النص المفهرس
صفحات 141-160
وقال تعالى: ﴿ كَذَّبت ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا . إِذِ الْبَعَثَ أشقاها. فقال لهم رسولُ الله ناقةَ الله وسُقياها. فكذَّبُوه فعقروها فدَمْدَمَ عليهم ربُّهم بذنبهم فسوَّاها . ولا يخاف عُقباها ﴾(١) . وكثيراً ما يَقْرن الله في كتابه بين ذكر عادٍ وثمود، كما في سورة براءة وإبراهيم والفرقان ، وصورة ص ، وسورة ق ، والنجم والفجر . ويقال أن هاتين الأمتين لا يَعْرف خبرَهما أهلُ الكتاب ، وليس لهما ذكرٌ في كتابهم التوراة . ولكن في القرآن ما يدل على أن موسى أخبر (٢) عنهما، كما قال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وقال موسى إنْ تَكْفُروا أنتم ومَن في الأرضِ جميعاً فإن الله لَغَنيّ حميد . ألمْ يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعادٍ وثمود ، والذين من بَعْدِهم لا يَعْلَمُهِمْ إلا الله جاءتهم رسُلهم بالبينات﴾(٣) الآية. الظاهر أن هذا من تمام كلام موسى مع قومه ، ولكن لما كان هاتان الأمتان من العرب لم يضبطوا خبرهما جيداً ، ولا اعتنوا بحفظه ، وإن كان خبرهما كان مشهوراً في زمان موسى عليه السلام . وقد تكلمنا على هذا كله في التفسير مُستقصى . ولله الحمد والمنة . والمقصود الآن ذكر قصتهم وما كان من أمرهم، وكيف نجَّى الله نبيه صالحاً عليه السلام ومن آمن به ، وكيف قطع دابر القوم الذين ظلموا بكفرهم وعُتَوِّهم ، ومخالفتهم رسولَهم عليه السلام . وقد قدمنا أنهم كانوا عَرباً ، وكانوا بعد عاد ولم يعتبروا بما كان من أمرهم وهذا قال لهم نبيهم عليه السلام : ﴿ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينةٌ من ربكم ، هذه ناقةُ الله لكم آية ، فذَروها تأكل في أرض الله ولا تمسُّوها بسوء فيأخذكم عذابٌ أليم . واذكروا إذ جعلكم خلفاءَ من بعدٍ عادٍ ، وبوَأكم في الأرض تتخذون من سُهولها قصوراً وتنحتون الجبالَ بيوتاً، فاذكروا آلاءَ الله ولا تَعْتَوْا في الأرض (١) سورة الشمس ١١ - ١٥ . (٢) ((أ)) : أخبرهم. (٣) سورة إبراهيم ٨، ٩ - ١٤١ - مفسدين ﴾ أي إنما جعلكم خلفاء من بعدهم لتعتبروا بما كان من أمرهم ، وتعملوا بخلاف عملهم . وأباح لكم هذه الأرض تبنون في سهولها القصور ، ﴿ وتنحتون من الجبال بيوتاً فَارِهين﴾ أي حاذقين في صنعتها وإتقانها وإحكامها. فقابلوا نعمة الله بالشكر والعمل الصالح ، والعبادة له وحده لا شريك له ، وإياكم ومخالفته والعدول عن طاعته ، فإن عاقبة ذلك وخيمة . ولهذا وعظهم بقوله: ﴿ أَتُتْرَكون فيما ها هنا آمنين . في جنات وعيون. وزروع ونخلٍ طَلْعها هضيم﴾ أي متراكم كثير حسن بهيّ ناضج ﴿ وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين . فاتقوا الله وأطيعون . ولا تطيعوا أمرَ المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ﴾ . وقال لهم أيضاً: ﴿ يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، هو أنشأكم من الأرض ، واستعمركم فيها ﴾ أي هو الذي خلقكم فأنشأكم من الأرض ، وجعلكم عُمَّارها ، أي أعطاكموها بما فيها من الزروع والثمار ، فهو الخالق الرازق ، وهو الذي يستحق العبادة وحده لا [ ما ](١) سواه. ﴿ فاستغفروه ثم توبوا إليه ﴾ أي أقلِعوا عما أنتم فيه وأقبلوا على عبادته ، فإنه يقبل منکم ویتجاوز عنکم ﴿ إن ربي قريب مجيب ﴾ . ﴿قالوا: يا صالحُ قد كنتَ فينا مَرْجُوَّا قَبْلَ هذا﴾، أي [ قد ](٢) كنا نرجو أن يكون عقلك كاملاً قبل هذه المقالة ، وهي دعاؤك إيانا إلى إفراد العبادة ، وترك ما كنا نعبده من الأنداد ، والعدول عن دين الآباء والأجداد ، ولهذا قالوا : أتنهانا أن نَعْبُدَ ما يعبدُ آباؤنا ؟ وإننا لفي شكٌّ مما تدعونا إليه مُريب﴾ . ﴿ قال يا قومٍ أرأيتم إن كنتُ على بينةٍ من ربي وآتاني منه رحمة ينصرني مِنَ الله إنْ عَصيتُه فما تزيدوني غير تَخْسير ﴾. وهذا تلطّف منه لهم في العبارة ولين الجانب ، وحُسْن تأتٌّ في الدعوة لهم إلى (١) من ((أ) . (٢) ليست في ((أ)). - ١٤٢ - الهير أي فما ظنكم إن كان الأمر كما أقول لكم وأدعوكم إليه ؟ ماذا(١) عذركم عند الله؟ وماذا يخلّصُكم بين يديه وأنتم تطلبون مني أن أترك دعاءكم إلى طاعته ، وأنا لا يمكنني هذا لأنه واجب عليَّ، ولو تركته لمَا قدرَ أحد منكم ولا من غيركم أن يحيرني منه ولا ينصرني . فأنا لا أزال أدعوكم إلى الله وحده لا شريك له ، حتى يحكم الله بيني وبينكم . وقالوا له أيضاً: ﴿ إنما أنت من المسحَّرين﴾ أي من المسحورين ، يعنون مسحوراً لا تدري ما تقول في دعائك إيانا إلى إفراد العبادة لله وحده ، وخلع ما سواه من الأنداد . وهذا القول عليه الجمهور ، وهو أن المراد بالمسحَّرين المسحورين . وقيل من المسحرين: أي ممن له سحر - وهو الرَّئى (٢) - كأنهم يقولون إنما أنت بشر [ له سحر. والأول أظهر لقولهم بعد هذا: ﴿ ما أنت إلا بشر](٣) مثلنا ﴾ [ وقولهم ] (٤) ﴿فَأَتِ بآيةٍ إن كنتَ من الصادقين﴾ سألوا منه أن يأتيهم بخارق يدل على صدق ما جاءهم به . ﴿ قال: هذه ناقةٌ لها شِرْبٌ، ولكم شِرْبٌ يومٍ معلوم. ولا تمسُّوها بسوء فيأخذكُمْ عذاب عظيم ﴾ كما قال: ﴿قد جاءتكم بينةٌ من ربكم ، هذه ناقةٌ الله لكم آية فذَروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ﴾ وقال تعالى: ﴿ وآتينا ثمودَ الناقةَ مُبْصرَةً فظلموا بها ﴾ . وقد ذكر المفسرون أن ثمود اجتمعوا يوماً في ناديهم ، فجاءهم رسول الله صالح فدعاهم إلى الله ، وذكَّرهم وحذَّرهم ووعظهم وأمرهم ، فقالوا له : إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة - وأشاروا إلى صخرة هناك - ناقةً ، من صفتها كيت وكيت [ وذكروا أوصافاً سمَّوها ونعتوها وتعنتوا فيها . وأن تكون عُشَراء طويلة ، من صفتها كذا وكذا ](٥) فقال لهم النبي صالح عليه السلام : أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم ، أنتؤمنون بما جئتكم وتصدقوني فيما أُرْسلت به ؟ قالوا : نعم . فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك . (١) كذا . والأصح ما عذركم . (٢) ((أ)): الرئية. والرئى: التابع من الجن . (٤) ليست في ((أ)). (٣) سقطت من المطبوعة. (٥) سقطت من ((أ)). - ١٤٣ - ثم قام إلى مصلاه فصلى لله عز وجل ما قدَّر له ، ثم دعا ربه عز وجل أن يجيبهم إلى ما طلبوا . فأمر الله عز وجل تلك الصخرة أن تَنْفطر عن ناقة عظيمة عشراء ، على الوجه المطلوب الذي طلبوا ، أو على الصفة التي نعتوا . فلما عاينوها كذلك رأوا أمراً عظيماً ومنظراً هائلاً، وقدرة باهرة ودليلاً قاطعاً وبرهاناً [ساطعاً ](١) فآمن كثير منهم، واستمرّ أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم . ولهذا قال: ﴿ فظلموا بها﴾ أي جحدوا بها ولم يتبعوا الحق بسببها ، أي أكثرهم . وكان رئيس الذين آمنوا : جَنْدَع بن عمرو بن محلاة بن لَبيد بن جوَّاس. وكان من رؤسائهم وهَمَّ بقية الأشراف بالإِسلام ، فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ، ورباب بن صعر بن جلمس . ودعا جندع ابنَ عمه شهابَ بن خليفة وكان من أشرافهم ، فهمَّ بالإِسلام [ فنهاه أولئك، فمال إليهم ] (١) فقال في ذلك رجل من المسلمين يقال له مهرش بن غنمة بن الذميل رحمه الله : إلى دينِ النبيّ دَعوا شِهَابًا وكانت عُصْبةٌ من آل عمرو فَهَمَّ بأن يجيبَ ولو أجابا عزيز ثمود كلهم جميعاً وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا لأصبح صالحٌ فينا عزيزاً تولَّوا بعد رُشْدهم ذبابا ولكنّ الغواة من آل حجر. ولهذا قال لهم صالح عليه السلام: ﴿ هذه ناقة الله ﴾ أضافها لله سبحانه وتعالى إضافة تشريف وتعظيم ، كقوله بيت الله وعبد الله ﴿ لكم آية﴾ أي دليلاً على صدق ما جئتكم به ﴿ فذَروها تأكلْ في أرض الله ولا تمسُّها بسوء فيأخذكم عذابٌ قريب ﴾ . فاتفق الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم ، ترعى حيث شاءت من أرضهم ، وترد الماء يوماً بعد يوم ، وكانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك ، فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم . ويقال إنهم كانوا يشربون من لبنها كفايتهم ، ولهذا قال : ﴿ لها شِرْبٌ ولكم شِرْبُ يوم معلوم﴾ . (١) سقطت من ((أ)) . - ١٤٤ - ولهذا قال تعالى: ﴿إِنا مُرسِلُوا الناقةِ فتنةً لهم ﴾ أي اختباراً لهم أيؤمنون بها أم يكفرون؟ والله أعلم بما يفعلون. ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ أي انتظر ما يكون من أمرهم واصْطَيِرْ﴾ على أذاهم فسيأتيك الخبر على جليّة ﴿ونبئهم أن الماء قسمةٌ بينهم كُلِّ شِرْب مُحْتضر ﴾ . فلما طال عليهم [ هذا ](١) الحال اجتمع ملؤهم ، واتفق رأيهم على أن يَعْقروا هذه الناقة ، ليستريحوا منها ويتوفر عليهم ماؤهم ، وزيَّن لهم الشيطان أعمالهم . قال تعالى: ﴿ فعقروا الناقةَ وعتَوا عن أمر ربهم ، وقالوا يا صالح ائتنا بما تعِدُنا إنّ ﴾ . کنتَ من المرسلین وكان الذي تولى قتلها منهم رئيسهم : قُدَار بن سالف بن جندع ، وكان أحمر أزرق أصهب . وكان يقال إنه ولد زَنْيَة(٢) ولد على فراش سالف، وهو ابن رجل يقال له صيبان . وكان فعله ذلك باتفاق جميعهم ، فلهذا نسب الفعل إليهم كلهم(٣) . وذكر ابن جرير وغيره من علماء المفسرين : أن امرأتين من ثمود اسم إحداهما ((صدوق)) (٤) ابنة المحيا بن زهير بن المختار . وكانت ذات حسب ومال ، وكانت تحت رجل من أسلم ففارقته، فدعت ابنَ عم لها يقال له ((مصرع)) بن مهرج بن المحيا، وعرضت عليه نفسها إن هو عقَر الناقة. واسم الأخرى ((عنيزة)) بنت غنيم ابن مجلّز ، وتكنى أم غنمة(٥) وكانت عجوزاً كافرة ، لها بنات من زوجها ذؤاب بن عمرو أحد الرؤساء ، فعرضت بناتها الأربع على قدار بن سالف ، إن هو (٦) عقر الناقة فله أي بناتها شاء ، فانتدب (٧) هذان الشابان