النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
وأبطل عمله فإن الله يقول: ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِأَلْمَنّ وَاَلْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] وقال الله: ﴿يَمُنُّونَ
عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَىَّ إِسْلَمَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَّكُمْ لِلْإِيَمَنِ إِن كُمْ صَدِقِينَ﴾
[الحجرات: ١٧]. وإياك أن تتقدم قوماً في الصلاة إماماً وهم يكرهون تقدمك عليهم في صلاة
وفي غيرها غير أن هنا دقيقة وهي أن تنظر ما يكرهون منك، فإن كرهوا منك ما كره الشرع
منك فهو ذاك، وإن كرهوا منك ما أحبه الشرع منك فلا تبال بكراهتهم فإنهم إذا كرهوا ما
أحب الشرع فليسوا بمؤمنين، وإذا لم يكونوا مؤمنين فلا مراعاة لهم، ولتتقدم شاؤوا أم أبوا،
فمن ذلك الصلاة إذا كنت أقرأ القوم فأنت أحق بالإمامة بهم أو ذا سلطان فإن الله قدمك
عليهم، ومع هذا فينبغي للناصح نفسه أن لا يتصف بصفة يكره منها تقدمه في أمر ديني وليسع
في إزالة تلك الصفة عن نفسه ما استطاع، وحافظ على الصلاة لأوّل ميقاتها ولا تؤخرها حتى
يخرج وقتها، وإياك أن تتعبد حرّاً وتسترقه بشبهة ولا ترى أن لك فضلاً على أحد ﴿ذَلِكَ فَضْلُ
اَللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١] وتعبد الحرّ على نوعين: إما أن تأخذ
من هو حرّ الأصل فتبيعه، وإما أن تعتق عبداً ولا تمكنه من نفسه وتتصرّف فيه تصرف السيد
لعبده وليس لك ذلك إلاَّ بإذنه أو إجازته، فإني رأيت كثيراً من الناس من يعتق المملوك ولا
يمكنه من كتاب عتقه ويستعبده مع حرّيته، والسيد إذا أعتق عبده ما له عليه حكم إلاَّ الولاء،
فإذا أعتقت عبداً فلا تستخدمه إلاّ كما تستخدم الحرّ إما برضاه وإما بالإجازة كالحرّ سواء فإنه
حرّ. ثبت عن رسول الله وَال الوعيد الشديد فيمن تعبد محرّره، وفيمن اعتبد حرّاً، وفيمن باع
حرّاً فأكل ثمنه. والذي أوصيك به إذا استأجرت أجيراً واستوفيت منه فأعطه حقه ولا تؤخره.
وصية: إذا كنت جنباً ولم تغتسل فتوضأ إن كان لك ماء وإلاَّ فتيمم، وإذا أردت أن
تعاود فتوضأ بينهما وضوءاً، وإذا أردت أن تنام وأنت جنب فتوضأ وإن لم تكن جنباً فلا تنم
إلاَّ على طهارة، وإذا أردت أن تأكل أو تشرب وأنت جنب فتوضأ، وإياك والتضمخ بالخلوق
فإن الله لا يقبل صلاة أحد وعلى جسده شيء من خلوق، وثبت أن الملائكة لا تقربه ولا
تقرب الجنب إلاَّ أن يتوضأ، كما أنه قد ثبت أن الملائكة لا تقرب جيفة الكافر، فإياك أن تنزل
نفسك بترك الوضوء في الجنابة منزلة جيفة الكافر في بعد الملك منك فإنهم المطهرون بشهادة
الله في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِمُ ﴿ فِ كِنَبٍ مَكْنُونٍ
(٧٩)
لَّا يَمَسُّهُ: إِلَّ الْمُطَهَّرُونَ
[الواقعة] يعني بالكتاب المكنون الذي هو ﴿فِي صُحُفٍ تُكَرَّمَةٍ
١٣
نَرْفُوعَةٍ مُطَهِّرَةِ ◌َ
بِأَيْدِى سَفَرَةِ
١٥
كِرَامٍ بَهِ
﴾ [عبس). وإياك والغدر وهو أن تعطى أحداً عهداً ثم تغدر به فإن رسول الله قبل
إسلام المغيرة وما قبل غدرته بصاحبه مع كون صاحبه كافراً فكيف حال من يغدر بمؤمن؟ فإن
الله قد أوعد على ذلك الوعد الشديد، وليس من مكارم الأخلاق ولا ممّا أباحته الشريعة. إياك
وعقوق الوالدين إن أدركتهما، فأشقى الناس من أدرك والديه ودخل النار قال: ﴿فَلاَ تَقُل لَُّمَّ
أُفٍ وَلَ نَهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴿ وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا
كَا رَبَّانِى صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣-٢٤] وقال في الوالدين إذا كان كافرين: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا
مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وقال: ﴿أَنِ أُشْكُرْ لِ وَلَوَلِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] ورجح الأم وقدمها في

٢٨٢
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
الإحسان والبرّ على أبيك، ثبت أن رجلاً قال لرسول الله وَ له: ((مَنْ أَبَرُّ؟ قال له: أمَّكَ، ثم
قال له: مَنْ أَبَرُّ؟ قال: أُمَّكَ ثلاث مرات ثم قال في الرابعة: مَنْ أَبَرُّ؟ قالَ: أُمَّكَ ثُمَّ أَبَاكَ)) فقدم
الأمّ على الأب في البرّ وهو الإحسان، كما قدم الجار الأقرب على الأبعد، ولكل حق وإن لم
يكن لك أمّ وكانت لك خالة فبرّها فإنها بمنزلة الأم فإن النبي ◌َّ أوصى ببرّ الخالة. يا أخي
وما أوصيتك في هذه الوصية بشيء استنبطه من نفسي فإني لا أحكم على الله بأمر في حق أحد
فما أوصيتك في هذه الوصية إلاّ بما أوصاك به الله تعالى أو رسوله وَله إما معيناً فأذكره على
التعيين وإما مجملاً فأفصله لك غير ذلك ما أقول به. وإياك يا أخي أن تزكي على الله أحداً فإن
الله قد نهاك عن ذلك في قوله: ﴿فَلَ تُزَّكُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي أمثالكم ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَ﴾ [النجم:
٣٢] ولكن قل أحسبه كذا أو أظنه كذا كما أمرك به رسول الله وَّ قال: ((وَلاَ أُزَكِّي عَلَى اللهِ
أَحَداً) فإنه من الأدب مع الله عدم التحكم عليه في خلقه إلاَّ بتعريفه وإعلامه وما هذا من قوله:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَّكَّنْهَا﴾ [الشمس: ٩] فإن ذلك تحلية النفس وتطهيرها من مذام الأخلاق إتيان
مکارمها .
واعلم أن الإيمان بضع وسبعون شعبة أدناها إماطة الأذى عن الطريق وأعلاها لا إله إلاَّ
الله وما بينهما هو على قسمين من الله عمل وترك أي مأمور به ومنهي عنه، فالمنهي عنه هو
الذي يتعلق به الترك وهو قوله لا تفعل، والمأمور به هو الذي يتعلق به العمل وهو قوله افعل :
﴿وَمَاَ ءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانْنَهُواْ﴾ [الحشر: ٧] وقال ◌َ: ((مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ
فَانْتَهُوا)) وأطلق ولم يقيد. وقال في الأمر: ((وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ)) فهذا من
رحمته بأمته وهو لا ينطق عن الهوى، فهذا من رحمة الله تعالى بعباده، وأمر بما وجب به
الإيمان على نوعين: فرض ومندوب، والنهي على قسمين: نهي حظر ونهي كراهة. والفرض
على نوعين: فرض كفاية وفرض عين، وكذلك الواجب أقول فيه واجب موسع وواجب
مضيق، فالواجب الموسع موسع بالزمان وموسع بالتخيير وهو الواجب المخير مثل كفارة
المتمتع وإتيان ما يؤتى من هذا كله وترك ما يترك من هذا كله هو الإيمان الذي فيه سعادة
العباد، فالبضع والسبعون من الإيمان هو الفرض منه من عمل وترك، وأما غير الفرض
كالمندوبات والمكروهات فيكاد لا ينحصر عند أحد فابحث عليها في الكتاب والسنة. فمن
شعب الإيمان: الشهادة بالتوحيد وبالرسالة والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والوضوء
والغسل من الجنابة والغسل يوم الجمعة والصبر والشكر والورع والحياء والأمان والنصيحة
وطاعة أولي الأمر والذكر وكف الأذى وأداء الأمانة ونصرة المظلوم وترك الظلم وترك
الاحتقار وترك الغيبة وترك النميمة وترك التجسّس والاستئذان وغض البصر والاعتبار وسماع
الأحسن من القول واتباعه والدفع بالتي هي أحسن وترك الجهر بالسوء من القول والكلمة
الطيبة وحفظ الفرج وحفظ اللسان والتوبة والتوكل والخشوع وترك اللغو والإشتغال بما يعني
وترك ما لا يعني، وحفظ العهد والوفاء بالعقود والتعاون على البر والتقوى وترك التعاون على
الإثم والعدوان، والتقوى والبرّ والقنوت والصدق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،

