النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
وقال رجل لذي النون المصري: دلّني على طريق الصدق والمعرفة فقال: يا أخي أدّ
إلى الله صدق حالك التي أنت عليها على موافقة الكتاب والسنّة ولا ترق حيث لا ترق فتزل
قدمك فإنه إذا دلّ بك لم تسقط وإذا ارتقيت أنت تسقط، وإياك أن تترك ما تراه يقيناً لما ترجوه
شكاً .
وصية مشفق ناصح: ليكن آثر الأشياء عندك وأحبها إليك أحكام ما افترض الله عليك
واتقٍ ما نهاك عنه فإن ما تعبدك الله به خير لك، وأفضل ممّا تختاره لنفسك من أعمال البر التي
لم تجب عليك وأنت ترى أنها أبلغ لك فيما تريد كالذي يؤدّب نفسه بالفقر والتقلل وما أشبه
ذلك، إنما ينبغي للعبد أن يراعي أبداً ما وجب عليه من فرض فيحكمه على تمام حدوده
وينظر إلى ما نهي عنه فيتقيه على أحكم ما ينبغي، فالذي قطع العباد عن ربهم عزّ وجلّ
وقطعهم عن أن يرزقوا حلاوة الإيمان وعن أن يبلغوا حقائق الصدق وحجب قلوبهم من النظر
إلى الآخرة وما أعدّ الله فيها لأوليائه وأعدائه حتى يكونوا كأنهم مشاهدون إنما قطعهم تهاونهم
عن أحكام ما فرض عليهم في قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم
وبطونهم وفروجهم، ولو وقفوا على هذه الأشياء وأحكموها لأدخل عليهم البرّ إدخالاً يعجز
أبدانهم وقلوبهم عن حمل ما رزقهم من حسن معونته وفوائد كرامته، ولكن أكثر القرّاء والنساء
حقروا محقرات الذنوب وتهاونوا بالقليل منها وممّا فيهم من العيوب فحرموا لذة ثواب
الصادقين في العاجل، واستغفر الله ممّا تقول ولا تفعل.
وصية عبد الله المغاور وكان رجلاً كبيراً من أهل لبلة من أعمال إشبيلية بغرب
الأندلس: كان سبب رجوعه إلى طريق الله أن الموحدين لما دخلوا لبلة رمت امرأة عليه نفسها
وقالت له: احملني إلى إشبيلية وأزلني من أيدي هؤلاء القوم، فأخذها على عنقه وخرج بها
فلما خلا بها وكان من الشطار الأشداء وكانت المرأة ذات جمال فائق فدعته نفسه إلى وقاعها
فقال: يا نفسي هي أمانة بيدي ولا أحبّ الخيانة وما هذا وفاء مع صاحبها فأبت عليه نفسه إلاَّ
الفعل، فلما خاف على نفسه أخذ حجراً وجعل ذكره عليه وهو قائم وأخذ حجراً آخر فقال به
عليه فرضخه بين الحجرين فقال: يا نفسي النار ولا العار، فجاء منه واحد زمانه وخرج من
حينه يطلب الحج فأقام بالإسكندرية إلى أن مات بها أدركته ولم أجتمع به، فأخبرني أبو
الحسن الإشبيلي قال: أوصاني عبد الله المغاور فقال لي: يا أبا الحسن آمرك بخمس وأنهاك عن
خمس : آمرك باحتمال أذى الخلق وترك أذى الخلق وإدخال الراحة على الإخوان وأن تكون أذناً
لا لساناً أي اسمع أكثر ممّا تتكلم به والخامس أن تكون مع الناس على نفسك. وأنهاك عن
معاشرة النساء وحب الدنيا وحب الرياسة وعن الدعوى وعن الوقوع في رجال الله .
وصية حكيم رويناها من حديث ابن مروان المالكيّ: في المجالسة قال: حدثنا ابن أبي
الدنيا قال: سمعت محمد بن الحسين يقول: قال حكيم لحكيم: أوصني، فقال: اجعل الله
همك واجعل الحزن على قدر ذنبك فكم من حزين وقف به حزنه على سرور الأبد، وكم من
فرح نقله فرحه إلى طول الشقاء.

٣٤٢
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
وصية نبوية: رويناها من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله وَلَر: ((تُوبُوا إلى الله
قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا وَبَادِرُوا بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ تُشْغَلُوا وَصِلوا الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ تَسْعَدُوا
وَأَكْثِرُوا الصَّدَقَةَ تُرْزَقُوا وَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ تُخْصِبُوا وَانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ تُنْصَرُوا، أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ
أَكْيَسَكُمْ أَكْثَرُكُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْراً وَأَخْزَمَكُمْ أَحْسَنُكُمْ لَهُ اسْتِغَدَاداً، أَلاَ وَإنَّ مِنْ عَلَاَمَاتِ العَقْلِ
التَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ وَالإِنَابَةَ إلى دَارِ الخُلُودِ وَالتَّزَوْدَ لِسُكْنَى القُبُورِ وَالتََّهُّبِ لِيَوْمِ النُّشُورِ))
وأنشد بعضهم: [البسيط]
والعَيْشُ يَجْمَعُنا والدارُ والوَطَنُ
كُنَّا على ظَهْرِها والدَّهْرُ فِي مَهَلٍ
واليوم يجمعُنا في بطنها الكَفَنُ
ففَرَّقَ الدهرُ بالتصريف أُلْفَتَنَاً
وصية: الجرهمي عمرو بن لحي بالحرم: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ
يُظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] فكان ابن عباس يسكن الطائف لأجل ذلك. وثبت عن
رسول الله وَ﴾ أنه قال: ((اختِكَارُ الطَّعَامِ بِمَكَّةَ إِلْحَادٌ فِيهِ)) قال الجرهمي يخاطب عمرو بن
لحي يوصيه : [مجزوء الكامل]
ـكة إنها بَلَدٌ حَرَامْ
يا عَمْرُو لا تَظْلِمْ بمـ
وكذاك يُخْتَرَمُ الأَنَامُ
سائلْ بعَادٍ أين هُمُ
ـن لهم بها كان السّوَامْ
ومن العماليق الذيـ
ومن وصايا ذي النون بعض الفتيان: يا فتى خذ لنفسك بسلاح الملامة، واقمعها برد
الظلامة، تلبس غداً سرابيل السلامة، وأقصرها في روضة الأمان، وذوّقها مضض فرائض
الإيمان، تظفر بنعيم الجنان، وجرّعها كأس الصبر، ووطنها على الفقر، حتى تكون تام
الأمر، فقال له الفتى: وأي نفس تقوى على هذا؟ فقال: نفس على الجوع صبرت وفي سربال
الظلام خطرت، نفس ابتاعت الآخرة بالدنيا، بلا شرط ولا ثنيا، نفس تدرعت رهبانية القلق،
ورعت الدجى إلى واضح الفلق، فما ظنك بنفس في وادي الحنادس سلكت، وهجرت
اللذات فملكت، وإلى الآخرة نظرت، وإلى العينا أبصرت، وعن الذنوب أقصرت، وعلى
النزر من القوت اقتصرت، ولجيوش الهوى قهرت، وفي ظلام الدياجي زهرت، فهي بقناع
الشوق مختمرة، وإلى عزيزها في غلس الدجى مشمرة، قد نبذت المعايش، ورعت
الحشايش، هذه نفس خدوم عملت ليوم القدوم، وكل ذلك بتوفيق الحيّ القيوم.
وصية ذي النون أخاه الكفل: قال له: يا أخي كن بالخير موصوفاً ولا تكن للخير
وصافاً.
وصية نبوية: حدّثنا بها محمد بن قاسم بمدينة فاس قال: ثنا هبة الله بن مسعود ثنا
محمد بن بركات ثنا محمد بن سلامة بن جعفر ثنا هبة الله بن إبراهيم الخولاني نبا علي بن
الحسين ابن بندار ثنا إسماعيل بن أحمد بن أبي حازم حدثنا أبي ثنا عمرو بن هاشم ثنا
سليمان بن أبي كريمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول

٣٤٣
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
الله ◌ََّ: ((يَا أبا هُرَيْرَةَ أَحْسِنْ مُجَاوَرَةَ مَنْ جَاوَرَكَ تَكُنْ مُسْلِماً، وَأَحْسِنْ مُصَاحَبَةَ مَنْ صَاحَبَكَ
تَكُنْ مُؤْمِناً، وَاعْمَلْ بِفَرَائِض الله تَكُنْ عَابِداً، وَارْضَ بِقَسْم الله تَكُنْ زَاهِداً» .
وصية محكمة في موعظة منظومة لأبي العتاهية: [الطويل]
وشَرُّ كلام القائلين فُضُولُهُ
ألا إنّ خَيْرَ الذُّخْرِ خَيْرٌ تُنِيلُهُ
إلى غيرها والمَوْتُ فيها سَبِيلُهُ
ألم تَرَ أن المرء في دار بُلْغَةٍ
إذا كان لا يكفيك منه قَلِيلُهُ
وأيّ بلاغ يُكْتَفَى بكثيره
يفارق فيهن الخَلِيلَ خَلِيلُهُ
مضاجعُ سُكَان القبور مضاجع
فكُلُّ بها ضَيْفٌ وَشِيكٌ رَحِيلُهُ
فإن المنايا من أتت لا تُقِيلُهُ
تَبُتُّ قواها أو لملك تُزِيلُهُ
تَزَوَّدْ من الدنيا بزادٍ من التُّقَى
وخُذْ للمنايا لا أبالك عُدَّةً
وما حادثات الدهر إلاَّ لغزة
ومن ذلك أيضاً ممّا ضمنه ديوانه: [الكامل]
عَيْبُ ابْنِ آدم ما عَلِمتُ كَثِيرُ
غَرَّتْكَ نفُسُكَ للحياة محبّة
لا تَغْبِطِ الدُّنْيا فإن جميع ما
يا سَاكِنَ الدّنيا ألم تَرَ زهرة الـ
سَلْ ما بدا لك أن تنال من الغِنَى
يا جَامِعَ المال الكثير لغيره
هل في يَدَيْكَ من الحوادث قوّة
ماذا تقول إذا رَحَلْتَ إلى البِلَى
ومجيئُه وذهابُهُ تَقْديرُ
المَوْتُ حَقٌّ والبقاءُ يَسِيرُ
فيها يسيرٌ لو علمت حَقِيرُ
ـدنيا على الأيام كيف تَصيرُ
إن أنت لم تَقْنَغْ فِأنت فَقِيرُ
إنّ الصَّغِيرَ من الذُّنُوبِ كَبِيرُ
أو هل عليك من المَنُون خَفِيرُ
وإذا خلا بك مُتْكَرٌ ونَكِيرُ
وصية: قال بعضهم: سألت أستاذي من أحادث من الناس وإلى من أسكن؟ فقال:
عليك بمحادثة من لا تكتمه ما يعلمه الله منك، واجعل للناس ظاهرك ولله باطنك وعاشرهم
بالتي هي أحسن .
وصية: في حكاية عن بعض أهل الولاية قال بعض السياح: كنت جائزاً في بعض
سياحاتي في أرض الشام إذ مررت بنهر يقال له نهر الذهب فرأيت في ظهر قرية من قرى ذلك
النهر صومعة فيها راهب فناديته: يا راهب أجبني فلم يجبني، فناديته الثانية: يا راهب أجبني
فلم يجبني، فناديته الثالثة: يا راهب أجبني أو قال: فناديت الثالثة يا رباني فاطلع فرآني فقال
لي: ما حاجتك وما الذي تريد؟ فقلت له: عظة أو وصية أنتفع بها، فقال لي: أو تركت
الدنيا؟ قلت: نعم، فقال لي: كل القوت والزم السكوت وعلل النفس فإنك تموت وذكرها
الوقوف بين يدي الحيّ الذي لا يموت، ثم قال: [مجزوء الرمل]
مِنْكِ يا دارُ اليَسِيزْ
لو قَنِعْنَا لكَفَانّا
وبلاياكِ كَثِيز
أنْتِ نُعماكِ قَليلٌ
حيث لا تمشي القُبُوز
وقُبُورٌ تتلاشى

