النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
وصية: وعليك بإسباغ الوضوء على المكاره وذلك في زمان البرد، واحذر من الالتذاذ
باستعمال الماء البارد في زمان الحرّ فتسبغ الوضوء الالتذاذك به في زمان الحرّ، فتتخيل أنك
ممّن أسبغ الوضوء عبادة وأنت ما أسبغته إلاَّ لوجود الالتذاذ به لما أعطاه الحال والزمان من
شدّة الحرّ، فإذا أسبغته في شدّة البرد صار لك عادة. وقال رسول الله وَل﴾: ((الخَيْرُ عَادَةٌ))
فاصحب تلك النية في زمان الحرّ فإن غلبتك النفس على الإسباغ بما تجده من اللذة
المحسوسة في ذلك فاعلم أن الإلتذاذ هنا إنما وقع بدفع ألم الحرّ وإزالته، فانو في ذلك دفع
الألم عن نفسك، ألا ترى قاتل نفسه كيف حرّم الله عليه الجنة؟ فحق النفس على صاحبها
أعظم من حق الغير عليه، فكذلك يؤجر في دفع الألم عن نفسه، وأن الله يرفع بإسباغ الوضوء
على المكاره درجة العبد ويمحو الله به الخطايا، قال رَ اليه: ((ألاَ أَنَبِّئُكُمْ بِمَا يَمْحُو الله بِهِ الخَطَايَا
وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ إسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ) فهذا محو الخطايا فإنه تنظيف وتطهير. ثم
قال: ((وَكَثْرَةُ الخُطَا إلى المَسَاجِدِ)) فإنه سلوك في صعود ومشي. ثم قال تمام الحديث وهو:
((وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّيَاطُ)) والرباط الملازمة من
ربطت الشيء وبالانتظار قد ألزم نفسه، فربط الصلاة بالصلاة المنتظرة بمراقبة دخول وقتها
ليؤذّيها في وقتها، وأي لزوم أعظم من هذا؟ فإنه يوم واحد مقسم على خمس صلوات ما منها
صلاة يؤدّيها فيفرغ منها إلاّ وقد ألزم نفسه مراقبة دخول وقت الأخرى إلى أن يفرغ اليوم ويأتي
يوم آخر فلا يزال كذلك فما ثم زمان لا يكون فيه مراقباً لوقت أداء صلاة لذلك آكده بقوله
ثلاث مرات. فانظر إلى علم رسول الله وَليه بالأمور حتى أنزل كل عمل في الدنيا منزلته في
الآخرة وعين حكمه وأعطاه حقه، فذكر وضوء ومشياً وانتظاراً، وذكر محواً ورفع درجة
ورباطاً ثلاث لثلاث، هذا يدلك على شهوده مواضع الحكم، ومن هنا وأمثاله قال عن نفسه :
((أنه أوتي جَوَامِعَ الكَلِمِ)).
وصية: وعليك بمراعاة كل مسلم من حيث هو مسلم، وساو بينهم كما سوّى الإسلام
بينهم في أعيانهم، ولا تقل هذا ذو سلطان وجاه ومال وكبير وهذا صغير وفقير وحقير، ولا
تحقر صغيراً ولا كبيراً في ذمته، واجعل الإسلام كله كالشخص الواحد والمسلمين كالأعضاء
لذلك الشخص، وكذلك هو الأمر، فإن الإسلام ماله وجود إلاَّ بالمسلمين، كما أن الإنسان
ماله وجود إلاَّ بأعضائه وجميع قواه الظاهرة والباطنة، وهذا الذي ذكرناه هو الذي راعاه رسول
الله وَّ فيما ثبت عنه من قوله في ذلك: ((المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأَ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَذْنَاهُمْ وَهُمْ
يَدٌ وَاحِدَةٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ)) وقال: ((المُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إن اشْتَكَى عَيْنَهُ اشْتَكَى كُلُّهُ وَإِنْ
اشْتَكَى رَأْسَهُ اشْتَكَى كُلُّهُ)) ومع هذا التمثيل فأنزل كلّ واحد منزلته كما أنك تعامل كل عضو
منك بما يليق به وما خلق له، فتغض بصرك عن أمر لا يعطيه السمع، وتفتح سمعك لشيء لا
يعطيه للبصر، وتصرف يدك في أمر لا يكون لرجلك وهكذا جميع قواك، فتنزل كل عضو
منك فيما خلق له كذلك، وإن اشترك المسلمون في الإسلام وساويت بينهم فاعط العالم حقّه
من التعظيم والإصغاء إلى ما يأتي به، واعط الجاهل حقّه من تذكيرك إياه وتنبيهه على طلب

٢٦٢
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ..
العلم والسعادة، واعط الغافل حقه بأن توقظه من نوم غفلته بالتذكر لما غفل عنه ممّا هو عــ
به غير مستعمل علمه وكذلك الطائع والمخالف، واعط السلطان حقه من السمع والطاعة فيهـ
هو مباح لك فعله وتركه، فيجب عليك بأمره ونهيه أن تسمع له وتطيع، فيعود لأمر السلف.
ونهيه ما كان مباحاً قبل ذلك واجباً أو محظوراً بالحكم المشروع من الله في قوله: ﴿وَأُوْلِ الْأَمِّ
مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] واعط الصغير حقّه من الرفق به والرحمة له والشفقة عليه، واعط الكبير حقه
من الشرف والتوقير فإنّ من السنّة رحمة الصغير وتوقير الكبير ومعرفة شرفه، ثبت عن رسول
اللهَ وَّ أنه قال: ((لَيْسَ مِنَّ مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنا وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا)) وفي حديث: ((وَيُوَقْر
كَبِيرَنَا» وعليك برحمة الخلق أجمع ومراعاتهم كانوا ما كانوا فإنهم عبيد الله وإن عصوا.
وخلق الله وإن فضل بعضهم بعضاً فإنك إذا فعلت ذلك أو جرت فإنه وَّر قد ذكر أنه في كل
ذي كبد رطبة أجر ألا ترى إلى الحديث الوارد في البغي أن بغياً من بغايا بني إسرائيل وهي
الزانية مرّت على كلب قد خرج لسانه من العطش وهو على رأس بئر فلما نظرت إلى حاله
نزعت خفها وملأته بالماء من البئر وسقت الكلب فشكر الله فعلها فغفر لها بكلب. وأخبرني
الحسن الوجيه المدرس بملطية الفارسيّ عن والي بخارى وكان ظالماً مسرفاً على نفسه فرأى
كلباً أجرب في يوم شديد البرد وهو ينتفض من البرد فأمر بعض شاكريته فاحتمل الكلب إلى
بيته وجعله في موضع حارّ وأطعمه وسقاه ودفي الكلب فرأى في النوم أو سمع هاتفاً الشك
مني يقول له: يا فلان كنت كلباً فوهبناك لكلب فما بقي إلاَّ أيام يسيرة ومات فكان له مشهد
عظيم لشفقته على كلب وأين المسلم من الكلب؟ فافعل الخير ولا تبال فيمن تفعله تكن أنت
أهلاً له، ولتأت كل صفة محمودة من حيث ما هي من مكارم الأخلاق تتحلى بها وكن محلاً
لها لشرفها عند الله وثناء الحق عليها، فاطلب الفضائل لأعيانها، واجتنب الرذائل العرفية
لأعيانها، واجعل الناس تبعاً لا تقف مع ذمّهم ولا حمدهم إلاَّ أنك تقدّم الأولى فالأولى إن
أردت أن تكون مع الحكماء المتأذّبين بآداب الله التي شرعها للمؤمنين على ألسنة الرسل عليهم
السلام .
واعلم أن المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً وما في العالم إلاَّ مؤمن
لأن ما في العالم إلاَّ من هو ساجد لله إلاَّ بعض الثقلين من الجنّ والإنس، فإن في الإنسان
الواحد منهم كثيراً ممّن يسبح الله ويسجد لله وفيه من لا يسجد لله وهو الذي حق عليه
العذاب، انظر في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ﴾ [النساء: ١٣٦] فسمّاهم مؤمنين وأمرهم
بالإيمان، فالأوّل عموم الإيمان فإن الله قال في حق قوم: ﴿ وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاَلْنَطِلِ﴾ [العنكبوت:
٥٢] والثاني خصوص الإيمان وهو المأمور به، والأوّل إقرار منهم من غير أن يقترن به تكليف
بل ذلك عن علم، وأيسره في بني آدم حين أشهدهم علي أنفسهم كما قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ
بَنِيّ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فخاطبهم
بالمؤمنين حين أيه بهم، ثم أمرهم بالإيمان في هذه الحالة الأخرى وما تعرّض للتوحيد
المطلق رحمة بهم فإنه القائل: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] الشرك

٢٦٣
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
الخفيّ وقد ذكرناه فلذلك قال لهم: ﴿ءَامَنُواْ بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦] ولم يقل بتوحيد الله، فمن آمن
بوجود الله فقد آمن، ومن آمن بتوحيده فما أشرك، فالإيمان إثبات والتوحيد نفي شريك، ومن
أسماء الله المؤمن وهو يشدّ من المؤمن المخلوق، قال رَّ: ((يَرْحَمُ الله أخِي لُوطاً لَقَدْ كَانَ
يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ)) وهو الاسم المؤمن، فالمؤمن يشدّ من المؤمن فافهم.
وصية: كن عمري الفعل فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: من خدعنا في الله
انخدعنا له، فاحذر يا أخي إذا رأيت أحداً يخدعك في الله وأنت تعلم بخداعه إياك فمن كرم
الأخلاق أن تنخدع له ولا توجده أنك عرفت بخداعه وتباله له حتى يغلب على ظنّه أنه قد أثر
فيك بخداعه ولا يدري أنك تعلم بذلك، لأنك إذا أقمت في هذه الصفة فقد وفيت الأمر
حقه، فإنك ما عاملت إلاّ الصفة التي ظهر لك بها، والإنسان إنما يعامل الناس لصفاتهم لا
لأعيانهم، ألا تراه لو كان صادقاً غير مخادع لوجب عليك أن تعامله بما ظهر لك منه وهو ما
يسعد إلاَّ بصدقه كما أنه يشقى بخداعه ونفاقه فإن المخادع منافق، فلا تفضحه في خداعه
وتجاهل له وانصنع له باللون الذي أراده منك أن تنصبغ له به، وادع له وارحمه عسى الله أن
ينفعه بك ويجيب فيه صالح دعائك، فإنك إذا فعلت هذا كنت مؤمناً حقاً فإن المؤمن غر كريم
لأن خلق الإيمان يعطي المعاملة بالظاهر، والمنافق خب لئيم أي لئيم على نفسه حيث لم
يسلك بها طريق نجاتها وسعادتها، كن رداء وقميصاً لأخيك المؤمن وحطه من ورائه واحفظه
في نفسه وعرضه وأهله وولده فإنك أخوه بنص الكتاب العزيز، واجعله مرآة ترى فيها نفسك،
فكما تزيل عنك كل أذى تكشفه لك المرآة في وجهك كذلك فلتزل عن أخيك المؤمن كل
أذى يتأذى به في نفسه فإن نفس الشيء وجهه وحقيقته.
وصية: واحفظ حق الجار والجوار وقدم الأقرب داراً إليك فالأقرب وتفقد جيرانك ممّا
أنعم الله به عليك فإنك مسؤول عنهم وادفع عنهم ما يتضرّرون به كان الجيران ما كانوا، وما
سميت جاراً له وجاراً لك إلاّ لميلك إليه بالإحسان وميله إليك ودفع الضرر مشتق من جار إذا
مال فإن الجور الميل، فمن جعله من الجور الذي هو الميل إلى الباطل والظلم في العرف فهو
كمن يسمّى اللديغ سليماً في النقيض، وفي هذا فغلبت حق الجوار كان الجار ما كان كأنه
يقول، وإن كان الجار من أهل الجور أي الميل إلى الباطل بشرك أو كفر فلا يمنعنك ذلك منه
عن مراعاة حقّه فكيف بالمؤمن؟ فحق الجار إنما هو على الجار، وأعجب ما رويته في ذلك
عن بعض شيوخنا فذكر من مناقب بعض الأعراب أن جراداً نزل بفناء بيته فخرجت الأعراب
إليه بالعدد ليقتلوه ويأكلوه فقال لهم صاحب البيت: ما تبتغون؟ فقالوا له: نبتغي قتل جارك
يريدون الجراد فقال لهم: بعد أن سميتموه جاري فوالله لا أترك لكم سبيلاً إليه وجرّد سيفه
يذب عنه مراعاة لحق الجوار. فهذا كما سئل مالك بن أنس عن أكل خنزير البحر فقال: هو
حرام فقيل له: إنه سمك من حيوان البحر الذي أحلّ الله أكله لنا فقال لهم مالك: أنتم
سميتموه خنزيراً ما قلتم ما تقول في سمك البحر فاهجر ما نهاك الله عنه وقد نهاك عن أذى
الجار فاهجر أذاه ﴿آدْفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَُّ وَلِىُّ حَمِيةٌ وَمَا

