النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
ومن هو كفؤك بالتجاوز والإنصاف والإيثار وأن تطالب نفسك بحقه عليها وترك حقك له،
وعامل العلماء بالتعظيم، وعامل السفهاء بالحلم، وعامل الجهال بالسياسة، وعامل الأشرار
ببسط الوجه وما تتقي به شرهم، وعامل الحيوان بالنظر فيما يحتاجون إليه فإنهم خرس،
وعامل الأشجار والأحجار بعدم الفضول، وعامل الأرض بالصلاة عليها، وعامل الموتى
بالدعاء لهم وذكر محاسنهم والكف عن مساويهم، وعامل الصوفية أهل الكشف والوجود
منهم بالتسليم أصحاب الأحوال، وعامل الإخوان في الله بالبحث عن حركاتهم وسكناتهم
فيما ذا يتحركون ويسكنون، وعامل الأولاد بالإحسان، وعامل الزوجة بحسن الخلق، وعامل
أهل البيت بالمودّة، وعامل الصلاة بالحضور، وعامل الصوم بالتنزه عن الذنوب، وعامل
المناسك بذكر الله والتعظيم، وعامل الزكاة بسرعة الأداء، وعامل التوحيد بالإخلاص، وعامل
الأسماء الإلهية بما تعطيه حقيقة كل اسم إلهيّ من الأخلاق فمعاملة الأسماء الإلهية بالتخلق
بها، وعامل الدنيا بالرغبة عنها، وعامل الآخرة بالرغبة فيها، وعامل النساء بالحذر من
فتنتهن، وعامل المال بالذل، وعامل النار والحدود بالتقوى والرهبة، وعامل الجنة بالرغبة،
وعامل الأولياء بما تزيد ولايتهم، وعامل الأعداء بما تكف أذاهم، وعامل الناصح بالقبول،
وعامل المحدث بالإصغاء إلى حديثه، وعامل الموجودات كلها بالنصيحة، وعامل الملوك
بالسمع والطاعة والأخذ على أيدي الظلمة منهم ما استطعت بطريقة تكتفي بها شرّهم، وإياك
وصحبة الملوك فإنك إن أكثرت مخالطة الملك ملَّك وإن تركته أذلّك، فخذ واعط إن بليت
بصحبتهم، وعامل قارىء القرآن بالإنصاف ما دام تالياً، وعامل القرآن بالتدبر، وعامل
الحديث النبوي بالبحث عن صحيحه وسقيمه وعرضه على الأصول فما وافق الأصول فخذ به
وإن لم يصحّ الطريق إليه فإن الأصل يعضضه وإذا ناقض الأصول بالكلية فلا تأخذ به وإن صحّ
طريقه ما لم تعلم له وجهاً فإن أخبار الآحاد لا تفيد سوى غلبة الظن، وعليك بالسنّة المتواترة
وكتاب الله فهما خير مصحوب وخير جليس وإياك والخوض فيما شجر بين الصحابة ولتحبهم
كلهم عن آخرهم ولا سبيل إلى تجريح واحد منهم فعنهم نأخذ الدين الذي نعبد الله به
وعاملهم بالعدالة في الأخذ عنهم ولا تتهمهم فهم خير القرون.
وعامل بيتك بالصلاة فيه، وعامل مجلسك بذكر الله فيه، وعامل فرقتك من مجلسك
بالاستغفار والضابط للصحبة أن تعطي كل ذي حق حقه ولا تترك مطالبة لأحد عليك بحق
يتوجه له قبلك، وعامل الجاني عليك بالصفح والعفو، وعامل المسيء بالإحسان، وعامل
بصرك بالغض عن محارم الله وسمعك بالاستماع إلى أحسن الحديث والقول ولسانك
بالصمت عن السوء من القول وإن كان حقاً لكن كره الشرع أو حرم النطق به، وعامل الذنوب
بالخوف، وعامل الحسنات بالرجاء، وعامل الدعاء بالاضطرار، وعامل نداء الحق إياك
بالتلبية لما ناداك إليه من عمل أو ترك.
وصايا نبوية: روينا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: وصاني رسول
الله ◌ُلّ فقال: يا علي أوصيك بوصية فاحفظها فإنك لا تزال بخير ما حفظت وصيتي. يا
الفتوحات المکیة ج٨ - م٢١

٣٢٢
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
علي: إن للمؤمن ثلاث علامات: الصلاة والصيام والزكاة، وللمتكلف ثلاث علامات يتملق
إذا شهد ويغتاب إذا غاب ويشمت بالمصيبة، وللظالم ثلاث علامات يقهر من دونه بالغلبة
ومن فوقه بالمعصية ويظاهر الظلمة وللمرائي ثلاث علامات ينشط إذا كان عند الناس ويتكاسل
إذا كان وحده ويحب أن يحمد في جميع الأمور، وللمنافق ثلاث علامات: إن حدث كذب
وإن وعد أخلف وأن اؤتمن خان. يا علي: وللكسلان ثلاث علامات يتوانى حتى يفرط
ويفرط حتى يضيع ويضيع حتى يأثم، وليس ينبغي للعاقل أن يكون شاخصاً إلاَّ في ثلاث:
مرمة لمعاش أو لذة في غير محرم أو خطوة لمعاد. يا علي: إن من اليقين أن لا ترضي أحداً
بسخط الله ولا تحمدن أحداً على ما أتاك الله ولا تذمن أحداً على ما لم يؤتكه الله، فإن الرزق
لا يجره حرص حريص ولا يصرفه كراهية كاره، وإن الله سبحانه وتعالى جعل الروح والفرج
في اليقين والرضى بقسم الله، وجعل الهم والحزن في السخط بقسم الله. يا علي: لا فقر أشدّ
من الجهل، ولا مال أجود من العقل، ولا وحدة أوحش من العجب، ولا مظاهرة أوثق من
المشاورة، ولا إيمان كاليقين، ولا ورع كالكف، ولا حسن كحسن الخلق، ولا عبادة
كالتفكر. يا علي إن لكل شيء آفة، وآفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان، وآفة العبادة
الربا، وآفة الظرف الصلف، وآفة الشجاعة البغي، وآفة السماحة المن، وآفة الجمال الخيلاء،
وآفة الحسب الفخر، وآفة الحياء الضعف، وآفة الكرم الفخر، وآفة الفضل البخل، وآفة الجود
السرف، وآفة العبادة الكبر، وآفة الدين الهوى. يا علي: إذا أثنى عليك في وجهك فقل:
اللهم اجعلني خيراً ممّا يقولون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني فيما يقولون تسلم ممّا
يقولون. يا علي: إذا أمسيت صائماً فقل عند إفطارك: اللهمّ لك صمت وعلى رزقك أفطرت
يكتب لك أجر من صام ذلك اليوم من غير أن ينقص من أجورهم شيء، واعلم أن لكل صائم
دعوة مستجابة فإن كان عند أول لقمة يقول: بسم الله الرحمن الرحيم يا واسع المغفرة اغفر لي
فإنه من قالها عند فطره غفر له، واعلم أن الصوم جنة من النار. يا علي: لا تستقبل الشمس
والقمر واستدبرهما فإن استقبالهما داء واستدبارهما دواء. يا علي: استكثر من قراءة يس فإن
في قراءة يس عشر بركات ما قرأها قط جائع إلاَّ شبع، ولا قرأها ظمآن إلاَّ روي، ولا عار إلاَّ
اكتسي، ولا مريضٍ إلاَّ برىء، ولا خائف إلاَّ أمن، ولا مسجون إلاَّ فرج، ولا أعزب إلاَّ
تزوج، ولا مسافر إلاَّ أعين على سفره، ولا قرأها أحد ضلّت له ضالة إلاَّ وجدها، ولا قرأها
على رأس ميت حضر أجله إلاَّ خفف عليه، ومن قرأها صباحاً كان في أمان حتى يمسي، ومن
قرأها مساء كان في أمان حتى يصبح.
يا علي: اقرأ حم الدخان في ليلة الجمعة تصبح مغفوراً لك. يا علي: اقرأ آية الكرسي
دبر كل صلاة تعط قلوب الشاكرين وثواب الأنبياء وأعمال الأبرار. يا علي: اقرأ سورة الحشر
تحشر يوم القيامة آمناً من كل شيء. يا علي: اقرأ تبارك والسجدة ينجياك من أهوال يوم
القيامة. يا علي: اقرأ تبارك عند النوم يرجع عنك عذاب القبر ومسائلة منكر ونكير. يا علي:
اقرأ قل هو الله أحد على وضوء تنادى يوم القيامة يا مادح الله قم فادخل الجنة. يا علي: اقرأ