لعقرها وسَعوا في قومهم بذلك ، فاستجاب لهم سبعة آخرون فصاروا تسعة . وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿ وكان في المدينة تِسْعةُ رَهْطٍ يفسدون في الأرض ولا يُصْلحون﴾، وسعوا في بقية القبيلة وحسَّنوا لهم عَقْرِها ، فأجابوهم إلى ذلك وطاوعوهم في ذلك . فانطلقوا يرصدون (١) ليست في ((أ)). (٢) غير ((أ)): زانية . (٣) ((ط)): إلى جميعهم كلهم . (٤) ((أ)) : صدوقة. (٥) ((ط)) : أم عثمان. (٦) ((أ)): إن من عقر . (٧) ((أ)): فابتدر . - ١٤٥ - الناقة ، فلما صدرت من وردها كمن لها ((مصرع))، فرماها بسهم فانتظم عظم (١) ساقها، وجاء النساء يُذَمِّرن(٢) القبيلة في قتلها، وحسَرْن عن وجوههن ترغيباً لهم [ في ذلك ](٣) فأسرعهم (٤) قُدَار بن سالف، فشدّ عليها بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرت ساقطة إلى الأرض . ورغت رغاة واحدة عظيمة تحذر ولدها ، ثم طعن في لَبَّتها فنحرها، وانطلق سقبها ــ وهو فَصِيلها - فصعد جبلاً منيعاً وَرَغَا (٥) ثلاثاً . وروى عبد الرزاق ، عن مَعْمر ، عمن سمع الحسن أنه قال : يا رب أين أمي ؟ ثم دخل في صخرة فغاب فيها . ويقال : بل اتبعوه فعقَروه أيضاً . قال الله تعالى: ﴿ فنادَوْا صاحبَهم فتعاطَى فعقَر . فكيف كان عذابي ونُذر﴾ وقال الله تعالى: ﴿ إذ انبعَثَ أشْقاها. فقال لهم رسولُ الله ناقةَ الله وسُقياها﴾ أي احذروها ﴿فكذَّبوه فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عليهم ربُّهم بذنبهم فسوَّاها . ولا يخاف عُقباها ﴾ . قال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الله بن نمير ، حدثنا هشام(٦) - أبو عروة - عن أبيه عن عبد الله بن زَمعة قال: خطب رسول الله عَ لّه فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال: ((﴿﴿ إذ انبعث أشقاها﴾: انبعث لها رجل عارِمٌ عزيز منيع في رهطه ، مثل أبي زَمْعَة ))(٧) . أخرجاه من حديث هشام به(٨). عارم : أي شَهْم . عزيز : أي رئيس . منيع : أي مطاع في قومه . (١) ((أ)) : عضلة ساقها . (٢) يذمرن : يحضضن. وفي المطبوعة: يزمرن . محرفة (٣) من ((أ)). (٤) ((ط)) : فابتدرهم. (٥) ((ط)) : دعا . وهو تحريف. (٦) ((ط)) : هاشم . (٧) مسند أحمد ١٧/٤. (٨) صحيح البخاري كتاب التفسير باب تفسير سورة الشمس ٣٨٧/٢ (ط الأميرية). وصحيح مسلم كتاب الجنة حديث رقم ٤٩ . - ١٤٦ - وقال محمد بن إسحاق : حدثني يزيد بن محمد بن خُثَيم ، عن محمد بن كعب، عن عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله عَ له لعليّ: ((ألا أُحَدِّثك بأَشْقَى الناس؟ قال: بلى. قال: رجلان [ أحدهما ](١) أُحَيْمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك يا عليّ على هذا - يعني قرنه - حتى تبتل منه هذه - يعني لحيته - ) . رواه ابن أبي حاتم . وقال تعالى: ﴿فعقروا الناقةَ وعتَوْا عن أمر ربهم ، وقالوا يا صالح ائتنا بما تَعِدُنا إن كنتَ من المرسلين﴾. فجمعوا في كلامهم هذا بين كفر بليغ من وجوه : منها : أنهم خالفوا الله ورسوله في ارتكابهم النهي الأكيد في عَقّر الناقة التي جعلها الله لهم آية . ومنها : أنهم اسعجلوا وقوعَ العذاب بهم فاستحقوه من وجهين : أحدهما الشرط عليهم في قوله: ﴿ ولا تمسُوها بسوء فيأُخذَكُمْ عذابٌ قريب﴾ وفي آية عظيم ﴾ وفي الأخرى ﴿ أليم ﴾ والكل حق . والثاني : استعجالهم على ذلك. ومنها : أنهم كذَّبوا الرسولَ الذي قام الدليل القاطع على نبوّته وصدقه ، وهم يعلمون ذلك عِلماً جازماً ، ولكن حملهم الكفر والضلال والعناد على استبعاد الحق ووقوع العذاب بهم . قال الله تعالى: ﴿ فعقروها فقال تمتَّعُوا في داركم ثلاثةَ أيام، ذلك وَعْدٌ غَيْرُ مكذوب ﴾ . وذكروا أنهم لما عقروا الناقة كان أول من سطًا عليها قُدَارُ بن سالف ، لعنه الله ، فعرقبها فسقطت إلى الأرض ، ثم ابتدروا بأسيافهم [يقطعونها ](٢) فلما عاين ذلك سَقْبُها - وهو ولدها - شردَ عنهم فعلا أعلى الجبل هناك ، ورغا ثلاث مرات(٣) . (١) ليست في ((أ)) . (٢) ليست في (( أ)). (٣) ((أ)) : مرار . - ١٤٧ - فلهذا قال صالح : ﴿ تمتعوا في داركم ثلاثةَ أيام﴾ أي غير يومهم ذلك فلم يصدقوه أيضاً في هذا الوعد الأكيد . بل لما أمسوا همّوا بقتله وأرادوا - فيما يزعمون - أن يُلحقوه بالناقة. ﴿قالوا تقاسَمُوا بِاللّه لَنُبََّنَّهُ وأهلَه ﴾ أي لنكبسنه في داره مع أهله فلنقتلنه ، ثم نجحدن(١) قتله ولننكرن ذلك إن طالَبنا أولياؤه بدمه. ولهذا قالوا: ﴿ ثم لنقولن لوليِّه ما شَهِدْنَا مَهْلِكَ أهله وإنا لصادقون قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً ومِكَرْنَا مكراً وهم لا يشعرون . فانظر كيف كان عاقبةُ مَكْرِهِم أنَّا دَمَّرْناهم وقومَهم أجمعين . فتلك بيوتهم خاويةً بما ظلموا إنَّ في ذلك لآيَةً لقومٍ يعلمون . وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾. وذلك