النص المفهرس

صفحات 161-180

والرب تعالى لا يغيب عنه شيء ولا تخفى عليه خافية ، بل هو الدائم الباقي بلا زوال ،
لا إله إلا هو ولا رب سواه .
فبين لهم أولاً عدم صلاحية الكوكب [ لذلك ](١) قيل هو الزُّهَرَة ، ثم ترقّى
منها إلى القمر الذي هو أضْوَأْ منها وأبْهَى من حسنها ، ثم ترقّى إلى الشمس التي هي
أشد الأجرام المشاهَدة ضياءً وسَنَاء وبهاء، فبَيَّن أنها مسخّرة مسيرة مقدَّرة مَرْبُوبَة ،
كما قال تعالى: ﴿ومِن آياتِه الليلُ والنهارُ والشمسُ والقمر، لا تَسْجُدُوا للشمس ولا
للقمر ، واسجدوا لله الذي خَلَقهن إنْ كنتم إياه تعبدون ﴾(٢) .
ولهذا قال: ﴿ فلمَّا رأى الشمسَ بازغةً﴾ أي طالعة ﴿ قال هذا ربِّي هذا
أكْبر فلما أفلَتْ قال يا قوم إني بريء مما تشركون . إني وجهتُ وجهي للذي فطر .
السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين . وحاجَّه قومُه قال أَتُحَاجُّونِّي في الله
وقد هَدَانِ ، ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً ﴾ أي لست أبالي هذه
الآلهة التي تعبدونها من دون الله ، فإنها لا تنفع شيئاً ولا تسمع ولا تعقل ، بل هي
مربوبة مسخرة كالكواكب ونحوها ، أو مصنوعة منحوتة مَنْجُورة .
والظاهر أن موعظته هذه في الكواكب لأهل حرَّان ، فإنهم كانوا يعبدونها .
وهذا يردّ قولَ من زعم أنه قال هذا حين خرج من السّرّب لما كان صغيراً ، كما ذكره
ابن إسحق وغيره وهو مستند إلى أخبار إسرائيلية لا يوثق بها ، ولا سيما إذا خالفت
الحق .
وأما أهل بابل فكانوا يعبدون الأصنام ، وهم الذين ناظَرهم في عبادتها وكسرها
عليهم ، وأهانها وبيَّن بُطلانها، كما قال تعالى: ﴿وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً
مودةَ بَيْنِكم في الحياة الدنيا ، ثم يومَ القيامة يَكْفُر بعضُكم ببعض ويَلْعَنُ بعضكم
بعضاً ، ومأواكم النار وما لكم من ناصرين﴾ وقال في سورة الأنبياء: ﴿ولقد آتينا
إبراهيمَ رُشْده من قبلُ وكنا به عالمين . إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيلُ التي أنتم لها
(١) ليست في ((أ)) .
(٢) سورة فصلت ٣٧ .
- ١٦١ -

عاكفون . قالوا وجَدْنَا آباءنا لها عابدين. قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين .
قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين . قال بل رُبُكم ربُّ السموات والأرض الذي
فَطَرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين . وتالله لأكيدنَّ أصنامكم بعد أن تُوُلُّوا مُذْبِرِين
فجعلهم جُذَاذَاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون . قالوا مَنْ فَعل هذا بآلهتنا إنه لَمن
الظالمين . قالوا سمعنا فتىّ يَذْكُرهم يقال له إبراهيم . قالوا فَأَنُوا به على أعينِ الناس
لعلهم يَشْهَدون . قالوا أأنت فعلتَ هذا بآلهتنا يا إبراهيم . قال بل فعله كبيرهم هذا
فاسألوهم إن كانوا ينطقون . فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون . ثم تُكِسوا
على رءوسهم لقد علمتَ ما هؤلاء ينطقون . قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم
شيئاً ولا يضركم أنّ لكم ولِمَا تعبدون من دون الله ، أفلا تعقلون . قالوا حَرِّقوه
وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين . قلنا يا نار كوني بَرْداً وسلاماً على إبراهيم . وأرادوا
به كيداً فجعلناهم الأخسرين ﴾(١)
وقال في سورة الشعراء: ﴿واثْلُ عليهم نَبَأَ إبراهيم . إذ قال لأبيه وقومه ما
تعبدون . قالوا نَعْبُدُ أصناماً فنظَلُّ لها عاكفين . قال هل يسمعونكم إذ تدعون . أو
ينفعونكم أو يَضُرُّون . قالوا بل وجَدْنا آباءنا كذلك يفعلون. قال أفرأيتم ما كنتم
تعبدون. أنتم وآباؤكم الأقدمون . فإنهم عدوٌّ لي إلا ربَّ العالمين . الذي خلقني فهو
بهدين . والذين هو يُطعمني ويسقين . وإذا مَرِضْتُ فهو يشفين . والذي يُميتني ثم
يُخْيين . والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين. ربِّ هبْ لي حكماً وألحقني
بالصالحين ﴾ (٢) .
وقال تعالى في سورة الصافات: ﴿وإنّ من شِيعته لإِبراهيم. إذ جاء ربَّه
بقلب سليم . إذ قال لأبيه وقومِه ماذا تعبدون . أثِفْكاً آلهةً دون الله تريدون . فما
ظُّكم بربِّ العالمين . فنظرَ نظرةً في النجوم . فقال إني سقيم . فتولّوا عنه مُدْبرين .
فراغَ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون . ما لكم لا تنطقون . فراغَ عليهم ضَرْباً باليمين .
فأقبلوا إليه يَزِفُّون . قال أتعبدون ما تَنْحتون ؟ والله خلقكم وما تعملون . قالوا ابنُوا له
بُنْيَاناً فَأَلْقُوه في الجحيم . فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين﴾(٣) .
(١) سورة الأنبياء ٥١ - ٧٠ .
(٢) سورة الشعراء ٦٩ - ٨٣ .
(٣) سورة الصافات ٨٣ - ٩٨ .
- ١٦٢ -