٣٢٣
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
سورة البقرة فإن قراءتها بركة وتركها حسرة وهي لا تطيقها البطلة يعني السحرة. يا علي: لا
تطيل القعود في الشمس فإنها تثير الداء الدفين وتبلي الثياب وتغيّر اللون. يا علي: أمان لك
من الحرق أن تقول: سبحانك ربي لا إله إلاَّ أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم. يا
علي: أمان لك من الوسواس أن تقرأ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَّوْ عَلَى أَدْبَرِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥- ٤٦] يا علي: أمان لك
من شرّ كل عاين أن تقول ما شاء الله كان وما لا يشاء لا يكون أشهد أن الله على كل شيء
قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً، ولا حول ولا قوّة إلاَّ بالله .
يا علي كل الزيت وادهن بالزيت فإنه من أكل الزيت وادهن بالزيت لم يقربه الشيطان أربعين
صباحاً.
يا علي: ابدأ بالملح واختم بالملح فإن الملح شفاء من سبعين داء منها الجنون والجذام
والبرص ووجع الحلق ووجع الأضراس ووجع البطن. يا علي: إذا أكلت فقل بسم الله وإذا
فرغت فقل الحمد لله فإن حافظيك لا يستريحان يكتبان لك الحسنات حتى تنبذه عنك. يا
علي: إذا رأيت الهلال في أوّل الشهر فقل الله أكبر ثلاثاً والحمد لله الذي خلقني وخلقك
وقدرك منازل وجعلك آية للعالمين يباهي الله بك الملائكة يقول: يا ملائكتي اشهدوا أني قد
أعتقت هذا العبد من النار. يا علي: فإذا نظرت في المرآة فقل: اللهم كما حسنت خلقي
فحسن خلقي وارزقني. يا علي: وإذا رأيت أسداً واشتدّ بك الأمر فكبّر ثلاثاً وقل الله أكبر
وأجل وأعزّ ممّا أخاف وأحذر، اللهم إني أدرأ بك في نحره وأعوذ بك من شرّه فإنك تكفى
بإذن الله، وإذا رأيت كلباً يهرّ فقل: ﴿يَمَعْشَرَ أَلِْنِّ وَالْإِنسِ إِنْ أَسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ فَأَنْفُذُواْ لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] يا علي: إذا خرجت من منزلك تريد حاجة
فاقرأ آية الكرسي فإن حاجتك تقضى إن شاء الله. يا علي: وإذا توضأت فقل: بسم الله
والصلاة على رسول الله. يا علي: صلّ من الليل ولو قدر حلب شاة وادع الله سبحانه
بالأسحار لا ترد دعوتك فإن الله سبحانه يقول: ﴿وَالْمُسْتَغْفِينَ بِالْأَسْحَارٍ﴾ [آل عمران: ١٧]. يا
علي: غسل الموتى فإنه من غسل ميتاً غفر له سبعون مغفرة لو قسمت مغفرة منها على جميع
الخلق لوسعتهم، فقلت: يا رسول الله ما يقول من غسل ميتاً؟ فقال ◌َله يقول: غفرانك يا
رحمن حتى يفرغ من الغسل. يا علي: لا تخرج في سفر وحدك فإن الشيطان مع الواحد وهو
من الاثنين أبعد. يا علي: إن الرجل إذا سافر وحده غاو والاثنان غاويان والثلاثة نفر. يا
علي: إذا سافرت فلا تنزل الأودية فإنها مأوى السباع والحيات. يا علي: لا تردفن ثلاثة على
دابة فإن أحدهم ملعون وهو المقدم. يا علي: إذا ولد لك مولود غلام أو جارية فأذن في أذنه
اليمين وأقم في أذنه اليسار فإنه لا يضرّه الشيطان. يا علي: لا تأت أهلك ليلة الهلال ولا ليلة
النصف فإنه يتخوف على ولدك الخبل، قال علي: ولم يا رسول الله؟ قال: لأن الجن يكثرون
غشيان نسائهم ليلة النصف وليلة الهلال، أما رأيت المجنون يصرع ليلة النصف وليلة الهلال؟
يا علي: وإذا نزلت بك شدة فقل: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد عليك أن

٣٢٤
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
تنجيني، وإذا أردت الدخول إلى مدينة أو قرية فقل حين تعاينها: اللهم إني أسألك خير هذه
المدينة وخير ما كتبت فيها، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما كتبت فيها، اللهم ارزقني خيرها
وأعذني من شرّها وحببنا إلى أهلها وحبّب صالح أهلها إلينا.
يا علي: إذا نزلت منزلاً فقل: اللهم أنزلنا منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين يرزق خيره
ويدفع عنك شرّه. يا علي: وإياك والمرائي فإنه لا تعقل حكمته ولا تؤمن فتنته. يا علي:
وإياك والدخول إلى الحمام بلا مئزر فإنه ملعون الناظر والمنظور إليه. يا علي: لا تختم
بالسبابة والوسطى فإنه من فعل قوم لوط. يا علي: لا تلبس المعصفر ولا تبت في ملحفة
حمراء فإنها محتضرة الشيطان. يا علي: لا تقرأ وأنت راكع ولا ساجد. يا علي: إياك
والمجادلة فإنها تحبط الأعمال. يا علي: لا تنهر السائل ولو جاءك على فرس وأعطه فإن
الصدقة تقع بيد الله قبل أن تقع في يد السائل. يا علي: باكر بالصدقة فإن البلاء لا يتخطى
الصدقة. يا علي: عليك بحسن الخلق فإنك تدرك بذلك درجة الصائم القائم. يا علي: إياك
والغضب فإن الشيطان أقدر ما يكون على ابن آدم إذا غضب. يا علي: إياك والمزاح فإنه
يذهب ببهاء ابن آدم ونشاطه. يا علي: عليك بقراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: ١] فإنها
منهاة للفقر، وإياك والربا فإن فيه ست خصال ثلاثة منها في الدنيا وثلاثة في الآخرة، فأما التي
في الدنيا تعجل الفناء وتذهب الغنى وتمحق الرزق، وأما التي في الآخرة فسوء الحساب
وسخط الرب عز وجل والخلود في النار أو الخلوة شكّ الراوي.
يا علي: وإذا دخلت منزلك فسلّم على أهل بيتك يكثر خير بيتك. يا علي: أحب
الفقراء والمساكين يحبك الله. يا علي: لا تنهر المساكين والفقراء فتنهرك الملائكة يوم
القيامة. يا علي: عليك بالصدقة فإنها تدفع عنك السوء. يا علي: أنفق وأوسع على عيالك
ولا تخش من ذي العرش إقلالاً. يا علي: إذا ركبت دابة فقل: الحمد لله الذي كرمنا وهدانا
للإسلام ومنّ علينا بمحمد عليه السلام، الحمد لله الذي سخّر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا
إلى ربنا لمنقبلون. يا علي: لا تغضبن إذا قيل لك اتق الله فيسوءك ذلك يوم القيامة. يا علي:
إن الله يعجب من عبده إذا قال: اللهم اغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلاَّ أنت، يقول الله: يا
ملائكتي عبدي هذا علم أنه لا يغفر الذنوب غيري اشهدوا أني قد غفرت له. يا علي: إذا
لبست ثوباً جديداً فقل: بسم الله والحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي واستغني به عن
الناس، لم يبلغ الثوب ركبتيك حتى يغفر لك. يا علي: من لبس ثوباً جديداً فكسى فقيراً أو
يتيماً عرياناً أو مسكيناً كان في جوار الله وأمنه وحفظه ما دام عليه منه سلك. يا علي: إذا
دخلت السوق فقل حين تدخل: بسم الله وبالله أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله، يقول الله تعالى: عبدى هذا ذكرني والناس غافلون اشهدوا أني قد غفرت له. يا
علي: إن الله يعجب ممّن يذكره في الأسواق إذا دخلت المسجد قل: بسم الله والسلام على
رسول الله اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرجت فقل: بسم الله والسلام على رسول الله
اللهم افتح لي أبواب فضلك. يا علي: وإذا سمعت المؤذن قل مثله مقالته يكتب لك مثل

٣٢٥
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
أجره. يا علي: وإذا فرغت من وضوئك فقل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول
الله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمك
وتفتح لك ثمانية أبواب الجنة يقال ادخل من أيها شئت. يا علي: إذا فرغت من طعامك فقل :
الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين. يا علي: إذا شربت فقل: الحمد لله الذي
سقانا ماء جعله عذباً فراتاً برحمته ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا تكتب شاكراً. يا علي: إياك
والكذب فإن الكذب يسوّد الوجه ولا يزال الرجل يكذب حتى يسمّى عند الله كاذباً ويصدق
حتى يسمّى عند الله صادقاً إن الكذب يجانب الإيمان. يا علي: لا تغتابن أحداً فإن الغيبة تفطر
الصائم والذي يغتاب الناس يأكل لحمه يوم القيامة. يا علي: إياك والنميمة ولا يدخل الجنة
قتات يعني النمام. يا علي: لا تحلف بالله كاذباً ولا صادقاً. يا علي: لا تجعلوا الله عرضة
لأيمانكم فإن الله لا يرحم ولا يزكي من يحلف بالله كاذباً. يا علي: املك عليك لسانك
وعوده الخير فإن العبد يوم القيامة ليس عليه شيء أشدّ من خيفة لسانه. يا علي: إياك
واللجاجة فإنها ندامة. يا علي: إياك والحرص فإن الحرص أخرج أباك من الجنة. يا علي:
إياك والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. يا علي: ويل لمن يكذب
ليضحك الناس ويل له ويل له. يا علي: عليك بالسواك فإنه مطهرة للفم ومرضاة للرب تعالى
ومجلاة للأسنان. يا علي: عليك بالتخلّل فإنه ليس شيء أبغض إلى الملائكة أن ترى في
أسنان العبد طعاماً.
فقال علي عليه السلام قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله تعالى: ﴿فَلَفَّى ءَادَمُ مِن
زَّبِّهِ، كَلِمَتٍ فَذَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] ما هؤلاء الكلمات؟ فقال النبيّ وَّر: إن الله تعالى أهبط آدم
عليه السلام بأرض الهند وحواء بجدة والحية بأصبهان وإبليس ببيسان ولم يكن في الجنة
أحسن من الحية والطاووس وكان للحية قوائم كقوائم البعير فلما دخل إبليس لعنه الله جوفها
أغوى آدم عليه السلام وخدعه فغضب الله تعالى على الحية فألقى عنها قوائمها وقال: جعلت
رزقك من التراب وجعلتك تمشين على بطنك لا رحم الله من رحمك، وغضب الله عزّ وجلّ
على الطاووس فمسح رجليه لأنه كان دليلاً لإبليس على الشجرة فمكث آدم عليه السلام مائة
سنة لا يرفع رأسه إلى السماء يبكي على خطيئته وقد جلس جلسة الحزين فبعث الله جبريل
عليه السلام فقال: السلام عليك يا آدم الله عزّ وجلّ يقرئك السلام ويقول لك: ألم أخلقك
بيدي وأنفخ فيك من روحي؟ ألم أسجد لك ملائكتي؟ ألم أزوجك حواء أمتي؟ ما هذا
البكاء؟ قال: يا جبريل وما يمنعني من البكاء وقد أخرجت من جوار ربي؟ قال له جبريل عليه
السلام: يا آدم تكلم بهؤلاء الكلمات فإن الله تعالى غافر ذنبك وقابل توبتك، قال: فما هن؟ قال
قل: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد، سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءاً وظلمت
نفسي إنه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت وارحمني وأنت خير الراحمين، سبحانك وبحمدك لا إله إلاَّ
أنت عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم، سبحانك وبحمدك لا إله
إلاَّ أنت عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي وأنت خير الغافرين، فهؤلاء الكلمات.