٢٨٣
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
وإصلاح ذات البين وترك إفساد ذات البين وخفض الجناح واللين وبرّ الوالدين وترك العقوق
والدعاء والرحمة بالخلق وتوقير الكبير ومعرفة شرفه ورحمة الصغير، والقيام بحدود الله وترك
دعوى الجاهلية فإن النبيّ وَلَّ يقول: ((دَعُوها فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ)) والتودّد والحب في الله والبغض في
الله والتؤدة والحلم والعفاف والبذاذة وترك التدابر وترك التحاسد وترك التباغض وترك
التناجش وترك شهادة الزور وترك قول الزور وترك الهمز واللمز والغمز وشهود الجماعات،
وإفشاء السلام والتهادي وحسن الخلق والسمت الصالح وحسن العهد وحفظ السرّ والنكاح
والإنكاح وحب الفأل وحبّ أهل البيت وترك الطيرة وحبّ النساء وحب الطيب وحب
الأنصار، وتعظيم الشعائر وتعظيم حرمات الله، وترك الغش وترك حمل السلاح على
المؤمن، وتجهيز الميت والصلاة على الجنائز وعيادة المريض وإماطة الأذى، وأن تحب لكل
مؤمن ما تحب لنفسك، وأن يكون الله ورسوله أحب إليك ممّا سواهما، وأن تكره أن تعود في
الكفر، وأن تؤمن بملائكة الله وكتبه ورسله وبكل ما جاءت به الرسل من عند الله إلى ما لا
يحصى كثرة يأتي إن شاء الله من ذلك في هذه الوصية ما يذكرني الله به ويجريه على خاطري
وقلمي، ومن تتبع كتاب الله وحديث رسوله وَّ يجد ما ذكرناه وزيادة ممّا لم نذكره، وكلما
ورد فله أوقات تخصه وأمكنة ومحال وأحوال، والجامع للخير كله في ذلك أن تنوي في
جميع ما تعمله أو تتركه القربة إلى الله بذلك العمل أو الترك وإن فاتتك النية فاتك الخير كله
فكثير ما بين تارك بنية القربة إلى الله من حيث إن الله أمره بترك ذلك وبين تارك له بغير هذه
النية، وكذلك في العمل ﴿وَمَّ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [البينة: ٥] والإخلاص هي النية
والعبادة عمل وترك، والإخلاص مأمور به شرعاً.
وصية: إذا كنت إمام قوم فدعوت فلا تخصّ نفسك بالدعاء دونهم فإنك إن فعلت ذلك
فقد خنتهم، وفيه من مذام الأخلاق بتبخيل الحق وتحجير الرحمة التي وسعت كل شيء وإيثار
نفسك على غيرك، وإن الله ما مدح في القرآن إلاَّ من آثر على نفسه؛ سمع رسول الله وقلة
رجلاً من الأعراب يقول: اللَّهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فقال رسول الله وَله:
(لَقَدْ حَجَّرَ هُذَا وَاسِعاً)) يريد قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] والذي
أوصيك به إياك أن تصلي وأنت حاقن حتى تخفف، وإذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة فابدأ
بالطعام ثم تصلي بعد ذلك إن كنت ممّن يتناوله بعد الصلاة فحينئذ تفعل ذلك وارغب في
دعاء الوالدين ودعاء المسافر، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب، وعليك
بالاستحداد وهو حلق العانة وتقليم الأظفار ونتف الإبط وقص الشارب وإعفاء اللحية ورد
السلام وتشميت العاطس وإجابة الداعي وعليك بالعدل في أمورك كلها والمحافظة على عبادة
الله، وكسر الشهوتين وتعاهد المساجد للصلاة والبكاء من خشية الله والاعتصام بحبل الله،
وعليك بمحاب الله ومراضيه فاتبعها فمنها تعاهد المساجد، وعليك بصيام داود عليه السلام
فهو أحب الصيام إلى الله وأفضله وأعدله وهو صيام يوم وفطر يوم وقد ذكرنا ما يختص من
الأسرار والفوائد بالصوم في باب الصوم من هذا الكتاب، وكذلك في الطهارة والصلاة والزكاة

٢٨٤
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
والحج فلتنظر هناك، وأحبّ الصلاة إلى الله بالليل صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه
وينام سدسه وذلك هو التهجد، وإن كان لك ولد فسمه عبد الله أو عبد الرحمن وكنه أبا
محمد أو سمّه محمداً وكنّه بأبي عبد الله أو أبي عبد الرحمن، وإذا عملت عملاً من الخير
فداوم عليه وإن قلّ فهو أفضل فإن الله لا يملّ حتى تملوا، فإن في قطع العمل وعدم المداومة
عليه قطع الوصل مع الله، فإن العبد لا يعمل عملاً إلاَّ بنية القربة إلى الله وحينئذ يكون عملاً
مشروعاً فمتى تركه فقد ترك القربة إلى الله، ومن أراد أنه لا يزال في حال قربة من الله دائماً
فعليه بالحضور الدائم مع الله في جمیع أفعاله وتروکه، فلا تعمل عملاً إلاَّ وهو به مؤمن بما لله
فيه من الحكم، ولا يترك عملاً إلاَّ وهو مؤمن بما في تركه من الحكم لله، فإذا كان هذا حاله
فلا يزال في كل نفس مع الله، وهو الذي يحرّم ما حرّم الله ويحلّ ما أحلّ الله ويكره ما كره الله
ويبيح ما أباح الله فهو مع الله في كل حال. واحذر من الإلحاد في آيات الله ومن الإلحاد في
حرم الله إن كنت فيه، والإلحاد الميل عن الحق شرعاً ولذلك قال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾
[الحج: ٢٥] فذكر الظلم. وعليك بأفضل الصدقات، وأفضل الصدقات ما كان عن ظهر غنى،
ومعنى عن ظهر غنى أن تستغني بالله عن ذلك الذي تعطيه وتصدّق به وإن كنت محتاجاً إليه
فإن الله مدح قوماً فقال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَّ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] وذلك أنهم لم
يؤثروا على أنفسهم مع الخصاصة حتى استغنوا بالله، فإن نزلت عن هذه الدرجة فلتكن
صدقتك بحيث أن لا تتبعها نفسك فلتغن أولاً نفسك بأن تطعمها فإذا استغنت عن الفاضل
فتصدق بالفضل فإنك ما تصدقت إلاَّ بما استغنيت عنه، وتلك هي الصدقة عن ظهر غنى في
حق هذا، والأوّل أفضل. وعليك بصيام رجب وشعبان وإن قدرت على صومهما على التمام
فافعل فإنه ورد: ((أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ الله المُحَرَّم)» وهو رجب فإنه يقال
له شهر الله هذا الاسم له دون الأشهر كلها، وكان رسول الله وَل يكثَر صوم شعبان، يقول
الراوي: ربما صامه كله وحافظ على صوم سرره ولا يفوتنك إن فاتك صومه. وأفطر السادس
عشر من شعبان ولا بدّ حتى تخرج من الخلاف فإنه أولىٍ فإن فطره جائز بلا خلاف وصومه
فيه خلاف فإن رسول الله وَل﴿ه قال: ((إذا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَأَمْسِكُوا عَنِ الصَّوْم)). وعليك بقول
الحق في مجلس من يخاف ويرجى من الملوك ولا يعظم عندك على الحق شيء إلاَّ ما أمرك
الله بتعظيمه، وعليك بعمل البر في يوم النحر فإنه أعظم الأيام عند الله، ورد في ذلك خبر
نبوي كثر فيه من ذكر الله ومن الصدقة، وكل فعل فيه لله رضى وتقدر عليه في هذا اليوم فلا
تتخلف عنه فإنه أفضل من يوم عرفة ويوم عاشوراء وفيه خير كما قلنا أعط كل ذي حق حقه
حتى الحق أعطه حقه، ولا ترى أن لك على أحد حقاً فتطلبه منه، فانصف من نفسك ولا
تطلب النصف من غيرك، واقبل العذر ممّن اعتذر إليك، وإياك والاعتذار فإن فيه سوء الظن
منك بمن اعتذرت إليه، فإن علمت أن في اعتذاراك إليه خيراً له وصلاحاً في دينه فاعتذر إليه
في حقّه من غير سوء ظن به بل قضاء حق له تعين عليك وأحق الحقوق حق الله .
وصية: وعليك بكثرة الدعاء في حال السجود فإنك في أقرب قربة إلى الله لما ثبت من

٢٨٥
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
قوله ◌َّهِ: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ)) فأكثروا الدعاء ولا قرب أقرب من قرب
السجود، ولا دعاء إلاّ في القرب من الله، فإذا دعوت في السجود فادع في دوام الحال الذي
أوجب لك القرب المطلوب من الله، فإنك تعلم أنه قريب من خلقه وهو معهم أينما كانوا،
والمطلوب أن يكون العبد قريباً من الله وأن يكون مع الله في أي شأن يكون الله فيه، فإن
الشؤون الله كالأحوال للخلق بل هي عين أحوال الخلق التي هم فيها، وعليك بصلة أهل ودّ
أبيك بعد موته فإن ذلك من أبرّ البرّ، ورد في الحديث: ((إنَّ مِنْ أَبَرِّ البِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ
وُدْ أَبِيهِ)) وأن ذلك من أحب الأعمال إلى الله وهو الإحسان إليهم، والتودّد بالسلام والخدمة
وبما تصل إليه يدك من الراحات والسعي في قضاء حوائجهم، وعليك بالتلطف بالأهل
والقرابة، ولا تعامل أحداً من خلق الله إلاَّ بأحبّ المعاملة إليه ما لم تسخط الله فإن أرضاه ما
يسخط الله فأرض الله. وابدأ بالسلام على من عرفت ومن لم تعرف، فإن عرفت من الذي
تلقاه أنه يسلم عليك فاتركه يبدأ بالسلام ثم تردّ عليه فيحصل لك أجر الوجوب، فإن ردّ
السلام واجب والابتداء به مندوب إليه، وأحب ما يتقرب به إلى الله ما افترضه على خلقه،
وإذا علمت من شخص أنه يكره سلامك عليه وربما تؤديه تلك الكراهة إلى أنه لو سلمت عليه
لم يرد عليك فلا تسلم عليه ابتداء إيثاراً له على نفسك وشفقة عليه فإنك تحول بينه وبين
وقوعه في المعصية إذا لم يرد عليك السلام، فإنه يترك أمر الله الواجب عليه، ومن الإيمان
الشفقة على خلق الله فبهذه النية اترك السلام عليه، وإن علمت من دينه أنه يرد السلام عليك
فسلم عليه وإن كره، واجهر بالسلام عليه وابدأ به فإنك تدخل عليه ثواباً برد السلام وتسقط
من كراهته فيك بسلامك عليه بقدر إيمانه ونفسه الصالحة إن كان ممّن جبل على خلق حسن،
وعليك بالنظر إلى من هو دونك في الدنيا ولا تنظر إلى أهل الثروة والاتساع خوفاً من الفتنة
فإن الدنيا حلوة خضرة محبوبة لكل نفس فإن النعيم محبوب للنفوس طبعاً، ولولا النعيم الذي
يجده الزاهد في زهده ما زهد والطائع في طاعته ما أطاع، فإن أخوف ما خافه رسول الله وَال
علينا ما يخرج الله لنا من زهرة الدنيا قال الله تعالى لنبيه: ﴿لَا تَمُذَنَ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ:
أَزْوَجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر: ٨٨] زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه، ثم حبب إليه رزق ربه الذي هو خير
وأبقى وهو الحال الذي هو عليه في ذلك الوقت هو رزق ربه الذي رزقه فإنه تعالى لا يتهم في
إعطائه الأصلح لعبده، فما أعطاه إلاَّ ما هو خير في حقه وأسعد عند الله وإن قلّ فإنه ربما لو
أعطاه ما يتمناه لعبد طغى وحال بينه وبين سعادته فإن الدنيا دار فتنة. وإذا كان لأحد عندك
دين وقضيته فأحسن القضاء وزده في الوزن وارجح تكن بهذا الفعل من خير عباد الله بإخبار
رسول الله وَلّ فهو من السنة وهو الكرم الخفي اللاحق بصدقة السرّ فإن المعطى إياه لا يشعر
بأنه صدقة وهو عند الله صدقة سرّ في علانية ويورث ذلك محبة ووداً في نفس الذي أعطيته
وتخفي نعمتك عليه في ذلك، ففي حسن القضاء فوائد جمّة وعليك يا أخي بالذب والدفع عن
أخيك المؤمن عن عرضه ونفسه وماله وعن عشيرتك بما لا تأثم به عند الله، فلا تبرح من يدك
ميزان مراعاة حق الله في جميع تصرّفاتك، ولا تتبع هواك في شيء يسخط الله فإنك لا تجد