٢٦٤
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
يُلَقَّنِهَاآَ ﴿٨َ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّتُهَا إِلَّا ذُو حَظٍ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤-٣٥] وفيما روينا من
الأخبار في سبب نزول هذه الآية أن أعرابياً جاء إلى رسول الله ولو من المشركين من فصحاء
العرب وقد سمع أن الله قد أنزل عليه قرآناً عجز عن معارضته فصحاء العرب فقال له: يا
رسول الله هل فيما أنزل عليك ربك مثل ما قلته؟ فقال له رسول الله وَ له: ((وما قلت؟)) فقال
الأعرابي: قلت: [الطويل]
تَحِيَّتُكَ القُرْبَى فقد ترفع النَّفَلْ
وحَيِّ ذوي الأضْغان تَسْبي عُقُولَهُم
وإن سَتَرُوا عنكِ المَلامةَ لم تُبَلْ
وإنْ جَهَرُوا بالقَوْل فاعْفُ تَكَرُّماً
وإن الذي قد قيل خَلْفَكَ لم يُقَلْ
فإن الذي يؤذيك منه استماعه
فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا ◌َتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَا السَِّئَةُ أَدْفَعْ بِأَلَّتِىِ هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ
وَبَيْنَمُ عَدَوَّةٌ كَأَنَُّ وَلِىُّ حَمِيمٌ ﴿ وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُكَفَّنَهَا إِلَّا ذُو حَظٍ عَظِيمٍ ﴾
[فصلت: ٣٤- ٣٥] فقال الأعرابي: هذا والله هو السحر الحلال، والله ما تخيلت ولا كان في
علمي أنه يزاد أو يؤتى بأحسن ممّا قلته، أشهد أنك رسول الله، والله ما خرج هذا إلاَّ من ذي
أل، فمثل هؤلاء عرفوا إعجاز القرآن، أترى يا وليي يكون هذا الأعرابي فيما وصف به نفسه
بأكرم من الله في هذا الخلق في تحمّل الأذى وإظهار البشر والمخالفات عن العقوبة والعفو مع
القدرة وتهوين ما يقبح على النفس والتغافل عمّن أراد التستر عنك بما يشينه لو ظهر به، بل
والله أكرم منه وأكثر تجاوزاً وعفواً وحلماً وأصدق قيلاً، فإن هذا القول من العربي وإن كان
حسناً فما يدرى عند وقوع الفعل ما يكون منه والحق صادق القول بالدليل العقليّ، فما يأمر
بمكرمة إلاّ وهي صفته التي يعامل بها عباده، ولا ينهى عن صفة مذمومة لئيمة إلاَّ وهو أنزه
عنها، لا إله إلاَّ هو العزيز الحكيم الغفور الرحيم، انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فنصرة
الظالم من حيث ما هو مظلوم، فإن الشيطان ظلمه بما وسوس إليه به في صدره من ظلم غيره
فتنصره بأن تعينه على دفع ما ألقى الشيطان عنده من تزيينه ظلم الغير حتى سمّي بظالم، فما
نصرته إلاَّ لكونه مظلوماً لمن وسوس في صدره وحال بينه وبين الهدى الذي هو له ملك
فابتاعه منه الشيطان بالضلالة فاشترى الضلالة بالهدى فسمّي ظالماً، فإذا أبنت له أنت بنصحك
وأفتيته أن هذا البيع مفسوخ لا يجوز شرعاً فلا ينعقد وإن صفقته خاسرة وتجارته بائرة فقد
نصرته مع كونه ظالماً فرجع عن ظلمه وتاب وذلك هو فسخ البيع، يقول الله في مثل هؤلاء:
﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَّةَ بِلْهُدَى فَمَا رَبِحَت ◌َّجَرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] فإياك
أن تخذل من استنصر بك وقد قال مع غناه عنك: ﴿إِن نَنصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرَّكُمْ﴾ [محمد: ٧] فطلب
منكم أن تنصروه وما هو إلا هذا، ولا تظلمه فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، ومن كان سعيه
في ظلمة لا يدري متى يقع في مهواه أو ما يؤذيه في طريقه من هوام يكون في أذاه هلاكه،
وأوصيتك لا تحقر أحداً من خلق الله فإن الله ما احتقره حين خلقه: [البسيط]
قَدْراً ولو جُمِعَتْ لك المَقَامَاتُ
لا تَحْقِرَنَّ عِبَادَ الله إنّ لهم
فلا يكون الله يظهر العناية بإيجاد من أوجده من عدم وتحقره أنت فإن في ذلك تسفيه

٢٦٥
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
من أوجده واحتقاره نعوذ بالله أن نكون من الجاهلين، فإن هذا من أكبر الكبائر، فالكل نعم
الله يتغذى بها عباد الله كانوا ما كانوا، قال وَالَ: ((لا تَحْقِرَنَّ إحْدَاكُنَّ ما تُهْدِيهِ لِجَارَتِهَا وَلَوْ
فِرْسِنَ شَاةٍ فَإِنَّ الاخْتِقَارَ جَهْلٌ مَخْضٌ)) ولا تكن لعاناً ولا سباباً ولا سخاباً فإن لعن المؤمن مثل
قتله سواء، لقي عيسى عليه السلام خنزيراً فقال له: انج بسلام، فقيل له في ذلك فقال عليه
السلام: ((ما أريد أن أعَوِّدَ لساني إلاَّ قول الخير))، كن حديثاً حسناً، وفي ذلك قلت: [الرمل]
فلتَكُنْ خَيْرَ حَدِيثٍ يُسْمَعُ
إنما الناسُ حديثٌ كُلُّهُم
فَلْتَكُنْ أقْوَى مِجَنْ يَدْفَعُ
وإذا شَاكَتْكَ منهم شَوْكَةٌ
أنت والله إمامٌ يَنْفَعُ
وإذا ما كنتَ فيهم هكذا
وهي للنَّاظِرٍ نُورٌ يَسْطَعُ
إنما الشمعةُ تؤذي نَفْسَها
نعمةٌ في يد شَخْصٍ يَمْنَعُ
إنما اللَّوْمُ الذي تعرفُهُ
وصية: إياك والخيلاء، وارفع ثوبك فوق كعبك أو إلى نصف ساقك، روي عن رسول
اللهِ وَ﴿ أنه قال: ((أُزْرَةُ المُؤْمِنِ إلى نِصْفِ سَاقِهِ)) أو كما قال. ولعلي بن أبي طالب في ذلك:
[المجتث]
أنْقَى وأبْقَى وأتْقَى
تَقْصِيرُكَ الثَّوْبَ حَقًّا
فأما قوله أنقى فلارتفاعه عن القاذورات التي تكون في الطرق والنجاسات. وأما قوله
أبقى فإن الثوب إذا طال حكّ في الأرض بالمشي فيسارع إليه التقطيع فيقل عمر الثوب فإنه
يخلق بالعجلة إذا طال بما يصيب الأرض منه. وأما قوله أتقى فإنه مشروع أعني تقصير الثوب
إلى نصف الساق، والمتقي من جعل الشرع له وقاية وجنة يتقي به ما يؤذيه من شياطين الإنس
والجن وأن الله لا ينظر لمن يجر ثوبه خيلاء، وإياك أن تسأل الناس تكثراً وعندك ما يغنيك في
حال سؤلك، فإن المسألة خدوش أو خموش في وجهك يوم القيامة، فإذا اضطررت ولم
تقدر على شغل فسل قوتك ولا تتعداه إذا لم يرزقك الله يقيناً وثقة به وكفارة ذلك السؤال عدم
تكثرك واقتصارك في المسألة على بلغة وقتك فإن مسألة المؤمن حرق النار، ومعنى ذلك أن
المؤمن يجد عند سؤاله مخلوقاً مثله في دفع ضرورته مثل حرق النار في قلبه من الحياء في
ذلك حيث لم ينزل مسألته ودفع ضرورته بربه الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو الذي يسخر
له هذا المسؤول منه حتى يعطيه، ومن وجد ذلك تعزّزاً وتكبّراً حيث التجأ إلى مخلوق مثله
فذلك من شرف همته من حيث لا يشعر، وشرف الهمة أحسن من دناءة الهمة فإن العبد يتعزز
على عبد مثله، كما أن فخره وشرفه في فقره إلى سيده وسؤاله في دفع ضروراته وملماته
وقضاء مهماته .
وصية: إذا رأيت أنصارياً أو أنصارية وإن كان عدواً لك فلتحبه الحب الشديد، واحذر
أن تبغضه فتخرج من الإيمان، فإن النبي ◌ّ لقي امرأة من الأنصار في طريقه فقال لها: ((إِنَّكُمْ
لَمِنْ أحَبِّ خَلْق الله إلىَّ)) وثبت عن رسول الله وَّهَ أنه قال: ((آيَةُ الإيمانِ حُبُّ الأنْصَارِ وَآيَةُ
النَّفَاقِ بُغْضُ الأنْصَارِ)). واعلم أن كل من نصر دين الله في أي زمان كان فهو من الأنصار وهو