٣٤٤
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
إنّما النَّاقد بَصِيرْ
يا مُبَهْرِجْ لا تُبَهْرِجْ
قال: فتركته وبت ليلتي فلما أصبح عدت إليه وناديت: يا راهب زدني من تلك
الحكمة، فقال لي: كل ممّا كسبته يمينك وعرق فيه جبينك فإن ضعف يقينك فسل ربك فإنه
يغنيك، ثم قال : [المتقارب]
وزُلْزلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالهَا
إذا اقْتَرَبَتْ ساعةٌ يا لها
من النّاس يومئذ مالها
فلا بُدّ من سائلِ قائلٍ
ورَبُّك لا شك أوْحَى لها
تُحَدِّثُ أخبارها رَبّها
تُشِيبُ الكهولَ وأطْفَالَها
وتَنْفَطِرُ الأرضُ عن ساعةٍ
ولكن ترى النَّفْسَ ما هالها
تَرَى الناسَ سَكّرى بلا قَهْوَةٍ
ترى النَّفْسَ ما قدمت محضراً
ذنوبي بلائي فما حيلتي
يحاسبها ملكٌ قادرٌ
ولو ذرةً كان مِثْقَالها
إذا كنت في الحَشْرِ حَمَّالَها
فإما عليها وإمَّا لها
قال: فتركته وبت ليلتي، فلما أصبح عدت إليه وناديته: يا راهب زدني من تلك
الحكمة، فقال لي: صلّ الفرض واذكر العرض ولا تطلب من أحد الصلة ولا القرض، ثم
قال: [الطويل]
وتَرْكُكَ للعصيان حَقّاً متى يُقْضَى
متى تَهْجُر الدُّنْيا وتَنْوي لها بُغْضًا
وعُمْرُك للدنيا يُساقُ بها رَكْضًا
متى يا صَفِيقَ الوَجْهِ تَنْوي بتوبة
يَرُضُّكَ ثقلُ اللبن تحت الثَّرَى رَضًّا
فلا بُدّ بعد الموت أن تَسْكُنَ الِلَى
وتَشْهَدُ أهْوالَ القيامةِ والعَرْضَا
وتُعْطَى كتاباً فيه كل فضيحةٍ
لعلَّ الذي أسْخَطْتَهُ لَعَسَى يَرْضَى
فقُمْ في دَيَاجِي اللَّيْل لله طائعاً
قال: فتركته وبتّ ليلتي، فلما أصبح عدت إليه وناديته: يا راهب زدني من تلك
الحكمة، فقال لي: يا هذا شغلتني عن عبادة ربي فقمت إليه مودعاً فقال لي: كل الصبر والزم
الفقر، ثم أنشد: [الوافر]
إذا كُنْتَ المُصِرَّ على الفَسَادِ
متى تُهْدَى إلى سُبُلِ الرَّشادِ
وَلَيْلَك لا تملُّ من الرّقَّادِ
نَهَارَكَ لاعباً تَغْتَرُّ فيه
أضَرَّ عليك من ظُلْم العِبَادِ
فَدَعْ ظُلْمَ العباد فليس شيءٌ
على السَّفَرِ البعيد على انْفِرَادِ
وَهَيِّ الزَّادَ إنك ذو رحِيلٍ
فإن المَوْتَ ميقاتُ العِبَادِ
تأهّبْ للَّذي لا بدّ منه
لهم زادٌ وأنت بغَيْر زَادِ
يَسُرُّكَ أن تكون زَمِيلَ قَوْمِ
وروينا عن بعض علماء هذا الشأن مَن أهل الله الناصحين أنفسهم أنه قال: ينبغي لمن
علم أن له مقاماً بين يدي الله عزّ وجلّ ليسأله عمّا أسلف في هذه الدار أن لا يؤثر القليل
الحقير على الجزيل الكثير، ولا التواني والتقصير على الجد والتشمير، ولا سيما إذا كان ممّن

٣٤٥
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
قد أيّده الله منه بإتقان العلم ولقح عقله بدلالات الفهم، أن لا يتحير في ظلمة الغفلة التي تحير
فيها الجاهلون، والعجب كل العجب لأهل هذه الصفة كيف استوحشوا من طاعة الله وأنسوا
بغيره وركنوا إلى الدنيا وتقلب حالاتها وكثرة آفاتها ولا زادتهم الدنيا إلاَّ هواناً ولا ازدادوا لها
إلاّ إكراماً، فما مستيقظ من وسنة يخلع وثيق الغل من عنقه ويهتك جلباب الران عن قلبه، وإن
من أنصح النصحاء لك يا أخي من حملك من أمرك على المحجة وأمرك بالرحلة ولم يحسن
لك سوف وأرجو ولعل ويكون فما رأيت هذه الخصال تورث صاحبها إلاَّ الخسارة والندامة،
فكابدوا التسويف بالعزم وبادروا التفريط بالحزم فقد وضح لكم الطريق والله المستعان
والمرشد والدليل.
وصية: سئل بعض أهل الله عن أعون ما يجده العبد على تسكين الشهوة فقال: الصيام
بالنهار والقيام بالليل وحذف الشهوات والتغافل عنها وترك محادثة النفس يذكرها، فقيل له :
فإن الرجل يصوم بالنهار ويقوم بالليل ولا يأكل الشهوات ويجد في نفسه حركة واضطراباً فقال
له: ذلك من فرط فضل شهوة مقيمة فيه من الأول فليقطع أسباب المادة منها جهده ويمسكها
عن نفسه بالهموم والأحزان وتسكين سلطانها بذكر الموت وتقريب الأجل وقصر الأمل وما
يشغل القلوب، اقطع عن نفسك الشهوات واستقبل مراقبة من هو عليك رقيب والمحافظة
على طاعة من هو عليك حسيب، نسأل الله تعالى التوفيق على بلاغ الطريق، والخروج من كل
ضيق إنه قوي شفيق .
وصية في ذكرى: قال بعض العلماء: من وثق بالمقادير استراح ومن صحّح استراح،
ومن تقرّب قرب، ومن صفّى صفّي له، ومن توكّل وثق، ومن تكلّف ما لا يعنيه ضيّع ما
يعينه، وقيل لبعضهم: بم ينال العبد الجنة؟ فقال: بحسن استقامة ليس فيها روغان واجتهاد
ليس معه سهو، ومراقبة الله في السرّ والعلانية، وانتظار الموت بالتأهّب له، والمحاسبة
لنفسك قبل أن تحاسب، كن عارفاً خائفاً ولا تكن عارفاً واصفاً، لا تكن خصماً لنفسك على
ربك تستزيده في رزقك وجاهك، ولكن كن خصماً لربك على نفسك لا تجمع معك عليك
ولا تلق أحداً بعين الازدراء والتصغير وإن كان مشركاً خوفاً من عاقبتك فلعلك تسلب المعرفة
ويرزقها. وقال ذو النون: تعوّذوا بالله من النبطي، وقيل من القبطي إذا استغرب، وهذه وصية
عجيبة مجربة قالها مجرب ولها حكاية. قال ذون النون المصري: رأيت في بربا بموضع يقال
له دندره مكتوباً فيها: احذروا العبيد المعتقين والأحداث المتغربين والجند المتعبدين والقبط
المستعربين، حدثنا بهذا يونس بن يحيى العباسي القصار تجاه الركن اليماني سنة تسع وتسعين
وخمسمائة عن أبي بكر بن عبد الباقي عن أبي الفضل بن أحمد عن أحمد بن عبد الله عن
محمد بن إبراهيم قال: سمعت عبد الحكيم بن أحمد بن سلام يقول: سمعت ذا النون يقول
الحكاية .
وصية إلهية: حدثنا العماد عبد الله بن الحسن المعروف بابن النحاس قال: حدثني بدر
الحزري قال: قال لي علي بن الخطاب الجزري بالجزيرة وكان من الصالحين رأيت الحق

