النص المفهرس

صفحات 21-40

ولزوجك ، فلا يخرجنّكما من الجنة فتشقَى . إن لك ألَّا تجوع فيها ولا تَعْرى . وأنك
لا تظمأُ فيها ولا تضحى فوسوسَ إليه الشيطانُ قال يا آدم هل أدلّك على شجرة
الخُلد ومُلك لا يَبْلِى؟ فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما ، وطفقا يخصفان عليهما من
ورقِ الجنة ، وعصى آدمُ ربه فغوى . ثم اجتباه ربُّه فتاب عليه وهدى . قال اهبطا
منها جميعاً بعضكم لبعض عدوّ ، فإما يأتينكم منِّي هدىٍّ فمن اتبع هُدَاي فلا يضل
ولا يشقَى . ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضَنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى .
قال ربِّ لِمَ حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً . قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها
وكذلك اليوم تُنسى ﴾(١) .
وقال تعالى: ﴿قل هو نبأ عظيم. أنتم عنه مُعْرضون . ما كان لِيَ من عِلم
بالملأ الأعلى إذ يختصمون . إن يوحى إليّ إلَّا أَنَّما أنا نذير مبين. إذ قال ربك للملائكة
إني خالقٌ بشَراً من طين . فإذا سويتُه ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين .
فسجد الملائكة كلهم أجمعون . إلا إبليسَ استكبر وكان من الكافرين . قال
يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقتُ بيديّ أستكبرتَ أم كنتَ من العالِين . قال
أنا خيرٌ منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طينٍ . قال فاخرج منها فإنك رجيم . وإن
عليك لعنتي إلى يوم الدين . قال ربِّ فأنظرني إلى يوم يُبعثون. قال فإنك من
المنظَرين . إلى يوم الوقت المعلوم . قال فبعزَّتك لأغويَنَّهُمْ أجمعين . إلا عبادكَ منهم
المخلَصين . قال فالحقُّ والحق أقول لأملأنَّ جهنم منك ومن تبعك منهم أجمعين . قل
ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلِّفين. إن هو إلَّا ذكر للعالمين . ولتعلمنّ
نبأه بعد حين﴾(٢).
فهذا ذكر هذه القصة من مواضع متفرقة من القرآن ، وقد تكلمنا على ذلك
كله في التفسير ، ولنذكر ها هنا مضمون ما دلت عليه هذه الآيات الكريمات ، وما
(١) سورة طه ١١٥ - ١٢٦ .
(٢) سورة ص ٦٧ - ٨٨.
- ٢١ -

يتعلق بها من الأحاديث الواردة في ذلك عن رسول الله عَ لّمه ، وبالله المستعان.
فأخبر تعالى أنه خاطب الملائكة قائلاً لهم: ﴿ إني جاعل في الأرض
خليفةً ﴾ أعْلَم بما يريد أن يَخلق من آدم وذريته الذين يَخْلفُ بعضهم بعضاً كما
قال : ﴿وهو الذي جعلكم خلائفَ الأرضِ ﴾[ وقال: ﴿ويجعلكم خلفاء
الأرض﴾] (١) فأخبرهم بذلك على سبيل التنويه بِخَلق آدم وذريته ، كما يُخبر بالأمر
العظيم قبل كونه ، فقالت الملائكة سائلين على وجه الاستكشاف والاستعلام عن
وجه الحكمة لا على وجه الاعتراض والتنقُّص(٢) لبني آدم والحسد لهم، كما قد يتوهمه
بعض جهلة المفسرين، قالوا: ﴿أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء؟ ﴾.
قيل عَلِموا أن ذلك كائن بما رأوا ممن كان قبل آدم من الجن والبن(٣)، قاله
قتادة .
وقال عبد الرحمن بن عمر : كانت الجن قبل آدم بألفي عام فسفكوا الدماء ،
فبعث الله إليهم جنداً من الملائكة فطردوهم إلى جزائر البحور .
وعن ابن عباس نحوه . وعن الحسن أُلهموا ذلك (٤).
وقيل : لمَا اطلعوا عليه من اللوح المحفوظ ، فقيل أطلعهم عليه هاروت
وماروت عن ملَك فوقهما يقال له السِّجِلّ . رواه ابن أبي حاتم عن أبي جعفر الباقر .
وقيل : لأنهم علموا أن الأرض لا يُخْلق منها إلا من يكون بهذه المثابة غالباً .
﴿ونحن نسبِّح بحمدك ونقدِّس لك ﴾ أي نعبدك دائماً لا يعصيك منا
أحد ، فإن كان المراد بخلق هؤلاء أن يعبدوك فها نحن لا نَفترُ ليلاً ولا نهاراً .
﴿ قال إني أُعْلم ما لا تَعْلمون﴾ أي أعلم من المصلحة الراجحة في خلق
(١) سقطت من المطبوعة .
(٢) ((أ)»: والنقص.
(٣) كذا ، ولعلها والحن ، وهم طائفة من الجن ، وقيل ضعفتهم .
(٤) أي ألهمهم الله أن يسألوا هذا السؤال لإظهار الحكمة في خلق آدم .
- ٢٢ -