٢٦٦
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
داخل في حكم هذا الحديث. واعلم أن الأنصار لدين الله رجلان: الواحد نصر دين الله ابتداء
من نفسه من غير أن يعرف وجوب ذلك عليه، ورجل عرف نصرة الدين عليه بقوله: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ أَنْصَارَ الَهِ﴾ [الصف: ١٤] فأمرهم بنصرة الله فأدى واجباً في نصرته فله أجر النصرة
وأجر أداء الواجب بما نواه من امتثال أمر الله في ذلك وتعين عليه. ولو كفاه غيره مؤنة ذلك
فلا يتأخر عن أمر الله، ونصرة الله قد تكون بما يعطي من العلم المظهر للحق الدافع للباطل
فهو جهاد معنوي محسوس فكونه معنوياً لأن الباطن يقبله فإن العلم متعلقه النفس، وأما كونه
محسوساً فما يتعلق بذلك من العبارة عنه باللسان أو الكتابة فيحصل للسامع أو الناظر بطريق
السمع من المتكلم أو بطريق النظر من الكتابة، وجهاد العدو نصرة محسوسة ما هي معنوية
فإنه ما نال العدو من المقاتل له شيئاً في الباطن بردّه عن اعتقاده كما ناله من العالم إذا علمه
وأصغى إليه ووفقه الله للقبول وفتح عين فهمه لما يورده عليه العالم في تعليمه وهي أعظم
نصرة وهو أعظم أنصاري لله، يقول النبيّ وَّ: ((لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِمَّا
طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ)) وقد طلعت الشمس على كل عالم عامل بخير فأنت خير منه إذا نصرت
بتعليم العلم دين الله في نفس هذا المخاطب. وعليك بصدق الحديث وأداء الأمانة وصدق
الوعد فاجتنب الكذب والخيانة وخلف الوعد، وإذا خاصمت أحداً فلا تفجر عليه فإن علامة
المنافق وآيته إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان وإذا خاصم فجر، وأعظم
الخيانة أن تحدث أخاك بحديث يرى أنك صادق فيه وأنت على غير ذلك، وإن الإنسان إذا
كذب الكذبة تباعد منه الملك ثلاثين ميلاً من نتن ما جاء به، وكذلك الشيطان إذا أمر ابن آدم
بالمعصية فعصى تبرأ منه الشيطان خوفاً من الله تعالى، فاعمل على ذوق هذه الروائح المعنوية
واستنشاقها، فإن له حجباً على أنفك تمنعك من إدراك أنتن ذلك، فلا يكن الشيطان مع كفره
أدرك للأمور وأخوف من الله منك، واعتبر في تبريه من ذلك فإنها خميرة من الله في قلبه إلى
زمان ما يظهر حكمها فيه مع كونه مجبولاً على الإغواء كما هو مجبول على التبري والخوف
من الله، أخبر الله عنه أنه يقول للإنسان اكفر فإذا كفر يقول الشيطان: ﴿إِنِّ بَرِىٌّ مِنْكَ إِنّ
أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦] فما أخذ الشيطان قط يعلمه لشرف علمه وإنما يؤخذ
لصدق الحق فيما قاله فيما شرعه فيمن سنّ سنّة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها، فالشيطان
يوم القيامة يحمل أثقال غيره فإنه في كل إغواء يتوب عقيبه ثم يشرع في إغواء آخر فيؤخذ
بعمل غيره لأنه من وسوسته، والإنسان الذي لا يتوب إذا سنّ سنّة سيئة يحمل ثقلها وأثقال
من عمل بها فيكون الشيطان أسعد حالاً منه بكثير، وإياك أن تخلف وعدك ولتخلف إيعادك
ولكن سم إخلاف إيعادك تجاوزاً حتى لا تتسمى بأنك مخلف ما أوعدت به من الشر وهذه
شبهة المعتزلة وغاب عنها قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]
وما تواطؤوا عليه أعني الأعراب إذا أوعدت أو وعدت بالشرّ التجاوز عنه وجعلت ذلك من
مكارم الأخلاق فعاملهم الحق بما تواطؤوا عليه، فزلت هنا المعتزلة زلّة عظيمة أوقعها في
ذلك استحالة الكذب على الله تعالى في خبره، وما علمت أن مثل هذا لا يسمّى كذباً في

٢٦٧
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
العرف الذي نزل به الشرع فحجبهم دليل عقلي عن علم وضع حكمي، وهذا من قصور بعض
العقول ووقوفها في كل موطن مع أدلتها ولا ينبغي لها ذلك، ولتنظر إلى المقاصد الشرعية في
الخطاب ومن خاطب وبأي لسان خاطب وبأي عرف أوقع المعاملة في تلك الأمة
المخصوصة، يقول بعض الأعراب في كرم خلقه: [الطويل]
وإنّي إذا أوْعَدْتُهُ أو وَعَدْتُهُ
لمُخْلِفُ إِيعَادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدي
لكن لا ينبغي أن يقال مخلف بل ينبغي أن يقال إنه عفو متجاوز عن عبده.
وصية: وعليك بالبذاذة فإنها من الإيمان وهي عدم الترفه في الدنيا وقد ورد قوله :
((اخْشَوْشِنُوا)) وهي من صفات الحاج وصفة أهل يوم القيامة فإنهم شعث غبر حفاة فإن ذلك
كله أنفى للكبر وأبعد من العجب والزهو والخيلاء والصلف وهي أمور ذمّها الشرع وكرهها
وهي مذمومة في العرف عندالناس وعند الله، ولذلك جعل النبيّ وَلّر البذاذة من الإيمان
وألحقها بشعبه، فإن النبي وََّ يقول: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَعْلاهَا لا إله إلاَّ الله وَأَدْنَاهَا
إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ)) ولا شك أن الزهو والعجب والكبر أذى في طريق سعادة المؤمن،
ولا يماط هذا الأذى إلاَّ بالبذاذة فلهذا جعلها رسول الله وَعليه من الإيمان.
وصية: وعليك بالحياء فإن الله حيي والحياء من الإيمان، والحياء خير كله، وإن الله
يستحي من ذي الشيبة يوم القيامة، فإن العبد إذا اتصف بالحياء من الله ترك كل ما لا يرضي الله
وما يشينه عند الله تعالى وعند رسول الله وَله، والحياء معناه الترك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يَسْتَحِىءَ﴾ يقول إن الله لا يترك ﴿أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةُ فَمَا فَوْقَهَا﴾ في الصغر لقول من
ضلّ بهذا المثل من المشركين الذين تكلموا فيه فإن الله قال: ﴿يُضِلُّ بِهِ﴾ أي بهذا المثل
﴿كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] فإنهم حاروا فيه
والضلالة الحيرة، ورأوا عزّة الله وجلاله وكبرياءه وحقارة البعوضة في المخلوقات،
فاستعظموا جلال الله أن ينزل في ضرب المثل لعباده هذا النزول وذلك لجهلهم بالأمور، فإنه
لا فرق بين أعظم المخلوقات وهو العرش المحيط وبين الذرة في الخلق والبعوضة وإخراجها
من العدم إلى الوجود، فما هي حقيرة إلاَّ من صغر جسمها إذا أضفته إلى ذي الجسم الكبير،
بل الحكمة في البعوضة أتم والقدرة أنفذ، فإن البعوضة على صغرها خلقها الله على صورة
الفيل على عظمه، فخلق البعوضة أعظم في الدلالة على قدرة خالقها من الفيل لأهل النظر
والاعتبار، ولهذا لم يصف نفسه بالحياء في ذلك لما فيها من الدلالة على تعظيم الحق. ثم إن
مواطن الحياء التي في الإنسان كثيرة، فإن الحياء صفة يسري نفعها ممّن قامت به في أكثر
الأشياء ولهذا قال: الحياء خير كله والحياء لا يأتي إلاَّ بخير وهو أن لا يفعل الإنسان ما
يخجل فيه إذا عرف منه بأنه فعله، وقد علم المؤمن أن الله يعلم ويرى كلما يتحرك فيه العبد
فيلزمه الحياء منه لعلمه بذلك، ولإيمانه أنه لا بدّ أن يقرره يوم القيامة على ما عمله فيخجل
فيؤدّيه ذلك إلى ترك العمل فيه وذلك هو الحياء، فمن هنا لا يأتي إلاَّ بخير والله أحق أن
یستحیی منه .

٢٦٨
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
وصية: وعليك بالنصيحة على الإطلاق فإنها الدين، خرج مسلم في الصحيح عن
رسول الله وَله أنه قال: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ))، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: ((لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ
وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ)) واعلم أن النصاح الخيط والمنصحة الإبرة والناصح الخائط
والخائط هو الذي يؤلف أجزاء الثوب حتى يصير قميصاً أو ما كان فينتفع به بتأليفه إياه وما ألفه
إلاَّ بنصحه، والناصح في دين الله هو الذي يؤلف بين عباد الله وبين ما فيه سعادتهم عند الله،
ويؤلف بين الله وبين خلقه وهو قوله: النصيحة لله، وفيه تنبيه في الشفاعة عند الله إذا رأى
العبد الناصح أن الله يريد مؤاخذة العبد على جريمته فيقول الله: يا رب إنك ندبت إلى العفو
عبادك وجعلت ذلك من مكارم الأخلاق وهو أولى من جزاء المسيء بما يسؤه، وذكرت للعبد
أن أجر العافين عن الناس فيما أساؤوا إليهم فيه ممّا توجهت عليهم به الحقوق على الله، فأنت
أحق بهذه الصفة لما أنت عليه من الجود والكرم والامتنان ولا مكره لك، فأنت أهل العفو
والتكرّم بالتجاوز عن هذا العبد المسيء المتعدي حدودك عن إساءته وإسبال ذيل الكرم عليه
واتصاف الحق بالجود، والعفو عن الجاني أعظم من المؤاخذة على الإساءة، فإن المؤاخذة
والعقوبة جزاء وما في الجزاء على الشرّ فضل إلاّ إذا كان في الدنيا لما في إقامة الحدود من
دفع المضرّة العامة، وما في ذلك من المصالح التي تعود على الناس مثل قوله عزّ وجلّ :
﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وأما في الآخرة فما ثم ما يندفع بجزاء المسيء ما يندفع
به في الدنيا فكان العبد إذا قال هذا يوم القيامة أو حيث قاله الله بطريق الشفاعة كأنه ناصح
للمقام الإلهيّ في أن يثني عليه إذا عفا عن المسيء بالكرم والطول والفضل فإن في ذلك عين
الامتنان، فهذا معنى قوله: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ)) أي في حق الله فإنه يسعى في أن يثني على الله
إذا عفا بما يكون ثناء حسناً، ولا سيما وقد ورد في الحديث الثابت: ((إنَّهُ لا شَيْءَ أَحَبُّ إلَى
الله مِنْ أَنْ يُمْدَحَ)) فكما أنه مدح في الدنيا بما نصب من الحدود التي درأ بها المضار عن عباده
إذا أقامها أئمة المسلمين على المذنبين كذلك يمدح بالعفو والتجاوز في الدار الآخرة لأنه
هنالك ما تمشي هذه المصلحة التي نصبت من أجلها إقامة الحدود التي لا يتمكن الشفاعة فيها
كحد السارق والزاني وحقوق الله على الإطلاق، وأما ما هو حق للعبد فإن الله قد ندب فيه إلى
العفو والتجاوز، فالعفو من وليّ الدمّ أو قبول الدية، فإن المظلوم هو المقتول وقد مات
فالطالب قد تقدم كالشاكي الذي يمشي إلى السلطان رافعاً على من ظلمه، فجعل الديّة
كالإحسان لوليّ الدم لعل ذلك الشاكي إذا بلغه إحسانه لذوي رحمه يسكت عنه ولا يطالبه عند
الله الحكم العدل بشيء من دمه .
وأما النصيحة لرسول الله وَلّ ففي زمانه إذا رأى منه الصاحب أمراً قد قرّر خلافه
والإنسان صاحب غفلات فينبه الصاحب رسول الله وَّير على ذلك حتى يواصل فعله بالقصد
فيكون حكماً مشروعاً أو فعله عن نسيان فيرجع عنه، فهذا من النصح لرسول الله صل مثل
سهوه في الصلاة فالواجب عليه في الرباعية أن يصليها أربعاً فسلم من اثنتين فقيل له في ذلك
فهذه نصيحة لرسول الله وَير فرجع وأتم صلاته وسجد سجدتي السهو، وكان ما قد روي في