٣٤٦
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
في النوم فقال لي: يا ابن الخطاب تمن قال: فسكت، فقال لي: يا ابن الخطاب تمن قال:
فسكت، قال ذلك ثلاثاً ثم قال لي في الرابعة: يا ابن الخطاب أعرض عليك ملكي وملكوتي
وأقول لك تمن وتسكت، فقال: قلت يا رب إن نطقت فبك وإن تكلمت فبما تجريه على
لساني فما الذي أقول؟ فقال: قل أنت بلسانك فقلت: يا رب قد شرفت أنبياءك بكتب أنزلتها
عليهم فشرفني بحديث ليس بيني وبينك فيه واسطة، فقال: يا ابن الخطاب من أحسن إلى من
أساء إليه فقد أخلص الله شكراً ومن أساء إلى من أحسن إليه فقد بدل نعمة الله كفراً، قال
فقلت: يا رب زدني فقال: يا ابن الخطاب حسبك حسبك.
وصية: بل وصايا إلهية أصدق الوصايا وأنفعها ما ورد في القرآن العزيز من أوامر الحق
عباده ونواهيه المنزل من حكيم حميد نزل به الروح الأمين على قلب محمد وَ الر ليكون من
المنذرين بلسان عربي مبين، فلنذكر منها ما يسره الله على لسان مذكر بذلك القلوب الغافلة
وتبركاً بكلام الله تعالى وجلّ، فمن ذلك: ﴿لَا نُفْسِدُواْ فِىِ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١] ﴿مَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ
النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٣] ﴿أَعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ
أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] وهنا سر لمن تفكر ﴿فَأَتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ
وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَلِحَتِ أَنَّ لَمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
اٌلْأَنْهٌَ﴾ [البقرة: ٢٥] ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٌّ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَ إِيَنِىَ فَأَرْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] ﴿أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ أَلَِّىّ
أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] ﴿وَءَامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ٤١] ﴿وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ
بِّ، وَلَا تَشْتَرُواْ بِثَابَتِى ثَمَّنَا قَلِيلًاً وَإِيَنَ فَأَتَّقُونِ وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْثُواْ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٤٢
وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَزْكَعُواْ مَعَ الَّكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤١- ٤٣] ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾
[البقرة: ٤٥] ﴿وَأَنَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ
يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] ﴿فَتُوبُوْاْ إِلَى بَارِيَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]
﴿وَقُولُواْ حِظَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] ﴿كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة:
٦٠] ﴿خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣] ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ
الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٨٣] ﴿لَا تَسْفِكُونَ بِمَآءَ كُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَرِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤] ﴿ءَامِنُواْ
بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩١] ﴿خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَسْمَعُواْ﴾ [البقرة: ٩٣] ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:
١٠٢] ﴿لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] ﴿فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ﴾ [البقرة: ١٠٩] ﴿وَمَا
نُقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ﴾ [البقرة: ١١٠] ﴿وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلٌ وَعَهِدْنَا إِلَى
إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ طَهِرَا بَيْتِىَ لِلَّبِفِينَ وَالْعَلَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا
وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] ﴿قُولُواْ ءَامَنَا بِلَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ
وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَّا أُوتِىَ النَّبِيُّونَ مِنْ زَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٣٦] ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ
شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] ﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ﴾

٣٤٧
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
[البقرة: ١٤٨] ﴿فَلَا تَّخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ﴾ [البقرة: ١٥٠] ﴿فَذْكُرُونِيّ أَذْكُرَّكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾
[البقرة: ١٥٢] ﴿كُلُواْ مِمَا فِ اَلْأَرْضِ حَلَا طَيْبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنّ﴾ [البقرة:
١٦٨] ﴿أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٧٠] ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهَرَ فَلْيَصُمّةٌ وَلِتُكْمِلُواْ الْمِدَّةَ
وَلِتُكَتِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى﴾ [البقرة: ١٨٦] ﴿وَكُلُواْ
وَأَشْرَبُواْ حَّى يَقَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِّ ثُمَّ أَيِّقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الََّلِّ وَلَا
تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِ الْمَسَجِدِّ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] ﴿وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَلَكُمْ
بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْمُحُكَامِ﴾ [البقرة: ١٨٨] ﴿وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]
﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ اَلْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُنْ
وَلَا تَفْتَدُوْاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] ﴿ وَأَقْتُلُهُمْ حَيْثُ تَفِفْئُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ
أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] ﴿وَلَا نُقَدِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الَْرَامِ حَّى يُقَدِلُوكُمْ فِيَّةٍ فَإِن قَتَلُوَكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة:
١٩١] ﴿وَقَائِلُهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الذِينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] ﴿فَمَنِ أُعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ
بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ﴿وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيَدِيَكُمْ إِلَى النَُّكَةِ وَأَحْسِنُوَّا﴾
[البقرة: ١٩٥] ﴿ وَأَنِعُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ﴿وَلَا تَخْلِّقُواْ رُءُ وسَكُرْ حَّ ◌َلُغَ اَلْهَدَّىُ مِلَّ اللَّهَ﴾ [البقرة:
١٩٦] ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَىَّ وَأَتَّقُونِ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] ﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ
عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] ﴿أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ
النَّاسُ وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٩] ﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة:
٢٠٠] ﴿ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] ﴿أَدْخُلُواْ فِى الْسِلْمِ كَافَّةٌ﴾ [البقرة:
٢٠٨] ﴿وَلَا نُقَائِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَّى يُقَتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى
يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] ﴿وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ [البقرة: ٢٢١] ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِىِ الْمَحِيضِّ
وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَظْهُرْنٌّ فَإِذَا تَهَّرْنَ فَأَنُوهُنَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ﴿فَأْتُوْ حَرْتَكُمْ أَنَّ شِئْتُمْ
وَقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ مُلَقُوهُ وَبَشِرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةٌ
لِأَيْمَنِكُمْ أَن تَبَرُوا وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٣-٢٢٤] ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا
تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] ﴿فَأَمْسِكُوهُنَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّجُوهُنَّ بِعْرُوفٍّ وَلَا تُّنِكُهُنَّ ضِرَارًا لِيَعْنَدُواْ﴾ [البقرة:
٢٣١] ﴿وَلَا نَتَّخِذُوَأْ ءَايَتِ اَللَّهِ هُزُوًا وَأَذَكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِنَبِ وَالْحِكْمَةِ
يَعِظُكُم بِدٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] ﴿لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا
وَلَا مَوْلُوٌَّ لَّهُ بِوَلَدِهٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ﴿لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفَأُ وَلَا تَغْزِمُواْ عُقْدَةَ
النِكَاجِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِنَبُ أَجَلَهُ، وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ فَأَخْذَرُوهُ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورُ
حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥] ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] ﴿وَأَنْ تَعْفُوّا
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنسَواْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ﴿حَفِظُواْ عَلَى الضَلَوَتِ وَالضَلَوْةِ الْوُسْطَى
وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] ﴿ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْتَكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا

٣٤٨
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
شَفَعَةٌ ﴾ [البقرة: ٢٥٤] ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَاَلْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا
كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُوا أَلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِفَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ
فِيهٍ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرِّبَوْا﴾ [البقرة: ٢٧٨] ﴿ وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى
اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب ◌َيْنَكُمْ كَائِبُ بِالْعَدْلِ
وَلَا يَأْبَ كَاتِبُ أَنْ يَكْثُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا
يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ
بِالْعَدْلِّ وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمٌّ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ
الشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَنُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَىَّ وَلَا بَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلَا تَسْتَمُوّا أَنْ
تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿فَلْيُؤَدِّ
الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَنَتَهُ وَلِيَتَقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
واعلم أن الله تعالى قد ذكر في كتابه كل صفة يحمدها الله وكل صفة يذمّها الله وصية لنا
وتعريفاً أن نجتنب ما ذمّ من ذلك، ونتصف بما حمد من ذلك، وقرّرٍ على أمور وبخ بها عباده
ونعت كل صاحب صفة بما هو عليه عند الله، فممّا حمد: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ وَيُقِيمُونَ
الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] والإيمان بما أنزل على الرسل عليهم السلام
والإيقان بالآخرة وقال فيهم: ﴿أُوْلَبِكَ عَلَى هُدَّى مِّرِ زَّبِّهِمْ﴾ أي على بيان وتوفيق حيث صدقوا
ربهم فيما اخبرهم به مما هو غيب في حقهم ﴿وَأَوْلِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] الناجون من
عذاب الله الباقون في رحمة الله. وممّا ذمّه الكافر والمنافق فالكافر ذو الوجه الواحد الذي
أظهر معاندة الله فسواء عليه أعلمه الحق أو لم يعلمه فإنه لا يؤمن بشيء من ذلك لا عقلاً ولا
شرعاً، وأخبر أن الله تعالى ختم على قلبه بخاتم الكفر فلا يدخله الإيمان مع علمه به وختم
على سمع فهمه وهو الجاهل، فلم يعلم ما أراد الله بما قاله وعلى أبصار عقولهم غشاوة حيث
نسبوا ما رأوه من الآيات إلى السحر، وقال في ذي الوجهين وهو المنافق أنه يقول: ﴿ءَامَنًا
بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] وبما جاء من عند الله وهو ليس كذلك وإنما يفعل ذلك خداعاً لله والذين آمنوا
وجعل الفساد صلاحاً والصلاح فساداً، والإيمان سفهاً والمؤمنين سفهاء، ويأتي المؤمنين
بوجه يرضيهم، ويأتي الكافرين بوجه يرضيهم، فأخبر الله أن هؤلاء هم ﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَلَةَ
بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تَرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] وأنهم ﴿مُُّ﴾ [البقرة: ١٨] عن سماع
ما ذكرهم الله به ﴿بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٨] عن الكلام بالحق ﴿عُنْىٌ﴾ [البقرة: ١٨] عن النظر في آيات
الله، وأنهم ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]. وممّا ذمّ الله ﴿ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ،
وَيَقْطَّعُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِّ أُوْلَبِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧] وقرّر
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْبِيَكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
[البقرة: ٢٨] ووبّخ ﴿﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِتَبَّ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:
٤٤] وممّا ذمّ من أعطاه الأنفس فطلب الأدون لقلة علمه ودناءة همته فقال: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى

٣٤٩
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
لَنْ تَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١] يشير إلى أن الصبر مع الله صعب ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا
مِمَّا تُنِتُ اٌلْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِشَّآَبِهَا وَفُوِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَنتَشَتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى﴾ [البقرة:
٦١] وهو ما ذكروه ﴿بِالَّذِى هُوَ خَّرْ﴾ [البقرة: ٦١] وهو ما أنزل الله عليهم من المن والسلوى
فأشار إلى دناءة همتهم بقوله: ﴿أَهْبِطُواْ مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١] لما نزلوا إلى الأدون من الأعلى
قيل لهم ﴿أَهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾ إنما هي أعمالكم ترد عليكم ﴿وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ
الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١] لأنهم هبطوا﴿ وَبَاءُو بِغَضَرٍ مِنَ الَهُ﴾ [البقرة: ٦١] لأنهم لم يختاروا
ما اختار الله لهم وكفروا بالأنبياء وبآيات الله وقتلوا الأنبياء بغير الحق وعصوا واعتدوا وممّا
ذمّهم به القساوة فقال بعد تقرير ما أنعم الله به عليهم ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَلِجَارَةِ
أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ ﴾ [البقرة: ٧٤] وإنما كانت أشد قسوة ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَّرُ مِنْهُ آلْأَنْهَدُ وَإِنَّ
مِنْهَا لَمَا يَشَفَّقُ فَيَخُْجُ مِنْهُ الْمَةً وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خََْةِ اَللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] وأنتم ما عندكم في
قلوبكم من هذا شيء يذْمهم بذلك، وممّا ذمّ من يقول: ﴿مَا تُوَسْوِسُ بِهِ، نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] وما
يسول له شيطانه هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً من الجاه والرياسة عليهم وما يحصلوه
من المال فأخبر الله تعالى أن لهم الويل من الله من أجل ذلك، هذا كله ذكره الله في كتابه لنا
لنجتنب مثل هذه الصفات.
وممّا أوصى به عباده ممّا يحمده ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَى
وَأَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٨٣] فمن يعمل
بوصيته ووصف حاله على جهة الذمّ يسمعنا تعالى ما جرى من عباده حتى لا نسلك مسلكهم
الذي ذمّهم الله به فقال عقيب هذا القول: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنكُمْ وَأَنْتُم ◌ُعْرِضُونَ﴾
[البقرة: ٨٣] ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَكرِهِمْ تَظَهَرُونَ عَلَيْهِم
بِلْإِمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَرَى تُفَدُوهُمْ وَهُوَ نُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ
اُلْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍٍ﴾ [البقرة: ٨٥]: كما قال في حقهم وحق أمثالهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ
وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾ [النساء: ١٥٠] وأخبر أن هؤلاء ﴿هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّاً ﴾ [النساء:
١٥١] وقال: ﴿فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّ خِىٌ فِىِ الْحَيَوْةِ الذُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدُّونَ
إِلَ أَشَدِّ الْعَذَابٍ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥] فإنه أخبر عن هؤلاء أنهم ﴿الَّذِينَ أُشْتَرَوُاْ
الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦] كما اشتروا أولئك
الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين، كما اشتروا أمثالهم العذاب بالمغفرة،
فتعجب الله من صبرهم على النار بقوله: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] فدلّ على
أنهم عرفوا الحق وجحدوا مع اليقين، كما قال في حق من هذه صفته في النمل: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا
وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] أنها يعني الآيات براهين على صدقهم فيما أخبروا به عن الله
﴿ظُلْمًا وَعُلُواْ﴾ [النمل: ١٤] وأي آية كانت للعرب معجزة مثل القرآن ولذلك قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ
نَزَّلَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١٧٦] وقال في الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى من

٣٥٠
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
بعد ما بيناه للناس في الكتاب ﴿أُوْلَتْبَكَ يَلْعَثُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ الََّعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وأنه من سئل
عن علم تعين عليه الجواب عنه وهو يعلمه فكتمه وهو ممّا أنزله الله ألجمه الله بلجام من نار
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ، ثَمَنَا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٧٤] أي بكتمانهم
لما حصلوه من المال والرياسة بذلك أن ﴿ أُوْلَِّكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِمُهُمُ اللَّهُ وَلَا
يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلٌِ﴾ [آل عمران: ٧٧].
وأوصى عباده أيضاً فقال لهم: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِّ
مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلْبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّيْنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَمَى
وَاَلْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِينَ وَفِىِ الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا
عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] فأخبر أن ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ
هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وأوصى ولي الدم أن يعفو ويخلي بين القاتل والمقتول يوم القيامة،
وأخبر ◌َّ أن حكم القاتل قواداً حكم القاتل اعتداء وهو قوله: ﴿وَحَزَّوُاْ سَفِئَةٍ سَفِئَةٌ مِثْلُهَاَ﴾
[الشورى: ٤٠] فقال في صاحب التسعة: أما إن قتله كان مثله فتركه ولم يقتله، فمن عفي له من
أخيه شيء فاتباع بالمعروف من ولي الدم وأداء إليه بإحسان من القاتل إلى ولي الدم ﴿فَمَنِ
اُعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ١٧٨] أي إن قتله بعد ذلك غدراً وقد رضي بالدية وبما عفا عنه منها
﴿فَلَمُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] وذكر في حق من حضرته الوفاة أن يوصي ممّا له التصرف فيه
من ماله وهو الثلث للأقربين وهم الذين لا حظ لهم في الميراث وللوالدين وهو مذهب ابن
عباس حتى أنه يعصي عنده من لم يوص لوالديه عند الموت بالمعروف وهو أنه لا يتجاوز
ثلث ماله وأخبر أنه ﴿حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] وأخبر أنه من بدّله بعد ما سمعه من
الموصي أن إثمه على الذين يبدلونه من الأولياء والحكام. وأخبر عن الساعي بالصلح بين
الموصي والموصى له أنه لا إثم عليه فهذه كلها وصايا إلهية منصوص عليها، ومنها أيضاً أخبر
الحق أنه لا يتبع المتشابه من الكتاب ويتأوله على ما يعطيه نظره إلاَّ من في قلبه زيغ أي ميل
عن الحق، وأخبر أنه ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، إِلَّا اللّهُ ﴾ [آل عمران: ٧] وأن ﴿وَالرَّسِخُونَ فِى الْعِلْمِ يَقُولُونَ
ءَامَنَّا بِهِ، كُلِّ ◌ِنْ عِندِ رَبِنَا﴾ [آل عمران: ٧] ومن جعله معطوفاً فيكون الراسخون في العلم من
أعلمهم الله بتأويل من أراد بذلك، وأقام الله عذر عباده في قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾
[آل عمران: ١٤] الآيات. وأخبر عن ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَاَ ءَامَنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ
الصَّبِينَ وَالْفَدِينَ وَاَلْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٦-١٧] وهم
النَّارِ (لا)
﴿لِلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِينَ فِيهَا وَأَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [آل عمران:
١٥] وأخبر سبحانه أن الذين ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ
مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] أن لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرينٍ ينجيهم من ذلك العذاب،
ونهانا أن نتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين في نصرة دينه إلا أن تتقوا منهم ثقاة وأنه من
فعل ذلك فليس من الله في شيء، وقد حذرنا الله نفسه وقاله ◌َلّ حين نهانا عن التفكر في
ذات الله أنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وقال الله لنبيه أن يقول لنا: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ

٣٥١
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
تُحِبُّونَ اَللَّهَ فَِّعُونِ﴾ [آل عمران: ٣١] وأخبر أنه من اتبع رسول الله فقال: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ
ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].
وصية إلهية: قال الله: ((أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشُرْكِ فَمَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي
فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ وَهُو لِلَّذِي أَشْرَكَ)) .
وصية إلهية: يقول الله عزّ وجلّ: ((إنَّ أَغْبَطَ أَوْلِيَائِي عِنْدِي لَمُؤْمِنْ خَفِيفُ الحَاذِ ذُو حَظّ
مِنْ صَلاةٍ أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَأَطَاعَهُ فِي السِّرِّ وَالعَلاَنِيَةِ وَكَانَ غَامِضاً فِي النَّاسِ لا يُشَارُ إِلَيْهِ
بِالأَصَابِعِ وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافاً فَصَبَرَ عَلَى ذُلِكَ)). ثم نقر رسول الله وَّ عندما قال هذا الحديث
عن ربه بَيديه ثم قال: ((عُجْلَتْ مَنِيَتُهُ وَقَلَّتْ بَوَاكِيهِ وَقَلَّ تُرَاتُهُ)) .
وصية في إصلاح ذات البين: قال أنس بن مالك: بينما رسول الله وَ ي جالساً إذا رأيناه
يضحك حتى بدت ثناياه فقال عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ قال: ((رَجُلانِ
مِنْ أُمَّتِي جَثَيَا بَيْنَ يَدَي رَبِّ العِزَّةِ تَعَالَى فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يا رَبِّ خُذْ لِي بِمَظْلَمَتِي مِنْ أَخِي فَقَالَ:
أَعْطِ أخَاكَ مَظْلَمَتَهُ، قَالَ: يا رَبِّ لَمْ يَبْقَ مِنْ حَسَنَاتِي شَيْءٌ، قَالَ: يَا رَبِّ فَلْيَحمِلْ عَنِّي مِنْ
أَوْزَارِي وفَاضَتْ عَيْنَا رسول اللهِ وَّهِ بالبكاء ثم قال: إنَّ ذلك لَيَوْمٌ عَظِيمٌ يَوْمَ يَحْتَاجُ النَّاسُ فِيهِ
أنْ يُحْمَلِ مِنْ أَوْزَارِهِمْ، قَالَ: فَيَقُولُ الله عَزَّ وَجَلَّ لِلطَّالِبِ: ارْفَعْ رَأْسَكَ فَانْظُرٍ إلى الجِنَانِ فَرَفَعَ
رَأْسَهُ فَقَالَ: يَا رَبِّ أَرَى مَدَائِنَ مِنْ فِضَّةٍ وَقُصُوراً مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِاللُّؤْلُوِ لِأَيِّ نَبِيٍّ هذا؟ لأيّ
شَهِيدٍ هذا؟ قَالَ: هذا لِمَنْ أَعْطَانِ الثَّمَنَ، قال: يا رَبِّ وَّمَنْ يَمْلِكُ ذُلِكَ؟ قَالَ: أَنْتَ تَمْلِكُ،
قَالَ: بِمَاذَا يا رَبِّ؟ قَالَ: بِعَفْوِكَ عَنْ أَخِيكَ، قالَ: يا رَبِّ قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ، قالَ الله تَعَالَى: خُذْ
بِيَدِ أَخِيكَ فَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ، ثُمَّ قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: اتَّقُوا وَأَضْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ فَإِنَّ الله تَعَالَى
يُصْلِحُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ)) .
وصايا إلهية من التوراة: روينا من حديث كعب الأحبار أنه قال: وجدت في التوراة
اثنتي عشرة كلمة فكتبتها وعلقتها في عنقي أنظر فيها في كل يوم إعجاباً بها: يا ابن آدم إن
رضيت بما قسمت لك أرحت قلبك وبدنك وأنت محمود، وإن لم ترض بما قسمت لك
سلطت عليك الدنيا حتى تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم وعزتي وجلالي لا تنال
منها إلاَّ ما قدرت لك وأنت مذموم يا ابن آدم كل يريدك له وأنا أريدك لك، وأنت تفرّ مني يا
ابن آدم ما تنصفني يا ابن آدم، خلقتك من تراب ثم من نطفة ولم يعييني خلقك أفيعييني رغيف
أسوقه إليك في حين، يا ابن آدم إني وحقي لك محب فبحقي عليك كن لي محباً، يا ابن آدم
خلقتك من أجلي وخلقت الأشياء من أجلك فلا تهتك ما خلقت من أجلي فيما خلقت من
أجلك، يا ابن آدم كما لا أطالبك بعمل غد لا تطالبني برزق غد، يا ابن آدم لي عليك فريضة
ولك عليّ رزق إن خنتني في فريضتي لم أخنك في رزقك على ما كان منك، يا ابن آدم لا
تخافن قوت الرزق ما دامت خزانتي مملوءة وخزانتي مملوءة لا تنفد أبداً، يا ابن آدم لا تخافن
من ذي سلطان ما دام سلطاني باقياً وسلطاني باق لا ينفد أبداً، يا ابن آدم لا تأمن مكري حتى
تجوز على الصراط .

