النص المفهرس
صفحات 61-80
.وذكرنا الأحاديث والآثار مستقصاة بأسانيدها وألفاظ متونها ، فمن أراد تحريره فليراجعه ثم ، والله أعلم . فأما الحديث الذي رواه أحمد : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا جرير - يعني ابن حازم ـ عن كلثوم بن جبر ، عن سعيد بن جُبَير ، عن ابن عباس عن النبي عَّم قال: إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنُعْمَانَ يومَ عرفة ، فأخرج من صُلْبه كلَّ ذرية ذرأها فنثرها بين يديه ثم كلمهم قُبُلاً (١) قال : ﴿ ألستُ بربّكم ؟ قالوا بلى ، شَهِدْنَا ، أن تقولوا يومَ القيامةِ إنا كنا عن هذا غافلين . أو تقولوا إنما أَشْرك آباؤنا مِن قبلُ وكنا ذريةً من بَعْدِهم ، أَفَتُهْلِكُنا بما فَعل المُبْطِلون﴾(٢) . فهو بإسناد جيد قوي على شرط مسلم ، رواه النسائي وابن جرير(٣) والحاكم في مستدركه من حديث حسين بن محمد المروَزِيّ به . وقال الحاكم : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، إلا أنه اختُلِفَ فيه على كلثوم بن جبر ، فروى عنه مرفوعاً وموقوفاً ، وكذا روى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفاً. وهكذا رواه العَوْفي والوالِيُّ والضحاك وأبو جَمْرة ، عن ابن عباس قوله . وهذا أكثر وأثبت والله أعلم. وهكذا روى عن عبد الله بن عمر موقوفاً ومرفوعاً والموقوف أصح . واستأنس القائلون بهذا القولـــوهو أخذ الميثاق على الذُّرية وهم الجمهور - بما قال الإِمام أحمد : حدثنا حجاج ، حدثني شُعبة ، عن أبي عمران الجَوْني عن أنس بن مالك، عن النبي عَ لّم قال: ((يقال للرجل من أهل النار يومَ القيامة: لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مُفْتدياً به ؟ قال : فيقول نعم . فيقول قد أردتُ منك ما هو أَهْونُ من ذلك ، قد أخذتُ عليك في ظَهْرِ آدم أن لا تُشرك بي شيئاً ، فأبيتَ إلا أن تشرك بي )). (١) القبل : محركة وبضمتين: العِيَان والمقابلة . (٢) سورة الأعراف ١٧٢، ١٧٣ والحديث في مسند أحمد ٢٧٢/١ . (٣) تاريخ الطبري ١٣٤/١ (ط دار المعارف). - ٦١ - أخرجاه من حديث شعبة به(١) . وقال أبو جعفر الرازي : عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أُبَيِّ بن كعب ، في قوله تعالى: ﴿وإذْ أخذ ربِّك من بني آدم من ظُهورهم ذريتهم .. ﴾ الآية والتي بعدها . قال : فجمعهم يومئذ جميعاً ما هو كائن منه إلى يوم القيامة ، فخلقهم ثم صوَّرهم ثم استنطقهم فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق ، وأشهد عليهم أنفسهم : ﴿ ألست بربكم ؟ قالوا: بلى .. ﴾ الآية . قال : فإني أُشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع ، وأُشهد عليكم أباكم آدم ، أن لا تقولوا يوم القيامة: لم نَعلم بهذا ، اعلموا أنه لا إله غيري ولا ربَّ غيري ، ولا تشركوا بي شيئاً ، وإني سأرسل إليكم رسلاً ينذرونكم عهدي وميثاقي ، وأُنزل عليكم كتابي . قالوا : نشهد أنك ربنا وإلهنا ، لا ربَّ لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك . فأقرُّوا يومئذ بالطاعة . ورفع أباهم آدمَ فنظر إليهم ، فرأى فيهم الغنيَّ والفقير ، وحسَن الصورة ودونَ ذلك ، فقال : يا رب لو سَوَيتَ بين عبادك ؟! فقال : إني أحببت أن أُشْكر . ورأى فيهم الأنبياء مثلَ السُّرُج عليهم النور ، وخُصُّوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة، فهو الذي يقول الله تعالى: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقَهم ومنكَ ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم، وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ﴾(٢) وهو الذي يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَك للدِّينِ حَنيفاً فِطْرةَ الله التي فَطَر الناسَ عليها لا تبديلَ لِخَلْق الله ﴾(٣) وفي ذلك قال: ﴿هذا نذيرٌ من النذُّر الأولى﴾(٤) وفي ذلك قال : (١) مسند أحمد ١٢٧/٣، ١٢٩. ونحوه في صحيح البخاري كتاب بدء الخلق باب قول الله تعالى : ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ ١٠٣/٢ (ط الأميرية). (٢) سورة الأحزاب ٨ . (٤) سورة النجم ٥٧ . (٣) سورة الروم ٣١. - ٦٢ - وما وَجَدْنا لِأكثرهم من عهدٍ، وإن وجدنا أكْثَرَهُمْ لَفَاسقين﴾(١). رواه الأئمة : عبد الله بن أحمد وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه ، في تفاسيرهم من طريق أبي جعفر ، وروى عن مجاهد وعِكْرمة وسعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة والسُّدي ، وغير واحد من علماء السلف بسياقات توافق هذه الأحاديث . وتقدم أنه تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم ، امتثلوا كلُّهم الأمر الإلهي ، وامتنع إبليس من السجود له حسداً وعداوة له ، فطرده الله وأبعده وأخرجه من الحضرة الإلهية ونفاه عنها ، وأهبطه إلى الأرض طريداً ملعوناً شيطاناً رجيماً . وقد قال الإِمام أحمد : حدثنا وكيع ، ويعلى ومحمد أنبأنا(٢) عبيد(٣) ، قالوا حدثنا الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له((إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد ، اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله : أمر ابنُ آدم بالسجود فسجد فله الجنة ، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار !))(٤). ورواه مسلم من حديث وكيع وأبي معاوية عن الأعمش به(٥) . ثم لما أسكن آدم الجنةَ التي أسكنها ، سواء أكانت في السماء أم(٦) في الأرض على ما تقدم من الخلاف فيه ، أقام بها هو وزوجته حواء عليهما السلام ، يأكلان منها رغداً حيث شاءا ، فلما أكلا من الشجرة التي نُهيا عنها سُلبَا ما كانا فيه من اللباس وأُهْبطا إلى الأرض . وقد ذكرنا الاختلاف في مواضع هبوطه منها . واختلفوا في مقدار مُقَامه في الجنة : فقيل بعضُ يومٍ من أيام الدنيا ، وقد (١) سورة الأعراف ١٠٢ . (٢) ((أ)): حدثنا عبيد. (٣) وقعت في طبعتنا السابقة: ابنا عبيد. محرفة نقلاً من ((ط)) والتصويب من المسند. (٤) مسند أحمد ٤٤٣/٢ . (٦) ((أ)) : أو . (٥) صحيح مسلم كتاب الإِيمان حديث رقم ١٢٣ . - ٦٣ - قدمنا ما رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً: ((وخُلق آدم في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة)) وتقدم أيضاً حديثه عنه، وفيه ـ يعني يوم الجمعة - خُلق آدم ، وفيه أُخرج منها . فإن كان اليوم الذي خُلق فيه فيه أُخرج - وقلنا إن الأيام الستة كهذه الأيام - فقد لبثَ بعضَ يوم من هذه ، وفي هذا نظر . وإن كان إخراجه في غير اليوم الذي خُلق فيه ، أو قلنا بأن تلك الأيام مقدارها ستة آلاف سنة كما تقدم عن ابن عباس ومجاهد والضحاك واختاره ابن جرير فقد لبث هناك مدةً طويلة . قال ابن جرير : ومعلوم أنه خلق في آخر ساعة من يوم الجمعة ، والساعة منه ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر ، فمكث مصوَّراً طيناً قبل أن يُنفخ فيه الروح أربعين سنة، وأقام في الجنة قبل أن يهبط ثلاثاً وأربعين سنة وأربعة أشهر، والله تعالى أعلم(١). وقد روى عبد الرزاق ، عن هشام بن حسان ، عن سِوَار خبرَ عطاء بن أبي رَاح: أنه كان لمَّا أُهبط رجلاه في الأرض ورأسه في السماء ، فحطّه الله إلى ستين ذراعاً . وقد روى عن ابن عباس نحوه . وفي هذا نظر ، لما تقدم من الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة أن رسول الله عَ له قال: ((إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعاً، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن )) وهذا يقتضي أنه خُلق كذلك لا أطول من ستين ذراعاً ، وأن ذريته لم يزالوا يتناقص خَلْقهم حتى الآن . وذكر ابن جرير عن ابن عباس: أن الله قال : يا آدم إن لي حَرماً بحيال عرشي ، فانطلقْ فابنٍ لي فيه بيتاً ، فطُفْ به كما تطوف ملائكتي بعرشي. وأرسل الله له ملكاً فعرّفه مكانه وعلَّمه المناسك ، وذكر أن موضع كل خطوة خطاها آدم صارت قَرْيَةً(٢) بعد ذلك . وعنه : أن أول طعام أكله آدم في الأرض ، أن جاءه جبريل بسبع حبات من (١) تاريخ الطبري ١١٨/١ (ط أوربا). (٢) وقع في طبعتنا السابقة: قربة والصواب ما أثبتناه كما في سبل الهدى ١٧١/١ بتحقيقنا . - ٦٤ - حنطة ، فقال : ما هذا ؟ قال : هذا من الشجرة التي نُهِيتَ عنها فأكلتَ منها فقال : وما أصنع بهذا ؟ قال : ابذره في الأرض ، فبذره . وكان كل حبة منها زِنتها أزيد من مائة ألف ، فنبتت فحصده ، ثم دَرَسه ثم ذرَّه ، ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه فأكله بعد جهد عظيم وتعب ونكد ، وذلك قوله تعالى: ﴿ فلا يُخْرِجَنَّكُمَا من الجنة فَتَشْفَى ﴾ . وكان أول كسوتهما من شعر الضأن : جَزَّه ثم غزلاه ، فنسج آدم له جبة ولحواء دِرْعاً وخماراً . واختلفوا : هل ولد لهما بالجنة شيء من الأولاد ؟ فقيل : لم يولد لهما إلا في الأرض ، وقيل بل ولد لهما فيها ، فكان قابيل وأخته ممن ولد بها والله أعلم . وذكروا أنه كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى ، وأمر أن يزوج كلَّ ابنٍ أختَ أخيه(١) التي وُلدت معه، والآخر بالأخرى، وهلم جرًّا، ولم تكن تحلّ أختٌ لأخيها الذي ولدت معه . (١) مطبوعة البداية والنهاية : أخت أخته . وهو تحريف . - ٦٥ - ذكر قصة ابنَيْ آدم : قابيل وهابيل قال الله تعالى: ﴿ واثُلُ عليهم نَبأ ابْنَيْ آدَمَ بالحق، إذ قَرَّبا قُرباناً فَتُقُبِّل مِنْ أحدهما ولم يُتَقَبَّل من الآخر ، قال لأقتلنَّك ، قال: إنما يتقبلُ اللهُ من المتقين » لئن بَسَطْتَ إلّ يدك لِتَقْتُلَني، ما أنا بباسِطِ يَدِيَ إليك لأقْتُلَكَ ، إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين * إني أريدُ أن تَبُوءَ بإثمي وإنمك فتكونَ من أصحاب النار ، وذلك جزاء الظالمين ، فطَوَّعَتْ له نفسهُ قتلَ أخيه فقتله فأصبحَ من الخاسرين ﴾ فَبَعث الله غُراباً يبحثُ في الأرضِ لِيُرِه كيف يوارِي سوأةً أخيه ، قال يا ويلَتِي أَعجَزْتُ أن أكونَ مثلَ هذا الغراب ، فأوارِيَ سَوْأةً أخي ، فأصبحَ من النادمينَ ﴾(١) . وقد تكلمنا على هذه القصة في سورة المائدة في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد . ولنذكر هنا ملخص ما ذكره أئمة السلف في ذلك . فذكر السُّدي عن أبي مالك وأبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مُرَّة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة ، أن آدم كان يزوِّج ذكر كلِّ بطنٍ بأنثى الآخر (٢) وأن هابيل أراد أن يتزوج بأخت قابيل ، وكان أكبر من هابيل وأخت قابيل أحسن ، فأراد قابيل(٣) أن يستأثر بها على أخيه ، وأمره آدم عليه السلام أن يزوجه إياها فأبى، فأمرهما ن يقربا قرباناً ، وذهب آدم ليحج إلى مكة ، واستحفظ السموات على بنيه فأبَيْنَ ، والأرضين والجبالَ فأبين ، فتقبَّلَ قابيل بحفظ ذلك . فلما ذهب قَرّبا قربانهما ، فقرَّب هابيلُ جَذْعة سمينة ، وكان صاحب غنم ، (١) سورة المائدة ٣١ - ٣٥ . (٢) المطبوعة : الأخرى. (٣) مطبوعة البداية والنهاية : هابيل . وهو تحريف . - ٦٦ - وقرب قابيل حزمة من زرع رديء زرعه ، فنزلت نارٌ فأكلت قربانَ هابيل وتركت قربان قابيل ، فغضب وقال : لأقتلنك حتى لا تنكح أختي ، فقال : إنما يتقبل الله من المتقين . وروي عن ابن عباس من وجوه أخر ، وعن عبد الله بن عمرو . وقال عبد الله ابن عمرو : وأيم الله إنْ كان المقتول لأشدَّ الرجلين ، ولكن منعه التحرُّج أن يبسط إليه يده ! وذكر أبو جعفر الباقر أن آدم كان مباشراً لتقريبهما القربانَ والتقبُّلَ من هابيل دون قابيل ، فقال قابيل لآدم : إنما تُقُبِّل منه لأنك دعوتَ له ولم تَدْعُ لي . وتوعد أخاه فيما بينه وبينه . فلما كان ذات ليلة أبطأ هابيل في الرعي ، فبعث آدمُ أخاه قابيل لينظر ما أبطأ به(١) ، فلما ذهب إذا هو به ، فقال له : تُقبِّل منك ولم يتقبل مني . فقال : إنما يتقبل الله من المتقين . فغضب قابيل عندها وضربه بحديدة كانت معه فقتله . وقيل: إنه إنما قتله بصخرة رماها على رأسه وهو نائم فشدَخَتْه . وقيل : بل خنقه خنقاً شديداً وعضه كما تفعل السباع ، فمات والله أعلم . وقوله له لمَّا توعده بالقتل: ﴿ لئن بَسَطْتِ إلَّ يَدك لتقتلني، ما أنا يباسِطِ يَدِيَ إليك لِأَقْتُلَكَ، إني أخاف الله ربَّ العالمين﴾ دلَّ على خُلق حسن ، وخوفٍ من الله تعالى وخشية منه(٢)، وتورّع أن يقابل أخاه بالسوء الذي أراد منه أخوه مثله . ١ ولهذا ثبت في الصحيحين عن رسول الله عَ ل أنه قال: ((إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار . قالوا يا رسول الله هذا القاتل ، فما بال المقتول ؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه))(٣)). (١) ((أ)): ما بطأ. (٢) ((أ)) : وخشية الله . (٣) صحيح البخاري كتاب الفتن باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما ٢٢٥/٤ بحاشية السندي. وصحيح مسلم كتاب الفتن باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما ٥٥١/٢ (ط الحلبي). - ٦٧ - وقوله : ﴿ إني أريد أن تُبُوء بإنمي وإنمك فتكونَ من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين ﴾ أي إني أريد [ من ] ترك مقاتلتك وإن كنتُ أشدَّ منك وأقوى ، إذ قد عزمتَ على ما عزمتَ عليه ، أن تُبُوء بإثمي وإنمك، أي تتحمل إثم قتلي(١) مع ما لَكَ من الآتام المتقدمة قبل ذلك . قاله مجاهد والسُّدي وابن جرير وغير واحد . وليس المراد أن آثام المقتول تتحول بمجرد