هؤلاء ما لا تعلمون ، أي سيوجد منهم الأنبياء والمرسلون والصِّدِّيقون والشهداء
[ والصالحون ](١).
ثم بين لهم شَرف آدم عليهم في العلم فقال: ﴿ وَعَلَّم آدم الأسماء كلها﴾.
قال ابن عباس : هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان ، ودابة ، وأرض ،
وسَهْل ، وبحر ، وجبل ، وجمل ، وحمار ، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها .
وقال مجاهد : علّمه اسم الصَّحْفة ، والقدر ، حتى الفَسْوة والفُسيّة .
وقال مجاهد : علمه اسم كل دابة ، وكل طير وكل شيء . وكذا قال سعيد بن
جُبَير [ وقتادة وغير واحد ](٢).
وقال الربيع : علّمه أسماء الملائكة . وقال عبد الرحمن بن زيد: علّمه أسماء
ذريته(٣) .
والصحيح : أنه علَّمه أسماء الذَّوات وأفعالها مُكَبِرها ومصغّرها ، كما أشار إليه
ابن عباس رضي الله عنهما .
وذكر البخاري هنا ما رواه هو ومسلم من طريق سعيد وهشام عن قتادة ، عن
أنس بن مالك، عن رسول الله عَ لّم قال: ((يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو
استشفعنا إلى ربنا ، فيأتون آدم فيقولون أنت أبو البشر ، خلقك الله بيده ، وأسجد
لك ملائكته ، وعلمك أسماء كل شيء)) وذكر تمام الحديث (٤).
﴿ ثم عَرَضهم على الملائكة فقال أنْبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين .
قال الحسن البصري : لما أراد الله خلق آدم ، قالت الملائكة : لا يخلق ربنا خلقاً إلا
كنا أعلم منه فابتلُوا بهذا وذلك قوله ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ .
وقيل غير ذلك كما بسطناه في التفسير .
(١) سقطت من المطبوعة .
(٢) ليست في ((أ)).
(٣) أورد الطبري هذه الأقوال في تاريخه ٩٤/١ - ٩٦ (ط أوربا) وفي تفسيره ٢١٥/١ (ط الحلبي ).
(٤ ) صحيح البخاري كتاب التفسير باب سورة البقرة ٢٨٤/٢ (ط الأميرية ).
- ٢٣ -

قالوا : ﴿ سبحانك لا علم لنا إلا ما عَلَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾ أي
سبحانك أن يحيط أحدٌ بشيء من علمك من غير تعليمك ، كما قال : ﴿ ولا
يحيطون بشيء من عِلمه إلا بما شاء ﴾ .
﴿ قال يا آدم أتبئهم بأسمائهم ، فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني
أعلم غيبَ السموات والأرض وأعلم ما تُبْدون وما كنتم تكتمون ؟ ﴾ أي أعلم السر
كما أعلم العلانية .
وقيل إن المراد بقوله: ﴿ أعلم ما تبْدون﴾ ما قالوا : أتجعل فيها من يفسد
فيها ، وبقوله: ﴿ومها كنتم تكتمون﴾ المراد بهذا الكلام إبليس حين أسَرَّ الكبر
والنَّفاسة(١) على آدم عليه السلام قاله سعيد بن جُبير ومجاهد والسُّدّي والضحاك
والثوري واختاره ابن جرير(٢) .
وقال أبو العالية والربيع والحسن وقتادة: ﴿ وما كنتم تكتمون﴾ قولهم: لن
يخلق ربنا خَلقاً إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه .
وقوله : ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى
واستكبر ﴾ هذا إكرام عظيم من الله لآدم حين خلقه بيده ، ونفخ فيه من روحه ، كما
قال: ﴿ فإذا سوَّيْتُه ونفختُ فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ فهذه أربع
تشريفات : خلقه له بيده الكريمة ، ونفخه من روحه ، وأمره(٣) الملائكة بالسجود
له ، وتعليمه أسماء الأشياء .
ولهذا قال له موسى الكَلِيم حين اجتمع هو وإياه في الملأ الأعلى وتناظرا كما
سيأتي : أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وأسجدَ لك
ملائكته وعلمك أسماءَ كل شيء . وهكذا يقول [ له ](٤) أهل المحشر يوم القيامة كما
تقدم ، وكما سيأتي إن شاء الله تعالى .
(١) المطبوعة : والتخيرة .
(٢) تفسير الطبري ٢٢٢/١ (ط الحلبي) وتاريخ الطبري ١٠٠/١ (ط أوربا ).
(٣) ((أ)): وأمر.
(٤) من ((أ)).
- ٢٤ -

وقال في الآية الأخرى: ﴿ولقد خلقناكم ثم صوَّرناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا
لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين . قال ما منعك ألا تسجدَ إذ أمرتك
قال أنا خيرٌ منه خلقتني من نار وخلَقته من طين ﴾.
قال الحسن البصري : قاس إبليسُ ، وهو أول من قاسَ . وقال محمد بن
سيرين: أول من قاسَ إبليس، وما عُبدت الشمس و [ لا](١) القمر إلا
بالمقاییس ، رواهما ابن جرير .
ومعنى هذا أنه نظر نفسه بطريق المقايسة بينه وبين آدم ، فرأى نفسه أشرف
من آدم فامتنع من السجود له ، مع وجود الأمر له ولسائر الملائكة بالسجود .
والقياس إذا كان مقابلاً بالنص كان فاسد الاعتبار . ثم هو فاسد في نفسه ، فإن
الطين أنفع وخيرٌ من النار، لأن الطين فيه الرزانة والحلم والأناة والنمو ، والنار فيها
الطيش والخفة والسرعة والإِحراق .
ثم آدم شرَّفه الله بخلقه له ونفحه فيه من روحه ، ولهذا أمر الملائكة بالسجود
له، كما قال: ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني خالقٌ بشراً من صلصال من حَماً
مسنون . فإذا سوَّيته ونفخت فيه من روحي فقعُوا له ساجدين . فسجد الملائكةُ
كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين . قال : يا إبليس ما لك لا
تكون مع الساجدين . قال : لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حماً
مسنون . قال : فاخرج منها فإنك رجيم . وإنَّ عليك اللعنة إلى يوم الدين ﴾ استحق
هذا من الله تعالى لأنه استلزم تنقُّصه لآدم وازدراءه به وترفعه عليه مخالفة الأمر
الإلهي ، ومعاندة الحق في النص على آدم على التعيين .
وشرع في الاعتذار بما لا يُجْدي عنه شيئاً ، وكان اعتذاره أشد من ذنبه كما
قال تعالى في سورة سبحان: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليسَ
قال أأسجد لمن خلقت طيناً. قال أرأيتك هذا الذي كرَّمتَ عليَّ لئن أخّرتني إلى
يوم القيامة لأحتنكنِّ ذريته إلا قليلاً . قال اذهب فمن تبعك منهم فإنّ جهنم جزاؤكم
(١) ليست في (( أ))
٠
- ٢٥ -