يخبر الله تعالى عن إبراهيم خليله عليه السلام ، أنه أنكر على قومه عبادة
الأوثان وحقّرها عندهم وصغَّرها وتنقّصها، فقال: ﴿ ما هذه التماثيلُ التي أنتم لها
عاكفون ؟ ﴾ أي معتكفون عندها وخاضعون لها ، قالوا: ﴿وجَدْنا آباءنا لها
عابدين ﴾. ما كان حجتهم إلا صنيع الآباء والأجداد ، وما كانوا عليه من عبادة
الأنداد .
قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين ﴾ كما قال تعالى: ﴿ إذ قال
لأبيه وقومه ماذا تعبدون . أثِفْكاً آلهةً دون الله تريدون . فما ظنكم برب العالمين
٠
قال قتادة : فما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره ؟
وقال لهم: ﴿ هل يَسْمعونكم إذ تَدْعُون أو ينفعونكم أو يَضُرُّون . قالوا بل
وجَدْنا آباءنا كذلك يفعلون﴾ سلّموا له أنها لا تسمع داعياً ولا تنفع ولا تضر
شيئاً ، وإنما الحامل لهُم على عبادتها الاقتداء بأسلافهم ومن هو مثلهم في الضلال
من الآباء الجهال . ولهذا قال لهم: ﴿أفرأيتم ما كنتم تعبدون. أنتم وآباؤكم
الأقدمون . فإنهم عدوٌّ لي إلَّا ربَّ العالمين
وهذا برهان قاطع على بطلان إلهية ما ادّعوه من الأصنام ، لأنه تبرأ منها
وتنقّص بها ، فلو كانت تضر لضرَّتْه ، أو تؤثر لأثرت فيه .
﴿ قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين﴾؟ يقولون(١): هذا الكلام
الذي تقوله لنا وتتنقّصُ به آلهتنا ، وتطعن بسببه في آبائنا أتقوله(٢) مُحِقًّا جادًّا فيه أم
لاعباً ؟
﴿ قال بل رُّكم ربُّ السمواتِ والأرضِ الذي فَطَرهن وأنا على ذلكم من
الشاهدين ﴾ يعني بل أقول لكم ذلك جادًّا محقًّا، إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا
هو ، ربكم ورب كل شيء ، فاطر السموات والأرض ، الخالق لهما على غير مثال
سبق ، فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له ، وأنا على ذلكم من الشاهدين .
وقوله: ﴿ وتالله لأكيدنَّ أصنامكم بعد أن تُولّوا مُذْبرين﴾ أقسم ليكيدنَّ
(١) المطبوعات : ويقولون . وهو تحريف .
(٢) ((أ)): تقوله .
- ١٦٣ -

هذه الأصنام التي يعبدونها بعد أن يولوا مدبرين إلى عيدهم .
قيل : إنه قال هذا خُفْية في نفسه . وقال ابن مسعود : سمعه بعضهم .
وكان لهم عيد يذهبون إليه في كل عام (١) مرة إلى ظاهر البلد ، فدعاه أبوه
ليحضره ، فقال إني سقيم. كما قال تعالى: ﴿فنظَر نظرةً في النجوم . فقال إني
سقيم ﴾ عرَّض لهم في الكلام حتى توصل إلى مقصوده من إهانة أصنامهم ونصرة
دين الله الحق ، وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي تستحق أن تكسر وأن
تهان غاية الإِهانة .
فلما خرجوا إلى عيدهم ، واستقر هو في بلدهم ﴿راغ إلى آلهتهم﴾ أي ذهب
إليها مسرعاً مستخفياً ، فوجدها في بهو عظيم ، وقد وضعوا بين أيديها أنواعاً من
الأطعمة قرباناً إليها فقال على سبيل التهكم والازدراء ﴿ أَلَّا تأكلون . ما لكم لا
تنطقون . فراغ عليهم ضرباً باليمين) لأنها أقوى وأبْطش وأسرع وأقهر ، فكسرها
بِقَدُوم في يده كما قال تعالى: ﴿ فجعلهم جُذاذاً ﴾ أي حطاماً، كسرها كلها
( إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون﴾. قيل إنه وضع القَدُومَ في يد الكبير ، إشارة
إلى أنه غارَ أن تُعبد معه هذه الصِّغار !
فلما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حلَّ بمعبودهم ﴿ قالوا مَنْ فَعَل هذا بآلهتنا
إنه لمن الظالمين
.
وهذا فيه دليل ظاهر لهم لو كانوا يعقلون ، وهو ما حلَّ بآلهتهم التي كانوا
يعبدونها ، فلو كانت آلهة لدفعت عن نفسها من أرادها بسوء ، لكنهم قالوا من
جهلهم وقلة عقلهم وكثرة ضلالهم وخبالهم: ﴿ مَنْ فعل هذا بآلهتنا إنه لمن
الظالمين
قالوا سمعنا فتىِّ يَذْكُرهم يقال له إبراهيم﴾ أي يذكرها بالعيب والتنقص لها
والازدراء بها ، فهو المقيم عليها والكاسر لها . وعلى قول ابن مسعود ، أي يذكرهم
بقوله: ﴿وتالله لأكيدنّ أصنامكم بعد أن تُوَلُّوا مُدْبرِين ﴾ .
(١) ((أ)): عيد .
- ١٦٤ -

