النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... ذلك فأخبره بعتب الله له في ذلك فأسلم المشرك وعليك بترتيل القرآن والتغني به وذلك بأن تحبره وتستوفي حروفه، وإياك أن تدعو إلى عصبية بل ادع إلى الله، وإذا كنت في سفر فلا تصم فإن ذلك ليس من البر عند الله تعالى وإن كنت ولا بدّ صاحب لهو فبامرأتك وفرسك وسهامك، واجتنب الاسترقاء والاكتواء والطيرة إن أردت أن تكون من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وعليك بفعل البر في يوم الاثنين ويوم الخميس فإنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله تعالى، وكان رسول الله وَلّ لا يترك صومهما ويقول: «إنّي أحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ)) فإن الصوم عبادة تستغرق النهار كله سواء غفل العبد عن عبادة في ذلك اليوم أو لم يغفل فإنه في عبادة صومه بما نواه، وإياك والشحناء فإنه نظير الشرك في عدم المغفرة عند الله. واعلم أن العبد يبعث على ما مات عليه فلا تمت إلاَّ وأنت مسلم، إياك وصحبة من تفارقه ولا تصحب إلاَّ من لا يفارقك وهو العمل، فاجعل عملك صالحاً فتأنس به وتسر واجعله لك لا عليك، واعلم أن القبر خزانة أعمالك فلا تخزن فيه إلاَّ ما إذا دخلت إليه يسرك ما تراه يقول بعضهم: [مجزوء الرجز] وغَرَّهُ طُولُ الأَمَلْ يا مَنْ بِدُنْيَاهُ اشْتَغَلْ حتى دَنّا منه الأجَلْ ولم يَزَلْ في غَفْلَةٍ والقَبْرُ صُنْدُوقُ العَمَلْ المَوْتُ يأتي بَغْتَةً يرجع عن الميت أهله وماله ويبقى معه عمله، أشقى الناس يوم القيامة من أمر بالمعروف ولم يأته ونهى عن المنكر وأتاه، وعليك بكسب الحلال وطيب المطعم وفر بدينك من الفتن إذا وقعت في الناس وظهرت، وإياك والحرص على المال، واحذر أن تسبّ الدهر فإن الله هو الدهر وإن أردت به الزمان فما بيد الزمان شيء بل الأمر بيد الله، لا تقل مالي وهل لك من مالك إلاَّ ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت وما بقي بعد ذلك فعليك لا لك، وأنت مسؤول عمّا جمعت من أين جمعت وفيم أنفقت ولم اختزنت؟ لا تتزوّج من النساء إلاَّ ذات الدين فإن من أعظم النعم على العبد المرأة الصالحة تعين على الدين، ولا تكفر العشير كن من حملة الدين تكن عدلاً بشهادة الرسول وَلّ فإنه قال: ((يَحْمِلُ هذا العِلْمَ مِنْ كُلُّ خَلَفِ عُدُولُهُ)) ابدأ بالسلام على من هو أكبر منك، وابدأ بالسلام على الماشي إن كنت راكباً وعلى القاعد إن كنت ماشياً، ولقد جرى لي مع بعض الخلفاء رضي الله عنه ذات يوم كنا نمشي ومعنا جماعة وإذا بالخليفة مقبل فتنحينا عن الطريق وقلت لأصحابي من بدأه بالسلام أرذلت به عنده فلما وصل وحاذانا بفرسه انتظر أن نسلم عليه كما جرت عادة الناس في السلام على الخلفاء والملوك فلم نفعل فنظر إلينا وقال: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته بصوت جهير فقلنا له بأجمعنا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فقال: جزاكم الله عن الدين خيراً وشكرنا على فعلنا وانصرف، فتعجب الحاضرون. لا تؤمن رجلاً في سلطانه ولا تقعد على تكرمته إلاَّ بإذنه ولا تدخل بيته إلاَّ بإذنه ولا تجز مقدم دابته إلاَّ بإذنه، وليكن إمام القوم أقرؤهم لكتاب الله هذه وصية رسول الله وله . ٣٠٢ الباب الموفي ستين وخمسمائة / في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... إذا استيقظت من نومك فامسح النوم من عينيك واذكر الله تحلّ بذلك عقدة واحدة من عقد الشيطان فإنه يعقد على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد فإن توضأت حللت بوضوءك العقدة الثانية فإن صليت حللك العقد كلها. إياك أن تطلب الإمارة فتوكل إليها وعليك بالصباغ واجتنب السواد فيه فإن رسول الله وَليّ أمر به ورغب فيه وأعجبه. واعلم أن القلوب بيد الله بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء، وقلوب الملوك بيد الله كذلك يقبضها عنا إذا شاء ويعطف بها علينا إذا شاء، ليس لهم من الأمر شيء فاعذروهم وادعوا لهم ولا تقعوا فيهم فإنهم نواب الله في عباده وهم من الله بمكان فاتركوا ولاته له تعالى يعاملهم كيف شاء، إن شاء عفا عنهم فيما قصروا فيه وإن شاء عاقبهم فهو أبصر بهم، وعليك بالسمع والطاعة لهم وإن كان عبداً حبشياً مجدع الأطراف. دخل رجل نصراني مشرك بعض البلاد فبينما هو يمشي وإذا بالناس يهرعون من كل مكان ويقولون هذا السلطان قد أقبل فوقف المشرك ليراه فإذا به أسود كان مملوكاً لبعض الناس وأعتقه مجدّع الأطراف أقبح الناس صورة فلما نظر إليه قال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له في ملكه يفعل ما يريد ويحكم ما يشاء فقيل له: ما الذي دعاك إلى الإسلام والتوحيد؟ فقال: سلطنة هذا العبد الأسود فإني رأيت من المحال أن يجتمع اثنان على تولية مثل هذا على الناس والأشراف والعلماء وأرباب الدين فعلمت أن الله واحد يحكم بعلمه في عباده كيف يشاء لا إله إلاَّ هو، ورأيت هذا أنا من تصديق الله تعالى رسوله ول# فيما مثل به لنا في قوله: ((وإنْ كَانَ عَبْداً حَبَشِيّاً مُجَدَّعَ الأطْرَافِ)) فإني جرّبت المخبرين عن الله إذا ضربوا الأمثال بأمر ما فإنه لا بدّ من وقوع ذلك المضروب به المثل، كان أبو يزيد البسطامي يشير عن نفسه أنه قطب الوقت فقيل له يوماً عن بعض الرجال أنه يقال فيه أنه قطب الوقت فقال: الولاة كثيرون وأمير المؤمنين واحد، لو أن رجلاً شقّ العصى وقام ثائراً في هذا الموضع وأشار إلى قلعة معينة وادّعى أنه خليفة قتل ولم يتم له ذلك وبقي أمير المؤمنين أمير المؤمنين فما مرّت الأيام حتى ثار في تلك القلعة ثائر ادّعى الخلافة وقتل وما تمّ له ذلك، فوقع ما ضرب به أبو يزيد المثل عن نفسه، فإياك والوقوع في ولاة أمور المسلمين، وإياك أن تنزل أحداً من الله منزلة لا تعرفها لا بتزكية عند الله فيه ولا بتجريح إلاَّ أن تكون على بصيرة من الله تعالى فيه فإن ذلك افتراء على الله ولو صادفت الحق فقد أسأت الأدب، وهذا داء عضال بل حسن الظن به وقل فيما أحسب وأظنّ هو كذا وكذا. ولا تزكي على الله أحداً فهذا رسول الله وَ# ولا يدري ما يفعل به ولا بنا بل يتبع ما يوحى إليه، فما عرف به من الأمور عرفها وما لم يعرف به من الأمور لم يعرفه، وكان فيه كواحد من الناس، فكم رجل عظيم عند الناس يأتي يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة وفكر في يوم القيامة وهوله وما يلقى الناس فيه وهو يوم التنادي يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم تلجؤون إليه، ولقد ثبت أن العرق يوم القيامة ليذهب في الأرض سبعين ذراعاً وأنه ليبلغ أفواه الناس، وعليك بالدعاء أن يعيذك الله من فتنة القبر ٣٠٣ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... ومن فتنة الدجال، ومن عذاب النار ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرّ ما صنعت ومن شرّ ما خلق، وقد أوصيتك بتغطية الإناء فإنه ثبت أن الله في السنة ليلة غير معينة ينزل فيها وباء لا يمرّ بإناء ليس عليه غطاء إلاَّ دخل فيه من ذلك الوباء أو سقاء ليس عليه وكاء، وإن للشيطان فتنة فاستعذ بالله منها وراقب قلبك وخواطرك وزنها بميزان الشريعة الموضوع في الأرض لمعرفة الحق فإنك إذا فعلت ذلك كنت في أمورك تجري على الحق، فإن إبليس يضع عرشه على الماء لما علم أن العرش الرحماني على الماء يلبس بذلك على الناس أنه الله كما فعل بابن صياد وقد قال له رسول الله وَل: ((ما ترى؟)) قال: أرى عرشاً على البحر، فقال: ((ذلك عَزْشُ إبليس))، يقول الله تعالى في عرشه وكان عرشه على الماء، ثم قال: ﴿لِيَبْلُكُمْ﴾ [هود: ٧] والابتلاء فتنة فإبليس ما له نظر إلاَّ في الأوضاع الإلهية الحقيقية فيقيم في الخيال أمثلتها ليقال هي عينها فيغتر بها من نظر إليها وما ثم شيء فإن الله قد أعطاه السلطنة على خيال الإنسان فيخيل إليه ما يشاء، فإذا وضع عرشه على الماء بعث سراياه شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً إلى قلوب بني آدم إلى الكافر ليثبت على كفره وإلى المؤمن ليرجع عن إيمانه وأدناهم من إبليس منزلة أعظمهم فتنة فتعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وصية: ادع الله أن يجعلك من صالحي المؤمنين تكن ولي رسول الله وَّر وناصره، فإن الله قرن صالح المؤمنين مع نفسه وجبريل والملائكة في نصرة رسول الله وَير، وقال رسول الله الَّ: إنما وليي الله وصالح المؤمنين، وإن كنت والياً فلتساو في إقامة الحدود الشرعية على من تعينت عليه من شريف ووضيع ومن تحبه