٣٢٦
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
يا علي: وأنهاك عن حيات البيوت إلاَّ الأفطس والأبتر فإنهما شيطانان. يا علي: وإذا
رأيت حية في رحلك فلا تقتلها حتى تخرج عليها ثلاثاً فإن عادت الرابعة فاقتلها. يا علي:
وإذا رأيت حية في الطريق فاقتلها فإني قد اشترطت على الجن أن لا يظهروا في صورة الحيات
في الطريق فمن فعل خلى بنفسه للقتل. يا علي: أربع خصال من الشقاء: جمود العين،
وقساوة القلب، وبعد الأمل، وحب الدنيا. يا علي: أنهاك عن أربع خصال عظام: الحسد
والحرص والكذب والغضب. يا علي: ألا أنبئك بشر الناس؟ قال قلت: بلى يا رسول الله،
قال: من سافر وحده ومنع رفده وضرب عبده. ألا أنبئك بشر من هؤلاء جميعاً؟ قلت: بلى يا
رسول الله، قال: من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره. يا علي: إذا صليت على جنازة فقل:
اللهم هذا عبدك وابن عبدك وابن أمتك ماض فيه حكمك خلقته ولم يكن شيئاً مذكوراً نزل بك
وأنت خير منزول به، اللهم لقّنه حجته وألحقه بنبيه وَّر وثبّته بالقول الثابت فإنه افتقر إليك
واستغنيت عنه، كان يشهد أن لا إله إلاَّ الله فاغفر له وارحمه ولا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده،
اللهم إن كان زاكياً فزكه وإن كان خاطئاً فاغفر له. يا علي: وإذا صليت على جنازة امرأة فقل:
اللهم أنت خلقتها وأنت أحييتها وأنت أمتها تعلم سرّها وعلانيتها جئناك شفعاء لك فاغفر لها
وارحمها ولا تحرمنا أجرها ولا تفتنا بعدها. وإذا صليت على طفل فقل: اللهم اجعله لوالديه
سلفاً واجعله لهما ذخراً واجعله لهما رشداً واجعله لهما نوراً واجعله لهما فرطاً وأعقب والديه
الجنة ولا تحرمهما أجره ولا تفتنهما بعده. يا علي: إذا توضأت فقل: اللهم إني أسألك تمام
الوضوء وتمام مغفرتك ورضوانك. يا علي: إن العبد المؤمن إذا أتى عليه أربعون سنة أمنه الله
من البلايا الثلاثة: الجنون والجذام والبرص، وإذا أتت عليه ستون سنة فهو في إقبال وبعد
الستين في إدبار رزقه الله الإنابة فيما يحب، وإذا أتت عليه سبعون سنة أحبه أهل السموات
وصالحو أهل الأرض، وإذا أتت عليه ثمانون سنة كتبت له حسناته ومحيت عنه سيئاته، وإذا
أتت عليه تسعون سنة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإذا أتت عليه مائة سنة كتب الله اسمه
في السماء أسير الله في أرضه وكان حبيس الله تعالى. يا علي: احفظ وصيتي إنك على الحق
والحق معك .
ومن وصايا الصالحين: قال رجل لذي النون: والله إني لا أحبك، فقال له ذو النون:
إن كنت عرفت الله فحسبك الله وإن كنت لم تعرفه فاطلب من يعرفه حتى يدلك على الله
وتتعلم منه حفظ الحرمة لمولاك. وفي معنى ما قاله ذو النون وأوصى به ما اتفق لنا مع
صاحبنا عبد الله ابن الأستاذ الموروري وكان من كبار الصالحين كان له أخ مات فرآه في المنام
فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال لي: أدخلني الجنة آكل وأشرب وأنكح، قال له: ليس عن هذا
أسألك هل رأيت ربك؟ قال: لا يراه إلا من يعرفه، واستيقظ فركب دابته وجاء إلينا إلى
إشبيلية وعرفني بالرؤيا ثم قال لي: قد قصدتك لتعرفني بالله فلازمني حتى عرف الله بالقدر
الذي يمكن للمحدث أن يعرفه به من طريق الكشف والشهود لا من طريق الأدلة النظرية رحمه
الله. وقال بعضهم: اصحب الذين وصفهم الله في كتابه وهم أهل التقوى الذين هم على

٣٢٧
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
سمت محجته لعلك أن ترقى في ملكوت السموات فتكون للأبرار جليساً وللأخيار في أمن
ذلك المقيل أنيساً، وإن كنت على التقوى عازماً فالنجاة النجاة فيما بقي من عمرك. وقال
بعض العلماء: تزود من الدنيا للآخرة وطريقها فإن خير الزاد التقوى وسارع إلى الخيرات
ونافس في الدرجات قبل فناء العمر وتقارب الأجل والفوت.
وصية: قيل لبعض العلماء: أوصنا فقال: إياكم ومجالسة أقوام يتكلفون بينهم زخرف
القول غروراً ويتملقون في الكلام خداعاً وقلوبهم مملوءة غشاً وغلاً ودغلاً وحسداً وكبراً
وحرصاً وطمعاً وبغضاً وعداوةً ومكراً وختلاً، دينهم التعصّب، واعتقادهم النفاق، وأعمالهم
الرياء، واختيارهم شهوات الدنيا، يتمنون الخلود فيها مع علمهم بأنهم لا سبيل لهم إلى
ذلك، يجمعون ما لا يأكلون ويبنون ما لا يسكنون ويؤملون ما لا يدركون ويكسبون الحرام
وينفقون في المعاصي ويمنعون المعروف ويركبون المنكر.
وصية: روينا عن يوسف بن الحسين قال: قلت لذي النون في وقت مفارقتي إياه: من
أجالس؟ قال: عليك بصحبة من يذكرك الله عزّ وجلّ رؤيته وتقع هيبته على باطنك ويزيد في
عملك منطقه ويزهدك في الدنيا عمله ولا يعص الله ما دمت في قربه، يعظك بلسان فعله ولا
يعظك بلسان قوله، وهو تارك لما يدلك عليه أي هو خال من الفضائل، لأن الرجل قد يكون
على عمل من أعمال البرّ يقتضيه حاله، ويدلك بقوله على عمل من أعمال البرّ يقتضيه حالك
ولا يقتضيه حاله في الوقت فيريد بقوله بلسان فعله أي أفعاله مستقيمة، وهذا معنى قول الله
تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِلْبِرّ﴾ وما عين براً من بر ﴿ وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِتَبَّ أَفَلاَ
تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤].
وصية نبوية عيسوية: قال عيسى عليه السلام: يا بني إسرائيل اعلموا أن مثل دنياكم مع
آخرتكم كمثل مشرقكم مع مغربكم كلما أقبلتم إلى المشرق بعدتم من المغرب، وكلما أقبلتم
إلى المغرب ازددتم من المشرق بعداً، وصاهم بهذا المثل أن يقربوا من الآخرة بالأعمال
الصالحة .
وصية: أوصى بعض العلماء قال: إياكم أن تكونوا من قوم يتمردون وفي طغيانهم
يعمهون، لا يسمعون النداء ولا يجيبون الدعاء، تراهم مولين مدبرين عن الآخرة معرضين،
وعلى الأعقاب ناكصين، وعلى الدنيا مكبين، يتكالبون تكالب الكلاب على الجيف،
منهمكين في الشهوات تاركين الصلوات، لا يسمعون الموعظة ولا ينفعهم التذكرة، لا جرم
أن من هذه صفته يمهلون قليلاً ويتمتعون يسيراً ثم تجيئهم سكرة الموت بالحق ذلك ما كانوا
منه يحيدون شاؤوا أم أبوا، فيفارقون محبوبهم على رغم منهم ويتركون ما جمعوه لغيرهم،
يتمتع بمال أحدهم حليل زوجته وامرأة ابنه وبعل ابنته وصاحب ميراثه للوارث المهناة وعليهم
الوبال، ثقيل ظهره بأوزاره معذب النفس بما كسبت يداه، يا حسرة عليه إذا قامت على أبنائها
القيامة، فاحذروا أن تكونوا من هؤلاء وكونوا من الذين أخذوا من عاجلهم لآجلهم ومن
حياتهم لموتهم كما قال ◌ََّ فيهم: ((صَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَجْسَادٍ أَزْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالمَحَلُ الأَعْلَى)) .

٣٢٨
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
وصية: قال بعض الصالحين يوصي إنساناً: احذر أن تنقطع عنه فتكون مخدوعاً قال
له: وكيف يكون ذلك؟ قال: لأن المخدوع من ينظر إلى عطاياه وينقطع عن النظر إليه بالنظر
إلى عطاياه، ثم قال: تعلق الناس بالأسباب وتعلق الصديقون بولي الأسباب، ثم قال: علامة
تعلقهم بالعطايا طلبهم منه العطايا، ومن علامات تعلق قلب الصديق بولي العطايا انصباب
العطايا عليه وشغله عنها به، ثم قال: ليكن اعتمادك على الله في الحال لا على الحال، ثم
قال: اعقل فإن هذا من صفوة التوحيد.
وصية نبوية روحية: قال عيسى عليه السلام لبعض أصحابه بوصية: صم عن الدنيا
واجعل فطرك الموت وكن كالمداوي جرحه بالدواء خشية أن ينغل عليه، وعليك بكثرة ذكر
الموت فإن الموت يأتي إلى المؤمن بخير لا شر بعده وإلى الشرير بشر لا خير بعده.
وصية بتنبيه: قال ذو النون: ثلاث من أعلام الإيمان: اغتمام القلب بمصائب
المسلمين، وبذل النصيحة لهم متجرعاً لمرارة ظنونهم، وإرشادهم إلى مصالحهم وإن جهلوه
وكرهوه. قال أحمد بن أحمد بن سلمة: أوصاني ذو النون: لا تشغلنك عيوب الناس عن
عيب نفسك لست عليهم برقيب، ثم قال: إن أحب عباد الله إلى الله عزّ وجلّ أعقلهم عنه،
وإنما يستدل على تمام عقل الرجل وتواضعه في عقله حسن استماعه للمحدث وإن كان به
عالماً، وسرعة قبوله للحق وإن جاء ممّن هو دونه، وإقراره على نفسه بالخطأ إذا جاء به.
وصية: أوصى بها راهب عارفاً من المسلمين: اجتاز بعض العارفين في سياحته براهب
في صومعة على رأس جبل فوقف به فناداه: يا راهب فأخرج الراهب رأسه من صومعته وقال:
من ذا؟ قال: رجل من أبناء جنسك الآدميين، قال: فماذا تريد؟ قال: كيف الطريق إلى الله؟
قال الراهب: في خلاف الهوى، قال: فما خير الزاد؟ قال: التقوى، قال: فلم تبعدت عن
الناس وتحصنت في هذه الصومعة؟ قال: مخافة على قلبي من فتنتهم، وحذراً على عقلي
الحيرة من سوء عشرتهم، وطلبت راحة نفسي من مقاساة مداراتهم وقبيح فعالهم، وجعلت
معاملتي مع ربي فاسترحت منهم، قال: فخبرني يا أحد تباع المسيح كيف وجدتم معاملتكم
مع ربكم واصدق القول لي ودع عنك تزويق الكلام وزخرف القول؟ فسكت الراهب ساعة
متفكراً ثم قال: شرّ معاملة تكون قال له العارف كيف قال لأنه أمرنا بالكد للأبدان وجهد
النفوس وصيام النهار وقيام الليل وترك الشهوات المركوزة في الجبلة ومخالفة الهوى الغالب
ومجاهدة العدوّ المسلط والرضى وخشونة العيش والصبر على الشدائد والبلوى، ومع هذه
كلها جعل الأجر بالسيئة في الآخرة بعد الموت مع بعد الطريق وكثرة الشكوك والحيرة
والخوف من اليأس، فهذه حالتنا في معاملتنا مع ربنا. فأخبرنا عنكم يا معشر تباع أحمد كيف
وجدتم معاملتكم مع ربكم؟ قال العارف: خير معاملة وأحسنها، قال الراهب: صف لي ما
هي وكيف هي؟ قال العارف: ربنا أعطانا سلفاً كثيراً قبل العمل ومواهب جزيلة لا تحصى
فنون أنواعها من النعم والإحسان والإفضال قبل المعاملة، فنحن ليلنا ونهارنا في أنواع نعمه
وفنون من آلائه ما بين سالف معتاد وآنف مستفاد، قال له الراهب: فكيف خصصتم بهذه