جزاءً موفوراً، واستفززْ من استطعت منهم بصوتك وأجْلب عليهم بخيلك ورَجلِك
وشاركهم في الأموال والأولاد وعِدْهم وما يَعدهم الشيطانُ إلا غروراً . إن عبادي ليس
لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا
٠
وقال في سورة الكهف : ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا
إبليسَ كان من الجنّ ففسَق عن أمر ربه أفْتَتَّخذونه وذُرِّته أولياءَ منْ دُونِي﴾ أي خرج
عن طاعة الله عَمداً وعناداً واستكباراً عن امتثال أمره ، وما ذاك إلا لأنه خانه طبعه
ومادته الخبيثة أحوجَ ما كان إليها ، فإنه مخلوق من نار كما قال ، وكما جاء في صحيح
مسلم عن عائشة عن رسول الله عَ لّم قال: ((خُلقت الملائكة من نور، وخُلق
الجان من مارج من نار ، وخُلق آدم مما وصف لكم))(١).
قال الحسن البصري : لم يكن إبليس من الملائكة طرفةَ عين قط . وقال شَهْر
ابن حَوْشَب : كان من الجن ، فلما أفسدوا في الأرض بعث الله إليهم جنداً من
الملائكة فقتلوهم وأجْلوهم إلى جزائر البحار ، وكان إبليس ممن أسر فأخذوه معهم إلى
السماء فكان هناك ، فلما أُمرت الملائكة بالسجود امتنع إبليس منه .
وقال ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة وسعيد بن المسيّب
وآخرون : كان إبليس رئيس الملائكة بالسماء الدنيا . قال ابن عباس : وكان اسمه
عزازيل ، وفي رواية عنه(٢): الحارث . قال النقاش : وكنيته أبو كردوس . قال ابن
عباس : وكان من حيّ من الملائكة يقال لهم الجن ، وكانوا ◌ُزَّان الجِنَان ، وكان من
أشرفهم و [ من ](٣) أكثرهم علماً وعبادة، وكان من أولى الأجنحة الأربعة فمسخه
الله شيطاناً رجيماً .
وقال في سورة ص: ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني خالقٌ بشراً من طين . فإذا
سوَّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين . فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا
(١) صحيح مسلم كتاب الزهد حديث رقم ٦٠ .
(٢) المطبوعة : عن وهو تحريف .
(٣) من ((أ)).
- ٢٦ -

إبليس استكبرَ وكان من الكافرين . قال : يا إبليس ما منعك أن تسجدَ لِمَا خلقتُ
بيديّ أَسْتَكْبَرت أم كنتَ مِنَ العَالِين . قال: أنا خيرٌ منه خلقتني من نارٍ وخلقته
من طين . قال : فاخرج منها فإنك رجيم . وإنّ عليك لعنتي إلى يوم الدين . قال :
ربِّ فأنظرني إلى يوم يُبْعَثون. قال فإنك من المُنْظَرِين . إلى يومِ الوَقْتِ المعلوم.
قال: فبعزَّتْكَ لأُغْوِيَتَّهم أجمعين. إلَّا عِبادكَ منهم المُخْلَصين. قال: فالحقُّ والحقّ
أقول. لأملأنَّ جهنَّمَ مِنْكَ ومِمَّنْ تَبِعَك منهم أجمعين﴾ .
وقال في سورة الأعراف : ﴿قال فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقعدنَّ لهم صِرَاطَك
المستقيم . ثم الآتينَّهم من بَيْنِ أيديهم ومِنْ خَلفهم ، وعن أيمانهم وعن شمائلهم ، ولا
تجدُ أكثرهم شاكرين﴾ أي بسبب إغوائك إياي لأقعدن لهم كل مَرْصد ، ولآتينهم
من كل جهة منهم ، فالسعيد من خالفه والشقي من اتبعه .
وقال الإِمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا أبو عقيل - هو
عبد الله بن عقيل الثقفي - حدثنا موسى بن المسيّب ، عن سالم بن أبي الجَعْد ،
عن سَبرة بن أبي فاكهٍ(١) قال سمعت رسول الله عَ له قال: ((إن الشيطان قعد(٢)
لابن آدم بأطرقه)) وذكر الحديث(٣).
وقد اختلف المفسرون في الملائكة المأمورين بالسجود لآدم .
أهم جميع الملائكة كما دل عليه عموم الآيات ؟ وهو قول الجمهور .
أو المراد بهم ملائكة الأرض ، كما رواه ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن
عباس . وفيه انقطاع وفي السياق نكارة ، وإن كان بعض المتأخرين قد رجَّحه .
ولكن الأظهر من السياقات الأول ، ويدل عليه الحديث: (( وأسجد له
ملائكته )) وهذا عموم أيضاً ، والله أعلم .
(١) كذا في ((أ)) موافقاً لمسند أحمد وفي غير ((أ)) : الفاكه .
(٢) ((ط)) : يقعد .
(٣) المسند ٤٨٣/٣. وليس لسبرة غير هذا الحديث في مسند أحمد
- ٢٧ -