وتكرهه فإن رسول الله و لو ثبت عنه أنه قال: ((إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقِيمُونَ الحُدُودَ عَلَى الوَضِيعِ وَيَتْرُكُونَ الشَّرِيفَ)) وإياك يا أخي أن تحجر عناية الله عن إماء الله لما سمعت أن للرجال عليهن درجة فتلك درجة الانفعال فإن حوّاء خلقت من آدم فلما انفعلت عنه كان له عليها درجة السبق، فكل أنثى من سبق ماء المرأة ماء الرجل وعلوّه على ماء الرجل، هذا هو الثابت عن رسول الله وَالر فاعلم ذلك فللرجال عليهنَّ درجة، فإن الحكم لكل أنثى بماء أمها، وهنا سرّ عجيب دقيق روحاني من أجله كان النساء شقائق الرجال فخلقت المرأة من شق الرجل فهو أصلها فله عليها درجة السببية، ولا تقل هذا مخصوص بحواء فكل أنثى كما أخبرتك من مائها أي من سبق مائها وعلوّه على ماء الرجل، وكل ذكر من سبق ماء الرجل وعلوّه على ماء الأنثى وكل خنثى فمن مساواة الماءين وامتزاجهما من غير مسابقة. واحذر من فتنة الدنيا وزينتها وفرق بين زينة الله وزينة الشيطان وزينة الحياة الدنيا إذا جاءت الزينة مهملة غير منسوبة فإنك لا تدري من زينها لك، فانظر ذلك في موضع آخر واتخذه دليلاً على ما انبهم عليك مثل قوله: ﴿زَيَّنَا لَمْ أَعْمَلَهُمْ﴾ [النمل: ٤] ومثل قوله: ﴿أَفَمَنَ زُيِنَ لَهُ سُوْءُ عَمَلِهِ،﴾ [فاطر: ٨] ولم يذكر من زيّنه فتستدل على من زيّنه من نفس العمل فزينة الله غير محرّمة وزينة الشيطان محرمة وزينة الدنيا ذات وجهين: وجه إلى الإباحة والندب ووجه إلى التحريم، والحياة الدنيا وطن الابتلاء فجعلها الله حلوة خضرة واستخلف فيها عباده فناظر كيف يعملون فيها بهذا جاء الخبر النبويّ: ((فاتَّقِ ٣٠٤ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... فتنتها وميّز زينتها وقل رب زدني علماً)) وإذا فجأك أمر تكرهه فاصبر له عندما يفجؤك فذلك هو الصبر المحمود، ولا تتسخط له ابتداء، ثم تنظر بعد ذلك أن الأمر بيد الله وأن ذلك من الله فتصبر عند ذلك فليس ذلك بالصبر المحمود عند الله الذي حرض عليه رسول الله وَله: ولقد مرّ رسول الله وَلَه بامرأة وهي تصرخ على ولد لها مات فأمرها أن تحتسبه عند الله وتصبر ولم تعرف أنه رسول الله وَل فقالت له: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، فقيل لها هذا رسول اللهِ الَّ فجاءت تعتذر إليه ممّا جرى منها فقال لها رسول الله وَّ: ((إنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى)). ينبّه وَ ل﴿ العبد أنه لا يزال حاضراً مع الله أبداً فهو أولى به. وعليك برحمة الضعيف المستضعف فإنه قد ثبت أن الله ينصر عباده ويرزقهم بضعفائهم، وإذا اقترضت من أحد قرضاً فأحسن الاداء وأرجح إذا وزنت له واشكره على قرضه إياك، وانظر الفضل له ولكل من أحسن إليك أو أهدى لك هدية أو تصدق عليك ولو بالسلام فإن له الفضل عليك بالتقدم، وما عرف مقدار السلام الذي هو التحية إلاَّ الصدر الأوّل فإني رويت أنهم كانوا إذا حالت بين الرجلين شجرة وهما يمشيان في الطريق فإذا تركاها والتقيا سلم كل واحد منهما على صاحبه لمعرفته بسرعة تقلب النفوس وما يبادر إليها من الخواطر القبيحة من إلقاء إبليس فيكون السلام بشارة لصاحبه إنه سلم من ذلك وأنه معه على ما افترقا عليه من حسن المودّة، فانظر إلى معرفتهم بالنفوس رضي الله عنهم، ومن قال لك إنه يحبك فلو أحببته ما عسى أن تحبه لن تبلغ درجة تقدمه في حبّه إياك فإن حبك نتيجة عن ذلك الحب المتقدم، وما قلت لك ذلك إلاَّ أني رأيت وسمعت من فقراء زماننا من جهالهم لا من علمائهم يرون الفضل لهم على الأغنياء حيث كانوا فقراء لما يأخذونه منهم إذ لولا الفقراء ما صحّ لهم هذا الفضل، وهذا غلط عظيم فإن الثناء على المعطي ما هو من حيث ما وجد من يأخذ منه وإنما هو لقيام صفة الكرم به ووقايته شحّ نفسه سواء وجد من يأخذ منه أو لم يجد، ألا ترى إلى النص الوارد في المتمني مع العدم إذا تمنى ويقول: لو أن لي مالاً فعلت فيه من الخير مثل ما فعل هذا المعطي فأجرهما سواء وزاد عليه بارتفاع الحساب عنه والسؤال، ولهذا قلنا بأن ترى الفضل عليك لمن أعطى بما أعطى فهو أولى بك وأن اليد العليا هي خير من اليد السفلى واليد العليا هي المنفقة واليد السفلى هي السائلة هذا السؤال، ولكن إذا لم تر الله في سؤالها لأن الحق قد سأل عباده في أمره إياهم أن يقرضوه ويذكروه وهنا أشار في التنزّل الإلهيّ إلى عباده. وصية: إذا قرأت فاتحة الكتاب فصل بسملتها معها في نفس واحد من غير قطع فإني أقول بالله العظيم لقد حدّثني أبو الحسن عن ابن أبي الفتح المعروف والده بالكناري بمدينة الموصل سنة إحدى وستمائة وقال: بالله العظيم لقد سمعت شيخنا أبا الفضل عبد الله بن أحمد بن عبد القاهر الطوسي الخطيب يقول: بالله العظيم لقد سمعت والدي أحمد يقول: بالله العظيم لقد سمعت المبارك بن أحمد بن محمد النيسابوري المقري يقول: بالله العظيم لقد سمعت من لفظ أبي بكر الفضل بن محمد الكاتب الهروي وقال: بالله العظيم لقد حدثنا ٣٠٥ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... أبو بكر محمد بن علي الشاشي الشافعي من لفظه وقال: بالله العظيم لقد حدثني عبد الله المعروف بأبي نصر السرخسي وقال: بالله العظيم لقد حدثنا أبو بكر محمد بن الفضل وقال: بالله العظيم لقد حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي بن يحيى الوراق الفقيه وقال: بالله العظيم لقد حدثني محمد بن يونس الطويل الفقيه وقال: بالله العظيم لقد حدثني محمد بن الحسن العلوي الزاهد وقال: بالله العظيم لقد حدثني موسى بن عيسى وقال: بالله العظيم لقد حدثني أبو بكر الراجعي وقال: بالله العظيم لقد حدثني عمار بن موسى البرمكي وقال: بالله العظيم لقد حدثني أنس بن مالك وقال: بالله العظيم لقد حدّثني علي بن أبي طالب وقال: بالله العظيم لقد حدثني أبو بكر الصدّيق وقال: بالله العظيم لقد حدثني محمد المصطفى وَال تسليماً وقال: بالله العظيم لقد حدثني جبريل عليه السلام وقال: بالله العظيم لقد حدّثني ميكائيل عليه السلام وقال: بالله العظيم لقد حدثني إسرافيل عليه السلام وقال: قال الله تعالى لي: يا إسرافيل بعزّتي وجلالي وجودي وكرمي من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم متصلة بفاتحة الكتاب مرّة واحدة اشهدوا عليّ أني قد غفرت له وقبلت منه الحسنات وتجاوزت عنه السيئات ولا أحرق لسانه بالنار وأجبره من عذاب القبر وعذاب النار وعذاب القيامة والفزع الأكبر ويلقاني قبل الأنبياء والأولياء أجمعين. وصية: كن غيوراً لله تعالى واحذر من الغيرة الطبيعية الحيوانية أن تستفزك وتلبس عليك نفسك بها وأنا أعطيك في ذلك ميزاناً وذلك أن الذي يغار لله ديناً إنما يغار لانتهاك محارم الله على نفسه وعلى غيره، فكما يغار على أمّه أن يزني بها أحد كذلك يغار على أم غيره أن يزني بها هو، وكذلك البنت والأخت والزوجة والجارية، فإن كل امرأة يزنى بها قد تكون أماً الشخص وبنتاً لآخر وأختاً لآخر وزوجة لآخر وجارية لآخر، وكل واحد منهم لا يريد، أن يزني أحد بأمّه ولا بأخته ولا بابنته ولا بزوجته ولا بجاريته، كما لا يريد هذا الغير أن الذي يزعم أنه يغار لله ديناً فإن فعل شيئاً من هذا وزنى وادّعى الغيرة في الدين أو المروءة فاعلم أنه كاذب في دعواه فإنه ليس بذي دين ولا مروءة، من يكره لنفسه شيئاً ولا يكرهه لغيره فليس بذي غيرة إيمانيةٍ، يقول النبيّ وَّ في سعد والحديث مشهور: ((إنَّ سَعْداً لغَيُورٌ وَإِنِّي لَأَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ وَإِنَّ اللّه أَغْيَرُ مِنِّي وَمِنْ غَيْرَتِهِ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ)) ولقد مات رسول الله وَّلَه وما مسّت يده يد امرأة لا يحلّ له لمسها وهو رسول الله، وما كانت تبايعه النساء إلاَّ بالقول وقوله للواحدة قوله للجميع، فاجعل ميزانك في الغيرة للدين هذا، فإن وفيت به فاعلم أنك غيور للدين والمروءة، وإن وجدت خلاف ذلك فتلك غيرة طبيعية حيوانية ليس لله ولا للمروءة فيها دخول حتى تغار منك كما تغار عليك، وقد ثبت: «مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ الله أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أمَتُهُ)). وإذا أصابتك مصيبة فقل إنا لله وإنا إليه راجعون فلا تنزل ما تجد منها إلاّ بالله ثم قل: اللهم اجبرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها فإنه ثبت عن رسول الله وَله: ((إنَّ العَبْدَ إذا قَالَ هذا أَخْلَف الله لَهُ خَيْراً مِنْهَا)) ولقد مات أبو سلمة فقالت امرأته هذا القول وهي تقول: ومن خير من أبي سلمة فأخلفها الله خيراً من أبي سلمة وهو رسول الله (183 فتزوّج بها وصارت من الفتوحات المكية ج٨ - م٢٠ ٣٠٦ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... أمهات المؤمنين، ولم يكن أصل هذه العناية الإلهية بها إلاَّ هذا القول عندما أصيبت بموت زوجها أبي سلمة. وإذا مات لك ميت فاجهد أن يصلي عليه مائة مسلم، أو أربعون فإنهم شفعاء له عندالله، ثبت في ذلك عن رسول الله وَ لفيه: ((ما مِنْ مُسْلِم يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةَ كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إلاَّ شُفْعُوا فِيهِ)) وحديث آخر قال: قال رسول الله وَّه : ((ما مِنْ رَجُلٍ مُسْلم يَمُوتُ يَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبِعُونَ رَجُلاً لا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئاً إلاَّ شَفَّعَهُمُ الله فِيهِ)) ومعنى لا يشرّكون بالله شيئاً أي لا يجعلون مع الله إلهاً آخر. وروينا عن بعض العرب أنه مرّ بجنازة يصلي عليها أمة كثيرة من المسلمين فنزل عن دابته وصلَّى عليها فقيل له في ذلك فقال: إنها من أهل الجنة فقيل: ومن لك بذلك؟ فقال: وأيّ كريم يأتي إليه جماعة يشفعون عنده في شخص فيرد شفاعتهم لا والله لا يردها أبداً فكيف الله الذي هو أكرم الكرماء وأرحم الرحماء فما دعاهم ليشفعوا فيه إلاَّ ويقبل شفاعتهم، إذ الكريم يقبلها وإن لم يدعهم إلى الشفاعة فيه فكيف وقد دعاهم. اعلم أن الله أمرك أن تتقي النار فقال: ﴿ وَأَنَّقُواْ النَّارَ﴾ [آل عمران: ١٣١] أي اجعل بينك وبينها وقاية حتى لا يصل إليك أذاها يوم القيامة فإنه ثبت أنه ما من أحد إلاَّ سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلاَّ ما قدم وينظر أشأم منه فلا يرى إلاَّ ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلاَّ النار: ((فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقٌّ تَمْرَةٍ)). ولقد وشي ببعض شيوخنا بالمغرب عند السلطان بأمر فيه حتفه وكان أهل البلد قد أجمعوا على ما وشي به وما قيل فيه ممّا يؤدي إلى هلاكه فأمر السلطان نائبه أن يجمع الناس ويحضر هذا الرجل فإن أجمعوا عليه على ما قيل فيه يأمر الوالي أن يقتله وإن قيل غير ذلك خلى سبيله، فجمع الناس لميقات يوم معلوم وعرفوا ما جمعوا له وكلهم على لسان واحد أنه فاسق يجب قتله بلا مخالف، فلما جيء بالرجل مرّ في طريقه بخباز فاقترض منه نصف رغيف فتصدق به من ساعته فلما وصل إلى المحفل وكان الوالي من أكبر أعدائه أقيم في الناس وقيل لهم: ما عندكم في هذا الرجل وما تقولون فيه وسمّوه؟ فما بقي أحد من الناس إلا قال هو عدل رضي عن آخرهم، فتعجب الوالي من قولهم خلاف ما كان يعلمه منهم وما كانوا يقولون فيه قبل حضوره فعلم أن الأمر إلهيّ والشيخ يضحك فقال له الوالي: ممّ تضحك؟ فقال: من صدق رسول الله وَّ تعجباً به وإيماناً والله ما من أحد من هذه الجماعة إلاَّ ويعتقد في خلاف ما شهد به وأنت كذلك وكلكم عليّ لا لي، فتذكرت النار ورأيتها أقوى غضباً منكم وتذكرت نصف رغيف ورأيته أكبر من نصف تمرة وسمعت عن رسول الله وَ الله يقول: ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقٌ تَمْرَةٍ)) فاتقيت غضبكم بنصف رغيف فدفعت الأقل من النار بالأكثر من شق تمرة. وعليك يا أخي بالصدقة فإنها تطفىء غضب الرب ولها ظل يوم القيامة يقي من حرّ الشمس في ذلك الموقف، وأن الرجل يكون يوم القيامة في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس، وما من يوم يصبح فيه العبد إلاَّ وملكان ينزلان كذا جاء وثبت عن رسول الله وَله يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفٌُ﴾ [سبأ: ٣٩] ويقول الآخر: اللهمّ أعط ممسكاً تلفاً يدعو له بالإنفاق مثل الأوّل المنفق لا يدعو عليه ٣٠٧ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... فإنهم لا يدعون إلاَّ بخير فهم الذي يقولون: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةُ وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] وهم الذين قال الله فيهم أنهم يستغفرون لمن في الأرض فما أراد الملك بالتلف في دعائه إلاَّ الإنفاق، وهذا خلاف ما يتوهمه الناس في تأويل هذا الخبر وليس إلاَّ ما قلناه فإن النبيّ ◌َّه يقول في الرجل الذي آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته فيتصدق به يميناً وشمالاً فجعل صدقته هلاك المال وهذا معنى تلفه، والإنفاق ليس إلا هلاك المال فإنه من نفقت الدابة إذا هلكت، فالمال المنفوق هو الهالك لأنه هلك عن يد صاحبه ولهذا دعا للمنفق بالخلف وهو العوض لما مرَّ منه مع ادّخار الله له ذلك عنده إلى يوم القيامة إذا قصد به القربة واقترنت بعطائه النية الصالحة. وصية: احذر أن يراك الله حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك، اجهد أن يكون لك خبية عمل لا يعلم بها إلاّ الله فإن ذلك أعظم وسيلة لخلوص ذلك العمل من الشوب وقليل من يكون له هذا. وعليك بصيام يوم عرفة ويوم عاشوراء وثابر على عمل الخير في عشر ذي الحجة وفي عشر المحرّم، وإذا قدرت على صوم يوم في سبيل الله بحيث لا يؤثر فيك ضعفاً في بلائك في العدوّ فافعل، وإذا علمت أن النفس تحب أن تمشي في خدمتها فاجهد أن تجعل الملائكة تمشي في خدمتك وتضع أجنحتها لك في طريقك وذلك بأن تكون من طلاب العلم وإن كان بالعمل فهو أولى وأحق وأعظم عند الله وهو قوله: ﴿إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] وكذلك إذا خرجت تعود مريضاً ممسياً أو مصبحاً أو معاً فأنت إذا خرجت من عنده خرج معك سبعون ألف ملك يستغفرون لك إن كان صباحاً حتى تمسي وإن كان مساء حت تصبح، واجهد أن تقرأ في كل صباح ومساء أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم هو الله الذي لا إله إلاَّ هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلاَّ هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عمّا يشركون، هو الله الخالق البارىء المصوّر له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، تقرأ ذلك ثلاث مرّات على صورة ما قلناه تتعوذ في كل مرّة بالتعوّذ الذي ذكرناه، وكذلك بعد صلاة المغرب وبعد صلاة الصبح قبل أن تتلكم، وعندما تسلم من الصلاة تقول: اللهم أجرني من النار سبع مرار، وكذلك إذا صليت المغرب بعد أن تسلم، وقبل أن تتكلم تصلي ست ركعات ركعتان منها تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب و﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: ١] ست مرّات والمعوّذتين في كل ركعة من الركعتين فإذا سلمت فقل عقيب السلام: اللهم سدّدني بالإيمان واحفظه عليّ في حياتي وعند وفاتي وبعد مماتي، وكذلك تقول في أثر كل صلاة فريضة إذا سلمت منها وقبل الكلام: اللهم إني أقدم إليك بين يدي كل نفس ولمحة ولحظة وطرفة يطرف بها أهل السموات وأهل الأرض وكل شيء هو في علمك كائن أو قد كان، اللهم إني أقدم إليك بين يدي ذلك كله ﴿ اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ الْحَىُّ الْقَيُوْ لَا تَأْخُذُهُ سِنَّةٌ وَلَا نَوْمٌّ لَّهُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِّ مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِذْنِهِ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمَّ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ، إِلَّا بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ ٣٠٨ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... وَلَا يَتُودُهُ حِفْظُهُمَاْ وَهُوَ اَلْعَلِىُّ اَلْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وإياك والإصرار وهو الإقامة على الذنب بل تب إلى الله في كل حال وعلى أثر كل ذنب. ولقد أخبرني بعض الصالحين بمدينة قرطبة من أهلها قال: سمعت أن بمرسية رجلاً عالماً أعرفه ورأيته وحضرت مجلسه سنة خمس وتسعين وخمسمائة بمرسية وكان هذا العالم مسرفاً على نفسه وما منعني أن أسميه إلاَّ خوفي أن يعرف إذا سميته فقال لي ذلك الفقير الصالح: قصدت زيارة هذا العالم فامتنع من الخروج إليّ لراحة كان عليها مع إخوانه فأبيت إلاَّ رؤيته فقال: أخبروه بالذي أنا عليه فقلت: لا بدّ لي منه فأمر فدخلت عليه وقد فرغ ما كان بأيديهم من الخمر فقال له بعض الحاضرين: اكتب إلى فلان يبعث إلينا شيئاً من الخمر فقال: لا أفعل أتريدون أن أكون مصراً على معصية الله والله ما أشرب