أن الله تعالى أرسل على أولئك النفر الذين قصدوا قتل صالح حجارة رضختهم [ فأهلكهم](٣) سلفاً وتعجيلاً قبل قومهم ، وأصبحت ثمود يوم الخميس - وهو اليوم الأول من أيام(٤) النَّظِرَة ــ ووجوههم مُصْفرة، كما أنذرهم صالح عليه السلام . فلما أمسوا نادوا بأجمعهم : ألا قد مضى يومٌ من الأجل ثم أصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة - ووجوههم محمرة ، فلما أمسوا نادوا: ألا قد مضى يومان من الأجل . ثم أصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت - ووجوههم مسودَّة ، فلما أمسوا نادوا : ألا قد مضى الأجل . فلما كان صبيحة يوم الأحد تحنَّطوا وتأهبوا وقعدوا ينتظرون ماذا يحل بهم من العذاب والنكال والنقمة ، لا يدرون كيف يفعل بهم ! ولا من أي جهة يأتيهم العذاب . فلما أشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم ، ورجفةٌ من أسفل منهم ، ففاضت الأرواح وزهقت النفوس ، وسكنت الحركات ، وخشعت (١) ((أ)) : نجحد . (٢) سورة النمل : ٤٩ - ٥٣. (٣) سقطت من المطبوعة . (٤) ((أ)) : من أيامهم. والنظرة : التأجيل. - ١٤٨ - الأصوات ، وحقّت الحقائق، فأصبحوا(١) في دارهم جائمين ، جثثاً لا أرواح فيها ولا حِراك بها ، قالوا ولم يبقَ منهم أحد إلا جارية كانت مقعدة واسمها ((كلبة)) بنت السلق - ويقال لها الذَّريعة وكانت شديدة الكفر والعداوة لصالح عليه السلام ، فلما رأت العذاب أُطْلِقَت رجلاها، فقامت تسعى كأسرع شيء، فأتت حيًّا من العرب فأخبرتهم بما رأت وبما حلَّ بقومها واستسقتهم ماء ، فلما شربت ماتت . قال الله تعالى: ﴿ كأن لم يَعْنَوْا فيها﴾ أي لم يقيموا فيها في سعة ورزق وغَنَاء ألا إن ثمودَ كفروا ربهم ألا بُعْداً لثمود ﴾ أي نادى عليهم لسانُ القدر بهذا . قال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا مَعْمَر ، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خُثْم، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما مَّ رسول الله عَ لمه بالحِجْر قال: (( لا تسألوا الآيات فقد سألها قومُ صالح فكانت ــ يعني الناقة ــ تَرِدُ من هذا الفَجّ وَتَصْدر من هذا الفج ، فعتَوْا عن أمر ربهم فعقروها ، وكانت تشرب ماءهم يوماً ويشربون لبنها يوماً ، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله [ بها](٢) من تحت أديم السماء منهم إلا رجلاً واحداً كان في حرم الله)) فقالوا: من هو يا رسول الله(٣)؟ قال: ((هو أبو رِغَال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه)) (٤). وهذا الحديث على شرط مسلم وليس هو في شيء من الكتب الستة . والله تعالى أعلم . وقد قال عبد الرزاق أيضاً : قال مَعْمر : أخبرني إسماعيل بن أمية أن النبي عَّله مر بقبر أبي رِغال، فقال: ((أتدرون من هذا؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((هذا قبر أبي رغال، رجل من ثمود، كان في حرم الله فمنعه حرم الله عذاب الله ، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن ها هنا ، ودفن معه غصن من ذهب . فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم ، فبحثوا عنه فاستخرجوا الغصن )). (١) ((أ)) : أصبحوا. (٢) ليست في ((أ)) ولا في مسند أحمد . (٣) المسند : قيل من هو ... (٤) المسند ٢٩٦/٣ . - ١٤٩ - قال عبد الرزاق : قال معمر : قال الزهري : أبو رغال أبو ثقيف . هذا مرسل من هذا الوجه . وقد جاء من وجه آخر متصلاً كما ذكره محمد بن إسحق في السيرة عن إسماعيل بن أمية ، عن بُجَّيْر بن أبي بجير ، قال سمعت عبد الله بن عمر يقول : سمعت رسول الله عَ لّم حين خرجنا معه إلى الطائف، فمررنا بقبر، فقال: ((إن هذا قبر أبي رغال ، وهو أبو ثقيف ، وكان من ثمود ، وكان بهذا الحرم يدفع عنه ، فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه ، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب ، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه . فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن)). وهكذا رواه أبو داود من طريق محمد بن إسحق به(١) . قال شيخنا أبو الحجاج المِزّي رحمه الله : هذا حديث حسن عزيز . قلت : تفرّد به بَجير بن أبي بجير هذا ، ولا يُعرف إلا بهذا الحديث ، ولم يرو عنه سوى إسماعيل بن أمية . قال شيخنا : فيحتمل أنه وَهِم في رفعه ، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيْه(٢) . والله أعلم. قلت : لكن في المرسل الذي قبله وفي حديث جابر أيضاً شاهد له . والله أعلم . وقوله تعالى: ﴿ فتولّى عنهم وقال: يا قَوْمِ لقد أَبْلَغْتکم رسالةَ ربي ونصحتُ لكم ولكن لا تحبون الناصحين ﴾ إخبارٌ عن صالح عليه السلام ، أنه خاطب قومه بعد هلاكهم ، وقد أخذ في الذهاب عن محلّتهم إلى غيرها قائلاً لهم : ﴿ يا قوم لقد أبلغتكم رسالةَ ربي ونصحتُ لكم ﴾ أي جهدت في هدايتكم