وقوله تعالى إبليس: ﴿اهبط منها ﴾ و ﴿ اخرج منها ﴾ دليل على أنه كان
في السماء فأُمِر بالهبوط منها ، والخروج من المنزلة والمكانة التي كان قد نالها بعبادته ،
وتشبهه بالملائكة في الطاعة والعبادة ، ثم سُلب ذلك بكبره وحسده ومخالفته لربه ،
فأُهْبِط إلى الأرض مذموماً مَذْحوراً .
وأمر الله آدم عليه السلام أن يسكن هو وزوجته الجنة فقال: ﴿وقلنا يا آدم
اسكُن أنت وزوجك الجنةَ وكلا منها رَغَداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا
﴾ .
من الظالمين
وقال في الأعراف: ﴿ قال اخرج منها مَذْءوماً مدحوراً لمَن تبعك منهم
لأملأنّ جهنمَ منكم أجمعين . ويا آدم اسكن أنت وزوجُك الجنة فكلا من حيثُ
شئتما ، ولا تقربا هذه الشجرة فتكُونا من الظالمين ﴾ .
:
وقال تعالى: ﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى .
فقلنا يا آدم إن هذا عدوّ لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتَشقَى . إن لك ألّا
تجوع فيها ولا تَعْرَى. وأنك لا تَظمأ فيها ولا تَضْحَى ﴾.
وسياق هذه الآيات يقتضي أن خلق حواء كان قبل دخول آدم [ إلى ](١)
الجنة لقوله : ﴿ يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ وهذا قد صرح به محمد بن
إسحاق بن يَسَار(٢) وهو ظاهر هذه الآيات.
ولكن حكى السُّدي عن أبي صالح وأبي مالك ، عن ابن عباس وعن مُرَّة عن
ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة أنهم قالوا : أُخرج إبليس من الجنة وأسكن
آدم الجنة. فكان يمشي فيها وحشيّ(٢) ليس له فيها زوج يسكن إليها، فنام نومةً
فاستيقظ وعند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضِلَعه. فسألها ما(٣) أنت ؟
(١) من (أ)).
(٢) ((ط)): بشار، وهو تحريف .
(٣) كذا بالأصول : ولعله على تقدير مبتدأ محذوف . وهو وحشي .
(٤) ((ط)): من أنت .
- ٢٨ -

قالت : امرأة. قال : ولم خُلِقتِ ؟ قالت: لتسكُن إليَّ. فقالت له الملائكة ينظرون
ما بلَغ من علمِه : ما اسمها يا آدم ؟ قال : حواء . قالوا : ولمَ كانت حواءَ ؟ قال :
لأنها خلقت من شيء حيّ .
وذكر محمد بن إسحاق عن ابن عباس أنها خلقت من ضلعه الأقصر الأيسر
وهو نائم ولأم مكانه لحماً .
ومصداق هذا في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خَلَقکم من
نفس واحدة ، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء .. ﴾(١) الآية.
وفي قوله تعالى: ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكُن
إليها ، فلما تغشَّاها حملت حملاً خفيفاً فمرَّت به .. ﴾ (٢) الآية . وسنتكلم عليها
فيما بعد إن شاء الله تعالى .
وفي الصحيحين من حديث زائدة ، عن مَيْسرة الأشجعي ، عن أبي حازم
عن أبي هريرة، عن النبي عَّ أنه قال: ((استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة
خُلقت من ضِلع ، وإن أعوجَ شيء في الضلع أعلاه ، فإن ذهبت تقيمه كسَرْته ،
وإن تركته لم يزَل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً)). هذا لفظ البخاري(٣).
و [قد ](٤) اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾
فقيل هي الكرْم ، وروي عن ابن عباس وسعيد بن جُبَير والشَّعْبيّ وجَعْدَة بن
هُبَيرة ، ومحمد بن قيس والسُّدي في رواية عن ابن عباس وابن مسعود وناس من
الصحابة ، قال : وتزعم يهودُ أنها الحنطة ، وهذا مرويّ عن ابن عباس والحسن
البصري ووهب بن منبّه وعطية العوفي ، وأبي مالك ومحارب بن دِثار ، وعبد الرحمن
ابن أبي ليلى . قال وهب : والحبة منه ألينُ من الزبد وأحلى من العسل .
(١) سورة النساء ١.
(٢) سورة الأعراف ١٨٩.
(٣) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق ١٠٢/٢ (ط الأميرية) وصحيح مسلم كتاب الرضاع حديث
رقم ٦٠ ،٦١ .
(٤) ليست في ((أ)).
- ٢٩ -

وقال الثَّوري عن أبي حصين ، عن أبي مالك: ﴿ ولا تَقْرِبَا هذه الشجرة ﴾
هي النخلة .
وقال ابن جُرَيج عن مجاهد : هي التينة ، وبه قال قتادة وابن جريج .
وقال أبو العالية : كانت شجرة مَنْ أكل منها أحْدَث ولا ينبغي في الجنة
حَدَث !
وهذا الخلاف قريب ، وقد أَبْهَمَ الله ذِكْرها وتعيينَها ، ولو كان في ذكرها
مصلحة تعود إلينا لعيَّنها لنا ، كما في غيرها من المحالِّ التي تُبهم في القرآن .
[ الجنة التي أخرج منها آدم ]
وإنما الخلاف الذي ذكروه في أن هذه الجنة التي أُدْخلها آدم : هل هي في
السماء أو في الأرض ، هو الخلاف الذي ينبغي فَصْله والخروج منه .
والجمهور على أنها هي التي في السماء وهي جنة المأوى ، لظاهر الآيات
والأحاديث كقوله تعالى: ﴿ وقلنا يا آدمُ اسكن أنت وزَوْجُك الجنةَ﴾، والألف
واللام ليست للعموم ولا لمعهود لفظي ، وإنما تعود على معهود ذهني ، وهو المستقر
شرعاً من جنة المأوى. وكقول موسى عليه السلام لآدم عليه السلام: ((عَلامَ
أُخْرَجتنا ونَفْسَك من الجنة؟ .. )) الحديث كما سيأتي الكلام عليه.
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشجعي - واسمه سعد بن
طارق - عن أبي حازم سلمة بن دينار ، عن أبي هريرة ، وأبو مالك عن ربعي ، عن
حذيفة قالا: قال رسول الله عَ له: ((يجمع الله الناس فيقوم المؤمنون حين تُزلف لهم
الجنة . فيأتون آدم فيقولون : يا أبانا استفتح لنا الجنة ، فيقول : وهل أخرجكم من
الجنة إلا خطيئة أبيكم ؟)) وذكر الحديث بطوله(١).
وهذا فيه قوة جيدة ظاهرة في (٢) الدلالة على أنها جنة المأوى ، وليست تخلو
(١) صحيح مسلم كتاب الإِيمان حديث رقم ٣٢٩ .
(٢) ((أ)): على .
- ٣٠ -