٢٨٦
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
صاحباً إلاَّ الله فلا تفرط في حقّه وحقّه أحق الحقوق وأوجبها علينا، كما ثبت حق الله أحق أن
يقضى، وإن عزمت على نكاح فاجهد في نكاح القرشيات، وإن قدرت على نكاح من هي من
أهل البيت فأعظم وأعظم فإنه قد ثبت أنه خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، وعاشرهن
بالمعروف واتق الله فيهن، وأحق الشروط ما استحللت به فروجهن وأحسن إليهن في كل
شيء، وإياك أن تعذب ذا روح إذا كان في يدك حتى الأضحية إذا ذبحتها فحد الشفرة وأسرع
وأرح ذبيحتك وادفع الألم عن كل من يتألم جهد استطاعتك كان ما كان الألم الحسي من كل
حيوان وإنسان ومن النفسي ما تعلم أنه يرضي الله، واعلم أنه ممّا يرضي الله ما أباحه لك أن
تفعله. وإذا رأيت أنصارياً من بني النجار فقدمه على غيره من الأنصار مع حبك جميعهم،
وعليك بأحسن الحديث وهو كتاب الله فلا تزل تالياً إياه بتدبر وتفكّر عسى الله أن يرزقك الفهم
◌َ خَلَقَ
٣
عَلَّمَ اٌلْقُرْءَانَ
عنه فيما تتلوه، وعلم القرآن تكن نائب الرحمن فإن ﴿الرَّحْمَنُ
◌َ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (﴾ [الرحمن] وهو القرآن فإنه قال فيه: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ وهو
الانسَنَ
القرآن ﴿وَهُدَّى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨] فعلم القرآن قبل الإنسان أنه إذا خلق
الإنسان لا ينزل إلاَّ عليه وكذلك كان فإنه نزل به الروح الأمين على قلب محمد وَلل وهو ينزل
على كل قلب تال في حال تلاوته فنزوله لا يبرح دائماً، فعلم الله القرآن كما علم الإنسان
القرآن فخيركم من علم القرآن وعلمه واتق شحّ الطبيعة فإن المفلح عند الله من يوق شح
نفسه، وكن شجاعاً مقداماً على إتيان العزائم التي شرع الله لك أن تأتيها فتكن من أولي العزم،
ولا تكن جباناً فإن الله أمرك بالإستعانة به في ذلك، وإذ كان الله المعين فلا تبال فإنه لا يقاومه
شيء بل هو القادر على كل شيء فما ثم مع الإعانة الإلهية قوَة تقاوي قوّة الحق فإن الله يقول
فيمن سأله الإعانة: ((ولعبدي ما سأل)) في الخبر الصحيح: ((فَإِذَا قَالَ العَبْدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يقول الله هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، وإذا قال: ﴿أَهْدِنَا
الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيمَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ وَهِدَايَتُهُ مِنْ مَعُونَتِهِ يَقُولُ الله: هَؤُلاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا
سَألَ)). وخبره صدق وقد قال: ((وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ)) فلا بد من إعانته، ولكن هنا شرط لا يغفل
عنه العالم إذا تلى مثل هذا لا يتلوه حكاية فإن ذلك لا ينفعه فيما ذهبنا إليه وفيما أريد له،
وإنما الله تعالى ما شرع له أن يقرأ القرآن ويذكره بهذا الذكر إلاَّ ليعلمه كيف يذكره، فيذكره.
ذكر طلب واضطرار وافتقار وحضور في طلبه من ربه ما شرع له أن يطلبه، فذلك هو الذي
يجيبه الحق إذا سأله، فإن تلى حكاية فما هو سائل وإذا لم يسأل وحكى السؤال فإن الحق لا
يجيب من هذه صفته، ولا جزم أن التالين الغالب عليهم الحكاية لأنه لا ثمرة عندهم فهم
يقرؤون القرآن بألسنتهم لا يجاوز تراقيهم وقلوبهم لاهية في حال التلاوة وفي حال سماعه.
فإذا رأيت من يقدم على الشدائد في حق الله فاعلم أنه مؤمن صادق، وإذا رأيته قوي العزم في
دين الله وفي غير دين الله فيعلم أنه قوي النفس لا قوي الإيمان بالأصالة، فإن المؤمن هو
القوي في حق الله خاصة الضعيف في حق الهوى لا يساعد هواه في شيء إذا جاءه الهوى
النفسي يطلب منه أن يعينه في أمر ما يريه من الضعف والخوف ما يقطع به يأسه منه فينقمع

٢٨٧
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
الهوى إذ لا يجد معونة من قبول المؤمن عليه فيعصم جوارحه من إمضاء ما دعاه إليه الهوى
وسلطانه، فإذا جاءه وارد الإيمان وجد عنده من القوّة والمساعدة بالله ما لا يقاومه شيء. فإن
الله هو المعين له، فإن الإنسان خلق هلوعاً من حيث إنسانيته، وأن المؤمن له الشجاعة
والإقدام من حيث ما هو مؤمن كما حكي عن بعض الصحابة وأظنه عمرو بن العاص: ((أن
رسول الله وَل# أخبره أنه لا بدّ له أن يلي مصر)) فحضر في حصار بلد فقال لأصحابه:
اجعلوني في كفة المنجنيق وارموا بي إليهم فإذا حصلت عندهم قالت حتى أفتح لكم باب
الحصن فقيل له في ذلك فقال: إن رسول الله وَ # ذكر لي أني ألي مصر وإلى الآن ما وليتها
ولا أموت حتى أليها، فهذا من قوّة الإيمان، فإن العادة تعطي في كل إنسان أن شخصاً إذا
رمي في كفة المنجنيق أنه يموت فالمؤمن أقوى الناس جأشاً. ومن أسمائه تعالى المؤمن وقد
ورد أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً من كونه مؤمناً، فالمؤمن المخلوق يستعين
بالمؤمن الخالق فيشدّ منه ويقوي ما ضعف عنه من كونه مخلوقاً، فإن الله خلقه من ضعف ثم
جعل من بعد ضعف قوّة فهي إشارة، وذلك إن كانت قوّة الشباب تفسيراً فهي قوّة الإيمان بما
أمر من الإيمان به تنبيهاً فاعلم.
وصية: كن فقيرًا من الله كما أنت فقير إليه فهو مثل قوله بَّهَ: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ)) ومعنى
فقرك من الله أن لا يشم منك رائحة من روائح الربوبية بل العبودية المحضة، كما أنه ليس في
جناب الحق شيء من العبودية ويستحيل ذلك عليه فهو رب محض فكن أنت عبداً محضاً،
فكن مع الله بقيمتك لا بعينك، فإن عينك عليه روائح الربوبية بما خلقك عليه من الصورة
بالدعوى وقيمتك ليست كذلك، بهذا أوصاني شيخي وأستاذي أبو العباس العريبي رحمه الله،
فلقيمتك التصرف بالحال لا بالدعوى فكن أنت كذلك، فمتى قالت لك نفسك كن غنياً بالله
فقد أمرتك بالسيادة فقل لها أنا فقير إلى الله وإلى ما أفقرني الله إليه فإن الله أفقرني إلى الملح
أن يكون في عجيني.
وصية: عليك بالرباط فإنه من أفضل أحوال المؤمن، فكل إنسان إذا مات يختم على
عمله إلاَّ المرابط فإنه ينمى له إلى يوم القيامة ويأمن فتان القبر ثبت هذا عن رسول الله وله
والرباط أن يلزم الإنسان نفسه دائماً من غير حد ينتهي إليه أو يجعله في نفسه، فإذا ربط نفسه
بهذا الأمر فهو مرابط، والرباط في الخير كله ما يختص به خير من خير فالكل سبيل الله فإن
سبيل الله ما شرعه الله لعباده أن يعملوا به، فما يختص بملازمة الثغور فقط ولا بالجهاد فإن
رسول الله وَير قال في انتظار الصلاة بعد الصلاة: ((إنّه رباطٌ))، والله يقول في كتابه للمؤمنين:
﴿أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] يعني في ذلك كله أي اجعلوه وقاية تتقوا
به هذه العزائم، وذلك معونته في قوله: ﴿ وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةَ﴾ [البقرة: ١٥٣] ﴿أَسْتَعِينُواْ
بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ﴾ [الفاتحة: ٥] فهذا معنى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] أي تكون لكم النجاة من مشقة الصبر والرباط .
وبنبغي لك إذا ناجيت رسول الله وم طهر وذلك زمان قراءتك الأحاديث المروية عنه وَله أن

٢٨٨
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
تقدم بين يدي نجواك صدقة أي صدقة كانت فإن ذلك خير لك وأطهر بهذا أمرت، فإن
الصدقات التي نصّ الشرع عليها كثيرة ولذلك ورد أنه يصبح على كل سلامي منا صدقة في
كل يوم تطلع فيه الشمس، ثم أخبر وّ ر أن كل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تسبيحة
صدقة وكل تحميدة صدقة وأمر بمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة، فانظر حالك عندما
تريد قراءة الحديث النبوي فهي التي بقيت في العامة من مناجاة الرسول، فالذي يعين لك
حالك عند ذلك من الصدقات تقدمها بين يدي قراءتك الحديث كانت ما كانت، فقد أوسع الله
عليك في ذلك فلم يبق لك عذر في التخلف بعد أن أعلمك وثيقة بأنواع الصدقات فقدم منها
بين يدي نجواك ما أعطاه حالك بلغ ما بلغ وحينئذٍ تشرع في قراءة الحديث النبوي. وإياك أن
تحشر يوم القيامة مع المصوّرين الذين يصوّرون ذوات الأرواح من الحيوانات فإنك إن
صورت صورة من صور الحيوانات تبعها روحها من عند الله من حيث لا تشعر بذلك في
الدنيا، فإذا كان في الآخرة يجعل الله لكل مصوّر في النار بكل صورة صورة نفساً تعذبه في نار
جهنم، فإن الخلق من اختصاص الله فمن نازعه في خلقه فإنه يعذبه بما خلق من ذلك والخلق
الله لا إليه إذ لم يكن بإذن الله كخلق عيسى عليه السلام الطير من الطين بإذن الله ونفخ فيه
الروح بإذن الله، فلو أذن الله للمصوّر في ذلك لكان طاعة فعل ذلك، فأعلم أن كل نفس بما
كسبت رهينة .
وصية: واحذر أن تكفر أحداً من أهل القبلة بذنب فقد ثبت أنه من قال لأخيه كافر فقد
باء به أحدهما إن كان كما قال وإلاَّ رجعت عليه، ومعنى الرجوع عليه أنه هو الكافر فإنه من
كفر مسلماً لإسلامه فهو كافر يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ
كَمَآ ءَامَنَ الشُّفَهَءُ﴾ فقال الله تعالى فيهم: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَآءُ﴾ [البقرة: ١٣] والسفيه هو
الضعيف الرأي، يقولون إنهم ما آمنوا إلاَّ لضعف رأيهم وعقلهم فجاز ذلك عليهم لقول الله :
﴿أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْتُّفَهَآءُ﴾ أي هم الذين ضعفت آراؤهم، فحال ذلك الضعف بينهم وبين
الإيمان ﴿ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣] فتحفظ من الكلام القبيح وهو أن تنسب صفة مذمومة
لأخيك المؤمن وإن كانت فيه لا في حضوره ولا في غيبته، فإنك إن واجهته بذلك فقد
عيرته، فما تأمن أن يعافيه الله من تلك الصفة ويبتليك بها وقد ورد: ((لا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ بِأَخِيكَ
فَيُعَافِيَّهُ الله وَيَبْتَلِيَكَ)) وإن كان غائباً فهي غيبة وقد نهاك الله عن الغيبة فإنك إذا ذكرته بأمر هو
فيه ممّا يسوءه لو قابلته به فقد اغتبته، وإن نسبت إليه من القبيح ما ليس فيه فذلك البهتان، ولا
بدّ أن تجني ثمرة غرسك إلاَّ أن يعفو الله بإرضاء الخصم، وأن يعود عليك وبال ما نسبته إلى
أخيك المؤمن بما ليس هو عليه، وكذلك خداع المؤمن فلا تكن ممّن يخادع الله فإنك إن
اعتقدت ذلك كنت من الجاهلين بالله حيث تخيلت أنك تلبس على الحق وأن الله لا يعلم
كثيراً مما تعملون ﴿وَذَلِكُمْ ظَتُكُمُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَّكُمْ أَزْدَنَّكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٢-
٢٣]. وإن خادعت المؤمن فما تخادع إلاَّ نفسك كما قال تعالى: ﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩] في خداعهم ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ فإنهم مؤمنون

٢٨٩
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
أيضاً ﴿ بِالْبَطِلِ﴾ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِلِ وَكَفَرُواْ بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾
[العنكبوت: ٥٢] فوصفهم بالإيمان بالباطل. وقال في حديث الأنواء فيمن قال مطرنا بنوء كذا إنه
كافر بي مؤمن بالكوكب فهذا قوله: ﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ﴾ في
خداعهم الذين آمنوا، وأما في خداعهم الله فإن الله هو خادعهم بخداعهم أي هو خداع الله
بهم لكونهم اعتقدوا أنهم يخادعون الله، فإياك والجهل فإنه أقبح صفة يتصف بها الإنسان،
فإن كنت يا وليّ ذا زوجة فأوصها بل لا تتركها ولا أختاً ولا بنتاً ولا أي امرأة كانت ممّن
تحكم عليهم أو تعلم أنها تسمع منك فانصحها كانت من كانت أن لا تستعطر إذا خرجت
بطيب يكون له ريح فإنه قد ثبت عن رسول الله وَ﴿ أنه قال: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى
قَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِي زَانِيَةٌ)) وقد ورد مقيداً في ذلك: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُوراً فَلاَ تَشْهَدْ
مَعَنَّا العِشَاءَ الأَخِيرَةَ)) وذلك لأن الليل آفاته كثيرة والظلمة ساترة وما تدري إذا أصاب الرجل
ريحها الطيب في طريق المسجد ما يلقى منه إذا لم يتق الله فلهذا نهاها رسول الله وَ ل عن
شهود العشاء الآخرة. وبالجملة فلا ينبغي للمرأة أن تخرج بطيب له رائحة في ليل ولا في
نهار .
وإياك والاستهزاء والسخرية بأهل الله استهزاء بدين الله ولا تتخذهم ضحكة فإن وبال
ذلك يعود عليك يوم القيامة فيسخر الله منك ويستهزىء بك وهو أن يريك بالفعل ما فعلته أنت
هنا أعني في الدنيا بالمؤمن إذا لقيته تقول: أنا معك على طريق الهزء به والسخرية منه، فإذا
كان يوم القيامة يجازيك الله عدلاً بقدر ما تراءيت به للمؤمنين من الإقبال عليهم والإيمان بما
هم عليه أهل الله عزَّ وجل، وقد رأينا على ذلك جماعة من المدرسين الفقهاء يسخرون بأهل
الله المنتمين إلى الله المخبرين عن الله بقلوبهم مايرد عليهم من الله فيها فيأمر من هذه صفته إلى
الجنة حتى ينظر إلى ما فيها من الخير فيسرّون كما يسرّ أهل الله في حال استهزائهم بهم
ويتخيلون أنهم صادقون فيما يظهرون به إليهم. فإذا وفى الله جزاء عملهم وانفهقت لهم الجنة
بخيرها أمر الله بهم أن يصرفوا عنها إلى النار فتصرفهم الملائكة إلى النار فذلك استهزاء الله
بهم، كما أن هؤلاء المنافقين لما رجعوا إلى أهليهم قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [البقرة: ١٤]
وقال: ﴿سَخِرُواْ مِنَّهُ﴾ [هود: ٣٨] ﴿ قَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] كما
كانوا في الدنيا يضحكون من المؤمنين لإيمانهم، وكذلك بعض المؤمنين يضحكون من أهل
الله في الدنيا ولا سيما الفقهاء إذا رأوا العامة على الاستقامة يتحدثون بما أنعم الله عليهم في
بواطنهم يضحكون منهم ويظهرون لهم القبول عليهم وهم في بواطنهم على خلاف ذلك، فلا
أقل يا أخي إذا لم يكن منهم أن تسلم لهم أحوالهم فإنك ما رأيت منهم ما ينكره دين الله ولا
وَإِذَا
٢٩٦
ما يرده العلم الصحيح النقلي والعقلي ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ
مَرُواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٠] هكذا والله رأيت فقهاء الزمان مع أهل الله يتغامزون
عليهم ويضحكون منهم ويظهرون القبول عليهم وهم على غير ذلك، فاحذر من هذه الصفة
ومن صحبة من هذه صفته لئلا يسرقك الطبع، فما أعظم حسرتهم يوم القيامة فهم ﴿ الَّذِينَ
الفتوحات المكية ج٨ - م١٩

٢٩٠
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
اشْتَّرَوُاْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةَ﴾ [البقرة: ١٧٥] و﴿الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ﴾
[البقرة: ٨٦] ﴿فَمَا رَبِحَت تَجَرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦].
وصية: واحذر يا أخي أن تكون من شرار الناس فيتقي الناس لسانك فإن من شرار
الناس الذين يكرمون اتقاء ألسنتهم وأنت أعرف بنفسك في ذلك: أقبل رجل على رسول
اللهِ الَُّ فقال رسول الله وَ﴿ فيه قبل أن يصل إليه وقد رآه مقبلاً: ((بِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ)) فَلَمَّا
وصل إليه بشَّ في وجهه وضحك له فلما انصرف قالت له عائشة: يا رسول الله قلت فيه ما
قلت ثم بششت في وجهه فقال: ((يا عَائِشَةُ إنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْ أَكْرَمَهُ النَّاسُ اتَّقَاءَ شَرِّهِ»
فاحذر أن تكون ممّن هذه صفتهم فتكون من شرّ الناس بشهادة رسول الله وَّر، وإن كانت لك
زوجة فإياك إذا أفضيت إليها وكان بينك وبينها ما كان أن تنشر سرها فإن ذلك من الكبائر عند
الله فإنه ثبت عن رسول الله وَله: ((إنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ عِنْدَ الله يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِي يُفضِي إلَى امْرَأْتِهِ
وتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا)) فذلك من الكبائر. وإياك أن تسبّ أبا أحد أو أمه فيسب أباك
وأمك فإن ذلك من العقوق، وكذلك إذا جالست مشركاً فلا تسبّ من اتخذه إلهاً مع الله، وإذا
جالست من تعرف أنه يقع في الصحابة من الروافض فلا تتعرض ولا تعرض بذكر أحد من
الصحابة التي تعلم أن جليسك يقع فيهم بشيء من الثناء عليهم فإن لجاجه بجعله يقع فيهم
فتكون أنت قد عرضتهم بذكرك إياهم للوقوع فيهم، يقول الله: ﴿وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ
دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًّا بِغَيْرِ عِلَّمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] ونهى رسول الله وَّرَ عنِ شتم الرجل والديه
فقيل له: يا رسول الله وكيف يشتم الرجل والديه؟ فقال بَّه: ((يَسُبُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ
وَيَسُبُّ أَمَّهُ فَيَسُبُّ أمَّهُ)) وإن من الكبائر استطالة الرجل في عرض رجل مسلم بغير حق، هذا
هو الثابت عن رسول الله ◌َّر، وعليك بشهود العتمة والصبح في جماعة فإنه من شهد العشاء
في جماعة فكأنما قام نصف ليله، ومن شهد الصبح في جماعة فكأنما قام ليله، وعليك
بالشفقة على عباد الله مطلقاً بل على كل حيوان فإنه في كل ذي كبد رطبة أجر عند الله تعالى.
وصية: احذر أن ترجح نظرك على علم الله في خلقه بمن قدمه من الولاة في النظر في
أمور المسلمين وإن جاروا فإن الله فيهم سراً لا تعرفه، وأن ما يدفع الله بهم من الشرور
ويحصل بهم من المصالح أكثر من جورهم إن جاروا، وهذا كثير ما يقع فيه الناس يرجحون
نظرهم على ما فعل الله في خلقه، ويأتيهم الشيطان فيعلق تسفيههم بالذين ولوه ويحول بينهم
وبين الصحيح من كون الله ولاهم وينسيهم أمر النبي ◌َّ: ((أن لا تُخْرِجَ يَداً مِنْ طَاعَةٍ وَأَنْ لا
تُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ فَيَدْخُلَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ)) من التأويل في هذه الأحاديث وأمثالها بما يخرجهم
بذلك من الإسلام وينسيهم قوله بَّرَ: ((فَإنْ جَارُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ وَإِنْ عَدَلُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ)) وأن
الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن لو لم يكن في هذه المسألة إلاّ اعتراض الملائكة على الله
تعالى في خلافة آدم عليه السلام لكان كافياً، وقد جعل رسول الله وَله من تمام الزكاة أن
ينقلب المصدق وهو العامل الذي على الزكاة راضياً عنك وإن ظلمك، وهذا باب قد أغفله
الناس وقد أغلقوه على أنفسهم فما يرى أحد إلاَّ وله في ذلك نصيب ولا يعلم ما فيه عند الله،