كأساً إذا تناولته إلاَّ وأتوب عقيبه إلى الله تعالى ولا أنتظر الكأس الآخر ولا أحدث به نفسي، فإذا وصل الدور إليّ وجاء الساقي بالكأس ليناولني إياه أنظر في نفسي فإن رأيت أن أتناوله منه تناولته وشربته وتبت عقيبه فعسى الله أن يمن عليّ بوقت لا يخطر لي فيه أن أعصي الله، قال الفقير: فتعجبت منه مع إسرافه على نفسه كيف لم يغفل عن مثل هذا ومات رحمه الله . وصية: إذا صليت فلا ترفع بصرك إلى السماء فإنك لا تدري يرجع إليك بصرك أم لا ، وليكن نظرك إلى موضع سجودك أو قبلتك وحافظ على تسوية الصف في الصلاة، وإذا رأيت من برز بصدره عن الصف ردّه إليه، واحذر أن تأتي أمراً إلا عن بصيرة وعلم، ولا تدخل في عمل لا تعرف حكمه عند الله، وأدّ الحقوق في الدنيا فإنه لا بدّ من أدائها فإن أديتها هنا شكر الله فعلك وأفلحت، وعليك بمخالفة أهل الكتاب وكل من ليس على دينك ولو كان خيراً فاطلب على ذلك في الشرع فإذا وجدته مجملاً أو معيناً فاعمل به من حيث ما هو مشروع لك تكن مؤمناً، وإذا رأيت ما تنكره ولا تعرفه فسلمه إلى صاحبه ولا تعترض عليه فإن الله ما ألزمك إلاَّ بما تعرف حكم الله فيه بحكم الله، ولا تنظر إلى إنكارك فيه مع عدم علمك به فقد يكون ذلك الإنكار من الشيطان وأنت لا تعرف، ورأيت كثيراً من الناس يقعون في مثل هذا، وإياك والاعتداء في الدعاء والطهور فإن ذلك مذموم وليس بعبادة، ومثل الاعتداء في الدعاء أن تدعو بقطيعة رحم وشبه ذلك، والاعتداء في الطهور الاسراف في الماء والزيادة على الثلاث في الوضوء، وإذا توضأت فاعزم أن تجمع بين مسح رجليك وغسلهما فإنه أولى ولا تترك شيئاً من سنن الوضوء فإن من سننه ما فيه خلاف بين وجوبه وعدم وجوبه كالمضمضة والاستنشاق والاستنثار. وإذا صليت فاسكن في صلاتك ولا تلتفت يميناً وشمالاً ولا تعبث بلحيتك في الصلاة ولا بشيء من ثيابك ولا تشتمل الصماء في الصلاة وليكن ظهرك مستوياً في ركوعك ولا تذبح كما تذبح الحمار، واحذر أن تكون مكاساً وهو العشار أو مدمن خمر أو مصراً على معصية، وإياك والغلول والربا، وعليك بالدعاء بين الأذان والإقامة، وعليك بذكر لفظة الله الله من غير مزيد فإن نتيجة هذا الذكر عظيمة، قلت لبعض الحاضرين مع الله من شيوخنا وكان ذكره الله الله من غير مزيد فقلت له: لم لا تقول لا إله إلاَّ الله؟ أطلب ذلك الفائدة منه فقال لي: يا ٣٠٩ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... ولدي أنفاس المتنفس بيد الله ما هي بيدي وكل حرف نفس فنخاف إذا قلت لا أريد لا إله إلاَّ الله فربما يكون النفس بلا آخر نفسي فأموت في وحشة النفي، وكلمة الله فيها من الفائدة ما لا يكون في غيرها فإنه ما ثم كلمة تحذف منها حرفاً فحرفاً إلاَّ ويختل ما بقي إلاَّ هذه الكلمة كلمة الله فلو زال الألف بقي الله كلمة مفيدة، ولو زالت اللام الأولى بقي له وقد قال: ﴿لَّهِ مَا فِىِ التَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ١] وقال: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢] فلو زال اللامان والألف بقي الها وهو قولك هو وقد جاء: ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ [الإخلاص: ١] وفي غير هذه الكلمة فيما أظن ما تجد غير هذا، وكان رجلاً أميّاً من عامة الناس وكان نظره مثل هذا واعتباره، وعليك بالتباهي في الأمور الدينية وتزيين المصاحف والمساجد، ولا تنظر إلى قول الشارع في ذلك أنه من أشراط الساعة كما يقول من لا علم له فإن رسول الله وَّل# ما ذمّ ذلك، وما كل علامة على قرب الساعة تكون مذمومة، بل ذكر رسول الله وَّج للساعة أموراً ذمّها وأموراً حمدها وأموراً لا حمد فيها ولا ذمّ. فمن علامات الساعة المذمومة أن يعق الرجل أباه ويبرّ صديقه وارتفاع الأمانة، ومن المحمودة التباهي في المسجد وزخرفتها فإن ذلك من تعظيم شعائر الله وممّا يغيظ الكفار، وممّا ليس بمحمود ولا مذموم كنزول عيسى عليه السلام وطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة فهذه من علامات الساعة ولا يقترن بها ذمّ ولا حمد لأنها ليست من فعل المكلف، وإنما يتعلق الذمّ والحمد بفعل المكلف، فلا تجعل علامات الساعة من الأمور المذمومة، كما يفعله من لا علم له، ورأيت من القائلين بذلك كثيراً. وحافظ على الصف الأول في الصلاة ما استطعت فإنه قد ثبت لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار وإذا دعوت الله فلا تستبطىء الإجابة، ولا تقل إن الله ما استجاب لي فإنه الصادق وقد قال: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦] فقد أجابك إن كان سمع إيمانك مفتوحاً فقد سمعتهم وإلاَّ فاتهم إيمانك بذلك، فإن دعوت بإثم أو قطيعة رحم فإن مثل هذا الدعاء لا يستجيب الله لصاحبه فإنه تعالى قد شرع لنا ما ندعوه فيه وهذا هو الاعتداء في الدعاء، وأن الله يستجيب للعبد ما لم يقل العبد الداعي لم يستجب لي فإنه إذا قال: لم يستجب لي فقد كذبِ الله في قوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ ومن كذب الله فليس بمؤمن وله الويل مع المكذبين إلاَّ أن يتوب. وعليك إذا لم تواصل صومك بتعجيل الفطر وتأخير أكلة السحور، وأما العبد إذا صلَّى أقبل الله عليه في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت أعرض الله عنه، وكان لما التفت إلاَّ إذا التفت لأمر مشروع ليقيم بذلك الالتفات أمراً يختص بالصلاة كالتفات أبي بكر لما سبح به عند مجيء رسول الله وَ ل # فذلك ما أعرض عن الله. واجتنب دخول المسجد إن كنت جنباً وقراءة القرآن ومس المصحف وكذلك الحائض فإنه أخرج عن الخلاف، وكلما قدرت أن لا تفعل فعلاً إلاَّ ما يكون الإجماع عليه فهو أولى ما لم تضطر إليه مثل اجتناب أكل ثمن الكلب وكسب الحجام وحلوان الكاهن ومهر البغي. ولا تقبل صدقة إن كنت ذا غنى أو قادراً على الكسب، وإياك أن تتقدم على قوم إلاَّ بإذنهم. ولا تروع مسلماً بما يروعه منك أي شيء كان، وعليك بمجالس الذكر ولا تتصدق إلاَّ بطيب أعني بحلال، وإن ٣١٠ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... كنت مجاوراً بالمدينة فلا يخرجنك منها ما تلقاه من الشدّة فيها من الغلاء واللأواء، ولا ترد أهل المدينة بسوء بل ولا مسلم أصلاً، وإذا أصبت من جهة فاجتنبها. وانظر في محاسن الناس ولا تنظر من إخوانك من المؤمنين إلاَّ محاسنهم فإنه ما من مسلم إلاَّ وفيه خلق سيىء وخلق حسن، فانظر إلى ما حسن من أخلاقه ودع عنك النظر فيما يسوء من أخلاقه. وإذا صليت فأقم صلبك في الركوع والسجود واشكر الله على قليل النعم كما تشكره على كثيرها، ولا تستقلل من الله شيئاً من نعمه، ولا تكن لعاناً ولا سباباً، وإياك وبغض من ينصر الله ورسوله أو يحب الله ورسوله، ولقد رأيت رسول الله صل# سنة تسعين وخمسمائة في المنام بتلمسان وكان قد بلغني عن رجل أنه يقع في الشيخ أبي مدين وكان أبو مدين من أكابر العارفين وكنت أعتقد فيه وكنت فيه على بصيرة فكرهت ذلك الشخص لبغضه في الشيخ أبي مدين، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تكره فلاناً؟ فقلت: لبغضه في أبي مدين، فقال لي: أليس يحب الله ويحبني؟ فقلت له: بلى يا رسول الله إنه يحب الله ويحبك، فقال لي: فلم بغضته لبغضه أبا مدين وما أحببته لحبه الله ورسوله؟ فقلت له: يا رسول الله من الآن إني والله زللت وغفلت والآن فأنا تائب وهو من أحب الناس إليّ فلقد نبهت ونصحت صلَّى الله عليك، فلما استيقظت أخذت معي ثوباً له ثمن كثير أو نفقة لا أدري وركبت وجئت إلى منزله فأخبرته بما جرى فبكى وقبل الهدية وأخذ الرؤيا تنبيهاً من الله فزال عن نفسه كراهته في أبي مدين وأحبه، فأردت أن أعرف سبب كراهته في أبي مدين مع قوله بأن أبا مدين رجل صالح فسألته فقال: كنت معه ببجاية فجاءته ضحايا في عيد الأضحى فقسمها على أصحابه وما أعطاني منها شيئاً فهذا سبب كراهتي فيه ووقوعي والآن قد تبت. فانظر ما أحسن تعليم النبي وَّرَ فلقد كان رفيقاً رقيقاً. وإذا استرعاك الله رعية مسلمين أو أهل ذمّة فإياك أن تغشهم ولا تضمر لهم سوءاً وانظر فيما أوجب الله عليك من الحقوق لهم فأذها إليهم وعاملهم بها ظاهراً وباطناً سرّاً وعلانية، ولا تجعل ذميّاً خصمك يوم القيامة، وإذا رأيت من أحد حالة سيئة يطلب أن تستر عليه فاستره فيها ولم لم يرد الستر فاسترها أنت عليه على كل حال، وإذا أكلت طعاماً فلا تأكل أكل الجبارين متكئاً وكل كما يأكل العبد فإنك عبد على مائدة سيدك فتأدّب، وإذا رأيت من يطلب ولاية عمل فلا تسع له في ذلك فإن الولاية مندمة وحسرة في الآخرة وقد أمرك الله