النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... تقرّبت إلى الله بأحب الأمور المقرّبة إليه، وإذا كنت صاحب هذه الصفة كنت سمع الحق وبصره، فلا يسمع إِلاَّ بك ولا يبصر إلاَّ بك فيد الحق يدك ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اَللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] وأيديهم من حيث ما هي يد الله هي فوق أيديهم من حيث ما هي أيديهم فإنها المبايعة اسم فاعل والفاعل هو الله فأيديهم يد الله فبأيديهم بايع تعالى وهم المبايعون، والأسباب كلها يد الحق التي لها الاقتدار على إيجاد المسببات، وهذه هي المحبة العظمى التي ما ورد فيها نص جلي كما ورد في النوافل، فإن للمثابرة على النوافل حباً إلهياً منصوصاً عليه يكون الحق سمع العبد وبصره كما كان الأمر بالعكس في حب أداء الفرائض، ففي الفرض عبودية الاضطرار وهي الأصلية، وفي الفرع وهو النفل عبودية الاختيار، فالحق فيها سمعك وبصرك، ويسمّى نفلاً لأنه زائد، كما أنك بالأصالة زائد في الوجود، إذ كان الله ولا أنت ثم كنت، فزاد الوجود الحادث فأنت نفل في وجود الحق فلا بدّ لك من عمل يسمّى نفلاً هو أصلك، ولا بدّ من عمل يسمّى فرضاً وهو أصل الوجود وهو وجود الحق، ففي أداء الفرض أنت له وفي النفل أنت لك، وحبّه إياك من حيث ما أنت له أعظم وأشد من حبّه إياك من حيث ما أنت لك، وقد ورد في الخبر الصحيح عن الله تعالى: ((ما تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدٌ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أَحْبَيْتُهُ فَكُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي بِهٍ يَسْمَعُ وَبَصَرَهُ الَّذِي بِهِ يُبْصِرُ وَيَدَهُ الَّتِي بِهَا يَبْطِشُ وَرِجْلَهُ الَّتِي بِهَا يَمْشِي، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأَعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَ بِي لأَعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أنا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسٍ عَبْدِيَ المُؤْمِنِ يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ)) فانظر إلى ما تنتجه محبة الله، فثابر على أداء ما يصحّ به وجود هذه المحبة الإلهية، ولا يصح نفل إلاَّ بعد تكملة الفرض، وفي النفل عينه فروض ونوافل فبما فيه من الفروض تكمل الفرائض. رد في الصحيح أنَّهُ يَقُولُ تَعَالَى: ((انْظُرُوا فِي صَلاةِ عَبْدِي أَتَمَّهَا أَمْ نَقَصَها؟ فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً، وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئاً قالَ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوِّعْ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعْ قَالَ الله: أَكْمِلُوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ)) ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم، وليست النوافل إلاَّ ما لها أصل في الفرائض وما لا أصل له في فرض، فذلك إنشاء عيادة مستقلة يسميها علماء الرسوم بدعة، قال الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةٌ أَبْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧] وسمّاها رسول الله وَ ل﴿ سنّة حسنة، والذي سنّها له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ولما لم يكن في قوّة النفل أن يسد مسد الفرض جعل في نفس النفل فروضاً لتجبر الفرائض بالفرائض كصلاة النافلة بحكم الأصل، ثم إنها تشتمل على فرائض من ذكر وركوع وسجود مع كونها في الأصل نافلة، وهذه الأقوال والأفعال فرائض فيها . وصية: وعليك بمراعاة أقوالك كما تراعي أعمالك فإن أقوالك من جملة عملك، ولهذا قال بعض العلماء: من عدّ كلامه من عمله قلّ كلامه، واعلم أن الله راعى أقوال عباده، وأن الله عند لسان كل قائل، فما نهاك الله عنه أن تتلفظ به فلا تتلفظ به وإن لم تعتقده فإن الله سائلك عنه، روينا أن الملك لا يكتب على العبد ما يعمله حتى يتكلم به، قال تعالى: ﴿مَّا الفتوحات المكية ج٨ - م١٦ ٢٤٢ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبُ عَنِيدٌ﴾ [ق: ١٨] يريد الملك الذي يحصي عليك أقوالك. يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٣)﴾ [الانفطار] وأقوالك من كِرَامًا كَئِينَ ١٠ أفعالك انظر في قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُ﴾ فنهاك عن القول فإنه كذب الله من قال مثل هذا القول فإن الله قال فيهم: ﴿بَلْ أَخْيَاءٌ﴾ [البقرة: ١٥٤] ألا ترى إلى قوله تعالى حيث يقول: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وقال: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَّهِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٤٨] وقال: ﴿لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَدُهُمْ﴾ [النساء: ١١٤] وهو القول، فإذا تكلمت فتكلم بميزان ما شرع الله لك أن تتكلم به، وكان رسول الله وَل# يمزح ولا يقول إلاَّ حقاً، فعليك بقول الحق الذي يرضي الله، فما كل حق يقال يرضي الله، فإن النميمة حق والغيبة حق وهي لا ترضي الله، وقد نهيت أن تغتاب، وأن تنم بأحد. ومن مراعاة الله الأقوال ما رويناه في صحيح مسلم عن الله تعالى لما مطرت السماء قال عزّ وجلّ: ((أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وكَافِرٌ، فَمَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ كَافِرٌ بي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ، وَأمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ الله وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنْ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ)) فراعى أقوال القائلين. وكان أبو هريرة يقول: إذا مطرت السماء مطرنا بنوء الفتح ثم يتلو: ﴿مَّا يَفْتَجِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢] ولو كنت تعتقد أن الله هو الذي وضع الأسباب ونصبها وأجرى العادة عندنا بأنه يفعل الأشياء عندها لا بها، ومع هذا كله لا تقل ما نهاك الله عنه أن تقوله وتتلفظ به فإنه كما نهاك عن أمور نهاك عن القول وإن كان حقاً. وانظر ما أحكم قول الله عزّ وجلّ في قوله: مؤمن بي كافر بالكوكب وكافر بي مؤمن بالكوكب، فإنه مهما قال بفضل الله فقد ستر الكوكب حيث لم ينطق باسمه، ومن قال بالكوكب فقد ستر الله، وإن اعتقد أنه الفاعل منزل المطر ولكن لم يتلفظ باسمه فجاء تعالى بلفظ الكفر الذي هو الستر، فإياك والاستمطار بالأنواء أن تتلفظ به فأحرى أن تعتقده، فإن اعتقادك إن كنت مؤمناً أن الله نصبها أدلة عادية وكل دليل عادي يجوز خرق العادة فيه، فاحذر من غوائل العادات ولا تصرفنك عن حدود الله التي حدّ لك فلا تتعداها فإن الله ما حدّها حتى راعاها وذلك في كل شيء، ورد في الخبر الصحيح: ((إنَّ الرَّجُلَ يَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله مَا يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله مَا يَظْنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيُرْفَعُ بِهَا فِي عِلْيِينَ)) فلا تنطق إلاَّ بما يرضي الله لا بما يسخط الله عليك، وذلك لا يتمكن لك إلاّ بمعرفة ما حدّه لك في نطقك، وهذا باب أغفله الناس. قال رسول الله وَلَّ: ((وَهَلْ يُكَبُّ النَّاسُ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلاَّ حَصَائِدَ أَلْسِنَتِهِمْ؟» وقال الحكيم: لا شيء أحق بسجن من لسان، وقد جعله الله خلف بابين الشفتين والأسنان، ومع هذا يكثر الفضول ويفتح الأبواب. وصية: وإياك أن تصوّر صورة بيدك من شأنها أن يكون لها روح فإن ذلك أمر يهوّنه الناس على أنفسهم وهو عند الله عظيم، فالمصوّرون أشد الناس عذاباً يوم القيامة، يقال للمصوّر يوم القيامة: أحي ما خلقت أو انفخ فيها روحاً وليس بنافخ. وقد ورد في الصحيح ٢٤٣ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... عن الله تعالى أنه قال: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقاً كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» وإن العبد إذا راعى هذا القدر وتركه لما ورد عن الله فيه ولم يزاحم الربوبية في تصوير شيء لا من حيوان ولا من غير حيوان فإنه يطلع على حياة كل صورة في العالم فيراه كله حيواناً ناطقاً يسبح بحمد الله، وإذا سامح نفسه في تصوير النبات وما ليس له روح في الشاهد في نظر البصر في المعتاد فلا يطلع على مثل هذا الكشف أبداً فإنه في نفس الأمر لكل صورة من العالم روح أخذ الله بأبصارنا عن إدراك حياة ما يقول عنه أنه ليس بحيوان وفي الآخرة ينكشف الأمر في العموم ولهذا سمّاها بالدار الحيوان، فما ترى فيها شيئاً إلاَّ حياً ناطقاً بخلاف حالك في الدنيا كما روي في الصحيح: ((أَنَّ الحَصَى سَبِّحَ فِي كَفِّ رَسُولِ اللهِ﴾) فجعل الناس خرق العادة في تسبيح الحصى وأخطؤوا، وإنما خرق العادة في سمع السامعين ذلك فإنه لم يزل مسبحاً كما أخبر الله إلاَّ أن يسبح بتسبيح خاص أو هيئة في النطق خاصة لم يكن الحصى قبل ذلك يسبح به ولا على تلك الكيفية، فحينئذ يكون خرق العادة في الحصى لا في سمع السامع، والذي في سمع السامع كونه سمع نطق من لم تجر العادة أن يسمعه. وصية: وعليك يا أخي بعيادة المرضى لما فيها من الاعتبار والذكرى، فإن الله خلق الإنسان من ضعف فينبهك النظر إليه في عيادتك على أصلك لتفتقر إلى الله في قوّة يقويك بها على طاعته، وأن الله عند عبده إذا مرض، ألا ترى إلى المريض ماله استغاثة إلاّ بالله ولا ذكر إلاَّ الله، فلا يزال الحق بلسانه منطوقاً به وفي قلبه التجاء إليه، فالمريض لا يزال مع الله أي مريض كان ولو تطبب وتناول الأسباب المعتادة لوجود الشفاء عندها، ومع ذلك فلا يغفل عن الله وذلك لحضور الله عنده، وأن الله يوم القيامة يقول: ((يا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُذْنِي، قَالَ : يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟ قالَ: أَمَا عَلِمْتَ أنَّ عَبْدِي فَلاناً مَرِضَ فَلَمْ تَعُذْهُ؟ أَمَا إِنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَ جَدْتَنِي عِنْدَهُ)) الحديث. وهو صحيح. فقوله: لوجدتني عنده هو ذكر المريض ربه في سرّه وعلانيته. وكذلك إذا استطعمك أحد من خلق الله أو استسقاك فأطعمه واسقه إذا كنت موجداً لذلك، فإنه لو لم يكن لك من الشرف والمنزلة إلاَّ أن هذا المستطعم والمستسقي قد أنزلك منزلة الحق الذي يطعم عباده ويسقيهم، وهذا نظر قلّ من يعتبره، انظر إلى السائل إذا سأل ويرفع صوته يقول: بالله أعطني فما نطقه الله إلاَّ باسمه في هذه الحال، وما رفع صوته إلاَّ ليسمعك أنت حتى تعطيه فقد سمّاك بالاسم الله والتجأ إليك برفع الصوت التجاءه إلى الله، ومن أنزلك منزلة سيده فينبغي لك أن لا تحرمه وتبادر إلى إعطائه ما سألك فيه. فإن في هذا الحديث الذي سقناه آنفاً في مرض العبد أن الله يقول: ((يا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يا رَبِّ كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟ قالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلاناَ اسْتَطْعَمَكَ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذُلِكَ عِنْدِي، يا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟ قال: أمَا عَلِمْتَ أنَّ عَبْدِي فُلاناً اسْتَسْقَاكَ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذُلِكَ عِنْدِي)) خرّج هذا الحديث مسلم عن محمد بن حاتم عن بهز عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله؛ فأنزل الله ٢٤٤ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... نفسه في هذا الخبر منزلة عبده، فالعبد الحاضر مع الله الذاكر الله في كل حال في مثل هذه الحال يرى الحق أنه الذي استطعمه واستسقاه فيبادر لما طلب الحق منه، فإنه لا يدري يوم القيامة لعله يقام في حال هذا الشخص الذي استطعمه واستسقاه من الحاجة فيكافئه الله على ذلك وهو قوله: (لَوَجَدْتَ ذلِكَ عِنْدِي)) أي تلك الطعمة والشربة كنت أرفعها لك وأربيها حتى تجيء يوم القيامة فأردها عليك أحسن وأطيب وأعظم ممّا كانت، فإن لم تكن لك همة أن ترى هذا الذي استسقاك قد أنزلك منزلة من بيده قضاء حاجته إذ جعلك الله خليفة عنه فلا أقل أن تقضي حاجة هذا السائل بنية التجارة طلباً للربح وتضاعف الحسنة، فكيف إذا وقفت على مثل هذا الخبر ورأيت أن الله هو الذي سألك ما أنت مستخلف فيه فإن الكل لله، وقد أمرك بالإنفاق ممّا استخلفك فيه فقال: ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] وعظم الأجر فيه إذا أنفقت، فلا ترد سائلاً ولو بكلمة طيبة والقه طلق الوجه مسروراً به، فإنك إنما تلقى الله، وكان الحسين أو الحسن عليهما السلام إذا سأله السائل سارع إليه بالعطاء ويقول: أهلاً والله وسهلاً بحامل زادي إلى الآخرة لأنه رآه قد حمل عنه فكان له مثل الراحلة، لأن الإنسان إذا أنعم الله عليه نعمة ولم يحمل فضلها غيره فإنه يأتي بها يوم القيامة وهو حاملها حتى يسأل عنها، فلهذا كان الحسن يقول: إن السائل حامل زاده إلى الآخرة فيرفع عنه مؤنة الحمل . وصية: وإياكم ومظالم العباد فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وظلم العباد أن تمنعهم حقوقهم التي أوجب الله عليك أداءها إليهم، وقد يكون ذلك بالحال فيما تراه عليه من الاضطرار، وأنت قادر واجد لسد خلته ودفع ضرورته، فيتعين عليك أن تعلم أن له بحاله حقاً في مالك، فإن الله ما أطلعك عليه إلاَّ لتدفع إليه حقّه وإلاَّ فأنت مسؤول، فإن لم يكن لك قدرة بما تسد خلته فاعلم أن الله ما أطلعك على حاله سدى، فاعلم أنه يريد منك أن تعينه بكلمة طيبة عند من تعلم أنه يسد خلته، فإن لم تعمل فلا أقل من دعوة تدعو له ولا يكون هذا إلاَّ بعد بذل المجهود واليأس حتى لا يبقى عندك إلاَّ الدعاء، ومهما غفلت عن هذا القدر فأنت من جملة من ظلم صاحب هذا الحال، هذا كله إن مات ذلك المحتاج من تلك الحاجة، فإن لم يمت وسدّ خلته غيرك من المؤمنين فقد أسقط أخوك عنك هذه المطالبة من حيث لا يشعر، فإن المؤمن أخ المؤمن لا يسلمه وإن لم ينو المعطي ذلك ولكن هكذا هو في نفس الأمر وكذا يقبله الله، فإذا أعطيت أنت سائلاً بالحال ضرورته فانو في ذلك أن تنوب عن أخيك المؤمن الأوّل الذي حرمه، وتجعل ذلك منه إيثاراً لجنابك عليه بذلك الخير الذي أبقاه من أجلك حتى تصيبه، إذ لو أعطاه اقتنع بما أعطاه ولم تكن تجد أنت ذلك الخير، فبهذه النية عطاء العارفين أصحاب الضرورات السائلين بأحوالهم وأقوالهم ﴿ وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلَ نَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] وسواء كان ذلك في الوقت المحسوس أو المعنوي فإن العلم من هذا الباب والإفادة، فإن الضال يطلب الهداية، والجائع يطلب الإطعام، والعاري يطلب الكسوة التي تقيه برد الهواء وحرّه وتستر عورته، والجاني العالم بأنك قادر على مؤاخذته يطلب منك العفو عن جنايته، فأهد الجيران وأطعم الجائع واسق الظمآن واكس العريان، واعلم أنك فقير لما يفتقر إليك فيه ٢٤٥ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... ﴿فَإِنَّ اللََّ غَنِىُّ عَنِ اُلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] ومع هذا يجيب دعاءهم ويقضي حوائجهم ويسألهم أن يسألوه في دفع المضار عنهم وإيصال المنافع إليهم، فأنت أولى أن تعامل عباد الله بمثل هذا لحاجتك إلى الله في هذه الأمور. خرج مسلم في الصحيح عن عبد الله بن عبد الرحمن بن بهرام الدارمي عن مروان بن محمد الدمشقي عن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر عن النبي وَ لّ فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: ((يا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْتُ الظَّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً فَلا تَظَالَمُوا، يا عِبَادِي كُلَكُمْ ضَالٍّ إلَّ مَنْ هَدَّيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمُكُمْ، يا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسِكُمْ، يا عِبَادِي أَنْتُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأنا أغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ)) والحق تعالى يعطيكم هذا كله من غير سؤال منك إياه فيه ولكن مع هذا أمرك أن تسأله فيعطيك إجابة لسؤالك ليريك عنايته بك حيث قبل سؤالك، وهذه منزلة أخرى زائدة على ما أعطاك، وإذا كان سؤالك عن أمره وقد علم منك أنك تسأله ولا بدّ من ضرورة أصل ما خلقت عليه من الحاجة والسؤال لتكون في سؤالك مؤدّياً أمراً واجباً فتجزى جزاء من امتثل أمر الله فتزيد خيراً إلى خير، فما أمرك إلاَّ رحمة بك وإيصال خير إليك، ولينبهك على أن حاجتك إليه لا إلى غيره، فإنه ما خلقك إلاَّ لعبادته أي لتذلّ له، فالذي أوصيك به الوقوف عند أوامر الحق ونواهيه والفهم عنه في ذلك حتى تكون من العلماء بما أراده الحق منك في أمره ونهيه إياك، ومن لم يسأل ربه فقد بخله هذا في حق العموم، فإن فرّطت فيما أوصيتك به فلا تلومن إلاَّ نفسك، فإنك إن كنت جاهلاً فقد علمتك وإن كنت ناسياً وغافلاً فقد نبهتك وذكرتك، فإن كنت مؤمناً فإن الذكرى تنفعك، فإني قد امتثلت أمر الله بما ذكرتك به، وانتفاعك بالذكرى شاهد لك بالإيمان، قال الله عزّ وجلّ في حقي وفي حقك ﴿وَذَّكْرٌ فَإِنَّ الذِّكْرَى نَنَفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] فإن لم تنفعك الذكرى فاتهم نفسك في إيمانك فإن الله صادق وقد أخبر بأن الذكرى تنفع المؤمنين. ومن تمام هذا الخبر الإلهيّ الذي أوردناه بعد قوله: ((أغفر لكم)) أن قال: ((يا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَتْفَعُونِي)) ومعلوم أنه سبحانه لا يتضرر ولا ينتفع فإنه الغنيّ عن العالمين، ولكن لما أنزل نفسه منزلة عبده فيما ذكرناه من الاستطعام والاستسقاء نبهنا بالعجز عن بلوغ الغاية في ضرّ العباد له أو في نفعهم، فمن المحال بلوغ الغاية في ذلك، ولكون الله قد قال في حق قوم ﴿بِأَنَّهُمُ أَتَبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اَللَّهَ﴾ [محمد: ٢٨] وهو في الظاهر ضرر نزّه نفسه عن ذلك، وكذلك من فعل فعلاً يرضي الله به ويفرحه