عن نظر .
وقال آخرون : بل الجنة التي أُسْكنها آدمُ لم تكن جنة الخلد ، لأنه(١) كلِّف
فيها ألا يأكل من تلك الشجرة ، ولأنه نام فيها وأخرج منها ، ودخل عليه إبليس
فيها ، وهذا مما ينافي أن تكون جنة المأوى .
وهذا القول محكّ عن أُبَيِّ بن كعب ، وعبد الله بن عباس ووهب بن منّبِّه
وسفيان بن عُيَيْنة ، واختاره ابن قُتيبة في المعارف(٢؛ والقاضي منذر بن سعيد البلوطي
في تفسيره وأفرد له مصنفاً على حِدة . وحكاه عن أبي حنيفة الإِمام وأصحابه رحمهم
الله . ونقله أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي بن خطيب الري في تفسيره عن أبي
القاسم البَلْخِي وأبي مسلم الأصبهاني ونقله القرطبي في تفسيره عن المعتزلة والقدرية .
وهذا القول هو نص التوراة التي بأيدي أهل الكتاب(٣). وممن حكى الخلاف في
هذه المسألة أبو محمد بن حزم في المِلَل والنِّحل ، وأبو محمد بن عطية في تفسيره
وأبو عيسى الرُّماني في تفسيره ، وحكى عن الجمهور الأول ، وأبو القاسم الراغب
[و القاضي ](٤) الماوردي في تفسيره فقال: (( واختلف في الجنة التي أسكناها يعني
آدم وحواء على قولين: أحدهما أنها جنة الخُلد . الثاني [ أنها ](٥) جنة أعدها الله
لهما وجعلها دار ابتلاء ، وليست جنة الخلد التي جعلها دار جزاء .
ومن قال بهذا اختلفوا على قولين : أحدهما أنها في السماء لأنه أهبطهما منها ،
وهذا قول الحسن ، والثاني أنها في الأرض لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي
نُهيا عنها دون غيرها من الثمار . وهذا قول ابن يحيى . وكان ذلك بعد أن أمر إبليس
بالسجود لآدم ، والله أعلم بالصواب من ذلك )) .
هذا كلامه فقد تضمن كلامه حكاية أقوال ثلاثة ، وأشعر كلامه أنه متوقف
في المسألة ولهذا(٦) حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره هذه المسألة أربعة أقوال :
(١) ((أ)): لأنها .
(٢) المعارف لابن قتيبة ص ١٢: (( ونصب ربنا الفردوس في عدن وبها نهر يسقي الفردوس فانقسم على
أربعة رءوس .. )) ومن هذا يفهم أنها كانت في الأرض .
(٣) سفر التكوين الإصحاح الثاني .
(٥) من (أ)).
(٤) ليست في ((أ)) .
(٦) ((ط)) : ولقد .
- ٣١ -

هذه الثلاثة التي أوردها الماوردي ، ورابعها التوقّف وحكى القول بأنها في السماء
وليست جنة المأوسع ، عن أبي علي الجُبَّائي(١) ..
وقد أورد أصحاب القول الثاني سؤالاً يحتاج مثله إلى جواب ، فقالوا :
لا شك أن الله سبحانه وتعالى طرد إبليس حين امتنع من السجود عن الحضرة
الإلهية ، وأمره بالخروج عنها والهبوط منها وهذا الأمر ليس من الأوامر الشرعية بحيث
يمكن مخالفته ، وإنما هو أمر قدري لا يخالف ولا يمانع، ولهذا قال: ﴿ اخرج منها
مذءوماً مدحوراً﴾. وقال: ﴿اهبطْ منها فما يكونُ لك أن تتكبَّر فيها ﴾ وقال :
﴿ اخْرُجْ منها فإِنك رَجِيمٍ﴾ والضمير عائد إلى الجنة أو السماء أو المنزلة. وأيًّا ما
كان فمعلوم أنه ليس له الكون قَدَراً في المكان الذي طُرِد عنه وأُبْعِد منه ، ولا على
سبيل الاستقرار ولا على سبيل المرور والاجتياز .
قالوا : ومعلوم من ظاهر سياقات القرآن أنه وسوس لآدم وخاطبه بقوله له :
﴿ هل أدلُّكَ على شَجرة الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ وبقوله: ﴿ ما نها كما رُّكما عن
هذه الشجرة إلا أن تكونا مَلَكين أو تكونا من الخالدين . وقاسَمهما إنِّي لكما لَمِنَ
الناصحين . فدلَّاهما بغرور .. ) الآية .
وهذا ظاهر في اجتماعه معهما في جنتهما .
وقد أجيبوا عن هذا بأنه لا يمتنع أن يجتمع بهما في الجنة على سبيل المرور فيها
لا على سبيل الاستقرار بها ، وأنه وسوس لهما وهو على باب الجنة أو من تحت
السماء .
وفي الثلاثة نظر . والله أعلم .
وما احتج به أصحاب هذه المقالة : ما رواه عبد الله بن الإِمام في الزيادات
عن هذْبة بن خالد، عن حمَّد بن سلمة ، عن حُمَيْد ، عن الحسن البصري ، عن
يحي بن ضَمرة السعدي ، عن أُبَّ بن كعب ، قال : إن آدم لما احتضر اشتهى
(١) تفسير الرازي ٤/٢ ونصه: القول الثاني وهو قول الجبائي أن تلك الجنة كانت في السماء السابعة ،
والدليل عليه قوله تعالى: ﴿اهبطوا منها ﴾.
- ٣٢ -

