النص المفهرس
صفحات 201-220
ذكر بناية البيت العتيق قال الله تعالى: ﴿وإذْ بوَأَنا لإبراهيم مكانَ البيت ألَّا تُشْرك بي شيئاً ، وطهِّر بَيْتِيَ للطائفين والقائمين والرَكَّع السُّجود » وأَذِّن في الناس بالحجِّ يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ يأتينَ من كلٍّ فَجِّ عميق﴾(١). وقال تعالى: ﴿إن أولَ بَيْتٍ وضِع للناس للَّذي بِبَكَّة مبارَكاً وهُدىً للعالمين * فيه آياتٌ بيناتٌ مَقامُ إبراهيم ومَنِ دخله كان آمناً . ولله على الناس حِجُّ البيتِ من استطاع إليه سبيلاً ، ومن كفر فإنَّ الله غَنِّ عن العالمين﴾(٢). وقال تعالى : ﴿وإذ ابتلي إبراهيمَ ربُّه بكلماتٍ فَأَتَمهنَّ ، قال إني جاعلُكَ للناسِ إماماً ، قال ومن ذريتي ؟ قال لا ينالُ عَهْدِي الظالمين ، وإذ جعلنا البيتَ مثابةً للناس وأمناً ، واتَّخِذُوا من مقام إِبراهيم مُصَلَّى، وعَهِدْنَا إلى إبراهيم وإسماعيلَ أَنْ طَهِّرًا بيتي للطائفين والعاكفين والرَكَّعِ السجود » وإذ قال إبراهيمُ ربِّ اجعل هذا بلداً آمناً ، وارزق أهله من الثمراتِ من آمن منهم بالله واليوم الآخر ، قال ومن كَفر فأمتعه قليلاً ، ثم أضْطَرُّه إلى عذاب النار وبئس المصير ، وإذ يرفع إبراهيم القواعدَ من البيت وإسماعيل ربنا تقبّل منا إنك أنت السميع العليم = ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمةً مسلمة لك ، وأرِنَا مناسكنا وتُبْ علينا إنك أنت التوابُ الرحيم : ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتِك ويعلِّمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ، إنك أنت العزيز الحكيم﴾(٣). · يذكر تعالى عن عبده ورسوله وصفيّه وخليله ، إمام الحنفاء، ووالد الأنبياء إبراهيم عليه السلام(٤) أنه بنَى البيت العتيق الذي هو أول مسجد وضع لعموم (١) سورة الحج ٢٦، ٢٧ . (٢) سورة آل عمران ٩٦، ٩٧ . (٣) سورة البقرة ١٢٤ - ١٢٩. (٤) ((ط)): عليه أفضل صلاة وتسليم . - ٢٠١ - الناس ، يعبدون الله فيه ، وبوّأه الله مكانه ، أي أرشده إليه ودله عليه . وقد روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وغيره : أنه أُرشد إليه بوحي من · الله عز وجل . وقد ذكرنا في صفة خلق السموات : أن الكعبة بحيال البيت المعمور ، بحيث أنه لو سقط لسقط عليها ، وكذلك معابد السموات السبع ، كما قال بعض السلف : إن في كل سماء بيتاً يَعبد الله فيه أهلُ كلِّ سماء ، وهو فيها كالكعبة لأهل الأرض . فأمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام أن يبني له بيتاً يكون لأهل الأرض كتلك المعابد لملائكة السموات ، وأرشده الله إلى مكان البيت المهيأ له ، المعيّن لذلك منذ خلق السموات والأرض، كما ثبت في الصحيحين: ((إن هذا البلد حرّمه الله يومَ خَلق السموات والأرض، فهو حرام بحُرمة الله إلى يوم القيامة)) (١). • ولم يجيء في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيًّا قبل الخليل عليه السلام . ومن تمسَّك في هذا بقوله: ﴿مكانَ البيت ﴾ فليس بناهض ولا ظاهر ، لأن المراد مكانه المقدَّر في علم الله ، المقرر في قدره (٢)، المعظم عند الأنبياء موضعه ، من لدن آدم إلى زمان إبراهيم . وقد ذكرنا أن آدم نصَب عليه قبة ، وأن الملائكة قالوا له : قد طُفْنا قبلك بهذا البيت ، وأن السفينة طافت به أربعين يوماً أو نحو ذلك . ولكن كل هذه الأخبار عن بني إسرائيل . وقد قررنا أنها لا تُصدَّق ولا تكذَّب فلا يحتج بها ، فأما إنْ ردها الحقُّ فهي مردودة (٣) . وقد قال الله: ﴿ إِنَّ أوَّلَ بيتٍ وضِع للناس للَّذي ببكة مباركاً وهدىَّ (١) أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه ككتاب العلم والحج والصيد والحدود والتوحيد . وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الحج حديث رقم ٤٤٥ . (٢) ((ط)) : قدرته . (٣) قال محمد بن يوسف الصالحي في كتابه ((سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد)) ١٧٢/١ (ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية) بتحقيقي: ((وجزم ابن كثير بأن الخليل إبراهيم أول من بنى البيت مطلقاً وقال إنه لم يثبت خبر عن معصوم أن البيت كان مبنياً قبل الخليل . انتهى . وفي هذا نظر لما ذكر من الآثار السابقة واللاحقة )) . - ٢٠٢ - للعالمين﴾ . أي أول بيت وضع لعموم الناس للبركة والهدى ، البيت الذي ببكة . وقيل محل الكعبة ﴿ فيه آياتٌ بينات﴾ أي على أنه بناء الخليل ، والد الأنبياء من بعده وإمام الحنفاء من ولده ، الذين يقتدون به ويتمسكون بسنته . ولهذا قال : ﴿ مقام إبراهيم﴾ أي الحجر الذي كان يقف عليه قائماً لما ارتفع البناء عن قامته ، فوضع له ولده هذا الحجر المشهور ، ليرتفع عليه لما تعالى البناء وعظُم الفِنَاء . كما ذكر في حديث ابن عباس الطويل . وقد كان هذا الحجر مُلْصقاً بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فأخَّره عن البيت قليلاً ، لئلا يشغل المصلِّين عنده الطائفين بالبيت ، واتَّبع عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه في هذا، فإنه قد وافقه ربه في أشياء ؛ منها قوله لرسوله عَ لّم: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مُصلى ، فأنزل الله: ﴿ وأَّخِذوا من مَقَام إبراهيم مصلى﴾. وقد كانت آثار قدمَيْ الخليل باقية في الصخرة إلى أول الإِسلام . وقد قال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة : وراقٍ لِيَرْقَى(١) في حِرَاء ونازلِ وَثَوْرٍ (١) ومن أرسى ثَبِيراً مكانه وبالله إنّ الله ليس بغافلٍ وبالبيتِ حقٌّ البيت من بطن مكةٍ إذا اكْتَنَفُوه بالضُّحى والأصائِلِ وبالحجر المسودِ إذ يمسحونه على قدميه حافياً غير ناعِلٍ ومَوْطىء إبراهيم في الصخر رَطْبَةً يعني أن رجله الكريمة غاصت في الصخرة فصارت على قدر قدمه حافية لا منتعلة . ولهذا قال تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ﴾ [ أي في حال قولهما ](٢): ﴿ربنا تقبّل منا إنك أنت السميعُ العليم﴾ فهما في غاية الإِخلاص والطاعة لله عز وجل ، وهما يسألان من الله عز وجل السميع العليم أن يتقبل منهما ما هما فيه من الطاعة العظيمة والسعي المشكور: ﴿ ربنا واجعلنا مُسْلمين لك ومن ذريتنا أمةً مسلمةً لك ، وأِنا مناسكنا ، وتُبْ علينا إنك أنت التَّواب الرحيمُ ﴾ . (١) ((ط)): لبر . محرفة . (٢) ليست في (( أ )) . - ٢٠٣ - والمقصود أن الخليل بنى أشرف المساجد في أشرف (١) البقاع ، في واد غير ذي زرع ، ودعا لأهلها بالبركة ، وأن يُرزقوا من الثمرات، مع قلة المياه وعدم الأشجار والزروع والثمار ، وأن يجعله حَرَماً محرَّماً وآمناً مُحَتَّماً . فاستجاب الله ، وله الحمد، له مسألته، ولَّى دعوته، وآتاه طَلِبته ، فقال تعالى: ﴿ أولم يَروا أنا جعلنا حرَماً آمِناً ويُتَخَطَّفُ الناسُ مِنْ حولهم(٢)؟﴾ وقال تعالى: ﴿أولم نمكِّن لهم حَرَماً آمناً يُجْبَى إليه ثمراتُ كلِّ شيء رزقاً مِنْ لَدُنَّا﴾(٣). وسأل الله أن يبعث فيهم رسولاً منهم ، أي من جنسهم ، وعلى لغتهم الفصيحة البليغة النصيحة ، لتتم عليهم النعمتان الدنيوية والدينية ، سعادة الأولى والآخرة (٤) . وقد استجاب الله له : فبعث فيهم رسولاً وأيَّ رسول ! ختم به أنبياءه ورسله ، وأكمل له من الدين ما لم يؤت أحداً قبله ، وعمَّ بدعوته أهلَ الأرض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم ، في سائر الأقطار والأمصار والأعصار إلى يوم القيامة ، وكان هذا من خصائصه من بين سائر الأنبياء ، لشرفه في نفسه وكمال ما أرسل به ، وشرف بقعته وفصاحة لغته ، وكمال شفقته على أمته ، ولطفه ورحمته ، وكريم (٥) محتَده وعظيم مولده ، وطيب مَصْدره ومورده . ولهذا استحق إبراهيم الخليل عليه السلام إذا كان باني الكعبة لأهل الأرض ، أن يكون مَنْصبه ومَحله وموضعه ، في منازل السموات ، ورفيع الدرجات ، عند البيت المعمور ، الذي هو كعبة أهل السماء السابعة المبارك المبرور ، الذي يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة يتعبدون فيه ، ثم لا يعودون إليه إلى يوم البعث والنشور . وقد ذكرنا في التفسير من سورة البقرة صفة بنائه للبيت (٦) ، وما ورد في ذلك (١) ((ط)) : أفضل. (٢) سورة العنكبوت ٦٧ (٤) (( ط)) : والأخرى . (٥) ((أ)) : وكمال . (٣) سورة القصص ٥٧ . (٦) ((ط)) : بناية البيت. - ٢٠٤ _ من الأخبار والآثار بما فيه كفاية ، فمن أراد فليراجعه ثم ولله الحمد . فمن ذلك ما قال السدي : لمَّا أمر الله إبراهيم وإسماعيل أن يبنيا البيت لم يدريا أين مكانه ، حتى بعث الله ريحاً يقال لها الخَجُوج لها جناحان ورأس في صورة حية ، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول ، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس . وذلك حين يقول تعالى: ﴿وإذ بوأنا لإِبراهيم مكانَ البيت ﴾(١) . فلما بلغا القواعد وبنيا الركن ، قال إبراهيم لإسماعيل : يا بني اطلب لي [ حجراً حسنا أضعه ها هنا . قال يا أبي إني كسلان تعب . قال عليَّ ذلك فانظلق ، وجاءه جبريل بالحجر ](٢) الأسود من الهند ، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثَّغَامة(٣). وكان آدم هبط به من الجنة فاسودَّ من خطايا الناس ، فجاءه إسماعيل بحجَر فوجده عند الركن . فقال : يا أبي من جاءك بهذا ؟ قال : جاء به من هو أنشط منك. خبنيًا وهما يدعوان الله: ﴿ربنا تقبّل مِنَّا إنك أنت السميع العليم﴾. وذكر ابن أبي حاتم أنه بناه من خمسة أجْبُل ، وأن ذا القرنين - وكان ملك الأرض إذ ذاك ــ مر بهما وهما يبنيانه فقال: مَنْ أمركما بهذا ؟ فقال إبراهيم : الله أمرنا به . فقال : وما يُدريني بما تقول ؟ فشهدت خمسة أكْبُش أنه أمره بذلك فآمن وصدَّق. وذكر الأزْرَقي : أنه طاف مع الخليل بالبيت (٤) . وقد كانت [ الكعبة ](٥) على بناء الخليل مدة طويلة ، ثم بعد ذلك بنتها قريش ، فقصَّرت بها عن قواعد إبراهيم من جهة الشمال مما بلى الشام على ما هي عليه اليوم . (١) انظر هذه الروايات وغيرها في سبل الهدى والرشاد ١٨٠/١. (٢) سقطت من المطبوعة . (٣) المطبوعة : النعامة . وهو تحريف . والنغام : نبت أبيض . (٤) نشك في صحة هذا الخبر، لأن ذا القرنين كما يظهر من حديث القرآن عنه مؤمن صالح: ﴿ قال ما مكّنّي فيه ربي خير # فلا يجوز أن يستريب في خبر أبي الأنبياء إبراهيم . هذا على فرض اجتماعهما في زمان واحد . وهو بعيد . (٥) سقطت من ((أ)). - ٢٠٥ - وفي الصحيحين من حديث مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم : أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخبر عن ابن عمر، عن عائشة: أن رسول الله عَ ليه قال: ((ألم ترى أنَّ قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ )) فقلت: يا رسول الله: ألا تردُّها على قواعد إبراهيم؟ فقال: (( لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت)). وفي رواية ((لولا أن قومك حديثُوا عهد بجاهلية، أو قال بكفر، لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض ، ولأدخلت فيها الحِجْر))(١). وقد بناها ابن الزبير رحمه الله في أيامه على [ ما أشار إليه رسول الله عَ له](٢) حسبما أخبرته به خالته عائشة، أم المؤمنين عنه، فلما قتله الحجاج في سنة ثلاث وسبعين كتب إلى عبد الملك بن مروان الخليفة إذ ذاك ، فاعتقدوا أن ابن الزبير إنما صنع ذلك من تلقاء نفسه . فأمر بردّها إلى ما كانت عليه ، فنقضوا الحائط الشامي وأخرجوا منها الحِجْر ، ثم سدوا الحائط وردَموا الأحجار في جوف الكعبة ، فارتفع بابها الشرقي وسدوا الغربي بالكلية ، كما هو مشاهد إلى اليوم . ثم لما بلغهم أن ابن الزبير إنما فعل هذا لما أخبرته عائشة أم المؤمنين ، ندموا على ما فعلوا ، وتأسّقوا أن لو كانوا تركوه وما تولَّى من ذلك(٣) . ثم لما كان في زمن المهدي بن المنصور استشارَ الإِمامَ مالك بن أنس في ردها على الصفة التي بناها ابن الزبير فقال [ له ](٢) إني أخشى أن يتخذها الملوك لُعْبةً! يعني كلما جاء مَلِكٌ بناها على الصفة التي يريد . فاستقر الأمر على ما هي عليه اليوم . (١) صحيح البخاري ١٩٣/٢ ( ط الأميرية ) كتاب بدء الخلق ، وصحيح مسلم كتاب الحج باب نقض الكعبة وبنائها حديث رقم ٣٩٨ وما بعده ( ط الحلبي ) ورواية مسلم : ولجعلت لها خلفاً . (٢) سقطت من ((أ)) : . (٣) انظر أخبار مكة للأزرقي ١٣٥/١ - ١٣٨. - ٢٠٦ - ذكر ثناء الله ورسوله الكريم على عبده وخليله إبراهيم قال الله تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلمات فأتمَّهن ، قال إني جاعلك للناس إماماً ، قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ﴾. لما وفَّى ما أمره به ربه من التكاليف العظيمة ، جعله الناس إماماً يقتدون به ويأتمون بهديه . وسأل الله أن تكون هذه الإِمامة متصلة بسببه ، وباقية في نسبه ، وخالدة في عقبِه فأجيب إلى ما سأل [ورام ](١) وسلّمت إليه الإِمامة بزمام ، واستُثْنى من نيلها الظالمون، واختُصَّ بها من ذريته العلماء العاملون . كما قال تعالى : ووهبنا له إسحقَ ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوةَ والكتابَ ، وآتيناه أجرَه في · الدنيا، وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿ ووهبنا له إسحق ويعقوب كُلًّا هدينا ونوحاً هدَيْنَا من قبلُ . ومن ذريته داودَ وسليمانَ وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين . وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كلٍّ من الصالحين » وإسماعيل والْيَسَع ويونُسَ ولوطاً وَكلًّا فضَّلنا على العالمين * ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتَبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم﴾ (٣). فالضمير في قوله ﴿ ومن ذريتي﴾ عائد على إبراهيم على المشهور ، ولوط وإن كان ابن أخيه إلا أنه دخل في الذرية تغليباً ، وهذا هو الحامل للقائل الآخر أن الضمير [ عائد ] على نوح كما قدمنا في قصته . والله أعلم. وقال تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب ﴾ (٤). الآية . فكل كتاب أنزل من السماء على نبي من الأنبياء بعد إبراهيم الخليل ، فمن ذريته وشيعته . وهذه خِلْعة سِنية ( لا تضاهى ، ومرتبة علية ](٥) لا تباهى. وذلك أنه ولد [ له ](٥) الصلبه [ ولدان ](٥) ذكران عظيمان : إسماعيل من هاجر ، ثم إسحق (٦) من سارة ، وولد له يعقوب - وهو (١) ليست في ((أ)). (٢) سورة العنكبوت ٢٧ . (٣) سورة الأنعام ٨٤ - ٨٧ . (٤) سورة الحديد ٢٦ . (٥) ليست في ((أ)). (٦) ((أ)) : وإسحق . - ٢٠٧ - إسرائيل - الذي ينتسب إليه سائر أسباطهم، فكانت فيهم النبوة، وكثُروا جداً بحيث لا يعلم عددهم إلا الذي بعثهم واختصهم بالرسالة والنبوة ، حتى خُتموا بعيسى بن مريم من بني إسرائيل . • وأما إسماعيل عليه السلام ، فكانت منه العرب على اختلاف قبائلها ، كما سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى . ولم يوجد من سلالته من الأنبياء سوى خاتمهم على الإطلاق وسيدهم ، وفخر بني آدم في الدنيا والآخرة : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي ، المكي ثم المدني ، صلوات الله وسلامه