قالوا فأتوا به على أعينٍ الناس لعلهم يشهدون ﴾ أي في الملأ الأكبر على
رءوس الأشهاد ، لعلهم يشهدون مقالته ويسمعون كلامه ، ويعاينون ما يحلّ به من
الاقتصاص منه .
وكان هذا أكبر مقاصد الخليل عليه السلام أن يجتمع الناس كلهم ، فيقيم
على جميع عُبَّاد الأصنام الحجة على بطلان ما هم عليه ، كما قال موسى عليه السلام
لفرعون: ﴿مَوْعدكم يومُ الزينة وأن يُحشر الناس ضُحىٍ﴾(١).
فلما اجتمعوا وجاءوا به كما ذكروا ﴿ قالوا أأنتَ فعلتَ هذا بآلهتنا يا إبراهيم *
قال بل فعله كبيرهم هذا﴾ قيل معناه : هو الحامل لي على تكسيرهم ، وإنما عرَّض
لهم في القول ﴿ فاسألوهم إنْ كانوا ينطقون ﴾.
وإنما أراد بقوله هذا أن يبادروا إلى القول بأن هذه لا تنطق ، فيعترفوا بأنها
جماد كسائر الجمادات .
﴿ فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ﴾ أي فعادوا على أنفسهم
بالملامة ، فقالوا إنكم أنتم الظالمون ، أي في تركها لا حافظ لها ولا حارس عندها .
◌ْ ثم تُكِسُوا على رءوسهم ﴾ قال السُّدي: أي ثم رجعوا إلى الفتنة ، فعلى
هذا يكون قوله : ﴿ إنكم أنتم الظالمون ﴾ أي في عبادتها .
وقال قتادة : أدركت القومَ حَيْرةُ سوء، أي فأطرقوا ثم قالوا: ﴿لقد علمتَ
ما هؤلاء ينطقون ﴾ أي لقد علمت يا إبراهيم أنّ هذه لا تنطق ، فكيف تأمرنا
بسؤالها ؟!
فعند ذلك قال لهم الخليل عليه السلام: ﴿ أَفَتَعْبدون من دُونِ الله ما لا
ينفعكم شيئاً ولا يضرُّكم، أُفٍّ لكم ولِمَا تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ﴾ .
(١) سورة طه ٥٩ .
- ١٦٥ -

كما قال: ﴿فأقبلوا إليه يَزِفُّون﴾ قال مجاهد: يسرعون. قال: ﴿أتعبدون
ما تَنْحِثُون﴾ أي كيف تعبدون أصناماً أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة ،
وتصوِّرونها وتشكِّلونها كما تريدون ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾ .
وسواء كانت: ((ما )) مصدرية أو بمعنى الذي، فمقتضى الكلام أنكم
مخلوقون ، وهذه الأصنام مخلوقة ، فكيف يتعبَّد مخلوقٌ لمخلوق مثله ؟ فإنه ليس
عبادتكم لها بأولى من عبادتها لكم وهذا باطل ، فالآخر باطل للتحكم ، إذ ليست
العبادة تصلح ولا تجب (١) إلا للخالق وحده لا شريك له .
قالوا ابْنُوا له بنياناً فألقوه في الجحيم ؟ فأرادوا به كيداً فجعلناهم
﴾ .
الأُسْفَلِين
عدَلوا عن الجدال والمناظرة لمَّا انقطعوا وغُلبوا، ولم تبق لهم حُجة ولا شبهة ،
إلى استعمال قوتهم وسلطانهم ، لينصروا ما هم عليه من سَفههم وطغيانهم ،
فكادهم الربُّ جل جلاله ، وأعلى كلمته ودينه وبرهانه كما قال تعالى: ﴿قالوا
حَرِّقوه وانصروا آلهتكم إنْ كنتم فاعلين × قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم *
وأرادوا به كَيداً فجعلناهم الأخسرين ﴾ .
وذلك أنهم شرعوا يجمعون حطباً من جميع ما يمكنهم من الأماكن ، فمكثوا
مدةً يجمعون له ، حتى إن المرأة منهم كانت إذا مرضت تَنذِر لئن عوفيت لَتحملنَّ
حطباً لحريق إبراهيم ! ثم عمدوا إلى جَوْبة(٢) عظيمة فوضعوا فيها الحطب وأطلقوا فيه
النار ، فاضطرمت وتأجَّجت والتهبت وعلا لها شررٌ لم يُر مثله قط .
ثم وضعوا إبراهيم عليه السلام في كفة مَنْجَنِيق(٣) صنعه لهم رجل من الأكراد
يقال له ((هيزن) وكان أول من صنع المجانيق ، فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل
فيها إلى يوم القيامة .
(١) ((أ)): تجب ولا تصلح.
(٢) الجوبة : الحفرة .
(٣) المنجنيق بفتح الميم وكسرها : آلة ترمى بها الحجارة في الحرب وهي فارسية معربة .
- ١٦٦ -

ثم أخذوا يقِّيدونه ويكتِّفونه وهو يقول : لا إله إلا أنت سبحانك [ رب
العالمين ](١) لك الحمد ولك المُلْكُ، لا شريك لك.
فلما وضِع الخليل عليه السلام في كفة المنجنيق مقيداً مكتوفاً ثم ألقوه منه إلى
النار قال : حسبنا الله ونعم الوكيل ، كما روى البخاري عن ابن عباس أنه قال :
حسبنا الله ونعم الوكيل ، قالها إبراهيم حين ألقي في النار ، وقالها محمد حين قيل له :
﴿ إِنَّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً ، وقالوا حَسْبُنا الله ونعم الوكيل
* فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يَمْسَسْهُم سوءٍ﴾(٢) الآية .
وقال أبو يعلى : حدثنا أبو هشام الرفاعي ، حدثنا إسحق بن سليمان ، عن
أبي جعفر الرازي ، عن عاصم بن أبي النَّجُود ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال :
قالَ عَ له: ((لما أُلقي إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء واحدٌ، وأنا في
الأرض واحد أعبدك!))(٣).
وذكر بعض السلف أن جبريل عرض له في الهواء فقال: [ يا إبراهيم ](١)
ألك حاجة ؟ فقال : أمَّا إليك فلا !
ويروى عن ابن عباس وسعيد بن جُبير أنه قال : جعل ملك المطر يقول :
متى أُومر فأرسل المطرَ ؟ فكان أَمْر الله أسرَع .
قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ﴾. قال علي بن أبي طالب :
[ أي ](١) لا تضرِّيه .
وقال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن الله قال: ﴿وسلاماً على إبراهيم ؟
لآذى إبراهيمَ بَرْدُها .
وقال كعب الأحبار : لم ينتفع أهل الأرض يومئذ بنار ، ولم تَحْرق منه سوى
وَثَاقِه .
(١) ليست في ((أ)).
(٢) صحيح البخاري كتاب التفسير باب تفسير سورة آل عمران ٢٨٨/٢ (ط الأميرية).
(٣) تهذيب تاريخ ابن عساكر ١٤٧/٢.
- ١٦٧ -