قِطفاً من عنب الجنة ، فانطلق بنوه ليطلبوه له ، فلقيتهم الملائكة فقالوا : أين تريدون
يا بني آدم ؟ فقالوا إن أبانا اشتهى قطفاً من عنب الجنة . فقالوا لهم : ارجعوا فقد
كُفِيتموه. فانتهَوْا إليه فقبضوا روحه وغسَّلوه وحَنَّطوه وكفنوه وصلى عليه جبريل ومِنْ
خلفه الملائكة ودفنوه ، وقالوا : هذه سُنَّتكم في موتاكم .
وسيأتي الحديث بسنده وتمام لفظه عند ذكر وفاة آدم عليه السلام .
قالوا : فلولا أنه كان الوصول إلى الجنة التي كان فيها آدم التي اشتهى منها
القطف ممكناً ، لمَا ذهبوا يطلبون ذلك، فدل على أنها في الأرض لا في السماء . والله
تعالى أعلم .
قالوا : والاحتجاج بأن الألف واللام في قوله: ﴿ويا آدم اسكن أنت
وزوجك الجنة ﴾ [ لم يتقدم عهد يعود عليه فهو المعهود الذهني](١) مُسَلِّم ، ولكن
هو ما دل عليه سياق الكلام ، فإن آدم خُلق من الأرض ولم يُنقل أنه رُفع إلى
السماء ، وخلق ليكون في الأرض ، وبهذا أعلمَ الربُّ الملائكةَ حيث قال: ﴿إِني
جاعلٌ في الأرض خليفةً ﴾ .
قالوا: وهذا كقوله تعالى: ﴿إنا بَلوْناهم كما بَلَوْنَا أصحابَ الجنة﴾(٢)
فالألف واللام ليستا(٣) للعموم ، ولم يتقدم معهود لفظي ، وإنما هي للمعهود الذهني
الذي دل عليه السياق وهو البستان .
قالوا: وذِكْر الهبوط لا يدل على النزول من السماء ، قال الله تعالى: ﴿ قيل
يا نوح اهبط بسلامٍ مِنَّا وبركاتٍ عليك وعلى أُمَم مِمَّن معك﴾(٤) وإنما كان في
السفينة(٥) حين استقرت على الجُودِيّ ونضب الماء عن وجه الأرض أمر(٦) أن يهبط
(١) ليست في ((أ)).
(٢) سورة ن ١٧ .
(٣) الأصل : ليس .
(٤) سورة هود ٤٨ .
(٥) ((أ)) : السفن.
(٦) ((ط)) : وأمر .
- ٣٣ -

إليها هو ومن معه مباركاً عليه وعليهم. وقال الله تعالى: ﴿ اهبطوا مِصْراً فإن لكم ما
سألتم .. ) الآية (١) وقال تعالى: ﴿وإنّ منها لَمَا يَهْبط مِنْ خشية الله .. ))
الآية(٢). وفي الأحاديث واللغة من هذا كثير .
قالوا : ولا مانع - بل هو الواقع - أن الجنة التي أُسكنها آدم كانت مرتفعة
عن (٣) سائر بقاع الأرض ، ذات أشجار وثمار وظلال ونعيم ونَضْرة وسرور ، كما قال
تعالى: ﴿إِنَّ لك أن لا تُجُوعَ فيها ولا تَعْرَى﴾ . أي لا يَذُلُّ باطنك بالجوع ولا
ظاهرك بالعُرْى ﴿ وأنك لا تَظْمأ فيها ولا تَضْحَى﴾ أي لا يمسّ باطنك حُّ الظمأ
ولا ظاهرَك حُرُّ الشمس ، ولهذا قرَن بين هذا وهذا ، وبين هذا وهذا ، لما بينهما من
الملاءمة .
فلما كان منه ما كان من أكْله من الشجرة التي نُهي عنها ، أُهْبط إلى أرض
الشقاء والتعب والنَّصب والكَدَر والسعي والنكد ، والابتلاء والاختبار والامتحان ،
واختلافٍ السكان دِيناً وأخلاقاً وأعمالاً ، وقُصُوداً وإراداتٍ وأقوالاً وأفعالاً ، كما قال
تعالى: ﴿ولكم في الأرض مُسْتَقَرُّ ومَتَاعٌ إلى حين﴾(٤)
ولا يلزم من هذا أنهم كانوا في السماء كما قال: ﴿وقُلْنا مِنْ بعده لبني
إسرائيل اسكنوا الأرض ، فإذا جاء وعدُ الآخرة جئنا بكم لَفِيفاً ﴾(٥) ، ومعلوم أنهم
كانوا فيها ولم يكونوا في السماء .
قالوا : وليس هذا القول مُفرَّعاً على قول من يُنْكر وجودَ الجنة والنار
[ اليوم ](٦) ولا تَلازُمَ بينهما، فكلُّ من حُكي عنه هذا القول من السلف وأكثر (٧)
الخلف ، ممن يُثْبِت وجودَ الجنة والنار اليوم ، كما دلت عليه الآيات والأحاديث
(١) سورة البقرة ٦١ .
(٢) سورة البقرة ٧٤ .
(٣) ((أ)): على .
(٤) سورة البقرة ٣٦ .
(٥) سورة الإسراء ١٠٤ .
(٦) ليست في ((أ)).
(٧) ((أ)): وأكثرهم .
- ٣٤ -

الصحاح والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .
وقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهما الشيطان عنها ﴾ أي عن الجنة ﴿فأُخْرَجهما مما كانا
فيه ﴾ أي من النعيم والنَّضْرة والسرور إلى دار التعب والكدّ والنكد، وذلك بما
وسوس لهما وزيّنه في صدورهما، كما قال تعالى: ﴿فوسوس لهما الشيطان ليبْدي
لهما ما وُورِيَ عنهما من سوآتهما، وقال ما نها كما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا
مَلكين أو تكونا من الخالدين ﴾ [ يقول: ما نها كما عن أكل هذه الشجرة إلا أن
تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ](١) ، أي لو أكلتما منها لصِرْتما كذلك.
﴿ وقاسمهما﴾ أي حلف لهما على ذلك ﴿ إني لكما لَمن الناصحين
كما قال في الآية الأخرى: ﴿فوسوس إليه الشيطان ، قال يا آدم هل أدلّك على
شجرة الخُلْد وملك لا يبلى ؟ ﴾: أي هل أدلك على الشجرة التي إذا أكلت منها
حصل لك الخُلد فيما أنت فيه من النعيم ، واستمررت في ملك لا يبيد ولا ينقضي ؟
وهذا من التغرير والتزوير والإِخبار بخلاف الواقع .
• والمقصود أن قوله شجرة الخلد التي إذا أكلت منها خُلدتَ ، وقد تكون هي
الشجرة التي قال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا شعبة عن أبي
الضحاك سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله عَ لّم: ((إن في الجنة شجرةً
يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها : شجرة الخلد))(٢).
وكذا رواه أيضاً عن غُندَر وحجاج ، عن شعبة ورواه أبو داود الطيالسي في
مسنده عن شعبة أيضاً به .
قال غُندَر : قلت لشعبة : هي شجرة الخلد ؟ قال ليس فيها [ هي ] . تفرَّد
به الإِمام أحمد .
(١) ليست في ((أ)).
(٢) مسند أحمد ٤٥٥/٢ .
- ٣٥ -