كالتائب في فرح الله بتوبة عبده فكان هذا الخبر كالدواء لما يطرأ من المرض من ذلك في بعض النفوس الضعيفة في العلم بالله التي لا علم لها بما يعطيه قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ثم من تمام هذا الخبر قوله: ((يا عِبَادِي لَوْ أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِئَّكُمْ كَانُوا عَلَى أتْقَى قَلْبٍ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا زَادَ ذُلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً، يا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ واحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ ما نَقَصَ ذُلِكَ مِمَّا ٢٤٦ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... عِنْدِي إلاَّ كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا دَخَلَ فِي البَحْرِ)) وهذا كله دواء لما ذكرناه من أمراض النفوس الضعيفة، فاستعمل يا وليّ هذه الأدوية يقول الله: ((إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُخْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِيكُمْ إِيَّاها فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ الله وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذُلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ)) ومن سأل عن حاجة فقد ذلّ ومن ذلّ لغير الله فقد ضلّ وظلم نفسه ولم يسلك بها طريق هداها، وهذه وصيتي إياك فالزمها ونصيحتي فاعلمها، وما زال الله تعالى يوصي عباده في كتابه وعلى ألسنة رسله، فكل من أوصاك بما في استعماله سعادتك فهو رسول من الله إليك فاشكره عند ربك. وصية: إذا رأيت عالماً لم يستعمله علمه فاستعمل أنت علمك في أدبك معه حتى توفي العالم حقّه من حيث ما هو عالم، ولا تحجب عن ذلك بحاله السيىء فإن له عند الله درجة علمه، فإن الإنسان يحشر يوم القيامة مع من أحب، ومن تأذّب مع صفة إلهية كسيها يوم القيامة وحشر فيها، وعليك بالقيام بكل ما تعلم أن الله يحبه منك فتبادر إليه فإنك إذا تحليت به على طريق التحبّب إليه تعالى أحبك، وإذا أحبك أسعدك بالعلم به وبتجليه وبدار كرامته فينعمك في بلائك، والذي يحبه تعالى أمور كثيرة، أذكر منها ما تيسر على جهة الوصية والنصيحة، فمن ذلك التجمل لله فإنه عبادة مستقلة ولا سيما في عبادة الصلاة فإنك مأمور به قال الله تعالى: ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَّكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] وقال في معرض الإنكار: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ اَلَِّىِّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَاَلَِّبَتِ مِنَ الْرِّزْقِ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَمَةُ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢] وأكثر من هذا البيان في مثل هذا في القرآن فلا يكون، ولا فرق بين زينة الله وزينة الحياة الدنيا إلاَّ بالقصد والنية، وإنما عين الزينة هي هي ما هي أمر آخر، فالنية روح الأمور، وإنما لامرىء ما نوى، فالهجرة من حيث ما كانت هجرة واحدة العين: ((فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)) وكذلك ورد في الصحيح في بيعة الإمام في الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. وفيه ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلاَّ لدنيا فإن أعطاه منها وفّى وإن لم يعطه منها لم يف، فالأعمال بالنيات وهي أحد أركان بيت الإسلام. وورد في الصحيح في مسلم: أنَّ رَجُلاً قالَ لِرَسُولِ اللهِ وَّه: يا رسول الله إني أحبُّ أن يكون نعلي حسناً وثوبي حسناً فقال له رسول اللّهِ الَّه: ((إنَّ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ)) وقال: ((إنَّ الله أوْلَى مَنْ يُتَجَمَّلُ لَهُ)). ومن هذا الباب: كون الله تعالى لم يبعث إليه جبريل في أكثر نزوله عليه إلاَّ في صورة دحية وكان أجمل أهل زمانه، وبلغ من أثر جماله في الخلق أنه لما قدم المدينة واستقبله الناس ما رأته امرأة حامل إلاَّ ألقت ما فيه بطنها، فكأن الحق يقول يبشر نبيه وَله بإنزال جبريل عليه في صورة دحية: يا محمد ما بيني وبينك إلاَّ صورة الجمال، يخبره تعالى بما له في نفسه سبحانه بالحال، فمن فاته التجمّل الله كما قلناه فقد فاته من الله هذا الحب الخاص المعين، وإذا فاته هذا الحب الخاص المعين فاته من الله ما ينتجه من علم وتجلّ وكرامة في دار السعادة، ومنزلة في كثيب الرؤية وشهود معنويّ علمي روحي في هذه الدار الدنيا في سلوكه ٢٤٧ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... ومشاهده، ولكن كما قلنا ينوي بذلك التجمّل الله لا للزينة والفخر بعرض الدنيا والزهو والعجب والبطر على غيره. ومن ذلك: الرجوع إلى الله عند الفتنة فإن الله يحب كل مفتن تواب كذا قال رسول اللهِ الَّه: قال الله عزّ وجلّ: ﴿فَلَقَ الْمَوْتَ وَاَلْحَيَوَةَ لِبْلُوَّكُمْ أَبُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] والبلاء والفتنة بمعنى واحد وليس إلا الاختبار لما هو الإنسان عليه من الدعوى ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْنَئُكَ﴾ أي اختبارك ﴿تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ﴾ أي تحيره ﴿ وَتَهْدِى مَن تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] أي تبين له طريق نجاته فيها . وأعظم الفتن النساء والمال والولد والجاه، هذه الأربعة إذا ابتلى الله بها عبداً من عباده أو بواحد منها وقام فيها مقام الحق في نصبها له ورجع إلى الله فيها ولم يقف معها من حيث عينها وأخذها نعمة إلهية أنعم الله عليه بها فردته إليه تعالى وأقامته في مقام حق الشكر الذي أمر الله نبيه عليه السلام موسى به فقال له: ((يَا مُوسَى اشْكُرْنِي حَقَّ الشُّكْرِ، قال موسى: يا ربِّ وَمَا حَقُّ الشُّكْرِ؟ قال له: يا موسَى إذا رَأَيْتَ النّعمَةَ مِنِّي فذلك حَقُّ الشُّكْرِ)) ذكره ابن ماجة في سننه عن رسول الله وَ﴾. ولما غفر الله لنبيه محمد وَلَهله ما تقدم من ذنبه وما تأخر وبشره ذلك بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَّقَّدَّمَ مِن ذَنْكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] قام حتى تورمت قدماه شكراً الله تعالى على ذلك فما فتر ولا جنح إلى الراحة، ولما قيل له في ذلك وسئل في الرفق بنفسه قال ◌َله: ((أَفَلا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً)) وذلك لما سمع الله يقول: إن الله يحب الشاكرين فإن لم يقم في مقام شكر المنعم فاته من الله هذا الحب الخاص بهذا المقام الذي لا يناله من الله إلاّ الشكور، فإن الله يقول: ﴿وَقَلِلٌ مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وإذا فاته فاته ماله من العلم بالله والتجلي والنعيم الخاص به في دار الكرامة وكثيب الرؤية يوم الزور الأعظم، فإنه لكل حب إلهيّ من صفة خاصة علم وتجلّ ونعيم ومنزلة لا بدّ من ذلك يمتاز بها صاحب تلك الصفة من غيره . فأما فتنة النساء فصورة رجوعه إلى الله في محبتهنّ بأن يرى أن الكل أحب بعضه وحنّ إليه فما أحبّ سوى نفسه، لأن المرأة في الأصل خلقت من الرجل من ضلعه القصيرى فينزلها من نفسه منزلة الصورة التي خلق الله الإنسان الكامل عليها وهي صورة الحق فجعلها الحق مجلى له، وإذا كان الشيء مجلى للناظر فلا يرى الناظر في تلك الصورة إلاَّ نفسه، فإذا رأى في هذه المرأة نفسه اشتدّ حبه فيها وميله إليها لأنها صورته، وقد تبين لك أن صورته صورة الحق التي أوجده عليها فما رأى إلاَّ الحق ولكن بشهوة حب والتذاذ وصلة يفنى فيها فناء حق بحب صدق وقابلها بذاته مقابلة المثلية ولذلك فني فيها فما من جزء فيه إلاَّ وهو فيها، والمحبة قد سرت في جميع أجزائه فتعلق كله بها فلذلك فني في مثله الفناء الكلي بخلاف حبّه غير مثله فاتحد بمحبوبه إلى أن قال: ((أنا من أهوى ومن أهوى أنا)). وقال الآخر في هذا المقام: ((أنا الله)) فإذا أحببت مثلك شخصاً هذا الحب ردّك إلى الله شهودك فيه هذا الردّ فأنت ممّن أحبه الله وكانت هذه الفتنة فتنة أعطتك المهداة. وأما الطريقة الأخرى في حب النساء ٢٤٨ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... فإنهن محال الانفعال والتكوين لظهور أعيان الأمثال في كل نوع، ولا شك أن الله ما أحب أعيان العالم في حال عدم العالم إلاَّ لكون تلك الأعيان محل الانفعال، فلما توجه عليها من كونه مريداً قال لها ﴿كُنْ﴾ [النحل: ٤٠] فكانت فظهر ملكه بها في الوجود، وأعطت تلك الأعيان لله حقه في ألوهته فكان إلهاً فعبدته تعالى بجميع الأسماء بالحال، سواء علمت تلك الأسماء أو لم تعلمها، فما بقي اسم الله إلاّ والعبد قد قام فيه بصورته وحاله وإن لم يعلم نتيجة ذلك الاسم وهو الذي قال فيه رسول الله وَّر في دعائه بأسماء الله: (أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْم غَيْبِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أحَدَاً مِنْ خَلْقِكَ)) يعني من أسمائه أن يعرف عينه حتى يفصله من غيره علماً فإنّ كثيراً من