٣٥٢
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
وصية خليلية في الوجل من الله تعالى: لما قال الله تعالى لإبراهيم الخليل عليه السلام:
يا إبراهيم ما هذا الوجل الشديد الذي أراه منك؟ قال: فقال له إبراهيم: يا رب وكيف لا
أوجل ولا أكون على وجل وآدم أبي كان محله في القرب منك خلقته بيديك ونفخت فيه من
روحك وأمرت الملائكة بالسجود له فبمعصية واحدة أخرجته من جوارك، فأوحى إليه: يا
إبراهيم أما علمت أن معصية الحبيب على الحبيب شديدة؟
وصية إلهية بما يحجب عن الله فعله: أوحى الله عزّ وجلّ إلى داود عليه السلام: ((يا
دَاوُدُ حَذِّرْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْلَ الشَّهَوَاتِ فَإِنَّ القُلُوبَ المُتَعَلِّقَةَ بِالشَّهَوَاتِ مَحْجُوبَةٌ عَنّي)) .
وصية إلهية بذكر الله على كل حال: قال موسى عليه السلام: أي رب أبعيد أنت
فأناديك أم قريب فأناجيك؟ فقال الله تعالى له: أنا جليس من ذكرني، من ذكرني فأنا معه،
قال: فأي العمل أحب إليك يا رب؟ قال: تكثر ذكري على كل حال.
وصية إلهية بقيام الليل: يَقُولُ الله تَعَالَى إذا نَزَلَ فِي الثُّلُثِ البَاقِي مِنَ اللَّيْلِ إلى السَّمَاءِ
الدُّنْيَا: ((كَذَبَ مَنِ الدَّعَى مَحَبَّتِي وَنَامَ عَنِّي، أَلَيْسَ كُلُّ مُحِبُّ يَطْلُبُ الخَلْوَةَ بِحَبِيبِهِ أنا ذا مُطَّلِعٌ
عَلَى أخْبَابِي وَقَدْ مَثْلُونِي بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ وَخَاطَبُونِي عَلَى المُشَاهَدَةِ وَكَلَّمُونِي بِحُضُورِي غَداً أَقِرُّ
أعْيُنَهُمْ فِي جَنَّاتِي)) .
وصايا بما كلم الله عزّ وجلّ بها نبيه موسى عليه السلام وذكرى: يا موسى ادن مني
واعرف قدري فإني أنا الله، يا موسى أتدري لم كلمتك من بين خلقي واصطفيتك برسالتي
وبكلامي دون بني إسرائيل؟ قال لا يا رب، قال: لأني اطلعت على أسرار عبيدي فلم أر قلباً
أصفى لمودتي من قلبك، قال موسى: لم خلقتني يا رب ولم أك شيئاً؟ قال: أردت بك
خيراً، قال رب منّ عليّ؟ قال: أسكنتك جنتي في جواري مع ملائكتي فتكون هناك منعماً
مخلداً ملتذاً فرحاً مسروراً أبد الآبدين، فقال موسى: يا رب فما الذي ينبغي لي أن أعمل؟
قال لا يزال لسانك يكون رطباً من ذكري وقلبك وجلاً من خشيتي وبدنك مشغولاً بخدمتي
ولا تأمن مكري ولو ترى رجلك في الجنة، قال موسى: يا رب فلم ابتليتني بفرعون؟ قال:
إنما اصطنعتك لنفسي أخاطب بلسانك بني إسرائيل فأسمعهم كلامي وأعلمهم شريعة التوراة
وسنّة الدين وطرائق الآخرة، من اتبعك منهم ومن غيرهم كائناً من كان يا موسى، بلغ بني
إسرائيل وقل لهم: إني لما خلقت السموات والأرض خلقت لهما أهلاً وسكاناً فأهل سمواتي
هم الملائكة وخالص عبادي الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، يا موسى بلّغ
عني بني إسرائيل وقل لهم من قبل وصيتي وأوفى بعهدي ولم يعصني رقيته إلى رتبة ملائكتي
وأحللته جنتي معهم وجازيتهم بأحسن ما كانوا يعملون، يا موسى قل لبني إسرائيل عني أني
لما خلقت الجنّ والإنس والحيوانات ألهمتهم مصالح الحياة الدنيا عرفتهم كيفية التصرّف فيها
لطلب منافعها والهرب من مضارها كل ذلك لما جعلت لهم من السمع والبصر والفؤاد
والتمييز والشعور أجمع، فهكذا ألهمت أنبيائي ورسلي والخواص من عبادي، وعرفتهم أمر
المبدأ والمعاد والنشأة الأخرى وبينت لهم الطريق وكيفية الوصول إليها، يا موسى قل لبني

٣٥٣
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
إسرائيل يقبلون من الأنبياء وصيتي ويعملون بها واضمن عني لهم أني أكفيهم كل ما يحتاجون
إليه من مصالح الدنيا والآخرة جميعاً إذا أوفوا بعهدي أوف بعهدهم كائناً من كان من سائر بني
آدم، وألحقتهم بأنبيائي وملائكتي في الدار الآخرة دار القرار، فقال موسى: يا رب لو خلقتنا
في الجنة وكفيتنا محن الدنيا ومصائبها وبلاياها أليس كان خيراً لنا؟ قال: يا موسى قد فعلت
بأبيكم آدم ما ذكرت ولكن لم يعرف حقها ولم يحفظ وصيتي ولم يوف بعهدي بل عصاني
فأخرجته من الجنة فلما تاب وأتاب وعدته أن أردّه إليها وآليت على نفسي أن لا يدخلها أحد
من ذريته إلاَّ من قبل وصيتي وأوفى بعهدي ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] ولا يدخل
جنتي المتكبرين لأني جعلتها للذين ﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾
[القصص: ٨٣] يا موسى ادع إلي عبادي وذكرهم بآلائي فإنهم لا يذكرون شيئاً من ذلك إلاَّ كان
خيراً لهم سالفاً وآنفاً عاجلاً وآجلاً، يا موسى الويل لمن تفوته جنتي ويا حسرة عليه وندامة
حين لا ينفعانه، يا موسى خلقت الجنة يوم خلقت السموات والأرض وزينتها بألوان المحاسن
وجعلت نعيم أهلها وسرورهم روحاً وريحاناً فلو نظر أهل الدنيا إليها نظرة من بعيد لم تغنهم
الحياة الدنيا بعدها، يا موسى هي مذخورة لأوليائي وعبادي الصالحين تحيتهم يوم يلقونه
سلام طوبى لهم وحسن مآب .
ومن الوصايا الإلهية: ((يا ابْنَ آدَمَ صَلِّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أَوَّلَ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ» خرّجه
النسائي. توبيخ إلهي يتضمن وصية يقول الله: ((يا ابْنَ آدَمَ أَنَّى تُعْجِزُنِي وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْلِ
هذِهِ حَتَّى إذا سَوَيَّتُكَ وَعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ يَدَيْكَ وَلِلأَرْضِ مِنْكَ وَئِيذٌ - يَعني صوتاً - ثمَّ جَمَعْتَ
وَمَنَعْتَ حَتَّى إذا بَلَغَتِ التَّرَاقِي قُلْتَ أَتَصَدَّقُ وَأَنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةٍ)) .
وصية إلهية بإشفاق: يقول الله: ((يا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ إِن تَبْذُلِ الفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَإِنْ تُمْسِكُهُ
شَرِّ لَكَ، وَلا تُلامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأُ بِمَنْ تَعُولُ، وَالِيَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى)) .
وصية إلهية فيها لطف : حدّثني بها موسى بن محمد القرظي بمكة والضيا عبد الوهاب
بن سكينة ببغداد عند اجتماعي به برباطه قال: يقول الله: إذا أحدث عبدي ولم يتوضأ فقد
جفاني وإذا توضأ ولم يصل فقد جفاني وإذا صلَّى ولم يدعني فقد جفاني، وإذا دعاني ولم
أجبه فقد جفوته ولست برب جاف ولست برب جاف ولست برب جاف.
وصية إلهية نافعة في طهارة الجوارح: يقول الله: يا أخا المرسلين ويا أخا المنذرين
يعنى سيدنا محمداً ﴾ وصية يبلغها إلينا عن ربه عزّ وجلّ أن لا تدخلوا بيتاً من بيوتي إلاَّ
بقلوب سليمة وألسن صادقة وأيدٌ نقية وفروج طاهرة، ولا تدخلوا بيتاً من بيوتي ولأحد من
عبادي عند أحد منهم ظلامة فأي العبيد ما دام قائماً بين يدي يصلي فإني لا أقبل صلاته حتى
يردّ تلك الظلامة إلى أهلها فإذا فعل فأكون سمعه الذي يسمع به وأكون بصره الذي يبصر به
ويكون من أوليائي وأصفيائي ويكون جاري مع النبيين والصدّيقين والشهداء في الجنة .
وصية إلهية في توبيخ الواثب على الدنيا: قال الله تعالى: ((يا ابْنَ آدَمَ رَهَضَتْكَ الدُّنْيَا
ثَلاثَ رَهضاتٍ: الفَقْرَ وَالمَرَضَ وَالمَوْتَ وَمَعَ ذُلِكَ إِنَّكَ لَوَثَّابٌ)).
الفتوحات المکیة ج٨ - م٢٣