بكل ما أمكنني ، وحرصت على ذلك بقولي وفعلي ونيتي . (١) السيرة النبوية لابن كثير ٦٥٥/٣ بتحقيقي ودلائل النبوة للبيهقي ٢٩٧/٦. (٢) الزاملة: التي يحمل عليها من الإِبل وغيرها. وقد أصاب عبد الله بن عمرو بعض كتب أهل الكتاب ، حمل زاملتين . فكان يحدث منها . - ١٥٠ - ولكن لا تحبون الناصحين﴾ أي لم تكن سجاياكم تَقْبل الحق ولا تريده ، فلهذا صِرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب الأليم ، المستمر بكم المتصل إلى الأبد ، وليس لي فيكم حيلة ولا لي بالدفع عنكم يدَان . والذي وجب عليَّ من أداء الرسالة والنصح لكم قد فعلته وبذلته لكم ، ولكن الله يفعل ما يريد .. وهكذا خاطب النبي عَّ له أهلَ قَلِيب بَدْر بعد ثلاث ليال : وقف عليهم وقد ركب راحلته وأمر بالرحيل من آخر الليل فقال: (( يا أهل القَليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً ؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً)) وقال لهم فيما قال: (( بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم ، كذبتموني وصدَّقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، وقاتلتموني ونصَرني الناس ، فبئس عشيرةُ النبيِّ كنتم لنبيكم)). فقال له عمر: يا رسول الله تخاطب أقواماً قد جَيَّفوا؟ فقال: ((والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكنهم لا يجيبون )) . ويقال إن صالحاً عليه السلام انتقل إلى حرم الله فأقام به حتى مات . قال الإِمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا زَمْعَة بن صالح ، عن سلمة بن وَهْرَام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لمَّا مر النبي عَِّ بوادي عَسْفان حين حج قال: (( يا أبا بكر أي واد هذا؟)) قال: وادي عسفان. قال: ((لقد مر به هود وصالح عليهما السلام على بكرات خُطمها الليف ، أُزُرهم العَباء ، وأرديتهم النِّمَار يلُبُّون يحجون البيت العتيق ))(١) . إسناد حسن . وقد تقدم في قصة نوح عليه السلام من رواية الطبراني ، وفيه نوح وهود وإبراهيم . (١) مسند أحمد ٢٣٢/١. والأزر: جمع إزار. والعباء: كساء كالعباءة. والأردية: جمع رداء. والنمار: جمع نمرة وهي بردة من صوف تلبسها الأعراب . - ١٥١ - ذكر مرور النبي صلى الله عليه وسلم بوادي الحِجْر من أرض ثمود عام تبوك قال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا صخر بن جُوَيرية عن نافع ، عن ابن عمر قال: لما نزل رسول الله عَّ له بالناس على تبوك، نزل بهم الحجْر عند بيوت ثمود ، فاستقى الناسُ من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود ، فعجنوا منها ونصبوا القدور ، فأمرهم رسول الله فأهرقوا القدور ، وعلفوا العجينَ الإِبل ، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذِّبوا فقال: (( إني أخشى أن يصيبكم مثلُ ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم)) (١) . وقال أحمد أيضاً : حدثنا عفان حدثنا عبد العزيز بن مسلم ، حدثنا عبد الله ابن دينار، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله عَ لّه وهو بالحجر: ((لا تدخلوا على هؤلاء المعذّبين إلا أن تكونوا باكين ، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم ، أن يصيبكم مثلُ ما أصابهم))(٢) . أخرجاه في الصحيحين من غير وجه(٣). وفي بعض الروايات: أنه عليه السلام لما مرَّ بمنازلهم قَنَّع رأسه وأسرع راحلته ، ونهى عن دخول منازلهم إلا أن تكونوا باكين. وفي رواية: ((فإن لم تبكوا (٤) فتباكوا خشية أن يصيبكم مثلُ ما أصابهم )) . صلوات الله وسلامه عليه . وقال الإِمام أحمد : حدثنا يزيد بن هرون ، أخبرنا المسعودي ، عن إسماعيل (١) المسند ٧٢/٢، ٩١. (٢) المسند ٦٦/٢ . (٣) صحيح البخاري كتاب المغازي باب نزول النبي عَُّلّه وسلم الحجر ٢٧٧/٢ (ط الأميرية). وصحيح مسلم كتاب الزهد حديث رقم ٣٨، ٣٩ . (٤) ((أ)) : فإن لم تكونوا . - ١٥٢ - ابن أوسط ، عن محمد بن أبي كبشة الأنْمَارِيّ(١) عن أبيه - واسمه عمرو بن سعد ويقال عامر بن سعد - رضي الله عنه قال : لما كان في غزوة تبوك تسارع الناسُ إلى أهل الحجْر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسولَ الله عَ له فنادى في الناس: ((الصلاة جامعة)) . قال: فأتيت النبيَّ عَّ له وهو ممسك بعيره وهو يقول: ((ما تَدْخلون على قوم غضب الله عليهم)) فناداه رجل: نعجب منهم يا رسول الله! قال: ((أفلا أنبئكم (٢) بأعجب من ذلك ؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم ، فاستقيموا وسدّدُوا ، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئاً وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئاً ))(٣) وقد ذكر أن قوم صالح كانت أعمارهم طويلة ، فكانوا يبنون البيوت من المدر فتخرب قبل موت الواحد منهم ، فنحتوا لهم بيوتاً في الجبال . وذكر أن صالحاً