وقال الضحاك : يروى أن جبريل عليه السلام كان معه يمسح العرق عن
وجهه لم يصبه منها شيء غيره .
وقال السُّدي : كان معه أيضاً مَلَكُ الظل ، وصار إبراهيم عليه السلام في
مَيل الجَوْبَة حوله نار وهو في روضة خضراء ، والناس ينظرون إليه لا يقدرون على
الوصول ، ولا هو يخرج إليهم .
فعن أبي هريرة أنه قال : أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم : إذ قال لما رأى ولدَه
على تلك الحال : نِعْم الربُّ ربك يا إبراهيم !
وروى ابن عساكر عن عكرمة ، أن أم إبراهيم نظرت إلى ابنها عليه السلام
فنادته : يا بني إني أريد أن أجيء إليك فادع الله أن ينجيني من حَرّ النار حولك ،
فقال : نعم . فأقبلت إليه لا يمسّها شيء من حر النار ، فلما وصلت إليه اعتنقته
وقبلته ثم عادت(١) .
وعن المنهال بن عمرو أنه قال : أُخبرت أن إبراهيم مكث هناك إمّا أربعين
وإما خمسين يوماً ، وأنه قال : ما كنت أياماً وليالي أَطْيَبَ عيشاً إذ كنت فيها ،
ووددت أن عيشي وحياتي كلها [ مثل ](٢) إذ كنت فيها . صلوات الله وسلامه
عليه .
فأرادوا أن ينتصروا فخُذلوا ، وأرادوا أن يرتفعوا فاتَّضَعوا ، وأرادوا أن يَغلبوا
فغُلبوا. قال الله تعالى: ﴿وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين ﴾. وفي الآية
الأخرى ﴿ الأسفلين﴾ ففازوا بالخسارة والسفال هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فإن
نارهم لا تكون عليهم برداً ولا سلاماً ، ولا يُلَّقَّوْن فيها تحيةً ولا سلاماً ، بل هي كما قال
تعالى: ﴿ إِنها ساءت مُستقراً ومُقاماً﴾(٣).
قال البخاري : حدثنا عبيد الله (٤) بن موسى ، أو ابن سلام عنه ، أنبأنا ابن
جُريج ، عن عبد الحميد بن جبير ، عن سعيد بن المسيب ، عن أم شَرِيك ، أن
(١) تهذيب تاريخ ابن عساكر ١٤٥/٢. (٣) سورة الفرقان ٦٦.
(٤) الأصل : عبد الله . والتصويب من صحيح البخاري .
(٢) ليست في ((أ)).
- ١٦٨ -

رسول الله عَ له أمر بقتل الوزَغ(١)، وقال: ((كان ينفخ(٢) على إبراهيم))(٣).
ورواه مسلم من حديث ابن جريج(٤)، وأخرجه النسائي وابن ماجه من
حديث سفيان بن عيينة ، كلاهما عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة به .
وقال أحمد : حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا ابن جُريج ، أخبرني عبد الله بن
عبد الرحمن بن أبي أمية ، أن نافعاً مولى ابن عمر أخبره أن عائشة أخبرته أن رسول
الله عَ لِه قال: ((اقتلوا الوزغ فإنه كان يَنفخ النار على إبراهيم)) قال: فكانت (٥)
عائشة تقتلهن (٦) .
وقال أحمد : حدثنا إسماعيل ، أخبرنا أيوب عن نافع ، أن امرأة دخلت على
عائشة فإذا رُمْح منصوب فقالت : ما هذا الرمح ؟ فقالت : نقتل به الأوزاغ ، ثم
حدثت عن رسول الله عَ لٍ: (( أن إبراهيم لما ألقي في النار جعلت الدوابُّ كلها
تطفئ عنه إلا الوزغ ، فإنه جعل ينفخها عليه)) (٧).
تفرد به أحمد من هذين الوجهين .
وقال أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا جرير ، حدثنا نافع ، حدثتني سمامة مولاة
الفاكِه بن المغيرة ، قالت : دخلتُ على عائشة فرأيت في بيتها رمحاً موضوعاً ، فقلت
يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح ؟ قالت : هذا لهذه الأوزاغ نقتلهن به ، فإن
(١) الوزغ : حشرة يقال لها سام أبرص .
(٢) ((أ)) : نفخ.
(٣) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق باب قوله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً ﴾ ١٠٨/٢ (ط
الأميرية ) .
(٤) صحيح مسلم كتاب قتل الحيات وغيرها باب استحباب قتل الوزغ ٤١/٧ (ط استانبول
المصورة). والرواية عند مسلم عن أم شريك ((أن النبي سَ لّم أمرها بقتل الأوزاغ)) وليس فيها : كان
ينفخ النار على إبراهيم. ثم روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله عَّم قال للوزغ
الفويسق . زاد حرملة . قالت : ولم أسمعه أمر بقتله .
(٥) المسند : وكانت .
(٦) المسند ٢٠٠/٦ .
(٧) المسند ٢١٧/٦.
- ١٦٩ -

رسول الله عَ لله حدثنا: (( أن إبراهيم حين أُلقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا
تطفئ عنه النار، غير الوزغ كان ينفخ عليه، فأمرنا رسول الله (عَ ◌ّهم بقتله))(١).
ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يونس بن محمد ، عن جرير بن
حازم به(٢) .
(١) لا أدري لِمَ لم يورد ابن كثير الحديث الذي رواه الإمام أحمد أيضاً في مسنده ٢٧١/٢ عن عائشة
رضي الله عنها أن رسول الله عَِّ قال للوزغ الفويسق. قالت: ولم أسمعه أمر بقتله .
(٢) سنن ابن ماجة حديث رقم ٣٢٣١ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي .
- ١٧٠ -

