بادئ الأمر، فثَبَّتهما تعالى وهو العِلِيّ الأعلى فقال: ﴿ لا تخافا إنني معكما أسمَع وأرى﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إنا معكم مُسْتمعون﴾(١). فَأُتِيَاه فقولا إنّا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذِّبهم قد جئناك بآيةٍ من ربك والسلامُ على من اتبع الهدى * إنا قد أُوحي إلينا أنَّ العذابَ على مَنْ كَذَّب وتولَّی﴾ (٢). يذكر تعالى أنه أمرهما أن يذهبا إلى فرعون فيدعواه إلى الله تعالى ، أن يعبده وحده لا شريك له وأن يرسل معهما بني إسرائيل ويُطْلقهم من أَسْره وقهره ولا يعذِّبهم. ﴿ قد جئناك بآيةٍ من رَبّك﴾ وهو البرهان العظيم في العَصا واليد ، ﴿ والسلامُ على من اتبع الهدى﴾ تقييدٌ مفيد بليغٌ عظيم، ثم تهدَّداه وتوعَّداه على التكذيب فقالا: ﴿ إنا قد أُوحي إلينا أن العذابَ على من كذَّب وتولَّى ﴾ أي كذب بالحق بقَلْبه ، وتولَّى عن العمل بقالبه . وقد ذكر السُّدي وغيره : أنه لمَّا قَدِم من بلاد مَدْين ، دخل على أمه وأخيه هارون (٣)، وهما يتعشيان من طعام فيه ((الطّفْشِيل))، وهو اللِّفْت (٤)، فأكل (١) سورة الشعراء ١٥ . (٢) سورة طه ٤٧ - ٤٨ . (٣) في رواية الطبري عن السدي: فتضيف على أمه وهو لا يعرفهم. تاريخ الطبري ٤٦٧/١ (ط أوربا ) . (٤ ) قال في القاموس: ويقال له السلجم. - ٣٧٦ - معهما . ثم قال يا هرون : إن الله أمرني وأمرك أن ندعو فرعون إلى عبادته ، فقم معي . فقاما يقصدان بابَ فرعون فإذا هو مغلَق . فقال موسى للبوابين والحجَبة : أعْلموه أن رسول الله بالباب . فجعلوا يسخرون منه ويستهزئون به . وقد زعم بعضهم أنه لم يُؤْذَن لهما [ عليه ](١) إلا بعد حين طويل . وقال محمد بن إسحاق : أذن لهما بعد سنتين ، لأنه لم يك أحد يتجاسَر على الاستئذان لهما (٢) . فالله أعلم . ويقال إن موسى تقدم إلى الباب فطرقه بعصاه ، فانزغج فرعون وأمر بإحضارهما ، فوقفا بين يديه فدعواه إلى الله عز وجل كما أمرهما . وعند أهل الكتاب : أن الله قال لموسى عليه السلام: إن هارون اللاوي - يعني [ الذي ](٣) من نسل لاوي بن يعقوب - سيخرج ويتلقاك(٤)، وأمره أن يأخذ معه مشايخ بني إسرائيل إلى عند فرعون ، وأمره أن يظهر ما آتاه من الآيات وقال له [ إني ](٥) سأُقسِّي قلبه فلا يُرْسل الشَّعب ، وأكثر آياتي وأعاجيبي بأرض مصر . وأوحى الله إلى هارون أن يخرج إلى أخيه يتلقاه بالبرِّية عند جبل حوريب ، فلما تلقَّاه أخبره موسى بما أمره به ربه . فلما دخلا مصر جمعا شيوخَ بني إسرائيل وذهبا إلى فرعون ، فلما بلَّغاه رسالة الله قال: من هو [الله ](٦) لا أعرفه ولا أرسل بني إسرائيل . وقال الله مُخْبراً عن فرعون: ﴿ قال فمَنْ رُّكما يا موسَى * قال ربُّنا الذي أَعْطَى كلّ شيءٍ خَلْقه ثم هَدى » قال فما بالُ القرونِ الأولى " قال عِلْمها عندَ رَبِّي في كتابٍ لا يَضِلُ رِّي ولا يَنْسَى * الذي جعل لكم الأرضَ مَهْداً ، وسلَك لكم فيها سُبْلاً، وأنزل من السماء ماءً فأخرجْنا به أزواجاً من نباتٍ شتَّى » كلوا وارعوا أنعامكم إنّ في ذلك لآياتٍ لِأُولِي النُّهَى * منها خلقناكم وفيها