عليه . فلم يوجد من هذا الفَرْع الشريف والغصن المنيف سوى هذه الجوهرة الباهرة ، والدُّرة الزاهرة ، وواسطة العِقد الفاخرة ، وهو السيد الذي يفتخر به أهل الجَمْع ، ويغبطه الأولون والآخرون يوم القيامة . وقد ثبت عنه في صحيح مسلم أنه قال: ((سأقوم مقاماً يرغب إليَّ الخلقُ كلهم حتى إبراهيم)) (١) .. فمدح إبراهيمَ أباه مِدْحةً عظيمة في هذا السياق ، ودل كلامه على أنه أفضل الخلائق بعده عند الخلّاق ، في هذه الحياة الدنيا ويوم يُكْشف عن ساقٍ . وقال البخاري : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن منصور عن المِنْهَال، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال: كان رسول الله عَ لّه يُعَوِّذ الحسن والحسين ويقول: ((إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحق: أعوذ بكلمات الله التامة ، من كل شيطان وهامَّة، ومن كل عين لامّة))(٢). ورواه أهل السنن من حديث منصور به . وقال تعالى: ﴿ وإذ قال إبراهيمُ ربِّ أَرِفِي كيف تحيي الموتى ؟ قال أولم تؤمن ؟ قال : بلى . ولكن ليطمئن قلبي، قال فخذ أربعة من الطير فصُرْهُنَّ إليك ، ثم اجعل على كل جبلٍ منهن جزءاً ثم ادْعُهُنَّ يأتينك سعياً ، واعلم أن الله عزیز (١) صحيح مسلم كتاب الصلاة باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف (٣٢٦/١ ط عيسى الحلبي). (٢) صحيح البخاري ١١١/٢ ( ط الأميرية ) . - ٢٠٨ - حكيم﴾(١) ذكر المفسرون لهذا [السؤال](٢) أسباباً بسطناها في التفسير وقررناها بأتم تقرير . والحاصل : أن الله عز وجل أجابه إلى ما سأل ، فأمره أن يَعْمَدَ إلى أربعة من الطيور . واختلفوا في تعيينها على أقوال ، والمقصود حاصلٌ على كل تقدير ، فأمره أن يمزق لحومهن وريشهن ، ويخلط ذلك بعضَه في بعض، ثم يَقْسمه قَسْماً ويجعل على كل جبل منهن جزءاً ففعل ما أمر به . ثم أمر أن يدعوهن بإذن ربهن ، فلما دعاهن جعل كل عضو يطير إلى صاحبه ، وكل ريشة تأتي إلى أختها ، حتى اجتمع بدن كل طائر على ما كان عليه ، وهو ينظر إلى قدرة الذي يقول للشيء كن فيكون . فأتين إليه سعياً ، ليكون أبينَ له وأوضح لمشاهدته من أن يأتين طيراناً . ويقال إنه أُمر أن يأخذ رءوسهن في يده، فجعل كل طائر يأتي فيلقى (٣) رأسه فيتركب على جثته كما كان . فلا إله إلا الله . وقد كان إبراهيم عليه السلام يعلم قدرة الله تعالى على إحياء الموتى علماً يقينيًّا لا يحتمل النقيض ، ولكن أحبَّ أن يشاهد ذلك عياناً ، ويترقى من علم اليقين إلى عين اليقين ! فأجابه الله إلى سؤاله وأعطاه غاية مأموله . وقال تعالى: ﴿ يا أهلَ الكتاب، لم تُحَاجُون في إبراهيم، وما أُنزلت التوراةُ والإنجيل إلا من بَعْده أفلا تعقلون « ها أنتم هؤلاء حاجَجْتم فيما لكم به عِلْم ، فلم تحاجُّون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون " ما كان إبراهيمُ يهوديًّا ولا نَصْرانيًّا ولكنْ كان حنيفاً مُسْلماً وما كان من المشركين * إنَّ أَوْلَى النّاسِ بإبراهيمَ لَلَّذين اتَّبُعُوه وهذا النبيُّ والذين آمنوا والله وليّ المؤمنين﴾ (٤) . ينكر تعالى على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في دعوى كل من الفريقين ، كونَ الخليل على ملتهم وطريقتهم(٥) ، فبرأه الله منهم ، وبيَّن كثرة جهلهم (١) سورة البقرة ٢٦. (٢) ليست في ((أ)). (٣) (( أ)): فيلقيه . (٤) سورة آل عمران ٦٥ - ٦٨ . (٥) ((أ)): وطريقهم. - ٢٠٩ - وقلة عقلهم في قوله: ﴿ وما أُنزلت التوارةُ والإِنجيل إلا من بَعْده ﴾ أي فكيف يكون على دينكم وأنتم إنما شُرع لكم ما شرع بَعْده بِمُدَد متطاولة؟ ولهذا قال: ﴿ أفلا تَعْقلون﴾ إلى أن قال: ﴿ ما كان إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولكن كان حنيفاً مُسْلماً . وما كان من المشركين فبيّن أنه كان على دين الله الحنيف ، وهو القصد إلى الإِخلاص ، والانحراف عمداً عن الباطل إلى الحق الذي هو مخالفٌ اليهودية والنصرانية والمشركية . كما قال تعالى: ﴿ومن يَرْغب عن مِلَّة إبراهيم إلا من سَفِه نَفْسَه، ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لَمِنَ الصالحين « إذ قال له ربُّ أَسْلِمْ قال أسلمتُ لربِّ العالمين. ووصَّى بها إبراهيمُ بنيه ويعقوبُ يا بنيَّ إن الله اصطَفى لكم الدينَ فلا تموتُنَّ إلا وأنتم مُسْلمون « أمْ كنتم شهداءَ إذ حَضَر يعقوبَ الموتُ إذ قال لبنيه ما تَعبدون من بَعْدِي ؟ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلهاً واحداً ونحن له مُسْلمون « تلك أمةٌ قد خلَتْ لها ما كسَبتْ ولكم ما كسَبْتم ولا تُسْألون عما كانوا يعملون ﴿ وقالوا كونوا هُوداً أو نَصَارِى تَهتَدوا، قل بَلْ مِلَّة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين * قولوا آمنًّا بالله وما أُنْزل إلينا وما أُنزِل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباطِ ، وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيُّون من ربّهم ، لا نفرق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون ، فإنْ آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهْتَدَوْا ، وإن تولَّوْا فإنما هم في شِقَاق ، فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم * صِبْغَةً الله ومَن أَحْسَنُ من الله صبغةً ونحن له عابدون * قل أتحاجُونا في الله وهو ربُّنَا وربكم ، ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مُخْلِصُون = أمْ تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوبَ والأسباط كان هوداً أو نصارى ، قل أأنتم أعلم أم الله ؟ ومَنْ أظلم مِمَّنْ كتَم شهادةً عنده من الله ، وما الله بغافل عما تعملون . تلك أمةٌ قد خَلَتْ لها ما كسَبَتْ ولكم ما كسَبْتُمْ ولا تُسْألون عما كانوا يعملون﴾(١). فنزه الله عز وجل خليله عليه السلام عن أن يكون يهوديًّا أو نصرانيًا وبيّن أنه إنما كان حَنيفاً مُسْلِماً ولم يكن من المشركين . ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ أُوْلَى الناس (١) سورة البقرة ١٣٠ - ١٤٠ . - ٢١٠ - بإبراهيمَ لَلَّذين اتبعوه﴾ يعني الذين كانوا على ملته من أتباعه في زمانه ، ومن تمسَّك بدينه من بَعْدهم. ﴿وهذا النبي﴾ يعني محمداً عَِّ، فإن الله شَرع له الدينَ الحنيف الذي شرعه للخليل ، وكمله الله تعالى له ، وأعطاه ما لم يعطِ نبيًّا ولا رسولاً من قَبْله ، كما قال تعالى: ﴿قل إنني هَدَانِي رَبِّي إلى صراطٍ مستقيم * دِيناً قِيَماً مِلَّةً إبراهيمَ حنيفاً وما كان من المشركين » قل إن صلاتي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرتُ وأنا أول المسلمين﴾(١) وقال تعالى: ﴿إِنّ إبراهيم كان أمةً قانِتاً لله حنيفاً ولم يَكُ من المشركين : شاكراً لِأَنْعُمه اجتباه وهَداه إلى صراطٍ مُسْتقيم » وآتيناه في الدنيا حسنةً وإنه في الآخرة لمن الصالحين » ثم أوحينا إليك أنٍ اتبع ملةَ إبراهيمَ حنيفاً وما كان من المشركين﴾(٢). وقال البخاري : حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا هشام ، عن مَعْمَر ، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي عَ ◌ّمِ لمَّا رأى الصوَر في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيتْ . ورأى إبراهيمَ وإسماعيلَ بأيديهما الأزلامُ فقال : ((قاتلهم الله! والله إن استقسمًا(٣) بالأزلام قط! )) (٤). لم يخرجه مسلم . وفي بعض ألفاظ البخاري: ((قاتلهم الله! لقد عَلِمُوا أن شيخنا لم يستقسم بها قط)). وقوله: ﴿أُمَّةَ﴾ أي قدوةً إماماً مهتدياً داعياً إلى الخير ، يُقتدى به فيه قانتاً لله ﴾ أي خاشعاً له في جميع حالاته وحركاته وسكناته، ﴿ حنيفاً ﴾ أي مخلصاً على بصيرة ، ﴿ ولم يكُ من المشركين « شاكراً لأنعمه ﴾ قائماً بشكر ربه بجميع جوارحه من قلبه ولسانه وأعماله ، ﴿اجتباه ﴾ أي اختاره الله لنفسه واصطفاه (١) سورة الأنعام ١٦١ - ١٦٣. (٢) سورة النحل ١٢٠ - ١٢٣. (٣) ((أ)) : لن يستقسما. (٤) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق باب قول الله تعالى: ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلاً ﴾ ١٠٧/٢ (ط الأميرية ) . - ٢١١ - لرسالته . واتخذه خليلاً، وجمع له بين خيري(١) الدنيا والآخرة . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً ممن أسْلَم وجهه لله وهو مُحْسِنٌ ، واتبع ملة إبراهيم حنيفاً واتخذ الله إبراهيم خليلاً ﴾(٢) يرغّب تعالى في اتباع إبراهيم عليه السلام ، لأنه كان على الدين القويم والصراط المستقيم ، وقد قام بجميع ما أمره به ربه ، ومدحه تعالى بذلك فقال: ﴿وإبراهيمَ الذي وَفَّى﴾ ولهذا اتخذه الله(٣) خليلاً ، والخُلَّة هي غاية المحبة كما قال بعضهم : قد تخلَّلت سَلْكَ الروح منّي وبذا سُمِّيَ الخليلُ خليلًا وهكذا نال هذه المرتبة (٤) خاتم الأنبياء وسيد المرسلين(٥) محمد صلوات الله وسلامه عليه ، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث جُنْدَب البَجَليّ وعبد الله ابن عمرو وابن مسعود عن رسول الله عَ لم أنه قال: ((أيها الناس، إن الله اتخذني خليلاً)) (٦) . وقال أيضاً في آخر خطبة خطبها: (( أيها الناس لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ، ولكنَّ صاحبكم خليلُ الله )) . أخرجاه من حديث أبي سعيد(٧) . وثبت أيضاً من حديث عبد الله بن الزبير وابن عباس وابن مسعود . وروى البخاري في صحيحه : حدثنا سليمان بن حَرْب ، حدثنا شعبة ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جُبير ، عن عمرو بن ميمون، قال : إن معاذا لمَّا قِدِم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ: ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلاً ﴾ فقال رجل من القوم : لقد قرت عينُ أم إبراهيم (٨)! (١). ((أ)) : خير. (٤) ((ط)) : المنزلة. (٢) سورة النساء ١٢٥ . (٥) ((ط)) : الرسل . (٦) صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة ٣٥١/٢ ( ط الحلبي ) . (٣) ((أ)): واتخذه الله خليلاً (٧) لفظ البخاري في صحيحه ١٥٣/٢ (ط