٢٦٩
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
ذلك وأمثال هذا، ولهذا أمر الله عزّ وجلّ نبيه وَلّ بمشاورة أصحابه فيما لم يوح إليه فيه، فإذا
شاورهم تعين عليهم أن ينصحوه فيما شاورهم فيه على قدر علمهم، وما يقتضيه نظرهم في
ذلك أنه مصلحة، كنزوله يوم بدر على غير ماء فنصحوه وأمروه أن يكون الماء في حيزه وقَّلة.
ففعل، ونصحه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قتل أسارى بدر حين أشار بذلك. وأما بعد
رسول الله وقليل فلم تبق له نصيحة، ولكن إذا كانت هذه اللام لام الأجلية بقيت النصيحة،
فهذا قد بيّنا ما في نصيحة رسول الله ◌َير أن المشير الناصح قد جمع بين رسول الله وَ ل وبين
الرأي الذي فيه المصلحة، كما يجمع الناصح الذي هو الخائط بالخياطة بين قطعة الكمّ والبدن
في الثوب .
وأما النصيحة لأئمة المسلمين وهم ولاة الأمور منا القائمون بمصالح عباد الله الدينية
والحكام وأهل الفتاوى في الدين من العلماء يدخلون في أئمة المسلمين أيضاً، فإن كان
الحاكم عالماً كان وإن لم يكن من العلماء بتلك المسألة سأل من يعلم عن الحكم فيها فيتعين
على المفتي أن ينصح ويفتيه بما يراه أنه حق عنده ويذكر له دليله على ما أفتاه به فيخلصه عند
الله، فهذه هي النصيحة لأئمة المسلمين. ولما لم تفرض العصمة لأئمة المسلمين وعلم أنهم
قد يخطؤون ويتبعون أهوائهم تعين على أهل الدين من العلماء بالدين أن ينصحوا أئمة
المسلمين ويردوهم عن اتباع أهوائهم في الناس فيؤلفون بين ما هو الدين عليه وبينهم، فمثل
هذا هو النصح لأئمة المسلمين فيعود على الناس نفع ذلك .
وأما النصيحة لعامتهم فمعلومة وهي أن يشير عليهم بما لهم فيه المصلحة التي لا
تضرّهم في دينهم ولا دنياهم، فإن كان ولا بدّ من ضرر يقوم من ذلك إما في الدين أو في
الدنيا فيرجحوا في النصيحة ضرر الدنيا على ضرر الدين فيشيرون عليهم بما يسلم لهم فيه
دينهم فإن الله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجَّ﴾ [الحج: ٧٨] وقال: دين الله يسر.
وقال: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وإن أضرّ بدنياهم ومهما قدروا على دفع الضرر في
الدين والدنيا معاً بوجه من الوجوه وعرفوه تعين عليهم في الدين أن ينصحوه في ذلك ويبينوه،
والمستفتي بالخيار في ذلك بحسب ما يوفقه الله إليه، والذي أقول به أن النصيحة تعمّ إذ هي
عين الدين وهي صفة الناصح فتسري منفعتها في جميع العالم كله من الناصح الذي يستبرىء
لدينه ويطلب معالي الأمور فيرى حيواناً قد أضرّ به العطش وقد حاد ذلك الحيوان عن طريق
الماء فيتعين عليه أن يردّه إلى طريق الماء ويسقيه إن قدر على ذلك فهذا من النصيحة الدينية،
وكذلك لو رأى من ليس على ملة الإسلام يفعل فعلاً من سفساف الأخلاق تعين على الناصح
أن يردّه عن ذلك مهما قدر إلى مكارم الأخلاق، وإن لم يقدر عليه تعين عليه أن يبين له عيب
ذلك فربما انتفع بتلك النصيحة ذلك الشخص بما له في ذلك من الثناء الحسن، وينتفع بتلك
النصيحة من اندفع عنه ضرر هذا الذي أراد أن يضرّه، وإن لم يكن مسلماً ذلك المدفوع عنه
فيتعين على صاحب الدين نصح عباد الله مطلقاً، ولهذا يتعين على السلطان أن يدعو عدوّه
الكافر إلى الإسلام قبل قتاله، فإن أجاب وإلاَّ دعاه إلى الجزية إن كان من أهل كتاب، فإن

٢٧٠
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
أجاب إلى الصلح بما شرط عليه قبل منه يقول الله: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾
[الأنفال: ٦١] فيبقى على المسلمين إن كانت المنفعة للمسلمين في ذلك فإن أبوا إلاَّ القتال
قاتلهم وأمر المسلمين بقتالهم، على أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى،
إلاّ أنه من التزم النصح قل أولياؤه فإن الغالب على الناس اتباع الأهواء ولذلك يقول رسول
اللهِ وَّ: ((ما تَرَكَ الحَقُّ لِعُمَرَ مِنْ صَدِيقٍ)) وكذلك قال أويس القرني: قولك الحق لم يترك لك
صديقاً. ولنا في ذلك: [الكامل]
لَمَّا لَزِمْتُ النَّصْحَ والتَّحْقِيقَا
لم يَتْرُكًا لي في الوُجُودِ صَدِيقًا
ويحتاج الناصح إلى علم كثير من علم الشريعة لأنه العلم العام الذي يعمّ جميع أحوال
الناس وعلم زمانه ومكانه، وما ثم إلاَّ الحال والزمان والمكان، وبقي للناصح علم الترجيح إذا
تقابلت هذه الأمور فيكون ما يصلح الزمان يفسد الحال أو المكان، وكذلك كل واحد منها
فينظر في الترجيح فيفعل بحسب ما يترجح عنده وذلك على قدر إيمانه، مثال ذلك: أن يعلم
أن الزمان قد أعطى بحاله في أمرين هما صالحان في حق شخص وضاق الزمان عن فعلهما
معاً فيعدل إلى أولاهما فيشير به على المستشير، وكذلك إذا عرف من حال شخص المخالفة
والدجاج وأنه إذا دلّه على أمر فيه مصلحته يفعل بخلافه، فمن النصيحة أنه لا ينصحه بل يشير
عليه بخلاف ذلك إذا علم أن الأمر محصور بين أن يفعل ذلك أو هذا الذي فيه المصلحة
وشأنه المخالفة واللجاج فيشير عليه بما لا ينبغي فيخالفه فيفعل ما ينبغي والأولى عندي تركه،
ولقد جرى لي مع أشخاص أظهرنا لهم أن في فعلهم ذلك الخير الذي نريده منهم نكايتنا وهم
يريدون نكايتنا فأشرنا عليهم أن لا يفعلوا ذلك ولهم في فعله الخير العظيم لهم فلم يفعلوا
وفعلوا ما نهيتهم عنه أن يفعلوه، فهذه نصيحة خفية لا يشعر بها كل أحد، وهذا يسمّى علم
السياسة فإنه يسوس بذلك النفوس الجموحة الشاردة عن طريق مصالحها فلذلك قلنا: إن
الناصح في دين الله يحتاج إلى علم كثير وعقل وفكر صحيح وروية حسنة واعتدال مزاج
وتؤدة، وإن لم تكن فيه هذه الخصال كان الخطأ أسرع إليه من الإصابة، وما في مكارم
الأخلاق أدق ولا أخفى ولا أعظم من النصيحة، ولنا فيه جزء سميناه كتاب النصائح ذكرنا فيه
ما لا يعوّل عليه وما يعوّل عليه ولكن أكثره فيما لا يعول عليه ممّا يعوّل الناس عليه ولكن لا
يعلمون .
وصية: وعليك بمراعاة حالك في الزمان بين الصلاتين: وأنت لا تخلو أبداً أن تكون
بين صلاتين فإن الأمر دور والزمان الذي بين الظهر والعصر زمان بين صلاتين، وكذلك بين
العصر والمغرب وبين المغرب والعشاء وبين العشاء والصبح وبين الصبح والظهر، ودار الدور
وجاء الكور، وإذا خرج وقت صلاة دخل وقت صلاة لأخرى إلاّ صلاة الصبح فإنه لا يدخلٍ
وقت صلاة الظهر بخروج وقت صلاة الصبح بلا خلاف وكذلك العتمة والصبح بخلاف، إلاّ
أنه لا يدخل وقت الظهر إلاّ بعد خروج وقت الصبح لا بدّ من ذلك، فلا يدخل وقت صلاة
حتى يخرج وقت التي قبلها، فالداخلة أبداً على أثر الخارجة، وقد يكون بعد طلوع الشمس