٣٢٩
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
المعاملة دون غيركم والرب واحد؟ قال العارف: أما النعمة والإفضال والإحسان فعموم
للجميع قد غمرتنا كلنا ولكنا خصصنا بحسن الاعتقاد وصحة الرأي والإقرار بالحق والإيمان
والتسليم له ووفقنا لمعرفة الحقائق لما أعطينا الانقياد للإيمان والتسليم وصدق المعاملة من
محاسبة النفس وملازمة الطريق وتفقد تصاريف الأحوال الطارية من الغيب ومراعاة القلب بما
يرد عليه من الخواطر والوحي والإلهام ساعة ساعة، قال الراهب: زدني في البيان فإنها وصية
عجيبة ما سمعت بمثلها من أهل هذا الشأن، قال العارف: أزيدك اسمع ما أقوله وافهم ما
تسمع واعقل ما تفهم: إن الله جلّ ثناؤه لما خلق الإنسان من طين ولم يك شيئاً مذكوراً ثم
جعل نسله من سلالة من ماء مهين نطفة في قرار مكين ثم قلبه حال بعد حال تسعة أشهر إلى
أن أخرجه من هناك خلقاً سوياً ببنية صحيحة وصورة تامة وقامة منتصبة وحواس سالمة، ثم
زوده من هناك لبناً خالصاً لذيذاً سائغاً للشاربين حولين كاملين، ثم رباه وأنشأه وأنماه يفنون
لطفه وغرائب حكمته إلى أن يبلغ أشده واستوى، ثم أتاه حكماً وعلمه ثم أعطاه قلباً زكياً
وسمعاً دقيقاً وبصراً حاداً وذوقاً لذيذاً وشماً طيباً ولمساً ليناً ولساناً ناطقاً وعقلاً صحيحاً وفهماً
جيداً وذهناً صافياً وتمييزاً وفكراً وروية وإرادة ومشيئة واختياراً وجوارح طائعة ويدين صانعتين
ورجلين ساعيتين، ثم علمه الفصاحة والبيان والخط بالقلم والصنائع والحرف والحرث
والزراعة والبيع والشراء والتصرّف في المعاش وطلب وجوه المنافع واتخاذ البنيان وطلب العزّ
والسلطان، والأمر والنهي والرياسة والتدبير والسياسة، وسخّر له ما في الأرض جميعاً من
الحيوان والنبات وخواص المعادن، فغدا متحكماً عليها تحكم الأرباب متصرفاً فيها تصرف
الملاك متمتعاً بها إلى حين. ثم إن الله جلّ ثناؤه أراد أن يزيده من فضله وإحسانه وجوده
وإنعامه فناً آخر هو أشرف وأجلّ من هذا الذي تقدم ذكره وهو ما أكرم به ملائكته وخالص
عباده وأهل جنته من النعيم الأبدي الذي لا يشوبه شيء من النقص ولا من التنغيص إذ كان
نعيم الدنيا مشوباً بالبؤس ولذاتها بالآلام وسرورها بالحزن وفرحها بالغم وراحتها بالتعب
وعزّها بالذلّ وصفوها بالكدر وغناها بالفقر وصحتها بالسقم، أهلها فيها معذبون في صورة
المنعمين، ومغرورون في صورة الواثقين، مهانون في صورة المكرمين، وجلون غير مطمئنين
خائفون غير آمنين متردّدون بين المتضادّين، نور وظلمة وليل ونهار وصيف وشتاء وحرّ وبرد
ورطب ويابس وعطش وريّ وجوع وشبع ونوم ويقظة وراحة وتعب وشباب وهرم وقوّة
وضعف وحياة وموت وما شاكل هذه الأمور التي أهل الدنيا وأبناؤها فيها متردّدون مدفوعون
إليها متحيرون فيها، فأراد ربي أيها الراهب أن يخلصهم من هذه الأمور والآلام المشوبة
باللذات وينقلهم منها إلى نعيم لا بؤس فيه ولذة لا ألم فيها وسرور بلا حزن وفرح بلا غم
وعزّ بلا ذلّ وكرامة بلا هوان وراحة بلا تعب وصفو بلا كدر وأمن بلا خوف وغنى بلا فقر
وصحة بلا سقم وحياة بلا موت وشباب بلا هرم ومودة بين أهلها بلا ريبة، فهم في نور لا
يشوبه ظلمة ويقظة بلا نوم وذكر بلا غفلة وعلم بلا جهالة وصداقة بين أهلها بلا عداوة ولا
حسد ولا غيبة، إخواناً على سرر متقابلين آمنين مطمئنين أبد الآبدين، ولما لم يمكن الإنسان

٣٣٠
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
أن يكون بهذا المزاج المظلم الخاص الذي هو محل القذورات المتولد من الأركان التي لا
تليق بتلك الدار الآخرة والصفات الصافية والأحوال الباقية اقتضت العناية الإلهية بواجب
حكمة الباري تعالى أن ينشئه نشأة أخرى كما ذكر في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى
فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] النشأة الآخرة إنها على غير مثال كما كانت الأولى على غير مثال،
فهم في هذه النشأة الآخرة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون وفضلات أطعمتهم وأغذيتهم
عرق يخرج من أعراضهم أطيب من ريح المسك، فأين هذه النشأة من تلك وأين هذا المزاج
من ذاك المزاج مع كونها نشأة طبيعية معتدلة المزاج متساوية الأمشاج، قال تعالى: ﴿وَنُنِشِئَكُمْ
فِىِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] و﴿ اَللَّهُ يُنِىُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةُ﴾ [العنكبوت: ٢٠] فبعث الله جلّ ثناؤه
لهذا السبب أنبياءه إلى عباده يبشرونهم بها ويدعونهم إليها ويرغبونهم فيها ويدلونهم على
طريقها كيما يطلبوها مستعدين قبل الورود عليها، ولكن يسهل عليهم أيضاً مفارقة مألوفات
الدنيا من شهواتها ولذاتها وتخف عليهم أيضاً شدائد الدنيا ومصائبها إذا كانوا يرجون بعدها ما
يعمرها ويمحو ما قبلها من نعيم الدنيا ويحذرهم فوت نعيمها فإنه من فاتته فقد خسر خسراناً
مبيناً قال العارف: فهذا رأينا واعتقادنا يا راهب في معاملتنا مع ربنا الذي قلت لك، وبهذا
الاعتقاد طاب عيشنا في الدنيا وسهل علينا الزهد فيها وترك شهواتها واشتدت رغبتنا في
الآخرة وزاد حرصنا في طلبها وخفّ علينا كدّ العبادة فلا نحس بها بل نرى ذلك نعمة وكرامة
وفخراً وشرفاً إذا جعلنا الله أهلاً أن نذكره فهدى قلوبنا وشرح صدورنا ونوّر أبصارنا لما تعرّف
إلينا بكثرة إنعامه وفنون إحسانه، فقال الراهب: جزاك الله خيراً من واعظ ما أبلغه، ومن ذاكر
إحسان ما أرفقه، ومن هادي رشد ما أبصره، ومن طبيب رفيق ما أحذقه، ومن أخ ناصح ما
أشفقه .
وصية ونصيحة: قال ذون النون: ليس بذي لب من كاس في أمر دنياه، وحمق في أمر
آخرته، ولا من سفه في مواطن حلمه وتكبر في مواطن تواضعه ولا من فقد منه الهوى في
مواطن طبعه، ولا من غضب من حق إن قيل له ولا من زهد فيما يرغب العاقل في مثله، ولا
فيما يزهد الأكياس في مثله، ولا من استقل الكثرة من خالقه عزّ وجلّ واستكثر قليل الشكر
من نفسه، ولا من طلب الإنصاف من غيره لنفسه ولم ينصف من نفسه غيره، ولا من نسي الله
في مواطن طاعته وذكر الله في مواطن الحاجة إليه ولا جمع العلم فعرف به ثم آثر عليه هواه
عند متعلمه، ولا من قلّ منه الحياء من الله على جميل ستره، ولا من أغفل الشكر عن إظهار
نعمه، ولا من عجز عن مجاهدة عدوّه لنجاته إذ صبر عدوّه على مجاهدته، ولا من جعل
مروءاته لباسه ولم يجعل أدبه ومروءاته وتقواه لباسه، ولا من جعل علمه ومعرفته تظرفاً وتزيناً
في مجلسه، ثم قال: استغفر الله إن الكلام كثير وإن لم تقطعه لم ينقطع، وقام وهو يقول: لا
تخرجوا من ثلاثة: النظر في دينكم بإيمانكم، والتزوّد لآخرتكم من دنياكم، والاستعانة من
ربکم فیما أمرکم به ونهاکم عنه .
وصية لقمانية: قال لقمان لابنه: جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله جلّ ثناؤه