بالنصيحة، وإذا رأيت قوماً ولوا أمرهم امرأة فلا تدخل معهم في ذلك. وصية: لا تسبق إلى فضيلة إذا وجدت السبيل إليها وانظر في الدنيا نظر الراحل عنها والمطالب بما نال منها، وإذا نكحت فأولم بما قدرت عليه، وإذا نمت أو دخلت بيتك أو أكلت أو شربت أو فعلت فعلاً فسم الله عليه واذكره وتناول بيمينك أمورك كلها إلاَّ ما ورد فيه النهي من الشارع أو ما يجري مجرى النهي مثل الاستنجاء ومسك الذكر باليمين أيضاً عند البول والامتخاط فاجعل ذلك كله بيسارك، وإذا أكلت مع جماعة طعاماً واحداً فكل ممّا يليك، وإذا اختلف الطعام فكل من حيث شئت، وقلل النظر إلى من يأكل معك وصغّر اللقمة وشدّد المضغ وسمّ الله في أول كل لقمة واحمد الله في آخرها إذا ابتلعتها واشكر الله حيث ٣١١ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... سوّغكها، ولا تكثر الشره في الأكل وتعاهد المشي إلى المساجد مساجد الجماعات في أوقات الصلوات ولا سيما العتمة والصبح من غير سراج تبشر بالنور التام يوم القيامة، وإذا سمعت من يعطس وحمد الله فشمته، وإن لم يحمد الله فذكره بحمد الله فإذا حمد الله فشمته، فإذا زاد في العطاس على ثلاثة فهو مزكوم فادع الله له في الشفاء، وإياك أن تخون من خانك ولا تعتمد على من اعتدى عليك فإن ذلك أفضل لك عند الله، وأعذر ولا تعتذر فإن اعتذارك يتضمن سوء ظنك بمن اعتذرت له، وابدأ في المعاملة مع الخلق بالأولى فالأولى، وإذا تساوت الأمور وبدأ الله بذكر شيء منها فابدأ بما بدأ الله به كما فعل رسول الله وَّر في حجته لما أراد أن يسعى بين الصفا والمروة وقف على الصفا وقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] ((أَبْدَأُ بما بَدَأَ الله به)). وإذا قمت في عبادة الله فاعمل نشاطك فإذا كسلت فاترك ولا تكن من الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، وإذا صليت وأحد ينظر إليك فانوٍ في تحسين صلاتك تعليمه، واخلص لله عبادتك فإنه لو أمرك أن تعبده إلاّ مخلصاً، وافعل ما أوجب الله عليك فعله ولا بدّ سواء كسلت أو كنت نشيطاً، وإنما أمرتك بالترك في النوافل، ولا تعبد الله بكسل، وانتقل إلى نافلة غيرها، ولا تحسن صلاتك في الملأ دون الخلا فإن فعل ذلك من فعله فإن ذلك الفعل استهانة استهان بها ربه كذا ثبت. وإن كنت ممّن يصلح للإمامة فصل خلف الإمام فإنه إن أحدث الإمام في الصلاة استخلفك وإن لم تكن من أهلها فصل يمين الصف أو يساره، وحافظ على الصف الأول، وإذا رأيت فرجة في الصف فسدّها بنفسك فلا حرمة لمن رآها وتركها وتخط رقاب الناس إليها، وسارع إلى الخيرات وكن لها سابقاً ونافس فيها قبل أن يحال بينك وبينها، وإياك أن تتخلى في طريق الناس أو في ظلهم ولا تحت شجرة مثمرة ولا في مجالس الناس، ولا تبل في هوى ولا في حجر ولا في ماء دائم ثم تتوضأ منه أو تغتسل فيه. واتقِ الله في زوجتك وولدك وخادمك وفي جميع من أمرك الله بمعاملته، واحذر فتنة الدنيا والنساء والولد والمال وصحبة السلطان واتق الله في البهائم، واجعل من صلاتك في بيتك وعين في بيتك مسجداً لك تتنفل فيه وتصلي فيه فريضتك إن اضطررت إلى ذلك، وأكثر من قراءة القرآن بتدبر إن كنت عالماً فإنه أرفع الأذكار الإلهية، وإن كنت في جماعة يقرؤون القرآن فاقرأ معهم ما اجتمعتم عليه فإن اختلفتم فقم عنهم، وحافظ على قراءة الزهراوين البقرة وآل عمران، وإذا شرعت في قراءة سورة من القرآن فلا تتكلم حتى تختمها فإن ذلك دأب العلماء الصالحين. ولقد حدثني غير واحد بقرطبة عن الفقيه ابن زرب صاحب الخصال أنه كان يقرأ في المصحف سورة من القرآن فمرّ عليه أمير المؤمنين من بني أمية فقيل للخليفة عنه فمسك فرسه وسلّم عليه وسأله فلم يكلمه الشيخ حتى فرغ من السورة ثم كلمه فقال له الخليفة في ذلك فقال: ما كنت لأترك الكلام مع سيدك وأكلمك وأنت عبده هذا ليس من الأدب ثم ضرب له مثلاً به وبعبيده فقال: أرأيت لو كنت في حديث معك وكلمني بعض عبيدك أيحسن مني أن أترك الكلام معك وأقطعه وأكلم عبدك؟ قال لا، قال: فإنك عبد الله فبكى الخليفة. ٣١٢ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... ولقيت جماعة على ذلك من شيوخنا منهم أبو الحجاج الشبربلي بإشبيلية وكان كثيراً ما يقرأ القرآن في المصحف إذا خلى بنفسه . وإذا دخلت على مريض أو ميت فاقرأ عنده سورة يس فإنه اتفق لي فيها صورة عجيبة، وعليك بالصلاة في النعال إذا لم يكن بها قذر والمشي فيها، واستوص بطالب العلم خيراً وبالنساء واعتدل في السجود إذا سجدت في الصلاة أو في القراءة، ولا تبسط ذراعيك في سجودك كما يفعل الكلب ولا تكلف نفسك من العمل إلاّ ما تطيقه وتعلم أنك تدوم عليه، وإذا حضرت عند ميت فلقنه لا إله إلاَّ الله ولا تسىء الظن به إذا لم يقل ذلك أو يقول لا فإني أعلم أن شخصاً بالمغرب جرى له مثل هذا وكان مشهوراً بالصلاح فلما أفاق قيل له ذلك فقال: ما كنت معكم وإنما جاءني الشياطين في صورة من سلف ودرج من آبائي وإخواني فكانوا يقولون لي: إياك والإسلام مت يهودياً أو نصرانياً فكنت أقول لهم: لا حين سمعتموني أقول لا إلى أن عصمني الله منهم، وإذا كان لك صاحب فعده إن مرض وصل عليه إن مات وشيّع جنازته وإذا شيّعت جنازة فلا تنصرف عن قبره وقف ساعة قدر ما يسأل فإنه يجد لوقوفك أنساً، وإن حملت جنازة فأسرع بها فإن كان خيراً سارعت بها إليه وإن كان شراً خططته عن رقبتك، ولا تذكر مساوىء الموتى، وغطّ الإناء الذي تشرب منه وأطف السراج عند نومك وأغلق بابك إذا أردت النوم فإن الشياطين لا تفتح باباً مغلقاً، واقرأ آية الكرسي عند نومك وسدّد في الأمور وقارب ما استطعت فاعمل الخير ولا تقل إن كان الله كتبني شقياً فأنا شقي وإن كان كتبني سعيداً فأنا سعيد فلا أعمل، فاعلم أنك إذا وفقت لعمل الخير فهو بشرى من الله أنك من السعداء فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وأن الله يقول: ﴿فَأَمَا مَنْ أَعْطَى ٩ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَأَسْتَغْنَى فَسَنَيَسِّرُ لِلْيُسْرَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى وَنَّقَى ◌ُ ﴾ [الليل)]. وقال وَّجَ: ((اعْمَلُوا وَاتَّكِلُوا)) وكل ميسر لما يسّر له فمن خلق فَسَنْيَسِرُ لِلْمُسْرَى للنعيم فسييسره لليسرى ومن خلق للجحيم فسييسره للعسرى، وأنزل كل أحد منزلته تكن عادلاً، واترك حقك لأخيك ما استطعت وأقل عثرات أهل المروءات والهيئات إلاَّ في إقامة الحدود المشروعة إن كنت حاكماً ذا سلطان، وإن كنت ذا ثروة وحظ من الدنيا فارتبط فرساً أو جملاً في سبيل الله وامسح بنواصيها وأعجازها وقلّدها ولا تقلدها وتراً ولا جرساً، وجاهد بمالك ونفسك من أشرك بالله واشفع إلاَّ في حد إذا بلغ إلى الحاكم، والبس البياض من الثياب فإنه خير لباس المؤمن وأطهره، وأطيبه وكفن الميت فيه، وإذا جاءك سائل في العلم أو غيره فلا تنهره ولا تخيب من جاء يسترفدك ممّا فضلك الله عليه من الرزق وأكثر من زيارة القبور ولا تكثر الجلوس عندها ولا تقبل هجراً بل اجلس ما دمت تعتبر وتذكرك الآخرة، ولا تؤذ أصحاب القبور بالحديث عندها في أمور الدنيا، وبلغ عن رسول الله وَيولو خبراً واحداً أو آية فإنك تحشر بذلك في زمرة العلماء المبلغين، ومر الصبي بالصلاة لسبع سنين واضربه عليها لعشر سنين وفرّق بين الصبيان في المضاجع، وإياك أن تفضي إلى أخيك في الثوب الواحد، وتابع بين الحج والعمرة وإن جاورت بمكة فأكثر من الاعتمار والطواف ولا سيما في ٣١٣ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... رمضان فإن عمرة في رمضان تعدل حجة، هذا هو الثابت، وأكثر من أكل الزيت والأدهان به، وإذا اشتريت طعاماً فاكتله، واجتنب السبع الموبقات وهي: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلاَّ بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات . وصية: عليك بكثرة السجود والجماعة وإن قدرت أن تسكن الشام فإن رسول الله والت ثبت عنه أنه قال: ((عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ فَإِنَّهَا خِيرَةُ الله مِنْ أرْضِهِ وَإِلَيْهَا يَجْتَبِي خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ) وإياك والحديث بالظن فإن الظن أكذبَ الحديث، إياك والحسد ولا تجلس على الطرقات ولا تدخل على النساء المغنيات، وإذا بعت فلا تكثر من اليمين على سلعتك، وإياك أن تتقلد أمراً من أمور المسلمين فإن ألجئت إلى ذلك ولا بدّ فلا تحكم بين اثنين وأنت غضبان ولا وأنت حاقن ولا جائع ولا أنت مستوفز لأمر لا بدّ لك منه، وأعدل بين