ذكر مناظرة إبراهيم الخليل مع من أراد أن ينازع الجليل
في [ إزار ](١) العظمة ورداء الكبرياء
فادعى الربوبية ، وهو أحد العبيد الضعفاء
قال الله تعالى: ﴿ ألم ترَ إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاه الله المُلْكَ ،
إذ قال إبراهيمُ ربِّيَ الذي يُحيي ويُميت ، قال أنا أُخْبِي وَأُمِيتُ قال إبراهيمُ فإن الله
يأتي بالشمس من المَشْرِقِ فَأَتِ بها من المَغْرِبِ ، فُبُهِتَ الذي كَفَرَ ، والله لا يهدي
القومَ الظالمين﴾(٢) .
يذكر تعالى مناظرة خليله مع هذا الملِك الجبار المتمرد . الذي ادعى لنفسه
الربوبية ، فأبطل الخليلُ عليه دليله ، وبيَّن كثرة جهله وقلة عقله، وألجمه الحجةَ ،
وأوضح له طريق المحجَّة .
قال المفسرون وغيرهم من علماء النسب والأخبار : وهذا الملك هو ملك
بابل ، واسمه النمروذ بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح . قاله مجاهد . وقال غيره :
تمروذ بن فالح بن عابر بن صالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح .
قال مجاهد وغيره : وكان أحد ملوك الدنيا ، فإنه قد ملك الدنيا فيما ذكروا
أربعة (٣): مؤمنان وكافران . فالمؤمنان : ذو القرنين ، وسليمان . والكافران : النمروذ ،
ويختنصر .
وذكروا أن نمروذ هذا استمر في ملكه أربعمائة سنة ، وكان طغى وبغى ، وتجبَّر
وعَتَا ، واثر الحياة الدنيا .
ولما دعاه إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، حمله الجهلُ
والضلال وطول الآمال على إنكار الصانع ، فحاجَّ إبراهيم الخليل في ذلك ، وادعى
(١) سقطت من المطبوعة .
(٢) سورة البقرة ٢٥٨ .
(٣) ((أ)): أربعة فيما ذكروا .
- ١٧١ -

لنفسه الربوبية . فلما قال الخليل: ﴿ ربي الذي يُحيي ويميت، قال أنا أُخْيي
وأُميت ﴾ .
قال قتادة والسُّدي ومحمد بن إسحاق : يعني أنه إذا أُتِيَ بالرجلين قد تحثّم
قتلهما ، فإذا أمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر فكأنه قد أحيا هذا وأمات الآخر !
وهذا ليس بمعارضة للخليل ، بل هو كلام خارج عن مقام المناظرة ، ليس
بِمَنْعٍ ولا بمعارضة ، بل هو تشغيب مَخْض، وهو انقطاع في الحقيقة ، فإن الخليل
استدل على وجود الصانع بحدوث هذه المشاهدات من إحياء الحيوانات وموتها ، على
وجود فاعل ذلك الذي لا بد من استنادها إلى وجوده ، ضرورة عدم قيامها بنفسها .
ولا بد من فاعل لهذه الحوادث المشاهدة ، من خلقها وتسخيرها ، وتسيير هذه
الكواكب والرياح والسحاب والمطر ، وخلق هذه الحيوانات التي توجد مشاهدة ، ثم
إماتتها . ولهذا قال إبراهيم: ﴿ رَبِّيَ الذي يحيي ويميت ﴾.
فقول هذا الملك الجاهل : ﴿ أنا أحيي وأميت﴾ إنْ عنَى أنه الفاعل لهذه
المشاهدات فقد كابر وعاند . وإن عنى ما ذكره قتادة والسُّدي ومحمد بن إسحق ،
فلم يقل شيئاً يتعلق بكلام الخليل ، إذ لم يمنع مقدَّمةً ، ولا عارض الدليلَ .
ولما كان انقطاع مناظرة هذا الملك قد تخفى على كثير من الناس ممن حضره
وغيرهم ، ذكر دليلاً آخر بيَّن وجود الصانع ، وبطلان ما ادعاه النمروذ وانقطاعه
جهرة: ﴿ قال : فإِنَّ الله يأتي بالشمس من المشرقِ فَأْت بها من المغرب﴾ أي
هذه الشمس مسخّرة كلَّ يوم ، تطلع من المشرق كما سخرها خالقها ومسيِّرها
وقاهرها ، وهو الذي لا إله إلا هو خالق كل شيء ، فإن كنت كما زعمت من أنك
الذي تحبي وتميت [ فَأْت بهذه الشمس من المغرب فإن الذي يحيي ويميت ](١) هو
الذي يفعل ما يشاء ولا يمانَعُ ولا يغالَب ، بل قد قَهر كلَّ شيء ودان له كل شيء ،
فإن كنت كما تزعم فافعل هذا ، فإن لم تفعله [فلست](١) كما زعمتَ، وأنت تعلم
وكلُّ أحد أنك لا تقدر على شيء من هذا ، بل أنت أعجز وأقل من أن تخلق بعوضة
أو تنتصر منها .
(١) سقط من ((أ)).
- ١٧٢ -