٣٣١
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
يحيي القلوب الميتة بنور العلم كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء، وإياك ومنازعة العلماء
فإن الحكمة نزلت من السماء صافية فلما تعلمها الرجال صرفوها إلى هوى نفوسهم.
وصية حكمية: روينا عن ذي النون المصري أنه قال: من نظر في عيوب الناس عمي
عن عيوب نفسه، ومن عني بالفردوس والنار شغل عن القيل والقال، ومن هرب من الناس
سلم من شرّهم، ومن شكر المزيد زيد له، وقال بعضهم: مثل العالم الراغب في الدنيا
الحريص في طلب شهواتها كمثل الطبيب المداوي غيره الممرّض نفسه فلا يرجى منه الصلاح
فكيف يشفي غيره.
وصية صحيحة: سئل بعض الأولياء العارفين بالله ما سبب الذنب؟ قال: سببه النظرة
ومن النظرة الخطرة فإن تداركت الخطرة بالرجوع إلى الله ذهبت، وإن لم تدركها امتزجت
بالوساوس فيتولد منها الشهوة، وكل ذلك بعد باطن لم يظهر على الجوارح فإن تداركت
الشهوة وإلاَّ تولد منها الطلب فإن تداركت الطلب وإلاّ تولد منه الفعل.
تذكرة تتضمن وصية نبوية: قال عيسى عليه السلام في بعض مواعظه لبني إسرائيل:
أيها العلماء وأيها الفقهاء قعدتم على طريق الآخرة فلا أنتم تسيرون فيها فتدخلون الجنة ولا
تتركون أحداً يجوزكم إليها، وأن الجاهل أعذر من العالم وليس لواحد منهما عذر. وقال
بعض الصالحين: من ترك الشغل بفضول الدنيا فهو زاهد، ومن أنصف في المودّة وقام
بحقوق الناس فهو متواضع، ومن كظم الغيظ واحتمل الضيم والتزم الصبر فهو حليم، ومن
تمسك بالعدل وترك فضول الكلام وأوجز في المنطق وترك ما لا يعنيه واقتصد في أموره فهو
عاقل، ومن تفرّغ إلى الأمور المقرّبة إلى الله وتفرّغ من نكد الدنيا إن لم تأكل مت وإن شبعت
کسلت وإن زدت مرضت فهو عابد.
وصية: من رجل صالح ناصح لعباد الله وقد قال له من حضر من أصحابه: أوصنا
بوصية لعل الله أن ينفعنا بها، فقال رضي الله عنه، آثروا الله على جميع الأشياء واستعملوا
الصدق فيما بينكم وبينه وأحبوه بكل قلوبكم والزموا بابه واشتغلوا به وتوسدوا الموت إذا نمتم
واجعلوه نصب أعينكم إذا قمتم، وكونوا كأنكم لا حاجة لكم إلى الدنيا ولا بدّ لكم من
الآخرة، واحفظوا ألسنتكم ولتحزنكم ذنوبكم وليكن افتخاركم بربكم وكونوا من خالصي الله
تسلموا وسلم منكم الناس فتنالوا غداً مناكم، ثم قال: استغفر الله فإن للكلام حلاوة في الدنيا
وما أعظم مؤنته في الآخرة، ثم قال: ليسأل الصادقين عن صدقهم وفي دون ما قلت كفاية .
وصايا نبوية محمدية: أوصى بها رسول الله وَ ل # أبا هريرة رضي الله عنه فلنذكر منها ما
يسر الله على قلمي الذي أنشىء به صور الحروف الدالة على المعاني، وفي مثل هذا قلت
أخاطب الخادم الذي يقد لي السراج حتى أكتب ما يلقي الله في روعي من الحكم الإلهية
والمعارف الربانية : [البسيط]
وأَنْشِىءِ المَلأَ المَرْقُومَ في الوَرَقِ
قِدِ السِرَاجَ عسى أَخْظَى بِرُؤْيَتِهِ
إلاَّ ويخبرُ بالأحوال عن طَبَقِ
فما ترى طَبَقاً يَعْنُو لخدمته

٣٣٢
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
تبدو مَعَانِيهِ للأبصار في نَسَقِ
في أخرُفٍ ما لها حَدٌّ فيَخْصُرُها
يُخَطِّطُ القَلَمُ العُلْويُّ صُورَتَها
على يدي دائماً ما دام بي رَمَقي
قال رسول الله وَلير: يا أبا هريرة: إذا توضأت فقل: بسم الله والحمد لله فإن حفظتك لا
تزال تكتب لك حتى تفرغ من ذلك الوضوء. يا أبا هريرة: إذا أكلت طعاماً فقل بسم الله
والحمد لله فإن حفظتك لا تستريح تكتب لك حسنات حتى تنبذه عنك. يا أبا هريرة: إذا
غشيت أهلك وما ملكت يمينك فقل بسم الله والحمد لله فإن حفظتك تكتب لك حسنات حتى
تغتسل من الجنابة فإذا اغتسلت من الجنابة غفر لك ذنوبك. يا أبا هريرة: فإن كان لك ولد من
تلك الوقعة كتب لك حسنات بعدد نفس ذلك الولد وعقبه حتى لا يبقى منه شيء. يا أبا
هريرة: إذا ركبت دابة فقل بسم الله والحمد لله تكن من العابدين حتى تنزل من ظهرها. يا أبا
هريرة: إذا ركبت السفينة فقل بسم الله والحمد لله تكتب من العابدين حتى تخرج منها. يا أبا
هريرة: إذا لبست ثوباً فقل بسم الله والحمد لله تكتب لك عشر حسنات بعدد کل سلك فيه. یا
أبا هريرة: لا يهابنك ما ملكت يمينك فإنك إن مت وأنت كذلك كنت عند الله وجيهاً. يا أبا
هريرة: لا تهجر امرأتك إلاَّ في بيتها ولا تضربها ولا تشتمها إلاَّ في أمر دينها فإنك إن كنت
كذلك مشيت في طرقات الدنيا وأنت عتيق الله من النار. يا أبا هريرة: احمل الأذى عمّن هو
أكبر منك وأصغر منك وخير منك وشرّ منك فإنك إن كنت كذلك باهى الله بك الملائكة ومن
باهى الله به الملائكة جاء يوم القيامة آمناً من كل سوء. يا أبا هريرة: إن كنت أميراً أو وزير
أمير أو داخلاً على أمير أو مشاور أمير فلا تجاوزن سيرتي وسنتي فإنه أيما أمير أو وزير أمير أو
داخل على أمير أو مشاور أمير خالف سيرتي وسنتي جاء يوم القيامة تأخذه النار من كل مكان.
يا أبا هريرة: عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة قيام ليلها وصيام نهارها. يا أبا هريرة: قل
للمؤمنين الذين أصابوا الصغائر والكبائر لا يمت أحد منهم وهو مصرّ عليه فإنه من لقي ربه عزّ
وجلّ على ذلك وهو مصرّ عليها فإن عقوبتها يعني الصغيرة كعقوبة من لقي الله على كبيرة وهو
مصرّ عليها. يا أبا هريرة: لأن تلقى الله عزّ وجلّ على كبائر قد تبت منها خير لك من أن تلقاه
وقد تعلمت آية من كتاب الله عزّ وجلّ ثم تنساها. يا أبا هريرة: لا تلعن الولاة فإن الله أدخل
أمة جهنم بلعنتهم ولاتهم. يا أبا هريرة لا تسبن شيئاً إلا الشيطان فإنك إن مت وأنت كذلك
صافحتك جميع رسل الله تعالى عزّ وجلّ والمؤمنون حتى تصير إلى الجنة. يا أبا هريرة: لا
تسبّ من ظلمك تعط من الأجر أضعافاً. يا أبا هريرة أبشع اليتيم والأرملة وكن لليتيم كالأب
الرحيم وللأرملة كالزوج العطوف تعط بكل نفس تنفست في دار الدنيا قصراً في الجنة كل
قصر خير من الدنيا وما فيها. يا أبا هريرة: امش في ظلم الليل إلى مساجد الله عزّ وجلّ تعط
حسنات بوزن كل شيء وضعت عليه قدمك ممّا تحبّ وتكره إلى الأرض السابعة السفلى. يا
أبا هريرة: ليكن مأواك المساجد والحج والعمرة والجهاد في سبيل الله فإنك إن مت وأنت
كذلك كان الله مؤنسك في القبر ويوم القيامة وعلى الصراط ويكلمك في الجنة. يا أبا هريرة:
لا تنتهر الفقير فتنتهرك الملائكة يوم القيامة. يا أبا هريرة: لا تغضب إذا قيل لك اتق الله وأنت

٣٣٣
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
قد هممت بسيئة إن تعملها تكن خطيتك عقوبتها النار. يا أبا هريرة: من قيل له اتق الله فغضب
جيء به يوم القيامة فيوقف موقفاً لا يبقى ملك إلاَّ مرّ به فقال له: أنت الذي قيل له اتق الله
فغضب فيسوءه ذلك فاتق مساوىء يوم القيامة أو مساءه الشك من الراوي. يا أبا هريرة:
أحسن إلى ما خولك الله فإنه من أساء إلى شيء ممّا خوله الله فإنه يرصده على الصراط فيتعلق
به فكم من مؤمن يرد إلى الصراط للقصاص. يا أبا هريرة: على كل مسلم صلاة في جوف
الليل ولو قدر حلب شاة ومن صلَّى في جوف الليل يريد أن يرضي ربه عزّ وجلّ رضي الله عنه
وقضى له حاجته في الدنيا والآخرة فزعم أبو هريرة قال قلت: يا رسول الله في أي الليل
الصلاة أفضل؟ قال: وسط الليل. يا أبا هريرة: إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من
دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم فافعل تكن من أول المقربين ولا تتخذن أحداً من خلق الله
غرضاً فيجعلك الله غرضاً لشرر جهنم يوم القيامة. يا أبا هريرة: إذا ذكرت جهنم فاستجر بالله
منها وليبك قلبك منها ونفسك ويقشعر جلدك منها يجرك الله منها. يا أبا هريرة: إذا اشتقت
إلى الجنة فاسأل أن يجعل لك فيها نصيباً ومقيلاً وليحن قلبك شوقاً إليها وتدمع عيناك وأنت
مؤمن بها إذن يعطيها الله تعالى ولا يردك. يا أبا هريرة: إن شئت أن لا تفارقني يوم القيامة
حتى تدخل معي الجنة أحببني حباً لا تنساني، واعلم أنك إن أحببتني لم تترك ثلاثة قلت
فوصل إليّ منها، وارض بقسم الله فإنه من خرج من الدنيا وهو راض بقسم الله خرج والله عنه
راض، ومن رضي الله عنه فمصيره إلى الجنة. يا أبا هريرة: مر بالمعروف وانه عن المنكر
قال: كيف آمر بالمعروف وأنه عن المنكر؟ قال: علم الناس الخير ولقنهم إياه وإذا رأيت من
يعمل بمعاصي الله تعالى لا تخاف سوطه وسيفه فلا يحل أن تجاوزه حتى تقول له اتق الله. يا
أبا هريرة: تعلّم القرآن وعلّمه الناس حتى يجيئك الموت وأنت كذلك، وإن كنت كذلك
جاءت الملائكة إلى قبرك وصلّوا عليك واستغفروا لك إلى يوم القيامة كما يحجّ المؤمنون إلى
بيت الله عزّ وجلّ. يا أبا هريرة: القَ المسلمين بطلاقة وجهك ومصافحة أيديهم بالسلام إن
استطعت أن تكون كذلك حيث كنت فإن الملائكة معك سوى حفظتك يستغفرون لك
ويصلون عليك، واعلم أنه من خرج من الدنيا والملائكة يستغفرون له غفر الله له. يا أبا
هريرة: إن أحببت أن يغشى لك الثناء الحسن في الدنيا والآخرة كف لسانك عن غيبة الناس
فإنه من لم يغتب الناس نصره الله في الدنيا والآخرة، أما نصرته في الدنيا فليس أحد يتناوله إلاَّ
كانت الملائكة تكذبهم عنه، وأما نصرته في الآخرة فعفو الله عن قبيح ما صنع ويتقبل منه
أحسن ما عمل. يا أبا هريرة: اغد في سبيل الله يبسط الله لك الرزق. يا أبا هريرة: صل
رحمك يأتك الرزق من حيث لا تحتسب واحجج البيت يغفر الله لك ذنوبك التي وافيت بها
البلد الحرام. يا أبا هريرة: أعتق الرقاب يعتق الله بكل عضو منه عضواً منك وفيه أضعاف ذلك
من الدرجات. يا أبا هريرة: أشبع الجائع يكن لك مثل أجر حسناته وحسنات عقبه وليس
عليك من سيئاتهم شيء. يا أبا هريرة: لا تحقرن من المعروف شيئاً تعمله ولو أن تفرغ من
دلوك في إناء المستقى فإنه من خصال البر والبرّ كله عظيم وصغيره ثوابه الجنة. يا أبا هريرة:

٣٣٤
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
مر أهلك بالصلاة فإن الله تعالى يأتيك بالرزق من حيث لا تحتسب ولا يكن للشيطان في بيتك
مدخلاً ولا مسلكاً. يا أبا هريرة: إذا عطس أخوك المسلم فشمته فإنه يكتب لك به عشرون
حسنة فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي كيف ذاك؟ قال: إنك حين تقول له يرحمك الله
يكتب لك عشر حسنات، وحين يقول لك يهديك الله يكتب لك عشر حسنات. يا أبا هريرة:
كن مستغفراً للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات كانوا كلهم شفعاء لك وكان لك مثل
أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء. يا أبا هريرة: إن كنت تريد أن تكون عند الله
صديقاً فآمن بجميع رسل الله وأنبياء الله وكتبه. يا أبا هريرة: إن كنت تريد أن تحرّم على النار
جسدك فقل إذا أصبحت وإذا أمسيت: لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا إله إلا الله له الملك
وله الحمد لا إله إلاَّ الله والله أكبر لا إله إلاَّ الله ولا حول ولا قوّة إلاَّ بالله. يا أبا هريرة: لا
يحل لك أن تدخل على من هو في سكرات الموت ولو كان نبياً حتى تلقنه شهادة أن لا إله إلا
الله. يا أبا هريرة من لقن مريضاً في سكرات الموت شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له فقالها كان له مثل جميع حسناته فإن لم يقلها فله عنق رقبة بقوله لا إله إلا الله. يا أبا
هريرة: لقن الموتى شهادة أن لا إله إلاَّ الله رب اغفر لي فإنها تهدم الذنوب هدماً، فقلت: يا
رسول الله هذا للموتى فكيف للأحياء؟ فقال: هي أهدم وأهدم قال: فعدده رسول الله وَ ليه
على أكثر من عشرين مرّة يقول رسول الله وَالر: أهدم وأهدم. يا أبا هريرة: فإن استطعت أن
لا تمطر السماء مطراً إلاَّ صليت عنده ركعتين فإنك تعطى حسنات بعدد كل قطرة نزلت تلك
الساعة وعدد كل ورقة أنبت ذلك المطر. يا أبا هريرة: تصدق بالماء فإنه لا يتوضأ أحد إلاَّ
كان لك مثل حسناته من غير أن ينقص من حسناته شيء. يا أبا هريرة: أما علمت أن رجلاً
غفر له احتشّ حشيشاً فجاءت بهيمة فأكلته. يا أبا هريرة: قل للناس حسناً تفلح يوم القيامة. يا
أبا هريرة: عد على المسكين كافراً كان أو مسلماً فإن كان عدت على المسكين الكافر رحمك
الله، وأما ثوابك إن عدت على المسكين المسلم فلا أحسن صفته. يا أبا هريرة: إذا كنت في
عيال أبيك أو أمك أو ولدك فلا يحل لك أن تتصدق منه إلاَّ بإذنه. يا أبا هريرة: لا يحل لك
من مال امرأتك شيء إلاَّ شيء تعطيك من غير أن تسألها وذلك هو قول الله عزّ وجلّ: ﴿فَإِن
◌ِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُوهُ هَنِّيْئًا فَرِّنَا﴾ [النساء: ٤] يا أبا هريرة: قل للنساء لا يحل لهن أن
يتصدقن من بيوت أزواجهن شيئاً إلاَّ بكل رطب يخفن فساده إذا كان غائباً. يا أبا هريرة: علّم
الناس سنتي يكن لك النور الساطع يوم القيامة يغبطك به الأولون والآخرون. يا أبا هريرة: كن
مؤذناً وإماماً فإنك إذا رفعت صوتك بالأذان يرفع صوتك حتى يبلغ العرش فلا يمر صوتك
على شيء إلاَّ كان لك بعدده عشر حسنات ولك إذا كنت إماماً بعدد من صلَّى خلفك ولك
مثل صلاتهم لا ينقص من صلاتهم شيء إلاَّ أن تكون إماماً خائناً، قلت: يا رسول الله وكيف
الإمام الخائن؟ قال: إذا خصصت نفسك بالدعاء دونهم فقد خنتهم. يا أبا هريرة: لا تضربن
في أدب فوق ثلاث فإنك إن زدت فهي قصاص يوم القيامة. يا أبا هريرة: أذب صغار أهل
بيتك بلسانك على الصلاة والطهور فإذا بلغوا عشر سنين فاضرب ولا تجاوز ثلاثاً. يا أبا

٣٣٥
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
هريرة: عليك بابن السبيل فقدمه إلى أهلك أو إلى أهله تشيعك الملائكة إلى الصراط. يا أبا
هريرة: جالس الفقراء فإن رحمة الله لا تبعد عنهم طرفة عين. يا أبا هريرة: لا تؤذ المسلمين
في طريقهم فإنه من آذى المسلمين في طرقهم ذمّه المسلمون والملائكة جميعاً. يا أبا هريرة:
إذا مررت على أذى في الطريق فغطه بالتراب يستر الله عليك يوم القيامة. يا أبا هريرة: إذا
أرشدت أعمى فخذ يده اليسرى بيدك اليمنى فإنها صدقة. يا أبا هريرة: من مشى مع أعمى
ميلاً يسدده كان له بكل ذراع من الميل حتى يسمعك الله ما يسرّك يوم القيامة. يا أبا هريرة:
اسمع الأصمّ الذي يسألك عن خير يسمعك الله ما يسرّك يوم القيامة. يا أبا هريرة: أرشد
الضالّ ترشدك الملائكة إلى أحسن المواقف يوم القيامة. يا أبا هريرة: لا ترشد اليهودي إلى
كنيسته ولا النصراني إلى بيعته ولا الصابئي إلى صومعته ولا المجوسيّ إلى بيت ناره ولا
المشرك إلى بيت وثنه إذن تكتب عليك مثل خطاياه حتى يرجع. يا أبا هريرة: لا ترشد أحداً
إلى غير حدود الله فيعمل به إذن يكون عليك مثل ذنبه. يا أبا هريرة: أرشد عباد الله إلى
مساجد الله وإلى البلد الحرام وإلى قبري يكن لك مثل أجورهم ولا تنقص من أجورهم شيئاً.
يا أبا هريرة: أبلغ النساء أنه ليس عليهن زيارة قبري ولكن عليهن حجّ بيت الله إذا كان معهن
محرم وإلاَّ فلا. قلت: يا رسول الله وإن كانت امرأة مثل الحشفة؟ قال: وإن كانت امرأة مثل
الحشفة. يا أبا هريرة: إن استطعت أن لا يكون لأحد من الظالمين عليك يد ولا لسان فإني
أحب لك ذلك. يا أبا هريرة: لا يكن أمير من أمرائك إلاَّ أميراً يعدل مثل ما تعدل أنت فإن
عدلت أنت وجار هو كنت أنت شريكه في الإثم ولم تكن شريكه في الأجر. يا أبا هريرة: إن
كان لك مال وجبت عليه زكاة فزكّه، فإن أصابته آفة وقد زكيته مرّة واحدة فهي مجزئة إلى يوم
القيامة. يا أبا هريرة: إذا لقيت اليهودي والنصراني فلا تصافحه وأنت على وضوء فإن فعلت
فأعد الوضوء. يا أبا هريرة لا تكنّ اليهودي والمجوسيّ والنصراني ولكن سمّه باسمه فإنك
والله تذلّه بذلك، ولا يحل لك أن تكرمه إنما لهم من العهد والذمّة أن لا يؤخذ أموالهم إلاَّ
بطيب أنفسهم ولا تدخل بيوتهم إلاَّ بإذنهم ولا تحل بينهم وبين أطفالهم ولا يخانون في
نسائهم فبذلك أمرك لتعرف الملة. يا أبا هريرة: إذا خلوت بيهودي أو نصراني أو مجوسي فلا
يحل لك أن تفارقه حتى تدعوه إلى الإسلام. يا أبا هريرة: لا تجادلن أحداً منهم فعسى أن
يأتيك بشيء من التنزيل فتكذبه أو تجيء بشيء فيكذبك لا يكون من حديثك إلاَّ أن تدعوه إلى
الإسلام. وهو قول الله تعالى: ﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥] الدعاء إلى الإسلام.
يا أبا هريرة: صلّ إماماً كنت أو غير إمام في ثوب واحد إن كان صفيقاً. يا أبا هريرة: أتريد أن
يكون أجرك كأجر شهداء بدر؟ انظر رجلاً مسلماً ليس له ثوب يجمع فيه يوم الجمعة فأعره
ثوبك أو هبه له. يا أبا هريرة: أتريد أن لا تسمع حسيس النار ولا يقع بك شررها؟ فأغث من
استغاث بك حريق كان لص كان سيل كان غريق كان هدم كان. يا أبا هريرة: نفس عن
المكروبين والمغمومين تخرج من غم يوم القيامة. يا أبا هريرة امش إلى غريمك بحقه تشيعك
الملائكة بالصلاة عليك. يا أبا هريرة: من علم الله منه أنه يريد قضاء دينه رزقه الله من حيث لا