رجليك إذا انتعلت أو وضعت إحدى رجليك على الأخرى، واعلم أن جوارحك من رعيتك فاعدل فيها فإن الله أمرك بالعدل فيمن استرعاك، وإن كنت مملوكاً فلا تقل لما لكك ربي وقل سيدي، وإن كان لك مملوك أو مملوكة فلا تقل عبدي ولا أمتي وقل غلامي وجاريتي، ولا تقل لأحد مولاي فإن المولى هو الله، وقد نهيت أن تقول خبثت نفسي وقل لقست نفسي، وإذا طلب مولاي فإن المولى هو الله، وقد نهيت أن تقول خبثت نفسي وقل لقست نفسي، وإذا طلب منك جارك أن يغرز خشبة في جدارك فلا تمنعه ولا تنظر في عورة أحد ولا في بيته إلاَّ بإذنه، ولا تصحب إلاَّ من تجد في صحبته الزيادة في دينك وإيمانك، وقدم في معروفك كل تقي ولا تعط الفاجر ما يستعين به على فجوره، وإن كانت لك زوجة وضربتها لأمر طرأ منها فلا تجامعها من يومها، وإياك أن تسأل شيئاً سوى الله إلاَّ الله في جنته ورؤيته، وأما في شيء من عرض الدنيا فلا، وإن ركبت البحر فلا تركبه إلاَّ حاجاً أو معتمراً. ولا تخطب امرأة على خطبة أخيك ولا تسم على سومه حتى يذر، وإن كنت ضيفاً عند قوم فلا تصم إلاَّ بإذنهم، وإن كنت في خدمة شيخ فلا تصم ولا تتحرك في شيء إلاَّ بإذنه، والمرأة لا تصوم إلاَّ بإذن زوجها صوم النافلة أو قضاء شهر رمضان، ولا يأذن في بيت زوجها إلاَّ بإذنه إذا كان حاضراً، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتنكح بعلها، ولا تسافر امرأة فوق ثلاث إلاَّ مع ذي محرم، وإذا دعوت في المغفرة فاعزم المسألة ولا تقل اغفر لي إن شئت، واطلب رحمة الله وغفرانه ولا تستكثر شيئاً تسأله من الله فإن الله كبير عنده فوق ما تأمل، وإياك أن تتصرف في مال أخيك إلاَّ بإذنه، وإذا أصبحت في كل يوم فقل: اللهم إني تصدقت بعرضي على عبادك، اللهمّ من أذاني أو شتمني أو أغضبني أو فعل معي أمراً يفضي إلى الحكم فيه أشهدك يا رب أني قد أسقطت طلبي عنه في ذلك دنيا وآخرة، وإذا شربت ماء فاشرب قاعداً، ولا تقل يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر، هذا ثابت عن رسول الله له، وإياك أن تبرز فخذك حتى يرى منك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت، وإياك أن تقعد على قبر ولا تصل وأنت تستقبله أو تستقبل إنساناً في صلاتك ووجهه إليك، ولا تتخذ القبر مسجداً ولا تتمن الموت لضرّ نزل بك بل قل: اللهمّ أحيني ما كانت الحياة ٣١٤ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون. انتهى السفر السادس والثلاثون من الفتوح المكي. [السفر السابع والثلاثون] وصية: لا تكن وصياً ولا رسول قوم ولا سيما بين الملوك ولا شاهداً، واحذر إذا اغتسلت أن تبول في مستحمك بل اعتزل عنه وبل ولا تنذر ما استطعت فإن نذرت فأوف بنذرك فإن رسول الله ◌َ قد شهد بالبخل لمن نذر، وإياك أن تتمنى لقاء العدوّ فإذا لقيته فاثبت ولا تفر، وإياك وسب المؤمنين ولا سيما الصحابة على الخصوص فإنك تؤذي النبي وَّ في أصحابه، ولا تسبّ الريح فإن الريح من نفس الرحمن ولكن سل الله خيرها وخير ما أرسلت به، واستعذ بالله من شرّها وشرّ ما أرسلت به، وإذا لبست ثوباً جديداً فسم الله وقل: اللهمّ أعطني خيره وخير ما صنع له واكفني شرّه وشرّ ما صنع له، ولا تصل إلى النائمين إذا كانوا في قبلتك، وإياك ولباس ما حرّم الشرع عليك لباسه كالحرير والذهب ولا تجلس على الحرير، وإذا لقيت ذميّاً فلا تبدأه بالسلام واضطره إلى أضيق الطريق، وانته أن تسمي العنبة الكرم بل قل العنبة والحبلة ولا تقل الكرم فإنه ثبت عن رسول الله وَل# في ذلك: ((لا تُسَمُّوا العِنَبَ الكَرْمَ فَإِنَّ الكَرْمَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ)) فلا تقولوا الكرم وقولوا العنب والحبلة، وإياك أن تصر الإبل والغنم إذا أردت بيعها إلاَّ أن تعلم المشتري بأنها مصراة، وإياك أن تحلف بغير الله جملة واحدة. ولا تكفر أحداً من أهل القبلة بذنب إلاَّ من كفره رسول الله وح له، وإن كانت لك زوجة تريد الصلاة في مسجد الجماعة فلا تمنعها من ذلك ولكن عرفها أن بيتها خير لها، وأفضل، واحذر أن تدعو على نفسك في غيظ ولا غير غيظ ولا على ولدك ولا على خادمك ولا على مالك، ولا تكره المريض على الطعام، وإياك أن تعذب بالنار أحداً، وإذا أكلت لحماً فانهسه ولا تقطعه بسكين. وصية: إذا حضر الطعام والصلاة فابدأ بالطعام، وإياك والصلاة وأنت حاقن تدافع الأخبثين، وإذا أمرك من فرض الله عليك طاعته بمعصية فلا تطعه وإياك وما يعتذر منه فما كل من أورثته تكريها أوسعته عذراً، واصغ إلى من يحدثك وإن كان نزراً فإن لكل أحد عند نفسه قدراً فإنك تأخذ بقلبه بذلك ويكون لك لا عليك وأن الله قد أمرك بالتحبّب وهذا من التحبّب إلى الناس، وإذا كانت لأحد عندك شهادة لا يعرفها وقد اضطرّ إليها فعرفه بها، وامنح أخاك الفقير منحة ما قدرت عليها فإن أجرها عظيم، وليكن خوفك من الله ورجاؤك فيه بالإيمان على السواء وغلب الرجاء وحسن الظن بالله واطمع في رحمته فإنه ثبت عن رسول الله وَاليه : (لَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ ما عِنْدَ الله مِنَ الرَّحْمَةِ ما قَنِطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ)) وإياك أن تردّ الهدية ولا تحقرها ولو كانت ما كانت، وعليك بالتوبة إلى الله مع الأنفاس، وإذا شاركت أحداً في شيء فلا تخنه، وإذا فعلت فعلاً فحسنه فإن الله كتب الإحسان على كل شيء، وعليك بالتواضع وعدم الفخر على أحد قال علي بن أبي طالب القيرواني في ذلك: [البسيط] ٣١٥ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... النَّاسُ من جِهَةِ الثَّمْثيل أكْفَاءُ أَبُوهُمُ آدَمٌ والأمُّ حَوَّاءُ يُفَاخِرُون به فالطِّينُ والمَاءُ فإن يَكُنْ لهم من أصْلِهِمْ نَسَبٌ ما الفَضْلُ إلَّ لأهل الفَضْلِ إِنَّهُمُ على الهُدَى لمن اسْتَهْدَى أدِلاَّءُ والجاهلون لأهلِ العِلْم أعداءُ وقَدْرُ كل امرىءٍ ما كان يُخسِنُهُ لا فخر إلاَّ بتقوى الله فإنه نسب الله الذي بينه وبين عباده، وإياك والقيل والقال فيما لا ينبغي ولا يعني لكن في إيصال الخير خاصة، وإياك وكثرة السؤال إلاّ في البحث عن دينك الذي في علمك به سعادتك ﴿فَسْتَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وقد علمت أنه ما لأحد حركة ولا سكون ولا دخول ولا خروج إلاَّ وللشرع فيها حكم من أحد الأحكام الخمسة، فإذا لم تعلم فاسأل عن كل شيء تكون فيه ما حكم الشرع فيه، واطلب على رفع الحرج ما استطعت وغلب الحرمة وخذ بالعزائم في حق نفسك، وإياك وإضاعة المال وهو إنفاقه في معصية الله ومن إنفاقه في معصية الله إعطاؤه لمن تعلم منه أنه يخرجه فيما لا يرضي الله، فإن لم يعلم ذلك فلا بأس، ولا تفارق أحداً وهو على ما لا يرضي الله وتعتقد فيه أنه باق على ما فارقته عليه لا سبيل إلى ذلك وإنما ذلك في الأحكام المشروعة فإنهم يرون استصحاب الحال المعلومة من الشخص حتى يقوم لهم دليل على زوالها فيستصحبون أيضاً فيما رجع إليه حتى يدله دليل على ذهابه، وإياك أن تكون معنتاً، ولا متعنتاً ولا منفراً ولا معسراً وكن ميسراً ومعلماً ومبشراً وإياك أن تأتي الفواحش الظاهرة والباطن فإن الله أحق من يستحيى منه، ولا تغتر إذا كنت على طريقة غير مرضية بما يملي الله لك فإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا ثُعْلِى لَمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَّأْ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] فاحذر مكر الله بك في ذلك ﴿وَلَا تَأْيَشَسُواْ مِن تَّوْجِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأْيِشَسُ مِن رَّوْجِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ اَلْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] وإياك وكل مزيل للعقل مثل شرب الخمر وغيره، وإياك والتصنّع في الكلام، ولا تقرأ القرآن في صلاتك راكعاً ولا في حال سجودك بل قل في ركوعك: سبحان ربي العظيم وبحمده وعظم ربك فيه، وفي سجودك: سبحان ربي الأعلى وبحمده وأدنى القول من ذلك ثلاث مرّات إلى ما فوقها. وصية: عليك بكثرة الاستغفار ولا سيما بالأسحار في حقك وفي حق غيرك فلله ملائكة يستغفرون لمن في الأرض عموماً، ولله ملائكة يستغفرون للذين آمنوا خصوصاً في كل حال وعند القيام من مجالس تحدثك، وعليك بالصدق في الموضع المشروع لك الصدق فيه ولا تجبن ولا تخف واجتنب الكذب في الموضع المشروع لك اجتنابه، وخف ثلاثة: خف الله وخف نفسك وخف من لا يخاف الله، وإن كنت خطيباً إماماً فقصر الخطبة وأطل صلاة الجمعة فإن ذلك من فقه الرجل، وعليك بالحضور