٢٧١
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
وقت أداء الصبح بوجه إلى أن تزول الشمس فيدخل وقت الظهر وذلك أن الإنسان قد يصلي
الركعة الأولى من الصبح مثلاً قبل طلوع الشمس ويقول الشارع فيه إنه أدرك الصبح فتطلع
الشمس عليه وقد شرع في الركعة الثانية من الصبح فلو أطالها إلى حد الزوال لجاز وذلك
وقتها وهو مؤدّ لها، فما خرج وقت صلاة الصبح في حق هذا حتى دخل وقت الظهر، وهكذا
في جميع الصلوات، فإن أوقات هذه الصلوات فيها خلاف بين العلماء، فلهذا ذكرناها تنبيهاً
على أن فيها خلافاً، فيجوز على هذا أن تكون صلاة على أثر صلاة ولا لغو بينهما، فقد جعل
أن بين الصلاتين زماناً لا صلاة فيه، ذلك الزمان هو زمان اللغو أو تركه، وإنما قلنا زمان اللغو
أو تركه للحديث الثابت: ((صَلاةٌ عَلَى أَثَرِ صَلَةٍ لا لَغْوَ بَيْتَهُمَا كِتَابٌ فِي عِلْيِينَ)) ويدخل في هذا
الحديث صلاة النافلة بعد النافلة والنافلة بعد الفريضة والفريضة بعد النافلة والفريضة بعد
الفريضة، واللغو من الكلام هو الساقط لا دخول له في الميزان وهو المباح، فيقول رسول
الله وَّةٍ في الرجل يصلي الصلاة ثم يتبعها بصلاة أخرى ولم يفعل بين هاتين الصلاتين في
الزمان الذي لا يكون فيه مصلياً فعلاً مباحاً من قول وعمل، بل كان مشتغلاً بما يدخل الميزان
من أمر مندوب إليه من ذكر أو غير ذكر ثم يصلي الصلاة الأخرى فإن ذلك كتاب في عليين
لأنه لم يفعل بين الصلاتين لغواً أصلاً وهذا عزيز الوقوع، فإن أحمد أحوال الناس اليوم من
يتصرّف في المباح فلا عليه ولا له، والغالب من أحوال الناس التصرّف في المكروهِ أو
المحظور، فلهذا أوصيتك بمراعاة الزمان الذي بين الصلاتين وما رأيت أحداً نبّه عليه إلاَّ إن
كان، وما وصل إلينا إلاَّ رسول الله وَلّم ومنه أخذنا ذلك.
وصية: وعليك بالصلاة المكتوبة حيث ينادى بها مع الجماعة، فإن المساجد ما اتخذت
إلاَّ لإقامة الصلاة المكتوبة فيها وما ينادى إلاَّ إلى الإتيان إليها فإن ذلك سنّة رسول الله وَله،
والمراد بذلك الاجتماع على إقامة الدين وأن لا نتفرّق فيه، ولهذا اختلف الناس في صلاة الفذ
المكتوبة إذا قدر على الجماعة هل تجزيه أم لا؟ ومن ترك سنّة رسول الله وَ ل* ضلّ بلا شك
لأنه ◌َّ ما سنّ إلَّ ما هو المهداة ﴿فَمَاذَا بَعْدَ أُلْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢]
فحافظ على المكتوبة والأرض كلها مسجد، فحيث ما قامت الجماعة من الأرض فما قامت
إلاَّ في مسجد، ولهذا ينبغي لمن صلَّى في جماعة في مسجد بيته أن يؤذن لها وإن كانت
الإقامة أذاناً، وإنما سميت إقامة لقيام المصلي إلى الصلاة عند هذا الأذان الخاص ففرّق بين
الأذانين بالإقامة والأذان معناه الإعلام وابقوا اسم الأذان على الأول المعلم بدخول الوقت،
فالأذان الأوّل للإعلام بدخول الوقت والأذان الثاني الذي هو الإقامة للإعلام بالقيام إلى
الصلاة فزاد على الأذان بقوله: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة.
وصية: وعليك بالمحافظة على صلاة الأوّابين وهي الصلاة في الأوقات المغفول عنها
عند العامة وهي ما بين الضحى إلى الزوال، وما بين الظهر والعصر، وما بين المغرب والعشاء
الآخرة، والتهجّد وهو أن ينام من أوّل الليل بعد صلاة العشاء الآخرة ثم يقوم إلى الصلاة ثم
ينام ثم يقوم إلى الصلاة إلى أن يطلع الفجر فإذا طلع الفجر فاركع ركعتي الفجر ثم اضطجع

٢٧٢
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
على شقك الأيمن من غير نوم ثم قم إلى صلاة الصبح، واجعل وترك ثلاث عشرة ركعة في
تهجدك فإن هذا كان وتر رسول الله وَل#، وأطل الركعتين الأوليين من التهجد ثم اللتين
بعدهما أقل منهما في الطول والركعة الأولى من كل ركعتين على قدر الثانية من اللتين
تقدمتهما، والركعة الثانية من كل ركعتين على النصف من الركعة الأولى منهما أو قريب من
ذلك إلى أن توتر بركعة واحدة إن شئت أن لا تجلس إلاَّ في آخر ركعة من وتر صلاتك وهي
الإحدى عشر وإن شئت جلست في كل ركعتين، ولا تسلم إلاَّ في آخر ركعة مفردة، وإن
شئت خمست وسبعت وتسعت كل ذلك مباح لك، ولا تثلث من أجل التشبه بصلاة المغرب،
وقد ورد في النهي عن ذلك خبر، وكذلك في الركعة الواحدة وتسمّى البتيراء، فاجتنب مواقع
الخلاف ما استطعت واهرب إلى محل الإجماع مع أنه ثبت أنه أوتر بثلاث فإن أوترت بثلاث
فلا تجلس إلاَّ في آخرها وتسلم حتى تفرّق في الشبه بينها وبين المغرب، وإذا قمت إلى
الصلاة بالليل وتوضأت فاركع ركعتين خفيفتين ثم بعدهما اشرع في صلاة الليل كما رسمت
لك، وعند قيامك للتهجد امسح عينيك من النوم بيديك ثم اتل: ﴿ إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ
وَاُلْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِّأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] الآيات بكمالها، ثم قم
فتوضأ واستفتح صلاتك بركعتين خفيفتين ثم اشرع في قيام الليل على ما وصفته لك في باب
الصلاة من هذا الكتاب وأذكاره فانظره فيه وانظر اعتباره إن شاء الله، وقد ثبت أن صلاة
الأوّابين حين ترمض الفصال، واجتنب الصلاة عند الاستواء وبعد العصر حتى تغرب الشمس
وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، وحافظ على الصلاة في جماعة فإنها تزيد على صلاة الفذ
بسبع وعشرين درجة، وحافظ على أربع ركعات في أوّل النهار عند الإشراق كما قال:
﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨] والسبحة صلاة النافلة بقول عبد الله بن عمر وهو عربي في
النافلة في السفر: لو كنت مسبحاً أتممت، ثم صلاة الضحى ثمان ركعات بعد صلاة الإشراق
ثم أربع ركعات قبل الظهر وبعد الزوال ثم أربع ركعات بعد صلاة الظهر ثم أربع ركعات قبل
صلاة العصر ثم ست ركعات بعد المغرب ثم ثلاث عشرة ركعة وترك من الليل فيها ركعتي
الفجر، وتبقى إحدى عشرة ركعة هي صلاة الليل، هذا لا بدّ منه لمن يريد اتباع السنّة
والاقتداء، وفي رواية ركعتين قبل المغرب ثم إن زدت فأنت وذلك فإن الصلاة خير موضوع،
فمن شاء فليستقلل ومن شاء فليستكثر فإنه يناجي ربه، والحديث مع الله والاستكثار منه أشرف
الأحوال، وأما الوصية بالصدقة والصوم فقد تقدم في باب الزكاة وباب الصيام وكذلك الحج
من هذا الكتاب.
وصية: وعليك بالورع في المنطق كما تتوزّع في المأكل والمشرب، والورع عبارة عن
اجتناب الحرام والشبهات، وأما الشبهة فما حاك في صدرك ثبت عن رسول الله وَي أنه قال:
((الإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ)) قال بعض العلماء من أهل الله: ما رأيت أسهل عليّ من الورع كل
ما حاك له في نفسي شيء تركته. وقد ورد في الخبر: (دَعْ مَا يُرِيبُكَ إلى مَا لا يُرِيبُكَ)) وورد
أيضاً: ((اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَإِنْ أَفْتَاكَ المُفْتُونَ)) يعني بالحل وتجد أنت في نفسك وقفة في ذلك

٢٧٣
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
فاجتنبه فهو أولى بك ولا تحرّمه، وعليك بالهدى الصالح وهو هدى الأنبياء وهو اتباع آثارهم
الذي أمر رسول الله وَّ باتباعهم في قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أُقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام:
٩٠] وكذلك السمت الصالح والاقتصاد في أمورك كلها فإن النبي وَّر قد ثبت عنه أن الهدي
الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوّة وتحفظ من
العجلة إلاَّ في المواطن التي أمرك رسول الله وَل# بالعجلة فيها والمسارعة إليها مثل الصلاة
لأوّل ميقاتها وإكرام الضيف وتجهيز الميت والبكر إذا أدركت بل وكل عمل للآخرة فالمسارعة
إليه أولى من التؤدة فيه، واجعل التسويف والتؤدة في أمور الدنيا فإنه ما فاتك من الدنيا ما تندم
عليه بل تفرح بفوته، وما فاتك من أمور الآخرة فإنك تندم عليه، وقد ثبت عن رسول الله وق اله
أنه قال: ((التُؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلاَّ فِي عَمَلِ الآخِرَةِ)) وقد ذكر مسلم أن رسول الله وَّ قال
للأشج أشج عبد القيس: ((إنَّ فِيكَ لَّخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا الله وَرَسُولُهُ)) قَالَ: وَمَا هُمَا يَا رَسُولَ
الله؟ قالَ: ((الحِلْمُ وَالأَنَاةُ)) أراد الحلم عمّن جنى عليك والأناة في أمور الدنيا وأغراض
النفس، وإن كان لك عائلة فكدّ عليهم فإن الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في
سبيل الله، وكن خير الرعاة في كل ما استرعاك الله فيه على الإطلاق، فالسلطان راع وكل راع
مسؤول عن رعيته ما فعل فيهم هل اتقى الله فيهم أو لم يتق، والرجل راع على أهل بيته،
والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، والعبد راع على مال سيده، ولا تغفل عن الصلاة على
رسول الله ◌َ﴿ إذا ذكرته أو ذكر عندك تأمن من البخل فإنه ثبت عنه وَ له أنه قال: ((البَخِيلُ مَنْ
ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلُّ عَلَيَّ)) ولو لم يكن في ذلك إلاَّ إطلاق البخل عليك وهو من أذم
الصفات وأرداها، ومعنى البخيل هنا بخله على نفسه فإنه قد ثبت فيمن صلَّى على النبي وَال
مرة صلَّى الله عليه عشراً، فمن ترك الصلاة على النبي وَلل فقد بخل على نفسه حيث حرمها
صلاة الله عليه عشراً إذا صلَّى هو واحدة فما زاد.
وصية: الله الله أن تعود في شيء خرجت عنه لله تعالى، ولا تعقد مع الله عقداً ولا عهداً
ثم تنقصه بعد ذلك وتحله ولا تفي به ولو تركته لما هو خير منه فإن ذلك من خاطر الشيطان
فافعله وافعل الخير الآخر الذي أخطره لك الشيطان حتى لا تفي بالأول، فإن غرضه أن
توصف بوصف الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وعليك بصلة الرحم فإنها شجنة من
الرحمن وبها وقع النسب بيننا وبين الله، فمن وصل رحمه وصله الله، ومن قطع رحمه قطعه
الله، وإذا استشرت في أمر فقد أمّنك المستشير فلا تخنه، فإن كان في نكاح فإن شئت أن تذكر
ما تعرفه فيمن سئلت عنه ممّا يكرهه لو سمعه فإن ذلك الذكر ليس بغيبة يتعلق بها ذمّ، فإن
كنت من أهل الورع الأشدّاء فيه ويحوك في نفسك شيء من هذا الذكر فلا تذكر ما تعرف فيه
من القبيح وقل كلاماً مجملاً مثل أن تقول: ما تصلح لكم مصاهرته من غير تعيين ويكفي هذا
القدر من الكلام، فإن كنت تعلم من قرائن الأحوال أن هذا الأمر الذي تذمّه به في نظرك لا
يقدح عند القوم الذين يطلبون نكاحه فما خنتهم إذا لم تذكر لهم ما يقبح عندك فإنه ليس بقبيح
عندهم وهم مقدمون عليه، وهذا موقوف على معرفة أحوال الناس، ومثل هذا الكلام في
الفتوحات المكية ج٨ - م١٨