نُعيدكم ومنها نُخْرجكم تارةً أخرى ﴾(٧) .. (١) ليست في ((أ)) (٢) تاريخ الطبري ٤٦٩/١ (ط أوربا). (٣) من ((أ)). (٤) ((أ)): ويلتقيان. (٥) من ((أ)). (٦) ليست في ((أ)). (٧) سورة طه ٤٩ - ٥٥ . - ٣٧٧ - • يقول تعالى مخبراً عن فرعون: إنه أنكر إثباتَ الصانع تعالى قائلاً: ﴿فمن رُكما يا موسى * قال ربنا الذي أعطَى كلّ شيءٍ خَلْقه ثم هَدى﴾ أي هو الذي خلق الخَلْق وقدَّر لهم أعمالاً وأرزاقاً وآجالاً، وكتب ذلك عنده في كتابه اللوح المحفوظ ، ثم هدى كل مخلوق إلى ما قدَّره له ، فطابق عمله فيهم على الوجه الذي قدَّره وعلمه ، وقدرته وقدره لكمال عِلْمه . وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿ سبِّح اسمَ ربك الأعلَى * الذي خلق فسوَّى * والذي قدَّر فهَدَى﴾(١) أي قدر قدراً وهدى الخلائق إليه . قال فما بالُ القرون الأولى ﴾ يقول فرعون لموسى : فإذا كان ربك هو الخالق المقدِّر الهادِي الخلائق لِمَا قدَّره ، وهو بهذه المثابة من أنه لا يستحق العبادة سواه ، فلم عَبد الأولون غيرَه ؟ وأشركوا به من الكواكب والأنداد ما قد علمتَ ؟ فهلا اهتدى إلى ما ذكرته القرون الأولى ؟ ﴿ قال عِلْمها عند ربِّي في كتابٍ لا يضلُ ربِّي ولا ينسَى﴾ أي هم وإن عبدوا غيره فليس ذلك بحجة لك، ولا يدل على خلاف ما أقول لأنهم(٢) جهلة مثلك، وكل شيء فعلوه مُسْتَطر عليهم في الزُّبر ، من صغير وكبير ، وسيجزيهم على ذلك ربي عز وجل ، ولا يظلم أحداً مثقال ذرة ولا ينسى ربي شيئاً . ثم ذكر له عظمة الرب وقدرته على خلق الأشياء وجَعْله الأرض مِهاداً والسماء سقفاً محفوظاً ، وتسخيره السحابَ والأمطار لرزق العباد ودوابهم وأنعامهم ، كما قال : كلوا وارْعَوا أنعامَكم إنَّ في ذلك لآياتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ أي لذوي العقول الصحيحة المستقيمة ، والفِطَر القَوِيمة غير السقيمة ، فهو تعالى الخالق الرازق ، وكما قال تعالى: ﴿ يا أيها الناس اعبدُوا رَبَّكم الذي خلقكم والذين مِن قَبْلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فِراشاً والسماءَ بناءً وأنزلَ من السماء ماءً فأخرجَ به من الثمراتِ رزقاً لكم فلا تَجْعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون﴾(٣). ولمّا ذكَر إحياء الأرض بالمطر ، واهتزازها بإخراج نباتها ، نبّه (٤) به على المعاد (٤) المطبوعة : بإخراج نباتها فيه ، فبه . (١) سورة الأعلى ١ - ٣ . (٢) ((أ)): فإنهم . (٣) سورة البقرة ٢١، ٢٢. - ٣٧٨ - فقال : ﴿ منها ﴾ أي من الأرض ﴿ خلقناكم وفيها نُعیدکم ومنها نخرجكم تارة أخرى كما قال تعالى: ﴿كما بدأكم تعودون﴾ وقال تعالى: ﴿وهو الذي يُبْدأ الخلْقَ ثم يُعيده وهو أَهْوَن عليه، وله المثل الأعلى في السموات والأرضِ وهو العزيز الحكيم ﴾(١) . ثم قال تعالى: ﴿ ولقد أُرَيْناه آياتِنا كُلَّها فكذَّب وأبى « قال أجئتنا لتُخْرجنا مِن أَرْضنا بسِحْرك يا موسَى * فلنأتينَّك بسِحْرٍ مِثله ، فاجعل بَيْننا وَبَيْنَك مَوْعِداً لا نُخْلفه نحن ولا أنتَ مكاناً سُوىٍ » قال مَوْعِدكم يومُ الزينة وأن يُحْشَر الناسُ ضُحىٍ﴾(٢). يخبر