مع الله والنية الصالحة في كل ما تعمله من عمل وعليك بإكرام ذي الشيبة فإن الله يستحيي من ذي الشيبة، وعليك بإكرام حملة القرآن وبإكرام الحاكم العادل، وإياك والدين فإنه فكرة بالليل وذلة بالنهار واحذر أن يقيمك لعبادة ربك شيء من زينة الحياة الدنيا فإنك لمن أقامك ولا لأغراض النفوس فإن الأغراض أمراض حاضرة فإنه ممّا رويناه في مثل ذلك: أن رجلاً من الأبدال كان يمشي في الهواء مع أصحابه ٣١٦ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... فمروا على روضة خضراء فيها عين حرارة فاشتهى أن يتوضأ من ذلك الماء ويصلي في تلك الروضة فسقط من بين الجماعة وتركوه وانصرفوا وانحط عن رتبتهم بهذا القدر، فانظر في هذا السرّ ما أعجبه فإن فيه معنى دقيقاً، وقد وعظك الله به إن كنت اتعظت، وإن استطعت أن لا تمر عليك ساعة من ليل أو نهار إلاَّ وأنت داع فيها ربك فافعل. وإذا أدّيت زكاة فانوٍ في أدائها أداء حق تدفعه لوكيل صاحب الحق وهو العامل عليها الذي نصّبه الحق، ولا تدفع زكاتك لغير عامل السلطان إلاَّ بأمر السلطان فتكون أنت عين العامل عليها فلا تبرأ ذمتك إلاّ إن فعلت ما ذكرته لك، وإن ظلم العامل أربابها المسؤول عن ذلك لا أنت، وقد دخل على الناس في هذا شبهة لا يعرفونها إلا في الدار الآخرة، واحذر أن تتصدق على شريف من أهل البيت وأنوٍ فيما توصله إليهم الهدية لا الصدقة فإنك إن نويت الصدقة عليهم أثمت إلاَّ أن تعرفهم بذلك فإن أكلوا صدقتك فقد أثموا بأكلها وأثمت أنت حيث أعطيتهم ما لا يجوز لك أن تعطيه إياهم وتخيلت القرب في عين البعد، وإياك أن تخوص في مال الله بغير حق، وإياك أن تنتفي عن أبيك كان من كان، ولا تتبع عورات الناس ولا مثاليهم واشتغل بنفسك وحسن أدب ابنك واسمه، وإن ابتليت بصحبة الزوجة فدارها وتنزل من عقلك إلى عقلها فإن ذلك من كمال عقلك، فعامل كل شخص من حيث هو لا من حيث ما أنت عليه، فإن الغالب على النساء أنهنّ لا يستطعن أن يبلغن مبلغ الرجال الكمل إلاَّ من جاء النص بكمالهما وهما مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون فإن النص فيهما بالكمال من النبي ◌َّ. وعليك بالعدل في الحكم وأطفىء النار إذا فرغت من حاجتك إليها، وعليك باستعمال الحبة السوداء وهو الشونيز فإنها شفاء من كل داء إلاَّ السام والسام الموت، ولقد ابتلي عندنا رجل من أعيان الناس بالجذام وقال الأطباء بأجمعهم لما أبصروه وقد تمكنت العلة منه: ما لهذا المرض دواء فرآه رجل من أهل الحديث من بني عفير من أهل أيلة يقال له سعد السعود وكان عنده إيمان بالحديث عظيم يقطع به فقال له: يا هذا لم لا تطب نفسك؟ فقال له الرجل: إن الأطباء قالوا: ليس لهذا العلة دواء، فقال: كذبت الأطباء والنبي ◌َّة أصدق منهم وقد قال في الحبة السوداء أنها شفاء من كل داء وهذا الداء الذي نزل بك من جملة ذلك ثم قال: علي بالحبة السوداء والعسل فخلط هذا بهذا وطلى بهما بدنه كله ورأسه ووجهه إلى رجليه وألعقه من ذلك وتركه ساعة ثم أنه غسل ذلك عنه فانسلخ من جلده ونبت له جلد آخر ونبت ما كان قد سقط من شعره وبرىء وعاد إلى ما كان عليه في حال عافيته، فتعجب الأطباء والناس من قوّة إيمانه بحديث رسول الله الَّ، وكان رحمه الله يستعمل الحبة السوداء في كل داء يصيبه حتى في الرمد إذا رمد عينه اكتحل بها فيبرأ من ساعته . وصية: ادفع عن عرض أخيك المسلم ما استطعت ولا تخذله إذا انتهكت حرمته فإنه ثبت عن رسول الله وَ لَه : ((ما مِنِ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ يَخْذِلُ امْراً مُسْلِماً فِي مَوْضِع تُنْتَهَكُ فِيهِ حُزْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ بِهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّ خَذَلَهُ اللهِ فِي مَوْضِعَ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ)) وما رأيت أحداً تحقق بمثل هذا في نفسه مثل الشيخ أبي عبد الله الدقاق بمدينة فاس من بلاد المغرب ما اغتاب أحداً قط ولا ٣١٧ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... اغتيب بحضرته أحد قط وكان هذا عن نفسه وربما كان يقول: لم يكن بعد أبي بكر الصديق صديق مثلي ويذكر هذا وكان نعم السيد، خرج ذكره ومناقبه شيخنا أبو عبد الله محمد بن قاسم بن عبد الرحمن بن عبد الكريم التميمي الفاسي الإمام بالمسجد الأزهر بعين الخيل من مدينة فاس في كتاب له سماه المستفاد في ذكر الصالحين من العباد بمدينة فاس وما يليها من البلاد سمعنا هذا الكتاب عليه وبقراءته أظن سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، إذا لقيت أحداً من المسلمين فصافحه إذا سلمت عليه ولا تنحن له كما تفعله الأعاجم فإن ذلك عادة سوء، وقد ورد أن رسول الله وَ# قيل له: إذا لقي الرجل الرجل أينحني له؟ قال: ((لا))، قيل له: أيصافحه؟ قال: ((نعم)). وقد ثبت أنه قال: ((ما مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَتَصَافَحَانِ إِلاَّ غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أنْ يَتَفَرَّقَا)). وأوص أهلك وبناتك ونساء المؤمنين أن لا يخلعن ثيابهن في غير بيوتهن، وإياك أن تبيت ليلة إلاَّ ووصيتك عند رأسك مكتوبة فإنك لا تدري إذا نمت هل تصبح في الأحياء أو في الأموات فإن الله يمسك نفس الذي قضى عليه الموت في النوم إذا هو نام ويرسل الأخرى إلى أجل مسمّى، والتواضع للخلق رفعة عند الله، ولا تكثر مجالسة النساء ولا الصبيان فإنه ينقص من عقلك بقدر ما تنزل إلى عقولهم مع الفتنة التي يخاف منها في مجالسة النساء وأوص نسائك أن لا يخضعن في القول فيطمع الذي في قلبه مرض، وأن يقعدن في بيوتهنّ ويغضضن من أبصارهنّ ولا يبدين زينتهن إلاَّ حيث أمرهن الله، وإياك ودخول الخدام على نسائك فإنهم من أولي الإربة واحجب نساءك عنهم كما تحجبهم عن فحول الذكران فإنهم من الرجال، وكن نعم الجليس للملك القرين الموكل بك واصغ إليه، واحذر من الجليس الثاني الذي هو الشيطان ولا تنصر الشيطان على الملك بقبولك منه ما يأمرك به واخذله واستعن بقبولك من الملك عليه، وأكرم جلساءك من الملائكة الكرام الكاتبين الحافظين عليك فلا تمل عليهم إلاّ خيراً فإنك لا بدّ لك أن تقرأ ما أمليته عليهم، واحذر من بسط الدنيا عليك إذا بسطها الله أن تتصرف فيها أو تصرفها في غير طاعة الله ولا تعص الله بنعمه، وإن من شكر النعمة أن تطيع الله بها وتستعين بها على طاعة الله، وإياك والتنافس في الدنيا وأقلل منها ما استطعت ومن صحبة أهلها فإن قلوبهم غافلة عن الله بحبها، وإذا غفل القلب عن الله لم ينطق اللسان بذكر الله إلاَّ أن ذكره في يمين لا يكون فيها باراً أو يكون باراً أو فيما لا يجوز أن يذكره فيه ممّا يمقته الله على ذلك الذكر . وصية: إياك والبطنة فإنها تذهب بالفطنة، وكل لتعيش وعش لتطيع ربك ولا تعش لتأكل ولا تأكل لتسمن فما ملىء وعاء شرّ من بطن ملىء بحلال وعليك بلقيمات يقمن صلبك، وإذا صليت خلف إمام فاقتد به واتبعه فلا تكبر حتى يكبر ولا تركع حتى يركع ولا ترفع حتى يرفع ولا تسجد حتى يسجد وإذا أمن بعد الفراغ من الفاتحة فأمن ولا تختلف عليه، وإذا كنت إماماً فاقتد بأضعف القوم ولا تطيل عليه حتى تكره إليه الصلاة بل خفف في تمام ركوع وسجود، وإذا قرأت آية فانظر أين أنت منها، وإذا سمعت الله يقول: يا أيها الناس أو يا أيها الذي آمنوا فكن أنت المخاطب وافتح له أذن فهمك لما يقول لك في هذا التأيه فكن في ٣١٨ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... قبول ذلك بحسب ما يقول إن نهاك انته وإن أمرك فافعل منه ما استطعت، فإذا سمعت منه أمراً لا تستطيع فعله فما أنت المأمور به في تلك الحال فاعلم هذا ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾ [التغابن: ١٦]. وإذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فاعتقد أن ذلك القول قاله الله على لسان عبده فقل أنت: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه مباركاً عليه كما يحب ربنا ويرضى ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وقل ثلاث مرات في ركوعك: سبحان الله العظيم أو سبحان ربي العظيم وبحمده، وقل في سجودك ثلاث مرات: سبحان ربي الأعلى وبحمده وذلك أدناه، وقد ذهب ابن راهويه إلى أن المصلي إذا لم يقل ذلك ثلاث مرّات في ركوعه وثلاث مرّات في سجوده لم تجزه صلاته، وقد تقدمت إليك بالوصية أن تخرج من الخلاف ما استطعت، وإذا أردت الحج فأحرم بالحج أو قارن بين الحج والعمرة إن كان لك هدي، وإن لم لك هدي فأحرم بعمرة ولا بدّ متمتعاً