الأمور في الإنسان بالصورة والحال ولا يعلم بها ويعلم الله منه أن ذلك فيه، فإذا أحبّ المرأة لما ذكرناه فقد ردّه حبها إلى الله تعالى فكانت نعمة الفتنة في حقّه فأحبه الله برجعته إليه تعالى في حبّه إياها. وأما تعلقه بامرأة خاصة في ذلك دون غيرها وإن كانت هذه الحقائق التي ذكرناها سارية في كل امرأة فذلك لمناسبة روحانية بين هذين الشخصين في أصل النشأة والمزاج الطبيعي والنظر الروحي، فمنه ما يجري إلى أجل مسمّى ومنه ما يجري إلى غير أجل بل أجله الموت، والتعلق لا يزول كحب النبيّ وَّر عائشة فإنه كان يحبها أكثر من حبه جميع نسائه، وحبه أبا بكر أيضاً وهو أبوها، فهذه المناسبات الثواني هي التي تعين الأشخاص، والسبب الأوّل هو ما ذكرناه، ولذلك الحب المطلق والسماع المطلق والرؤية المطلقة التي يكون عليها بعض عباد الله ما تختص بشخص في العالم دون شخص، فكل حاضر عنده له محبوب وبه مشغول، ومع هذا لا بد من ميل خاص لبعض الأشخاص لمناسبة خاصة مع هذا الإطلاق لا بدّ من ذلك، فإن نشأة العالم تعطى في آحاده هذا لا بدّ من تقييد، والكامل من يجمع بين التقييد والإطلاق، فالإطلاق مثل قول النبي وَلَهُ: ((حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلاثٌ: النِّسَاءُ)) وما خصّ امرأة من امرأة. ومثل التقييد ما روي من حبه عائشة أكثر من سائر نسائه لنسبة إلهية روحانية قيدته بها دون غيرها مع كونه يحب النساء، فهذا قد ذكرنا من الركن الواحد ما فيه كفاية لمن فهم. وأما الركن الثاني من بيت الفتن وهو الجاه المعبر عنه بالرياسة، يقول فيه: الطائفة التي لا علم لها منهم آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرياسة، فالعارفون من أصحاب هذا القول ما يقولون ذلك على ما تفهمه العامة من أهل الطريق منهم، وإنما ذلك على ما نبينه من مقصود الكمل من أهل الله بذلك، وذلك أن في نفس الإنسان أموراً كثيرة خبّأها الله فيه وهو ﴿الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبَْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥] أي ما ظهر منكم وما خفي ممّا لا تعلمونه منكم فيكم، فلا يزال الحق يخرج لعبده من نفسه ممّا أخفاه فيها ما لم يكن يعرف أن ذلك في نفسه، كالشخص الذي يرى منه الطبيب من المرض ما لا يعرفه العليل من نفسه، كذلك ما خبّأه الله في نفوس الخلق، ألا تراه يقول وَلّ: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) وما كل أحد يعرف نفسه مع أن نفسه عينه لا غير ذلك، فلا يزال الحق يخرج للإنسان من نفسه ما خبّأه فيها فيشهده فيعلم من نفسه عند ذلك ما لم يكن يعلمه قبل ذلك، ٢٤٩ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... فقالت الطائفة الكثيرة: آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرياسة فيظهر لهم إذا خرج فيحبون الرياسة بحب غير حب العامة لها فإنهم يحبوها من كونهم على ما قال الله فيهم أنه سمعهم وبصرهم وذكر جميع قواهم وأعضاءهم، فإذا كانوا بهذه المثابة فما أحبوا الرياسة إلاَّ بالله إذ التقدم الله على العالم فإنهم عبيده، وما كان الرئيس إلاَّ بالمرؤوس وجوداً وتقديراً، فحبّه للمرؤوس أشدّ الحب لأنه المثبت له الرياسة، فلا أحب من الملك في ملكه لأن ملكه المثبت له كونه ملكاً، فهذا معنى آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرياسة لهم فيرونه ويشهدونه ذوقاً لا أنه يخرج من قلوبهم فلا يحبون الرياسة فإنهم إن لم يحبوها فما حصل لهم العلم بها ذوقاً، وهي الصورة التي خلقهم الله عليها في قوله وَّر: ((إِنَّ الله خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)) في بعض تأويلات هذا الخبر ومحتملاته فاعلم ذلك. والجاه إمضاء الكلمة ولا أمضى كلمة من قوله: ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] فأعظم الجاه من كان جاهه بالله، فيرى هذا العبد مع بقاء عينه فيعلم عند ذلك أنه المثل الذي لا يماثل فإنه عبد رب والله عزّ وجلّ رب لا عبد فله الجمعية وللحق الانفراد. وأما الركن الثالث وهو المال، وما سمّي المال بهذا الاسم إلاَّ لكونه يمال إليه طبعاً، فاختبر الله به عباده حيث جعل تيسير بعض الأمور بوجوده وعلّق القلوب بمحبة صاحب المال وتعظيمه ولو كان بخيلاً فإن العيون تنظر إليه بعين التعظيم لتوهم النفوس باستغنائه عنهم لما عنده من المال، وربما يكون صاحب المال أشدّ الناس فقراً إليهم في نفسه، ولا يجد في نفسه الاكتفاء ولا القناعة بما عنده فهو يطلب الزيادة ممّا بيده. ولما رأى العالم ميل القلوب إلى رب المال لأجل المال أحبّوا المال فطلب العارفون وجهاً إلهياً يحبون به المال إذ ولا بدّ من حبّه، وهنا موضع الفتنة والابتلاء التي لها الضلالة والمهداة، فأما العارفون فنظروا إلى أمور إلهية منها قوله تعالى: ﴿وَأَفْرِضُوْ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنَّا﴾ [المزمل: ٢٠] فما خاطب إلاَّ أصحاب الجدة فأحبّوا المال ليكونوا من أهل الخطاب فيلتذوا بسماعه حيث كانوا، فإذا أقرضوه رأوا أن الصدقة تقع بيد الرحمن فحصل لهم بالمال وإعطائه مناولة الحق منهم ذلك فكانت لهم وصلة المناولة، وقد شرّف الله آدم بقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىٌّ﴾ [ص: ٧٥] فمن يعطيه عن سؤاله القرض أتم في الالتذاذ بالشرف ممّن خلقه بيده، فلولا المال ما سمعوا ولا كانوا أهلاً لهذا الخطاب الإلهيّ ولا حصل لهم بالقرض هذا التناول الرباني، فإن ذلك يعمّ الوصلة مع الله، فاختبرهم الله بالمال ثم اختبرهم بالسؤال منه وأنزل الحق نفسه منزلة السائلين من عباده أهل الحاجة أهل الثروة منهم والمال بقوله في الحديث المتقدم في هذا الباب: ((يَا عَبْدِي اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي وَاسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِني)) فكان لهم بهذا النظر حب المال فتنة مهداة إلى مثل هذا. وأما فتنة الولد: فلكونه سرّ أبيه وقطعة من كبده وألصق الأشياء به، فحبه حب الشيء نفسه، ولا شيء أحب إلى الشيء من نفسه، فاختبره الله بنفسه في صورة خارجة عنه سمّاه ولداً ليرى هل يحجبه النظر إليه عمّا كلفه الحق من إقامة الحقوق عليه، يقول رسول الله ولم في حق ابنته فاطمة ومكانتها من قلبه المكانة التي لا تجهل: ((لَوْ أَنَّ فَاطِمَة بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ ٢٥٠ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... قَطَعْتُ يَدَهَا)) وجلد عمر بن الخطاب ابنه في الزنى فمات ونفسه بذاك طيبة، وجاد ماعز بنفسه والمرأة في إقامة الحدّ عليهما الذي فيه إتلاف نفوسهما وقال في توبتهما رسول الله وَلَر، وأي توبة أعظم من أن جادت بنفسها، والجود بإقامة الحق المكروه على الولد أعظم في البلاء، يقول الله في موت الولد في حق الوالد: ((مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا عِنْدِي جَزَاءٌ إلَّ الجَنَّةَ)) فمن أحكم هذه الأركان التي هي من أعظم الفتن وأكبر المحن وآثر جناب الحق ورعاه فيها فذلك الرجل الذي لا أعظم منه في جنسه. ومن وصيتي إياك: أنك لا تنام إلاَّ على وتر لأن الإنسان إذا نام قبض الله روحه إليه في الصورة التي يرى نفسه فيها إن رأى رؤيا فإن شاء ردّها إليه إن كان لم ينقض عمره وإن شاء أمسكها إن كان قد جاء أجله، فالاحتياط أن الإنسان الحازم لا ينام إلاَّ على وتر، فإذا نام على وتر نام على حالة وعمل يحبه الله، ورد في الخبر الصحيح: ((إنَّ الله وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ)) فما أحب إلاَّ نفسه، وأي عناية وقرب أعظم من أن أنزلك منزلة نفسه في حبّه إياك إذا كنت من أهل الوتر في جميعٍ أفعالك التي تطلب العدد والكمية، وقد أمرك الله تعالى على لسان رسوله وَ﴿ فقال: (أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ القُرْآنِ)) وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته، وكذلك إذا اكتحلت فاكتحل وتراً في كل عين واحدة أو ثلاثة فإن كل عين عضو مستقل بنفسه، وكذلك إذا طعمت فلا تنزع يدك إلاَّ عن وتر، وكذلك شربك الماء في حسواتك إياه اجعله وتراً، وإذا أخذك الفواق اشرب من الماء سبع حسوات فإنه ينقطع عنك، هذا جربته بنفسي، وإذا تنفست في شربك فتنفس ثلاث مرات وأزل القدم عن فيك عند التنفس هكذا أمرك رسول الله وج له فإنه أبرأ وأمرأ وأروى. وإذا تكلمت بالكلمة لتفهم السامع فأعدها عليه ثلاث مرّات وتراً حتى تفهم عنك، فهكذا كان يفعل رسول الله وَ الر، فإني ما أوصيك إلاَّ بما جرت السنّة الإلهية عليه، وهذا هو عين الاتباع الذي أمرك الله تعالى به في القرآن فقال: ﴿إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فهذه محبة الجزاء. وأما محبته الأولى التي ليست جزاء فهي المحبة التي وفقك بها للاتباع، فحبك قد جعله الله بين حبين إلهيين: حب منة وحب جزاء، فصارت المحبة بينك وبين الله وتراً حب المنة وهو الذي أعطاك التوفيق للاتباع، وحبك إياه وحبّه إياك جزاء من كونك اتبعت ما شرعه لك ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَهُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وبهذه