تعالى عن شقاء فرعون وكثرة جهله وقلة عقله ، في تكذيبه بآيات الله واستكباره عن اتباعها ، وقوله لموسى إن هذا الذي جئت به سِحْر ، ونحن نعارضك بمثله . ثم طلب من موسى أن يواعده إلى وقت معلوم ومكان معلوم . وكان هذا من أكبر مقاصد موسى عليه السلام : أن يظهر آيات الله وحججه وبراهينه جهرةً بحضرة الناس. [ ولهذا ](٣) ﴿ قال مَوْعِدُكم يومُ الزينة﴾ وكان يومَ عيد من أعيادهم ومجتمع لهم ﴿ وأن يُحْشَر الناسُ ضُحى﴾ أي من أول النهار في وقت اشتداد ضياء الشمس ، فيكون الحق أظهرٍ وأجْلَى ، ولم يطلب أن يكون ذلك ليلاً في ظلام ، كيما يروِّج عليهم مُحالاً وباطلاً ، بل طلب أن يكون نهاراً جَهْرة ، لأنه على بصيرة من ربه ، ويقين بأن(١) الله سيُظهر كلمته ودينه وإن رَغِمت أنوف القِبْط ! قال الله تعالى: ﴿فتولَّى فرعونُ فجمَع كيدَه ثم أتى » قال لهم موسى (١) سورة الروم ٢٧ . (٢) سورة طه ٥٦ - ٥٩ . (٣) ليست في ((أ)). (٤) ((أ)) : أن. - ٣٧٩ - وَيْلكم لا تَفْتَروا على الله كَذِباً فُسْحتكم بعذابٍ وقد خابَ من افترى * فتنازعوا أمرهم بينهم وأسُّوا النجوَى * قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخْرجاكم من أرضكم بسِحْرهما ، وَيَذْهَبا بطريقتكم المثلَى * فَأَجْمِعُوا كَيْدَكَم ثم ائتوا صَفًّا وقد أفْلَحَ اليومَ من استعلَى ﴾(١). • يخبر تعالى عن فرعون أنه ذهب فجمع من كان ببلاده(٢) من السحَرة، وكانت بلاد مصر في ذلك الزمان مملوءة سحَرة فضلاء ، في فنهم غاية ، فجُمِعوا له من كل بلد ومن كل مكان فاجتمع منهم خَلْق كثير وجَمٌ غَفَير ، فقيل : كانوا ثمانين ألفاً - قاله محمد بن كعب . وقيل سبعين ألفاً قاله القاسم بن أبي بُرْدة ، وقال السُّدي : بضعةً وثلاثين (٣) ألفاً، وعن أبي أمامة تسعة عشر ألفاً، وقال محمد بن إسحق : خمسة عشر ألفاً (٤) . وقال كَعْب الأحبار : كانوا اثني عشر ألفاً . وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس : كانوا سبعين رجلاً ، وروي عنه أيضاً كانوا أربعين غلاماً من بني إسرائيل، أمرهم فرعون أن يذهبوا إلى العُرفاء فيتعلموا السحر . ولهذا قالوا: ﴿ وما أُكْرَهْتنا عليه من السِّحر﴾(٥) . وفي هذا نظر. وحضر فرعون وأمراؤه وأهل دولته وأهل بلده عن بَكْرة أبيهم . وذلك أن فرعون نادى فيهم أن يحضروا هذا الموقف العظيم ، فخرجوا وهم يقولون: ﴿ لعلنا نَتَبعُ السحرةَ إنْ كانوا هم الغالبين ﴾(٦) . وتقدم موسى عليه السلام إلى السحرة فوعظَهم ، وزجرَهم عن تعاطي السحر الباطل ، الذي فيه معارضة لآيات الله وحججه فقال: ﴿وَيْلكم لا تَفْتَروا على الله كَذِ بأَفُسْحتكم بعذابٍ وقد خابَ من افترى » فتنازعوا أمرهم بينهم ﴾ . قيل : معناه أنهم اختلفوا فيما بينهم ، فقائل يقول : هذا كلام نبيّ وليس بساحر ، وقائل [ منهم ](٧) يقول: بل هو ساحر. فالله أعلم. وأسرُّوا التناجي [بهذا ](٧) وغيره. (١) سورة طه ٦٠ - ٦٤ . (٢) ((أ)) : في بلاده. (٥) سورة طه ٧٣ . (٦) سورة الشعراء ٤٠ . (٣) ((أ)): وثمانين. (٧) ليست في ((أ)). (٤) وهذا ما أورده الطبري في تاريخه ٤٧٢/١ (ط أوربا). - ٣٨٠ -