٢٧٤
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
الأسانيد في حديث رسول الله وَ لو كان أحمد بن حنبل يقول ليحيى بن معين: تعال نعتب في
الله، والمستشار مؤتمن، وإياك والأكل والشرب في أواني الذهب والفضة، وإياك والجلوس
على مائدة يدار عليها الخمر ولا حرام أصلاً، واجتنب لباس الحرير والذهب إن كنت رجلاً
وهو حلال للمرأة، وإذا رأيت رؤيا تحزنك واستيقظت فاتفل عن يسارك ثلاث مرات وقل :
أعوذ بالله من شرّ ما رأيت، وتحوّل عن جنبك الذي كنت عليه في حال رؤياك إلى الجنب
الآخر، ولا تحدث بما رأيت فإنها لا تضرّك، فحافظ على مثل هذا تر برهانه، فإن كثيراً من
الناس وإن استعاذوا يتحدثون بما رأوه، وقد ورد أن الرؤيا معلقة من رجل طائر فإذا قالها
سقطت لما قيلت له، وعليك باستعمال الطيب فإنه سنّة، واستعمل منه إن كنت ذكراً ما ظهر
ريحه وخفي لونه، وإن كنت امرأة فاستعمل منه ما ظهر لونه وخفي ريحه، فإن الحديث
النبويّ بهذا ورد، وعليك بالسواك لكل صلاة وعند كل وضوء وعند دخولك إلى بيتك فإنه
مطهرة للفم ومرضاة للرب، وقد ورد: ((إنَّ صَلاةَ بِسِوَاكِ تَفْضُلُ سَبْعِينَ صَلاةَ بِغَيْرِ سِوَاكِ)) ذكره
ابن زنجويه في كتاب الترغيب في فضائل الأعمال، وإياك واليمين الغموس فإنها تغمس
صاحبها في الإثم فإن الناس اختلفوا في كفارتها فمنهم من ألحقها في الكفارة بالأيمان، ومنهم
من قال إنها لا كفارة فيها وهي اليمين التي تقطع بها حقاً للغير وجب عليك، وفي هذا فقه
عجيب دقيق لمن نظر وتفقه في وجوب الحق متى يكون وبأيّ صفة يكون، وما منعني أن أبينه
للناس إلاَّ سد الذريعة حتى لا يتأول فيه الجاهل فيجاوز القدر الذي نذكره فيقع في الإثم وهو
لا يشعر، فإن الفقهاء أغفلوا هذا الوجه الذي أومأنا إليه وما ذكروه، وإياك والمراء في القرآن
فإنه كفر بنص الحديث وهو الخوض فيه بأنه محدث أو قديم أو هل هذا المكتوب في
المصاحف والمتلو المتلفظ به عين كلام الله أو ما هو عين كلام الله، فالكلام في مثل هذا
والخوض فيه هو الخوض في آيات الله، وهذا هو المراء والجدال في القرآن الداخل في قوله
تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيَّ ءَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَّى يَخُوضُواْ فِىِ حَدِيثٍ غَيْهٍ﴾ [الأنعام: ٦٨] فسمّاه
حديثاً وليس إلاَّ القرآن، فلو أراد آيات غير القرآن لقال فيها بضمير الآية أو الآيات، فليس
للذكورية هنا دخول إلاَّ إذا أراد آيات القرآن، والقرآن خبر الله والخبر عين الحديث، وقال:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] والذكر الحديث.
وصية: اكظم التثاؤب ما استطعت فإنه من الشيطان، وإياك أن تصوّت فيه فإن ذلك
صوت الشيطان، والعطاس في الصلاة من الشيطان أيضاً، وفي غير الصلاة العطاس ليس من
الشيطان، وإياك والطرق وهو الضرب بالحصى، قال الشاعر: [الطويل]
ولا زَاجرَاتُ الطَّيْرِ ما الله صَانِعُ
لَعَمْرُكَ ما يَدْرِي الضَّواربُ بالحَصَى
وكذلك العيافة والطيرة، وعليك بالفأل والطيرة شرك، وإياك والبصاق في المسجد فإن
غفلت فادفنها فذلك كفارتها، وإياك أن تستقبل القبلة ببصاقك ولا بخلائك، ولا تستدبرها
أيضاً ببول ولا غائط فإن ذلك من آداب النبوّة، وإذا أردت أن تأكل فاغسل يديك قبل الأكل
وبعده، وزد المضمضة منه في الغسل بعده، وعليك بالإحسان إذا ملكت يمينك من جارية

٢٧٥
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
وغلام ولا تكلفهما فوق طاقتهما وإن كلفتهما فأعنهما فإنهما من إخوانكم، وإنما الله ملككم
رقابهم، الكل بنو آدم فهم إخوتنا فراع الله فيهم واعلم أنك مسؤول عنهم يوم القيامة، وإذا
عاقبت أحدهم على جناية فاعلم أن الله يوم القيامة يوقف العبد وسيده بين يديه ويحاسبه على
جنايته وعلى عقوبته على ذلك، فإن خرجت رأساً برأس كان وإن كانت العقوبة أكثر من
الجناية اقتصّ للعبد من السيد فتحفظ ولا تزد في العقوبة على ثلاثة أسواط فإن كثرت فإلى
عشرة، ولا تزد إلاَّ في إقامة حدّ من حدود الله فذلك حدّ الله لا تتعداه، وإن عفوت عن العبد
في جنايته فهو أولى بك وأحوط لك، وإذا جئت إلى بيت قوم فاستأذن ثلاث مرّات فإن أذن
لك وإلاَّ فارجع، ولا تنظر في بيت أخيك من حيث لا يعرف بك فإنك إذا نظرت فقد دخلت،
وإنما جعل الإذن من أجل البصر، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًّا غَيْرَ بُوتِكُمْ
حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ﴾ [النور: ٢٧] وقال: ﴿فَلَ نَدْ خُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنِ قِيلَ لَكُمُ أَرْجِعُواْ فَأَرْجِعُواْ﴾
[النور: ٢٨] وثبت في الحديث الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلاّ فارجع، وإياك أن تتخذ
الجرس في عنق دابتك فإن الملائكة تنفر منه، وقد ورد بذلك الحديث النبويّ وكان بمكة
رجل من أهل الكشف يقال له ابن الأسعد من أصحاب الشيخ أبي مدين صحبه ببجاية فكان
يوماً بالطواف وهو يشاهد الملائكة تطوف مع الناس فنظر إليهم وإذا هم قد تركوا الطواف
وخرجوا من المسجد سراعاً فلم يدر ما سبب ذلك حتى بقيت الكعبة ما عندها ملك، وإذا
بالجمال بالأجراس في أعناقها قد دخلت المسجد بالروايا تسقي الناس فلما خرجوا رجعت
الملائكة، وقد ثبت أن الجرس مزامير الشيطان، والذي أوصيك به أن تحافظ على أن تشتري
نفسك من الله بعتق رقبتك من النار بأن تقول: لا إله إلاَّ الله سبعين ألف مرّة فإن الله يعتق
رقبتك بها من النار أو رقبة من تقولها عنه من الناس، ورد في ذلك خبر نبويّ. ولقد أخبرني
أبو العباس أحمد بن علي بن ميمون بن أب التوزري عرف بالقسطلاني بمصر قال في هذا
الأمر: إن الشيخ أبا الربيع الكفيف المالقي كان على مائدة طعام وكان قد ذكر هذا الذكر وما
وهبه لأحد وكان معهم على المائدة شاب صغير من أهل الكشف من الصالحين فعندما مدّ يده
إلى الطعام بكى فقال له الحاضرون: ما شأنك تبكي؟ فقال: هذه جهنم أراها وأرى أمي فيها
وامتنع من الطعام فأخذ في البكاء، قال الشيخ أبو الربيع: فقلت في نفسي: اللهمّ إنك تعلم
أني قد هللت بهذه السبعين ألفاً وقد جعلتها عتق أمّ هذا الصبيّ من النار هذا كله في نفسي،
فقال الصبيّ: الحمد لله أرى أمي قد خرجت من النار وما أدري ما سبب خروجها، وجعل
الصبيّ يبتهج سروراً وأكل مع الجماعة، قال أبو الربيع: فصح عندي هذا الخبر النبويّ بكشف
هذا الصبيّ، وصحّ عندي كشف هذا الصبيّ بالخبر، وقد عملت أنا على هذا الحديث ورأيت
له بركة في زوجتي لما ماتت.
وعليك بإصلاح ذات البين وهو الفراق فإن الإصلاح بين الناس من الخير المعين في
الكتاب، وإذا كان الله قد رغب بل أمر المسلمين إذا جنح الكفار إلى السلم أن يجنحوا لها
فأحرى الصلح بين المتهاجرين من المسلمين، وإياك وإفساد ذات البين فإنها الحالقة والبين هنا

٢٧٦
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
هو الوصل، ومعنى قول النبيّ ◌َّله الحالقة أنها تحلق الحسنات كما يحلق الحلاق الشعر من
الرأس، قال الله تعالى: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] بالرفع يعني الوصل، والبين في
اللسان من الأضداد كالجون، يا وليّ أطعم عبدك ممّا تأكل وألبسه ممّا تلبسٍ وراع قدره وانظر
فيما ثبت فيهم من رسول الله وَلَه بقوله: ((إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ الله تَحْتَ أَيْدِيكُمْ)) فمن كان
أخوه تحت يده فليطعمه ممّا يأكل وليلبسه مما يلبس، واغتنم صحة البدن والفراغ من شغل
الدنيا واستعن بهاتين النعمتين اللتين أنعم الله عليك بهما على طاعة الله فإنه ما أصحّ بدنك ولا
فرغك من هموم الدنيا إلاَّ لطاعته والقيام بحدوده وإلاَّ كانت الحجة عليك الله، فاحذر أن
يكون الله خصمك، ولتقل في كل يوم عند كل صباح مائة مرّة: سبحان الله وبحمده سبحان
الله العظيم فإن هذا الذكر لا يبقي عليك ذنباً .
وصية: عليك بحفظ جوارحك فإنه من أرسل جوارحه أتعب قلبه، وذلك أن الإنسان لا
يزال في راحة حتى يرسل جوارحه، فربما نظر إلى صورة حسنة تعلق قلبه بها ويكون صاحب
تلك الصورة من المنعة بحيث لا يقدر هذا الناظر على الوصول إليها فلا يزال في تعب من
حبها يسهر الليل ولا يهنأ له عيش، هذا إذا كان حلالاً فكيف به إن كان أرسله فيما لا يحل له
النظر إليه؟ فلهذا أمرنا بتقييد الجوارح، فإن زنى العيون النظر وزنى اللسان النطق بما حرم
عليه، وزنى الأذن الاستماع إلى ما حجر عليه، وزنى اليد البطش، وزنى الرجل السعي، وكل
جارحة تصرفت فيما حرّم عليها التصرّف فيه فذلك التصرّف منها على هذا الوجه الحرام هو
زناها، فاللسان يقول بغضهم هو الذي أوردني الموارد المهلكة، وقال وَالر: ((وَهَلْ يُكَبُّ
النَّاسُ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إلَّ حَصَائِدَ أَلْسِنَتِهِمْ؟)) قال الله تعالى: ﴿يَوَمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ
وَأَيْدِهِمْ وَأَرْجُهُم بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] يعني بها فتقول اليد: بطش بي في كذا يعني في غير
حق فيما حرّم عليه البطش فيه، وتقول الرجل كذلك، واللسان والبصر وجميع الجوارح
كذلك ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] خرج مسلم عن
محمد بن أبي عمر عن سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قالوا يا
رسول الله هل نَرَى رَبَّنا يومَ القيامة؟ قال رسول الله ◌َ ◌َّ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تُضَارُّونَ فِي
رُؤْيَةٍ رَبَّكُمْ فَيَلْقِى العَبْدَ فيقول: أي قُلُ، أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وَأَزَوْجْكٌ وَأُسَخِّرْ لَكَ الخَيْلِّ
وَالإِيِلَ وَأَذَرَكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى يا رَبِّ، فَيقولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنكَ مُلاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: آمَنْتُ
بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِرُسُلِكَ وَصَلَّيْتُ وَصُمْتُ وَتَصَدَّقْتُ وَيُثْنِي بِخَيْرِ مَا اسْتَطَاعَ فَيَقُولُ ها هنا إذَنْ قالَ
ثم يقالُ لهُ الآنَ نَبْعَثُ شَاهِداً عَلَيْكَ وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ فَيُخْتَمُ عَلَى فِهِ،
وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ انْطِقِي فَيَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ وَذُلِكَ ليعذرَ مِنْ نَفْسِهِ، وَذُلِكَ الَّذِي
سَخِطَ الله عَلَيْهِ)) وقد ورد في الحديث الثابت في أمر الدنيا: ((إنَّ السَّاعَةَ لا تَقُومُ حتَّى تُكَلِّمَ
الرَّجُلَ بِمَا فَعَلَ أهْلُهُ فَخِذُهُ وَعَذَبَةُ سَوْطِهِ)) وقد قيل في التفسير: إن الميت الذي أحياه الله في
بني إسرائيل في حديث البقرة في قوله: ﴿أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: ٧٣] قال: ضرب بفخذها وأن
الله ما عين ذلك البعض فاتفق أن ضربوه بالفخذ، فاحذر يا أخي يوماً تشهد فيه عليك الجلود

٢٧٧
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
والجوارح، وأنصف من نفسك وعامل جوارحك بما تشكرك به عند الله، ولقد رأينا ذلك عياناً
في الدنيا في زمان الأحوال التي كنا فيها أعني نطق الجوارح إذا أراد العبد أن يصرفها فيما لا
يجوز شرعاً تقول له الجارحة: يا هذا لا تفعل لا تجبرني على فعل ما حجر عليك فعله فإني
شهيد عليك يوم القيامة فاجعلني شاهداً لك لا عليك واصحبني بالمعروف وهو في غفلة لا
يسمع، فإذا وقع منه الفعل تقول الجارحة: يا رب قد نهيته كما نهيته فلم يسمع، اللهمّ إني
أبرأ إليك مما وصل إليه من مخالفتك بي، وعلى كل حال فإرسال الجوارح يؤدي إلى تعب
القلب، فإن الله خلقك لك واصطفى منك لنفسه قلبك وذكر أنه يسعه إذا كان مؤمناً تقياً ذا
ورع، فإذا شغلته بما تصرّفت فيه جوارحك كنت ممّن غصب الحق فيما ذكر أنه له منك، وأي
ظلم أعظم من ظلم الحق؟ فلا تجعل الحق خصمك فإن الله الحجة البالغة كما ذكر عن نفسه
وبكل وجه أشهدني الله حجته على خلقه كيف تقوم، وذلك في أن العلم يتبع المعلوم، إن
فهمت فأكثر من هذا التصريح ما يكون.
وصية: وعليك بالأذان لكل صلاة أو تقول ما يقول المؤذن إذا أذن، وإذا أذنت فارفع
صوتك فإن المؤذن يشهد له يوم القيامة مدى صوته من رطب ويابس، ولو علم الإنسان ما له
في الأذان ما تركه قال بَّر: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما فِي النَّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يجِدُوا إلاَّ أَنْ
يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ ما فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ ما فِي العَتَمَةِ
وَالضُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً)) فإن لم يؤذن وسمع الأذان فليقل مثل ما يقول المؤذن سواء، وإن
قال ذلك عند كل كلمة إذا فرغ المؤذن منها قالها هذا السامع بحضور وخشوع، ولقد أذنت
يوماً فكلما ذكرت كلمة من الأذان كشف الله عن بصري فرأيت ما لها مد البصر من الخير
فعاينت خيراً عظيماً لو رآه الناس العقلاء لذهلوا لكل كلمة، وقيل لي هذا الذي رأيت ثواب
الأذان، وإنما ارتضينا ووصينا أن يقول السامع مثل ما يقول المؤذن عند فراغ كل كلمة لما
رويناه من حديث الترمذيّ عن ابن وكيع عن إسماعيل بن محمد بن جحادة يبلغ به النبيّ وَيّ
أن رسول الله بَّه قال: ((مَنْ قَالَ لا إلهَ إلاَّ الله والله أَكْبَرُ صَدَّقَهُ رَبُّهُ وَقَالَ لا إلَّهَ إلاَّ أنا وَأَنا أكْبَرُ.
وَإِذا قالَ لا إلهَ إلاَّ الله وَحْدَهُ يقولُ الله لا إلهَ إلاَّ أنا وَأْنا وَحْدِي. وإذا قالَ لا إلهَ إلاَّ الله وَحْدَهُ لا
شَرِيكَ لَهُ قالَ الله لا إلهَ إلاَّ أنَا وَخْدِي لا شَرِيكَ لِي. وإذا قال لا إلهَ إلاَّ الله لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ
قالَّ الله لا إلهَ إلا أنا لِيَ المُلْكُ وَلِيَ الحَمْدُ، وَإِذا قَالَ لا إلهَ إلا الله وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاَّ بالله قالَ
الله لا إله إِلاَّ أَنَا وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلَّ بِي)). قال: وكان يقول: ((مَنْ قَالَهَا فِي مَرَضِهِ لَمْ تَطْعَمْهُ
النَّارُ)) .
ويكفي العاقل في الأمر بالأذان أمر النبي وَ لّر من سمع المؤذن يؤذن أن يقول مثل قوله
فهو أذان فما رغبه فيه إلاَّ وله أجره فإنه معلم لذلك نفسه وذاكر ربه بصورة الأذان فما أمره إلاَّ
بما له فيه خير كثير، وليؤذن على أكمل الروايات وأكثرها ذكراً، فإن الأجر يكثر بكثرة الذكر.
قال تعالى: ﴿وَالذَّكِرِينَ اَللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَةِ ﴾ [الأحزاب: ٣٥] وقال: ﴿أَذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾
[الأحزاب: ٤١] وقد ورد أن الإنسان إذا كان بأرض فلاة فدخل الوقت وليس معه أحد قام فأذن

٢٧٨
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
فإذا أذن صلَّى خلفه من الملائكة كأمثال الجبال، ومن كانت جماعته مثل أولئك يؤمنون على
دعائه كيف يشقى، وإنما وصينا بمثل هذا الغفلة الناس عن مثله، فالعاقل من لا يغفل عن فعل
ما له فيه الخير الباقي عند الله عزّ وجلّ فإن ذلك من رحمتك بنفسك، فإن الله جعل رحمتك
بنفسك أعظم من رحمتك بغيرك، كما جعل أذاك نفسك أعظم في الوزر من أذاك غيرك، قال
في قاتل الغير إذا لم يقتل به أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء أخذه. وقال في القاتل
نفسه: حرمت عليه الجنة. وقال بَّرَ: ((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمُنُ)) فمن رحم نفسه يسلك
بها سبيل هداها ويحول بينها وبين هواها، فرحمه الله رحمة خاصة خارجة عن الحد
والمقدار، فإنه رحم أقرب جار إليه وهي نفسه، ورحم صورة خلقها الله على صورته فجمع
بين الحسنيين مراعاة قرب الجوار ومراعاة الصورة، وأي جار سوى نفسه فهو أبعد منها
ولذلك أمر الداعي إذا دعا أن يبدأ بنفسه أولاً مراعة لحقها، والسرّ الآخر أن الداعي لغيره
يحصل في نفسه افتقار غيره إليه ويذهل عن افتقاره فربما يدخله زهو وعجب بنفسه لذلك وهو
داء عظيم فأمره رسول الله وَالقر أن يبدأ لنفسه بالدعاء فتحصل له صفة الافتقار في حق نفسه
فتزيل عنه صفة الافتقار صفة العجب والمنة على الغير، وفي أثر ذلك يدعو للغير على افتقار
وطهارة. فلهذا ينبغي للعبد أن يبدأ بنفسه في الدعاء ثم يدعو لغيره فإنه أقرب إلى الإجابة لأنه
أخلص في الاضطرار والعبودية، ومثل هذا النظر مغفول عنه لا أحد أعظم من الوالدين وأكبر
بعد الرسل حقاً منهما على المؤمن، ومع هذا أمر الداعي أن يقدم في الدعاء نفسه على والديه
فقال نوح عليه السلام: ﴿رَّبِّ اغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَنَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾
[نوح: ٢٨] وقال الخليل إبراهيم عليه السلام في دعائه: ﴿وَأَجْتُبْنِ وَبَنِىَّ﴾ [إبراهيم: ٣٥] فقدم نفسه
﴿رَبِّ اجْعَلْنِ مُقِيمَ الصَّلَوْةِ وَمِن ذُرِّيَّتِىّ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ﴿ رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ وَلَوَلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤٠- ٤١] فبدأ بنفسه وقال: ﴿أُوْلَِّكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُّ فَبِهُدَهُمُ
أُقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠] وإنما أوصيتك بالأذان لما فيه عند الله يوم القيامة، فإن المؤذنين أطول
الناس أعناقاً في ذلك اليوم يقول تمتد أعناقهم دون الناس لينظروا ما أثابهم الله به وما أعطاهم
من الجزاء على أذانهم هذا إن كان من الطول، فإن كان من الطول الذي هو الفضل والعنق
الجماعة فهم أفضل الناس جماعة، ومن رواه بكسر الهمزة فهو أفضلهم سيراً لما يرونه من
الخير الذي لهم على الأذان فإن المؤذن يحافظ على الأوقات فهو يسرع إلى الإعلام بدخول
وقت الصلاة فإنه مراع ذلك.
وصية: وإن كنت والياً فاقض بالحق بين الناس ﴿ وَلَا تَشَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾
[ص: ٢٦] وسبيل الله هو ما شرعه لعباده في كتبه وعلى ألسنة رسله ﴿ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوْ يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] يعني به. والله أعلم يوم الدنيا حيث لم يحاسبوا
نفوسهم فيه، فإن النسيان الترك، يقول رسول الله وَالر: ((حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أنْ تُحَاسَبُوا))
ولقد أشهدني الله في هذا مشهداً عظيماً بإشبيلية سنة ست وثمانين وخمسمائة ويوم الدنيا أيضاً
هو يوم الدين أي يوم الجزاء لما فيه من إقامة الحدود ﴿ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾

٢٧٩
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
[الروم: ٤١] وهذا عين الجزاء وهو أحسن في حق العبد المذنب من جزاء الآخرة، لأن جزاء
الدنيا مذكر وهو يوم عمل والآخرة ليست كذلك، ولهذا قال في الدنيا: ﴿لَعَلَّهُمْ بَرْجِعُونَ﴾
[الروم: ٤١] يعني إلى الله بالتوبة، فيوم الجزاء أيضاً يوم الدنيا كما هو يوم الآخرة، وهو في يوم
الدنيا أنفع، فاقض بالحق فإن الله قد قضى في الدنيا بالحق بما شرعه لعباده وفي الآخرة بما
قال، فإن القضاة في الدنيا ثلاث: واحد في الجنة، واثنان في النار. والذي أوصيك به إذا فتح
الله عين بصيرتك ورزقك الرجوع إليه المسمّى توبة فانظر أي حالة أنت عليها من الخير لا تزل
عنها، إن كنت والياً اثبت على ولايتك، وإن كنت عزباً اثبت على ذلك، وإن كنت ذا زوجة
فلا تطلق واثبت على ذلك مع أهلك، واشرع في العمل بتقوى الله في الحالة التي أنت عليها
من الخير كانت ما كانت، فإن الله في كل حال باب قربة إليه تعالى، فاقرع ذلك الباب يفتح
لك ولا تحرم نفسك خيره، وأقل الأحوال أنك في الحال التي كنت عليها في زمان مخالفتك
إذا ثبت عليها عند توبتك تحمدك تلك الحالة فإن فارقتها كانت عليك لا لك فإنها ما رأت
منك خيراً، وهذا معنى دقيق لطيف لا ينتبه له كل أحد فإنها لا تشهد لك إلاَّ بما رأته منك،
فإذا رأت منك خيراً شهدت لك به، ولا يفوتك ما ذكرته لك من نيل ما فيها من الخير
المشروع، وأعني بذلك كل حال أنت عليها من المباحات فإن توبتك إنما كان رجوعك عن
المخالفات، وإياك أن تتحرّك بحركة إلاَّ وأنت تنوي فيها قربة إلى الله، حتى المباح إذا كنت
في أمر مباح فانو فيه القربة إلى الله من حيث إيمانك به أنه مباح ولذلك أتيته فتؤجر فيه، ولا
بدّ حتى المعصية إذا أتيتها انو المعصية فيها فتؤجر على الإيمان بها أنها معصية، ولذلك لا
تخلص معصية المؤمن أبداً من غير أن يخالطها عمل صالح وهو الإيمان بكونها معصية وهم
من الذين قال الله فيهم: ﴿وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَطُوْ عَمَلًا صَالِحًا وَءَاخَرَ سَيِئًا﴾ [التوبة: ١٠٢]
فهذا معنى المخالطة، فالعمل الصالح هنا الإيمان بالعمل الآخر السيىء أنه سيىء، وعسى من
الله واجبة فترجع عليهم بالرحمة فيغفر لهم تلك المعصية بالإيمان الذي خلطها به، فمتعلق
عسى هنا رجوعه سبحانه عليهم بالرحمة لا رجوعهم إليه فإنه ما ذكر لهم توبة كما قال في
موضع آخر ثم تاب عليهم ليتوبوا، وهنا جاء بحكم آخر ما فيه ذكر توبتهم بل فيه توبة الله
تعالى عليهم. والذي أوصيك به أنك لا تنقل مجلساً ولا تبلغ ذا سلطان حديثاً إلاَّ خيراً، خرج
الترمذيّ حديثاً عن حذيفة أو غيره أنا الشاكّ أن رجلاً مرّ عليه فقيل له عنه إن هذا يبلغ الأمراء
الحديث فقال: سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ)) قال أبو عيسى: والقتات
النمام. وإذا حدثك إنسان وتراه يلتفت يميناً وشمالاً يحذر أن يسمع حديثه أحد فاعلم أن ذلك
الحديث أمانة أودعك إياه فاحذر أن تخونه فى أمانته بأن تحدث بذلك عند أحد فتكون ممّن
أدى الأمانة إلى غير أهلها فتكون من الظالمين. وقد ثبت أن المجالس بالأمانة. وأما وصيتي
لك أن لا تبلغ ذا سلطان حديثاً بشر فإن ذلك نميمة قال تعالى في ذمّه: ﴿مَّشَكِ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:
١١]. ومن الوصايا الحذر من الطعن في الأنساب، فلا تحل بين شخص وبين أبيه صاحب
الفراش فإن ذلك كفر بنص الشارع فيه، وعليك بمراعاة الأوقات في الدعاء مثل الدعاء عند

٢٨٠
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
الأذان وعند الحرب وعند افتتاح الصلاة فإن المطلوب من الدعاء إنما هو الإجابة فيما وقع
السؤال فيه من الله وأسباب القبول كثيرة وتنحصر في الزمان والمكان والحال، ونفس الكلمة
التي تذكر الله بها من الذكر حين تدعوه في مسألته فإنه إذا اقترن واحد من هذه الأربعة بالدعاء
أجيب الدعاء، وأقوى هذه الأربعة الاسم ثم الحال. وعليك بمراعاة حق الله وحق الخلق أن
توجه لهم عليك حق فإن الله يؤتيك أجرك مرّتين: من حيث ما أدّيته من حقه ومن حيث ما
أدّيت من حق من تعين عليك له حق من خلق الله، وإن كانت لك جارية فأدبتها وأحسن أدبها
فإن لك في ذلك أجراً عظيماً، ثم إن أعتقتها فلك في العتق الأجر العظيم العام لذاتك، فإن
تزوّجت بها فلك أجر آخر أعظم من أنك لو تزوجت بغيرها. فإذا رأيت غازياً فأعنه بطائفة من
مالك، وكذلك المكاتب، وكذلك الناكح يريد بنكاحه عصمة دينه والعفاف، فإنك إذا فعلت
ذلك وأعنتهم فإنك نائب الله في عونهم فإن عون هؤلاء حق على الله بنص الخبر، فمن أعانهم
فقد أدّى عن الله ما أوجبه الله على نفسه لهم فيكون الله يتولى كرامته بنفسه، فما دام المجاهد
في سبيل الله مجاهداً بما أعنته عليه فإنك شريكه في الأجر ولا ينقضه شيء، وكذلك إعانة
الناكح حتى أنه لو ولد له ولد فكان صالحاً فإن لك في ولده وفي عقبه أجراً وافراً تجده يوم
القيامة عند الله وهو أعظم من المكاتب والمجاهد، فإن النكاح أفضل نوافل الخيرات وأقربه
نسبة إلى الفضل الإلهي في إيجاده العالم ويعظم الأجر بعظم النسب.
واعلم أن الإنسان مجبول على الفاقة والحاجة فهو مجبول على السؤال، فإن رزقك الله
يقيناً فلا تسأل إلاَّ الله تعالى في طلب نفع يعود عليك أو دفع ضرر نزل بك، فإذا سألك أحد
بالله لا بقرابة ولا بشيء غير الله عزّ وجلّ فأعطه مسألته بحيث لا يعلم بذلك أحد إلاَّ هو
خاصة، ولا بدّ لك في مثل هذه الأعطية أن تعرفها له فإنه ينجبر في نفسه ما انكسر منها عند
سؤاله، فإذا لم يعلم أن سؤاله نفع انكسر فلا بدّ أن تجيبه إلى مسألته على علم منه، فإن
علمت بحاله من غير سؤال منه فمثل هذا تعمل أن تعطيه مسألته بالحال من غير أن يعلم أنك
أعطيته فإنه يخجل بلا شك ولا سيما إن كان من أهل المروءات والبيوت وممّن لم تتقدم له
عادة بذلك، وفرّق بين الحالتين فإن الفرق بينهما دقيق، فإن السائل الأوّل يخجل إذا لم يعلم
أنك أعطيته، والثاني يخجل إذا علم أنك أعطيته، والمقصود رفع الخجل عن صاحب الفاقة
وعليك بذكر الله بين الغافلين عن الله بحيث لا يعلمون بك، فتلك خلوة العارف بربه وهو
كالمصلي بين النائمين. وإياك ومنع فضل الماء من ذي الحاجة إليه، واحذر من المن في
العطاء فإن المن في العطاء يؤذن بجهل المعطي من وجوه: منها رؤيته نفسه بأنه رب النعمة
التي أعطى والنعمة إنما هي خلقاً وإيجاداً. والثاني: نسيانه منة الله عليه فيما أعطاه وملكه من
نعمه وأحوج هذا الآخر لما في يده. والثالث: نسيانه أن الصدقة التي أعطاها إنما تقع بيد
الرحمن والآخر ما يعود عليه من الخير في ذلك فلنفسه أحسن ولنفسه سعى، فكيف له بالمنة
على ذلك الآخر أنه ما أوصل إليه إلاّ ما هو له، إذ لو كان رزقه ما أوصله إليه فهو مؤد أمانة
من حيث لا يشعر، فجهله بهذه الأمور كلها جعله يمتن بالعطاء على من أوصل إليه راحة