٣٣٦
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
يحتسب وهيّأ له قضاء دينه في حياته أو بعد موته. يا أبا هريرة: من أصاب مالاً حلالاً وأدّى
زكاته ثم ورثه عقبه فكل ما ينصع فيه ورثته من الحسنات فله مثل ذلك من غير أن ينقص من
أجورهم. يا أبا هريرة: من قذف محصناً أو محصنة حبس يوم القيامة في وادي خبال هناك
حتى يخرج أو يجيء ببيان ما قال، قال قلت: يا رسول الله وما وادي خبال؟ قال: وادي خبال
وادي في جهنم يسيل فيه قيحهم وما يخرج من أجوافهم. يا أبا هريرة: من مات وعليه دين
وترك وفاء ذلك فجحدهم ورثته وليس لهم عليه بينة ولم يعلم الله منه أنه يريد قضاءه فهو
قصاص من حسناته يوم القيامة. يا أبا هريرة: المقتول في سبيل الله يغفر له جميع ذنوبه إلاّ
ديناً أو قذف محصنة أو محصن. يا أبا هريرة: كل ذنب غم يوم القيامة فرب ذنب له ثارة من
الغمّ ورب غم له ثارات ولا ذنب على المسلم أطول ثارات من مظلمة لدم أو مال أو عرض.
يا أبا هريرة: من أصاب شيئاً من ذلك فتاب إلى الله عزّ وجلّ قبل موته واستكان وتضرّع وليس
عنده إذن تلك المظلمة فإن على الله أن يرضي خصماءه يوم القيامة من عنده بما شاء. يا أبا
هريرة: إن ظلمك إنسان فلا تشكه ولا تسمع به الناس وتعرفهم حالته تكون أنت وهو سواء.
يا أبا هريرة: من عفا عن مظلمة صغيرة أو كبيرة فأجره على الله ومن كان أجره على الله فهو
من المقرّبين الذين يدخلون الجنة مدخلاً. يا أبا هريرة: لا تروّع أحداً من خلق الله عزّ وجلّ
فتروعك ملائكة الله في الآخرة يوم القيامة. يا أبا هريرة: أتريد أن تكون عليك رحمة الله حياً
وميتاً ومقبوراً ومبعوثاً فقم بالليل وصل وأنت تريد به رضى ربك، ثم مر أهلك يصلون إذا
فرغوا يوقظونك فإنه إذا مرّ عليك من الليل ثلاث ساعات ومن النهار ثلاث ساعات وفي بيتك
من يعبد الله أعطاك الله مثل ذلك. يا أبا هريرة: صل في زوايا بيتك جميعاً يكون نور بيتك في
السماء كنور الكواكب والنجوم في السماء عند أهل الدنيا: يا أبا هريرة: احمل غداك وعشاك
إلى أقاربك المحتاجين يكن لك في كل خير يقسمه الله من بين أوليائه وأحبائه في الدنيا
والآخرة سهم وافر. يا أبا هريرة: ارحم جميع خلق الله يرحمك الله من النار يوم القيامة،
قال: قلت: يا رسول الله إني لأرحم الذباب يكون في الماء، فقال رسول الله وَله: رحمك
الله رحمك الله رحمك الله. يا أبا هريرة: إذا نزلت بك مصيبة فارض بما أعطاك الله وليعلم الله
منك أن ثواب المصيبة أحب إليك من المصيبة يعطيك الله الصلاة والرحمة والهدى. يا أبا
هريرة: عَزّ الحزين كما تحب أن تُعزَّى، وأذكر ثواب ما أعد الله على المصيبة تعط بكل خطوة
خطوت عتق رقبة. يا أبا هريرة: إذا مررت بجمع نساء فلا تسلم عليهنّ فإن بدأنك بالسلام
فاردد عليهن. يا أبا هريرة: إذا سلّم المسلم على المسلم فرد عليه صلت عليه الملائكة سبعين
مرّة. يا أبا هريرة: الملائكة تتعجب من المسلم يلقى المسلم فلا يسلم عليه. يا أبا هريرة:
تعود التسليم فإنه خصلة من خصال الجنة وهو تحية أهل الجنة، قال ابن شاهين: وهو تحية
أهل الجنة يوم القيامة. يا أبا هريرة: أصبح وأمس ولسانك رطب من ذكر الله تصبح وتمسي
وليس عليك خطيئة. يا أبا هريرة: إن الحسنات يذهبن السيئات كما يذهب الماء الوسخ. يا
أبا هريرة: استر عورة أخيك يكن الله لك ناصراً. يا أبا هريرة: انصر أخاك واستر عليه قبل أن

٣٣٧
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
يرفع إلى السلطان في حد من حدود الله، فإياك أن تباشر له بنفسك ومالك فإنه من حالت
شفاعته دون حد من حدود الله فهو كذا وكذا.
وصية: قال بعض العلماء في وصية أوصى بها: اعلم أنه من حاسب نفسه ربح، ومن
غفل عنها خسر، ومن نظر إلى العواقب نجا، ومن اعتبر أبصر، ومن فهم علم، وفي التواني
والإفراط يكون الهلكة، وفي التأني السلامة والبركة، وزارع البر يحصد السرور، والقليل مع
القناعة خير من الكثير مع السرف المشرف في الذلّ، والتقوى نجاة والطاعة ملك وحليف
الصدق موفق، وصاحب الكذب مخذول وصديق الجاهل تعب ونديم العاقل مغتبط، فإذا
جهلت فسل وإذا ندمت فأقلع وإذا غضبت فاحلم، وإن اؤتمنت فاكتم، ومن كافاك بالشكر
فقد أدّى إليك الصنيعة، ومن أقرضك الثناء فاقضه الفعل، ومن بدأك ببره شغلك بشكره،
فتفهم ما رفد مني إليك واجعله ممثلاً بين عينيك، فإن الذي أفدتك من وصيتي أبلغ في رفدك
من عطيتي، وضع الصنائع عند الكرام ذوي الأحساب ولا تضعن معروفك عند اللئام فتضيعه،
فإن الكريم يشكر لك ويرصد لك المكافأة، واللئيم يحسب ذلك خوفاً ويؤول أمرك معه إلى
المذمة، وقال الشاعر: [الوافر]
يَعُدّكَ قد قَتَلْتَ له قَتِيلاً
إذا أَوْلَيْتَ مَعْرُوفاً لتيماً
وقل إني أتيتك مُسْتَقِيلا
فكُنْ من ذاك معتذراً إليه
وإن عاقَبْتَ لم تظلم فَتِيلاً
فقد أوْدَعْتَهُ شُكْراً طَويلا
فإن تَغْفِرْ فمُجْتّرَمي عظيمٌ
وإن أوْلَيْتَ ذلك ذا وفاءٍ
ومن الوصايا: أوصى بعض العارفين بالله إنساناً فقال: إياك أن تكون في المعرفة مدعياً
وتكون بالزهد متحرفاً أو تكون بالعبادة متعلقاً، فقيل له: يرحمك الله فسر لنا ذلك فقال: أما
علمت أنك إذا أشرت في المعرفة إلى نفسك بأشياء أنت معرّى عن حقائقها كنت مدعياً، وإذا
كنت بالزهد موصوفاً بحالة وبك دون الأحوال كنت محترفاً، وإذا علقت قلبك بالعبادة وظننت
أنك تنجو من الله بالعبادة لا بالله في العبادة كنت بالعبادة متعلقاً .
وصية نبوية: قال رسول الله وَّل في وصيته لأبي هريرة: عليك يا أبا هريرة بطريق أقوام
إذا فزع الناس لم يفزعوا، وإذا طلب الناس الأمان من النار لم يخافوا، قال أبو هريرة: من هم
يا رسول الله؟ حلّهم وصفهم لي حتى أعرفهم، قال: قوم من أمتي في آخر الزمان يحشرون
يوم القيامة محشر الأنبياء إذا نظر إليهم الناس ظنوهم أنبياء ممّا يرون من حالهم حتى أعرفهم
أنا فأقول أمتي أمتي فتعرف الخلائق أنهم ليسوا أنبياء فيمرّون مثل البرق والريح تغشى أبصار
أهل الجمع من أنوارهم، فقلت: يا رسول الله مر لي بمثل عملهم لعلي ألحق بهم، فقال: يا
أبا هريرة ركب القوم طريقاً صعباً لحقوا بدرجة الأنبياء، آثروا الجوع بعدما أشبعهم الله،
والعري بعدما كساهم، والعطش بعدما أرواهم، تركوا ذلك رجاء ما عند الله، تركوا الحلال
مخافة حسابه، صحبوا الدنيا بأبدانهم ولم يشتغلوا بشيء منها، عجبت الملائكة والأنبياء من
طاعتهم لربهم، طوبى لهم طوبى لهم، وددت أن الله جمع بيني وبينهم ثم بكى رسول الله والده
الفتوحات المکیة ج٨ - م٢٢