عليه السلام لما سألوه آية ، فأخرج الله لهم الناقة من الصخرة ، أمرهم بها وبالولد الذي كان في جوفها ، وحذرهم بأسَ الله إن هم نالوها بسوء ، وأخبرهم أنهم سيعقرونها ويكون سببَ هلاكهم ذلك . وذكر لهم صفة عاقرها وأنه أحمر أزرق أصهب . فبعثوا القوابل في البلد متى وجَدْنَ مولوداً بهذه الصفة يقتلنه ، فكانوا على ذلك دهراً طويلاً . وانقرض جيلٌ وأتى جيل آخر . فلما كان في بعض الأعصار خطب رئيس من رؤسائهم على ابنه بنت آخر مثله في الرياسة ، فزوَّجه ، فولد بينهما عاقر الناقة ، وهو قُدار بن سالف ، فلم تتمكن القوابل من قتله لشرف أبويه وجَدَّيه فيهم ، فنشأ نشأة سريعة ، فكان يشب في الجمعة كما يشب غيره في شهر ، حتى كان من أمره أن (١) وقعت في الطبعتين السابقتين: الأنباري. وهو تحريف وما أثبته من مسند أحمد ٢٣١/٤. ومن العجيب أن كل الذين ادعوا تحقيق الكتاب ونشروه قد نقلوا هذا التحريف ولم يصححه منهم أحد ! (٢) المسند : أفلا أنذركم . (٣) المسند ٢٣١/٤ (ط الميمنية). - ١٥٣ - خرج مطاعاً فيهم رئيساً بينهم . فسولت له نفسه عقر الناقة واتبعه على ذلك ثمانية من أشرافهم ، وهم التسعة الذين أرادوا قتل صالح عليه السلام . فلما وقع من أمرهم ما وقع من عقر الناقة ، وبلغ ذلك صالحاً عليه السلام ، جاءهم باكياً عليها ، فتلقوه يعتذرون إليه ، ويقولون : إن هذا لم يقع على ملأٍ منا . وإنما فعل هذا هؤلاء الأحداث فينا. فيقال إن أمرهم باستدراك سَقْبها (١) حتى يحسنوا إليه عوضاً عنها ، فذهبوا وراءه فصعد جبلاً هناك ، فلما تصاعدوا فيه وراءه تعالَى الجبلُ حتى ارتفع فلا يناله الطير ، وبكى الفصيل حتى سالت دموعه . ثم استقبلَ صالحاً عليه السلام ورغاً ثلاثاً، فعندها قال صالح: ﴿تَتَّعوا في داركم ثلاثة أيام ، ذلك وعدّ غَيْرُ مَكْذوب﴾ وأخبرهم أنهم يصبحون من غدهم صُفْراً ، ثم تحمَّر وجوههم في الثاني ، وفي اليوم الثالث تسودُّ وجوههم . فلما كان في اليوم الرابع أتتهم صيحة فيها صوتُ كل صاعقة ، فأخذتهم فأصبحوا في دارهم جائمين . • وفي بعض هذا السياق نظر ومخالفة لظاهر ما يفهم من القرآن في شأنهم وقصتهم كما قدمنا . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب . (١) السقب : ولد الناقة . - ١٥٤ - قصة إبراهيم الخليل عليه السلام هو إبراهيم بن تارَخ (١) ((٢٥٠)) بن ناحُور ((١٤٨))(٢) بن ساروغ (٣) ((٢٣٠)) بن راغو (٤) ((٢٣٩)) بن فالغ(٥) ((٤٣٩)) بن عابر (٦) ((٤٦٤))(٧) ابن شالح (٨) ((٤٣٣)) بن أَرْفَخْشَذ ((٤٣٨)) بن سام ((٦٠٠ )) بن نوح عليه السلام . هذا نص أهل الكتاب في كتابهم ، وقد أعلمت على أعمارهم تحت أسمائهم بالهندي كما ذكروه [ من المدد] (٩) وقدمنا الكلام على عمر نوح عليه السلام فأغنى عن إعادته . وحكى الحافظ ابن عساكر في ترجمة [ إبراهيم ](٩) الخليل من تاريخه عن إسحق بن بشر الكاهلي صاحب كتاب المبتدأ ، أن اسم أم إبراهيم (( أميلة)) ثم أورد عنه في خبر ولادتها له حكاية طويلة. وقال الكلبي: اسمها ((بونا )) بنت كربتا بن کرتي ، من بني أرفخشذ بن سام بن نوح . وروى ابن عساكر من غير وجه عن عكرمة أنه قال : كان إبراهيم عليه السلام يكنى (( أبا الضيفان)). (١) المطبوعة: تسارخ وهو تحريف . قال الصالحي: تارح بمثناة فوقية فألف فراء مفتوحة فحاء مهملة .. ورأيته بخط جماعة بإعجامها . ومعناه يا أعوج ، وهو آزر . سبل الهدى ٣٦٩/١ بتحقيقنا (٢) قال ابن هشام في التيجان: عاش مائة وستة عشر عاماً. سبل الهدى ٣٧٠/١. (٣) ويقال شاروخ . وضبطه النووي: ساروح. وقال الملك المؤيد صاحب حماة : وربما قيل: ساروع. قال ابن هشام : عاش مائتين وسبعة أعوام . سبل الهدى ٣٧٠/١. (٤) ويقال: راغو أو راعوا . وأرغو . قال ابن حبيب عاش مائتي سنة واثنتين وثلاثين سنة . سبل الهدى ٣٧٠/١. (٥) ويقال: فالح. وانظر الأقوال في عمره في سبل الهدى ٣٧٠/١. (٦) ويقال : عيبر . (٧) ((أ)): ٤٦٣/٢. (٨) كذا ضبطه النووي بالخاء المعجمة . وفي الأصل والمطبوعات بالحاء . (٩) ليست في ((أ)). - ١٥٥ - قالوا : ولما كان عمر تارخ خمساً وسبعين سنة ولد له إبراهيم عليه السلام ، وناحور وهاران، وولد لهاران ((لوط)). وعندهم أن إبراهيم عليه السلام هو الأوسط ، وأن هاران مات في حياة أبيه في أرضه التي ولد فيها ، وهي أرض الكلدانيين يعنون أرض بابل . وهذا هو الصحيح المشهور عند أهل السير والتواريخ والأخبار ، وصحح ذلك الحافظ ابن عساكر ، بعدما روى من طريق هشام بن عمار ، عن الوليد ، عن سعيد بن عبد العزيز ، عن مكحول ، عن ابن عباس قال : ولد إبراهيم بغوطة دمشق ، في قرية يقال لها برزة ، في جبل يقال له قاسيون . ثم قال: والصحيح أنه ولد ببابل . وإنما نسب إليه هذا المقام لأنه صلى فيه إذ جاء مُعيناً للوط عليه السلام(١) . قالوا : فتزوج إبراهيم سارّة، وناحور ((ملكا)) ابنة هاران يعنون ابنة أخيه. قالوا : وكانت سارة