الأميرية) ((لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر )، وما هنا لفظ مسلم في صحيحه ٣٥١/٢ (ط الحلبي ). (٨) صحيح البخاري كتاب المغازي باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن ٢٦٣/٢ (ط الأميرية). - ٢١٢ - وقال ابن مردويه : حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم ، حدثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد ، حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني بمكة ، حدثنا عبد الله الحنفي ، حدثنا زَمْعة بن صالح ، عن سلمة بن وهْرام ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله عَ ليه ينتظرونه، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون ، فسمع حديثهم وإذا بعضهم يقول: عجباً (١) إن الله اتخذ من خلقه خليلاً ! فإبراهيم خليله ، وقال آخر : ماذا بأعجب من أن الله كلَّم موسى تكليماً . وقال آخر : فعيسى روح الله وكلمته . وقال آخر : آدم اصطفاه الله. فخرج عليهم فسلم وقال: (( قد سمعتُ كلامكم وعجَبكم إن إبراهيم خليلُ الله وهو كذلك ، وموسى كليمه وهو كذلك ، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك ، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك ، ألا وإني حبيب الله ولا فَخر ، ألا وإني أول شافع وأول مشفّع ولا فخر ، وأنا أول من يحرك حلقة باب الجنة فيفتحه الله فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر)). هذا حديث غريب من هذا الوجه ، وله شواهد من وجوه أخر والله أعلم . وروى الحاكم في مستدركه من حديث قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : أتنكرون أن تكون الخلّة لإِبراهيم ؟ والكلام لموسى؟ والرؤية لمحمد(٢)؟ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمود بن خالد السُّلَمي ، حدثنا الوليد ، عن إسحاق بن يسار قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً ألقى في قلبه الوَجل حتى إنْ كان خفقان قلبه ليسمع من بُعْد كما يُسمع خفقان الطير في الهواء . وقال عُبيد بن عُمير : كان إبراهيم عليه السلام يضيف الناس ، فخرج يوماً يلتمس إنساناً يضيفه فلم يجد أحداً يضيفه ، فرجع إلى داره فوجد فيها رجلاً قائماً ، فقال : يا عبد الله ما أدخلك داري بغير إذني ؟ قال : دخلتها بإذن ربها . قال : ومن أنت ؟ قال : أنا ملك الموت ، أرسلني ربي إلى عبد من عباده ، أبشره بأن الله قد اتخذه خليلاً . قال : من هو ؟ فوالله إن أخبرتني به ثم كان بأقصى البلاد لآتينه ، ثم (١) (( ط)) : عجب. (٢) المستدرك للحاكم ٦٥/١، ٤٦٩/٢ ونصه: ((أتعجبون .. )). - ٢١٣ - لا أبرح له جاراً ، حتى يفرّق بيننا الموت . قال : ذلك العبد أنت . قال : أنا ؟ قال : نعم . قال: فبم اتخذني [ ربي ](١) خليلاً ؟ قال: بأنك (٢) تعطي الناس ولا تسألهم . رواه ابن أبي حاتم . وقد ذكره الله تعالى في القرآن كثيراً في غير ما موضع بالثناء عليه والمدح له ، فقيل : إنه مذكور في خمسة وثلاثين موضعاً ، منها خمسة عشر في البقرة وحدها . وهو أحد أُولي العَزْم الخمسة المنصوص على أسمائهم تخصيصاً من بين سائر الأنبياء في آيتي الأحزاب والشورى، وهما قوله تعالى: ﴿وإذْ أَخَذْنا من النبيين. ميثاقَهم ومنك ومن نوٍ وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ﴾(٣)، وقوله: ﴿ شَرع لكم من الدِّين ما وصَّى به نوحاً والذي أوحينا إليك ، وما وصَّينا به إبراهيم وموسى وعيسى أنْ أقيموا الدينَ ولا تتفرقوا فيه﴾ (٤) الآية . ثم هو أشرف أولي العزم بعد محمد عد اله وهو الذي وجده عليه السلام في السماء السابعة مُسنداً ظهره بالبيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم (٥). وما وقع في حديث شَرِيك بن أبي نمير عن أنس في حديث الإسراء ، من أن إبراهيم في السادسة وموسى في السابعة ، فمِمَّا انتُقد على شريك في هذا الحديث . والصحيح الأول . وقال أحمد : حدثنا محمد بن بشر ، حدثنا محمد بن عمرو ، حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ ليه: ((إنَّ الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ، يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم خليل الرحمن )). تفرد به أحمد (٦) . (١) سقطت من ((أ)). (٢) ((أ)) : إنك . (٣) سورة الأحزاب ٧ . (٤) سورة الشورى ١٣. (٥) كذا بالأصل . والمراد : لا يعودون إليه بعد ذلك . (٦) مسند أحمد ٣٣٢/٢. - ٢١٤ - ثم مما يدل على أن إبراهيم أفضل من موسى الحديث الذي قال فيه : ((وأخّرت الثالثةَ ليوم يرغب إلّ الخلق كلهم حتى إبراهيم)). رواه مسلم من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه(١) . وهذا هو المقام المحمود الذي أخبر عنه صلوات الله وسلامه عليه بقوله: (( أنا سيد ولد آدم [ يوم القيامة](٢) ولا فخر)). ثم ذكر استشفاع الناس بآدم، ثم بنوح، ثم إبراهيم ، ثم موسى، ثم عيسى، فكلهم يحيد عنها حتى يأتوا محمداً عَ له فيقول: (( أنا لها، أنا لها)) الحديث بتمامه. وقال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا عبيد الله ، حدثني سعيد ، عن أبي هريرة قال : قيل يا رسول الله من أكرم الناس ؟ قال: (( [ أكرمهم](٢) أتقاهم)) فقالوا (٣): ليس عن هذا نسألك . قال : ((فأكرم الناس يوسف (٤) نبي الله، ابن نبي الله ابن خليل الله)). قالوا : ليس عن هذا نسألك. قال: (( فعن معادن العرب تسألونني؟)) [ قالوا: نعم. قال ](٢): ((فخيارهم(٦) في الجاهلية خيارهم (٦) في الإسلام إذا فقهوا))(٧). وهكذا رواه البخاري في مواضع أخر ، ومسلم والنسائي من طرق ، عن يحيى ابن سعيد القَطَّان، عن عبيد الله - وهو ابن عمر العُمَري به - . ثم قال البخاري : قال أبو أسامة ومعتمر عن عبيد الله ، عن سعيد ، عن أبي صَلىالله هريرة عن النبي عَ طٍّ . قلت : وقد أسنده في موضع آخر من حديثهما ، وحديث عبيدة بن سليمان . والنسائي من حديث محمد بن بشر ، أربعتهم عن عبيد الله بن عمر ، عن (١) صحيح مسلم كتاب الصلاة حديث رقم ٢٧٣ (٣٢٦/١ ط عيسى الحلبي). (٢) سقطت من ((أ)). (٥) سقطت من (أ)). (٣) ((أ)): قالوا . (٦) ((ط)) : فخياركم. (٤) ((أ)): قال : فيوسف نبي الله . (٧) الرواية في صحيح البخاري كتاب بدء الخلق باب قول الله تعالى ﴿لقد كان في يوسف وإخواته آيات للسائلين﴾ مختلفة عما هنا سنداً ومتناً ١١٣/٢ (ط الأميرية). - ٢١٥ - '. سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي عَّةٍ [ولم يذكروا إياه ](١). وقال أحمد : حدثنا محمد بن بشر ، حدثنا محمد بن عمرو ، حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ لٍ: ((إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم خليل الله )) . تفرد به أحمد(٢) وقال البخاري : أخبرنا عبدة ، حدثنا عبد الصمد ، عن عبد الرحمن(٣) بن عبد الله عن أبيه ، عن ابن عمر عن النبي عَ ◌ّم قال: ((الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم)). تفرد به من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن أبيه ، عن ابن عمر به . فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا يحيى ، عن سفيان ، حدثني مغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، عن النبي عَ ليهِ: (( يُحشر الناس ◌ُراة غُرْلاً، فأول من يُكسى إبراهيم عليه السلام)) ثم قرأ: ﴿كما بَدأنا أولَ خَلْق نُعيده ﴾ فأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثَّوري وشعبة ابن الحجاج ، كلاهما عن مغيرة بن النعمان النَّخْعِي الكوفي ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس به (٤) . وهذه الفضيلة المعينة لا تقتضي الأفضلية بالنسبة إلى ما قابلها مما ثَبت لصاحب المقام المحمود ، الذي يغبطه به الأولون والآخرون . (١) سقطت من المطبوعة . (٢) مسند أحمد ٣٣٢/٢. (٣) الأصل: ابن عبد الرحمن. وهو تحريف. وما أثبته من صحيح البخاري ١١٤/٢ (ط الأميرية). (٤) مسند أحمد ٢٢٣/١ . وصحيح البخاري كتاب بدء الخلق وكتاب التفسير وكتاب الرقاق وصحيح مسلم كتاب الجنة حديث رقم ٥٨ (٥٤١/٢ ط عيسى الحلبي ) . - ٢١٦ - وأما الحديث الآخر الذي قال الإِمام أحمد : حدثنا وكيع وأبو نُعيم ، حدثنا سفيان - هو الثوري - عن مختار بن فُلْفل(١)، عن أنس بن مالك ، قال : قال رجل للنبي عَّ ◌ُله: يا خير البرية. فقال: ((ذاك إبراهيم)) فقد رواه مسلم من حديث الثوري وعبد الله بن إدريس ، وعلي بن مُسْهِر ومحمد بن فضيل ، أربعتهم عن المختار بن فلفل (٢) . وهذا(٣) من باب الهضم والتواضع مع والده الخليل عليه السلام كما قال: ((لا تفضلوني على الأنبياء)) وقال: (( لا تفضلوني على موسى ، فإن الناس يُصعقون يوم القيامة فأكون أولَ من يفيق ، فأجد موسى باطشاً بقائمة العرش ، فلا أدري أفاق قبلي أم جُوزي بصعقة الطُّور؟))(٤) . وهذا كله لا ينافي ما ثبت بالتواتر عنه صلوات الله وسلامه عليه من أنه سيد ولد آدم يوم القيامة. وكذلك حديث أبي بن كعب في صحيح مسلم: (( وأخّرت الثالثةَ ليوم يرغبُ إلَّ الخلق كلهم حتى إبراهيم))(٥) . ولما كان إبراهيم عليه السلام أفضل الرسل وأولى العزم بعد محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، أُمِر المصلِّي أن يقول في تشهده ، ما ثبت في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة وغيره ، قال : قلنا يا رسول الله : هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك؟ قال: ((قولوا اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد)). وقال الله تعالى: ﴿ وإبراهيمَ الذي وفَّى﴾(٦) قالوا: وفَّى جميع ما أُمر به وقام بجميع خِصال الإِيمان وشُعَبه ، وكان لا يشغله مراعاة الأمر الجليل عن القيام بمصلحة الأمر القليل ، ولا ينسيه القيام بأعباء المصالح الكِبار عن الصغار . (١) في ((أ)): عن مختار بن مختار بن فلفل والمعروف فيه: مختار بن فلفل. انظر ميزان الاعتدال ٨٠/٤. (٢) مسند أحمد ١٧٨/٣ وصحيح مسلم كتاب الفضائل ٣٤٢/٢ (ط عيسى الحلبي). (٥) سبق تخريجه قريباً . (٣) ((أ)): فهذا. (٤) صحيح مسلم كتاب الفضائل ٣٤٥/٢. (٦) سورة النجم ٣٧ . - ٢١٧ - قال عبد الرزاق : أنبأنا مَعْمَر ، عن ابن طاووس عن أبيه ، عن ابن عباس [ في قوله تعالى](١): ﴿وإذ ابتلى إبراهيمَ رُّه بكلماتٍ فأتَمَّهُنَّ﴾ قال : ابتلاه الله بالطهارة : خمس في الرأس ، وخمس في الجسد . في الرأس . قص الشارب، والمضمضة ، والسواك والاستنشاق، وفّرْق(١) الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظافر، وحلق العانة ، والختان ، ونتف الإبط ، وغسل أثر الغائط والبول بالماء . رواه ابن أبي حاتم . وقال : وروي عن سعيد بن المسيب ومجاهد والشَّعبي والنَّخَعي وأبي صالح وأبي الجلد نحو ذلك . قلت: وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي عَ لّه قال: ((الفطرة خمس : الختان ، والاستحداد ، وقص الشارب، وتقليم الأظفار ، ونتف الإِبط)»(٢). وفي صحيح مسلم وأهل السنن من حديث وكيع ، عن زكريا بن أبي زائدة ، عن مصعب بن شيبة العَبْدَري المكي الحجَبي ، عن طَلْق بن حبيب العتري (٣)، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((عشر من الفطرة: قص الشارب ، وإعفاء اللحية ، والسواك ، واستنشاق الماء ، وقص الأظفار ، وغسل البراجم (٤)، ونتف الإِبط وحلق العانة، وانتقاص الماء ، يعني الاستنجاء)) (٥). وسيأتي في ذكر مقدار عمره الكلامُ على الختان . والمقصود أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يشغله القيام بالإِخلاص لله عز وجل وخشوع العبادة العظيمة ، عن مراعاة مصلحة بدنه ، وإعطاء كل عضو ما يستحقه من الإصلاح والتحسين ، وإزالة ما يشين ، من زيادة شعر أو ظفر أو وجود قَلَح(٥) أو وسخ . (١) ((أ)): وفرق في الرأس. (٢) صحيح مسلم كتاب الطهارة باب خصال الفطرة ١٢٤/١ ( ط الحلبي) . (٣) في صحيح مسلم : طلق بن حبيب . دون نسبة . (٤) جمع برجمة ، وهي مفاصل الأصابع من ظهر الكف . (٥) صحيح مسلم كتاب الطهارة باب خصال الفطرة ١٢٥/١ . (٦) القلح : صفرة الأسنان . - ٢١٨ - فهذا من جملة قوله تعالى في حقه من المدح العظيم : ﴿وإبراهيم الذي وفَّى ﴾ . ذكر قصره في الجنة قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا أحمد بن سنان القطَّان الواسطي ومحمد ابن موسى القطان قالا : حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن سِمَاك عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: [((إن في الجنة قصراً - أحسبه قال من لؤلؤة - ليس فيه فَصْم ولا وَهْي (١) أعده الله لخليله إبراهيم عليه السلام نزلاً)) قال البزار : وحدثنا أحمد بن جميل المروزِي ، حدثنا النَّضْر بن شُمَيْل ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن سماك عن عكرمة ، عن أبي هريرة عن النبي عَ لٍ ](٢) بنحوه . ثم قال : وهذا الحديث لا نعلم من رواه عن حماد بن سلمة فأسنده إلا يزيد ابن هارون والنضر بن شميل ، وغيرهما يرويه موقوفاً . قلت : لولا هذه العلة لكان على شرط الصحيح . ولم يخرجوه . (١) الفصم : الصدع ، والوهى : الضعف. (٢) سقطت من ((أ)) . - ٢١٩ - ذكر صفة إبراهيم عليه السلام قال الإِمام أحمد : حدثنا يونس وحُجَين قالا : حدثنا الليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر، عن رسول الله عَّ له أنه قال: ((عُرِض عليّ الأنبياء، فإذا موسى ضَرْبٌ من الرجال كأنه من رجال شنُوءة ، ورأيت عيس ابن مريم فإذا أقرب من رأيت [ به ](١) شبهاً عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم فإذا أقرب من رأيت به شبهاً دِخْية)). تفرد به الإِمام أحمد من هذا الوجه وبهذا اللفظ (٢). وقال أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، حدثنا إسرائيل ، عن عثمان - يعني ابن المغيرة - عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله عَ لّه: ((رأيت عيسى بن مريم وموسى وإبراهيم ، فأما عيسى فأحمر جَعْد عريض الصدر ، وأما موسى فآدم جَسِيم)) قالوا له: فإبراهيم؟ قال: ((انظروا إلى صاحبكم)) يعني نفسه (٣). وقال البخاري : حدثنا بيان (٤) بن عمرو ، حدثنا النضر ، أخبرنا (٥) ابن عون ، عن مجاهد ، أنه سمع ابن عباس ، وذکروا له الدجال [ وأنه مكتوب ](٦) بین عينية كافر أو ((ك ف ر))، فقال: لم أسمعه، ولكنه قال: [قال عَ لٍَّ](٧): (( أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم ، وأما موسى فجعد آدم على جمل أحمر مخطوم بِخُلْبةٍ (٨) كأني أنظر إليه انحدر في الوادي)) (٩) . ورواه البخاري أيضاً ومسلم ، عن محمد بن المثنى ، عن ابن أبي عدي ، عن عبد الله بن عون به ، وهكذا رواه البخاري أيضاً في كتاب الحج وفي اللباس ، ومسلم ، جميعاً عن محمد بن المثنى عن ابن أبي عدي ، عن عبد الله بن عون به . (١) من المسند . (٢) مسند أحمد ٣٣٤/٣. (٣) مسند أحمد ٢٩٦/١. ولفظه: وأما موسى فإنه جسيم . (٤) الأصل : بنان محرفة والتصويب من صحيح البخاري ١٠٧/٢ ( ط الأميرية ) وبيان : بوزن سحاب . (٥) الأصل : أنبأنا : وما أثبته من صحيح البخاري . (٦) سقطت من (( أ)) . (٧) ليست في البخاري . (٨) الخلبة : حبل من ليف . (٩) صحيح البخاري ١٠٧/٢ . - ٢٢٠ - ٠٠