فبَيَّن ضلاله وجهله وكذبه فيما ادعاه ، وبطلان ما سَلكه وتبجح به(١) عند
جهلة قومه ، ولم يبق له كلام يجيب الخليل به ، بل انقطع وسكت ولهذا قال :
فُبُهِتَ الذي كفر والله لا يَهْدِي القومَ الظالمين ﴾ .
وقد ذكر السديُّ أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم وبين النمروذ يوم خرج من
النار ، ولم يكن اجتمع به يومئذ ، فكانت بينهما هذه المناظرة .
وقد روى عبد الرزاق بن مَعْمر ، عن زيد بن أسلم ، أن النمروذ كان عنده
طعام ، وكان الناس يَفِدون إليه للميرة ، فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة [ ولم
يكن اجتمع به إلا يومئذ ](٢) فكانت بينهما هذه المناظرة . ولم يعط إبراهيمَ من
الطعام كما أعطى الناس ، بل خرج وليس معه شيء من الطعام .
فلما قُرُب من أهله عمد إلى كَثِيب من التراب فملأ منه عِدْلَيْه(٣) وقال:
أشغلُ أهلي إذا قدمت عليهم ، فلما قدم وضع رحاله وجاء فاتكاً فنام ، فقامت
امرأته سارة إلى العِذْلين فوجدتهما ملآنين طعاماً طيباً ، فعملت منه طعاماً ، فلما
استيقظ إبراهيم وجد الذي [ قد ](٤) أصلحوه، فقال: أنَّى لكم هذا ؟ قالت :
من الذي جئتَ به ، فعرف أنه رزقٌ رَزقهموه الله عز وجل .
قال زيد بن أسلم : وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ، ملكاً يأمره بالإِيمان
بالله فأبى ، ثم دعَاه الثانية فأبى عليه ثم دعاه الثالثة فأبى عليه وقال : اجمع جمعك
وأجمع جموعي .
فجمع النمروذ جيشَه وجنوده وقت طلوع الشمس ، فأرسل الله عليه ذباباً من
البعوض بحيث لم يروا عينَ الشمس ، وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودماءهم ،
وتركتهم عظاماً بادية ، ودخلت واحدة منها في مَنْخَر الملك فمكثت في منخره
أربعمائة سنة ! عذبه الله تعالى بها . فكان يضرب رأسه بالمرازب في هذه المدة
كلها ، حتى أهلكه الله عز وجل بها .
(١) ((أ)): ويحتج به.
(٢) سقطت من المطبوعة .
(٣) العدل بكسر العين : نصف الحمل .
(٤) ليست في ((أ)).
- ١٧٣ -

ذكر هجرة الخليل عليه السلام إلى بلاد الشام
ودخوله الديار المصرية واستقراره في الأرض المقدسة
قال الله: ﴿فَآمَن له لوطٌّ وقال إنِّي مهاجرٌ إلى ربِّي إنه هو العزيز الحكيم *
ووهبْنا له إسحقَ ويعقوبَ وجَعلنا في ذريته النبوةَ والكتابَ وآتيناه أَجْرَهُ في الدنيا وإنه
في الآخرة لمن الصالحين﴾(١).
وقال تعالى: ﴿ ونجَّيناه ولوطاً إلى الأرض التي بارَكْنَا فيها للعالمين * ووهبنا له
إسحقَ ويعقوب نافلةً وَكُلًّا جعَلْنَا صالحين * وجعلناهم أئمة يَهدون بأمرنا ، وأوحينا
إليهم فعلَ الخيراتِ وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين﴾(٢).
لما هجر قومه في الله، وهاجر من بين أظهرهم ، وكانت امرأته عاقراً لا يولد
لها ، ولم يكن له من الولد أحد ، بل معه ابن أخيه لوط بن هاران بن آزر ، وهبه الله
تعالى بعد ذلك الأولادَ الصالحين ، وجعل في ذريته النبوة والكتاب ، فكلُّ نبي بُعث
بعده فهو من ذريته ، وكل كتاب نزل من السماء على نبي من الأنبياء من بعده ،
فعلى أحَدٍ نَسْله وعَقِبه ، خلعةً من الله وكرامة له ، حين ترك بلاده وأهله وأقرباءه ،
وهاجر إلى بلد يتمكن فيها من عبادة ربه(٣) عز وجل ودعوة الخلق إليه .
والأرض التي قصدها بالهجرة أرضُ الشام ، وهي التي قال الله عز وجل :
﴿ إلى الأرض التي بارَكْنا فيها للعالمين
قاله أبّ بن كعب وأبو العالية وقتادة وغيرهم .
وروى العَوفي عن ابن عباسٍ قوله: ﴿ إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين
مكة ، ألم تسمع إلى قوله : ﴿ إِنَّ أولَ بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً
للعالمين﴾ وزعم كعب الأحبار أنها حَرَّان .
(١) سورة العنكبوت ٢٦، ٢٧ .
(٢) سورة الأنبياء ٧١ - ٧٣".
(٣) ((أ)): من عبادة الله.
- ١٧٤ -

وقد قدمنا عن نقل أهل الكتاب : أنه خرج من أرض بابل هو وابن أخيه
لوط، وأخوه ناحور، وامرأة إبراهيم سارة، وامرأة أخيه ((ملكا)) فنزلوا حران ،
فمات تارخ أبو إبراهيم بها .
وقال السُّدي : انطلق إبراهيم ولوط قِبَل الشام ، فلقي إبراهيمُ سارة - وهي
ابنة ملك حران - وقد طَعَنت على قومها في دِينهم ، فتزوجها على أن لا يغيّرها .
رواه ابن جرير وهو غريب .
والمشهور أنها ابنة عمه هاران الذي تنسب إليه حران .
ومن زعم أنها ابنة أخيه هاران أخت لوط ، كما حكاه السهيلي عن القتيبي
والنقاش ، فقد أَبْعد النُّجْعة وقال بلا عِلم .
ومن ادعى أن تزويج بنت الأخ كان إذ ذاك مشروعاً فليس له على ذلك
دليل ، ولو فرض أن هذا كان مشروعاً في وقت - كما هو منقول عن الربانيين من
اليهود - فإن الأنبياء لا تتعاطاه . والله أعلم .
ثم المشهور أن إبراهيم عليه السلام لما هاجر من بابل خرج بسارة مهاجراً
من بلاده كما تقدم . والله أعلم .
وذكر أهل الكتاب أنه لما قدِمَ الشامَ أوحى الله إليه: ((إني جاعل هذه
الأرض لخلفك من بعدك )) فابتنى إبراهيم مَذْبحاً لله شكراً على هذه النعمة ، وضرب
قبته شرقيّ بيت المقدس ثم انطلق مرتحلاً ، إلى التيمن ، وأنه كان جوع ، أي قحط
وشدة وغلاء ، فارتحلوا إلى مصر .
وذكروا قصة سارة مع مَلِكها ، وأن إبراهيم قال لها : قولي أنا أخته . وذكروا
إخدامَ الملك إياها هاجَر . ثم أخرجهم منها فرجعوا إلى بلاد التيمن ، يعني أرض بيت
المقدس وما والاها ، ومعه دوابٌّ وعبيدٌ وأموال .
وقال البخاري : حدثنا محمد بن محبوب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب
- ١٧٥ -