قتله إلى القاتل كما قد توهمه بعض الناس(٢)، فإن ابن جرير حكى الإجماع على خلاف ذلك . وأما الحديث الذي يورده بعض من لا يعلم عن النبي عَّم أنه قال: ((ما ترك القاتلُ على المقتول من ذنب)) فلا أصل له ، ولا يعرف في شيء من كتب الحديث بسند صحيح ولا حسن ولا ضعيف أيضاً (٣). ولكن قد يتفق في بعض الأشخاص يوم القيامة ، أن يطالِب المقتولُ القاتلَ فتكون حسنات القاتل لا تفي بهذه المظلمة فتحوَّل من سيئات المقتول إلى القاتل ، كما ثبت به الحديث الصحيح في سائر المظالم ، والقتلُ من أعظمها . والله أعلم . وقد حررنا هذا كله في التفسير ، ولله الحمد . وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي ، عن سعد بن أبي وقاص ، أنه قال عن فتنة عثمان بن عفان: أشهد أن رسول الله عَ لّم قال: ((إنها ستكون فتنة، القاعدُ فيها خير من القائم ، والقائم خير من الماشي ، والماشي خير من الساعي )). قال : أفرأيت إن دخل علّ بيتي فبسطَ يدَه إليّ ليقتلني . قال: ((كن كابن آدم))(٤). ورواه ابن مردويه عن حذيفة بن اليمان مرفوعاً، وقال: (( كن كخير ابنَيْ آدم)) (١) ((أ)): إثم مقاتلتي. (٢) ((ط)): بعض من قال. (٣) نقل ذلك العجلوني في كشف الخفا ١٨٤/٢ عن ابن كثير كما نقل عن ابن حجر : قوله: هو حديث لا يعرف أصلاً ولا بإسناد ضعيف ، ومعناه صحيح . (٤) مسند أحمد ١٨٥/١ وسنن الترمذي حديث رقم ٢١٩٤ . - ٦٨ - وروى مسلم وأهل السنن إلا النسائي عن أبي ذرّ نحو هذا . وأما الآخر فقد قال الإِمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ووكيع ، قالا (١) : حدثنا الأعمش ، عن عبد الله بن مُرَّة ، عن مسروق ، عن ابن مسعود ، قال رسول الله عَ ◌ّه: ((لا تُقْتَل نفسٌ ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كِفْل من دمها، لأنه كان أول من سَنَّ القتل)). ورواه الجماعة سوى أبي داود من حديث الأعمش به . وهكذا روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص وإبراهيم النَّخَعِي أنهما قالا مثلَ هذا سواء . وبجبل قاسيون شمالي دمشق مغارة يقال لها مغارة الدم ، مشهورة بأنها المكان الذي قتل قابيل أخاه هابيل عندها ، وذلك مما تلقَّوه عن أهل الكتاب . فالله أعلم بصحة ذلك . وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة أحمد بن كثير - وقال إنه كان من الصالحين - أنه رأى النبي عَ لّه وأبا بكر وعمر وهابيل، وأنه استحلف هابيل أن هذا دمه فحلف له ، وذكر أنه سأل الله أن يجعل هذا المكان يستجاب عنده الدعاء ، فأجابه إلى ذلك، وصَّقه في ذلك رسول الله عَ لّه وقال: إنه وأبا بكر وعمر يزورون هذا المكان في كل يوم خميس(٢). وهذا منام لو صح عن أحمد بن كثير هذا ، لم يترتب عليه حكم شرعي . والله أعلم(٣) . وقوله تعالى: ﴿فبعثَ الله غراباً يَبْحَثُ فِي الأَرْض ◌ِيُرِيَهُ كيف يوارِي سَوْأَةٌ (١) وقعت في طبعتينا السابقتين : قالا قال حدثنا الأعمش . وهو تحريف والحديث رواه أحمد في مسنده من طريق أبي معاوية ومن طريق وكيع عن الأعمش. المسند ٣٨٣/١، ٤٣٣. (٢) تهذيب ابن عساكر ٤٤١/١ . (٣) كان الأولى بابن كثير أن يعرض عن ذكر هذا المنام الذي لا يلزم أحداً تصديقه ، وكما قال لا يترتب عليه حكم شرعي ، لكن فيه مظنة أن يتوهم العوام أن زيادة هذه المغارة أمر مستحب وأن الدعاء مستجاب فيها ! - ٦٩ - أخيه ، قال : يا ويلَتَي أَعَجَزْتُ أن أكونَ مثلَ هذا الغراب، فأواريَ سوأة أخي فأصبح من النادمين ﴾ ذكر بعضهم أنه لما قتله حمله على ظهره سنة ، وقال آخرون حمله مائة سنة ! ولم يزل كذلك حتى بعث الله غرابين . قال السُّدي بإسناده عن الصحابة : أخوين ، فتقاتلا فقتل أحدُهما الآخر ، فلما قتله عمد إلى الأرض يحفر له فيها ثم ألقاه ودفنه وواراه ، فلما رآه يصنع ذلك قال : يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي . ففعل مثل ما فعل الغراب فواراه ودفنه . وذكر أهل التواريخ والسير أن آدم حزن على ابنه هابيل حزناً شديداً ، وأنه قال في ذلك شعراً ، وهو قوله فيما ذكره ابن جرير عن ابن حميد(١) : فَوَجْهُ الأرضِ مُعْبــرٌّ قِبِيحُ تَغَيَّرت البلادُ ومَنْ عليها وقلَّ بشاشةُ الوجهِ المليحِ تغيَّر كلٍّ ذي لوٍ وطَعْم فأجيب آدم : وصار الحيُّ كالميْت الذبيحِ ! أبا قابيلَ(٢) قد قُتلا جميعاً على خوفٍ فجاء بها يصيحُ وجاء بشرّة قد كان منها وهذا الشعر فيه نظر(٣) . وقد يكون آدم عليه السلام قال كلاماً يتحزّن به بِلُغَته ، فَأَلَّفه