النص المفهرس
صفحات 221-240
ذكر وفاة إبراهيم الخليل وما قيل في عمره ذكر ابن جرير في تاريخه: أن مولده كان في زمن النمروذ بن كنعان(١). وهو - فيما قيل - الضحاك الملك المشهور ، الذي يقال إنه ملك ألف سنة ، وكان في غاية الغشم والظلم . وذكر بعضهم أنه من بني راسب الذين بُعث إليهم نوح عليه السلام ، وأنه كان إذ ذاك ملك الدنيا ، وذكروا أنه طلع نجم أخفى ضوء الشمس والقمر ، فهال ذلك أهل ذلك الزمان وفزع النمروذ ، فجمع الكهنة والمنجمين وسألهم عن ذلك ، فقالوا : يولد مولود في رعيتك يكون زوال ملكك على يديه . فأمر عند ذلك يمنع الرجال عن النساء ، وأن يقتل المولودون من ذلك الحين ، فكان مولد إبراهيم الخليل في ذلك الحين ، فحماه الله عز وجل وصانه من كيد الفجار ، وشب شباباً باهراً وأنبته الله نباتاً حسناً ، حتى كان من أمره ما تقدم . وكان مولده بالسُّوس ، وقيل ببابل ، وقيل بالسواد من ناحية كوثى(٢) . وتقدم عن ابن عباس أنه ولد ببَرْزة شرقي دمشق فلما أهلك الله نمروذَ على يديه هاجر إلى حَرَّن ، ثم إلى أرض الشام ، وأقام ببلاد إيليا كما ذكرنا . وولد له إسماعيل وإسحق . وماتت سارة قبله بقرية حبرون التي في أرض كنعان ، ولها من العمر مائة وسبع وعشرون سنة فيما ذكر أهل الكتاب . فحزن عليها إبراهيم عليه السلام ، ورثاها رحمها الله ، واشترى من رجل من بني حيث يقال له عفرون بن صخر مغارة بأربعمائة مثقال ، ودفن فيها سارة هنالك . قالوا : ثم خطب إبراهيم على ابنه إسحق فزوجه ((رفقا)) بنت بتوئيل بن ناحور بن تارخ ، وبعث مولاه فحملها من بلادها ومعها مرضعتها وجواريها على الإِبل . (١) تاريخ الطبري ٢٥٢/١ (ط ليدن) والنمروذ : بالذال وبالدال أيضاً . (٢) موضع بسواد العراق . - ٢٢١ - قالوا: ثم تزوج إبراهيم عليه السلام ((قنطورا)) فولدت له : زمران، ويقشان ، ومادان ، ومدين ، وشياق ، وشوح . وذكروا ما ولد كل واحد من هؤلاء أولاد قنطورا . • وقد روى ابن عساكر عن غير واحد من السلف ، عن أخبار أهل الكتاب في صفة مجيء ملك الموت إلى إبراهيم عليه السلام أخباراً كثيرة الله أعلم بصحتها . وقد قيل إنه مات فجأة ، وكذا داود وسليمان . والذي ذكره أهل الكتاب وغيرهم خلاف ذلك . قالوا : ثم مرض إبراهيم عليه السلام ، ومات عن مائة وخمس وسبعين ، وقيل وتسعين سنة ، ودفن في المغارة المذكورة التي كانت بحبرون(١) عند امرأته سارة التي في مزرعة عفرون الحيثي ، وتولى دفنه إسماعيل وإسحاق صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقد ورد ما يدل [على ](٢) أنه عاش مائتي سنة كما قال ابن الكلبي. فقال أبو حاتم ابن حبان في صحيحه : أنبأنا المفضل بن محمد الجندي بمكة ، حدثنا علي بن زياد اللخمي(٣)، حدثنا أبو قُرَّة، عن ابن جُريج ، عن يحيى ابن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب [عن أبي هريرة](٤) أن النبي عَ لّه قال: ((اختتن إبراهيم بالقَدُوم وهو ابن عشرين ومائة سنة ، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة)) . وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق عكرمة بن إبراهيم وجعفر بن عون العمري ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد عن أبي هريرة موقوفاً (٥) . ثم قال ابن حبان : ذكر الخبر المدحض قولَ من زعم أن رفع هذا الخبر وهمٌ : أخبرنا محمد بن عبد الله بن الجنيد (٦)، حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا الليث ، عن (١) الأصل والمطبوعة : بحبرون الحيثي . وهو تحريف . (٢) سقطت من (( أ)). (٣) ((أ)): الحجبي. (٤) سقطت من ((أ)). (٥) تهذيب تاريخ ابن عساكر ١٤٩/٢ . (٦) ((أ)) : ابن نيست . - ٢٢٢ - ابن عجلان، عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي عَ لمه قال: ((اخنتن إبراهيم حين بلغ [عشرين ](١) ومائة سنة ، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة، واختتن بقَدُوم)). وقد رواه الحافظ ابن عساكز من طريق يحيى بن سعيد ، عن ابن عجلان ، عن أبيه عن أبي هريرة ، عن النبي عَّه . ثم روى ابن حِبَّان عن عبد الرزاق أنه قال : القدوم اسم القرية . قلت : الذي في الصحيح أنه اخنتن وقد أتت عليه ثمانون سنة . وفي رواية وهو ابن ثمانين سنة ، وليس فيهما تعرّض لما عاش بعد ذلك . والله أعلم . وقال محمد بن إسماعيل الحسَّاني الواسطيّ زاد في تفسير وكيع عنه فيما ذكره من الزيادات ، حدثنا أبو معاوية ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيَّب ، عن أبي هريرة قال: كان إبراهيم أول من تَسَّرْوَل ، وأول من فَرق ، وأول من استحدَّ ، وأول من اختتن بالقدوم ، وهو ابن عشرين ومائة سنة ، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة ، وأول مَّنْ قَرى الضيف ، وأول من شابَ . هكذا رواه موقوفاً . وهو أشبه بالمرفوع (٢) خلافاً لابن حبان . والله أعلم . وقال مالك عن يحيى بن سعيد [ عن سعيد ](٣) بن المسيَّب قال: كان إبراهيم أول من أضاف الضيفَ (٤)، وأول الناس اختتن ، وأول الناس قصَّ شاربه (٥)، وأول الناس رأى الشَّيب. فقال: يا رب ما هذا؟ فقال الله: ((وقار)) فقال: يارب زدني وقاراً (٦). وزاد غيرهما : وأول من قص شاربه ، وأول من استحدَّ ، وأول من لبس السراويل . (١) من ((أ)). (٢) ((أ)): من المرفوع. (٣) سقطت من الأصل والمطبوعة وأثبتها من الموطأ ٩٢٢/٢ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي (٤) الموطأ : أول الناس ضيف الضيف . (٥) الموطأ : قص الشارب . (٦) الموطأ كتاب صفة النبي عَ ◌ّلهباب ما جاء في السنة في الفطرة. حديث رقم ٤ ص ٩٢٢ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي . - ٢٢٣ - فقبره وقبر إسحق وقبر ولد ولده يعقوب في المَرْبَعَة التي بناها سليمان بن داود عليه السلام ببلد حبرون ، وهو البلد المعروف بالخليل اليوم . وهذا متلقى بالتواتر أمةً بعد أمة وجيلاً بعد جيل من زمن بني إسرائيل وإلى زماننا هذا ، أن قبره بالمربعة تحقيقاً . فأما تعيينه منها فليس فيه خبر صحيح عن معصوم . فينبغي أن تراعى تلك المحلة وأن تحترم احترامَ مثلها ، وأن تُبِجَّل وأن تُجل أن يداس في أرجائها ، خشية أن يكون قبر الخليل أو أحد أولاده الأنبياء عليهم السلام تحتها . وروى ابن عساكر بسنده إلى وهب بن منبه قال : وجد عند قبر إبراهيم الخليل على حجر كتابة خِلْقة : يموت مَن جَا أَجَلُهْ أَلَهَى جَهولاً أَمَلُهْ لم تُغْنِ عنه حِيَّلُهْ ومن دنا من خَتْفه من مات عنه أوّلُهْ وكيف يبقى آخِراً والمرء لا يَصْحبه في القبر إلا عملة ! ذكر أولاد إبراهيم الخليل أول من ولد له : إسماعيل من هاجر القبطية المصرية ، ثم ولد له إسحاق من سارة بنت عم الخليل ، ثم تزوج بعدها ((قنطورا)) بنت يقطن الكنعانية فولدت له ستة : مَذْين ، وزمران ، وسرج ، ويقشان ، ونشق ، ولم يسم السادس . ثم تزوج بعدها ((حجون)) بنت أمين ، فولدت له خمسة : كيسان ، وسورج ، وأميم ، ولوطان ونافس . هكذا ذكره أبو القاسم السهيلي في كتابه: ((التعريف والإعلام)). - ٢٢٤ - قصة لوط عليه السلام · ومما وقع في حياة الخليل من الأمور العظيمة : قصة لوط عليه السلام ، وما حلّ بهم من النقمة العميمة . وذلك أن لوطاً بن هاران بن تارخ - وهو آزر كما تقدم ــ ولوط ابن أخي إبراهيم الخليل فإبراهيم وهاران وناحور إخوة كما قدمنا ، ويقال إن هاران هذا هو الذي أَيَنِي حَرَّان. وهذا ضعيف لمخالفته ما بأيدي أهل الكتاب . والله تعالى أعلم . • وكات لوط قد نزح عن محلة عمه الخليل عليهما السلام بأمره له وإذنه ، فنزل بمدينة سَدُوم من أرض غَوْر زُغَر ، وكان أمّ تلك المحلة ولها أرض ومعتملات وقرى مضافة إليها . ولها أهلٌ من أفجر الناس وأكفرهم وأسْوَئهم طوية ، وأردَئهم سريرة وسيرة ، يقطعون السبيلَ ويأتون في ناديهم المنكر ، ولا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون . ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم ، وهي إتيان الذكران من العالمين ، وترك ما خلق الله من النسوان لعباده الصالحين . فدعاهم لوط إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ، ونهاهم عن تعاطي المحرمات والفواحش والمنكرات ، والأفاعيل المستقبحات ، فتمادوا على ضلالهم وطغيانهم ، واستمروا على فجورهم وكفرانهم ، فأحل الله بهم من البأس الذي لا يُرَدُّ ما لم يكن في خَلدهم وحسبانهم ، وجعلهم مُثْلَةً في العالَمين ، وعبرةً يتعظ بها الآلّاء من العالِمين . ولهذا ذكر الله تعالى قصتهم في غير ما موضع في كتابه المبين . فقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿ ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سَبقكم بها من أحدٍ من العالمين * إنَّكم لتأتون الرجالَ شهوةً من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون = وما كان جوابَ قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوطٍ من قريتكم إنهم أناسٌ يتطهرون ، فأنجيناه وأهلَهُ إلا امرأته كانت من الغابِرِين = وأمطرنا عليهم مطراً فانظر كيف كان عاقبة - ٢٢٥ - المجرمین ﴾(١). وقال تعالى في سورة هود: ﴿ولقد جاءت رسلنا إبراهيمَ بالبُشْرَى قالوا سلاماً ، قال سلام، فما لبث أن جاء بعِجْلٍ حَنيذ * فلما رأى أيديَهُمْ لا تَصِل إليه نَكِرهم وأوجَس منهم خيفةً ، قالوا لا تخَفْ إنا أُرسلنا إلى قوم لوط = وامرأته قائمةٌ فضحكت فبشَّرناها بإِسحق ومن وراء إسحق يعقوبُ « قالت يا ويلَتَى الدُ وأنا عجوزٌ وهذا بَعلي شيخاً إنّ هذا لشيءٍ عجيب « قالوا أتعجبين من أمر الله ؟ رحمةٌ الله وبركاته عليكم أهلَ البيت إنه حميد مجيد « فلما ذهب عن إبراهيمَ الروعُ وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط * إنّ إبراهيم لحَليم أوَّهِ مُنيب * يا إبراهيمُ أعْرض عن هذا إنه قد جاء أمُرُ ربك ، وإنهم آتيهم عذابٌ غير مردود = ولما جاءت رسلنا لوطاً سِيء بهم وضاق بهم ذَرْعاً وقال هذا يومٌ عصيب. وجاءه قومُه يهْرَعُون إليه ومِن قَبْلُ كانوا يعملون السيئات ، قال يا قوم هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم ، فاتقوا الله ولا تُخْزون في ضَيفي ، أليس منكم رجلٌ رشيد؟ » قالوا لقد علمتَ ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد * قال لو أن لي بكم قوةً أو آوي إلى ركن شديد ؟ قالوا يا لوط إنا رُسل ربك لن يَصِلوا إليك، فَأَسْرِ بأهلك بقطْعٍ من الليل ، ولا يلتفتْ منكم أحدٌ إلا امرأتك إنه مُصيبها ما أصابهم ، إنَّ مَوْعدهم الصبحُ أليس الصبح بقريب ؟ فلما جاء أمرنا جعلنا عاليَهَا سافلَهَا وأمطرنا عليها حجارةً من سِجِّيل مَنْضود * مسوَّمَةً عندَ ربك وما هي من الظالمين ببعيد﴾(٢) . وقال تعالى في سورة الحجر: ﴿ونَبِّئهم عن ضيف إبراهيم. إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال إنا منكم وجِلون » قالوا لا تَوْجَل إنا نبشِّرك بغلام عَليم » قال أبشَّرْتموني على أن مسَّني الكِبَرِ فِبِمَ تبشِّرون؟ » قالوا بشرناك بالحق فلا تكنْ من القانِطين . قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون . قال فما خطبكم أيها المرسلون . قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين . إلا آلَ لوطٍ إنا لَمُنَجُوهُمْ أجمعين. إلا امرأته قدَّرنا إنها لمن الغابرين . فلما جاء آلَ لوط المرسلون . قال إنكم قوم مُنْكُرون . قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمتَرون. وأتيناك بالحق وإنا لصَادقون . فأسْرٍ بأهلك (١) سورة الأعراف ٨٠ - ٨٤ . (٢) سورة هود ٦٩ - ٨٣ . - ٢٢٦ - يقِطْع من الليل واتَّبع أدبارَهم ، ولا يَلْتفت منكم أحد وامضُوا حيث تُؤْمَرون . وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مُصْبحين . وجاء أهل المدينة يستبشرون . قال إنَّ هؤلاء ضيفي فلا تفضحون . واتقوا الله ولا تُخْزون . قالوا أولم نَنْهِكَ عن العالَمين . قال هؤلاء بناتي إنْ كنتم فاعلين . لَعَمْرُكَ إنهم لفي سَكْرتهم يَعْمَهون . فأخذتهم الصيحةُ مُشْرِقِين . فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارةً من سجِّيل . إنّ في ذلك لآياتٍ للمتوسِّمين . وإنها لَبِسَبيل مقيم . إنّ في ذلك لآية للمؤمنين﴾(١). وقال تعالى في سورة الشعراء: ﴿ كذبَتْ قومُ لوط المرسَلين . إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون . إني لكم رسولٌ أمين . فاتقوا الله وأطيعون . وما أسألكم عليه من أجر إن أجريَ إلا على رب العالمين. أتأتون الذُّكْران من العالمين . وتَذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون . قالوا لئن لم تنته يا لوط لَتَكونَنَّ من المخرجين . قال إنِّي لعملكم من القالِين . رب نجِّني وأهلي مما يعملون . فنجيناه وأهلَه أجمعين . إلا عجوزاً في الغابرين . ثم دَمَّرنا الآخرين . وأمطرنا عليهم مَطَراً فساء مطرُ المنذَرين . إنّ في ذلك لآيَةً وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾(٢) . وقال تعالى في سورة النمل: ﴿ ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تُبْصرون . أئنكم لتأتون الرجال شهوةً من دُونِ النساء بل أنتم قومٍ تَجْهلون . فما كان جوابَ قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوطٍ من قريتكم إنهم أُناس يتطهَّرون . فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدَّرناها من الغابرين. وأمطرنا عليهم مطراً فساء مطر المنذَرين ﴾(٣) . وقال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿ ولوطاً إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشةَ ما سبقكم بها من أحدٍ من العالمين. أنكم لَتأتون الرجالَ وتقطعون السبيلَ، وتأتون (١) سورة الحجر ٥١ - ٧٧ . (٢) سورة الشعراء ١٦٠ - ١٧٥ . (٣) سورة النمل ٥٤ _ ٨٥ . - ٢٢٧ - في ناديكم المنكر ، فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنتَ من الصادقين . قال ربِّ انصُرني على القوم المفسدين . ولما جاءت رسلُنا إبراهيمَ بالبشرى قالوا إنَّا مُهْلِكوا أهل هذه القرية ، إن أهلها كانوا ظالمين . قال إنَّ فيها لوطاً قالوا نحن أعْلَم بمن فيها ، لَننجينَّه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ، ولما أن جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذَرْعاً وقالوا لا تخَفْ ولا تحزن إنَّا مُنَجُّوك وأهلَكَ إلا امرأتك كانت من الغابرين. إنَّا مُنْزِلون على أهلِ هذه القرية رِجْزاً من السماء بما كانوا يَفْسقون. ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون﴾(١). وقال تعالى في سورة الصافات : ﴿ وإنّ لوطاً لَمن المرسلين . إذ نجيناه وأهله أجمعين . إلا عجوزاً في الغابرين. ثم دمَّرنا الآخرين . وإنكم لتمرون عليهم مُصْبحين . وبالليل أفلا تعقلون ﴾(٢) . وقال تعالى في الذاريات بعد قصة [ ضيف ](٣) إبراهيم وبشارتهم إياه بغلام عليم: ﴿ قال فما خَطْبُكم أيها المرسَلون . قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين . لِنرسل عليهم حجارةً من طين . مسوَّمة عند ربك للمسرفين . فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين . فما وجَدْنا فيها غيرَ بيتٍ من المسلمين . وتركنا فيها آيةً للذين يخافون العذاب الأليم﴾(٤). وقال في سورة القمر(٥): ﴿ كذَّبت قومُ لوطِ بالنُّذر . إنا أرسلنا عليهم حاصباً إلا آل لوطٍ نجيناهم بِسَحر . نعمةً من عندنا كذلك نجزي من شَكر . ولقد أَنذَرِهِم بَطْشتنا فتمارَوا بالنُّذُر . ولقد راودوه عن ضيفه فطمسْنا أعينَهم فذوقوا عذابي ونُذر . ولقد صبَّحهم بُكْرَةً عذابٌ مستقرّ . فذوقوا عذابي ونُذر . ولقد يسَّرنا القرآنَ للذكر فهل من مُذَّكِرٍ﴾(٦). وقد تكلمنا على هذه القصص في أماكنها من هذه السور في التفسير . (١) سورة العنكبوت ٢٨ - ٣٥. (٢) سورة الصافات ١٣٣ - ١٣٨. (٣) سقطت من (( أ)). (٤) سورة الذاريات ٢١ - ٣٧. (٥) ((أ): سورة الانشقاق. (٦) سورة القمر ٣٣ - ٤٠. - ٢٢٨ - 1 وقد ذكر الله لوطاً وقومه في مواضع أخر من القرآن ، تقدم ذكرها مع نوح وعاد وثمود . والمقصود الآن إيراد ما كان من أمرهم ، وما أحل الله بهم ، مجموعاً من الآيات والآثار . وبالله المستعان . وذلك أن لوطاً عليه السلام لما دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، ونهاهم عن تعاطي ما ذكر الله عنهم من الفواحش ، لم يستجيبوا له ولم يؤمنوا به [ حتى ](١) ولا رجل واحد منهم ، ولم يتركوا ما عنه نُهوا . بل استمروا على حالهم ، ولو يَرْعَوُوا(٢) عن غيّهم وضلالهم ، وهموا بإخراج رسولهم من بين ظهرانيهم . وما كان حاصل جوابهم عن خطابهم - إذ كانوا لا يعقلون إلا أن قالوا: ﴿أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناسٌ يتطهّرون﴾، فجعلوا غاية المدح ذمًّا يقتضي الإخراج ! وما حملهم على مقالتهم هذه إلا العناد والدجاج . فطهّره الله وأهله إلا امرأته ، وأخرجهم منها أحسنَ إخراج ، وتركهم في محلتهم خالدين ، لكن بعد ما صيرها عليهم بحرةً منتنة ذات أمواج ، لكنها عليهم في الحقيقة نار تأجَّج ، وحَرّ يتوهج ، وماؤها ملح أجاج . وما كان هذا جوابهم إلا لما نهاهم عن [ارتكاب](٣) الطامة العظمى، والفاحشة الكبرى ، التي لم يسبقهم إليها أحد من [العالمين ](٤) أهل الدنيا . ولهذا صاروا مُثْلة فيها وعبرة لمن عليها . وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق ، ويخونون الرفيق ، ويأتون في ناديهم ، وهو مجتمعهم ومحلّ حديثهم وسمرهم ، المنكر من الأقوال والأفعال على اختلاف أصنافه . حتى قيل إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم ، ولا يستحون من مُجالسيهم ، وربما (١) سقطت من ((أ)). (٢) ((ط)): ولم يرتدعوا. (٣) من (( أ)). (٤) من ((أ)). - ٢٢٩ - وقع منهم الفعلة العظيمة في المحافل ولا يستنكفون ، ولا يَرْعوون لوعظ واعظ ولا نصيحة من عاقل . وكانوا في ذلك وغيره كالأنعام بل أضل سبيلاً ، ولم يُقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر ، ولا ندموا على ما سلف من الماضي ، ولا راموا في المستقبل تحويلاً ، فأخذهم الله أخذاً وبيلاً. وقالوا له فيما قالوا: ﴿ ائتنا بعذابِ الله إن كنت من الصادقين ﴾ فطلبوا منه وقوع ما حذرهم عنه من العذاب الأليم ، وحلول البأس العظيم . فعند ذلك دعا عليهم نبيهم الكريم ، فسأل من رب العالمين وإله المرسلين أن ينصره على القوم المفسدين . فغار الله لغَيْرته ، وغضب لغضبته ، واستجاب لدعوته ، وأجابه إلى طَلبته ، وبعث رسله الكرام ، وملائكته العظام ، فمروا على الخليل إبراهيم وبشَّروه بالغلام العليم ، وأخبروه بما جاءوا له من الأمر الجسيم والخطب العميم: ﴿ قال فما خَطْبكم أيها المرسَلون « قالوا إنا أُرسلنا إلى قومٍ مجرمين « لنرسِلَ عليهم حجارةً من طين * مسوَّمة عندَ ربك للمسْرفين﴾ وقال: ﴿ ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مُهْلكوا أهلِ هذه القرية إنَّ أهلَها كانوا ظالمين * قال إنَّ فيها لوطاً ، قالوا نحن أعلم بمن فيها لَننجيتَّه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين﴾. وقال الله تعالى: ﴿ فلما ذهبَ عن إبراهيمَ الرّوعُ وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط﴾ . وذلك أنه كان يرجو أن [ يجيبوا أو ](١) ينيبوا ويسلموا ويُقلعوا ويرجعوا، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنّ إبراهيم لحَليم أوَّه مُنيب * يا إبراهيم أعرِضْ عن هذا قد جاء أمرُ ربك، وإنهم آتيهم عذابٌ غير مَرْدُود﴾ أي أعرض عن هذا وتكلم في غَيرِهِ ، فإنه قد حتِّم أمُرُهم ، ووجب عذابهم وتدميرهم وهلاكهم، ﴿ إنه قد جاء أمر ربك ﴾ أي قد أمر به من لا يردّ أمره، ولا يرد بأسه، ولا معقِّب لحكمه. ﴿وإنهم آتيهم عذابٌ غير مَرْدُود ﴾ . وذكر سعيد بن جُبير والسُّدي وقتادة ومحمد بن إسحق : أن إبراهيم عليه (١) من ((أ)). - ٢٣٠ - السلام جعل يقول: أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن [ قالوا لا](١) قال: فمائتا مؤمن ؟ قالوا : لا . قال : فأربعون مؤمناً ؟ قالوا : لا . قال : فأربعة عشر مؤمناً ؟ قالوا : لا . قال ابن إسحاق : إلى أن قال : أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد ؟ قالوا : لا. ﴿ قال : إن فيها لوطاً ، قالوا نحن أعْلم بمن فيها ﴾ الآية . وعند أهل الكتاب أنه قال : يا رب أتُّهْلِكُهم وفيهم خمسون رجلاً صالحاً ؟ فقال الله: ((لا أهلكهم وفيهم خمسون صالحاً)) ثم تنازل إلى عشرة فقال الله: (( لا أهلكهم وفيهم عشرة صالحون )) . قال الله تعالى: ﴿ ولما جاءت رسلُنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذَرْعاً وقال هذا يومٌ عَصِيب﴾. قال المفسرون : لما فصَلت الملائكة من عند إبراهيم - وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل - أقبلوا حتى أتوا أرضَ سَدُوم ، في صور شُبان حِسَان ، . اختباراً من الله لقوم لوط وإقامة الحجة عليهم . فاستضافوا لوطاً عليه السلام وذلك عند غروب الشمس ،فخشِيَ، إن لم يُضفهم أن يضيفهم غيره ، وحسبهم بشراً من الناس ، و ﴿ سيء بهم وضاق بهم ذرعاً ، وقال هذا يوم عصيب ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق : شديد بلاؤه . وذلك لما يعلم من مدافعته الليلةَ عنهم ، كما كان يصنع بهم في غيرهم ، وكانوا قد اشترطوا عليه أن لا يضيف أحداً ، ولكن رأى من لا يمكن المحِيد عنه . وذكر قتادة : أنهم وردوا عليه وهو في أرض له يعمل فيها ، فتضيَّفوا فاستحيا منهم وانطلق أمامهم ، وجعل يعرّض لهم في الكلام لعلهم ينصرفون عن هذه القرية وينزلون في غيرها، فقال لهم فيما قال: [ والله ](٢) يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهلَ بلد أخبثَ من هؤلاء . ثم مشى قليلاً ، ثم أعاد ذلك عليهم حتى كرره أربع مرات ، قال : وكانوا قد أُمروا أن لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيّهم بذلك . وقال السُّدي : خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط ، فأتوها نصفَ النهار ، فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لأهلها ، وكانت له ابنتان: اسم الكبرى ((ريثا)) والصغرى ((زغرتا)). فقالوا لها : يا جارية ، هل من (١) سقطت من ((أ)) . (٢) من ((أ)). - ٢٣١ - منزل ؟ فقالت لهم: [ نعم ](١) مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم . شفقة(٢) عليهم من قومها ، فأتت أباها فقالت : يا أبتاه : أرادك فتيان على باب المدينة ، ما رأيت وجوه قوم قط هي أحسن منهم ، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم . وقد كان قومه(٣) نهوه أن يضيف رجلاً [فقالوا: خلِّ عنا فلنضف الرجال ](١). فجاء بهم فلم يعلم إلا أهل البيت ، فخرجت امرأته فأخبرت قومها ، فقالت : إن في بيت لوط رجالاً ما رأيت مثلَ وجوههم قط . فجاءه قومهم يُهرعون إليه . وقوله : ﴿ ومن قبلُ كانوا يعملون السيئات ﴾ أي هذا مع ما سلف لهم من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة، ﴿قال يا قوم هؤلاء بناتي هنَّ أطهر لكم ﴾ يرشدهم إلى غشيان نسائهم وهنّ بناته شرعاً ، لأن النبي للأمّة بمنزلة الوالد ، كما ورد في الحديث ، وقال تعالى: ﴿النبيُّ أولَى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ (٤) وفي قول بعض الصحابة والسلف: وهو أب لهم . وهذا كقوله : ﴿ أتأتون الذكرانَ من العالمين * وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم ، بل أنتم قوم عادون ﴾(٥) . وهذا هو الذي نص عليه مجاهد وسعيد بن جُبير والربيع بن أنس وقتادة والسُّدي ومحمد بن إسحاق ، وهو الصواب . والقول الآخر خطأ مأخوذ من أهل الكتاب ، وقد تصحَّف عليهم كما أخطأوا في قولهم: إن الملائكة كانوا اثنين، وإنهم تعشَّوا عنده . وقد خبط أهل الكتاب في هذه القصة تخبيطاً عظيماً . وقوله : ﴿ فاتقوا الله ولا تُخْزُون في ضَيفي ، أليس منكم رجلٌ رشيد؟ ﴾ نهيٌ لهم عن تعاطِي ما لا يليق من الفاحشة ، وشهادة عليهم بأنه ليس فيهم رجل له مُسْكة ولا فيه خير ، بل الجميع سفهاء ، فجرة أقوياء ، كفرة أغبياء(٦) . (١) سقطت من ((أ)). (٢) ((ط)): فرقت عليهم من قومها. (٣) (( أ)) : وقد كانوا نهوه. (٤) سورة الأحزاب ٥ . (٥) سورة الشعراء: ١٦٥، ١٦٦. (٦) ((أ)): كفرة أعتياء . - ٢٣٢ - وكان هذا من جملة ما أراد الملائكة أن يسمعوه منه من قبل أن يسألوه عنه . فقال قومه ، عليهم لعنة الله الحميد المجيد ، مجيبين لنبيهم فيما أمرهم به من الأمر السديد: ﴿ لقد علمتَ ما لنا في بناتك من حَقٍّ وإنك لتعلم ما نريد ﴾ يقولون - عليهم لعائن الله - لقد علمت يا لوط أنه لا أُرَب لنا في نسائنا، وإنك لتعلم مرادنا وغرضنا . واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولهم الكريم ، ولم يخافوا سطوة العظيم ، ذي العذاب الأليم . ولهذا قال عليه السلام: ﴿ لو أن لي بكم قوة أو آوِي إلى ركن شديد﴾. ودَّ أن لو كان له بهم قوة ، أو له منعة وعشيرة ينصرونه عليهم ، ليحل بهم ما يستحقونه من العذاب على هذا الخطاب . وقد قال الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً : ((نحن أحق بالشك من إبراهيم ، ويرحم الله لوطاً ، لقد كان يأوي إلى ركن شديد ، ولو لبثتُ في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعى )) . ورواه أبو الزِّناد(١) عن الأعرج عن أبي هريرة . وقال محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة إن رسول الله عَ ◌ِّ قال: ((رحمة الله على لوط، إنْ كان يأوي(٢) إلى ركن شديد ــ يعني الله عز وجل - فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه)). وقال تعالى: ﴿وجاء أهلُ المدينة يسْتبشرون * قال إنّ هؤلاء ضَيفي فلا تفضحون * واتقوا الله ولا تُخْزون » قالوا أولم نَنْهك عن العالمين * قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين ﴾ فأمرهم بقربان نسائهم ، وحذرهم الاستمرار على طريقتهم وسياتهم . هذا وهم في ذلك لا ينتهون ولا يرعوون ، بل كلما نهاهم(٣) يبالغون في تحصيل هؤلاء الضيفان ويحرصون ، ولم يعلموا ما حُمَّ (٤) به القدر مما هم إليه (١) ((أ)) : ورواه ابن أبي الدنيا. (٢) ((أ)): لقد كان ياوي. (٣): ((أ)) : كلما لهم . (٤) ((أ)) : ما حم بهم. - ٢٣٣ - صائرون وصبيحةً ليلتهم إليه منقلبون . ولهذا قال تعالى مقسماً بحياة نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿لَعْمرك إنهم لفي سَكْرتهم يَعْمهون﴾. وقال تعالى: ﴿ولقد أنذرهم بطشتنا فتمارَوا بالنُّذر . ولقد راودوه عن ضيفه فطَمسْنَا أعينَهم فذوقوا عذابِي ونُذر . ولقد صبَّحهم بكرةَ عذابٌ مستقر ﴾(١) . ذكر المفسرون وغيرهم : أن نبي الله لوطاً عليه السلام جعل يمانع قومه الدخول ويدافعهم والباب مغلق ، وهم يرومون فتحه وولوجه ، وهو يعظهم وينهاهم من وراء الباب ، وكل ما لهم في إلحاح وإنحاح(٢)، فلما ضاق الأمر وعسر الحال قال [ ما قال](٣) ﴿ لو أن لي بكم قوةً أو آوِي إلى رُكن شديد﴾ لأحللت بكم النكال . قالت الملائكة: ﴿يا لوط إنا رسُل ربك لن يَصِلوا إليك﴾ وذكروا أن جبريل عليه السلام خرج عليهم ، فضرب وجوههم خفقةً بطرف جناحه فطمست أعينهم ، حتى قيل إنها غارت بالكلية ولم يَبق لها محلّ ولا عين ولا أثر ، فرجعوا يتحسسون مع الحيطان ، ويتوعدون رسول الرحمن ، ويقولون إذا كان الغد كان لنا وله شأن ! قال الله تعالى: ﴿ ولقد راودوه عن ضيفه فطَمَسْنا أعينَهم فذوقوا عذابي ونُذر . ولقد صبَّحهم بكرةً عذابٌ مستقر﴾ . فذلك أن الملائكة تقدمت إلى لوط ، عليه السلام ، آمرين له بأن يَسْري هو وأهله من آخر الليل . ﴿ ولا يلتفِتْ منكم أحدٌ﴾، يعني عند سماع صوت العذاب إذا حلّ بقومه ، وأمروه أن يكون سيره في آخرهم كالساقة لهم . وقوله: ﴿ إلا امرأتَكَ﴾ على قراءة النصب: يحتمل أن يكون مستثنى من قوله: ﴿فَأَسْر بأهلك﴾ كأنه يقول إلا امرأتك فلا تَسْر بها، ويحتمل أن يكون (١) سورة القمر ٣٦ - ٣٨. (٢) كذا في ((أ)). ولعلها إتباع كقولهم شحيح بحيح، وفي المطبوعة: في إلجاج والعاج وهو تحريف. (٣) من ((أ)). - ٢٣٤ - من قوله : ﴿ ولا يلتفتْ منكم أحدٌ إلا امرأتك﴾ أي فإنها ستلتفت فيصيبها ما أصابهم . ويقوّى هذا الاحتمالَ قراءة الرفع ، ولكن الأول أظهر في المعنى . والله أعلم قال السُّهيلي: واسم امرأة لوط ((والهة)) واسم امرأة نوح ((والغة)). وقالوا له مبشِّرين بهلاك هؤلاء البغاة العتاة ، الملعونين النظراء والأشباه الذين جعلهم الله سلفاً لكل خائن مريب : ﴿إنّ مَوْعدهم الصبحُ أليس الصبح بقریب ﴾ . فلما خرج لوط عليه السلام بأهله ، وهم ابنتاه ، لم يتبعه منهم رجل واحد ، ويقال إن امرأته خرجت معه . فالله أعلم . فلما خلصوا من بلادهم وطلعت الشمس فكانت عند شروقها ، جاءهم من أمر الله ما لا يُرد ، ومن البأس الشديد ما لا يمكن أن يُصدّ . وعند أهل الكتاب : أن الملائكة أمروه أن يصعد إلى رأس الجبل الذي هناك فاستبعده ، وسأل منهم أن يذهب إلى قرية قريبة منهم ، فقالوا اذهب فإنا ننتظرك حتى تصير إليها وتستقر فيها ، ثم نُحِلُّ بهم العذاب . فذكروا أنه ذهب إلى قرية ((صوعر)) التي يقول الناس: غَوْر زُغَر (١)، فلما أشرقت الشمس نزل بهم العذاب . قال الله تعالى: ﴿ فلما جاء أمُرُنا جعَلْنا عاليهَا سافلهَا وأمطرْنا عليهم حجارة من سِجِّيل منضود " مُسَوَّمة عندَ ربك وما هي من الظالمين ببعيد قالوا : اقتلعهنَّ جبريل بطرف جناحه من قرارهن ــ وكن سبع مدن - بمن فيهن من الأمم ، فقالوا إنهم كانوا أربعمائة نسمة ، وقيل أربعة آلاف نسمة ، وما معهم من الحيوانات ، وما يتبع تلك المدن من الأراضي والأماكن والمعتملات . فرفع (١) ذكر البكري في معجم ما استعجم ٦٩٩/١ عين زغر وقال: اختلف فيها فقيل هي بالشام. وقيل بالبصرة . سميت بزغر بنت لوط . - ٢٣٥ - الجميع حتى بلغ بهم عَنانَ السماء ، حتى سَمعت الملائكةُ أصوات دِيكَتهم ونُباحَ كلابهم ، ثم قَلبها عليهم ، فجعل عاليها سافلها . قال مجاهد : فكان أول ما سقط منها شرفاتها . وأمطَرْنا عليهم حجارةً من سجيل﴾. [ والسجيل فارسي معرب ](١) وهو الشديد الصُّلْب القوي، ﴿ مَنْضود﴾ أي يتبع بعضها بعضاً في نزولها عليهم من السماء . ﴿مسوَّمة ﴾ أي معلِّمة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يهبط عليه