٣٥٤
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
وصية ملكية بالتواضع: أوحى الله إلى محمد بَّ وعنده جبريل إن شئت نبياً عبداً وإن
شئت نبياً ملكاً فنظر إلى جبريل فأومأ إليه جبريل أن تواضع قال: فقلت نبياً عبداً فلو قلت نبياً
ملكاً لسارت معي الجبال ذهباً وفضة.
وصية إلهية بتعظيم الأولياء: يقول الله تعالى: ((مَنْ أَهانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي
بِالمُحَارَبَةِ)). وفي رواية: فقد أذنته بحرب. وقال: أحب عبادة عندي النصيحة. وقال تعالى:
يا ابن آدم خيري إليك نازل وشرك إليّ صاعد وأنا أتحبب إليك بالنعم وأنت تتبغض إليّ
بالمعاصي في كل يوم يأتيني ملك كريم بقبيح فعلك، يا ابن آدم ما تراقبني أما تعلم أنك
بعيني، يا ابن آدم في خلواتك وعند حضور شهواتك اذكرني وسلني أن أنزعها من قلبك
وأعصمك عن معصيتي وأبغضها إليك وأيسر لك طاعتي وأحببها إليك وأزين ذلك في عينك،
يا ابن آدم إنما أمرتك ونهيتك لتستعين بي وتعتصم بحبلي لا أن تعصيني وتتولى عني وأعرض
عنك أنا الغني عنك وأنت الفقير إليّ، إنما خلقت الدنيا وسخرتها لك لتستعد للقائي وتتزود
منها لئلا تعرض عني وتخلد إلى الأرض. اعلم أن الدار الآخرة خير لك من الدنيا فلا تختر
غير ما اخترت لك ولا تكره لقائي فإنه من كره لقائي كرهت لقاءه ومن أحب لقائي أحببت
لقاءه .
وصية إلهية برغبة ورهبة رويناها: من حديث بن مسلمة بن وضاح من أهل قرطبة رحمه
الله قال: ((قال الله لبني إسرائيل رغبناكم في الآخرة فلم ترغبوا، وزهدناكم في الدنيا فلم
تزهدوا، وخوّفناكم بالنار فلم تخافوا، وشوقناكم إلى الجنة فلم تشتاقوا، ونحنا عليكم فلم
تبكوا بشر القتالين بأن الله سيفاً لا ينام وهو دار جهنم)).
ومن وصايا العارفين بالله تعالى: لا تبق بمودة من لا يحبك إلاَّ معصوماً من صحبك
ووافقك على ما يحب وخالفك فيما يكره فإنما يصحب هواه ومن صحب هواه فإنما هو
طالب راحة الدنيا، يا معشر المريدين من أراد منكم الطريق فليلق العلماء بالجهل والزهاد
بالرغبة وأهل المعرفة بالصمت وأوصاني شيخي رحمه الله أول ما دخلت عليه قبل أن أرى
وجهه فقال لي وقد قلت له أوصني قبل أن تراني فأحفظ عنك وصيتك فلا تنظر إليّ حتى ترى
خلعتك علي، فقال رضي الله عنه، هذه همة شريفة عالية يا ولدي سدّ الباب واقطع الأسباب
وجالس الوهاب يكلمك من غير حجاب، فعملت على هذه الوصية حتى رأيت بركتها،
ودخلت عليه بعد ذلك فرأى خلعتها عليّ فقال: هكذا هكذا وإلاَّ فلا لا، ثم قال لي: امح ما
كتبت وانس ما حفظت واجهل ما علمت وكن هكذا معه على كل حال لا تتحدث معه بما قد
علمته فإن في ذلك تضييع الوقت، واطلب المزيد كما أمرك في قوله لنبيه وَله يأمره وأمته:
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] اطلب الحاجة بلسان الفقر لا بلسان الحكم، يقول الله لأبي
يزيد البسطامي تقرب إليّ بالذلة والافتقار، وقال له: اترك نفسك وتعال. أوحى الله تعالى إلى
موسى عليه السلام: كن كالطير الوحداني يأكل من رؤوس الأشجار ويشرب من الماء القراح
إذا جنه الليل آوى إلى كهف من الكهوف استئناساً بي واستيحاشاً ممّن عصاني، يا موسى آليت

٣٥٥
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
على نفسي أني لا أتم لمدبر من دوني عملاً، يا موسى لأقطعن أمل كل مؤمل أمل غيري
ولأقصمن ظهر من استند إلى سواي ولأطيلن وحشة من استأنس بغيري ولأعرضن عمّن أحب
حبيباً سواي، يا موسى إن لي عباداً إن ناجوني أصغيت إليهم، وإن نادوني أقبلت عليهم، وإن
أقبلوا عليّ أدنيتهم، وإن دنوا مني قربتهم، وإن تقربوا مني اكتنفتهم، وإن والوني واليتهم،
وإن صافوني صافيتهم، وإن عملوا لي جازيتهم، هم في حماي وبي يفتخرون، أنا مدبر
أمورهم، وأنا سايس قلوبهم، وأنا متولي أحوالهم، لم أجعل لقلوبهم راحة في شيء إلاَّ في
ذكري، فذكري لأسقامهم شفاء، وعلى قلوبهم ضياء، لا يستأنسون إلاَّ بي، ولا يحطون
رحال قلوبهم إلاّ عندي، ولا يستقر بهم القرار في الإيواء إلاَّ إلي.
حكي في زمان النبوّة الأولى أن بعض من يوحى إليه من المتقدمين فكر في أمر التكليف
والبلوى ولم يتجه له وجه الحكمة في ذلك وقد أمره الله بالتفكّر في عبادته فأخذ يناجي ربه في
خلوته بسرّه ولسانه فقال: يا رب خلقتني ولم تستأمرني ثم تميتني ولا تستشيرني وأمرتني
ونهيتني ولم تخيرني وسلطت عليّ هوىّ مردياً وشيطاناً مغوياً وركبت في نفسي شهوات
مركوزة وجعلت بين عيني دنيا مزينة ثم خوفتني وزجرتني بوعيد وتهديد وقلت: استقم كما
أمرت ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيلي، واحذر الشيطان أن يقربك والدنيا لا تغرّنك،
وتجنب شهواتك لا ترديك، وآمالك وأمانيك لا تلهيك، وأوصيك بأبناء جنسك فدارهم
ومعيشتك فاطلبها من وجه حلال، فإنك مسؤول عنها إن لم تطلبها، ومسؤول عنها إن طلبتها
من غير وجهها، ولا تنس الآخرة كما لم تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك
ولا تبغ الفساد في الأرض ولا تعرض عن الآخرة فتخسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران
المبين، فقد حصلت يا رب بين أمور متضادة وقوى متجاذبة وأحوال متقابلة، فلا أدري كيف
أعمل ولا أهتدي أي شيء أصنع، وقد تحيرت في أموري وضللت عن حيلتي، فأدركني يا
رب وخذ بيدي ودلني على سبيل نجاتي وإلاَّ هلكت، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: يا عبدي ما
أمرتك بشيء تعاونني فيه ولا نهيتك عن شيء كان يضرني إن فعلته، بل إنما أمرتك لتعلم أن
لك رباً وإلهاً هو خالقك ورازقك ومعبودك ومنشيك وحافظك وصاحبك وناصرك ومعينك،
ولتعلم بأنك محتاج في جميع ما أمرتك إلى معاونتي وتوبتي وهدايتي وتيسيري وعنايتي،
ولتعلم أيضاً بأنك محتاج في جميع ما نهيتك عنه إلى عصمتي وحفظي ورعايتي، وأنك إليّ
محتاج في جميع تصرفاتك وأحوالك في جميع أوقاتك من أمور دنياك وآخرتك ليلاً ونهاراً،
وأنه لا يخفى عليّ من أمورك صغير ولا كبير سرّاً وعلانية، وليتبين لك وتعرف أنك مفتقر
ومحتاج إليّ ولا بدّ لك مني، فعند ذلك لا تعرض عني ولا تتشاغل عني ولا تنساني ولا
تشتغل بغيري، بل تكون في دائم الأوقات في ذكري، وفي جميع أحوالك وجميع حوائجك
تسألني، وفي جميع تصرفاتك تخاطبني، وفي جميع خلواتك تناجيني، وتشاهدني وتراقبني،
وتكون منقطعاً إليّ من جميع خلقي ومتصلاً بي دونهم، وتعلم أني معك حيث ما تكن أراك
وإن لم ترني، فإذا أردت هذه كلها وتيقنت وبان لك حقيقة ما قلت وصحة ما وصفت تركت

