النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة لطيفاً وهو أحد أمرين: إما الرضى والصبر أو السخط والضجر، والأثر سكون أو قلق فقد أثر . ومن ذلك قرب العبد الثاني في المثاني قال: القرب من الحق قربان: قرب حقيقي وهو ارتباط الرب بالمربوب وارتباط العبادة بالسيادة والحادث بالسبب الذي أحدثه. والقرب الثاني القرب بالطاعة لأمر المكلف والدخول تحت حكمه، فالأوّل قرب ذاتيّ يعمّ جميع الموجودات، والثاني قرب اعتناء وكرامة، فالقرب الأوّل قرب رحم ونسب لو أراد الدافع أن يدفعه لم يستطع لأنه لذاته هو قرب، وقرب الاختصاص قرب المكانة من السلطان، ﴿تُؤْتِ اُلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَن تَشَاءُ وَتُمِزُ مَنْ تَشَآءُ وَتُذِلُ مَن تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، فله ذلك فلو قيل له: لا تكن سيداً لعبدك أو لا تكن عبداً لسيدك لكان خلقاً من الكلام، ولو قيل له: أطع سيدك أو لا تطع سيدك لم يكن ذلك خلفاً من الكلام، وإن قيل له: إن شئت أطع سيدك وإن شئت لا تطعه ردته الحقائق فإن العبد لا مشيئة له مع مشيئة سيده. ومن ذلك السبت في السبت قال: يقول الله عز وجل: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ﴾ وهي الطاعات التي أمر الله بها عباده ﴿وَهُمْ لَا سَبِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] كما قال: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِّ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] ولما كانت المسارعة إلى الخيرات وفي الخيرات تتضمن المشقة والتعب لأن سرعة السير تشق أعقب الله هذه المشقة رحمة إما في باطن الإنسان وهو الذي رزقه الله الالتذاذ بالطاعات فتصرفه المحبة فلا يحسّ بالمشقة ولا بالتعب في رضى المحبوب، وإن كان بناء هذا الهيكل يضعف عن بعض التكاليف فإن الحب يهونه ويسهله، وإما في الآخرة فلا بدّ من الراحة والسبت الراحة والسبت سير سريع في اللسان وللراحة تسمّى يوم السبت سبتاً وما عامله بما ينبغي له إلاَّ أهل هذه البلاد وفي المغرب أهل سبته لا غير. ومن ذلك من بهت فقد بخت قال: لا يكون البهت أبداً إلاَّ لمن عجز، ومن عجز فقد وقف على حقيقته، ومن وقف على حقيقته علم ما ثم فشرف محله بالعلم فإنه ما يتصرّف إلاَّ بالعلم، ومن صرّفه العلم فقد سعد لشبهه بالأصل وهو التخلق. وقال: قال الله لنمرود بلسان إبراهيم الخليل عليه السلام: ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُّهِتَ الَّذِى كَفَرِّ﴾ [البقرة: ٢٥٨] في المسألة الأولى وهو الآن بالبهت ليس بكافر لأنه علم الحق ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤] أي لا يبين لهم في حال سترهم وحجابهم فإن الإبانة بالعلم ترفع ستور الجهل بذلك المعلوم، وإذا ارتفع الستر كان تجلي الأمر على ما هو عليه فأعطي العلم فبهت الذي ستر عنه الأمر قبل تجليه فآمن به في نفسه ولا بدّ وإن لم يتلفظ به، وكيف يتلفظ به وقد غاب عن الإحساس بعین ما هو به محسّ . ومن ذلك بيت النور القلب المعمور قال: ليس لقلب المؤمن التقي النقي الورع عامر إلاَّ الله، والله هو النور لأنه ﴿نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ ثم مثل القلب ﴿ كَمِشْكَوْمٍ فِهَا مِصْبَاحٌ﴾ وهو النور نور العلم بالله، وما بقي من الكلام فإنما هو من تمام كمال النور الذي وقع به التشبيه ما هو من التشبيه فلا تغلط فتخط الطريق إلى ما أبان الحق عنه في هذه الآية، فالعارف يقف في ٢٠٢ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة التلاوة على مصباح ثم يقول: ﴿اَلْمِصْبَاحُ فِ زُجَاجَةٍ﴾ [النور: ٣٥] فحديثه مع المصباح لا مع النور الإلهيّ الذي هو الحق الذي وسعه القلب المشبه بالمشكاة والمشكاة الكوة. ومن ذلك الحصن المنيعة علوم الشريعة قال: من علم حكمة وضع الشرائع والنواميس في العالم رعاهـ حق رعايتها فحافظ عليها ولزم العمل بها، هذا لما يتعلق بها من منافع الدنيا وحفظ الأنساب والأموال وحصول الأمان في النفوس بوجود القائمين بها والعاملين هذا حظ الكافة منها. وأما المؤمنون بها إذا كانت النواميس إلهية جاءت بها رسل الله من عند الله فزادوا فيها صدق ما يتعلق بالآخرة من ثواب وصفات، وما يتعلق بها للعامل عليها المخلص فيها من الكشف والاطلاع والتعريفات الإلهية والمخاطبات الروحانية، ومناسبة ما يلحق العالم العنصريّ بالملأ الأعلى في التقديس والتطهير، فلا سلاح ولا حصن أحمى من العمل بالمشروع كان المشروع ما كان وإذ ولا بدّ من حفظ الناموس فعليك بملازمة الشرع المطهر النبويّ الإلهيّ. ومن ذلك ما ظهر إلاَّ أنت حيث كنت قال: إذا لم يكن لك من أنت له إلاَّ بما يقبله ويكون عليه لا بما هو عليه، فأنت الذي ظهرت لك وما أعطاك منه شيئاً فما أفادك إلاَّ أن عرفك أن ما أنت عليه هو أنت، وإذا كان الأمر هكذا فما عرفت سواك، هذا حالك مع من استندت إليه ورأيت أن له أثراً فيك، فكيف بك إذا لم تستند إلاَّ إليك ولا أعاد عليك ما أنت فيه إلاَّ أنت، فأنت بكل وجه وعلى كل حال معه أو معك فلا تلومن إلاَّ نفسك إذا رأيت ما لا تستحسنه، واشكره على كل حال فإنه أفادك العلم بك فيما أعطاك وكشفه لك منك، فلهذا يشكر ولا يجوز أن يكفر. ومن ذلك الكتابة لأصحاب النيابة قال: ما كتب الله على نفسه ما كتب إلاَّ لمن قام بحق النيابة عنه فيما استنابه فيه وليس إلاَّ المتقين وهم الذين جعلوا الله وقاية لهم منه ومن كل شيء يكون منه، كما جعلهم الله وقاية بينه وبين ما ذمّه من الأمور ممّا هو خلق الله، فينسب ذلك إلى الآلة التي وقع بها الفعل فلما وقاه وقاه فصح له ما كتب له على نفسه، وقال: ما عدا هؤلاء فهم أهل المنن فنالوا أغراضهم على الاستيفاء. ثم إن الله امتن عليهم بعد ذلك بالمغفرة والرحمة التي عمّ حكمها وقال: لله قوم من نوابه كتب الله في قلوبهم الإيمان فما كذبوا شيئاً ممّا له وجود في الكون ووجدوا له مصرفاً، وإن كان الذي جاء به قصد الكذب وأخبر في زعمه أنه عدم فله وجود عند هؤلاء ولذلك قال: ﴿وَأَيَّدَهُم بِرُوجِ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] فهذا الروح المؤيّد به إذا توجه على معدوم أوجده، وعلى معدل مسوّی نفخ فيه روحاً. ومن ذلك يا معلم الحق أنت الكتاب الذي سبق، قال: للأعيان الثابتة في حال عدمها أحكام ثابتة مهما ظهر عين تلك العين في الوجود تبعه الحكم في الظهور، وعلى هذا تعلّق علم الحق به فما للعلم سبق ولا للكتاب، وإنما السبق لما أنبأناك به، فالشيء حكم على نفسه أعني المعلوم ما حكم غيره عليه فلا فضل لشيء على شيء، وإنما يظهر لك ما بطن فيك عنك ولا لوم فالحق له الغنى على الإطلاق فلا افتقار إذ لو افتقر إليه لحكم عليه الافتقار بإعطاء ما افتقر فيه إليه فيدخل تحت وجوب الافتقار أو تحت مشيئة الاختيار، ولا دخول له في هذا ولا في هذا فهو الغنيّ عن العالمين إن أنصفت . ٢٠٣ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة ومن ذلك الجوهر النفيس في التقديس قال: التقديس الذاتي يطلب التبري من تنزيه المنزهين فإنهم ما نزّهوا حتى تخيلوا وتوهموا، وما ثم متخيل ولا متوهم يتعلق به أو يجوز أن يتعلق به فينزه عنه بل