عن محمد، عن أبي هريرة قال: (( لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات : اثنتان(١)
منهن في ذات الله ، قوله: ﴿ إِني سَقيم﴾، وقوله: ﴿بل فعله كبيرهم هذا ﴾ ،
وقال : بَينا هو ذات يوم وسارّة ، إذ أتى على جبار من الجبابرة ، فقيل له : إن
ها هنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس ، فأرسل إليه وسأله عنها ، فقال : من
هذه ؟ قال : أختي . فأتى سارة فقال : يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري
وغيرك ، وإنّ هذا سألني فأخبرتُه أنك أختي فلا تكذِّبيني .
فأرسل إليها فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأُخذ ، فقال : ادْعِي الله
لي ولا أضرّك ، فدعت الله فأُطلق . ثم تناولها الثانية مثلها أو أشدّ ، فقال : ادعي
الله لي ولا أضرك، فدعت فأطلق. فدعا بعض حَجبته فقال: إنكم لم تأتوني (٢)
بإنسان ، وإنما أتيتموني (٣) بشيطان فَأَحْدَمها هاجر .
فأتته وهو قائم يصلي فأوماً بيده مَهْيَم (٤) ؟ فقالت: رَدَّ الله كيدَ الكافر أو
الفاجر في نَحْره ، وأخْدَم هاجَر .
قال أبو هريرة : فتلك أمكم يا بني ماء السماء )).
تفردَّ به من هذا الوجه موقوفاً (٥) .
وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار ، عن عمرو بن علي الفلَّاس ، عن
عبد الوهاب الثقفي ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة
عن النبي عَّ ◌َلِه قال: ((إن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات ، كل ذلك في ذات
الله، قوله : ﴿ إني سَقيم﴾، وقوله: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾، وبينما هو يسير
(١) صحيح البخاري : ثنتين .
(٢) ((أ)): إنك لم تأتني.
(٣) ((أ)): أتيتني.
(٤) قال القاضي عياض في مشارق الأنوار ٣٩٠/١: مهيم بفتح الميم والياء وسكون الهاء : كلمة يمانية
معناها : ما هذا ؟ وقيل : ما شأنك ؟ وجاء في بعض نسخ النسفي وأبي ذر في هذا الحرف في
حديث سارة مهيا : مثل محيا . والمعروف الأول .
(٥) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق باب قول الله تعالى ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ ١٠٧/٢
( ط الأميرية ) .
- ١٧٦ -

في أرض جبار من الجبابرة إذ نزل منزلاً ، فأتى الجبار فقيل له : إنه قد نزل ها هنا
رجلٌ معه امرأة من أحسن الناس ، فأرسل إليه فسأله عنها ، فقال : إنها أختي .
فلما رجع إليها قال : إن هذا سألني عنك فقلت إنك أختي ، وإنه ليس اليوم مُسلم
غيري وغيرك ، وإنك أختي ، فلا تكذِّبيني عنده .
فانطلق بها ، فلما ذهب يتناولها أُخذ ، فقال : ادْعِي الله لي ولا أضرّك ،
فدعت له فأُرسل ، فذهب يتناولها فُخذ مثلها أو أشدّ منها ، فقال : ادعي الله لي
ولا أضرك ، فدعت فأُرسل ، ثلاث مرات ، فدعا أدنى حَشَمه فقال : إنك لم تأتني
بإنسان ، ولكنْ أتيتني بشيطان أخْرِجْهَا وأعطِها هاجَر .
فجاءت وإبراهيم قائم يصلي . فلما أحس بها انصرفَ ، فقال : مَهْيَم ؟
فقالت : كفى الله كيدَ الظالم ، وأخْدَمني هاجَر)).
وأخرجاه من حديث هشام . ثم قال البزار : لا يُعلم أسنده عن محمد عن
أبي هريرة إلا هشام . ورواه غيره موقوفاً .
وقال الإِمام أحمد: حدثنا علي بن حفص ، عن ورقاء - [ هو أبو
عمر ](١) اليشكري - عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله عَ له: ((لم يَكْذب إبراهيم إلا ثلاثَ كَذْبات: قوله حين دُعيَ إلى آلهتهم
فقال: ﴿إِني سَقيم﴾، وقوله: ﴿بَلْ فعله كبيرهم هذا﴾ وقوله لسارة: إنها
أختي )).
قال : ودخل إبراهيم قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة ، فقيل :
دخل إبراهيم الليلة بامرأة من أحسن الناس ، قال : أرسل إليه الملك أو الجبار : من
هذه معك ؟ قال : أختي . قال : فأرسِلْ بها . قال: فأرسل بها إليه، وقال لا
تُكذبي قولي ، فإني قد أخبرته أنك أختي ، إنّ ما على (٢) الأرض مؤمن غيري
وغيرك .
فلما دخلت عليه قام إليها ، فأقبلت تتوضأ وتصلي وتقول : اللهم إن كنت
(١) المطبوعة : ابن عمر وليست في المسند .
(٢) المسند : إن على الأرض .
- ١٧٧ -