الآية ثبتت عصمة رسول الله وَالر، فإنه لو لم يكن معصوماً ما صحّ التأسي به، فنحن نتأسى برسول الله وّ في جميع حركاته وسكناته وأفعاله وأحواله وأقواله ما لم ينه عن شيء من ذلك على التعيين في كتاب أو سنّة، مثل نكاح الهبة خالصة لك من دون المؤمنين، ومثل وجوب قيام الليل عليه والتهجد فهو ◌َ له يقومه فرضاً نحن نقومه تأسياً وندباً فاشتركنا في القيام، يقول أبو هريرة: أوصاني خليلي وَلّ بثلاث فأوتر في وصيته وفيها أن لا أنام إلاَّ على وتر. وورد في الحديث الصحيح: ((إنَّ اللَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً مِائَةَ إلاَّ وَاحِداً مَنْ أَخْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ)) فإن الله وتر يحب الوتر. وقد تقدم في هذا الكتاب في باب سؤالات الترمذي الحكيم وهو آخر أبواب فصل المعارف في حب الله التوابين والمتطهرين والشاكرين ٢٥١ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... والصابرين والمحسنين وغيرهم ممّا ورد أن الله يحب إتيانه، كما وردت أشياء لا يحبها الله قد ذكرناها في هذا الكتاب فأغنى عن إعادتها . وصية: عليك بمراقبة الله عزّ وجلّ فيما أخذ منك وفيما أعطاك فإنه تعالى ما أخذ منك إلاَّ لتصبر فيحبك فإنه يحب الصابرين، وإذا أحبك عاملك معاملة المحب محبوبه فكان لك حيث تريد إذا اقتضت إرادتك مصلحتك، وإذا لم تقتض إرادتك مصلحتك فعل بحبه إياك معك ما تقتضيه المصلحة في حقك، وإن كنت تكره في الحال فعله معك فإنك تحمد بعد ذلك عاقبة أمرك، فإن الله غير متهم في مصالح عبده إذا أحبه، فميزانك في حبه إياك أن تنظر إلى ما رزقك من الصبر على ما أخذه منك ورزأك فيه من مال أو أهل، أو ما كان ممّا يعزّ عليك فراقه، وما من شيء يزول عنك من المألوفات إلاَّ ولك عوض منه عند الله إلاَّ الله كما قال بعضهم: [البسيط] وليس لله إن فَارَقْتَ من عِوَضٍ ـكُلّ شيء إذا فَارَقْتَهُ عِوَضٌ فإنه لا مثل له، وكذلك إذا أعطاك وأنعم عليك، ومن جملة ما أنعم به عليك وأعطاك الصبر على ما أخذه منك، فأعطاك لتشكر كما أخذ منك لتصبر، فإنه تعالى يحب الشاكرين، وإذا أحبك حب الشاكرين غفر لك. قال رسول الله وَّير في رجل رأى غصن شوك في طريق الناس فنحاه: ((فَشَكَرَ الله فِعْلَهُ فَغَفَرَ لَهُ)) فإن الإيمان بضع وسبعون شعبة أدناها إماطة الأذى عن الطريق وهو ما ذكرناه، وأرفعها قول: لا إله إلاَّ الله، فالمؤمن الموفق يبحث عن شعب الإيمان فيأتيها كلها، وبحثه عن ذلك من جملة شعب الإيمان، فذلك هو المؤمن الذي حاز الصفة وملأ يديه من الخير، وما شكرك الله بسبب أمر أتيته ممّا شرع لك الإتيان به إلاَّ لتزيد في أعمال البرّ، كما أنك إذا شكرته على ما أنعم به عليك زادك من نعمه لقوله: ﴿لَيْن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] ووصف نفسه بأنه يشكر عباده فهو الشكور فزاده كما زادك لشكرك، ومع هذا فاعتقد أن كل شيء عنده بمقدار وكل شيء في الدنيا يجريٍ إلى أجل مسمّى عند الله، فما ثم شيء في العالم إلاَّ وهو الله فإن أخذه منك فما أخذه إلاّ إليه، وإن أعطاك فما أعطاك إلاَّ منه، فالأمر كله منه وإليه، وكفى بك إذا علمت أن الأمر على ما أعلمتك أن تكون مع الله تشهده في جميع أحوالك من أخذ وعطاء فإنك لن تخلو في نفسك من أخذ وعطاء في كل نفس أوّل ذلك أنفاسك التي بها حياتك، فيأخذ منك نفسك الخارج بما خرج من ذكر بقلب أو لسان، فإن كان خيراً ضاعف لك أجره، وإن كان غير ذلك فمن كرمه وعفوه يغفر لك ذلك ويعطيك نفسك الداخل بما شاءه وهو وارد وقتك، فإن ورد بخير فهو نعمة من الله فقابلها بالشكر، وإن كان غير ذلك ممّا لا يرضي الله فاسأله المغفرة والتجاوز والتوبة، فإنه ما قضى بالذنوب على عباده إلاَّ ليستغفروه فيغفر لهم ويتوبوا إليه فيتوب عليهم. وورد في الحديث: (لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللّه بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ وَيَتُوبُونَ فَيَغْفِرُ اللهِ لَهُمْ وَيَتُوبُ عَلَيْهِمْ)) حتى لا يتعطلِ حكم من الأحكام الإلهية في الدنيا. ورد في الصحيح عن رسول الله وَلّ أنه قال: ((للَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّى فَإِذا انْتَهَى أَجَلُهُ انْقَضَى وَجَاءَ ٢٥٢ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... غَيْرُهُ)) وإنما قال رسول الله وَ ل هذا معرفاً إيانا بما هو الأمر عليه لنسلم الأمر إليه فنرزق درجة التسليم والتفويض مع بذل المجهود فيما يحب منا أن نرجع إليه فيه بحسب الحال إن كان في المخالفة فبالتوبة والاستغفار، وفي الموافقة بالشكر وطلب الإقامة على طاعة الله وطاعة رسوله، ونجد عزاء في نفوسنا بمعرفتنا أن كل شيء عند الله في الدنيا يجري إلى أجل مسمّى، وللصابرين حمد يخصهم وهو الحمد لله على كل حال، وللشاكرين حمد يخصهم وهو الحمد الله المنعم المفضل، كذا كان يحمد رسول الله وَ# ربّه عزّ وجلّ في حالة السّاء والضرّاء، والتأسي برسول الله وَي في ذلك أولى من أن تستنبط حمداً آخر، فإنه لا أعلى ممّا وضعه العالم المكمل الذي شهد الله له بالعلم به وأكرمه برسالته واختصاصه وأمرنا بالإقتداء به واتباعه، فلا تحدث أمراً ما استطعت فإنك إذا سننت سنّة لم يجىء مثلها عن رسول الله وَ له وهي حسنة فإن لك أجرها وأجر من عمل بها، وإذا تركت تسنينها اتباعاً لكون رسول الله والات لم يسنّها فإن أجرك في اتباعك ذلك أعني ترك التسنين أعظم من أجرك من حيث ما سننت بكثير، فإن النبيّ وَّ كان يكره كثرة التكليف على أمته، وكان يكره لهم أن يسألوا في أشياء مخافة أن ينزل عليهم في ذلك ما لا يطيقونه إلاَّ بمشقة، ومن سنّ فقد كلف وكان النبيّ وَّل أولى بذلك ولكن تركه تخفيفاً، فلهذا قلنا: الاتباع في الترك أعظم أجراً من التسنين، فاجعل بالك لما ذكرته لك. ولقد بلغني عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه ما أكل البطيخ فقيل له في ذلك فقال: ما بلغني كيف كان رسول الله وَل* يأكله، فلما لم تبلغ إليه الكيفية في ذلك تركه، وبمثل هذا ما تقدم علماء هذه الأمّة على سائر علماء الأمم هكذا هكذا وإلاَّ فلا لا، فهذا الإمام علم وتحقق معنى قوله تعالى: عن نبيه وَالثّ: ﴿فَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وقوله: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسُوَّةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] والاشتغال بما سنّ من فعل وقول وحال أكثر من أن نحيط به، فكيف أن نتفرّغ لنسن؟ فلا نكلف الأمة أكثر مما ورد. وصية: عليك بأداء الأوجب من حق الله وهو أن لا تشرك به شيئاً من الشرك الخفي الذي هو الاعتماد على الأسباب الموضوعة والركون إليها بالقلب والطمأنينة بها وهي سكون القلب إليها وعندها، فإن ذلك من أعظم رزية دينية في المؤمن وهو قوله والله أعلم من باب الإشارة: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] يعني والله أعلم به هذا الشرك الخفي الذي يكون معه الإيمان بوجود الله والنقص في الإيمان بتوحيد الله في الأفعال لا في الألوهة، فإن ذلك هو الشرك الجلي الذي يناقض الإيمان بتوحيد الله في ألوهته لا الإيمان بوجود الله. ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله ربَّ أنه قال: ((أَتَذْرُونَ ما حَقُّ الله عَلَى العِبَادِ؟ أَنْ يَعْبُدُوهُ لا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً)) فأتى بلفظة شيء وشيء نكرة فدخل فيه الشرك الجلي والخفي. ثم قال: ((أَتَذَرُونَ ما حَقُّهُمْ عَلَى الله إذا فَعَلُوا ذُلِكَ؟ أنْ لا يُعَذِّبَهُمْ)) فاجعل بالك من قوله: أن لا يعذبهم فإنهم إذا لم يشركوا بالله شيئاً لم يتعلق لهم خاطر إلا بالله إذ لم يكن لهم توجه إلاَّ إلى الله، وإذا أشركوا بالله الشرك الناقض للإسلام أو الشرك الخفي الذي هو النظر إلى الأسباب المعتادة فإن الله قد عذبهم بالاعتماد عليها لأنها معرضة للفقد، ففي ٢٥٣ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... حال وجودها يتعذبون بتوهم فقدها وبما ينقص منها، وإذا فقدوها تعذبوا بفقدها فهم معذبون على كل حال في وجود الأسباب وفقدها، وإذا لم يشركوا بالله شيئاً من الأسباب استراحوا ولم يبالوا بفقدها ولا بوجودها، فإن الذي اعتمدوا عليه وهو الله قادر على إتيان الأمور من حيث لا يحتسبون كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ يَخْرَجًا وَبَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبٌ﴾ [الطلاق: ٢- ٣] ولقد قال في ذلك بعضهم نظماً وهو: [المتقارب] كما قال من أمْرِهِ مَخْرَجَا ومَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ له وإن ضَاقَ أمْرٌ به فَرَجَا ويَرْزُقْهُ من غير حُسْبَانِهِ فمن علامة التحقق بالتقوى أن يأتي رزقه من حيث لا يحتسب، وإذا أتاه من حيث يحتسب فما تحقق بالتقوى ولا اعتمد على الله، فإن معنى التقوى في بعض وجوهه أن تتخذ الله وقاية من تأثير الأسباب في قلبك باعتمادك عليها والإنسان أبصر بنفسه وهو يعلم من نفسه بمن هو أوثق وبما تسكن إليه نفسه ولا يقول: إن الله أمرني بالسعي على العيال وأوجب عليّ النفقة