فيَدْمغه، كما قال: ﴿مسوَّمَة عندَ ربك للمسرفين﴾ وكما قال تعالى : وأمطَرْنا عليهم مطَراً فساء مطر المُنْذَرِين﴾، وقال تعالى: ﴿ والمؤتفكةَ أَهْوَى: فغشَّاها ما غَشَّى * فبأي آلاء ربك تتمارَى﴾(٢) يعني(٣) قلبها فأهْوَى بها منكَّسة مرقومة على كل حجر اسم صاحبه الذي سقط عليه ، من الحاضرين منهم في بلدهم ، والغائبين عنهم من المسافرين والنازحين والشاذين منها .. ويقال إن امرأة لوط مكثت مع قومها ، ويقال إنها خرجت مع زوجها وبنتيها ، ولكنها لمّا سمعت الصيحة وسقوط البلدة ، التفتت إلى قومها وخالفت أمر ربها قديماً وحديثاً ، وقالت : واقوماه ! فسقط عليها حجر فدمَغها وألحقها بقومها ، إذ كانت على دينهم ، وكان عَيناً لهم على من يكون عند لوط من الضيفان . كما قال تعالى: ﴿ضَرَب الله مثلاً للذين كفروا امرأةً نوح وامرأةً لوطٍ ، كانتا تحت عبدَين من عبادنا صالحَيْن، فخانتاهما فلم يُغْنيا عنهما من الله شيئاً ، وقيل ادخلا النار مع الداخلين ﴾(٤) أي خانتاهما في الدين فلم يتبعاهما فيه . وليس المراد أنهما كانتا على فاحشة - حاشا وكلًّا ولمَّا - فإن الله لا يقدِّر على نبي قط (٥) أن تبغي امرأته ، كما قال ابن عباس وغيره من أئمة السلف والخلف : ما بغت امرأة نبي قط . ومن قال خلاف هذا فقد أخطأ خطأ كبيراً (٦). قال الله تعالى في قصة الإفك ، لما أنزل براءة أم المؤمنين عائشة بنت (١) سقطت من (( أ)) . (٢) سورة النجم ٥٣ - ٥٥ . (٣) ((أ)) : أي قلبها. (٤) سورة التحريم ١٠. (٥) ((أ)) : على نبيه أن تبغى امرأته . (٦) ((أ)): كثيراً. - ٢٣٦ - الصديق، زوج رسول الله عَ ليه، حين قال لها أهل الإِفك ما قالوا فعاتب الله المؤمنين وأَنَّب وزجَر، ووعظ وحذَّر قال فيما قال: ﴿إِذ تَلقَّوْنه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به عِلْمٌ، وتَحْسبونه هَيِّناً وهو عند الله عظيم * ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم﴾(١) أي سبحانك أن تكون زوجة نبيك بهذه المثابة . وقوله هنا: ﴿ وما هي من الظالمين ببعيد﴾ أي وما هذه العقوبة ببعيدة ممن أشبههم في فعلهم . ولهذا ذهب من ذهب من العلماء إلى أن اللائط يُرجم ، سواء كان محصناً أو لا . ونَصَّ عليه الشافعي وأحمد بن حنبل وطائفة كثيرة من الأئمة . واحتجوا أيضاً بما رواه الإمام أحمد وأهل السُّنَن من حديث عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله عَ لمه قال: ((من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به)) (٢). وذهب أبو حنيفة إلى أن اللائط يلقى من شاهق [ جبل](٣) ويُتْبع بالحجارة كما فُعل بقوم لوط ، لقوله تعالى: ﴿ وما هي من الظالمين ببعيد﴾. وجعل الله مكان تلك البلاد بَحْرةً منتنة لا ينتفع بمائها ، ولا بما حولها من الأراضي المتاخمة لفنائها ، لرداءتها ودناءتها فصارت عبرةً ومُثْلة وعظة وآية على قدرة الله تعالى وعظمته ، وعزته في انتقامه ممن خالف أمره ، وكذَّب رسله ، واتبع هواه وعصى مولاه ، ودليلاً على رحمته بعباده المؤمنين في إنجائبه إياهم من المهلكات ، وإخراجه إياهم من النور إلى الظلمات ، كما قال تعالى: ﴿ إنّ في ذلك لآيَةً وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾ . وقال الله تعالى: ﴿فَأَخذَتْهم الصيحةُ مُشْرِقِين * فجعلنا عالِيهَا سافلهَا (١) سورة النور ١٥، ١٦ . (٢) سنن الترمذي حديث رقم ١٤٥٦ وسنن ابن ماجه حديث رقم ٢٥٦١ . قال الترمذي : هذا حديث في إسناده مقال . (٣) سقطت من ((أ)). - ٢٣٧ - وأمطرنا عليهم حجارةً من سجيل * إن في ذلك لآياتٍ للمتوسِّمين * وإنها لَبسبيل مقيم * إنَّ في ذلك لآيَةً للمؤمنين﴾ (١) أي من نظر بعين الفِرَاسة والتوسم فيهم(٢)، كيف غيَّر الله تلك البلاد وأهلها ؟ وكيف جعلها بعدَ ما كانت آهلة عامرة هالكة غابرة (٣) ! كما روى الترمذي وغيره مرفوعاً: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله)» ثم قرأ: ﴿ إِنّ في ذلك لآياتٍ للمتوسّمين﴾(٤). وقوله: ﴿وإنها لَبسبيل مقيم﴾ أي لبطريق مَهْيَع مسلوك إلى الآن ، كما قال: ﴿وإنكم لَتمُرُّون عليهم مُصْبحين » وبالليل أفلا تعقلون﴾(٥). وقال تعالى : ﴿ ولقد تَرَكْنا مِنْها آيَةً بِّنةً لقوم يعقلون﴾(٦) وقال تعالى: ﴿فَأَخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجَدْنا فيها غيرَ بيت من المسلمين . وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم ﴾(٧) . أي تركناها عبرةً وعظةً لمن خاف عذاب الآخرة ، وخشي الرحمن بالغيب ، وخاف مقام ربه ونهى النفسَ عن الهَوَى ، فانزجر من محارم الله وترك معاصيه ، وخاف أن يشابه قومَ لوط . ومن تشبّه بقوم فهو منهم ، وإن لم يكن من كل وجه ، فمن بعض الوجوه ، كما قال بعضهم : فإن لم تكونوا قومَ لوطٍ بعينهم فما قومُ لوطٍ منكُم ببعيدٍ ! · فالعاقل اللبيب الفاهم الخائف من ربه ، يمتثل ما أمره الله به عز وجل ، ويقبل ما أرشده إليه رسول الله عَ لّم من إتيان ما خلق له من الزوجات الحلال ، والجواري من السراري ذوات الجمال ، وإياه أن