بعضهم إلى هذا ، وفيه أقوال والله أعلم . وقد ذكر مجاهد أن قابيل عوجل بالعقوبة يوم قتل أخاه ، فعلقت ساقه إلى فخذه ، وجعل وجهه إلى الشمس كيفما دارت ، تنكيلاً به وتعجيلاً لذنبه وبَغْيه وحسده لأخيه لأبويه . وقد جاء في الحديث عن رسول الله عَ لّم أنه قال: (( ما من ذنب أجْدَر أن يعجّل الله عقوبته في الدنيا مع ما يُدَّخر لصاحبه في الآخرة من البَغْيِ وقطيعةِ الرَّحِمِ))(٤) . (١) تاريخ الطبري ١٤٥/١ (ط دار المعارف ). (٢) ((ط)) : هابيل . (٣) بل هو موضوع مصنوع ولم تكن العربية لغة آدم عليه السلام. (٤) سنن الترمذي كتاب صفة القيامة حديث رقم ٢٥١١ ومسند أحمد ٣٦/٥، ٣٨. - ٧٠ - والذي رأيته في الكتاب الذي بأيدي أهل الكتاب الذين يزعمون أنه التوراة : أن الله عز وجل أجَّله وأنْطَره، وأنه سكن في أرض ((نود)) في شرقي عدن وهم يسمونه قنين . وأنه ولد له خنوخ ، ولخنوخ عندر ، ولعندر محوايل ، ولمحوايل متوشيل ، ولمتوشيل لامك. وتزوج هذا امرأتين: عدا وصلا. فولدت (( عدا)) ولداً اسمه ابل ، وهو أول من سكن القباب واقتنى المال . وولدت أيضاً توبل ، وهو أول من أخذ في ضرب الونج والصنج (١). وولدت ((صلا)) ولداً اسمه توبلقين ، وهو أول من صنع النحاس والحديد، وبنتاً اسمها ((نعمى)). وفيها أيضاً أن آدم طاف على امرأته فولدت غلاماً ودعت اسمه ((شيث)) وقالت من أجل أنه قد وهب لي خلفاً من هابيل الذي قتله قابيل(٢). وولد لشيث أنوش. قالوا : وكان عمر آدم يوم ولد له شيث مائة وثلاثين سنة ، وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة ، وكان عُمر شيث يوم ولد له أنوش مائة وخمساً وستين(٣)، وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وسبع سنين . وولد له بنون وبنات غير أنوش . فولد لأنوش (( قينان)) وله من العمر تسعون سنة ، وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وخمس عشر سنة ، وولد له بنون وبنات . فلما كان عمر قينان سبعين سنة ولد له مهلاييل ، وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وأربعين سنة ، وولد له بنون وبنات . فلما كان لمهلاييل من العمر خمس وستون سنة ولد له ((يرد )) وعاش بعد ذلك ثمانمائة وثلاثين سنة وولد له بنون وبنات . فلما كان ليرد مائة سنة واثنتان وستون سنة ولد له ((خنوخ)) وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وولد له بنون وبنات . فلما كان لخنوخ خمس وستون سنة ولد له ((متوشلخ))، وعاش بعد ذلك (١) الونج محركة ضرب من الأوتار أو العود أو المعزف. والصنج شيء يتخذ من صفر يضرب أحدهما على الآخر وآلة بأوتار يضرب بها . (٢) ((أ)) : قاين. (٣) ((أ)) : مائة وخمسين سنة. - ٧١ - ثمانمائة سنة ، وولد له بنون وبنات . فلما كان لمتوشلخ مائة وسبع وثمانون سنة ولد له ((لامك)) وعاش بعد ذلك سبعمائة واثنتَيْن وثمانين سنة وولد له بنون وبنات . فلما كان للامك من العمر مائة واثنتان وثمانون سنة ولد وله ((نوح )) وعاش بعد ذلك خمسمائة وخمساً وتسعين سنة ، وولد له بنون وبنات . فلما كان لنوح خمسمائة سنة ولد له ينون : سام وحام ويافث . هذا مضمون ما في كتابهم صريحاً . وفي كون هذه التواريخ محفوظة فيما نزل من السماء نظر ، كما ذكره غير واحد من العلماء طاعنين عليهم في ذلك . والظاهر أنها مقحمة فيها ، ذكرها بعضهم على سبيل الزيادة والتفسير . وفيها غلط كثير كما سنذكره(١) في مواضعه إن شاء الله . وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير في تاريخه عن بعضهم : أن حواء ولدت لآدم أربعين ولداً في عشرين بطناً(٢). قاله ابن إسحاق وسماهم والله تعالى أعلم . وقيل مائة وعشرين بطناً في كل واحد ذكر وأنثى ، أولهم قابيل وأخته قليما ، وآخرهم عبد المغيث وأخته أم المغيث . ثم انتشر الناس بعد ذلك وكثروا ، وامتدوا في الأرض ونَمَوْا، كما قال الله تعالى: ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربَّكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زَوْجَها وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً .. ﴾(٣) الآية. وقد ذكر أهل التاريخ أن آدم عليه السلام لم يمت حتى رأى من ذريته من أولاده وأولاد أولاده أربعمائة ألف(٤) نسمة ، والله أعلم. وقال تعالى : ﴿هو الذي خلقكم من نَفْسٍ واحدةٍ وجعل منها زوجَها ليسكُن إليها ، فلما تَغشَّاها حمَلَتْ حَمْلاً خفيفاً فمرَّت به فلما أتْقَلَت دَعوا الله (١) ((أ)): مما سنبينه . (٢) تاريخ الطبري ١٤٥/١ تحقيق أبي الفضل . (٣) سورة النساء ١ . (٤) ((أ)) : أربعمائة نسمة . - ٧٢ - ربِّهما لئن آتيتَنَا صالحاً لَنَكُونَنَّ من الشاكرين ، فلما آتاهما صالحاً جَعَلا له شركاءَ فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون﴾(١) الآيات . فهذا تنبيه أولا بذكر آدم ، ثم استطرد إلى الجنس . وليس المراد بهذا ذكر آدم وحواء ، بل لمّا جرى ذكر الشخص استطرد إلى الجنس كما في قوله تعالى: ﴿ولقد خَلَقْنَا الإِنسانَ من سلالةٍ من طين * ثم جعلناه نُطْفة في قَرار مَكِين﴾(٢) وقال تعالى: ﴿ولقد زَيَّّا السماءَ الدنيا بمصابيحَ وجعلناها رُجُوماً للشياطين﴾(٣) ومعلوم أن رجوم الشياطين ليست هي أعيان مصابيح السماء ، وإنما استطرد من شخصها إلى جنسها . فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا عمر بن إبراهيم ، حدثنا قتادة عن الحسن، عن سَمُرة، عن النبي عَّ المه قال: ((لَمَّا ولدت حواءُ طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد ، فقال سَمِّيه عَبْدَ الحارث فإنه يعيش ، فسمته عبد الحارث فعاش ، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره))(٤) . وهكذا رواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه في تفاسيرهم عند هذه الآية ، وأخرجه الحاكم في مستدركه ، كلهم من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث به ، فقال الحاكم : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وقال الترمذي : حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم . ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه . فهذه علة قادحة في الحديث أنه روي موقوفاً على الصحابي ، وهذا أشبه . والظاهر أنه تلقَّاه من الإسرائيليات ، وهكذا روي موقوفاً عن ابن عباس . والظاهر أن هذا متلقى عن كعب الأحبار وذَوِيه(٥) والله أعلم . وقد فسر الحسن البصري هذه الآيات بخلاف هذا ، فلو كان عنده عن سمرة (١) سورة الأعراف ١٨٩ . (٢) سورة المؤمنون ١٣ . (٣) سورة الملك ٥ . (٤) مسند أحمد ١١/٥ وسنن الترمذي حديث رقم ٣٠٧٧ . (٥) المطبوعة : ودونه . وهو تحريف . - ٧٣ - مرفوعاً لَمَا عَدَل عنه إلى غيره . والله أعلم . وأيضاً فالله تعالى إنما خلق آدم وحواء ليكونا أصلَ البشرِ ، وليبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ، فكيف كانت حواء لا يعيش لها ولدٌ ذَكَر في هذا الحديث إن كان محفوظاً ؟! والمظنون بل المقطوع به أن رَفْعه إلى النبي عَ لِّ خطأ، والصواب وَقْفُه. والله أعلم . وقد حررنا هذا في كتابنا التفسير ولله الحمد . ثم قد كان آدم وحواء أَتَّقَى لله مما ذكر عنهما في هذا ، فإن آدم أبو البشر الذي خلقه الله بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له ملائكته ، وعلَّمه أسماء كل شيء وأسكنه جنته . وقد روى ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر قال : قلت : يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: ((مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً)) قلت : يا رسول الله كم الرسل منهم؟ قال: (( ثلاثمائة وثلاثة عشر جَمٌّ غفير)) قلت يا رسول الله: من كان أولهم؟ قال: آدم. قلت يا رسول الله نبي مرسل؟ قال: ((نعم خلقه الله بيده ثم نفخ فيه من روحه ثم سواه قَبَلاً )) . وقال الطبراني : حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني ، حدثنا شيبان بن فُّوخ ، حدثنا نافع بن هُرمز ، عن عطاء بن رَبَاح ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله عَّ له: (( ألا أخبركم بأفضل الملائكة: جبريل، وأفضل النبيين آدم وأفضل الأيام يوم الجمعة ، وأفضل الشهور شهر رمضان ، وأفضل الليالي ليلة القدر ، وأفضل النساء مريم بنت عمران)) . وهذا إسناد ضعيف ، فإن نافعاً أبا هرمز كذَّبه ابن مَعِين ، وضعَّفه أحمد وأبو زُرْعَة وأبو حاتم وغيرهم والله أعلم . وقال كعب الأحبار : ليس أحد في الجنة له لحَيَةٌ إلا آدم ، لحيته سوداء إلى سُرَّته ، وليس أحد يُكْنى في الجنة إلا آدم ، كنيته في الدنيا أبو البشر وفي الجنة أبو محمد . - ٧٤ - وقد روى ابن عَدِي من طريق شيخ(١) ابن أبي خالد ، عن حماد بن سلمة ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر بن عبد الله مرفوعاً : أهل الجنة يُدْعون بأسمائهم إلا آدم فإنه يكنى أبا محمد . ورواه ابن عدي أيضاً من حديث علي بن أبي طالب وهو ضعيف من كل وجه . والله أعلم . وفي حديث الإسراء الذي في الصحيحين: أن رسول الله عَ لٍّ لما مَرَّ بآدم وهو في السماء الدنيا ، قال له مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح . قال : وإذا عن يمينه أسْودَة(٢) وعن يساره أسودَة ، فإذا نظر عن يمينه ضحك ، وإذا نظر عن شماله بكى فقلت يا جبريل ما هذا؟ قال هذا آدم وهؤلاء نَسم(٣) بَنِيه، فإذا نظر قِبلَ أهل اليمين - وهم أهل الجنة - ضحك، وإذا نظر قِبَل أهل الشمال - وهم أهل النار بكى . وهذا معنى الحديث (٤) . وقال أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثني يزيد بن هارون ، أنبأنا هشام بن حسان عن الحسن قال : كان عَقْل آدم مثل عقل جميع ولده . وقال بعض العلماء في قوله عَّ ◌ُله: ((فمررت بيوسف وإذا هو قد أُعطي شطر الحسْن)) قالوا : معناه أنه كان على النصف من حُسن آدم عليه السلام ، وهذا مناسب ، فإن الله خلق آدم وصوَّره بيده الكريمة ، ونفخ فيه من روحه ، فما كان ليخلق إلا أحسن الأشياء . وقد روينا عن عبد الله بن عَمْروٍ وابن عمر أيضاً موقوفاً ومرفوعاً : أن الله تعالى لما خلق الجنةَ ، قالت الملائكة : يا ربنا اجعل لنا هذه ، فإنك خلقت لبني آدم (١) الأصل: سبح. وهو تحريف. والتصويب من ميزان الاعتدال ٢٨٦/٢ وشيخ هذامتهم بالوضع . (٢) الأسودة : يكنى بها عن الشخص . (٣) النسم : جمع نسمة ، وهي الروح . (٤) صحيح البخاري كتاب الصلاة وكتاب الأنبياء وصحيح مسلم كتاب الإِيمان حديث رقم ٢٦٣ . - ٧٥ - الدنيا يأكلون فيها ويشربون ، فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أجعل صالح ذرية من خلقتُ بيدي كمن قلت له كنْ فكان . وقد ورد الحديث المروي في الصحيحين وغيرهما من طرق : أن رسول الله عَّ المه قال: ((إن الله خلق آدم على صورته))(١) وقد تكلم العلماء على هذا الحديث فذكروا فيه مسالك كثيرة ليس هذا موضع بسطها . والله أعلم . (١) صحيح البخاري كتاب الاستئذان باب رقم ١ (٨٥/٤ بحاشية السندي ) وصحيح مسلم كتاب البر حديث رقم ١٥ ومسند أحمد ٢٤٤/٢، ٢٥١ . - ٧٦ - ذكر وفاة آدم ووصيته إلى ابنه شيث عليه السلام ومعنى شيث ، هِبةَ الله، وسمَّياه بذلك لأنهما رُزقاه بعد أن قُتل هابيل . قال أبو ذر في حديثه عن رسول الله عَ له: ((إن الله أنزل مائة صحيفة وأربع صحف ، على شيث خمسين صحيفة )). قال محمد بن إسحاق : ولما حضرت آدم الوفاة عهد إلى ابنه شيث وعلَّمه ساعات الليل والنهار ، وعلَّمه عبادات تلك الساعات ، وأعلمه بوقوع الطوفان بعد ذلك . قال : ويقال : إن أنساب بني آدم اليوم كلها تنتهي إلى شيث وسائر أولاد آدم غيره انقرضوا وبادوا . والله أعلم . ولما توفي آدم عليه السلام - وكان ذلك يوم الجمعة - جاءته الملائكة بحنوط وكفن - من عند الله عز وجل - من الجنة، وعزَّوا فيه ابنَه ووصيَّه شِيئاً عليه السلام . قال ابن إسحاق : وكسفت الشمس والقمر سبعة أيام بلياليهن . وقد قال عبد الله ابن الإِمام أحمد : حدثنا هُذْبة بت خالد ، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن عُتَيِّ (١) - وهو ابن ضَمْرَة السَّعدي - قال : رأيت شيخاً بالمدينة يتكلم فسألت عنه فقالوا هذا أُبَيُّ بن كعب ، فقال إن آدم لما حضره الموت قال لبنيه: أي بَنِيَّ ! إني أشتهي من ثمار الجنة . قال فذهبوا يطلبون له ، فاستقبلتهم الملائكة ومعهم أكفانه وحنوطه ، ومعهم الفؤوس والمساحي والمكاتل ، فقالوا لهم : يا بني آدم ما تريدون وما تطلبون ؟ أو ما تريدون ؟ وأين تطلبون ؟ قالوا : أبونا مريض واشتهى من ثمار الجنة ، فقالوا لهم : (١) هكذا في مسند أحمد ١٣٦/٥. والمشتبه للذهبي ٤٨٨/٢ وقد وقعت في الأصول محرفة إلى ((يحيى)). - ٧٧ - ارجعوا قد قَضَى أبوكم(١) . فجاءوا فلما رأتهم حواء عرفتهم فلاذت بآدم، فقال : إليكِ عني فإني إنما أتيت من قِبلك ، فَخَلِّي بيني وبين ملائكة ربي عز وجل . فقبضوه وغسلوه وكفنوه وحنطوه ، وحفروا له ولحَدوه ، وصلّوا عليه ثم أدخلوه قبره(٢) فوضعوه في قبره ، ثم حثّوا عليه [التراب](٣) ثم قالوا: يا بني آدم هذه سُنَّتَكم (٤) . إسناد صحيح إليه . وروى ابن عساكر من طريق شيبان بن فُّوخ ، عن محمد بن زياد ، عن ميمون بن مِهْرَان، عن ابن عباس، أن رسول الله عَ لّه قال: ((كُبَّرت الملائكة على آدم أربعاً ، وكبر أبو بكر على فاطمة أربعاً ، وكبر عمر على أبي بكر أربعاً ، وكبر صُهَيب على عمر أربعاً))(٥) . قال ابن عساكر : ورواه غيره عن ميمون فقال عن ابن