عليهم فلا بدّ من الكدّ في الأسباب التي جرت العادة أن يرزقهم الله عندها، فهذا لا يناقض ما قلناه، فنحن إنما نهيناك عن الاعتماد عليها بقلبك والسكون عندها ما قلنا لك لا تعمل بها، ولقد نمت عند تقييدي هذا الوجه ثم رجعت إلى نفسي وأنا أنشد بيتين لم أكن أعرفهما قبل ذلك وهما: [السريع] فكُلُ أمْرٍ بِيَدِ اللَّهِ لا تَعْتَمِدْ إلاَّ على اللَّهِ فلا تَكُنَ إلاَّ مع اللَّهِ وهذه الأسبابُ حِجَابُهُ فانظر في نفسك فإن وجدت أن القلب سكن إليها فاتهم إيمانك واعلم أنك لست ذلك الرجل، وإن وجدت قلبك ساكناً مع الله واستوى عندك حالة فقد السبب المعين وحالة وجوده ولكن مع الفقد يكون ذلك فاعلم أنك ذلك الرجل الذي آمن ولم يشرك بالله شيئاً وإنك من القليل فإن رزقك من حيث لا تحتسب، فذلك بشرى من الله أنك من المتقين، ومن سر هذه الآية أن الله وإن رزقك من السبب المعتاد الذي في خزانتك وتحت حكمك وتصريفك وأنت متق أي قد اتخذت الله وقاية فإنه الواقي إنك مرزوق من حيث لا تحتسب، فإنه ليس في حسبانك أن الله يرزقك، ولا بدّ ممّا بيدك ومن الحاصل عندك، فما رزقك إلاَّ من حيث لا تحتسب، وإن أكلت وارتزقت من ذلك الذي بيدك فاعلم ذلك فإنه معنى دقيق، ولا يشعر به إلاَّ أهل المراقبة الإلهية الذين يراقبون بواطنهم وقلوبهم، فإن الوقاية ليست إلاَّالله تمنع العبد من أن يصل إلى الأسباب بحكم الاعتماد عليها لاعتماده على الله عزّ وجلّ، وهذا هو معنى قوله: ﴿يَجْعَل لَّهُ يَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] فهذا مخرج التقوى في هذه الآية وهي وصية الله عبده وإعلامه بما هو الأمر عليه . وصية: احذر يا وليّ أن تريد علواً في الأرض والزم الخمول، وإن أعلى الله كلمتك فما أعلى إلاَّ الحق، وإن رزقك الرفعة في قلوب الخلق فذلك إليه عزّ وجلّ، والذي يلزمك التواضع والذلة والانكسار فإنه إنما أنشأك من الأرض فلا تعلو عليها فإنها أمك، ومن تكبرّ ٢٥٤ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... على أمّه فقد عقها وعقوق الوالدين حرام، ثم إنه قد ورد في الحديث أن حقاً على الله أن لا يرفع شيئاً من الدنيا إلاَّ وضعه، فإن كنت أنت ذلك الشيء فانتظر وضع الله إياك، وما أخاف على من هذه صفته إلاَّ أن الله تعالى إذا وضعه يضعه في النار، وذلك إذا رفع ذلك الشيء نفسه لا إذا رفعه الله فذلك ليس إليه إلاَّ أنه لا بدّ أن يراقب الله فيما أعطاه من الرفعة في الأرض بولاية وتقدم يخدم من أجله ويغشى بابه ويلزم ركابه فلا يبرح ناظراً في عبوديته وأصله فإنه خلق من ضعف ومن أصل موصوف بأنه ذلول، ويعلم أن تلك الرفعة إنما هي للرتبة والمنصب لا لذاته، فإنه إذا عزل عنها لم يبق له ذلك الوزن الذي كان يتخيله وينتقل ذلك إلى من أقامه الله في تلك المنزلة فالعلوّ للمنزلة لا لذاته، فمن أراد العلوّ في الأرض فقد أراد الولاية فيها وقد قال رسول الله وَ ل# في الولاية: ((إنَّهَا يَوْمَ القِيامَةِ حَسْرَةٌ وَنَدَامَةُ)) فلا تكن من الجاهلين، فالذي أوصيك به أنك لا تريد علوّاً في الأرض، وإن أعطاك الله لا تطلب أنت من الله إلاَّ أن تكون في نفسك صاحب ذلّة ومسكنة وخشوع فإنك لن تحصل ذلك إلاَّ أن يكون الحق مشهوداً لك، وليس مدار الخلق والأكابر إلاَّ على أن يحصل لهم مقام الشهود فإنه الوجود المطلوب. وصية: وعليك بالاغتسال في كل يوم جمعة واجعله قبل رواحك إلى صلاة الجمعة، وإذا اغتسلت فانو فيه أنك تؤدّي واجباً فإنه قد ورد في الصحيح: ((إِنَّ غُسْلَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)) وقد ورد عن رسول الله بََّ: ((حَقٌّ عَلَى كُلٌّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّام)) فيجمع بين الحديثين بغسل الجمعة وذلك أن الله خلق سبعة أيام وهي أيام الجمعة فإذا انقضت جمعة دارت الأيام فهي الجديدة الدائرة فلا تنصرف عنك دورة إلاّ عن طهارة تحدثها فيها إكراماً لذاتها وتقديساً وتنظيفاً، كما جاء في السواك: ((إنَّهُ مَظْهَرَةٌ لِلْفَم وَمَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ)) وكذلك الغسل في الأسبوع مطهرة للبدن ومرضاة للرب أي أن العبد فعل فَعلاً يرضي الله به من حيث أن الله أمره بذلك فامتثل أمره. وصية: إياك والمراء في شيء من الدين وهو الجدال فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن تكون محقاً أو مبطلاً كما يفعل فقهاء زماننا اليوم في مجالس مناظراتهم ينوون في ذلك تلقيح خواطرهم، فقد يلتزم المناظر في ذلك مذهباً لا يعتقده وقولاً لا يرتضيه وهو يجادل به صاحب الحق الذي يعتقد فيه أنه حق ثم تخدعه النفس في ذلك بأن تقول له : إنما تفعل ذلك لتلقيح الخاطر لا لإقامة الباطل، وما علم أن الله عند لسان كل قائل، وأن العامي إذا سمع مقالته بالباطل وظهوره على صاحب الحق وهو عنده أنه فقيه عمل العامي المقلد على ذلك الباطل لما رأى من ظهوره على صفة الحق وعجز صاحب الحق عن مقاومته فلا يزال الإثم يتعلق به ما دام هذا السامع يعمل بما سمع منه، ولهذا ورد في الخبر عن رسول الله وَّر الثابت أنه قال: «أنا زَعِيمٌ بِبَيْتِ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإنْ كَانَ مُحِقَاً وَبِبَيْتِ فِي وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحاً)) ومنه المراء في الباطل، وكان رسول الله وَّه يمزح ولا يقول إلاَّ حقاً . ٢٥٥ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... وصية: وعليك بحسن الأخلاق وإتيان مكارمها وتجنب سفسافها فإن النبي بَ ﴾ يقول: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتُمُمَ مَكَارِمَ الأَخْلَقِ)) وأنه وَّ قد ضمن بيتاً في أعلى الجنة لمن حسن خلقه. ولما كانت الأخلاق الحسنة عبارة عن أن نفعل مع المتخلق معه الذي يصرف أخلاقه معه في معاملته إياه، وعلمنا أن أغراض الخلق متقابلة، وأنه إن أرضى زيداً أسخط عدوّه عمراً ولا بدّ من ذلك، فمن المحال أن يقوم في خلق كريم يرضي جميع الخلائق، ولما رأينا أن الأمر على هذا الحد وأدخل الله نفسه مع عباده في الصحبة كما ثبت عن رسول الله وَ ل أنه قال لربه: ((أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ)) وقال: ((وهو معكم أينما كنتم)) وقال: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] وقال: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] قلنا: فلا نصرف مكارم الأخلاق إلاَّ في صحبة الله خاصة، فكل ما يرضي الله نأتيه وكل ما لا يرضيه نجتنبه، وسواء كانت المعاملة والخلق ممّا يخصّ جانب الحق أو تتعدى إلى الغير، وأنها إن تعدّت إلى الغير فإنها ممّا يرضي الله، وسواء عندك سخط ذلك الغير أو رضي، فإنه إن كان مؤمناً رضي بما يرضي الله وإن كان عدوّ الله فلا اعتبار له عندنا فإن الله يقول: ﴿إِنََّا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقال: ﴿لَا تَنَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] فحسن الخلق إنما هو فيما يرضي الله فلا تصرفه إلاّ مع الله سواء كان ذلك في الخلق أو فيما يختص بجناب الله، فمن راعى جناب الله انتفع به جميع المؤمنين وأهل الذمة، فإن لله حقاً على كل مؤمن في معاملة كل أحد من خلق الله على الإطلاق من كل صنف من ملك وجان وإنسان وحيوان ونبات وجماد ومؤمن وغير مؤمن، وقد ذكرنا ذلك في رسالة الأخلاق لنا كتبنا بها إلى بعض إخواننا سنة إحدى وتسعين وخمسمائة وهي جزء لطيف غريب في معناه فيه معاملة جميع الخلق بالخلق الحسن الذي يليق به، وحسن الخلق بحسب أحوال من تصرفها فيه ومعه هذا أمر عام والتفصيل فيه لك بالواقع فانظر فيه فإنه أكثر من أن تحصى آحاده لما في ذلك من التطويل والله الموفق لا رب غيره. وكذلك تجنب سفساف الأخلاق ولا تعرف مكارم الأخلاق من سفسافها إلاَّ حتى تعرف مصارفها، فإذا علمت مصارفها علمت مكارمها وسفسافها وهو علم خفي شريف، فلا يفوتنك علم مصارف الأخلاق فإن ذلك يختلف باختلاف الوجوه . وصية: وعليك بالهجرة ولا تقم بين أظهر الكفار فإن في ذلك إهانة دين الإسلام وإعلاء كلمة الكفر على كلمة الله، فإن الله ما أمر بالقتال إلاَّ لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وإياك والإقامة أو الدخول تحت ذمّة كافر ما استطعت. واعلم أن المقيم بين أظهر الكفار مع تمكنه من الخروج من بين ظهرانيهم لا حظ له في الإسلام، فإن النبي ◌َّ قد تبرأ منه ولا يتبرأ رسول الله وَ ل﴿ من مسلم، وقد ثبت عنه أنه وَ لّر قال: «أنا بَرِيءٌ مِنْ مُسْلِم يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ المُشْرِكِينَ)) فما اعتبر له كلمة الإسلام. وقال الله تعالى فيمن مات وهو بين أظهر المشركين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيَ كُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى اُلْأَرْضِّ﴾ [النساء: ٩٧] قال الله لهم: ﴿أَمْ تَكُنْ أَرْضُ اَللَّهِ وَسِعَةً فَنْهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَكَ مَأْوَنُهُمْ جَهٌَّ وَسَآءَتْ ٢٥٦ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... مَصِيرًا﴾ ولهذا حجرنا في هذا الزمان على الناس زيارة بيت المقدس