٣٥٦
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
كل شيء وراك، واتصلت إليّ وحدك، فعند ذلك أقربك مني وأوصلك لي وأرفعك عندي
وتكون من أوليائي وأصفيائي وأهل جنتي في جواري مع ملائكتي مكرّماً مفضلاً مسروراً فرحاً
منعماً ملذذاً آمناً مبقى سرمداً أبداً دائماً. فلا تظن بي يا عبدي ظن السوء ولا تتوهم على غير
ما يقتضيه كرمي وجودي، واذكر سالف إنعامي عليك وقديم إحساني إليك وجميل آلائي
لديك، إذ خلقتك ولم تك شيئاً مذكوراً خلقاً سوياً، وجعلت لك سمعاً لطيفاً وبصراً حاداً
وحواس دراكة وقلباً ذكياً وفهماً ثاقباً وذهناً صافياً وفكراً لطيفاً ولساناً فصيحاً وعقلاً رصيناً،
وبنية تامة وصورة حسنة وأعضاء صحيحة وأدوات كاملة وجوارح طائعة، ثم ألهمتك الكلام
والمقال، وعرفتك المنافع والمضار، وكيفية التصرّف في الأفعال والصنائع والأعمال،
وكشفت الحجب عن بصرك، وفتحت عينيك لتنظر إلى ملكوتي، وترى مجاري الليل والنهار
والأفلاك الدوارة والكواكب السيارة، وعلمتك حساب الأوقات والأزمان والشهور والأعوام
والأيام، وسخرت لك ما في البر والبحر من المعادن والنبات والحيوان تتصرف فيها تصرف
الملاك وتتحكم فيها تحكم الأرباب، فلما رأيتك متعدياً جائراً باغياً خائناً طاغياً متجاوزاً الحد
والمقدار، عرفتك الحدود والأحكام والقياس والمقدار والإنصاف والحق والصواب والخير
والمعروف والسيرة العادلة ليدوم لك الفضل والنعم ويصرف عنك العذاب والنقم، وعرضتك
لما هو خير لك وأفضل وأشرف وأعز وأكرم وألذ وأنعم، ثم أنت تظن بي ظنون السوء
وتتوهم على غير الحق. يا عبدي إذا تعذر عليك فعل شيء مما أمرتك به فقل: لا حول ولا
قوّة إلا بالله العليّ العظيم كما قالت حملة العرش لما ثقل عليهم حمله، وإذا أصابتك مصيبة
فقل: إنا لله وإنا إليه راجعون كما يقول أهل صفوتي ومودتي، وإذا زلت بك القدم في
معصيتي فقل ما قال صفيي آدم وزوجته: ﴿رَبَّنَا ◌َلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ
الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] وإذا أشكل عليك أمر وأهمك رأي أو أردت رشداً وقولاً صواباً فقل
وَإِذَا مَرِضْتُ
٧٩
وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِ وَيَسْقِينِ
٧٨
كما قال خليلي إبراهيم: ﴿الَّذِى خَلَقَتِى فَهُوَ يَهَدِينِ (
٨٢
فَهُوَ يَشْفِينِ
٨٥
وَالَّذِى يُسِتُنِ ثُمَّ يُحْبِيِ ﴿﴿﴿ وَالَّذِىّ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِ خَطِيْئَقِ يَوْمَ الدِّينِ
رَبِّ هَبْ لِ حُكْمًا وَاَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ
وَأَجْعَل لِى لِسَانَ صِدْقٍ فِ الْآخِرِينَ
(٨٤
وَأَجْعَلْنِي مِنْ وَثَةِ
وَلَا تُخْرِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴿٨ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا
وَأَغْفِرْ لِأَبِىّ إِنَُّ كَانَ مِنَ الضَّآلِينَ
جَنَّةِ النَّعِيمِ
(٨٩)﴾ [الشعراء]. وإذا أصابتك مصيبة فقل كما أعلمتك فيما
ـنُنَ ﴿َ إِلَّا مَنْ أَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
أنزله عليك من قول يعقوب: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَنِّى وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا
تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] وإذا جرت منك خطيئة فقل كما قال موسى عليه السلام: ﴿هَذَا مِنْ
عَمَلِ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلُّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] وإذا صرفت عنك معصية فقل كما قال يوسف
عليه السلام: ﴿وَمَآ أُبَرِيُ نَفْسِىَّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَّ إِنَّ رَبِ غَفُورٌ نَّحِيمٌ ﴾
[يوسف: ٥٣] وإذا ابتلاك الله ببلية فافعل ما ذكر الله عن داود عليه السلام: ﴿فَأُسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ
رَكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] وإذا رأيت العصاة من خلق الله والخاطئين من عباده ولم تدر ما حكم
الله فيهم فقل كما قال عيسى عليه السلام: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإَِهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَرَبِزُ

٣٥٧
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] وإذا استغفرت الله وطلبت عفوه فقل كما قال ويقول محمد حَخلال
وأنصاره: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َِّينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى
الَّذِينَ مِن قَبْلِنَّأْ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَنَا
فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وإذا خفت عواقب الأمور ولم تدر ماذا يختم لك
ذَ رَبَّنَآ
فقل كما يقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تُرِعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَضَّابُ
إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيّبَ فِيَةٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ ﴾ [آل عمران: ٨ -٩].
وصية في موعظة: دخل محمد بن واسع على بلال بن أبي بردة في يوم حار وبلال في
جيشة وعنده الثلج فقال بلال: يا أبا عبد الله كيف ترى بيتنا هذا؟ قال: إن بيتك لطيب والجنة
أطيب منه وذكر النار يلهي عنه قال: ما تقول في القدر؟ قال: جيرانك أهل القبور ففكر فيهم
فإن فيهم شغلاً عن القدر، قال: ادع لي، قال: وما تصنع بدعائي وعلى بابك كذا وكذا كل
يقول إنك ظلمته يرتفع دعاؤهم قبل دعائي لا تظلم ولا تحتاج إلى دعائي.
ومن كلام الحسن البصري: ما لي أرى رجلاً ولا أرى عقولاً أرى أناساً ولا أرى أنيساً
دخلوا ثم خرجوا عرفوا ثم أنكروا. ومن كلامه أيضاً رضي الله عنه: عجباً لقوم أمروا بالزاد
ونودي فيهم بالرحيل وحبس أولاهم على أخراهم وهم قعود يلعبون، يا ابن آدم السكين تحد
والتنور يسجر والكبش يعلق كفى بالتجارب تأديباً وبتقلب الأيام عظة وبذكر الموت زاجراً عن
المعصية، ذهبت الدنيا بحال بالها وبقيت الأيام قلائد في الأعناق، إنكم تسوقون الناس
والناس تسوقكم وقد أسرع بخياركم فماذا تنتظرون؟ أتنتظرون المعاينة فكان قد .
ومن كلام عمر بن عبد العزيز: إن لكل سفر زاداً لا محالة، فتزوّدوا لسفركم من الدنيا
إلى الآخرة التقوى وكونوا كمن عاين ما أعدّ الله من ثوابه وعقابه وترغبوا وترهبوا ولا يطولن
عليكم الأمد فتقسو قلوبكم، فوالله ما يبسط أملاً من لا يدري لعله لا يصبح بعد مسائه ولا
يمسي بعد صباحه، وربما كانت بين ذاك خطفات المنايا، فكم رأيتم ورأينا من كان بالدنيا
مغتراً وإنما تقر عين من وثق بالنجاة من عذاب الله، وإنما يفرح من آمن من الأهوال يوم
القيامة فأما من لا يداوي كلماً إلاَّ أصابه جرح من ناحية أخرى نعوذ بالله أن آمركم بما أنهى
عنه نفسي فتخسر صفقتي، لقد عنيتم بأمر لو عنت به النجوم لانكدرت، ولو عنيت به الجبال
لذابت، ولو عنيت به الأرض لتشققت، أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة وأنكم
صائرون إلى إحداهما .
ومن وصاياه في مواعظه رضي الله عنه: إن الله عزّ وجلّ لم يخلقكم عبثاً ولم يدع شيئاً
من أموركم سدى إن لكم معاداً ينزل الله فيه للحكم والقضاء بينكم فخاب وخسر من خرج من
رحمة الله عزّ وجلّ، وحرم الجنة التي عرضها السموات والأرض، فاشترى قليلاً بكثر وفانياً
بباق وخوفاً بأمن، ألا تروا أنكم في أسلاب الهالكين وسيخلفها بعدكم الباقون كذلك حتى ترد
إلى خير الوارثين، في كل يوم وليلة تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله تعالى قد قضى نحبه
وانقضى أجله حتى تقبره في صدع من الأرض في بطن صدع ثم تدعوه غير ممهد ولا موسد،

٣٥٨
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
قد خلع الأسباب وفارق الأحباب وسكن التراب وواجه الحساب، مرتهناً بعمله فقيراً إلى ما
قدم غنياً عمّا ترك، فاتقوا الله قبل نزول الموت، وأيم الله إني لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم
عند أحد من الذنوب ما أعلم عندي، وما يبلغني عن أحد منكم حاجة إلاَّ أحببت أن أسدّ من
حاجته ما قدرت عليه، وما يبلغني أن أحداً منكم لا يسعه ما عندي إلاَّ وددت أن يمكنني
تغييره حتى يستوي عيشنا وعيشه، وأيم الله لو أردت غير ذلك من الغضارة والعيش لكان
اللسان مني به ذلولاً عالماً بأسبابه، ولكن سبق من الله كتاب ناطق وسنّة عادلة دلّ فيها على
طاعته ونهى فيها عن معصيته، ثم وضع طرف ردائه على وجهه وشهق وبكى الناس .
وصية: وعليك بالاقتداء برسول الله وَل # في أحواله وأقواله وأفعاله إلاَّ ما نص عليه أنه
مختص به ممّا لا يجوز لنا أن نفعله أو خاطب به أحداً من الناس أن يفعله ونهى غيره عن
ذلك. بزق رجل في النيل بحضور ذي النون المصري فقال: تعست يا بغيض تبزق على نعمة
الله وكان ذو النون في ذلك الوقت في مشاهدة النعم الإلهية التي أحوجنا إليها فلذلك حكم
عليه حاله فنطق بما نطق به. كان شيخنا أبو مدين وقع بينه وبين أبي الحسن بن الدقاق وكان
ابن الدقاق ممّن يغشاه ويحضر مجلسه فانقطع عن حضور مجلسه لأجل ذلك فاستدعاه الشيخ
أبو مدين وقال له: يا أبا الحسن ما شأنك انقطعت؟ إن شيطاني خاصم شيطانك ونحن على
وذّنا كما كنا ما تغيرنا ولا ندخل أنفسنا بينهما فتذكر أبو الحسن وقبل وصية الشيخ واستغفر الله
ورجع إلى حضور مجلسه.
وصية بمكاتبة: اعتل رجل من إخوان ذي النون فكتب إليه أن يدعو له فكتب إليه ذو
النون: سألتني أن أدعو الله لك أن يزيل عنك النعم. واعلم يا أخي أن العلة مجزاة يأنس بها
أهل الصفاء والهمم والضياء في الحياة ذكرك للشفاء ومن لم يعد البلاء نعمة فليس من
الحكماء ومن لم يأمن الشفيق على نفسه فقد أمن أهل التهمة على أمره فليكن معك يا أخي
حياء يمنعك عن الشكوى والسلام: وقال بعضهم: كتبت إليّ تسألني عن حالي فما عسيت أن
أخبرك به حال وأنا من بين خلال موجعات أبكاني منهن أربع: حب عيني للنظر ولساني
للفضول وقلبي للرياسة وإجابتي إبليس عدوّ لله فيما يكره الله. وأقلقني منها عين لا تبكي من
الذنوب المنتنة وقلب لا يخشع عند نزول الموعظة وعقل وهن فهمه في محبة الدنيا ومعرفة
كلما قلبتها وجدتني بالله أجهل وأضناني منها أني عدمت خير خصال الإيمان الحياء وعدمت
خير زاد الآخرة التقوى، وفنيت أيامي بمحبة الدنيا وتضييعي قلباً لا أقتني مثله أبداً ووادعه
إنسان، فقال له: قل لأبي يزيد إلى متى النوم والراحة وقد جازت القافلة؟ فقال أبو يزيد: قل
لأخي ذي النون الرجل من ينام الليل كله ثم يصبح في المنزل قبل القافلة، فقال ذو النون:
هنيئاً له هذا كلام لا تبلغه أحوالنا، وكان العلماء يكتب بعضهم إلى بعض بثلاث: من أحسن
سريرته أحسن الله علانيته، ومن أصلح آخرته أصلح الله له أمر دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين
الله أصلح الله ما بینه وبین الناس .
وكتب رجل إلى عالم: ما الذي أكسبك علمك من ربك وما أفادك في نفسك ودينك؟