هو القدوس لذاته فهو الجوهر أي الأصل النفيس الذي لا ينافس في صفاته، فإن الذي هو له ما هو لك، وإن الذي لك لك ما هو له، فأنت لك بما أنت وهو له بما هو، والحقائق لا تنقلب ولا تتبدّل، فما تخلق متخلق بأخلاق غيره، وإنما أخلاقه ظهرت عليه لأعين الناظرين، ولا تحقق متحقق بحدود غيره فإن الحد لا يكون لغير محدود ولا سيما الحدود الذاتية، فما ثم إلاَّ جوهر نفيس، وليس العجب إلاَّ في كونه جوهراً، والأصول لا تدل عليها إلاَّ الفروع لأنها غيب، وما ثم فرع لهذه الأصول، فكل ما ظهر فهو جوهر فهو أصل في نفسه لا فروع له إلاَّ عين علمك به لا غير. ومن ذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] قال: كانت النفس الناطقة في نفس النفس الذي وقع به النفخ فكانت عين النفس المنفوخ في هذه الصورة العنصرية وهي صورة نشأت من أرض ذلول فذلّت بذلة أصلها لكون مزاجها أثر فيها، فكان الابن أذل من أمه لأنه في خدمتها ومسخّر لها ومأمور بمراعاتها، والأعزّ الحق خالقها فأقسم: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ ليعزّه بولاية أحسن من هذه المدينة وهي النشأة الآخرة طاهرة مطهرة مساعدة له على ما يريد منها من التنوع في الصور والتجلي في أي صورة شاء كما هو في نفسه ولهذا قال : ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] وغير المؤمن ما له هذه المنزلة . ومن ذلك من أسس بنيانه قوى أركانه قال: من أوثق قواعد بنيانه وأقام جداره وعدل زوايا أركانه فما هي منفرجة ولا حادة بل معتدلة متوسطة كما قال: ﴿فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧] أمن من الهدم والسقوط وهذا هو بيت الإيمان، فما اعتبر أرض البيت في البيت لأنه ليس من صنعة البيت، واعتبر السقف لحاجة البيت إليه وهو الذي وقع عليه النظر أولاً فقام البيت على خمسة سقف وأربعة جدر وهو قوله: ((بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَحَجْ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)) والساكن المؤمن وحشَمه وخوله مكارم الأخلاقَ ونوافل الخيرات، فمكارم الأخلاق زينة هذا البيت ونقشه وعمرته وسدنته وحشمه وخوله نوافل الخيرات وما أوجبه المؤمن على نفسه. ومن ذلك الحجة في المحجة قال: العلم يقتضي العمل فمن ادعاه من غير عمل به فدعواه كاذبة ومعناه دقيق جداً من أجل مخالفة المتعدين حدود الله من المؤمنين العلماء بالله العارفين به، فربما يقال: لو كانوا عالمين ما خالفوا وهم عالمون بلا شك بأن الله حدّ لهم حدوداً معينة فعلمهم بذلك دعاهم إلى أن لا يزيدوا فيها ولا ينقصوا منها، فقد عملوا بعلمهم وما هم عالمون بمؤاخذة الله، من عصاه على التعيين فما عصى إلاَّ من ليس بعالم بالمؤاخذة، ألا تراه لا يقصد بالمعصية انتهاك الحرمة لعلمه بما ينبغي لذلك الجناب من التعظيم، فما خالف عالم علمه قط فالعلماء تحت تسخير علمهم. ومن ذلك النذر واجب في جميع المذاهب قال: ما قرر الله وأوجبه على العبد ممّا أوجبه ٢٠٤ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة العبد على نفسه وهو النذر إلاَّ لتحقق عبده أنه خلقه على صورته وقد أوجبه على نفسه وذكر وهو الصادق أنه يوفي به لمن أوجبه له، فأوجب عليك الوفاء بما أوجبته على نفسك فإن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، والمؤمن يحب لنفسه أنه لا يؤذى فيحب لأخيه المؤمن أنه لا يؤذى، وإذا أحب ذلك دفع عنه الأذى ما استطاع، والمؤمن لا يتأذى بالمعصية لأنه أتاها عن شهوة والتذاذ بها، وإنما يتأذى بالعقوبة عليها في الدار الآخرة، فدفع عن المؤمن الحق ذلك الأذى في الأخرى كما دفع عن نفسه الأذى في الأخرى فقال: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَّ أَنْفُسِهِْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وأما في الدنيا فعرض نفسه للأذى فأوذي بما قيل فيه فأذى المؤمن بما نصب له من إقامة الحدود على المعاصي وزناً بوزن. ومن ذلك السلامة من الآفات في الإضافات قال: أصعب العلم بالله إثبات الإطلاق في العلم به لا من كونه إلهاً، وأما من كونه ذاتاً أو من حيث نفسه فالإطلاق في حقه عبارة عن العجز عن معرفته فلا يعلم ولا يجهل ولكن يعجز، وأما من كونه إلهاً فالأسماء الحسنى تقيده والمرتبة تقيده، ومعنى تقييده طلب المألوه له بما يستحقه من التنزيه والتنزيه تقييد والعلم به من كونه إلهاً يثبت شرعاً وعقلاً، فللعقل فيه التنزيه خاصة فيقيده به، وللشرع فيه التنزيه والتشبيه، فالشرع أقرب إلى الإطلاق في الله من العقل، والعارف ينظر في الإضافات فيحكم فيه بحسب ما أضيف إليه . ومن ذلك من رأى الحق فقد رأى نفسه قال: من أراد أن يرى الحق فلير نفسه، فكما أنه من عرف نفسه عرف ربه، فكذلك من رأى نفسه فقد رأى ربه، أو من رأى ربه فقد رأى نفسه، فعند العارفين أن الشرع أغلق في هذا القول باب العلم بالله لعلمه بأنه لا يصل أحد إلى معرفة نفسه فإن النفس لا تعقل مجردة عن علاقتها بهيكل تدبره منوراً كان أو مظلماً، فلا تعقل إلاَّ كونها مدبرة ماهيتها ما تعقل ولا تشهد مجرّدة عن هذه العلاقة، ولذلك الله لا يعقل إلاَّ إلهاً غير إله لا يعقل، فلا يتمكن في العلم به تجريده عن العالم المربوب، وإذا لم يعقل مجرداً عن العالم فلم تعقل ذاته ولا شهدت من حيث هي، فأشبه العلم به العلم بالنفس والجامع عدم التجريد وتخلص حقيقة ذاته من العلاقة التي بين الله وبين العالم والعلاقة التي بين نفسك وبين بدنها، وكل من قال بتجريد النفس عن تدبير هيكل ما فما عنده خبر بماهية النفس . ومن ذلك المجيب سامع والسامع طائع قال: كما أن أعيان الممكنات القائمة بأنفسها ثابتة في حال عدمها كذلك ما يقوم بها من القوى وتتصف به ممّا هي معدومة ثابتة في حال عدمها في أعيان من قامت به قيام ثبوت كما يكون في الوجود إذا وجدت على السواء، فلولا ما سمع الممكن في حال عدمه كن من الحق لما أراد الحق تكوينه ما كان، ولكان قول الحق في قوله أن نقول له كن لا يصدق، ولا سبيل إلى القول بحدوث كن عند الحق فهو إدراك خاص من الممكن الذي يريد الحق إيجاده للواجب الوجود فيظهر عينه، فيكون ما أدرك منه الممكن تعالى هو عين كن فانصبغ بالوجود فكان، والتخصيص أثبت الإرادة والتوجه الخاص وهو حكم عقلي لا يتعدى النظر فتحقق. ٢٠٥ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة ومن ذلك لباس الباطن الغذا، ولباس الظاهر ما يدفع به الأذى، قال: المخلوق يلزمه الأذى لفقره وهو لذاته ينبعث لدفع الآلام عن نفسه، فالجوع ألم يدفعه بالطعام، والعطش ألم يدفعه بالشرب، والحرّ والبرد ألم يدفعهما باللباس، وسائر الآلام يدفعها بالأدوية التي جعلها الله لدفع الآلام، وما عدا الدافع إما زينة أو اتباع شهوة، ولها ألم في النفس فلا يندفع إلاَّ بتناول المشتهى، وذلك سائغ من النفس في كل ما تشتهيه، فوقتاً يدفع الألم عند الإحساس به، ووقتاً يستعد له قبل نزوله، وعلى الجملة ما تستعمل النفس شيئاً من ذاتها إلاَّ لدفع ألم وهذا الفرقان بين الحق والخلق، فلو لم يكن الإيجاد للحق لذاته لكان حكمه في الإيجاد مثل هذا الحكم في دفع الألم عن نفسه بالإيجاد، فإن الإرادة منه كالشهوة منا، وبتناول المشتهى تندفع