٢٩١
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
وقد رأينا على ذلك براهين من الله كثيرة، ومتى ذممت ولا بدّ فذمّ الصفة بذمّ الله، ولا تذمّ
الموصوف بها إن نصحت نفسك، ومتى حمدت فاحمد الصفة والموصوف معاً، فإن الله
يحمدك على ذلك .
وصية: أوصيت بها في مبشرة أريتها سمعتها من كلام الله تعالى بلا واسطة في البقعة
المباركة التي كلم الله فيها موسى عليه السلام من بلة على قدر الكف كلاماً لا يكيف ولا يشبه
كلام مخلوق عين الكلام وهو عين الفهم من السامع، فممّا فهمت منه كن سماء وحي وأرض
ينبوع وجبل تسكين فإذا تحركت فلتكن حركة أحياء وسطينة بتحريك عن وحي سماوي ثم
وقع في نفسي نظم فكنت أنشد: [مخلع البسيط]
وقُلْتَ لى أنت قد عَمِلْتَا
جَعَلْتَ فِيَّ الذي جَعَلْتًا
وأنت تدري بأن كَوْني
ما فيه غير الذي جَعَلْتًا
أنت إلْهِي الذي فَعَلْتًا
فكلُّ فِعْلٍ تراه مِنِّي
وصية: إذا قلت خيراً ودللت على خير فكن أنت أوّل عامل به والمخاطب بذلك
الخير، وانصح نفسك فإنها آكد عليك فإن نظر الخلق إلى فعل الشخص أكثر من نظرهم إلى
قوله، والاهتداء بفعله أعظم من الاهتداء بقوله، ولبعضهم في ذلك: [الكامل]
وإذا المَقَالُ مع الفِعَالِ وَزَنْتَهُ
رجح الفعالُ وخَفَّ كُلُّ مَقَالٍ
واجهد أن تكون ممّن يهتدي بهديك فتلحق بالأنبياء ميراثاً فإن رسول الله وَ ل# يقول:
((لَأَنْ يَهْتَدِيَ بِهُدَاكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ)) يقول الله تعالى في نقصان
عقل من هذه صفته ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِنَبَّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾
[البقرة: ٤٤] فإذا تلى الإنسان القرآن ولا يرعوي إلى شيء منه فإنه من شرار الناس بشهادة
رسول الله وَ﴿ فإن الرجل يقرأ القرآن والقرآن يلعنه ويلعن نفسه فيه يقرأ: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى
الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وهو يظلم فيلعن نفسه ويقرأ ﴿لَّمْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]
وهو يكذب فيلعنه القرآن ويلعن نفسه في تلاوته، ويمرّ بالآية فيها ذمّ الصفة وهو موصوف بها
فلا ينتهي عنها، ويمرّ بالآية فيها حمد الصفة فلا يعمل بها ولا يتصف بها فيكون القرآن حجة
عليه لا له، قال ◌َّر في الثابت عنه القرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبايع نفسه
فمعقتها أو موبقها، فإذا كنت يا أخي ممّن يجلس مع الله بترك الأسباب فتحفظ من السؤال فلا
تسأل أحداً، وإياك أن تقتدي بهؤلاء أصحاب الزنابل اليوم فإنهم من أدنى الناس همة وأخسّهم
قدراً عند الله وأكذبهم على الله، فإما يقين صادق وإما حرفة فيها عزّ نفسك فإن ذلك خير لك
عند الله، وقد ثبت عن رسول الله وَّ أنه قال: ((لَأَنْ يَخْتَزِمَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ
خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلاً)) وفي حديث: ((أعْطاه أو مَنَعَهُ)) فإما يقين صادق وإما شغل موافق .
وصية: عليك بإكرام الضيف فإنه قد ثبت عن رسول الله ◌َ وَ أنه قال: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ
بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمُ ضَيْفَهُ)) فإن كان الضيف مقيماً فثلاثة أيام حقّه عليك وما زاد فصدقة،
فإن كان مجتازاً فيوم وليلة جائزته. ولشيخنا أبي مدين في هذه المسألة حكاية عجيبة: كان

٢٩٢
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
رضي الله عنه يقول بترك الأسباب التي يرتزق بها الناس وكان قوي اليقين ويدعو الناس إلى
مقامه والاشتغال بالأهم فالأهم من عباد الله، فقيل له في ذلك أي في ترك الأسباب والأكل
من الكسب وأنه أفضل من الأكل من غير الكسب، فقال رضي الله عنه: ألستم تعلمون أن
الضيف إذا نزل بقوم وجب بالنص عليهم القيام بحقه ثلاثة أيام إذا كان مقيماً؟ فقالوا نعم،
فقال: فلو أن الضيف في تلك الأيام يأكل من كسبه أليس كان العار يلحق بالقوم الذين نزل
بهم؟ فقالوا نعم، فقال: إن أهل الله رحلوا عن الخلق ونزلوا بالله أضيافاً عنده فهم في ضيافة
الله ثلاثة أيام، وإن يوماً عند ربك كألف سنة ممّا تعدّون، فنحن نأخذ ضيافته على قدر أيامه،
فإذا كملت لنا ثلاثة أيام من أيام الله من نزلنا عليه ولا نحترف ونأكل من كسبنا عند ذلك يتوجه
اللوم وإقامة مثل هذه الحجة علينا. فانظر يا أخي ما أحسن نظر هذا الشيخ وما أعظم موافقته
للسنة، فلقد نور الله قلب هذا الشيخ فحق الضيف واجب وهو من شعب الإيمان أعني إكرام
الضيف، وكذلك من شعب الإيمان قول الخير أو الصمت عن الشر، يقول الله: ﴿لَّ خَيّرَ فِى
كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَئُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] هذا
في النجوى ومخاطبة الناس، وذكر الله أفضل القول، والتلاوة أفضل الذكر.
ومن الإيمان وشعبه اجتناب مجالس الشرب فإنه ثبت عن رسول الله وَ لو أنه قال: ((مَنْ
كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلا يَقْعُدْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الخَمْرُ)) وعليك إذا عملت عملاً
مشروعاً أن تحسنه فإنه من حسن عمله بلغ أمله، وحسن العمل أن تعمله كما شرع الله لك أن
تعمله، وأن ترى الله تعالى في عملك إياه فإن رسول الله وَ ل# فسّر الإحسان بما ذكرناه فقال في
الثابت عنه: ((الإِحْسَانُ أنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ)) وإذا أردت أن تأتي الجمعة فاغتسل لها فإن
الغسل وإن كان واجباً عليك يوم الجمعة لمجرد اليوم فإنه قبل الصلاة للصلاة أفضل بلا
خلاف، فإذا توضأت كما ذكرت لك في باب الوضوء من هذا الكتاب فامش إلى الجمعة،
وعليك السكينة والوقار، ولا تفرق بين اثنين إلاَّ أن ترى فرجة فتأوي إليها، وتقرب من
الخطيب وأنصت لكلامه إذا خطب، ولا تمسح الحصى فإن مسح الحصى لغو، ولا تقل
لمتكلم أنصت والإمام يخطب فإن ذلك من اللغو، وفرغ قلبك لما يأتي به من الذكر فإن
المؤمن ينتفع بالذكرى، ولتلبس أحسن ثيابك وتمس من الطيب إن كان معك ولتهجر ما
استطعت. وإن أردت الخروج من الخلاف في التهجير فتسعى إليها في أوّل ساعة من النهار
تكن من أصحاب البدن وتدنو من الإمام ما استطعت، وإن كان لك أهل فلتجعلهم يغتسلون
يوم الجمعة كما اغتسلت، وإن كنت جنباً فاغتسل غسلين: غسل الجنابة وغسل الجمعة فهو
أولى، فإن لم تفعل فاغتسل للجنابة فعسى يجزيك عن غسل الجمعة، فإنه قد ثبت: ((مَنْ
غَسَلَ وَاغْتَسَلَ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ)) وعليك بالوضوء على الوضوء فإنه نور على نور، ولقيت على
ذلك جماعة من الشيوخ ببلاد المغرب يتوضؤون لكل صلاة فريضة وإن كانوا على طهارة.
وأما التيمّم لكل فريضة فالدليل في وجوب ذلك أقوى من قياسه على الوضوء وإليه أذهب فإن
نص القرآن في ذلك، ولولا أن رسول الله مَّر شرع في الوضوء ما شرع من صلاة فريضتين

٢٩٣
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
فصاعداً بوضوء واحد لكان حكم القرآن يقتضي أن يتوضأ لكل صلاة، وبالجملة فهو أحسن
بلا خلاف فإن الوضوء عندنا عبادة مستقلة، وإن كان شرطاً في صحة عبادة أخرى فلا يخرجه
ذلك عن أن يكون عبادة مستقلة في نفسه مراداً لعينه، وتحفظ أن تؤذي شخصاً قد صلّى
الصبح فإنه في ذمّة الله فلا تحقر الله في ذمّته، وما رأيت أحداً يدّعي هذا القدر في معاملته
الخلق وقد أغفله الناس، فإنه قد ثبت عن رسول الله وَ ل﴿ أنه قال: ((مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُو فِي
ذِمَّةِ الله)) فإياك أن يتبعك الله بشيء من ذمته، وحافظ كل يوم على صلاة اثنتي عشرة ركعة فإنه
قد ثبت الترغيب في ذلك عن رسول الله ◌َة، وحافظ على صلاة العصر فإنه من ترك صلاة
العصر فقد حبط عمله. وإذا قعدت في مسجد أو في مجلسك أو حيث كنت فاقعد على طهارة
منتظراً دخول وقت الصلاة، واجعل موضع جلوسك مسجدك فإن الأرض كلها مسجد
بالنص، وإن كان في المسجد المعروف في العرف كان أفضل، فإنه من غدا إلى المسجد أو
راح أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح. وقد ثبت عن رسول الله وَّ أنه قال: ((مَنْ
تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إلى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الله لِيَقْضِي فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِض الله كَانَتْ خُطُوَاتُهُ
إِحْدَاهُنَّ تَحُطُّ عَنْهُ خَطِيئَةً وَالأُخْرَى تَرْفَعُ لَهُ دَرَجَةً))، وعليك من قيام الليل بما يزيل عنك اسم
الغفلة، وأقل ذلك أن تقوم بعشر آيات فإنك إذا قمت بعشر آيات لم تكتب من الغافلين، هكذا
ثبت عن المبلغ ◌َّ عن الله، وحافظ في السنة كلها على القيام كل ليلة ولو بما ذكرت لك،
ولا تهمل الدعاء في كل ليلة، واجعل من دعائك السؤال في العفو والعافية في الدين والدنيا
والآخرة فإنك لا تدري متى تصادف ليلة القدر من سنتك، فإني قد أريتها مراراً في غير شهر
رمضان فهي تدور في السنة وأكثر ما يكون في شهر رمضان، وأكثر ما تكون في ليلة وتر من
الشهر وقد تكون في شفع، وقد أريتها في ليلة الثامن عشر من الشهر، وقد أريتها في العشر
الوسط ومن رمضان، فإن زدت على عشر آيات في قيام الليل فأنت بحسب ما تزيد، فإن زدت
إلى المائة كتبت من الذاكرين، وإن زدت إلى ألف آية كتبت من المقسطين. وعليك بصيام
ستة أيام من شوال ولتجعلها من ثاني يوم من شوال متتابعات إلى أن تفرغ لتخرج بذلك من
الخلاف، وإذا قضيت أيام رمضان من مرض أو سفر فاقضه متتابعاً كما أفطرته متتابعاً تخرج
بذلك من الخلاف، فإن شهر رمضان متتابع الأيام في الصوم، وإن قدرت أن تشارك في فطرك
صائماً أو تفطر صائماً فافعل فإن لك أجره أي مثل أجره، وعليك إن كنت مجاوراً بمكة بكثرة
الطواف فإن طواف كل أسبوع يعدل عتق رقبة، فأعتق ما استطعت تلحق بأصحاب الأموال مع
أجر الفقر، واجهد أن ترمي بسهم في سبيل الله، وإن تعلمت الرمي فاحذر أن تنساه فإن نسيان
الرمي بعد العلم به من الكبائر عند الله. وكذلك من حفظ آية من القرآن ثم نسيها إما من
محفوطه وإما ترك العمل بها فإنه لا يعذب أحد من العالمين يوم القيامة بمثل عذابه لأنه لا مثل
للقرآن الذي نسبه، وعليك بتجهيز المجاهد بما أمكنك ولو برغيف إذا لم تكن أنت المجاهد،
وأخلف الغزاة في أهلهم بخير تكتب معهم وأنت في أهلك، واحذر إن لم تغز أن لا تحدث
نفسك بالغزو فإنك إن لم تغز ولا تحدث نفسك بالغزو كنت على شعبة من نفاق. واجهد في