عمر . واختلفوا في موضع دفنه : فالمشهور أنه دفن عند الجبل الذي أُهبط فيه(٦) في الهند ، وقيل بجبل أبي قُبَيس بمكة . ويقال إن نوحاً عليه السلام لما كان زمن الطوفان حمله هو وحواء في تابوت ، فدفنهما ببيت المقدس . حكى ذلك ابن جرير (٧) وروى ابن عساكر عن بعضهم أنه قال : رأسُه عند مسجد إبراهيم ورجلاه عند صخرة بيت المقدس . وقد ماتت بعده حواء بسنة واحدة . واختلف في مقدار عمره عليه السلام : فقدَّمنا في الحديث عن ابن عباس وأبي هريرة مرفوعاً : أن عمره اكتتب في اللوح المحفوظ ألف سنة . وهذا لا يعارضه ما في التوراة من أنه عاش تسعمائة وثلاثين سنة ، لأن قولهم هذا مطعون فيه مردود ، إذا خالف الحق الذي بأيدينا مما هو المحفوظ عن المعصوم . (١) المسند: قد قضى قضاء أبيكم. (٤) المسند ١٣٦/١. (٥) ذكره أبو نعيم في حلية الأولياء ٩٦/٤ في ترجمته لميمون بن مهران . (٢) المسند : ثم دخلوا قبره . (٦) مطبوعة البداية والنهاية : منه . (٣) من المسند . (٧) تاريخ الطبري ١٦٢/١ - ١٦٣ (ط أوربا). - ٧٨ - وأيضاً فإن قولهم هذا يمكن الجمع بينه وبين ما في الحديث ، فإن ما في التوراة إن(١) كان محفوظاً - محمول على مدة مقامه في الأرض بعد الإِهباط، وذلك تسعمائة [ سنة](٢) وثلاثون سنة شمسية، وهي بالقمرية تسعمائة وسبع وخمسون سنة ، ويضاف إلى ذلك ثلاث وأربعون سنة مدة مقامه في الجنة قبل الإِهباط على ما ذكره ابن جرير وغيره ، فيكون الجميع ألف سنة . وقال عطاء الخرساني: لمَّا مات آدم بكت الخلائق عليه سبعة أيام . رواه ابن عساكر . فلما مات آدم عليه السلام قام بأعباء الأمر بعده ولده شيث عليه السلام وكان نبياً بنص الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه ، عن أبي ذر مرفوعاً أنه ءُ أنزل عليه خمسون صحيفة . فلما حانت وفاته أوصى إلى ابنه يانَش(٣) فقام بالأمر بعده ، ثم بعده ولده قَيْنَن(٤) ثم من بعده ابنه مَهْلَاييل - وهو الذي يزعم الأعاجم من الفرس أنه مَلك الأقاليم السبعة ، وأنه أول من قطع الأشجار ، وبنى المدائن والحصون الكبار . وأنه هو الذي بنى مدينة بابل ومدينة السُّوس الأقصى . وأنه قهر إبليس وجنوده وشرّدهم عن الأرض إلى أطرافها وشعاب جبالها ، وأنه قتل خلقاً من مردة الجن والغيلان ، وكان له تاج عظيم ، وكان يخطب الناس ودامت دولته أربعين سنة . فلما مات قام بالأمر بعده ولده يَرْدُ(٥) فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ولده خَنُوخ ، وهو إدريس عليه السلام على المشهور . (١) ((أ)): إذا. (٢) من ((أ)). (٣) مطبوعة البداية والنهاية: أنوش. وما أثبته من المخطوطة ((أ)). وهكذا ورد في سبل الهدى ٣٨٠/١ وضبطه بالحروف . قال ويقال : إنوش . (٤) ((ط )) : قاين . (٥) ضبط هذه الأسماء بالحروف الصالحي في سبل الهدى والرشاد ٣٧٧/١ - ٣٧٩ بتحقيقنا . - ٧٩ - ذكر إدريس عليه السلام قال الله تعالى: ﴿واذكُرْ في الكتابِ إدريسَ إِنَّه كان صِدِّيقاً نبيًّا * ورفَعْنَاه مكَاناً عَلِيًّا﴾(١) فإدريس عليه السلام قد أثنى الله عليه ووصفه بالنبوة والصدِّيقية، وهو خنوخ هذا. وهو في عمود نسب رسول الله عَ لّم على ما ذكره غير واحد من علماء النّسَب . وكان أول بني آدم أُعطي النبوة بعد آدم وشيث عليهما السلام(٢). وذكر ابن إسحاق أنه أول من خط بالقلم ، وقد أدرك من حياة آدم ثلاثمائة سنة وثماني سنين . وقد قال طائفة من الناس إنه المشار إليه في حديث معاوية بن الحكم السُّلَمي لما سأل رسول الله عَ لّم عن الخط بالرمل فقال: ((إنه كان نبي يخط به فمن وافق خطَّه فذاك))(٣). ويزعم كثير من علماء التفسير والأحكام أنه أول من تكلم في ذلك ، ويسمونه هرمس الهرامسة ، ويَكْذبون عليه أشياء كثيرة كما كذبوا على غيره من الأنبياء والعلماء والحكاء والأولياء . وقوله تعالى: ﴿ ورفعناه مكاناً عَلِيًّا﴾ هو كما ثبت في الصحيحين في حديث الإِسراء: أن رسول الله عَ لّمه مرَّ به وهو في السماء الرابعة. وقد روى ابن جرير عن يونس عن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، عن جرير بن حازم ، عن الأعمش ، عن شمر بن عطية ، عن هلال بن يساف قال : سأل ابن عباس كعباً وأنا حاضر فقال له : ما قول الله تعالى لإدريس ﴿ورفعناه مكاناً (١) سورة مريم ٥٧، ٥٨. (٢) روى ابن سعد في الطبقات الكبرى ٤٠/١ عن ابن عباس: ((أول نبي بعث في الأرض بعد آدم إدريس )) . (٣) صحيح مسلم كتاب المساجد حديث رقم ٣٣ وكتاب السلام حديث رقم ١٢١ . - ٨٠ -