وهو في ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] فتحقق. ومن ذلك من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى، قال: كما تكون اليوم كذلك تكون غداً، فاجهد أن تكون هنا ممّن أبصر الأمور على ما هي عليه، دليلك على ذلك أن الذي خلقه الله أعمى وهو المسمّى بالأكمه، إذا نام لا يرى في النوم كما لا يرى في اليقظة، والأعمى إذا نام أعمى استيقظ أعمى، والنوم موت أصغر، فهو عين الموت من حيث إن الحضرة التي ينتقل إليها النائم هي بعينها التي ينتقل إليها الميت سواء، واليقظة بعد النوم كالبعث بعد الموت ﴿وَمَنْ كَانَ فِ هَذِهِةٍ أَعْمَى فَهُوَ فِ اُلْأَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢] أي أشدّ عمى، وهذه أخوف آية عند العارف، إلاَّ أن ثم شيئاً أنبهك عليه وهو أنه لو كان هنا أعمى ومات أعمى لكان في الآخرة أعمى، ولكن لا يكون أحد هنا أعمى قبل الانتقال ولو بنفس واحد، ولكن الذي خلق أعمى لا من عمي بعد أن أبصر فإن الغطاء لا بدّ أن ينكشف فيبصر فما يموت الميت إلاَّ بصيراً وعالماً بما إليه بصير فيحشر على ذلك فافهم. ومن ذلك أمر فامتثل ونهى فعدل قال: العبد طائع في جميع حركاته وسكناته فإنه قابل كل ما يوجده الحق فيه من التكوين من حركة وسكون في الظاهر والباطن، فالذي يخلق فيه إذا أمر بالتكوين فيه امتثل أمر ربّه، وإذا أراد أمراً ما ونهى عنه عدل عن إرادته إلى ما كون فيه، فإن كون فيه ما يكون حكمه المخالفة لما أمره الشارع ونهاه عنه نسبت إليه المخالفة في عين الموافقة وهي نكتة غريبة لا يشعر بها، فإن قبول المخالفة موافقة، ومن كان هذا مشهده لا يشقى لا في الدنيا ولا في الآخرة، فلا أطوع من الخلق لأوامر الحق أي لقبول ما أمر الحق بتكوينه فيه ولكن لا يشعرون. وليست الأوامر التي أوجبنا طاعتها إلاَّ الأوامر الإلهية لا الأوامر الواردة على ألسنة الرسل، فإن الآمر من الخلق طائع فيما أمر لأنه لو لم يؤمر بأن يأمر ما أمر، فلو أن الذي أمره يسمع المأمور بذلك الأمر أمره لامتثل، فإن أمر الله لا يعصى إذا ورد بغير الوسائط . ومن ذلك من أيقن بالخروج لم يطلب العروج قال: إذ ولا بدّ من الرجوع إليه فاعلم أنك عنده من أول قدم وهو أوّل نفس فلا تتعب بطلب العروج إليه، وما هو إلاّ خروجك عن إرادتك لا تشهدها فإنه معك أينما كنت فلا تقع عينك إلاَّ عليه، لكن بقي عليك أن تعرفه إذ لو ٢٠٦ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة ميزته وعرفته لم تطلب العروج إليه فإنك لم تفقده، فإذا رأيت من يطلبه فإنما يطلب سعادته في طريقه، وسعادته دفع الآلام عنه ليس غير ذلك كان حيث كان، فالجاهل كل الجاهل من طلب الحاصل، فما أحد أجهل ممّن طلب الله لو كنت مؤمناً بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمَّ﴾ [الحديد: ٤] وبقوله: ﴿فَأَيَّنَمَا تُوَلُّواْ فَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] لعرفت أن أحداً ما طلب الله وإنما طلب سعادته حتى يفوز من المكروه. ومن ذلك ذوق العذاب للأحباب بعض ورثة أهل الكتاب: [الكامل] إذا كانَتِ اُعْيُنُهُمْ تُشَاهِدُ ما بي عَذْبُ العذابِ بِرُؤْيَةِ الأخبَابِ إن اللَّذَاذَةَ رؤيةُ الأخبابِ ليس العَذَابُ سوى فِرَاقِ أحِبَّتي قال: من ورثة الكتاب الظالم لنفسه بما يجهدها عليه، فهو يظلم نفسه فيما لها من الحق لنفسه، فهو في الوقت صاحب عذاب وألم لا يريد دفعه عنه لأنه استعذبه وهان عليه حمله في جنب ما يطلبه فإنه يطلب سعادته، فإن الكتاب ضمّ معنى إلى معنى، والمعاني لا تقبل الضم إلى المعاني حتى تودع في الحروف والكلمات، فإذا حوتها الكلمات والحروف قبلت ضمّ بعضها إلى بعض فانضمت بحكم التبع لانضمام الحروف. وانضمام الحروف تسمى كتابة، ولولا ضمّ الزوجين ما كان النكاح والنكاح كتابة، فالعالم كله كتاب مسطور لأنه منضود قد ضمّ بعضه إلى بعض، فهو مع الإناث في كل حال يلد، فما ثم إلاَّ بروز أعيان على الدوام، ولا يوجد موجد شيئاً إلاّ حتى يحب إيجاده، فكل ما في الوجود محبوب فما ثم إلاَّ أحباب. ومن ذلك من الجهل الاستتار من الأهل قال: [البسيط] والله يعلم ما يأتي وما يَذَرُ إنّ الجَهُولَ مِنَ أهْلِ اللهَ يَسْتَتِرُ أو بعضه فاخذَرُوه إنه خَطَرُ والأهلُ تعرفُ ما الرحَمْنُ يفعلُهُ ما كان ينفعني التخويفُ والحَذَرُ وليس يَلْحَقُني في علمنا بَشَرُ لذاك يبدو إذا يبدو ويَسْتَتِرُ لو كان لي أمَلٌ في غير فاعلِهِ لكنْ لنا أمَلٌ فيه ومُعْتَقَدْ به يُوَحْدُني به أوَحْدُهُ يقول عزّ وجلّ: ﴿أَمَّ يَعْلَم بِأَنَّ الََّ يَرَ﴾ [العلق: ١٤] وقد صحّ أن بين الله وبين العالم نسباً فوجب على كل عاقل أن يطلب على نسبه لتصحّ الأهلية وتثبت من أجل الميراث وهو قد قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] وقد بينا أن بالكتابة توجد المعاني لضمّ الحروف أعيانها بالدلالة عليها، فقد أعطى العالم الإيجاد فهو يوجد بعضه بعضاً إيجاد الآلات بيد الصانع، ألا ترى إلى الصانع بالآلة لا يصنع ما لم تكن الآلة، وأن الآلة لا أثر لها في المصنوع ما لم يحركها الصانع، فتوقف عيها تواقفها عليه فلا يقول ﴿كُنْ﴾ [النحل: ٤٠] حتى يريد فهي إشارة، ومن ذلك الشأن في الشأن: [البسيط] وليس يَخْلُقُ شيئاً ليس يَعْلَمُهُ الشأنُ ما نحن فيه وهو يَخْلُقُهُ بذا أتانا كتابُ الله يُعَلِّمُنا خَصَّ الإلهُ به من شاءه فإذا فمن تَفَكَّرَ فيه فهو يَفْهَمُهُ يبدو لىه سِرُّهُ في الحال يَخكُمُهُ ٢٠٧ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة الذي جاء في كتاب الله قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] قال: الشأن في قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأٍْ﴾ [الرحمن: ٢٩] وليس إلاَّ الفعل وهو ما يوجده في كل يوم من أصغر الأيام وهو الزمان الفرد الذي لا ينقسم، والفعل إذا لم يكن الفاعل يفعل بالذات أي تنفعل عنه الأشياء لذاته، وإلاَّ فلا بدّ له عند إيجاد المفعول عنه من هيئة يكون عليها هي عين الفعل، ولا يلزم إذا كان فاعلاً لذاته صدور العالم عنه دفعة واحدة، فإن الممكنات لا تتناهى وما لا يتناهى لا يدخل في الوجود إلاَّ على الترتيب فهو ممتنع لنفسه، وما هو ممتنع لنفسه لا يتصف الفاعل فيه على الترتيب بالقصور عن إبرازه كله إذ لا كل له فإنه محال لذاته والحقائق لا تتبدّل، والممكن لعينه أعطى الترتيب الواقع وأعطاه الحق الوجود لذاته، فما هو إلاَّ وقوع عين الممكن على نور التجلي، فيرى نفسه وما انبسط عليه ذلك النور فيسمّى وجوداً ولا حكم للنظر العقلي في هذا، نعم له الحكم في بعض ما ذكرناه، والتسليم من العاقل في بعض، فالحق في شؤونه بالذات يفعل والترتيب لها . ومن ذلك في الاكتساب غلق الباب: [الكامل] فيما نُؤَمِّلُهُ من الأكْسَابِ الاكْتِسابُ مغالقُ الأبْوَابِ من أهله فتصحُ لي أنْسابي إن صَحَّ لي كَسْبٌ يصحُ بأنني شَهِدَتْ بذلك عنده أحسابي فأنا وإياه بحُكْمٍ وُجُوده لسنا عن الأبصار بالغُيَّابِ إني شهيدْ عالمٌ بأُمورنا الله يعلمُ أنه عندي بما لما علمتُ جلالَهُ وجمالَهُ قد قاله في العلم حَشْوُ إهابي أُعْلِمْتُ أن الأمْرَ لَمْعُ سَرَابٍ قال: الاكتساب تعمل في