٢٩٤
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
إعطاء ما يفضل عنك لمعدم ليس ذلك من طعام أو شراب أو لباس أو مركوب، وعليك بتعلم
علم الدين إن عملت به عملت على علم أو علمته أحداً من الناس كان ذلك التعليم عملاً من
أعمال الخير قد أتيته، واسأل من الله ما تعلم أن فيه خيراً عند الله فإنه إن أعطاك ما سألت وإلاّ
أعطاك أجر ما سألت، فإنه قد ثبت عن رسول الله وَل# ما يؤيد ما ذكرناه وذلك أنه قال: ((مَنْ
سَأَلَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ الله مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ)) وعليك بالإحسان إلى كل
من تعول وادع إلى خير ما استطعت فإنك لن تدعو إلى خير إلاَّ كنت من أهله، ومن أجابك
إليه فلك مثل أجره فيما أجابك من ذلك. ثبت عن رسول الله وَلّ أنه قال: ((مَنْ سَنَّ فِي
الإِسْلام سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ لا يَنْقُصُ ذُلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا)) ولقد
بلغني عن الشيخ أبي مدين أنه سنّ لأصحابه ركعتين بعد الفراغ من الطعام يقرأ في الأولى:
﴿لِإِيَفِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] وفي الآخرة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ ومشت سنّة في أصحابه.
وقد ثبت أنه من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله، وعليك بصلة الأرحام وحافظ على النسب
الذي بينك وبين الله فإنه من الأرحام، وعليك بإنظار المعسر إلى ميسرة فإن الله يقول: ﴿وَإِن
كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٌٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وإن وضعت عنه فهو أعظم لأجرك فإنه قد
ثبت عن رسول الله وَّل أنه قال: ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ الله فِي ظِلْهِ) وأن الله يوم
القيامة يتجاوز عمّن يتجاوز عن عباده، وقد ثبت عن رسول الله وَّ أيضاً أنه قال: ((مَنْ سَرَّهُ
أَنْ يُنْجِيَهُ الله مِنْ كُرَبٍ يَوْمِ القِيَامَةِ فَلْيُنَفْسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعِ عَنْهُ)).
واعلم أن من الإيمان أن تسرك حسنتك وتسوءك سيئتك، واحذر من الكبر والغل
والرين، واستر عورة أخيك إذا أطلعك الله عليها فإن ذلك يعدل إحياء موؤدة، هكذا ورد
النص في ذلك عن رسول الله وَلّ فإن مقادير الثواب لا يدرك بالقياس، وعليك بالسعي في
قضاء حوائج الناس، وقد رأينا على ذلك جماعة من الناس يثابرون عليه وهو من أفضل
الأعمال، وفرّج عن ذي الكربة كربته، واستر على مسلم إذا رأيته في زلّة يطلب التستر بها ولا
تفضحه، وأقل عثرة أخيك المسلم وخذ بيده كلما عثر وأقله بيعته إذا استقالك، فإن ذلك كله
مرغب فيه مندوب إليه مأمور به شرعاً، وهو من مكارم الأخلاق، وعليك بالزهد في الدنيا
ولباس الخشن فإنه قد ورد: ((أنَّهُ مَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبٍ جَمَالٍ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ كَسَاهُ الله حُلَّةَ
الكَرَامَةِ)) وهذا ثابت. وكن من الكاظمين الغيظ إذا قدرت على إنفاذه فإن الله قد أثنى على
الكاظمين الغيظ العافين عن الناس. وقال وَّ: ((مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُنْفِذَهُ مَلَهُ
الله أَمْناً وَإيماناً)) فمن الإيمان كظم الغيظ، واحم أخاك المؤمن ممّن يريد ضرّه ما استطعت
وبما قدرت عليه من ذلك، وإذا نزل بك ضرّ فلا تنزله إلاَّ بالله ولا تسأل في كشفه إلاَّ الله،
وإن قلت بالأسباب فلا يغب الله عن نظرك فيها فإن الله في كل سبب وجهاً، فليكن ذلك الوجه
من ذلك السبب مشهوداً لك.
واعلم أنه ما من نبي إلاَّ وقد أنذر أمته الدجال، وأن رسول الله وَ ال كان يستعيذ من فتنة
الدجال تعليماً لنا أن نستعيذ من ذلك، وفي الاستعاذة من فتنته وجهان: الوجه الواحد

٢٩٥
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
الإستعاذة من فتنته حتى لا تصدّقه في دعواه وأن تعصم منه، ومن أراد أن يعصمه الله من ذلك
فليحفظ عشر آيات من أوّل سورة الكهف فإنه يعصم بها من فتنة الدجال. والوجه الآخر أن
تعصم من أن يقوم بك من الدعوى ما قام بالدجال فتدعي لنفسك دعوته فإنك مستعد لكل
خير وشرّ يقبله الإنسان من حيث ما هو إنسان، وثابر ما استطعت على أن تسأل الله الوسيلة
الرسول 8* فإنه * قد سأل منا ذلك، فالمؤمن من أسعفه في سؤاله مع ما يعود عليه في
ذلك من الخير، أدناه وجوب الشفاعة له يوم القيامة إن اضطر إليها، وإذا رأيت من يتعمل في
تحصيل خير فأعنه على ذلك بما استطعت، ولا تمنع رفدك ممّن استرفدك، وإياك أن تجلد
عبدك فوق جنايته، وإن عفوت فهو أحوط لك فإنك عبد الله ولك إساءة تطلب من الله العفو
عنك لها فاعف عن عبدك، ولا تأكل وحدك ما استطعت ولو لقمة تجعلها في فم خادمك من
الطعام الذي بين يديك إذا لم يجبك إلى الأكل معك، واستغن بالله صدقاً من حالك فإن الله لا
بدّ أن يغنيك فإن استغناءك بالله من القرب إلى الله، وقد ثبت: ((أنَّهُ مَنْ تَقَرَّبَ إلَى الله شِبْراً
تَقَرَّبَ الله مِنْهُ ذِرَاعاً)) الحديث. وكذلك من يستعف بالله روي أن بعض الصالحين لم يكن له
شيء من الدنيا فتزوّج فجاءه ولد وما أصبح عنده شيء فأخذ الولد وخرج ينادي به: هذا جزاء
من عصى الله، فقيل له: زنيت؟ فقال لا. وإنما سمعت الله يقول في كتابه العزيز: ﴿وَلْيَسْتَغْفِفِ
الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ،﴾ [النور: ٣٣] فعصيت أمر الله وتزوجت وأنا لا أجد
نكاحاً فافتضحت فرجع إلى منزله بخير كثير. وإن قدرت على العتق فأعتق رقبة، وإن لم تجد
مالاً ويكون لك علم فاهديه رجلاً منافقاً أو كافراً أو رد به مسلماً عن كبيرة فإنك تعتقه بذلك
من النار وهو أفضل من عتق رقبة، ومن ملك أحد في الدنيا وفكاك العاني أولى من عتق العبد
فإنه عتق وزيادة. واعلم أن الفقير الذي لا يقدر على إحياء أرض ميتة فليحيي أرض بدنه بما
يعمل فيها من الطاعة لله تعالى، وليحيي مواضع الغفلة بذكر الله فيها، وليحيي العمل
بالإخلاص فيه. وإن أردت أن لا يضرك في يومك سحر ولا سم فلتصبح بسبع تمرات من
العجوة أو تسحر بها إن أصبحت صائماً، فإنه كذا ثبت عن رسول الله وضحله. وعليك بخدمة
الفقراء إلى الله ومجالسة المساكين والدعاء للمسلمين بظهر الغيب عموماً وخصوصاً وصحبة
الصالحين والتحبّب إليهم وأنو في جميع حركاتك خيراً مشروعاً فإنك لما نويت، وإذا رأيت
من أعطاه الله مالاً وفعل فيه خيراً وحرمك الله ذلك المال فلا تحرم نفسك أن تتمنى أن تكون
مثله فإن الله يأجرك مثل أجره وزيادة، وإذا جلست مجلساً فاذكر الله فيه ولا بدّ، وإياك أن
تحرم الرفق فإنك إن حرمت الرفق فقد حرمت الخير كله. وأجر من استجار بك إلاَّ في حدّ
من حدود الله فإن كان في حدّ من حدود الخلق فأصلح في ذلك ما استطعت بينه وبين صاحب
الحق ولا تسلمه ولو مضى فيه جميع مالك، وإذا رأيت من يستعيذ بالله فأعذه فإن النبيّ وَ له
تزوج امرأة فلما دخل عليها استعاذت بالله منه لشقاوتها فقال: عذت بعظيم الحقي بأهلك
فطلقها ولم يقربها وأعاذها. وإذا سألك أحد بالله وأنت قادر على مسألته فأعطه وإن لم تقدر
على مسألته فادع له فإنك إذا دعوت له مع عدم القدرة فقد أعطيته ما بلغت إليه يدك من مسألته