وقوله: ﴿ فدلّاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما، وطَفِقًا
يَخْصفان عليهما من ورق الجنة ﴾[ كما قال في طه: ﴿فأكلا منها فبدت لهما
سوآتهما ، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ﴾](١) وكانت حواء أكلت من
الشجرة قبل آدم ، وهي التي حدَته على أكلها ، والله أعلم .
وعليه يحمل(٢) الحديث الذي رواه البخاري : حدثنا بشر بن محمد ، حدثنا
عبد الله، أنبأنا مَعْمَر، عن همَّام بن مُنبّه، عن أبي هريرة عن النبي عَّ المه نحوه:
((لولا بنو إسرائيل لم يَخْتَزِ (٣) اللحم، ولولا حواء لم تخُن أنثى زوجها)).
تفرد به من هذا الوجه (٤)، وأخرجاه في الصحيحين من حديث عبد
الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن همام عن أبي هريرة به ، ورواه أحمد ومسلم عن هارون بن
معروف ، عن أبي (٥) وهب ، عن عمرو بن الحارث(٦) عن أبي يونس ، عن أبي هريرة
به .
وفِي كِتَاب التوراة التي بأيدي(٧) أهل الكتاب : أن الذي دل حواء على
الأكل من الشجرة هي الحية ، وكانت من أحسن الأشكال وأعظمها ، فأكلت حواء
عن قولها وأطعمت آدم عليه السلام ، وليس فيها ذكرٌ لإِبليس فعند ذلك انفتحت
أعينهما وعلما أنهما عريانان ، فوصلا من ورق التين وعملا مآزر ، وفيها أنهما كانا
عريانين . وكذا قال وهب بن منبّه : كان لباسهما نوراً على فرجه وفرجها .
وهذا الذي في هذه التوراة التي بأيديهم غلط منهم ، وتحريف وخطأ في
التعريب ؛ فإن نقل الكلام من لغة إلى لغة لا يتيسر (٨) لكل أحد ، ولا سيما ممن لا
(١) ليست في (( أ)) .
(٢) ((أ)) : حمل .
(٣) يخنز : ينتن.
(٤) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق ١٠٢/٢ (ط الأميرية) ومسند أحمد ٣١٥/٢ .
(٥) ((أ)) : عن ابن .
(٦) ((ط)) : حارث .
(٧) ((ط)): بين أيدي. وما أثبته عن ((أ)).
(٨) ((ط)) : لا يكاد يتيسر،
- ٣٦ -

[ يكاد ](١) يعرف كلام العرب جيداً، ولا يحيط علماً بفهم كتابه أيضاً ، فلهذا
وقع في تعريبهم لها خطأ كثير (٢) لفظاً ومعنى. وقد دل القرآن العظيم على أنه كان
عليهما لباس في قوله : ﴿ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما﴾ فهذا لا يرد لغيره
من الكلام . والله تعالى أعلم .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب ، حدثنا علي بن
عاصم ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن عن أبيّ بن كعب قال :
قال رسول الله عَ لّم: ((إن الله خلق آدم رجلاً طوالاً كثير شعر الرأس كأنه نخلة
سحُوق(٣) ، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه ، فأول ما بدا منه عورته ، فلما نظر
إلى عورته جعل يشتد في الجنة ، فأخذت شعره شجرةٌ فنازعها ، فناداه الرحمن عز
وجل : يا آدم مني تفرّ ؟ فلما سمع كلام الرحمن قال : يا رب لا ، ولكن
استحياء)) .
وقال الثَّوري عن ابن أبي ليلى ، عن المِنْهال بن عمرو ، عن سعيد بن جُبير
عن ابن عباس: ﴿وطَفِقَا يَخْصِفان عليهما من ورق الجنة﴾ ورق التين .
وهذا إسناد صحيح إليه وكأنه مأخوذ من أهل الكتاب ، وظاهر الآية يقتضي
أعم من ذلك ، وبتقدير تسليمه فلا يَضُر ، والله تعالى أعلم .
وروى الحافظ ابن عساكر من طريق محمد بن إسحاق ، عن الحسن بن
ذكوان، عن الحسن البصري عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله عَ له: ((إن
أباكم آدم كان كالنخلة السَّحُوق ، ستون ذراعاً كثير الشعر مواري العورة ، فلما
أصاب الخطيئة في الجنة بدت له سوأته ، فخرج من الجنة ، فلقيته شجرة فأخذت
بناصيته ، فناداه ربه : أفراراً مني يا آدم ؟ قال: بل حياء منك (٤) يا رب مما جئت
به )) .
(١) سقطت من المطبوعة .
(٢) ((أ)) : كبير .
(٣) السحوق : الطويلة .
(٤) ((ط)): بل حياء منك والله يا رب .
- ٣٧ -