والإقامة فيه لكونه بيد الكفار، فالولاية لهم والتحكم في المسلمين والمسلمون معهم على أسوأ حال نعوذ بالله من تحكم الأهواء، فالزائرون اليوم البيت المقدس والمقيمون فيه من المسلمين هم من الذين قال الله فيهم: ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] وكذلك فلتهاجر عن كل خلق مذموم شرعاً قد ذمّه الحق في كتابه أو على لسان رسوله وَليلةٍ . وصية: وعليك باستعمال العلم في جميع حركاتك وسكناتك، فإن السخي الكامل السخاء من يسخى بنفسه على العلم، فكان بحكم ما شرع الله له فعلم وعمل وعلم من لم يعلم، وقد أثنى رسول الله وَّر على من قبل العلم وعمل به وعلمه وذمّ نقيض ذلك فثبت عنه وَ ليل أنه قال: (مَثَلُ ما بَعَثَنِي الله بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلِمْ كَمَثَلِ غَيْثٍ أصَابَ أَرْضاً فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَبلَتِ المَاءَ فَأَنْبَتَتِ الكَلاَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ المَاءَ فَتَفَعَ اللهِ بِهِ النَّاسَ فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءَ وَلا تُثْبِتُ كَلَّ، وَكَذَلِكَ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ الله وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِي بِهِ فَعَلِمَ وَعَمِلَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رأساً مَثَلُ القِيعَانُ الَّتِي لَمْ تُمْسِكْ مَاءَ وَلا أَنْبَتَتْ كَلَّ)) فكن يا أخي ممّن علم وعمل وعلم، ولا تكن ممّن علم وترك العمل فيكون كالسراج أو كالشمعة تضيء للناس وتحرق نفسك، فإنك إذا عملت بما علمت جعل الله لك فرقاناً ونوراً وورثك ذلك العمل علماً آخر لم تكن تعلمه من العلم بالله وبما لك فيه منفعة عند الله في آخرتك، فاجهد أن تكون من العلماء العاملين المرشدين. وصية: وعليك بالتودّد لعباد الله من المؤمنين بإفشاء السلام وإطعام الطعام والسعي في قضاء حوائجهم. واعلم أن المؤمنين أجمعهم جسد واحد كإنسان واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى، كذلك المؤمن إذا أصيب أخوه المؤمن بمصيبة فكأنه هو الذي أصيب بها فيتألم لتألمه، ومتى لم يفعل ذلك المؤمن مع المؤمنين فما ثبتت أخوة الإيمان بينه وبينهم، فإن الله قد واخى بين المؤمنين كما واخى بين أعضاء جسد الإنسان، وبهذا وقع المثل من النبيّ وََّ في الحديث الثابت وهو قوله وَالَ: ((مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالحُمَّى وَالسَّهَرِ)). واعلم أن المؤمن كثير بأخيه، وأن المؤمن لما كان من أسماء الله مع ما ينضاف إلى ذلك من خلقه على الصورة ثبت النسب، والمؤمن أخو المؤمن لا يسلمه ولا يخذله، فمن كان مؤمناً بالله من حيث ما هو الله مؤمن فإنه يصدقه في فعله وقوله وحاله وهذه هي العصمة، فإن الله من كونه مؤمناً يصدقه في ذلك ولا يصدق الله إلاَّ الصادق فإن تصديق الكاذب على الله محال فإن الكذب عليه محال وتصديق الكاذب كذب بلا شك، فمن ثبت إيمانه بالله من كون الله مؤمناً فإن هذا العبد لا شك أنه من الصادقين في جميع أموره مع الله لأنه مؤمن بالله مؤمن به أيضاً، فتنبه لما دللتك عليه ووصيتك به في الإيمان بالله من كونه مؤمناً تنتفع، فإني قد أريتك الطريق الموصل إلى نيل ذلك، واعتصم بالله ﴿وَمَن يَعْنَصِم ◌ِلَّهِ فَقَّدْ هُدِىَ إِلَى صِرَطٍ مُسْنَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١] فإن الله على صراط مستقيم وليس إلاَّ ما شرعه لعباده. ٢٥٧ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... وصية: لا تكترث لما يصيبك الله به من الرزايا في مالك ومن يعزّ عليك من أهلك ممّا يسمّى في العرف رزية ومصاباً وقل: إنا لله وإنا إليه راجعون عند نزولها بك، وقل فيها كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما أصابتني من مصيبة إلاَّ رأيت أن لله عليّ فيها ثلاث نعم: النعمة الواحدة حيث لم تكن المصيبة في ديني، والنعمة الثابتة حيث لم يكن ما هو أكبر منها فدفع الله بها ما هو أعظم منها، والنعمة الثالثة ما جعل الله فيها من الأمر بالكفارة لما كنا نتوقاه من سيئات أعمالنا. واعلم أن المؤمن في الدنيا كثير الرزايا لأن الله يحب أن يطهره حتى ينقلب إليه طاهراً مطهراً من دنس المخالفات التي كتب الله عليه في الدنيا أن يقام فيها، فلا يزال المؤمن مرزاً في عموم أحواله، وقد ثبت عن رسول الله وَ ﴿ في ذلك: ((مَثَلُ المُؤْمِنِ كَمَثَلِ الخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ تَصْرَعُهَا الرِّيحُ مَرَّةً وَتُعَادِلُهَا أُخْرَى حَتَّى تَهِیجَ)). وصية: عليك بتلاوة القرآن وتدبره، وانظر في تلاوتك إلى ما حمد فيه من النعوت والصفات التي وصف الله بها من أحبه من عباده فاتصف بها، وما ذمّ الله في القرآن من النعوت والصفات التي اتصف بها من مقته الله فاجتنبها، فإن الله ما ذكرها لك وأنزلها في كتابه عليك وعرفك بها إلاَّ لتعمل بذلك، فإذا قرأت القرآن تكن أنت القرآن لما في القرآن، واجتهد أن تحفظه بالعمل كما حفظته بالتلاوة فإنه لا أحد أشدّ عذاباً يوم القيامة من شخص حفظ آية ثم نسيها، كذلك من حفظ آية ثم ترك العمل بها كانت عليه شاهدة يوم القيامة وحسرة، وإنه قد ثبت عن رسول الله وَّية في أحوال من يقرأ القرآن ومن لا يقرؤه من مؤمن ومنافق فقال وقائية : ((مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ الأَتْرُجَّةِ ريحُهَا طَيِّبٌ)) يعني بها التلاوة والقراءة فإنها أنفاس تخرج، فشبهها بالروائح التي تعطيها الأنفاس وطعمها طيب يعني به الإيمان ولذلك قال: ((ذَاقَ طَعْمَ الإيمان مَنْ رَضِيَ بالله رَبّاً وَبِالإِسْلاَمِ دِيناً وَبِمُحَمَّدٍ وََّ نَبِيّا)) فنسب الطعم للإيمان ثم قال: ((وَمَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الثَّمَرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ)) مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مؤمن ذو إيمان ((ولاَ رِيحَ لَهَا)) من حيث إنه غير تالٍ في الحال التي لا يكون فيها تالياً وإن كان من حفاظ القرآن. ثم قال: ((وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ)) لأن القرآن طيب وليس سوى أنفاس التالي والقارىء في وقت تلاوته وحال قراءته ((وَطَعْمُهَا مُرِّ)) لأن النفاق كفر الباطن لأن الحلاوة للإيمان لأنها مستلذة. ثم قال: ((وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرِّ وَلا رِبِحَ لَهَا)) لأنه غير قارىء في الحال. وعلى هذا المساق كل كلام طيب فيه رضى الله صورته من المؤمن والمنافق صورة القرآن في التمثيل غير أن القرآن منزلته لا تخفى، فإن كلام الله لا يضاهيه شيء من كل كلام مقرب إلى الله فينبغي للذاكر إذا ذكر الله متى ذكره أن يحضر في ذكره ذلك ذكراً من الأذكار الواردة في القرآن، فيذكر الله به ليكون قارئاً في الذكر، وإذا كان قارئاً فيكون حاكياً للذكر الذي ذكر الله به نفسه، وإذا كان كذلك فقد أنزل نفسه فيه منزلة ربه منه وهو قوله: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وقوله: إن الله قال على لسان عبده: ((سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ)) ويقال للقارىء يوم القيامة: اقرأ وارق ورقيه في الدنيا في أيام التكليف في قراءته أن يرقى من تلاوته إلى تلاوته بأن يكون الحق هو الذي يتلو الفتوحات المكية ج٨ - م١٧ ٢٥٨ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... على لسان عبده كما يكون سمعه الذي به يسمع وبصره الذي به يبصر ويديه اللتين بهما يبطش ورجليه اللتين بهما يسعى، كذلك هو لسانه الذي به ينطق ويتكلم، فلا يحمد الله ولا يسبحه ولا يهلله إلاَّ بما ورد في القرآن عن استحضار منه، لذلك فيرقى من قراءته بنفسه إلى قراءته بربه، فيكون الحق هو الذي يتلو كتابه فيرتفع يوم القيامة في الآية التي ينتهي إليها في قراءته ويقف عندها إلى الدرجة التي تليق بتلك الآية التي يكون الحق هو التالي لها بلسان هذا العبد عن حضور من العبد التالي لذلك، فإن أفضل الكلام كلام الله الخاص المعروف في العرف. وصية: وعليك بمجالسة من تنتفع بمجالسته في دينك من علم تشهده منه أو عمل يكون فيه أو خلق حسن يكون عليه، فإن الإنسان إذا جالس من تذكره مجالسته الآخرة فلا بدّ أن يتحلى منها بقدر ما يوفقه الله لذلك، وإذا كان الجليس له هذا التعدي فاتخذ الله جليساً بالذكر والذكر القرآن وهو أعظم الذكر، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] يعني القرآن، وقال: ((أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَّرَنِي)) وقال ◌َ: ((أَهْلُ القُرْآنِ هُمْ أَهْلُ الله وَخَاصَّتُهُ)) وخاصة الملك جلساؤه في أغلب أحوالهم والله له الأخلاق وهي الأسماء الحسنى الإلهية، فمن كان الحق جليسه فهو أنيسه، فلا بدّ أن ينال من مكارم أخلاقه على قدر مدة مجالسته، ومن جلس إلى قوم يذكرون الله فإنّ الله يدخله معهم في رحمته، فهم القوم الذين لا يشقى جليسهم فكيف يشقى من كان الحق جليسه؟ وقد ورد في الحديث الثابت: ((إِنَّ الجَلِيسَ الصَّالِحَ كَصَاحِبِ المِسْكِ إِنْ لَمْ يُصِبْكَ مِنْهُ أَصَابَكَ مِنْ رِيحِهِ، وَالجَلِيسُ السُّوءِ كَصَاحِبِ الكِيْرِ إِنْ لَمْ يُصِبْكَ مِنْ شَرَرِهِ أَصَابَكَ مِنْ دُخَانِهِ)) وهو أنه من خالط أصحاب الريب ارتيب فيه، وذلك لما غلب على الناس من سوء الظن بالناس لخبث بواطنهم. وهنا فائدة أنبهك عليها أغفلها الناس وهي تدعو إلى حسن الظن بالناس ليكون محلك طاهراً من السوء، وذلك أنك إذا رأيت من يعاشر الأشرار وهو خير عندك فلا تسيء الظن به لصحبته الأشرار بل حسن الظن بالأشرار لصحبتهم ذلك الخير، واجعل المناسبة في الخير لا في الشرّ فإن الله ما سأل أحداً قط يوم القيامة عن حسن الظن بالخلق ويسأله عن سوء الظن بالخلق، ويكفيك هذا نصحاً إن قبلت ووصية إن قلت بها، والذاكر ربه حياته متصلة دائماً لا تنقطع إلاَّ بالموت فهو حيّ وإن مات بحياة هي خير وأتم من حياة المقتول في سبيل الله إلاَّ أن يكون المقتول في سبيل الله من الذاكرين فهي حياة الشهيد وحياة الذاكر، فالذاكر حيّ وإن مات، والذي لا يذكر الله ميت وإن كان في الدنيا من الأحياء فإنه حيّ بالحياة الحيوانية وجميع العالم حيّ بحياة الذكر، فمثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت كذا مثله رسول الله و 189، وأما ما ادّعيته أن الذاكر أفضل من الشهيد الذي لا يذكر الله فلما صحّ عن رسول اللهَ وَ ◌ّ في قوله: ((أَلاَ أَنَبِّئُكُمْ)) أَوْ كَمَا قَالَ «بِخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَيَضْرِبُ رِقَابَكُمْ وَتَضْرِبُونَ رِقَابَهُمْ؟ ذِكْرُ الله)) فذكر ضرب الرقاب وهو الشهادة وذكر العبد ربه أفضل من قتل الشهيد، وثبت عنه أن الذاكر حيّ فخرج من ذلك أن حياة الذاكر خير من حياة الشهيد إذائ لم يكن ذاكراً ربه عزّ وجلّ . ٢٥٩ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... وصية: وعليك بإقامة حدود الله في نفسك وفيمن تملكه فإنك مسؤول من الله عن ذلك، فإن كنت ذا سلطان تعين عليك إقامة حدود الله فيمن ولاك الله عليه: ((فَكُلُّكُمْ رَاع وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَتِهِ)) وليس سوى إقامة حدود الله فيهم، وأقل الولايات ولايتك على نفسكَ وجوارحك فأقم فيها حدود الله إلى الخلافة الكبرى فإنك نائب الله على كل حال في نفسك فما فوقها، وقد ورد الحديث الثابت في الذي يقيم حدود الله والواقع فيها؛ فمثلهما رسول اللّه وَّ بقوم استهموا على سفينته فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين أسفلها إذا استقوا مَرُّوا على مَنْ فوقهم فقالوا: إنا نَخْرِقُ فِي نصيبنا لا نؤذي مَنْ فوقنا فإن تَرَكُوهُمْ وما أرادوا هَلَكُوا جَمِيعاً. فإذا خطر لك يا وليي خاطر يأمرك بالخير فذلك لمة الملك ثم يأتي بعد ذلك خاطر ينهاك عن ذلك الخير أن تفعله فذلك لمة الشيطان، ولا تعرف الخير والشر إلاَّ بتعريف الشرع، وإذا خطر لك خاطر يأمرك بفعل الشرّ فذلك لمة الشيطان، فإذا أعقبه خاطر ينهاك عن فعل ذلك الشرّ فذلك لمة الملك، وأنت السفينة إن انخرقت هلكت وهلك جميع من فيك، فعليك بعلم الشريعة فإنك لن تعلم حدود الله حتى تقوم بها أو تعرف من يقع فيها ممّن قام بها إلاَّ أن تعلم علم الشريعة فيتعين عليك طلب علم الشريعة لإقامة حدود الله . وصية: وعليك بالصدقة فإن الله قد ذكر المتصدقين والمتصدقات وهي فرض ونفل، فالفرض منها يسمّى زكاة والنفل منها يسمّى تطوّعاً، وبالفرض منها يزول عنك اسم البخل، وبصدقة التطوّع منها تنال الدرجات العلى، وتتصف بصفة الكرم والجود والإيثار والسخاء، وإياك والبخل، ثم إنه عليك في مالك حق زائد على الزكاة المفروضة وهو إذا رأيت أخاك المؤمن على حالة الهلاك بحيث إنك إذا لم تعطه من فضل مالك شيئاً هلك هو وعائلته إن كانت له عائلة، فيتعين عليك أن تواسيه إما بالهبة أو بالقرض فلا بدّ من العطاء وذلك العطاء صدقة، حتى أني سمعت بعض علمائنا بإشبيلية يقول في حديث: هل عليّ غيرها؟ يعني في الزكاة المفروضة، قال: لا إلاَّ أن تطوّع، قال لي ذلك الفقيه فيجب عليك فاستحسنت ذلك منه رحمه الله، وإنما سمّى الله الإنسان متصدقاً وسمّى ذلك العطاء صدقة فرضاً كان أو نفلاً، لأنه أعطى ذلك عن شدّة لكونه مجبولاً على البخل فإن الله يقول فيه: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] فقال ◌َّ في فضل الصدقة وزمانها: ((أنْ تَصَّدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخَافُ الفَقْرَ وَتَأْمَلُ الحَيَاةَ وَالغِنَى)) يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] أي الناجون لأن الإنسان إذا كان له مال ويأمل الحياة فإنه يخاف أن يفتقر ويذهب ما بيده من المال بطول حياته لنوائب الزمان وأمله بطول حياته، فيؤديه ذلك إلى البخل بما عنده من المال والإمساك عن الصدقة والتوسعة على المحتاجين ممّا آتاه الله من الخير، فهو يكنزه ولا ينفقه ولا يؤدي زكاته حتى يكوى به جنبه وجبينه وظهره كما قال تعالى فيهم: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِ نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمَّ هَذَا مَا كَتَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُمْ تَكْفِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٥] فلهذا العطاء عن شدة سميت صدقة، يقال: رمح صدق أي صلب، وقد ضرب رسول الله ◌َ# مثلاً في البخيل والمتصدق فقال وَالرَ: (مَثَلُ البَخِيل ٢٦٠ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... وَالمُتَصَدِّقِ كَمَثَل رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدِ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إلى تَرَاقِيهِمَا فَجَعَلَ المُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةِ انْبَسَطَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تجنَّ ثَيَابَهُ وَتَعْفُو أَثَرَهُ وَجَعَلَ البَخِيلُ كُلَّمَا هَمّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا)) فإياك والبخل فإنه يرديك ويوردك الموارد المهلكة في الدنيا والآخرة، ولا يجعلك تتكرّم وتتصدّق إلاَّ استعمال العلم، فإنك إذا علمت أن رزقك لا يأكله ولا يقتات به ولا يحيى به غيرك، ولو اجتمع أهل السموات والأرض على أن يحولوا بينك وبين رزقك ما أطاقوا، وإذا علمت أن رزق غيرك فيما أنت مالكه لا بدّ أن يصل إليه حتى يتغذى به ويحيى، وأن أهل السموات والأرض لو اجتمعوا على أن يحولوا بينه وبين رزقه الذي هو في ملكك ما أطاقوا، فادفع إليه ماله إذا خطر لك خاطر الصدقة تتصف بالكرم والثناء الجميل، وأنت ما أعطيته إلاَّ ما هو له بحق في نفس الأمر عند الله وأنت محمود، فإذا علمت هذا هان عليك إخراج ما بيدك ولحقت بأهل الكرم وكتبت في المتصدقين، إن أخرجت ذلك عن ترددّ ومكابدة واتبعته نفسك ورأيت بذلك أن لك فضلاً على من أوصلته تلك الراحة فإياك أن تجهل على أحد كما تحبّ أن لا يجهل عليك، وقد كان رسول الله وَل يقول في تعوّذاته: ((وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ)) فمن حكم فيك بالعلم فقد أنصفك. وصية: وعليك بالجهاد الأكبر وهو جهادك هواك فإنه أكبر أعدائك، وهو أقرب الأعداء إليك الذين يلونك فإنه بين جنبيك والله يقول سبحانه: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَائِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] ولا أكفر عندك من نفسك فإنها في كل نفس تكفر نعمة الله عليها من بعد ما جاءتها، فإنك إذا جاهدت نفسك هذا الجهاد خلص لك الجهاد الآخر في الأعداء الذي إن قتلت فيه كنت من الشهداء الأحياء الذين عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله مستبشرين بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، وقد علمت فضل المجاهد في سبيل الله في حال جهاده حتى يرجع إلى أهله بما اكتسبه من أجر أو غنيمة إنه كالصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صلاة ولا من صيام حتى يرجع المجاهد، وقد علمت بالحديث الصحيح أن الصوم لا مثل له وقد قام الجهاد مقامه ومقام الصلاة، وثبت هذا عن رسول الله وَ الر وهذا في الجهاد الذي فرضه الله تعالى المعين ويعصي الإنسان بتركه لا بدّ من ذلك، ولا يزال العبد العالم الناصح نفسه المستبرىء لدينه في جهاد أبداً لأنه مجبول على خلاف ما دعاه إليه الحق، فإنه بالأصالة متبع هواء الذي هو بمنزلة الإرادة في حق الحق، فيفعل الحق ما يريده فإننا كلنا عبيده، ولا تحجير عليه، ويريد الإنسان أن يفعل ما يهوى وعليه التحجير فما هو مطلق الإرادة، فهذا هو السبب الموجب في كونه لا يزال مجاهداً أبداً، ولذلك طلب أصحاب الهمم أن يلحقوا بدرجات العارفين بالله حتى تكون إرادتهم إرادة الحق أي يريدون جميع ما يريده الحق وهو ما هم الخلق عليه فيريدونه من حيث إن الله أراد إيجاده، ويكرهون منه بكراهة الحق ما كرهه الحق ووصف نفسه بأنه لا يرضاه، فهو يريد ولا يرضاه، ويريده ويكرهه في عين إرادته إن أراد أن يكون مؤمناً وإن لم يكن كذلك، وإلاَّ فقد انسلخ من الإيمان نعوذ بالله من ذلك فإنه غاية الحرمان، وهذا هو الحق الممقوت كما نقول في الغيبة أنها الحق المنهي عنه .