٢٩٦
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
فإن الله لا يكلف نفساً إلاَّ ما آتاها، وإذا أسدى إليك أحد معروفاً فلتكافئه على معروفه ولو
بالدعاء إذا عجزت عن مكافأته بمثل ما جاءك به، وإذا أسديت أنت إلى أحد معروفاً فأسقط
عنه المكافأة ولتعلمه بذلك ولتظهر له الكراهة إن كافأك حتى تريح خاطره ولا سيما إن كان من
أهل الله، فإن جاءك بمكافأة على ذلك وتعلم منه أنه يعزّ عليه عدم قبولك لذلك فاقبله منه،
وإن علمت منه أنه يفرح بردّك عليه بعد أن وفى هو ما وجب عليه من المكافأة فردّ عليه
بسياسة وحسن تلطف، واجعل لك الحاجة عنده في قبول ما رددت عليه من ذلك حتى يتحقق
أنه قد قضى لك حاجة في قبول ما رددت عليه من المكافأة.
وإياك أن تدعي ما ليس لك فإن ذلك ليس من المروءة مع ما فيه من الوزر عند الله، وإن
رميت بشيء مذموم فلا تنتصر لنفسك واسكت، ولا تتعرض لمن رماك بأنه يكذب، ولا تقرّ
على نفسك بما لم تفعل ممّا نسب إليك هكذا فعل ذو النون مع المتوكل حين سأله عمّا يقول
الناس فيه من رميه بالزندقة فقال: يا أمير المؤمنين إن قلت لا أكذبت الناس وإن قلت نعم
كذبت على نفسي، فاستحسن ذلك منه أمير المؤمنين وما قبل فيه قول قائل وردّه مكرماً إلى
مصر واعتذر له، وحكايته في ذلك مشهورة ذكرها الناس. وقد ثبتت الأخبار الصحيحة في
إثم من ادّعى ما ليس له أو اقتطع ما لا يجب له من حق الغير، واحذر في يمينك أن تحلف
بملة غير ملة الإسلام أو بالبراءة من الإسلام فإنك إن كنت صادقاً فلن ترجع إلى الإسلام
سالماً، ولتجدد إسلاماً إذا فعلت مثل ذلك، ومع هذا فلا تحلف إلاّ بالله فإنك إن حلفت بغير
الله كنت عاصياً للنهي الوارد في ذلك، وإن حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفر
عن يمينك ولتأت الذي هو خير، وإياك والكذب في الرؤيا أو الكذب على الله أو على رسول
الله أو تحدث بحديث ترى أنه كذب فتحدث به ولا تبين عند السامع أنه كذب. واحذر أن
تسمع حديث قوم وهم يكرهون أن تسمعه فإنه نوع من التجسّس الذي نهى الله عنه. واحذر
أن تخبث امرأة على زوجها أو مملوكاً على سيده. واحذر أن تنام على سطح ماله احتجاز فإن
فعلت فقد برئت منك الذمّة. وإياك أن تحب قيام الناس لك وبين يديك تعظيماً وهذا كثير في
هذه البلاد أعني العراق وما جاوره، فما رأيت منهم أحداً يسلم من حب ذلك مع علمهم بما
فيه، وقد جرت لنا معهم في ذلك حكايات مع علمائهم فما ظنك بعامتهم، وقمت مرّة
لأحدهم فقال لي: لا تفعل، وقال لي: إن النهي قد ورد في ذلك فقلت له: يا فقيه أنت
المخاطب بذلك أن لا تحب أن يتمثل الناس بين يديك قياماً ما أنا المخاطب بذلك إني لا
أقول لمثلك، فتعجب من هذا الجواب واستحسنه وكان من علماء الشريعة. وإياك إن تقبل
هدية من شفعت فيه شفاعة فإن ذلك من الربا الذي نهى الله عنه بنص رسول الله وضع الحلول في ذلك،
ولقد جرى لنا مثل هذا في تونس من بلاد أفريقية دعاني كبير من كبرائها يقال له ابن معتب إلى
بيته لكرامة استعدّها لي فأجبت الداعي فعندما دخلت بيته وقدم الطعام طلب مني شفاعة عند
صاحب البلد وكنت مقبول القول عنده متحكماً فأنعمت له في ذلك وقمت وما أكلت له
مطعاماً ولا قبلت منه ما قدمه لنا من الهدايا وقضيت حاجته ورجع إليه ملكه ولم أكن بعد

٢٩٧
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
وقفت على هذا الخبر النبويّ، وإنما فعلت ذلك مروءة وأنفة، وكان عصمة من الله في نفس
الأمر وعناية إلهية بنا وإياك أن تشفع عند حاكم في حدّ من حدود الله. كلم ابن عباس في
رجل أصاب حدّاً من حدود الله أن يكلم الحاكم فيه فقال ابن عباس: لعنني الله إن شفعت
فيه، ولعن الله أخاكم إن قبل الشفاعة فيه، لو أردتم ذلك لجئتموني قبل أن يصل إلى الحاكم
وكان سارقاً، ثبت في الحديث عن رسول الله وَالرَ: ((مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حُدُودِ اللهِ فَقَدْ
ضَادّ الله)) وإياك أن تخاصم في باطل فتسخط الله عليك، وكذلك لا تعن على خصومة بعلم
تدفع به حقاً، فإن النبيّ بَّ يقول فيمن أعان على ذلك: ((إِنَّهُ يَبُوءُ بِغَضَبٍ مِنَ الله)). ولا تقل
في مؤمن ما ليس فيه ممّا يشينه عند الناس، وقد ثبت أنه من رمى مسلماً بشيء يريد أن يشينه
حبسه الله على جمر جهنم حتى يخرج ممّا قال يعني يتوب، واحذر أن تأكل الدنيا بالدين أو
تأكل مال أحد بإخافته فيعطيك اتقاء، وإياك إن تسمع فيسمع الله بك، سمعت شيخنا المحدث
الزاهد أبا الحسن يحيى بن الصانع بمدينة سبتة ونحن بمنزله يقول: لأكل الدنيا بالدف
والمزمار خير لي من أني آكلها بالدين. وكف لسانك عن اللعنة ما استطعت فإنه من لعن شيئاً
ليس له بأهل رجعت عليه اللعنة أي بعد عنه الخير الذي كان له من ذلك الذي لعنه لو لم
يلعنه، ولقد روينا عن رجل كان في غزاة فضاع له آلة من آلات دابته فسئل عن الضائع فقال:
راح في لعنة الله، ثم إن الرجل استشهد في تلك الغزاة فرآه إنسان في النوم فسأله ما فعل الله به
فقال: إن الله وزن لي كل ما عندي حتى روث الفرس وبوله جعله في ميزاني وأثابني به فلم أر
في الميزان سرج الدابة الذي كان ضاع لي فقلت يا رب وأين سرج دابتي؟ فقال: هو حيث
جعلته في لعنة الله حيث سئلت عنه فحرم خيره فعادت لعنة السرج عليه بهذا المعنى. وكان
رسول اللّه وَّرَ في سفر فسمع امرأة تلعن ناقتها فأمر بها فسيبت وقال: ((لا يَصْحَبُنَا مَلْعُونٌ))
فطردت من الركب، قال الراوي: فلقد كنا نراها تطلب أن تلحق بالركب والناس يطردونها
فتركناها منقطعة فكانت عقوبة صاحبتها أن بعد عنها خيرها وهو ركوبها فحارت اللعنة عليها
فإن اللعنة البعد. واحذر أن تكفر مؤمناً فإن تكفير المؤمن كقتله، ولا تهجر أخاك فوق ثلاث
فإذا لقيته بعد ثلاث فابدأه بالسلام تكن خير الشخصين المتهاجرين. ولما هجر الحسن محمد
ابن الحنفية أخاه وتهاجرا نفذ إليه محمد بن الحنفية بعد ثلاث فقال: يا أخي يا ابن رسول الله:
إن رسول الله وَلَه يقول: ((لا يَهْجُزْ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدّ هُذا وَيَصُدّ لهذا
وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلام)) وقد فرغت الثلاث فإما أن تأتيني فتبدأني بالسلام فإنك خير مني
وإن كنا ابني رجل واحد فأنت سبط رسول الله بَ# فإن خير الرجلين المتهاجرين من يبدأ
بالسلام، وإن لم تفعل جئت إليك فبدأتك بالسلام، فبلغ ذلك الحسن فشكره وركب دابته
وقصد إلى منزله فبدأه بالسلام. فانظر ما أحسن هذا كيف آثر على نفسه من هو أفضل منه
يرجو بذلك المنزلة والمحبة عند رسول الله وَل#، فهكذا ينبغي للعاقل أن يحتاط لنفسه ويأتي
الأفضل فالأفضل ويعرف الفضل لأهله، وقد ثبت أنه من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه.
وإياك واللعب بالنرد فإن في اللعب بالنرد معصية الله ورسوله، وفي الشطرنج خلاف

٢٩٨
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
وكل ما فيه خلاف فالاحتياط أن تخرج من الخلاف باجتنابه، واجتنب القمار بكل شيء
مطلقاً، وكل ما تغفل باللهو به عن أداء فرض من فروض الله عليك أو عن ذكر الله فاجتنبه .
دخل بعض أهل الله من العلماء على قوم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها
عاكفون؟ وإن كان اللعب بالشطرنج حلالاً فالمصوّر له مأثوم إثم المصوّرين. وأخبرني الزكي
شيخنا أحمد بن مسعود بن سداد المقري الموصلي بمدينة الموصل سنة إحدى وستمائة قال :
رأيت رسول الله وَله فقلت له: يا رسول الله ما تقول في الشطرنج يعني في اللعب به؟ قال ◌َليرى:
حلال، وكان الرائي حنفي المذهب، قال: فقلت والنرد؟ قال: حرام، قال قلت: يا رسول الله
ما تقول في الغناء؟ قال: حلال، قلت: فالشبابة؟ قال: حرام، قال قلت: يا رسول الله ادع الله
لي فقد مستني الحاجة أو كما قال ممّا هذا معناه، قال ◌َ له رزقك الله ألف دينار كل دينار من
أربعة دراهم، واستيقظت فدعاني الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله في
شغل فلما خرجت من عنده أمر لي بأربعة آلاف درهم فما بتّ إلاَّ والدراهم عندي كاملة التي
عيّنها لي في دعائه رسول الله وَّ، قال: فاعتقدت من تلك الساعة تحليل الشطرنج الذي كنت
أعتقد تحريمه وتحريم الشبابة وكنت أعتقد النقيض في هذين الشيئين.
وإياك وتصديق الكهان وإن صدقوا، واجتنب ما استطعت الاستمطار بالأنواء وعلم
النجوم اجتنبه مطلقاً احتياطاً إلاَّ ما يحتاج منه إلى معرفة الأوقات، والوقوف عند قول الشارع
هو طريق النجاة وتحصيل السعادة وما ندندن إلاَّ على ذلك، واحذر أن تنام وفي يدك دسم أو
على ظاهر فمك من أجل الهوام والشياطين، وإياك أن تشاقق على أحد ولا تضارره ولا تكن
ذا وجهين تأتي قوماً بوجه وقوماً بوجه، واحذر من الاحتكار لانتظار الغلاء لأمة محمد عليه
السلام. ولا تتخذ كلباً إلاَّ أن تكون في أمر تطلب الحراسة فيه أو صيد، ولا تغصب مسلماً
شيئاً ولا ذميّاً ولا ذا عهد، وإذا ضربت مملوكاً أو مملوكة حدّاً لم يأته أو لطمته في وجهه
فأعتقه فإن كفارة فعلك به ذلك عتقه، ولا ترم مملوكك ولا مملوكتك بالزنى من غير علم فإن
الله يقيم عليك الحدّ في ذلك يوم القيامة .
واحذر من اتباع الصيد والمداومة عليه ولزوم البادية فإن الصيد يورث الغفلة وسكنى
البادية يورث الجفاء، وإياك وصحبة الملوك إلاّ أن تكون مسموع الكلمة عندهم فتنفع مسلماً
أو تدفع عن مظلوم أو ترد السلطان عن فعل ما يؤدي إلى الشقاء عند الله، وعليك بالوفاء
بالنذر إذا نذرت طاعة فإن نذرت معصية فلا تعص الله وكفر عن ذلك كفارة يمين فإنه أحوط
وأرفع للخلاف. وعليك بطاعة أولي الأمر من الناس ممّن ولاه السلطان أمرك فإن طاعة أولي
الأمر واجبة بالنص في كتاب الله، وما لهم أمر يجب علينا امتثال أمرهم فيه إلاَّ المباح لا الأمر
بالمعاصي، فإن غصبوك فاقبل غصبهم في بعض أحوالك، وإن أمروك بالغصب فلا تغصب
ولا تفارق الجماعة ولا تخرج يداً من طاعة فتموت ميتة جاهلية بنص رسول الله وَاليه، ولا
تخرج على الأمة ولا تنازع الأمر أهله، وقاتل مع الأعدل من الاثنين، وأوف لذي العهد بعهده
ولذي الحق بحقه، ولا تحمل السلاح في الحرم لقتال، وإذا دخلت السوق بسهام فأمسك