تعلم أني آمنت بك وبرسولك (١) وأحصنتُ فرجي إلا على زوجي ، فلا تسلّط عليّ
الكافَرَ . قال : فغط حتى ركض برجليه .
قال أبو الزناد : قال أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أنها قالت :
اللهم إن يمت يقال هي قتلته . قال : فأُرْسِل .
[ قال : ثم قام إليها ، فقامت تتوضأ وتصلي وتقول : اللهم إن كُنت تعلم أني
آمنتُ بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تسلّط عليَّ الكافر. قال
فغطًّ حتى ركض برجله .
قال أبو الزناد : وقال أبو سلمة عن أبي هريرة إنها قالت : اللهم إن يمت يُقَلْ
هي قتلته ، قال فأُرْسِل ] (٢).
قال : فقال في الثالثة أو الرابعة: ما أرسلتم إليَّ إلا شيطاناً، أرجعوها إلى
إبراهيم وأعطوها هاجر .
قال : فرجعت ، فقالت لإِبراهيم : أشعرتَ أن الله رد كيدَ الكافرين وأخدَم
وليدة !
تفرد به أحمد من هذا الوجه (٣) وهو على شرط الصحيح .
وقد رواه البخاري عن أبي اليمان ، عن شعيب بن أبي حمزة ، عن أبي الزناد ،
عن أبي هريرة، عن النبي عَ لّه به مختصراً.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سفيان ، عن علي بن زيد بن
جُدْعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله عَ له في كلمات
إبراهيم الثلاث التي قال: (( ما منها كلمة إلا ماحَلَ (٤) بها عن دين الله ، فقال :
﴿ إني سقيم﴾، وقال: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ وقال للملك حين أراد امرأته :
هي أختي )) .
(١) ((ط)) : وبرسلك .
(٢) ما بين القوسين ليس في مسند أحمد وليس في نسخة ((أ)).
(٣) مسند أحمد ٤٠٣/٣، ٤٠٤ ( ط الميمنية ).
(٤) ما حل : دافع .
- ١٧٨ -

فقوله في الحديث: ((هي أختي)) أي في دين الله. وقوله لها: (( إنه ليس
على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك ﴾ يعني زوجين مؤمنين غيري وغيرك ويتعيّن
حمله على هذا لأن لوطاً كان معهم وهو نبي عليه السلام .
وقوله لما رجعت إليه : مَهْيَم ؟ معناه : ما الخبر . فقالت : إن الله رد كيد
الكافرين . وفي رواية : الفاجر وهو الملِك ، وأخدَم جارية .
وكان إبراهيم عليه السلام من وقتٍ ذُهِبَ بها إلى الملك ، قام يصلي الله عز
وجل ، ويسأله أن يدفع عن أهله ، وأن يردَّ بأس هذا الذي أراد أهله بسوء . وهكذا
فعلت هي أيضاً . فلما أراد عدو الله أن ينال منها أمراً قامت إلى وضوئها وصلاتها ،
ودعت الله عز وجل بما تقدم من الدعاء العظيم . ولهذا قال تعالى: ﴿ واستعينوا
بالصَّبْر والصلاة﴾(٢) فعصمها الله وصانها لعصمة عبده ورسوله وحبيبه وخليله
إبراهيم عليه السلام .
وقد ذهب بعض العلماء إلى نبوة ثلاث نسوة : سارّة ، وأم موسى ، ومريم عليهن
السلام .
والذي عليه الجمهور أنهن صِدِّيقات رضي الله عنهن وأرضاهن.
ورأيت في بعض الآثار أن الله عز وجل كشف الحجاب فيما بين إبراهيم
عليه السلام وبينها ، فلم يَزَلْ يراها منذ خرجت من عِنده إلى أن رجعت إليه . وكان
مشاهداً لها وهي عند الملك ، وكيف عصمَها الله منه، ليكون ذلك أَطيَبَ لقلبه وأقرّ
لعينه وأشد لطمأنينته ، فإنه كان يحبها حباً شديداً ، لدینها وقرابتها منه وحسنها
الباهر ، فإنه قد قيل إنه لم تكن امرأة بعد حواء إلى زمانها ، أحسن منها ، رضي الله
عنها . ولله الحمد والمنة .
وذكر بعض أهل التواريخ(١) أن فرعون مصر هذا كان أخاً للضحاك الملك
المشهور بالظلم ، وكان عاملاً لأخيه على مصر . ويقال كان اسمه سنان بن علوان بن
عبيد بن عويج بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح . وذكر ابن هشام في التِّيجان :
(١) سورة البقرة ٤٥ .
(٢) | ((أ)): التاريخ .
- ١٧٩ -

أن الذي أرادها عمرو بن امرئ القيس بن مايلون بن سباً ، وكان على مصر . نقله
السُّهيلي . والله أعلم .
ثم إن الخليل عليه السلام رجع من بلاد مصر إلى أرض التيمن ، وهي الأرض
المقدسة التي كان فيها ، ومعه أنعام وعبيد ومال جزيل ، وصحبتهم هاجر القبطية
المصرية .
ثم إن لوطاً عليه السلام نزح بما له من الأموال الجزيلة بأمر الخليل له في
ذلك ، إلى أرض الغَوْر، المعروف بِغَوْر زُغَر ، فنزل بمدينة سَدُوم(١) وهي أم تلك
البلاد في ذلك الزمان . وكان أهلها أشراراً كفاراً فجاراً .
وأوحى الله تعالى إلى إبراهيم الخليل ، فأمره أن يمد بصره وينظر شمالاً وجنوباً
وشرقاً وغرباً ، وبشَّره بأن هذه الأرض كلها سأجعلها لك ولخلفك إلى آخر الدهر ،
وسأكثر ذريتك حتى يصيروا بعدد تراب الأرض .
وهذه البشارة اتصلت بهذه الأمة ، بل ما كمُلت ولا كانت أعظَم منها في
هذه الأمة المحمدية .
ويؤيد ذلك قول رسول الله عَ له: ((إن الله زوَى(٢) لي الأرضَ فرأيت
مشارقها ومغاربها ، وسَيَبْلغ مُلك أمتي ما زوى لي منها)).
قالوا : ثم إن طائفة من الجبارين تسلَّطوا على لوط عليه السلام فأسَروه ،
وأخذوا [ أمواله واستاقوا أنعامه فلما بلغ الخبرُ إبراهيمَ الخليل سار إليهم في ثلاثمائة
وثمانية عشر رجلاً فاستنقذ لوطاً عليه السلام واسترجع ](٣) أموالَه، وقَتل من أعداء
(١) قال في القاموس : وسدوم لقرية قوم لوط غلط فيه الجوهري ، والصواب سذوم بالذال المعجمة .
وذكر شارح القاموس أن المشهور فيه إهمال الدال .
(٢) زوى : جمع . والحديث في صحيح مسلم كتاب الفتن حديث رقم ١٩ .
(٣) سقط من المطبوعة !
- ١٨٠ -