٣٥٩
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
فكتب إليه العالم: أثبت العلم الحجة وقطع عمود الشك والشبهة وشغلت أيام عمري بطلبه
ولم أدرك منه ما فاتني، فكتب إليه الرجل: العلم نور لصاحبه ودليل على حظه ووسيلة إلى
درجات السعداء، فكتب إليه العالم: أبليت إليه في طلبه جد الشباب فأدركني حين علمت
الضعف عن العمل به ولو اقتصرت منه على القليل كان لي فيه مرشد إلى السبيل، كان شيخنا
أبو عبد الله المجاهد وشيخنا تلميذه أبو عبد الله بن قشوم نائبه في التدريس والإمامة لا يبرح
الورق والمداد والقلم معهما يكتبان كل يوم ما قدر لهما من العلم رغبة أن يحشرا غداً عند الله
من طلاب العلم.
وصية: دخل رجل على عبد الملك بن مروان ممّن كان يوصف بالفضل والأدب فقال
له عبد الملك بن مروان تكلم قال: بما أتكلم وقد علمت أن كل كلام يتكلم به المتكلم وبال
عليه إلاَّ ما كان لله، فبكى عبد الملك ثم قال: يرحمك الله لم يزل الناس يتواعظون
ويتواصون، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن للناس في القيامة جولة لا ينجو من غصص
مرارتها ومعاينة الردى فيها إلاَّ من أرضى الله بسخط نفسه، قال: فبكى عبد الملك ثم قال: لا
جرم والله لأجعلن هذه الكلمات مثالاً نصب عيني ما عشت أبداً.
وصية مشفق ناصح عند أمير صالح: لما قدم عمر بن هبيرة العراق والياً أرسل إلى
الحسن والشعبي فأمر لهما ببيت فكانا فيه شهراً أو نحوه، ثم أن الخصي غدا عليهما ذات يوم
فقال: إن الأمير داخل عليكما فجاء عمر متكئاً على عصا له فسلم ثم جلس معظماً لهما
فقال: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك يكتب إليّ كتباً أعرف أن في إنفاذها الهلك فإن
أطعته عصيت وإن عصيته أطعت الله فهل تريا لي في متابعتي إياه فرجاً؟ فقال الحسن للشعبي :
يا أبا عمرو أحب الأمير فتكلم الشعبي بكلام يريد به إبقاء وجه عنده فقال ابن هبيرة: ما تقول
أنت يا أبا سعيد؟ فقال: أيها الأمير قد قال الشعبي ما قد سمعت قال: ما تقول أنت؟ قال:
أقول يا عمرو بن هبيرة يوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله تعالى فظ غليظ لا يعصي الله
ما أمره فيخرجك من قصرك إلى ضيق قبرك، يا عمرو بن هبيرة إن تتق الله يعصمك من
يزيد بن عبد الملك ولن يعصمك يزيد بن عبد الملك من الله إن أطعته وعصيت الله، يا
عمرو بن هبيرة لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما تعمل في طاعة يزيد بن عبد الملك
فيغلق باب المغفرة دونك، يا عمرو بن هبيرة لقد أدركت ناساً من صدر هذه الأمة كانوا عن
الدنيا وهي مقبلة أشدّ إدباراً من إقبالكم عليها وهي مدبرة، يا عمرو بن هبيرة إني أخوّفك
مقاماً خوفكه الله فقال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٤] يا عمرو بن هبيرة
إن تكن مع الله في طاعته كفاك يزيد بن عبد الملك، وإن تك مع يزيد بن عبد الملك على
معاصي الله وكلك الله إليه، فبكى عمرو بن هبيرة وقام بعبرته، فلما كان من الغد أرسل إليهما
بإذنهما وجوائزهما فأكثر جائزة الحسن وأنقص جائزة الشعبي فخرج الشعبي إلى المسجد فقال :
أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله على خلقه فليفعل فو الذي نفسي بيده ما علم الحسن منه
شيئاً فجهلته ولكني أردت وجه ابن هبيرة فأقصاني الله منه. قلت: وكتبت إلى عزّ الدين

٣٦٠
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
كيكاوس سلطان بلاد الروم جواب كتاب كتب به إليّ من أنطالية وكنت مقيماً بملطية: [الطويل]
وما لي إلى ما أرْتَضِيهِ سَبيلُ
كَتَبْتُ كتابي والدُّمُوعُ تَسِيلُ
يُقامُ ودِينَ المُبْطِلِينَ يَزُولُ
أريدُ أرى دينَ النبيّ مُحَمَّدٍ
يَعِزُّونَ والدّين القويم ذليلُ
فلم أرَ إلاَّ الزُّورَ يَغْلُو وأهْلَهُ
شَفِيقٍ فنصاح الملوك قليلُ
فيا عزّ دين الله سَمْعاً لناصحِ
تشيرُ بأمْرٍ ما عليه دليلُ
وحاذر بتأييد الإله بطانةً
ليَنْمَى بيتُ المال والبيتُ ساقطٌ
فجُدْ وتوثَّلْ فالإلهُ كَفِيلُ
وصية بمراقبة الألفاظ المسموعة: بلغني أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة أخذ
أقطاع أمير كبير كان أقطعه إياها سليمان بن عبد الملك والوليد بن عبد الملك فلما مات
عمر بن عبد العزيز وولي يزيد بن عبد الملك جاء الأمير إليه فقال له: إن أخاك سليمان أمير
المؤمنين والوليد أقطعاني شيئاً قطعه عني أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه
فأريد منك أن ترده علي، فقال: لا أفعل، قال: ولم؟ قال: لأن الحق في ما فعل عمر بن
عبد العزيز، قال: وبم ذلك؟ قال: لأن أخوي أحسنا إليك وذكرتهما وما دعوت لهما
وعمر بن عبد العزيز أساء إليك وذكرته فترضيت عنه فعلمت أن عمر آثر الله على هواه فيك،
وأن سليمان بن عبد الملك والوليد آثرا هواهما على حق الله فوالله لا رأيته مني أبداً. وهذا
من أحسن ما يحكى من التفاتات ولاة الأمور.
وصية في موعظة: قال سعيد بن سليمان: كنت بمكة وإلى جانبي عبد الله بن
عبد العزيز العمري وقد حجّ هارون الرشيد فقال له إنسان: يا أبا عبد الله هوذا أمير المؤمنين
يسعى وقد أخلي له المسعى، قال العمري للرجل: لا جزاك الله عني خيراً كلفتني أمراً كنت
عنه غنياً ثم قام فتبعته فأقبل هارون الرشيد من المروة يريد الصفا فصاح به: يا هارون. فلما
نظر إليه قال: لبيك يا عمري، قال: ارق الصفا لما رقيته قال: ارم بطرفك إلى البيت، قال
هارون: قد فعلت، قال: كم هم؟ قال: ومن يحصيهم؟ قال: فكم في الناس مثلهم؟ قال :
خلق لا يحصيهم إلاَّ الله، قال: اعلم أيها الرجل أن كل واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه
وأنت وحدك تسأل عنهم كلهم فانظر كيف تكون، قال: فبكى هارون وجلس وجعل يعطونه
منديلاً منديلاً للدموع، فقال العمري: وأخرى أقولها، قال: قل يا عم والله إن الرجل ليسرع
في ماله فيستحق الحجر عليه فكيف بمن أسرع في مال المسلمين؟ ثم مضى وهارون يبكي،
قال البغوي: فبلغني أن هارون الرشيد كان يقول: إني لأحب أن أحجّ كل سنة ما يمنعني إلاّ
رجل من ولد عمر يسمعني ما أكره.
وصية نبوية في موعظة إلهية: قال رسول الله وَ له: ((يَقُولُ الله تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ كُلُّ يَوْم
نَرْزُقُكَ وَأَنْتَ تَحْزَنُ وَيَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عُمُرِكَ وَأَنْتَ تَفْرَحُ أنت فِيمَا يَكْفِيكَ وَتَطْلُبُ مَا يُطْغِيكَ
لا بِقَلِيل تَقْنَعُ وَلا بِكَثِيرٍ تَشْبَعُ)) .
وصية: حجّ أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور فبينما هو يطوف بالبيت ليلاً إذ سمع قائلاً