عاقراً لا تلد . قالوا : وانطلق تارَخ بابنه إبراهيم وامرأته سارة وابن أخيه لوط بن هارَان ، فخرج بهم من أرض الكلدانيين إلى أرض الكنعانيين ، فنزلوا حرَّن فمات فيها تارخ وله مائتان وخمسون سنة ، وهذا يدل على أنه لم يولد بحَرَّان ، وإنما مولده بأرض الكلدانيين وهي أرض بابل وما والاها . ثم ارتحلوا قاصدين أرض الكنعانيين ، وهي بلاد بيت المقدس ، فأقاموا بحرَّان وهي أرض الكلدانيين في ذلك الزمان ، وكذلك أرض الجزيرة والشام أيضاً . وكانوا يعبدون الكواكب السبعة ، والذين عمروا مدينة دمشق كانوا على هذا الدِّين ، يستقبلون القطب الشمالي ويعبدون الكواكب السبعة بأنواع من الفَعَال والمقَال . ولهذا كان على كل باب من أبواب دمشق السبعة القديمة هيكل لكوكب منها ، ويعملون لها أعياداً وقرابين . وهكذا كان أهل حرَّان يعبدون الكواكب والأصنام وكل من كان على وجه (١) تهذيب تاريخ ابن عساكر ١٣٧/٢. - ١٥٦ - الأرض كانوا كفاراً ، سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط عليهم السلام ! ● وكان الخليل عليه السلام هو الذي أزال الله به تلك الشرور ، وأبطل به ذاك الضلال ، فإن الله سبحانه وتعالى آتاه رُشْده في صِغره، وابتعثه رسولاً واتَّخِذَه خليلاً في كِبَره ، قال الله تعالى: ﴿ ولقد آتينا إبراهيمَ رُشْدَه من قَبْلُ وكَنَّا به عالمين﴾(١) أي كان أهلاً لذلك . وقال تعالى: ﴿وإبراهيمَ إذْ قال لقومه اعبدوا الله واتَّقوه ، ذلكم خيرٌ لكم إنْ كنتم تعلمون ﴾ إنما تعبدون من دون الله أوثاناً وتَخْلقون إِفْكاً ، إنَّ الذين تَعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزقَ واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون * وإنْ تُكَذِّبوا فقد كذَّب أممٌ من قَبَلكم ، وما على الرسولِ إلا البلاغُ المبين = أولم يروا كيف يُبدىء الله الخلق ثم يعيده إنَّ ذلك على الله يسير . قُلْ سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلقَ ثم اللهُ يُنْشىء النشأةَ الآخرة ، إنَّ الله على كل شيء قدير = يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تُقْلَبون . وما أنتم بِمُعْجزين في الأرض ولا في السماءِ ، وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير . والذين كَفَروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم . فما كان جوابَ قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حَرِّقوه ، فأنجاه الله من النارِ ، إِنَّ في ذلك لآياتٍ لقوم يؤمنون . وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودَّةً بَيْنِكم في الحياة الدنيا ، ثم يوم القيامة يَكْفر بعضكم ببعض وَيَلْعِنُ بعضكم بعضاً ، ومأواكم النارُ وما لكم من ناصرين . فآمن له لوطٌ وقال إني مهاجرٌ إلى ربِّي إنه هو العزيز الحكيم . ووهبْنا له إسحقَ ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوةَ والكتاب ، وآتيناه أجْرَه في الدنيا ، وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾(٢) ثم ذكر تعالى مناظرته لأبيه وقومه كما سنذكره إن شاء الله تعالى . وكان أول دعوته لأبيه ، وكان أبوه ممن يعبد الأصنام ، لأنه أحق الناس (١) سورة الأنبياء ٥٨ . (٢) سورة العنكبوت ١٦ - ٢٧ . - ١٥٧ - بإخلاص النصيحة [ له ](١) كما قال تعالى: ﴿واذكر في الكتاب إبراهيمَ إنه كان صِدِّيقاً نبيًّا . إذ قال لأبيه يا أبتِ لم تَعْبُد ما لا يَسمع ولا يُبصر ولا يُغْني عنكَ شيئاً . يا أبتِ إني قد جاءني من العلم ما لم يَأْتِكَ فاتَّبعني أُهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا . يا أبتِ لا تَعبد الشيطان إنّ الشيطان كان للرحمن عَصِيًّا . يا أبتِ إني أخاف أن يَمسَّك عذابٌ من الرحمَن فَتَكُونَ للشيطانِ وليًّا . قال أراغبٌ أنتَ عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تْته لأَرْجُمَنَّكَ واهجرني مليًّا. قال سلامٌ عليك سأستغفر لك ربِّي إنه كان بي حَفِيًّا . وأعتزلُكُم وما تَدْعُون من دون الله وأدعو ربي، عسى أن لا أكون بدعاء ربِّي شَقِيًّا﴾(٢) . فذكر تعالى ما كان بينه وبين أبيه من المحاورة والمجادلة ، وكيف دعا أباه إلى الحق بألطف عبارة وأحسن إشارة ، بَّن له بُطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاءَ عابدها ولا تبصر مكانه ، فكيف تغني عنه شيئاً أو تفعل به خيراً من رزق أو نَصر ؟ ثم قال [ له ](٣) منبهاً على ما أعطاه الله من الهدى والعلم النافع وإن كان أصغر سناً من أبيه: ﴿ يا أبت إني قد جاءفي من العِلم ما لم يأتك فاتبعني أَهْدِكَ صراطاً سويًّا ﴾ أي مستقيماً واضحاً سهلاً حنيفاً يُفْضِي بك إلى الخير في دنياك وأخْرَاك . فلما عَرض هذا الرشدَ عليه وأهْدى هذه النصيحة إليه ، لم يقبلها منه ولا أخذها عنه ، بل تهدده [ وتوعده ](٤) ﴿ قال: أراغِبٌ أنت عن آلهتي يا إبراهيم ؟ لئن لم تَنْتَه لأرجمنك﴾ قيل بالمقال وقيل بالفَعَال. ﴿ واهجرني مليًّا﴾ أي واقطعني وأطل هجراني . فعندها قال له إبراهيم: ﴿ سلامُ عليك ﴾ أي لا يصلك مني مكروه ولا ينالك مني أذى ، بل أنت سالم من ناحيتي . وزاده خيراً فقال: ﴿سأستغفر لك ربي إنه كان بي حَفِيًّا﴾. قال ابن عباس وغيره: أي لطيفاً ، يعني في أنْ هداني (١) سقطت من ((أ)) . (٢) سورة مريم ٤١ - ٤٨ . (٣) من ((أ)). (٤) ليست في ((أ)). - ١٥٨ - لعبادته والإخلاص له . ولهذا قال: ﴿وأعتزلكم: وما تَدْعون من دونِ الله وأدعو ربي ، عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيًّا﴾. وقد استغفر له إبراهيم عليه السلام كما وعده في أدعيته ، فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه [ كما قال تعالى: ﴿ وما كان استغفارُ إبراهيم لأبيه إلا عن مَوْعِدة وعدَها إياه ، فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه ](١) إن إبراهيم لأوّاه حليم﴾(٢). وقال البخاري : حدثنا إسماعيل بن عبد الله ، أخبرني أخي عبد الحميد ، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المَقْبُرِيّ، عن أبي هريرة عن النبي عَّه قال: ((يَلْقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قَتْرَةٌ(٣) وغَبَرَة ، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني ؟ فيقول أبوه (٤): فاليومَ لا أعصيك ، فيقول إبراهيم : يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يُبعثون فأيُّ خِزْيٍ أخرَى من أبي الأَبْعَد ؟ فيقول الله : إني حرَّمت الجنة على الكافرين . ثم يقال : يا إبراهيم ما تحت رجليك ؟ فينظر فإذا هو بِذِيخ (٥) متلطخ ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار)). هكذا رواه في قصة إبراهيم منفرداً (٦). وقال في التفسير : وقال إبراهيم بن طَهْمَان عن ابن أبي ذئب (٧)، عن سعيد المقبري ، عن أبيه عن أبي هريرة (٨) . وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن حفص بن عبد الله ، عن أبيه ، عن إبراهيم ابن طهمان به . وقد رواه البزار من حديث حماد بن سلمة عن أيوب ، عن محمد بن سبين، عن أبي هريرة عن النبي عَُّله بنحوه، وفي سياقه غرابة، ورواه أيضاً من حديث قتادة عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد عن النبي عبد الله بنحوه. (١) سقطت من ((أ)) . (٢) سورة التوبة ١١٤ . (٣) القترة والغبرة : الغبار . (٤) المطبوعة: فيقول له أبوه. ولفظ ((له)) ليس في ((أ)) ولا في صحيح البخاري. (٥) الذيخ: الضبع الكثير الشعر. وقد وقعت في طبعتنا السابقة: ((بذبح)) محرفة. وبهذا التحريف نقلها (٦) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق ١٠٦/٢ (ط الأميرية ). المزورون ! (٧) المطبوعة : ابن أبي ذؤيب محرفة . (٨) كتاب التفسير من صحيح البخاري ٣٤٨/٢ (ط الأميرية). - ١٥٩ - وقال تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيمُ لأبيه آزَرَ أتْتخذُ أصناماً آلهةً إني أراك وقومَك في ضلال مبين﴾. هذا يدل على أن اسم أبي إبراهيم آزر، وجمهور أهل النسب ، منهم ابن عباس ، على أن اسم أبيه تارح . وأهل الكتاب يقولون تارخ بالخاء المعجمة [ فقيل: إنه لقب بصنم كان يعبده اسمه آزر ](١) !. وقال ابن جرير : والصواب أن اسمه آزر ولعل له اسمان علمان ، أو أحدهما لقب والآخر علم . وهذا الذي قاله محتَمَل . والله أعلم . ثم قال تعالى: ﴿ وَكذلك نُرِي إبراهيمَ مَلَكُوتَ السمواتِ والأرض وليكونَ من الموقنين . فلما جَنَّ عليه الليلُ رأى كوكباً قال هذا ربِّي ، فلما أفلَ قال لا أحبُّ الآفلين . فلمَّا رأى القمرَ بازغاً قال هذا ربي ، فلما أفَلَ قال لئن لم يَهْدني ربِّي لأكونَنَّ من القومِ الضَّالِّين . فلما رأى الشمسَ بازِغَةٌ قال هذا ربي هذا أكبر ، فلما أَفَلَتْ قال يا قوم إني بريءٌ مما تشركون. إنِّي وجَّهْتُ وَجْهِي للذي فطرَ السمواتِ والأرضَ حنيفاً وما أنا من المشركين . وحاجَّه قومُه قال أتحاجُّوني في اللهِ وقد هَدَانٍ ؟ ولا أخاف ما تُشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً ، وسِع ربي كلَّ شيء علماً ، أفلا تتذكرون . وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم يُنَزِّل به عليكم سلطاناً فأيُّ الفريقين أحقُّ بالأمن إنْ كنتم تعلمون . الذين آمنوا ولم يَلْبسوا إيمانَهم بِظُلْم أولئك لهم الأمنُ وهم مهتدون . وتلك حُجتنا آتيناها إبراهيمَ على قومه نَرْفَعُ درجاتٍ من نشاء إنّ ربك حكيم عليم ﴾(٢) . وهذا المقام مقام مناظرة لقومه ، وبيان لهم أن هذه الأجرام المشاهدةَ من الكواكب النّيِّرة ، لا تصلح للألوهية ، ولا أن تُعبد مع الله عز وجل، لأنها مخلوقة مَرْبُوبَة مصنوعة ومدبَّرة مسخُّرة، تَطْلع تارة وتأُفِلُ أخرى ، فتغيب عن هذا العَالم ، (١) ليست في (( أ)) . (٢) سورة الأنعام ٧٥ - ٨٣ . - ١٦٠ -