الكسب والموجد مكتسب لأنه قد وصف بما اكتسب، فقد كان عن هذا الوصف غير موصوف به إذ لم يكن ذلك المكتسب، ولذلك ورد: كان الله ولا شيء معه، ولم يرد عن المخبر عن الله ما ذكره علماء الرسوم وأدرجوه في هذا الخبر وهو قولهم وهو الآن على ما عليه كان فإنه تكذيب للخبر، فإنه الآن بالخبر الإلهي: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] وقد كان ولا أيام ولا شؤون تلك الأيام فكيف يصحّ قولهم وهو الآن على ما عليه كان وهو القائل: ﴿إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ [النحل: ٤٠] وأنت المؤمن بهذا القول فلا بهذا ولا بذاك، ومن ذلك لا يخشى إلاَّ من يخشى: [الكامل] من كل مَخْلُوقٍ لنا نَغْشَاهُ إن الإلهَ أحَقُّ أن نَخْشَاهُ وكذاك إذ تَخْشَى الذي يَخْشاهُ فإذا خشيتَ الله كنت مُوَفَّقاً وبنّهْبِهِ عقداً إذا مَاشَاهُ من كان يَخْشَى الله قام بأمْرهِ فإذا تَيَقَّنَ أنه أفْشاهُ الله يحفظُ سِرَّ عَبْدٍ مُوقِنٍ عند السُّرَى تنفيه في مَسْراهُ أبْدَى له منه لذلك غَيْرَةً قال: لا تقع الخشية إلاَّ ممّن يقبل أثر ما يخشى منه، فهو عنده بالذوق علم ذلك، وفي ذاته طلب التأثير لما عنده من دعوى الربوبية لكونه خلق على الصورة، فلا بدّ أن يخشى أيضاً ٢٠٨ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة هو لما يطلبه من التأثير في غيره كما نخشى ممّن يؤثر فيه، والعارف قد يقام في حال لا يخشى، ولا سبيل أن يقام في حال لا تخشى لأن ذلك ليس له، نعم قد يكون في نفسه شاهداً لحاله يقول إنه لو شوهدت منه ما يخشاه أحد وذلك ليس بصحيح إنما يكون هذا ممّن يجهل ذاته وما تعطيه ما رأى الصيد إنساناً إلا فرّ منه ويخشاه وإن لم يقم بنفس ذلك الإنسان صيد ذلك الهارب منه وقد لا يراه ويكون ظهره إليه، فليس في وسع المخلوق أنه لا يخشى، وقد يكون في وسعه أنه لا يخشى، ولكن لا على الدوام إلاَّ أن يغفل عن ذلك لا غير، ومن ذلك المقيت يطلب التوقيت: [البسيط] فهو المُقِيتُ وباسْمِ الدَّهْرِ يَخْجُبُهُ الله عَيَّنَ أقواتاً وقَدَّرَهَا والرُّوحُ يكتُمُهُ وَالحِسّ يَرْقُبُهُ فالعَقْلُ يسترُه والنفس تُظْهِرُهُ والشوقُ يُثْلِفُهُ وَجْداً ويُذْهِبُهُ والنُّورُ يُخرِقُهُ والسّرّ يَكْنُفُهُ والموَجْدُ يَقْدَحُ زَنْدَ الحُبِّ في کُبِدٍ حَرَّى والِهَةِ والرِّيحُ تلهبُهُ قال: ترتيب الإيجاد يؤذن بالتوقيت، ولا يتولى ذلك إلاَّ الاسم المقيت لأنه القائل: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] وقوله: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وقال: ﴿ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وهو الثابت الواقع، ولا حكم لأداة لو فإن كلمة لو لو زرعت ما نبت عنها شيء ويخسر البذر، فمتى سمعت لو حيث سمعتها فلا تنظر إلى ما تحتها فإن ما تحتها ما يوجد فلا تخف منها ولا من دلالتها، وليكن مشهودك الواقع خاصة، فإنه ما رأيت أعظم أثراً من أثر المعدوم في نفوس العالم وسبب ذلك الإمكان فيخاف الإنسان أمراً ما وذلك الأمر معدوم ما وجد، وقد أثر فيه الخوف وما يتبعه هذا أثر المعدوم، فكيف أثر الموجود؟ ومن ذلك الحبيب قريب. قال: الحبيب قريب من الحب لأنه الذي يتعلق به لا من المحب، فالحب لا يجول المسافات البعيدة النابية ولا التنويهات الشريفة التي لا ترتفع أحكامها عن قرب الحب من الحبيب، والمحب قد يكون له القرب من الحبيب وقد لا يكون، فالحب قريب من المحب لقيامه به، وقريب من المحبوب لتعلقه به، فإنه لا تعلق له بغير محبوبه فقد انفرد إليه، والمحب تبع للحب لقيامه به، والحبيب ليس بتابع لحب المحب وإن تعلق به بل هو مع ما يقوم به، فإن قام به حب المحب أحبه فعاد المحب حبيباً فصح الطلب من الطرفين ولا عايق إلاَّ إن كان من خارج أو من محال أي لا تعطي الحقائق الاتصال، فمن عرف الحب عرف كيف يحب، كان شيخنا يطلب شهوة الحب لا الحب، وذلك أن شهوة الحب قرب الحبيب من المحب. ومن ذلك ليس من الخير حب الغير قال: ما أحب المحب في غيره إلاَّ نفسه فما أحب الغير ولا يصحّ حب الغير أبداً لأن حب الغير ما فيه خير، فإذا كان فيه خير يعود على المحب فنفسه أحب لأنه أحب إعادة ذلك الخير عليه، ثم لتعلم أن ذلك الغير من حقيقته أن يكون له وجود ما هو عين هذا الآخر، والمحبوب أبداً لا يكون إلاَّ معدوماً إما في موجود أو لا في موجود، فإن الموجود محال أن يحب لذاته وإنما يحب لأمر عدمي، ذلك الأمر العدمي هو ٢٠٩ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة المحبوب منه أن يكون، والعدم ليس بغير للمحب، ولا يزال هذا المعدوم المحبوب منوطاً بالمحب لقيام حبه به وتعلقه بذلك المحبوب، فلا يزال متصلاً به وصل خيال حتى يقع في الحسّ، هذا شأنه في المخلوق وفي الحق الإيجاد. ومن ذلك من بلغ الغاية في الاتساع ضاق قال: لا أوسع من الخلا إذ الاتساع لا يوصف به إلاّ الخلا، فإذا امتلأ الخلا ضاق بلا شك، فإن الممكنات لا نهاية لها وقد ضاق الخلا عنها لأنه امتلأ فضاق المتسع، فجعل الله فيما أوجد من الملأ في الخلاء الاستحالات، فلا يزال يخلع صورة فيلحقها بالثبوت والعدم ويوجد صورة من العدم في هذا الملأ فلا يزال التكوين والتغيير فيه أبداً بالاستحالات في الدنيا والآخرة بل في الوجود كله، وهذه هي الشؤون التي الحق فيها في كل يوم من أيام الدنيا والآخرة بل من أيام الوجود، فما ضاق عن الاستحالات فإنه تفريغ وإشغال فهو بعمارة الخلا قد ضاق وبالتفريغ والإشغال فيه ما ضاق، فلا يزال الخلا ممتلئاً على الدوام لا يعقل فيه خلو ليس فيه ملأ. ومن ذلك لا غاية في الغاية قال: لو كانت في الغاية غاية ما كانت غاية والعالم غايته في طلب الحق والحق غايته الخلق لأن غايته المرتبة، وليست سوى كونه إلهاً فهو يطلب المألوه بالذات ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ﴾ [هود: ١٢٣] فهو الغاية ومنه بدأ الأمر كله، ولذلك جاء بالرجوع لأنه لا يمكن أن يكون رجوع إلاَّ من خروج تقدم، والموجودات كلها المحدثات ما خرجت إلى الوجود إلاّ عن الله، فلهذا ترجع أحكامها إليه ولم تزل عنده، وإنما سميت راجعة لما طرأ للخلق من رؤية الأسباب التي هي حجب على أعين الناظرين، فلا يزالون ينظرون ويخترقون الأسباب من سبب إلى سبب حتى يبلغوا إلى السبب الأوّل وهو الحق فهذا معنى الرجوع . ومن ذلك من جاء شيئاً إمراً حدث له القرين ذكراً، قال: كل أمر يقع التعجّب منه، فإن صاحبه الذي أوجده للتعجب ما أوجده بهذه الحالة إلاَّ ليحدث منه ذكراً لهذا الذي تعجب منه فلا تستعجل، فإنه لا بدّ أن يخبره موجده بحديثه إلاَّ أن الإنسان خلق عجولاً، ففي طبعه الحركة والانتقال لأنها أصله، فإن خروجه من العدم إلى الوجود نقله فهو في أصل نشأته ووجوده متحرك فلهذا قال: ﴿خُلِقَ اُلْإِنِسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] وخلق الإنسان عجولا، ولو رام غير العجلة ما استطاع، وما في العالم أمر لا يتعجب منه فالوجود كله عجب، فلا بدّ أن يحدث الله منه ذكراً للمتعجبين، فالعارفون أحدث الله لهم ذكراً منه في هذه الدار فعرفوا لما خلقوا له ولما خلق لهم، والعامة تعرف حقائق هذه الأمور في الآخرة فلا بدّ من العلم وهو إحداث