ثم رواه من طريق سعيد بن أبي عُرُوبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن
يحيى بن ضمرة، عن أبيّ بن كعب، عن النبي عَ له بنحوه.
وهذا أصح ، فإن الحسن لم يدرك أُبِيًّا .
ثم أورده أيضاً من طريق خيثمة بن سليمان الأطرابلسي ، عن محمد بن
عبد الوهاب أبي مرصافة العسقلاني ، عن آدم بن أبي إياس ، عن سنان ، عن
قتادة ، عن أنس مرفوعاً بنحوه .
وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة، وأقلْ لكما إِنَّ الشيطانَ
لكما عدو مبين ؟ * قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تَغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من
الخاسرين)).
وهذا اعتراف ورجوع إلى الإِنابة ، وتذلل وخضوع واستكانة ، وافتقار إليه
تعالى في الساعة الراهنة ، وهذا السّرّ ما سرى في أحد من ذريته إلا كانت عاقبته إلى
خير في دنياه وأخراه .
﴿ قالٍ اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرضِ مُستقرٌ ومتاع إلى
حين﴾ وهذا خطاب لآدم وحواء وإبليس ، قيل والحيّة معهم ، أمروا أن يهبطوا من
الجنة في حال كونهم متعادين متحاربين .
وقد يُستشهد لِذِكْر الحية معهما بما ثبت في الحديث عن رسول الله عَ لِّ أنه
أمر بقتل الحيات ، وقال: (( ما سالمناهن منذ حاربناهن))(١).
وقوله في سورة طه: ﴿ قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو﴾ هو أمرٌ
لآدم وإبليس ، واستتبع آدمُ حواءَ وإبليسُ الحيةَ.
وقيل هو أمرٌ لهم بصيغة الثنية كما في قوله تعالى: ﴿ وداود وسليمان إذ
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب وأحمد في مسنده ٢٤١/٢ .
- ٣٨ -

يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لِحُكمهم شاهدين؟
﴾(١) .
[ والصحيح أن هذا لما كان الحاكم لا يحكم إلا بين اثنين، مدَّع ومدَّعَى
علیه ، قال وكنا لحكمهم شاهدين ](٢) .
وأما تكريره الإِهباط في سورة البقرة في قوله: ﴿وقلنا اهبطوا منها جميعاً
بعضكم لبعضٍ عدوٌّ ولكم في الأرض مُسْتَقَرُّ ومتاٌ إلى حِين . فتلقَّى آدمُ من ربِّه
كلماتٍ فتابَ عليه إنه هو التوابُ الرحيم . قلنا اهبطوا منها جميعاً فإمَّا يأتينكم مِنِّي
هُدىٍ، فمن تَبِعَ هُدَايَ فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون . والذين كفروا وكذّبوا
بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ فقال بعض المفسرين : المراد
بالإِهباط الأول : الهبوط من الجنة إلى السماء الدنيا وبالثاني : من السماء الدنيا إلى
الأرض .
وهذا ضعيف لقوله في الأول: ﴿وقلنا اهبطوا منها جميعاً بعضكم لبعض
عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ﴾ فدل على أنهم أُهبطوا إلى الأرض
بالإِهباط الأول والله أعلم .
والصحيح أنه كرره لفظاً وإن كان واحداً ، وناطَ مع كل مرة حُكماً ، فناط
بالأول عداوتهم فيما بينهم ، وبالثاني الاشتراط عليهم أن من تبع هداه الذي ينزله
عليهم بعد ذلك فهو السعيد ، ومن خالفه فهو الشقي ، وهذا الأسلوب في الكلام
له نظائر في القرآن الحكيم .
وروى الحافظ ابن عساكر عن مجاهد قال : أمر الله مَلَكَيْن أن يُخرجا آدم
وحواء من جواره فنزع جبريل التاج عن رأسه ، وحل ميكائيل الإِكليل عن جبينه ،
وتعلق به غصنٌ ، فظن آدم أنه قد عوجل بالعقوبة ، فنكس رأسه يقول : العفو
العفو ، فقال الله : أفراراً مني ؟ قال بل حياءً منك يا سيدي !
وقال الأوْزاعي عن حسان - هو ابن عطية - مكث آدم في الجنة مائة
(١) سورة الأنبياء ٧٧ .
(٢) سقط من ((أ)).
- ٣٩ -

عام ، وفي رواية ستين عاماً ، وبكى على الجنة سبعين عاماً ، وعلى خطيئته سبعين
عاماً ، وعلى ولده حين قُتِل أربعين عاماً .
رواه ابن عساكر .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زُرْعة ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا
جرير ، عن سعيد ، عن ابن عباس قال : أُهبط آدم عليه السلام إلى أرض يقال لها
((دِحْنَا)) بين مكة والطائف.
وعن الحسن قال : أُهبط آدم بالهند ، وحواء بجدة ، وإبليس بدستميان من
البصرة على أميال ، وأهبطت الحية بأصبهان .
رواه ابن أبي حاتم أيضاً .
وقال السُّدي : نزل آدم بالهند ونزل معه بالحجر الأسود وبقبضة من ورق
الجنة ، فبثّه في الهند فنبتت شجرة الطِّيب هناك .
وعن ابن عمر قال : أُهبط آدم بالصفا ، وحواء بالمروة . رواه ابن أبي حاتم
أيضاً .
وقال عبد الرزاق : قال معمر : أخبرني عوف ، عن قسامة بن زهير ، عن
أبي موسى الأشعري ، قال : إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض علمه صنعة
كل شيء وزوَّده من ثمار الجنة ، فتماركم هذه من ثمار الجنة ، غير أن هذه تتغير وتلك
لا تتغير .
وقال الحاكم في مستدركه : أنبأنا أبو بكر بن بالويه ، عن محمد بن أحمد بن
النضر ؛ عن معاوية بن عمرة ، عن زائدة ، عن عمار بن أبي معاوية البجلي عن
سعي بن جُبير ، عن ابن عباس قال : ما أُسكن(١) آدم الجنة إلا ما بين صلاة
العصر إلى غروب الشمس . ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه(٢).
وفي صحيح مسلم من حديث الزهري عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال :
(٢) المستدرك ٥٤٢/٢ .
(١) المستدرك : ما سكن .
- ٤٠ -