٣٣٨
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
شوقاً إليهم ثم قال: إذا أراد الله بأهل الأرض عذاباً فنظر إليهم صرف العذاب عنهم، فعليك يا
أبا هريرة بطريقتهم فمن خالف طريقتهم تعب في شدة الحساب.
وصية: كتبت إلى بعض معارفنا بوصية ضمنتها أبياتاً أحرّضه فيها على تكملة إنسانيته
وهي: [مجزوء الرمل]
كنت بين الناس إنْسَانًا
إِنْ تَكِنْ رَوْحاً ورَيْحَانَا
لتَكُنْ في الخَلْقِ رَحْمانا
إنّما أعطاك صُورَتَهُ
حَازَ ما يأتي وما كانا
فالذي قد حَازَ صُورَتَهُ
والذي قد جاءه الآنا
والذي في الغَيْب من عجب
إنما يدعوه مِحسَانَا
والذي يدعوه خالقُهُ
وأوصى بعض الصالحين إنساناً فقال: أكثر مسائلة الحكماء وليكن أوّل شيء تسأل عنه
العقل لأن جميع الأشياء لا تدرك إلاَّ بالعقل، ومتى أردت الخدمة لله فاعقل لمن تخدم ثم
اخدم. سأل إبراهيم الأخميمي ذا النون أن يوصيه بوصية يحفظها عنه قال: وتفعل؟ قال
إبراهيم قلت: نعم إن شاء الله، فقال: يا إبراهيم احفظ عني خمساً فإن أنت حفظتهنّ لم تبال
ماذا أصبت بعدهن، قلت: وما هن رحمك الله؟ قال: عانق الفقر، وتوسد الصبر، وعاد
الشهوات، وخالف الهوى، وافزع إلى الله في أمورك كلها، فعند ذلك يورثك الشكر والرضا
والخوف والرجاء والصبر، وتورثك هذه الخمسة خمسة، العلم والعمل وأداء الفرائض
واجتناب المحارم والوفاء بالعهود، ولن تصل إلى هذه الخمسة إلاَّ بخمس: علم غزير ومعرفة
شافية وحكمة بالغة وبصيرة ناقدة ونفس راهبة، والويل كل الويل لمن يلي بخمس: حرمان
وعصيان وخذلان واستحسان النفس بما يسخط الله والإزراء على الناس بما يأتي، وأقبح القبح
خمس: قبح الفعال ومساوي الأعمال وثقل الظهور بالأوزار والتجسّس على الناس بما لا
يحب الله ومبارزة الله بما يكره، وطوبى ثم طوبى لمن أخلص خمسة: من أخلص علمه
وعمله وحبه وبغضه وأخذه وعطاءه وكلامه وصمته وقوله وفعله، واعلم يا إبراهيم أن وجوه
الحلال خمسة: تجارة بالصدق، وصناعة بالنصح، وصيد البرّ والبحر، وميراث حلال
الأصل، وهدية من موضع ترضاها، فكل الدنيا فضول إلاَّ خمسة: خبز يشبعك، وماء
يرويك، وثوب يسترك، وبيت يكنك، وعلم تستعمله، ويحتاج أيضاً أن يكون معه خمسة
أشياء: الإخلاص والنية والتوفيق وموافقة الحق وطيب المطعم والملبس، وخمسة أشياء فيها
الراحة: ترك قرناء السوء والزهد في الدنيا والصمت وحلاوة الطاعة إذا غبت عن أعين
المخلوقين وترك الازدراء على عباد الله حتى لا تزدري على أحد يعصي الله، وعندها يسقط
عنك خمس: المراء والجدال والرياء والتزيّن وحب المنزلة، وخمس فيهن جمع الهم: قطع
كل علاقة دون الله، وترك كل لذة فيها حساب، والتبرّم بالصديق والعدوّ، وخفة الحال، وترك
الادخار، وخمس يا إبراهيم يتوقعهن العالم: نعمة زائلة، أو بلية نازلة، أو ميتة قاضية، أو فتنة

٣٣٩
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
قاتلة، أو تزل قدم بعد ثبوتها، حسبك يا إبراهيم إن عملت بما علمتك. منظوم لأبي العتاهية
في هذا الباب: [مخلع البسيط]
ما أنا إلاَّ لمن يُعَاني
لستُ أَرَى ما ملكت طَرْفي
فلي إلى أن أموت رِزْقٌ
فاسْتَغْنِ بالله عن فلان
فالمالُ مَن حِلْهِ قَوَامٌ
والفَقْرُ ذلِّ عليه بابٌ
ورزقُ رَبِّي له وجوهٌ
سبحان من لم يَزَلْ عَلِيّاً
قضى على خَلْقه المنايا
يا رَبِّ لم نَبْكِ من زمان
أرى خليلي كما يَرَاني
مكان من لا يرى مكاني
لو جَهِدَ الخَلْقُ مَا عَدَاني
وعن فلان وعن فُلانٍ
للعِرْضِ والوَجْهِ واللِّسانِ
مفتاحُه العجزُ والتَّواني
هُنَّ من الله في ضَمَانِ
ليس له في العُلْوثَانِ
فكلُ حَيّ سواه فَانِ
إلاَّ بكيتُ على زمان
نصيحة عمرية: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من أظهر للناس خشوعاً فوق ما
في قلبه فإنما أظهر نفاقاً على نفاق .
موعظة تتضمن وصية ونصيحة نبوية: قال رسول الله وَّر: طوبى لمن تواضع في غير
منقصة، وذلّ في نفسه في غير مسكنة، وأنفق من مال جمعه من غير معصية، وخالط أهل الفقه
والحكمة، ورحم أهل الذلة والمسكنة، طوبى لمن طاب كسبه وصلحت سريرته وكرمت علانيته
وعزل عن الناس شرّه، طوبى لمن عمل بعلمه وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله.
وصية الفضيل بن عياض إلى أمير المؤمنين: روينا أن أمير المؤمنين هارون الرشيد حج
ومعه الفضل بن الربيع قال: أتاني أمير المؤمنين فخرجت إليه مسرعاً فقلت: يا أمير المؤمنين
لو أرسلت إليّ لأتيتك فقال: ويحك قد كان ذلك في نفسي فانظر لي رجلاً أسأله فقلت: ههنا
سفيان بن عيينة فقال: امض بنا إليه فأتيناه فقرعت الباب فقال: من ذا؟ فقال: أجب أمير
المؤمنين فخرج مسرعاً فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليّ لأتيتك، قال له: خذ لما جئناك
لہ رحمك الله فحدثه ساعة ثم قال له: علیك دین؟ قال: نعم، فقال: اقض دينه، فلما خرجنا
قال: ما أغنى عني صاحبك شيئاً انظر لي رجلاً أسأله أنظر لي رجلاً أسأله، فقلت: ههنا
عبد الرزاق فذكر مثل ما جرى له مع سفيان وقال: ما أغنى عني صاحبك شيئاً أنظر لي رجلاً
أسأله فقلت: ههنا الفضيل بن عياض فقال: امش بنا إليه فإذا هو قائم يصلي يتلو آية من
القرآن يرددها قال: اقرع الباب فقرعت فقال: من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين فقال: ما
لي ولأمير المؤمنين، فقلت: سبحان الله أما عليك طاعة؟ فنزل ففتح الباب ثم ارتقى إلى
الغرفة فأطفأ السراج ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت فدخلنا فجعلنا نحول عليه بأيدينا
فسبقت كف أمير المؤمنين قبلي إليه فقال: يا لها من كف ما ألينها إن نجت غداً من عذاب الله
عزّ وجلّ، فقلت في نفسي ليكلمنه الليلة بكلام من قلب تقيّ فقال له: خذ لما جئناك له

٣٤٠
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
رحمك الله، فقال له: إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعى سالم بن عبد الله
ومحمد بن كعب القرظي ورجاء بن حيوة فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا عليّ
فعد الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة فقال له سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة
من عذاب الله فصم عن الدنيا وليكن فطرك منها الموت. وقال له محمد بن كعب: إن أردت
النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أباً ووسطهم عندك أخاً وأصغرهم عندك
ولداً، فوقر أباك، واكرم أخاك، وتحنّن على ولدك، وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة
غداً من عذاب الله فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك وأكره لهم ما تكره لنفسك ثم مت إذا
شئت، وإني أقول لك يا هارون: إني أخاف عليك أشد الخوف يوم تزل فيه الأقدام فهل معك
رحمك الله من يشير عليك بمثل هذا؟ فبكى هارون بكاء شديداً حتى غشي عليه فقلت له :
أرفق بأمير المؤمنين فقال: تقتله أنت وأصحابك وأرفق به أنا ثم أفاق فقال له: زدني رحمك
الله، فقال: يا أمير المؤمنين بلغني أن عاملاً لعمر بن عبد العزيز شكى إليه فكتب إليه: يا
أخي أذكرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد وإياك أن ينصرف بك من عند الله عزّ
وجلّ فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء، فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر بن
عبد العزيز فقال له: ما أخرجك؟ قال: خلعك قلبي بكتابك لا أعود إلى ولاية حتى ألقى الله
عزّ وجلّ، قال: فبكى هارون بكاء شديداً، ثم قال: زدني رحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين
إن العباس عمّ المصطفى وَّرَ جاء إلى النبي ◌َّ فقال: يا رسول الله أمرني على إمارة فقال
له: إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة فإن استطعت أن لا تكون أميراً فافعل، فبكى هارون
بكاء شديداً وقال له: زدني رحمك الله، قال: يا حسن الوجه أنت الذي يسألك الله عزّ وجلّ
عن هذا الخلق يوم القيامة فإن استطعت أن تقي هذا الوجه فافعل، وإياك أن تصبح وتمسي
وفي قلبك غش لأحد من رعيتك فإن النبيّ وَّر قال: من أصبح لهم غاشاً لم يرح رائحة
الجنة، فبكى هارون وقال له: عليك دين؟ قال نعم دين لربي لم يحاسبني عليه فالويل لي إن
سألني والويل لي إن ناقشني والويل لي إن لم ألهم حجتي، قال: إنما أعني من دين العباد،
قال: إن ربي لم يأمرني بهذا وقد قال عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ اللََّ هُوَ الرَّزَّقُ﴾ [الذاريات: ٥٨] فقال له:
هذه ألف دينار خذها وأنفقها على عيالك وتقوى بها على عبادتك، فقال: سبحان الله أنا أدلك
على طريق النجاة وأنت تكافئني بمثل هذا سلمك الله ووفقك ثم صمت فلم يكلمنا، فخرجنا
من عنده فلما صرنا على الباب قال لي هارون: إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا،
هذا سيد المسلمين. فدخلت عليه امرأة من نسائه فقالت له: يا هذا قد ترى ما نحن فيه من
ضيق الحال فلو قبلت هذا المال لفرجت عنا به، فقال لها: مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم
بعير يأكلون من كسبه فلما كبر نحروه فأكلوا لحمه، فلما سمع هارون هذا الكلام قال: ندخل
فعسى أن يقبل المال، فلما علم الفضيل خرج فجلس في السطح على باب الغرفة فجاء هارون
فجلس إلى جنبه فجعل يكلمه ولا يجيبه فبينا نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت: يا
هذا قد آذيت الشيخ هذه الليلة فانصرف رحمك الله فانصرفنا.