واخرج من الخلاف إذا فعلت هذا وإن جهلت وأحرمت بالحج وما معك هدي فافسخ وردّها عمرة، هكذا أمر رسول الله وَلّر أصحابه في حجة الوداع أمر بالفسخ لمن لم يكن له هدي. وإذا حضرت عند مريض أو ميت فلا تقل إلاَّ خيراً، وإذا رأيت إناء قد ولغ فيه كلب فبدده ولا تتوضأ بذلك الماء واغسل الإناء سبع مرّات والثامنة بالتراب أو الأولى إن شئت، ولا تدخل يدك في إناء وضوءك إذا قمت من النوم، واجتنب النجاسات أن تمس ثيابك، وإذا بلت فاستنثر من بولك، وإن كنت في سفر وجئت فلا تطرق أهلك ليلاً وابدأ بالمسجد فصل فيه ركعتين وحينئذ تنصرف إلى بيتك، ولا تفجأهم بالقدوم عليهم، وقدم بين يديك من يعرفهم ليلقوك بما يسرّك ويصلحوا من شأنهم ما تكره أن تراهم فيه، وإذا كان بين يديك طعام فوقع فيه ذباب فلا تزل الذباب عنه حتى تغمسه فيه فإن في جناحه الواحد داء وفي الآخر دواء لذلك الداء وهو أبداً يرفع الجناح الذي فيه الدواء، وإذا ضربت فاجتنب ضرب الوجه أو قاتلته، وإذا أحببت أحداً فأعلمه بمحبتك إياه فإنك تجلب بذلك الإعلام محبته إياك فيحبك بلا شك ويرى لك، وإن مات لك ميت تتولى شأنه فأحسن كفنه وتكفينه واجعل في غسله سدراً، وإن قدم إليك طعام في قصعة فكل من جوانبها ولا تأكل من أعلاها. وإذا مشيت إلى الصلاة فبوقار وسكينة من غير كبر، وامش كأنك تنحط في صبب فإن ذلك أنفى للكبر وأسرع لقضاء الحاجة، واحذر أن تصلي وأنت تدفع النوم بل نم فإن ذهب النوم فصل، ولقد كنت ليلة أصلي وأنا أدفع النوم فذهبت لأقرأ فسمعتني أسبّ نفسي بدلاً من القراءة فتركت الصلاة ونمت، ولا تنم قبل صلاة العتمة ولا تتحدث بعدها، وإذا ركعت ركعتي الفجر فاضطجع على شقك الأيمن وحينئذ تصلي الصبح، وإذا قعدت للتشهّد فصل على محمد واستعذ بالله من عذاب القبر وعذاب النار وفتنة المسيح الدجال وفتنة المحيا والممات، واجهد أن لا تترك هذا حتى تخرج من الخلاف بفعلك ما أمرتك به فإني ما أمرتك بأمر تفعله من عباداتك إلاَّ لما أعرف في تركه من الخلاف بين العلماء، وأريد أن تأتي العبادة على أتم وجوهها ممّا لا ٣١٩ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... اختلاف فيه هذا غرضي في هذه الوصية بمثل هذه الأمور فلا تهمل شيئاً ممّا وصيتك به. وصية: إياك أن تقترف ذنباً وأنت صائم فإنه يبطل صومك فالصوم لله لا لك فلا يراك في عمل هو له على ما لا يرضاه منك فلتكن على أحسن الحالات في صومك، وإن شاتمك أحد أو قاتلك فقل إني صائم فلا تجازه بفعله، وإن كان لك مال فاجهد أن تكون لك صدقة جارية توقفها على الناس لا تخص بها طائفة من طائفة بل على المسلمين الذي تلفظوا بالشهادة أو ولدوا في الإسلام فإن هذه الأوقاف إن لم تكن على حدّ ما ذكرتها لكم وإلاَّ أكل الناس حراماً ويكون الواقف هو الذي أساء في حقهم حيث اشترط شرطاً معيناً سوى الإسلام، فإن اشترط ولا بدّ فليشترط من يتظاهر بالخير في أغلب أحواله، وكذلك إن كان لك علم نافع في الدين فبثه في الناس لينتفع به كل سامع إلى يوم القيامة . يا أخي إذا كان في يدك سيف مصلت فأراد أحد أن يتناوله منك فلا تناوله إياه حتى تغمده، الله الله إذا رأيت أحداً على عمل يكرهه الشرع من المسلمين فاكره عمله ولا تكره المسلم الذي هو العامل وإن كنت صادقاً في كراهيتك عمله فلا تعمل بمثله فإن عملت بمثله وكرهته من غيرك فأنت مراء بما ظهرت به من الكراهة لذلك، وهنا سرّ خفيّ ومكر دقيق يؤديّ إلى ترك تغيّر المنكر، وإذا كنت في سفر وأردت التعريس بالليل فاجتنب الطريق فإن الهوام بالليل تقصد الطريق فربما يؤذيك شيء منها، وقل إذا نزلت منزلاً: أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شرّ ما خلق فإنه لن يضرّك شيء ما دمت في ذلك المنزل، أخبرني صاحبي عبد الله بدر الحبشي الخادم عن الشيخ ربيع بن محمود الحطاب المارديني قال: بتنا ليلة برأس العين في مسجد وبرأس العين عقارب تسمّى الجرارات لا ترفع أدنابها إلاَّ عند الضرب وهي قتالة ما ضربت أحداً فعاش فجاء شخص فبات في المسجد وذكر هذه الاستعاذة فضربته العقرب في تلك الليلة فقال للشيخ ربيع حديثه فقال له صحّ الحديث فإن الله قد رفع عنك الموت فإنها ما ضربت أحداً إلاَّ مات، وقد رأيت أنا مثل هذا من نفسي لدغتني العقرب مرّة بعد مرّة في وقت واحد فما وجدت لها ألماً، وكنت قد ذكرت هذه الإستعاذة إلاّ أنه كان في حرامي بندقتان وكنت قد سمعت أن البندق بالخاصية يدفع ألم الملسوع فلا أدري هل كان ذلك للبندق أو للدعاء أو لهما معاً إلاّ أنه تورم رحلي وحصل فيه خدر وبقي الورم ثلاثة أيام ولا أجد ألماً البتة، وعليك بالتسمية في كل حال تشرع فيه من أكل وشرب ودخول وخروج وحلّ وترحال وحركة وسكون، وإذا دخلت بيت الله فابدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت فأخرج رجلك اليمنى، وإذا انتقلت فابدأ باليمنى، وإذا خلعت فابدأ باليسرى. وصية: لا تسارر صاحبك بشيء ومعكما ثالث دونه فإن ذلك يوحشه بلا شك، ومقصود الحق من عباده تألف القلوب والمحبة والتودّد، وأن الله قد جعل الألفة من منة الله على نبيه وَّ فقال: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] وكذلك لا تتكلم معه بلسان لا يعرفه الثالث فإنه لا فرق بينه وبين المساررة، والتزم الصدق في حديثك أبداً وفى أفعالك تكن أصدق الناس رأياً، وإذا سمعت ٣٢٠ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... صياح الديكة فسل الله من فضله فإنها رأت ملكاً، وإذا سمعت نهيق الحمار فتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم فإن الحمار لا ينهق إلاَّ إذا رأى شيطاناً، والديك لا يصيح إلاَّ إذا رأى ملكاً، وقد روينا أن لله ديكاً في السماء إذا صاح وسمعته الديوك في الأرض صاحت لصياحه، كن في كل حال ذاتية حميدة مع الله يرضاها الله منك وعلى عمل صالح ولا سيما إذا كثر الفساد في العامّة فما تدري لعل الله يرسل عليهم عذاباً يعمّ الصالح والطالح فتكون ممّن يحشر على عمل خير كما قبضت عليه يقول الله: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَضَةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٥]. ولا تشمت عاطساً لم يحمد الله ولكن ذكره أن يحمد الله ثم شمته، وإياك إذا غلبك التثاوب أن تصوّت فيه واكظمه ما استطعت، وإياك أن تمدح أحداً في وجهه فتخجله وإذا مدحك أحد في وجهك فأحث التراب في وجهه برفق وصورة حثو التراب أن تأخذ كفاً من تراب وترمي به بين يديه وتقول له: ما عسى أن يكون من خلق من تراب ومن أنا وما قدري توبخ بذلك نفسك وتعرف المادح بقدرك وقدره هكذا فلنحث التراب في وجوه المداحين، وقد كان شيخنا عبد الحليم الغماد بمدينة سلا إذا رأى شخصاً راكباً ذا إشارة يعظمه الناس وينظرون إليه يقول له ولهم: تراب راكب على تراب ثم ينصرف وينشد : [الكامل] أَتَظُنُّ ذلك كُلَّهُ نِسْيَانًا حَتَّى مَتَى وإلى مَتَى تَتَوَانَى وكان الغالب عليه التولّه، وإذا كان لك ولد صغير وجاءت فحمة العشاء فأمسكه عن التصرّف فإن الشياطين تنتشر حينئذ فلا تأمن عليه أن يصيبه لمم فإن الشارع أمر بذلك، وإذا صنع لك خادمك طعاماً وأتاك به فأجلسه معك فإن أبى وتأدّب فأذقه منه ولا بدّ ولو لقمة، وإياك أن تأكل وعين تنظر إليك من غير أن يأكل معك، وإذا سمعت أحداً يوم الجمعة يتكلم والإمام يخطب فلا تقل له أنصت فإن قلت له ذلك فأنت ممّن لغا في جمعته، ولا تعبث بشيء لا بالحصى ولا بغيره والإمام يخطب فإنه لغو، وإذا كنت صائماً وأفطرت فأفطر على تمر إن وجدت فإن لم تجد فعلى حسوات من ماء وليكن ذلك وتراً وعجل بالفطر ثم صلّ بعد ذلك إلاَّ إن حضر الطعام فإن حضر الطعام فابدأ به قبل الصلاة إن كنت آكلاً ولا بدّ، وإذا حدثك إنسان وتراه يلتفت فحديثه إياك أمانة أودعك إياها فلا تخنه فيه بالإفشاء، وراقب قلبك في الناس فمهما خطر لك تغير في أحد من المؤمنين في قلبك فأزله وظن خيراً وأقم له عذراً فيما تغيرت له وإن حالت بينك وبين الماشي معك شجرة أو جدار ثم تلاقيتما فسلم عليه حتى يعلم أنك على الودّ الذي فارقته عليه . وصية: عامل كل من تصحبه أو يصحبك بما تعطيه رتبته، فعامل الله بالوفاء لما عاهدته عليه من الإقرار بربوبيته عليك وهو الصاحب بقول رسول الله وَالر، وعامل الآيات بالنظر فيها، وعامل ما تدركه الحواس منك بالاعتبار، وعامل الرسل بالاقتداء بهم، وعامل الملائكة بالطهارة والذكر، وعامل الشيطان إذا عرفت أنه شيطان من إنس وجان بالمخالفة، وعامل الحفظة بحسن ما تملي عليهم، وعامل من هو أكبر منك بالتوقير ومن هو أصغر منك بالرحمة