يتبع كل شيطان مريد ، فيحق عليه الوعيد ، ويدخل في قوله تعالى: ﴿ وما هي من الظالمين ببعيد ﴾. (١) سورة الحجر ٧٣ - ٧٧ . (٢) ((ط )): فهم . (٣) الأصل والمطبوعة : غامرة . (٤) سنن الترمذي كتاب تفسير القرآن حديث رقم ٣١٢٧ . قال أبو عيسى : هذا حديث غريب . إنما نعرفه من هذا الوجه وقد روي عن بعض أهل العلم . (٥) سورة الصافات ١٣٧، ١٣٨. (٦) سورة العنكبوت ٣٥ . (٧) سورة الذاريات ٣٥ - ٣٧ . - ٢٣٨ - قصة مدين قوم شعيب عليه السلام قال الله تعالى في سورة الأعراف بعد قصة قوم لوط: ﴿ وإلى مدينَ أخاهم شُعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، قد جاءتكم بينةٌ من ربكم ، فأوفُوا الكيل والميزانَ ولا تَبْخسوا الناس أشياءهم ، ولا تفسدوا في الأرض بعدَ إصلاحها ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين * ولا تَقْعدُوا بكل صراطٍ تُوعدون وتَصدُّون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجاً، واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثّكم وانظروا كيف كان عاقبةُ المفسدين « وإن كان طائفةٌ منكم آمنوا بالذي أُرسلتُ به وطائفةٌ لم يؤمنوا ، فاصبروا حتى يحكم الله بيننا ، وهو خيرُ الحاكمين * قال الملأ الذين استكبروا من قومه لَنُخْرِجَّك يا شعيبُ والذين آمنوا معك من قريتنا أو لَتَعُودُنَّ في مِلَّتنا ، قال : أوَلو كنا كارهين * قد افترينا على الله كَذِباً إن عُدْنا في ملتكم بعد إذ نجَّانا الله منها ، وما يكونُ لنا أن نعودَ فيها إلا أن يشاء الله ربُّنَا وَسِع ربُّنا كلّ شيء علماً ، على الله توكلنا ، ربنا افتحْ بَيْنَنا وبين قومنا بالحق وأنت خيرُ الفاتحين * وقال الملأ الذين كفروا من قومه: لئن اتبعتم شُعيباً إنكم إذاً لخاسرون * فأخذَتْهم الرجفةُ فأصبحوا في دارهم جائمين . * الذين كذَّبوا شُعَيْباً كأن لم يَغْنوا فيها ، الذين كذَّبوا شُعيباً كانوا هم الخاسرين * فتولَّى عنهم وقال يا قوم لقد أبلَغْتُكُم رسالاتٍ ربِّي ونصحتُ لكم فكيف آسَى على قوم كافرين﴾(١) وقال في سورة هود بعد قصة قوم لوط أيضاً: ﴿وإلى مدين أخاهم شُعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، ولا تَنْقُصوا المكيالَ والميزان إني أراكم بخير ، وإني أخافُ عليكم عذابَ يوم محيط » ويا قومٍ أوفوا المكيالَ والميزان بالقِسْط ، ولا تَبْخسوا الناس أشياءهم ولا تَعْتَوا في الأرض مفسدين * بَقيةُ الله خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين ، وما أنا عليكم بحفيظ « قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نتركَ ما يَعْبُد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليمُ الرشيدُ » قال يا قوم أرأيتم إن كنتُ على بيِّنة من ربي ورزَقني منه رزقاً حسناً ، وما أريدُ أنْ أخالفكم إلى ما أنهاكم (١) سورة الأعراف ٨٥ - ٩٣ . - ٢٣٩ - عنه إنْ أريدُ إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلتُ وإليه أنيب * ويا قوم لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أن يصيبكم مثلُ ما أصاب قومَ نوح أو قومَ هود أو قومَ صالح ، وما قوم لوطٍ منكم ببعيد » واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رَحِيم ودود ﴿ قالوا يا شعيب ما نَفْقَهُ كثيراً مما تقولُ ، وإنا لنراك فينا ضعيفاً ، ولولا رَهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز . قال يا قوم أرَهْطِي أعزّ عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظِهْرياً ؟ إن ربي بما تعملون محيط . ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عاملٌ ، سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب ، وارتقبوا إني معكم رَقِيب * ولما جاء أَمْرُنا نجَّينا شعيباً والذين آمنوا معه برحمةٍ منا ، وأخذت الذين ظلموا الصَّحَةُ فأصبحوا في ديارهم جائمين . كأن لم يَعْنوا فيها ألا بُعْداً لِمِدْيَن كما بَعِدَت ثمودُ ﴾(١) . وقال في الحجْر بعد قصة قوم لوط أيضاً: ﴿وإنْ كان أصحابُ الأيكة لظالمين * فانتقمنا منهم وإنهما لَبِإِمام مبين﴾(٢) . وقال تعالى في الشعراء بعد قصتهم: ﴿ كذَّبَ أصحاب الأيكة المرسلين * إذ قال لهم شعيبٌ ألا تتقون * إني لكم رسولٌ أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجْرٍ إن أجريَ إلا على ربِّ العالمين * أوفوا الكيلَ ولا تكونوا من المُخْسرِين وزِنُوا بالقسطاس المستقيم * ولا تَبْخسوا الناسَ أشياءهم ولا تَعْثَوْا في الأرض * مفسدين » واتقوا الذي خلقكم والجِبلَّة الأولين « قالوا إنما أنت من المسَّرين * وما أنت إلا بشرٌ مثلنا وإنْ نظنك لَمن الكاذبين « فأسقِطْ علينا كِسَفاً من السماء إن كنتَ من الصادقين ﴾ قال ربِّي أعْلَمُ بما تعملون ، فكذَّبوه فأخذهم عذابُ يوم الظُّلة ، إنه كان عذاب يوم عظيم » إنّ في ذلك لآيَةً وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾(٣). (١) سورة هود ٨٤ - ٩٥ . (٢) سورة الحجر ٨٨، ٨٩. (٣) سورة الشعراء ١٧٦ - ١٩١. - ٢٤٠ -