٢٩٩
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
على نصالها لا تعقر أحداً وأنت لا تشعر، ولا تمازح أخاك بحمل السلاح عليه وأكرم شعرك
وغبّ بترجيله واكتحل وإذا اكتحلت فاكتحل وتراً واشرب مصاً ولا تتنفس في الإناء إذا شربت
وأزل الإناء عن فمك، وكل بثلاث أصابع وصغر اللقمة وكثر مضغها ولا تشرع في لقمة
أخرى حتى تبتلع الأولى، وسمّ الله عند قطع كل لقمة واحمد الله إذا ابتلعتها واشكره على أنه
سوغك إياها .
ولا تجلس في مجلس أحد إذا قام منه بنية الرجوع إليه إلاَّ أن يفارقه ولا يريد الرجوع
إليه، وكان ابن عمر رضي الله عنه إذا قام أحد إليه من مكانه ليجلسه فيه يمتنع عليه ولا يجلس
فإن القائم أحق به بنص رسول الله وَل#، ولا ترد طيباً إذا عرض عليك ولا لبناً ولا وسادة إذا
قدم إليك شيء من هذا كله، وإذا أخذت ديناً فأنو قضاءه ولا بدّ فإن الله يقضيه عنك إذا نويت
ذلك، واعدل بين نسائك وفي رعيتك إن كنت راعياً تسعد إن شاء الله.
وصية: والذي أوصيك به إن كنت عالماً فحرام عليك أن تعمل بخلاف ما أعطاك
دليلك، ويحرم عليك تقليد غيرك مع تمكنك من حصول الدليل، وإن لم تكن لك هذه
الدرجة وكنت مقلداً فإياك أن تلتزم مذهباً بعينه بل اعمل كما أمرك الله فإن الله أمرك أن تسأل
أهل الذكر إن كنت لا تعلم، وأهل الذكر هم العلماء بالكتاب والسنّة فإن الذكر القرآن بالنص،
واطلب رفع الحرج في نازلتك ما استطعت فإن الله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ خَرَجَّ﴾
[الحج: ٧٨] وقال ◌َّ: (دِينُ اللهِ يُسْرٌ)) فأسأل عن الرخصة في المسألة حتى تجدها فإذا وجدتها
اعمل بها، وإن قال لك المفتي: هذا حكم الله أو حكم رسول الله في مسألتك فخذ به، وإن
قال لك: هذا رأيي فلا تأخذ به وسل غيره، وإن أردت أن تأخذ بالعزائم في نوازلك فافعل
ولكن فيما يختص بك ورفع الحرج هو السنّة، وإذا علمت علماً من علوم الشريعة فبلغه من لا
يعلمه تكن من حملة العلم لمن لا يعلم، وإياك أن تكتم ما أنزل الله من البينات للناس إذا
علمت ذلك، وعليك بالسماحة في بيعك وابتياعك، وإذا اقتضيت فكن سمحاً في اقتضائك،
واجتنب الوشم أن تعمله أو تأمر به وكذلك التنميص وهو إزالة الشعر من الوجه بالنماص
والنماص هو الذي يسمونه العوام الجفت، وكذلك التفليج فإن رسول الله يقول: (لَعَنَ الله
الوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوْشِمَةَ وَالنَّامِصَةَ وَالمُتَنَمِّصَةَ وَالوَاشِرَةَ وَالمُسْتَوْشِرَةَ)» وَهِيَ الَّتِي تفلج أسنانها
((وَالوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوْصِلَةَ المُغَيِّرَاتِ خَلْقِ الله)) وَالوَاصلة هي التي تصل شعرها.
واحذر أن تعير عباد الله بما ابتلاهم الله به في خلقهم وفي خلقهم وما قدر عليهم من
المعاصي، وسل الله عزّ وجلّ العافية ما استطعت، وكن على نفسك لا تكن لها إن أردت أن
تسعدها عند الله، وإياك وما تستحليه النفس إلاَّ أن يكون معها الشرع في ذلك فهو الميزان،
وإياك أن تذبح ذبيحة لغير الله ولا تأكل ممّا أهل لغير الله وما لم يذكر اسم الله عليه فإنه فسق
بنص القرآن، ولا يستميلونك أهل الذمّة إلى ما يتبركون به في دينهم فإن ذلك من الأمور
المهلكة عند الله، ولقد رأيت بدمشق أكثر نسائها يفعلن ذلك ورجالهن يسامحونهن في ذلك
وهو أنهم يأخذون الصبيان الصغار ويحملونهم إلى الكنيسة حتى يبرك القس عليه ويرشونهم

٣٠٠
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
بماء المعمودية بنية التبرك وهذا قرين الكفر بل هو الكفر عينه وما يرتضيه مسلم ولا الإسلام
ويقربون القرابين لذلك. واحذر أن تؤوي محدثاً أحدث في دين الله أمراً يبعد عن الله ويرذه
الدين مثل هذا الذي ذكرناه وإياك أن تغير حدود الأرض فإن ذلك غصب، وقد لعن رسول
الله وَّر من غير منار الأرض، احذر أن تمثل بحيوان أو تتخذه غرضاً أو يتخذه غيرك ولا تنهاه
عنه، وإياك ونكاح البهائم، ولقد كان عندنا رجل صالح قليل العلم قد انقطع في بيته فاشترى
حمارة لم تعلم له حاجة إليها فسأله بعض الناس بعد سنين وقال له ما تصنع بهذه الحمارة
ومالك حاجة إليها ولا تركبها؟ فقال: يا أخي ما اشتريتها إلاَّ عصمة لديني أنكحها حتى لا
أزني فقال له: إن ذلك حرام فبكى وتاب إلى الله من ذلك وقال: والله ما علمت، فعليك
بالبحث عن دينك حتى تعلم ما يحل لك أن تأتي منه ممّا لا يحل لك أن تأتيه في تصرفاتك.
وصية: إذا سألت المغفرة وهي طلب الستر فاسأل أن يسترك عن الذنب أن يصيبك
فتكون معصوماً أو محفوظاً، وإن كنت صاحب ذنب فاسأله أن يسترك أن يصيبك عقوبة
الذنب، وإياك أن تظهر إلى الناس بأمر يعلم الله منك خلافه، فلقد أخبرني الثقة عندي عن
الشيخ أبي الربيع الكفيف المالقي كان بمصر يخدمه أبو عبد الله القرشي المبتلي فدخل عليه
الشيخ وسمعه يقول في دعائه: اللهمّ يا رب لا تفضح لنا سريرة فصاح فيه الشيخ وقال له: الله
يفضحك على رؤوس الأشهاد يا أبا عبد الله ولأي شيء تظهر لله بأمر وللناس بخلافه؟ اصدق
مع الله عزّ وجلّ في جميعٍ أحوالك ولا تضمر خلاف ما تظهر، فتاب إلى الله من ذلك ورجع،
وليس للمغفرة متعلق إلاَّ أن يسترك من الذنب أو يسترك من العقوبة عليه بقول الله سبحانه
لنبيه وَلّ: ﴿لَيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] فما تقدم لا يعاقبك عليه وما
تأخر لا يصيبك. وهذا إخبار من الله بعصمته وعليه: أخبرني سليمان الدنبلي وكان عبداً صالحاً
فيما أحسب كثير البكاء وكان له أنس بالله فقعدت معه بمقصورة الدولعي زاوية عائشة بجامع
دمشق وجرى بيني وبينه كلام فقال لي: يا أخي لي والله أكثر من خمسين سنة ما حدثتني نفسي
بمعصية قط لله الحمد على ذلك، واحذر يا أخي من التنطع في الكلام والتشدق، وإياك أن
يستعبدك غير الله من عرض من عروض الدنيا فإنك عبد لمن استعبدك وإياك والتكبر
والجبروت وتفقد مصالح ما عندك من الحيوانات من بهيمة وفرس وجمل وهرّة وغير ذلك ولا
تغفل عنهم فإنهم خرس وأمانات بأيديكم إذا أنتم حبستموها عن مصالحها، وإياك أن تحدث
أخاك بحديث يرى أنك فيه صادق فيصدقك وأنت فيه كاذب، لا تحقر أخاك شيئاً من نعيم الله
وإن قلّ، ولا تزدر أحداً من عباد الله، واملك نفسك عند الغضب وعليك بتحمّل الأذى من
عباد الله والصبر عليه فليس أحد أصبر على أذى يسمعه من الله إنهم ليدعون له ولداً وهو
يرزقهم ويعافيهم، فاجعل الحق أمامك وعامل عباده بما عاملهم به. نزل مشرك بإبراهيم
الخليل فاستضافه فقال له إبراهيم عليه السلام: حتى تسلم، فقال: يا إبراهيم لا أفعل
وانصرف فأوحى الله إليه يا إبراهيم من أجل لقمة يترك دينه ودين آبائه إنه ليشرك بي منذ سبعين
سنة وأنا أرزقه فخرج إبراهيم عليه السلام في أثر الرجل فعرض عليه الرجوع فاستخبره عن