الذكر. ومن ذلك الركون لا يكون إلاَّ لمغبون: [البسيط] يَزْكُنُ إلى غيره إلاَّ الذي جَهِلَهُ لا تَزْكُثَنَّ إلى غير الإله فما في ملكه بشَرِيكِ غَيْرُ من خَذَلَهُ سبحانه وتعالى أن يُقِرَّ له من قال إن له ندّاً وصاحبةً والله ما طَلعتْ شمسٌ ولا غربتْ فرَبُّهُ بحسام الجهل قد قَتَلَهُ على مُحِبُّ له إلاَّ وقد وَصَلَهْ الفتوحات المكية ج٨ - ١٤٣ ٢١٠ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة إلاَّ حباه بها في تُخْفَةٍ وَصِلَهُ بما يريد وما يبغيه من مِسَحٍ نَظْمٌّ من الشعر أو نَثْرٌ من البَطَلَهُ سبحانه وتعالى أن يحيط به لا تركن إلى غير ركن فتخيب، انظر في القرآن بما أنزل على محمد رَ لو لا تنظر فيه بما أنزل على العرب فتخيب عن إدراك معانيه، فإنه نزل بلسان رسول الله وصية لسان عربي مبين نزل به الروح الأمين جبريل عليه السلام على قلب محمد وسم# فكان به من المنذرين أي المعلمين، فإذا تكلمت في القرآن بما هو به محمد ◌ّيو متكلم نزلت عن ذلك الفهم إلى فهم السامع من النبي ◌ُّ، فإن الخطاب على قدر السامع لا على قدر المتكلم، وليس سمع النبي وَّ وفهمه فيه فهم السامع من أمته فيه إذا تلاه عليه، وهذه نكتة ما سمعتها قبل هذا عن أحد قبلي وهي غريبة وفيها غموض. ومن ذلك من لم يتكبر على خلقه فقد أدّى واجب حقه: [البسيط] بَلِ التَّواضعُ والإمهالُ من شِيَّمي ليس التَّكَبُّرُ والإهمالُ من شِيَمي وهو المهيمنُ رَبُّ الصَّفْحِ والكَرَمِ إني عَبَدْتُ الذي أجني ويغفرُ لي قال: لا يتكبر على الأمثال إلاّ من جهل أنهم أمثال، فكما لا يتكبر الشيء على نفسه كذلك لا يتكبر على مثله، ومن لم يتكبر على خلق الله فقد أعطاهم حقهم الذي وجب لهم عليه كما أعطاه الله خلقه الذي لم يكن إلاَّ به وإلاَّ فما هو هو، فإن الإنسان إذا لم يكن هو الحيوان الناطق وإلاَّ فليس بإنسان، فهذا أعطى كل شيء خلقه، وأوجب عليك أنت الحقوق، فما في العالم إلاّ من له حق عليك تؤديه إليه إذا طلبه منك، وما لم يطلبه بحاله أو لسانه لم يتعين عليك، فلا بدّ من الأوقات فيه كما هو في الإيجاد والآجال إذا جاء الوقت قال تعالى: ﴿ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَ يَسْتَفْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِعُونَ﴾ [يونس: ٤٩] وقال تعالى في شأن القيامة لا يجليها لوقتها إلاَّ هو فحينئذ يعطيها خلقها، كذلك إذا حان أجل أداء الحق تعين عليك الأداء، فإن أنت لم تفعل فأنت ظالم، ولا يتعين أداء حق إلاَّ مع قدرة المؤدي على أدائه وذلك وقته. ومن ذلك المقصود رؤية التقصير مع بذل المجهود: [الكامل] إلاَّ الذي أدْرَكْتُ في التَّشْمِيرِ ما كان مَقْصُودي من التَّقْصيرِ من قُمْتُ فيه بنَفْئَةِ المَصْدُورِ حتى يراني العاذلون قَدِ اعْتَنَى من علمه المسروح في المسطُورِ وأرى الذي قَيّدته بصحيفتي فَهْماً كما أجلاه في المَزْبُورِ إني قرأت كتابَهُ وفهمتُهُ وأتى به ضَوْءُ الصّباحِ ولَيْلُهُ إني حَصَرْتُ وُجُودَهُ ويحقُّ لي في وقته المَعْرُوفِ بالذَّنْهُورِ حَصْرُ الأمور لعِلْمِيَ المَخصُورِ قال: الأماني غرور فلا تتمنّ على الله الأماني وأنت تسلك على غير طريق تحصيلها فإن الله يقول: ﴿إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] فجعل الطريق التقوى لحصول هذا الفرقان الذي أنزله على عبده ليكون به للعالمين نذيراً أي معلماً لهم، ألا تراه لما أراد أن يعرف أوجد العالم وتعرف إليهم فعرفوه على قدرهم ما أبقاهم في العدم، ورد خبر إلهيّ قال ٢١١ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة تعالى: ((كُنْتُ كَنْزاً لَمْ أُعْرَفْ فَخَلَقْتُ الخَلْقَ وَتَعَرَّفْتُ إلَيْهِمْ فَعَرَفُونِي)) ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَفَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] فلا بدّ لكل طالب أمر أن يسلك في طريق تحصيله لأن الطريق له ذاتي فلا تحصل إلاَّ به ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. ومن ذلك حاز جنة المأوى من نهى النفس عن الهوى: [الرجز] كانت لها جَنَّاتُهُ مَأْواهَا إذا نَهَيْتَ النَّفْسَ عن هَواها وكان في فِرْدَوْسِه مَثْوَاهَا قَسَماً وبالهَبَدْرِ إذا تَلاَهَا وبالنهار حين ما جَلاّها بها حباها الله إذْ حَبَاها أقسمتُ بالشمس التي أجْرَاها ولَيْلِهِ المُظْلِم إِذْ يَغْشَاها وحِكْمَةِ الله التَي أخفاها وبالسمواتِ ومن بَنَاها لتَبْلُغُنَّ اليَوْمَ مُنْتَهَاهَا حين رأت ما قَدَّمَتْ يداها بأطعمة قد بَلَغَتْ إِنَاهَا عن العيون حين ما أبداها وفَوْقَ أرْضٍ فَرْشِهِ عَلَّها حتى تراها بلغتْ مُنَاها من كل خَيْرٍ منه قد أتاها ما كان أخلاها وما أشهاها قال: نهي النفس عن الهوى أن يكون هواها لا تأته من حيث ما هو هواها بل من حيث ما هو إرادة الحق وأنت لا تدري، فإذا نهى النفس عن الهوى من حيث إنه مذموم لا من حيث ما أشرنا إليه فإن الله قد ستر عنه العلم الصحيح في ذلك فعبر عنه بجنة المأوى أي الستر الذي أوى إلى ظلّه، فهو وإن كان مدحاً فمن حيث إنه علّق الذمّ بالهوى، فلو عرف أنه ما دفع الهوى إلاَّ بالهوى، وأن الهوى ما هو غير عين الإرادة، وكل مراد إذا حصل لمن أراده فهو ملذوذ للنفس، فكل إرادة فهي هوى لأن الهوى تستلذه النفوس وما لا لذة لها فيه فليس بهواها، وما سمّي هوى إلاَّ لسقوطه في النفس، وليس سقوطه إلاَّ منك في إرادة ربه، فلا أعلى من الهوى لأنه يردك إلى الحق، فلا تشهد غيره في التذاذه بذلك إلاَّ أن الخلق حجبوا عن هذا الإدراك فهم مع الإرادة فيهم، ويسمونها هوى وليس بهوى، والهوى للعارفين والإرادة للعامة، والذم لهم في الهوى فهم له عاملون. ومن ذلك الحق للباطل مزهق والنظر إليه مصعق : [السريع] يَدْمَغُهُ فهو به زَاهِقُ قَذْفُكَ بِالحَقِّ على البَاطِلِ من هو في أحواله صَادِقُ وإنما يعرف ما قلتُه وغيرُه مُقْتَصِدٌ سَابِقُ فهو ظَلُومٌ والهَوَى مُهْلِكٌ فإنه في إثرِهِ لاحقُ يسبقُه فكلّ من جاءه وإن أقُلْ حادانا سائقُ فإنْ أقُلْ هادانا عارفٌ ومن لساني فأنا ناطقُ من حيث عيني فأنا ناظرٌ بأنه في ذاته عَاشِقُ أحوالُنا تخبرُ عن سِرِّنا قال: لا تغالط نفسك، حق وخلق لا يجتمعان، فانظر مشهودك إن كان حقاً فما تنظره ٢١٢ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة إلاَّ بعينه فإنك لا تدركه بغيره، فما ثم خلق في حقك وفي وقتك إذا كان وقتك الحق، وإن كان خلقاً فما تنظر إليه إلا بعين الخلق، والحكم تابع للنظر، ولا يحكم النظر إلاَّ بما يعطيه المنظور من ذاته، فمن المحال أن يكون المنظور إليه قائماً فيدركه قاعداً، أو على لون ما إن كان من المتلونات فيدركه على غير اللون الذي هو عليه ذلك المنظور، وهذا سائغ في كل قوة موضع الطعم إذا غلبت عليه المرة الصفراء، قال في العسل إذا ذاقه إنه مر، والعسل ما باشر موضع الطعم وإنما باشرته المرة الصفراء، فصدق في المرارة وكذب في نسبة المرارة إلى العسل فاعلم ذلك. ومن ذلك من أجاب أجيب فلم لا يستجيب؟ : [البسيط] مُؤَيِّداً وبهم أيّذْتُهُمْ فَإذا لما أجَبْتُ دُعَاةَ الحَقِّ كنتُ لهم كما أقول إذا ما كنت مُنْتَبِذَا أقول إنهم عَيْني ومُعْتَقَدي ولو يرى الحسُّ أن الحَقَّ قد نُبِذَا الحقُّ يجهلُ أو يُغْزَى لكل هَوّى به فإن له حكماً عَلَيَّ بذَا هيهاتٍ ليس له حَدٌّ فتدركُه فكل حُكْم تراه فهو فيه كذا بذا حَكَمْتَ وما في الحُكْمِ من عَجَبِ ولا يُنَاطُ به من جانبَيْهِ أَذَّى فلا يحيطُ به علمٌ ومعرفةٌ قال: لا تعامل إلا بما عاملت فعملك يعود عليك، استجب لله ولرسوله إذا دعاك لما يحييك، فإنه إذا دعاك فأجبته يجبك إذا دعوته، قال عزّ وجلّ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍّ فَلْيَسْتَجِيبُواْ﴾ [البقرة: ١٨٦] فإني دعوتهم على ألسنة أنبيائي، وكما أنه عزّ وجلّ يعطي جزاء يطلب من عبده الجزاء لما دعاه الحق إلى التكوين وأجاب فكان فدعاه خالقه إلى ما تقوم به ذاته ويبقي عليه عينه فأجابه الحق بالإمداد فكان جزاء ولو شاء أعدمه لكنه أجاب فأجابه الحق، فكان ذلك تنبيهاً من الحق لنا وتعليماً، فإياك والغفلة عن ملاحظة هذه الأشياء التي نصبها الحق لتشهد، فلا تعاملها إلاَّ بما نصبها الحق له، فأصل الإجابة في العالم من هناك وهو أصل قوي، ولذلك ما دعا الله أحداً إلاَّ وأجابه، إلاَّ أن الأمور مرهونة بأوقاتها لمن يعلم ذلك، فلا تستبطئ الإجابة فإنها في الطريق وفي بعض الطرق بعد وهو التأجيل. ومن ذلك طيب الأعراق يدل على مكارم الأخلاق: [البسيط] إنّ الجِيَادَ على أغراقها تَجْري قد قيل في مَثَلِ أجْرَاهُ قائلُهُ يجري الجميلُ وغَيْرُ الخَيْرِ ما يَجْري فمن يقومُ به أخلاقُ سَيِّدِهِ يَوْمَ الخَمِيس إلينا ليلة القَدْرِ هذا الذي قلتُه التوحيدُ جاء به من أوّل اللَّيْلِ حتى مَطْلَعِ الفَجْرِ أقام عندي بلا كَدِّ ولا نَصَب قال: إذا كانت الأعراق التي هي الأصول طيبة بالصلاحية والقوّة كان الثمر في الفروع طيباً بالوجود والفعل، فالثمر من الأصول يستمد فإنها من ذاتها لا تستبد، والأصل الحق في وجود العالم وهو الطيب فما في الوجود إلاَّ طيب، فإن كل ما في الوجود إنما هو أخلاق الحق أي ثمرات أسمائه، وأسماء الحق للحق كالفروع والأغصان للشجرة، ولذلك تختلف الأغصان من التشاجر، ويدخل بعضها على بعض تداخل الأسماء الإلهية في الحكم في العالم ٢١٣ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة كما قال: ﴿كُلَّا تُمُِّ هَتَؤُلَاءٍ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَّ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ تَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠] فأي عين لم تر في العالم طيباً في أمر ما منه فما ذلك إلاَّ لغيبة الحق عن شهودها في تلك النظرة ومن ذلك ذكر الجنوب قريب من الغيوب: [البسيط] مَنْ يَذْكُرِ اللَّهَ قَدْ يَرْجُو مُذَكّره من القِيَّامِ يكونُ الذِّكْرُ أو جُنُبٍ في كل حَالٍ بلا كَدٍّ ولا نَصَبٍ أو القُعُودِ فإن الله يَذْكُرُهُ في حال جدّ يكون الذكرُ أو لَغَبٍ هذي الحياة التي تُرْجَى النعيم بها يكون فيه جلاءُ الشَّكُ والرِّيَبِ إن الذي يذكر الرحمُنَ جاءَ بما فإنها قد تُؤَدِّينا إلى العَطَبِ فالله يَعْصِمُ قلبي من غوائله قال: الذاكرون ثلاثة: ذاكر قائم وهو الذي له مشاهدة قيومية الحق فيراه قائماً على كل نفس بما كسبت فلا يشهده إلاَّ هكذا في ذكره، وذاكر قاعد وهو الذي يشهد من الحق استواءه على العرش، وإنما قلنا ذلك لأن العالم مرآة الحق والحق مرآة الرجل الكامل، وينعكس النظر في المرآة فيظهر في المرآة ما هو في المرآة الأخرى، ولا يعرف ذلك إلاَّ من رأى ذلك، فيرى الحق في الخلق قيوميته بكونه قائماً عليه بما كسب والحق مرآة للخلق، وقد رأى الحق نفسه في خلقه، فرأى الخلق في مرآة الحق صورة ما تجلى من الحق في مرآة الخلق، فأدركوا الحق في الحق بوساطة مرآة الخلق، فإن شهد الحق أي صفة شهد منه العبد تلك الصورة عينها على حد ما قلناه، وإنما كان الجنوب يقرب الغيوب لأنها حالة النائم أو المريض، وهو قريب من حضرة الخيال وهي محل الغيوب. ومن ذلك الاكتفاء من الوفاء: [البسيط] وما يَقُومُ له والاكْتِفَاءُ وَفَا مَنِ اكْتَفَى قَدْ وَفَى بما يَقُومُ به جاءت به سُبْلُهُ فالذِّكْرُ منه جَفَا من ظَنَّ أن طريقَ الحَقّ أهْوِيَةٌ قال: لا يكون الاكتفاء من الوفاء إلاَّ مع الموجود الحاضر صاحب الوقت، فيكتفي به صاحبه في وقته ولا يحتاج إلى طلب الزائد فإنه لا بدّ منه، هو يأتيك من غير طلب لأنه من المحال الإقامة على أمر واحد زمانين، وإنما قال الحق تعالى لنبيه وَ ل﴿ آمراً: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِی عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] ينبهه وإيانا على أن أمراً آخر زائداً على ما هو الحاصل في الوقت لنتهمم لقدومه، وليظهر من العبد الافتقار إلى الله بالدعاء في طلب الزيادة، فمن علم أنه لا بدّ من تحصيل الزائد وتأهب لقدومه فلا حاجة في هذا الموطن إلى الدعاء في تحصيله إلاَّ أن الزائد غير معين عندك، فإن عيّنه الدعاء والحق يجيب فقد تعين عندك ما تدعوه فيه، وهو الذي أمر الله به نبيه وَلّ أن يزيده يطلبه علماً به في كل ما يعطيه، وهو وجه لحق في كل شيء ومن ذلك الاستغفار في الأسحار: [البسيط] له الجِبَاهُ بآصال وأسْحَارِ اسْتَغْفِرِ الله بالله الذي سَجَدَتْ سِرّاً يُهِيمُهُمْ في نَغْمَةِ القَاري فقال لي قائلٌ منهم بأنّ لهم قال: السحر موضع الشبهه ما هو ظلمة محضه فيكون الجهل، ولا هو نور محض فيكون العلم، ولكنه سدفة وهو اختلاط الضوء والظلمة، فلما كان الاختلاط وقع التشابه ٢١٤ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة ولهذا نهينا عن اتباع المتشابه، وذكر أنه ما يتبعه إلاَّ من في قلبه زيغ أي ميل عن الحق الصراح فإن التخليص هو المطلوب، فلذلك شرع الاستغفار في الأسحار أي طلب من الله التستر عن الميل إلى المتشابه بشرط أن لا يعرف أنه متشابه، فإن علمت أنه متشابه ولم تتعدّ به حدّه ولا أخرجته بميلك إليه ونظرك فيه عن المتشابه فلا حرج عليك، وإنما الخوف والحذر أن تلحقه بأحد الطرفين وما ذلك حقيقته، وإنما حقيقته أن يكون له وجهان: وجه إلى كل طرف وجه إلى الحل ووجه إلى الحرمة، ويتعذر الفصل بين الوجهين وتخليصه إلى أحد الطرفين، فهو عند العارف عن المحكم بهذا الوجه لتميزه عن كل واحد من الطرفين، فإذا اتبعته اتباع من لا يزيله عن حقيقته فما ثم زيغ. ومن ذلك عناية العبادة موافقة الأمر الإرادة: [الكامل] مَعْبُودُهُ في عينه مَشْهُودَا إِنْ وَافَقَ الأمْرُ الإرادَةَ لَمْ يَزَلْ من فَوْرِهِمْ خَرُّوا لديه سُجُودَا فإذا تَجَلّى نُورُهُ لعِبَادِهِ قال: الأمر الإلهيّ لا يخالف الإرادة الإلهية فإنها داخلة في حدّه وحقيقته، وإنما وقع الالتباس من تسميتهم صيغة الأمر وليست بأمر أمراً والصيغة مرادة بلا شك، فأوامر الحق إذا وردت على ألسنة المبلغين فهي صيغ الأوامر لا الأوامر فتعصى، وقد يأمر الآمر بما لا يريد وقوع المأمور به فما عصى أحد قط أمر الله، وبهذا علمنا أن النهي الذي خوطب به آدم عن قرب الشجرة إنما كان بصيغة لغة الملك الذي أوحى إليه به أو الصورة فقيل: ﴿وَعَصَّ ءَادَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١]. ومن ذلك لا يعول عليه إلاَّ الفار منه إليه: [المجتث] فَرَرْتُ منه إلَيْهْ مَنْ كُنْتُ طَوْعَ يَدَيْهُ لذا نَّكَلْتُ عَلَيْه وَلَمَ آجِدْ منه بُدّاً وقال: الفرارون هم بحسب ما فروا إليه، فما أوجب عليهم الفرار ما فرّوا منه، وإنما أوجبه ما فروا إليه، إذ لو عرفوا أنه ما ثم من يفر إليه لسكنوا وما فروا، فإذا أردت أن تعرف في فرارك هل أنت موسوي أو محمدي؟ فانظر في ابتداء الغاية وهو حرف من، وفي انتهاء الغاية وهو حرف إلى، فالنبي محمد مرَلَّ يقول: ﴿فَفِرُّوَاْ إِلَى اللَّهِ إِنِّ لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ﴾ [الذاريات: ٥٠] وقال في تعوذه: ((وَأَعُوذُ بِكَ)) فهذا أمره ودعاؤه. وقال عن موسى معرفاً إيانا ﴿فَفَرَّرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ [الشعراء: ٢١] ويقال للمحمدي: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ [آل عمران: ١٧٥] فالحكم عند المحمديّ لانتهاء الغاية، وعند الموسويّ لابتداء الغاية، وعلى الحقيقة فالغاية هي متصوّرة عنده في الابتداء فهي المحرّكة لأن الأمور إنما هي بغاياتها ولها وجدت، قال عزّ وجلّ : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاَلْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فاعتبر الغاية وإن تأخرت في الوجود مثل طالب الاستظلال بالسقف فحركته الغاية إلى ابتدائها، فما وقعت العبادة إلاّ بعد الخلق، فالغاية هي التي أبرزتهم إلى الوجود فهي المبتدأ، وإن تأخرت في الوجود فما تأخرت بالأثر فإن الحكم والأثر لها، ولذلك قلنا: إن الأثر أبداً في الموجود إنما هو للمعدوم والغاية معدومة، ولهذا يصحّ من الطالب طلبها لأن الموجود غير مراد، فالغاية المعدومة هي التي أثرت الإيجاد، أو هي سبب في أن أوجد الحق ما أوجده ممّا لم يكن له وجود عيني قبل هذا ٢١٥ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة الأثر السببي، ويسميه بعض العلماء العلة وبعضهم يسميه الحكمة، وبعد أن عرف المعنى فلا مشاحة في الإطلاق، ومن ذلك الجهر والهمس لفظ النفس: [السريع] مُقَرَّرْ في الجَهْرِ والهَمْسِ الأمْرُ في العَقْلِ وفي النَّفْسِ أُدْرِكُهُ بالعَقْلِ والحِسِّ فكلُّ ما يَشْهَدُهُ ناظِري ولستُ من ذلك في لَبْسٍ وأَشْهَدُ المَعْنَى الذي سَاقَهُ قال: إنما سمّي الكلام لما له من الأثر في النفس من الكلم الذي هو الجرح في الحسّ، وسمّي أيضاً باللفظ لأن اللفظ الرمي فرمت النفس ما كان عندها مغيباً بالعبارة إلى إسماع السامعين من غير أن يتعلق به من المتكلم بذلك غيرة، فإن غار عليه لم يجهر به وهمسه فلا يسمعه إلاّ من قصده بالإسماع خاصة، وإنما وقف الغيرة على الشيء لما علم من بعض السامعين أو من كان عدم احترام ما وقعت من أجله الغيرة، فلو عمّ الاحترام من كل شخص في كل موجود لكان الأمر جهراً كله، وأيضاً رحمة بالخلق لأنهم إذا أخفى عنهم لم يلزمهم احترام ما لم يسمعوا فلم يعاقبوا. ومن ذلك الوجود في السجود: [الوافر] إذا وَافَتْ حَقَائِقُنا اتَّحَدْنَا وفُزْنَا بالعناية بالوُجُودِ وَحُزْنَا كُلَّ مَكْرُمَةٍ تَبَدَّثْ إلينا منه في حال السُّجُودِ قال: إنما تطلب الوجوه بالسجود رؤية ربها لأن الوجوه مكان الأعين والأعين محل الأبصار، فطلبه في سجوده ليراه من حيث حقيقته فإن التحت للعبد لأنه السفل، فربما تخيل العبد تنزيه الحق عن التحت أن يكون له نسبة إليه، فشرع له السجود وجعل له فيه القربة، ثم نبهه الشرع على ذلك بحديث الهبوط وهو أنا روينا عن رسول الله وَ ﴿ أنه قال: ((لَوْ دَلَّيْتُمْ بِحَبْلٍ لَهَبَطَ عَلَى الله)) وهي إشارة بديعة في الاعتصام بحبل الله أنه يوصلنا إلى الله، ولهذا قال ابن عطاء لما غاص رجل الجمل في الأرض: جلّ الله، فقال الجمل: جلّ الله لأن رجل الجمل سجد بالغوص في الأرض يطلب ربه، فإن كل أحد إنما يطلب ربه من حقيقته ومن حيث هو، ونسبة التحت والفوق إليه سبحانه على السوا لاتحده الجهات ولا تحصره، يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَةَ﴾ وهم أمة موسى ﴿ وَاُلْإِنِيلَ﴾ وهم أمة عيسى ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن زَيِّهِمْ﴾ وهم أهل القرآن وجميع كل ما أنزلت عليه صحيفة ﴿لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ﴾ يريد استواءه على العرش والسماء بل كل ما علاه ﴿وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦] وهو الذي طلبه رجل الجمل بغوصه. وبقوله وَ له: (لَوْ دَلَّيْتُمْ بِحَبْلِ لَهَبَطَ عَلَى الله)) مع أنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فالنسب إليه على السوا وما كان عند ابن عطاء خبر بذلك فكان الجمل أستاذ ابن عطاء في هذه المسألة فللَّه الفوق والتحت، كما له الأمر من قبل ومن بعد، فله نسب مسافات الأمكنة، كما أن له نسب مسافات الأزمنة، وما ثم أسرع حركة من البصر في الحواس زمان لمح البصر زمان تعلّقه بالكواكب الثابتة فما فوقها، وبينهما من البعد في المساحة ما لا يقطع في آلاف من السنين المعلومة عندنا بحركة الأرجل. ومن ذلك الجزاء يشهد بالعدل وترك الفضل : [الطويل] ٢١٦ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة وفضلتَ أمْرَ الفضل فينا على العَدْلِ إذا أنت سَاوَيْتَ العَدالةً بالجورِ وأن لسانَ الحَقّ في قُبَّةِ الفَضْلِ تَيَقُّنْتَ أن الأمْرَ بالحَقّ قائمٌ قال: لا يدخل الفضل في الجزاء، وبهذا كان فضلاً، فعطاء الله كله فضل لأن التوفيق منه فضل والعمل له وهو العامل، فالحاصل عن العمل بالموازنة وإن كان جزاء فهو فضل بالأصالة، فالجزاء موازنة للعمل فهو للعمل لا للعامل ولا للعامل به، فإن العامل هو الحق، وما يعود عليه ممّا أعطاه ما وجد له ذلك العطاء، والعمل لا يقبل بذاته ذلك العطاء لنفسه ولا بدّ له من قابل، وأعطاه العمل لمن ظهر به وهو العبد الذي كان محلاً لظهور هذا العمل الإلهي فيه، فهو أيضاً محل للعطاء الإلهيّ لأنه يلتذ به أو يألم إن كان عقوبة، فقد علمت الجزاء والمجازي والمجازى والسلام. ومن ذلك كرم الأصول يدل على عدم الفضول: [الرمل] في بَقَاءِ الكَوْنِ من مُوجِدِهِ كَرَمُ الأصْل دليلٌ وَاضحْ كان بالتعيين من مَشْهَدِهِ فإذا عَيَّنَهُ مُوجِدُهُ قال: العاقل العالم من لا شغل له إلاَّ بما يعنيه، وما ثم إلاَّ ما يعنيه، يعني إذا أضيف العمل إلى الله، فإذا أضيف إلى المخلوق فلا يخلو إما أن يعتبر فيه التكليف المشروع أو لا يعتبر، فإن لم يعتبر فما اشتغل أحد إلاَّ بما يعنيه أي بما له به عناية، لأنه اشتغل بما له فيه غرض من تحصيل أو دفع، وإذا اعتبرت التكليف وخرج الاشتغال من المكلف عمّا رسم له الوقت وطلبه منه فقد اشتغل بما لا يعنيه أي بما ليس له به عناية شرعية، ولذلك ورد: ((مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ)) والإسلام حكم شرعي، ولم يقل من حسن فعل المرء تركه ما لا يعنيه فإنه ما ترك إلاَّ ما يعنيه تركه ولا فعل إلاَّ ما يعنيه فعله. ومن ذلك لا يرتضي إلاَّ أهل الرضى: [البسيط] في كلّ حَالٍ إلى ما فيه مَرْضَاتُه إِنّ الرَّضِيَّ الذي يَرْضَى بنَقْلَتِهِ فذاك من حَرُمَتْ عليه أقْوَاتُه فإن تَعَدَّى ولم يَثْبُتْ بمَنْزِلِهِ قال: الرضا ممّن كان لا يكون إلاَّ بالقليل لمن يعلم أن ثم ما هو أكثر من الحاصل في الوقت، ولا بدّ من الرضا من الطرفين لأن الباقي لا يتناهى، فلا سبيل إلى نيله ولا إلى دخوله في الوجود، فلو حصلت ما عسى أن تحصلٍ فلا بدّ من الرضا ﴿رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ﴾ بما أعطوه من بذل المجهود وغير بذل المجهود ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] بما أعطاهم ممّا يقتضي الوجود الجود أكثر من ذلك، لكن العلم والحكمة غالبة ولذلك ﴿يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيْرٌ بَصِيرُ﴾ [الشورى: ٢٧] وإن ارتفع التكليف في الآخرة فما ارتفع ما ينبغي، فما انبغى إلاَّ ما حصل، فالناس في الآخرة مع ربهم في عبادة ذاتية، وهم في الدنيا في عبادة مشروعة، إلاَّ من اختصه الله من عباده فأعطاه في الدنيا حال الآخرة كرابعة العدوية. ومن ذلك من جهل المحدث جهل المحدث : [الرمل] دون أن نَعْرفَ ما نَحْمِلُهْ جَهْلُنَا بالله ما قَامَ بنا ٢١٧ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة عندها نَعْرفُ ما نَجْهَلُهْ فإذا عَرَّفَنَا الحَقُّ به قال: قال وَله: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهَ عَرَفَ رَبَّهُ)) فمن عجز عن معرفة نفسه عجز عن معرفة ربه، وقد تكون المعرفة بالشيء العجز عن المعرفة به، فيعرف العارف أن هذا المطلوب لا يعرف، والغرض من المعرفة بالشيء أن يميز من غيره، فقد ميّز وتميز من لا يعرف بكونه لا يعرف ممّن يعرف فحصل المقصود وما بقي الشأن إلاَّ في الأمرين إذا كان العجز عن معرفتهما فبأي شيء يتميز كل واحد عن الآخر عجزنا عن معرفة نفوسنا وعجزنا عن معرفة ربنا فما الفارق بين العجزين؟ أو هل نفسك عين ربك كما ورد في الخبر: ((كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ)) وذكر جميع قواه فقد وقع الالتباس ومالك فارق إلاَّ الافتقار فيقوم معك ما طلبه منك، والافتقار جعلك أن تطلب منه فلم يبق إلاَّ التعريف الإلهي بالفارق إن كان من الممكنات. ومن ذلك المكر نكر : [البسيط] ثُمَّ اعْتِقَادي بأن المَكْرَ كان لَنَا إنّ الإله لَخَيْرُ الماكرين بنا فمن جهالتنا أَتَى علينا بنا فلو شَعَرْتُ بِه ما كان يَمْكُرُ بي قال: رائحة المكر في قوله: ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا تُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤] وما أنكر إلاَّ بما شرع له الإنكار فيه، ولكن غاب عن تزكية الله هذا الذي جاء بما أنكره عليه صاحبه، فهو في الظاهر طعن في المزكى إلى أن يتذكر الناسي، وينتبه الغافل، ويتعلم الجاهل، تمشي أمور وتذهب علوم وتفوت أسرار، وأي مكر أشدّ من النكر؟ وما ثم فاعل إلاَّ الله، فعلى من تنكر؟ فلو أنكرت بالله كما تزعم ما اعتذرت ولا استغفرت ولا طلبت الإقاله، فإنه من تكلم بالله لم يخط طريق الصواب بل هو ممّن أوتي الحكمة وفصل الخطاب. ومن ذلك الترائي في المرائي : [البسيط] من التَّغَيُّر فيما تحمل الصُّوَرُ إنَّ المِرَاةَ تُرِينًا ما يَقُومُ بنا وما لنا منزلٌ لكن لنا سُوَرُ لقد تَحَيَّرْتُ فيما قد خُلِقْتُ له قال: يحفظ في رؤية صور التجلي في صور الموجودات، فإن الله ما ضرب لك المثل في الدنيا بتجلي الصور في المرآة من الناظر، ويتجلى ما في المرآة في مرآة غيرها قلت أو كثرت سدى، فاعرف إذا رأيت صورة في مرآة هل هي صورة من مرآة أخرى أم هي صورة لا من مرآة؟ ثم انظر في المرائي واعتدالها والأقوم منها وانظر إلى مرآة وجودك فإن كانت أعدل المرائي ولا تكن فإن الأنبياء عليهم السلام أعدل مرآة منك، ثم لتعلم أن الأنبياء قد فضل بعضهم بعضاً فلا بدّ أن يكون مرائيهم متفاضلة، وأفضل المرائي وأعدلها وأقومها مرآة محمد بهر، فتجلى الحق فيها أكمل من كل تجلِ يكون، فاجهد أن تنظر إلى الحق المتجلي في مرآة محمد رَّ لينطبع في مرآتك فترى الحق في صورة محمدية برؤية محمدية، ولا تراه في صورتك كما قال الرجل الذي قال: رأيت الله فأغناني عن رؤية أبي يزيد، فقال له الرجل: لأن ترى أبا يزيد مرة خير لك من أن ترى الله ألف مرة، فلما رآه ذلك المستغني مات فقيل لأبي يزيد خبره فقال أبو يزيد: كان الحق يتجلى له على قدره فلما رآنا تجلّى الحق له على ٢١٨ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة قدرنا فلم يطق فمات من حينه، والحكاية مشهورة وذلك عين ما أشرنا إليه. ومن ذلك الزهرة لأهل النظرة: [السريع] تَعُمُّ أهْلَ الأرْضِ أَحْكَامُهَا ما زَهْرَةُ الأرْضِ سوى فِتْنَةٍ فذلك المدركُ عَلَّمُها وإنّ من يُذْرِكُها فِتْنَةٌ قال: ما تنعمت الأبصار في أحسن من زهرة الروض: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ ◌ًَّا﴾ [الكهف: ٧] وأحسن زينة عليها رجال الله فاجعلهم منتزهك حتى تكون منهم، فما دمت أرضاً فأنت محل زينة أزهار النوار، وهي دلالات على الثمر الذي هو المقصود من ذلك لأن به تسري الحياة فهو القوت الحسيّ الحيواني، فإن كنت سماء مع بقاء أرضيتك عليك في مقامها وذلك هو الكمال فإنه من رجال الله من يفنى عينها لقوله تعالى: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ [الرحمن: ٢٦] فالعارف انتقل من ظهرها إلى بطنها فما فني عنها بل تحقق بها كذلك فليكن، فإذا كنت سماء فأنت محل زينة زهر الأنوار أنوار الكواكب وهي تدل على الحياة المعنوية العلمية . ومن ذلك قد تكون الفتنة جنة: [السريع] سُتْرَةَ من يُخْفَظُ في جُنَّتِه يَسْتَتِرُ المَخْفُوظُ فِي فِتْنَتِهُ كذلك العارفُ في جَنَّتِه فيَتَّقي منها سِهامَ العِدَى قال: لا شك أن الفتنة جنة فإنها ستر في وقتها عن الأمر الذي تؤول إليه ذاتك، فإنك منظور إليك من جانب الحق بعين الحق في حال الفتنة ما يكون منك ولا تمتحن وتختبر حتى تمكن من نفسك وتجعل قواك لك وتسدل الحجاب بينك وبين ما هي الأمور عليه حتى ترى ما يستخرج منك هذه الفتنة، فإذا أراد الرجل التخلص من هذه الورطة فلينظر إلى الأصل الذي كان عليه قبل الفتنة، وقد أحالك الله عليه أن تفطنت بقوله: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنِسَنُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا﴾ [مريم: ٦٧] فانظر إلى حالك مع الله إذ لم تكن شيئاً وجودياً ما كنت عليه مع الحق، فلتكن مع الله في شيئية وجودك على ذلك الحكم لا تزد على ذلك شيئاً إلاَّ ما اقتضاه الخطاب فقف عنده. ومن ذلك من خان الخيانة خان الأمانة: [السريع] يا أيُّها المَخجُوبُ في عِزَّتِهْ لا تَنْظُرِ الخَائِنَ من بِزَّتِهْ خِيَانَةٌ منه على عِزَّتِهْ فإنّ مَكْرَ السِّرِّ في خَلْقِهِ قال: هذه نكتة أغفلها أهل الله أهل النقد والتمييز، فكيف من ليس له هذا المقام من أهل الله وهو أنك لا تخون الخيانة إلاَّ بأداء الأمانة، فأنت خائن من حيث تظن أنك لست بخائن في أدائك الأمانة إلى أهلها، فإن الخيانة تطلب حكمها وحكمها نافذ في كل أحد، فإن الإنسان حامل أمانة بلا شك بنص القرآن، فإن أدّاها فقد خان الخيانة، وإن لم يؤدها فقد خان الأمانة، والخيانة أمانة فأدّها إلى أهلها وتجرّد عنها إن كان لها أهل وجودي، فإن لم يكن لها أهل فما هي أمانة. واعلم أن التخلص من هذا الأمر لا يكون إلاَّ حتى يكون مشهودك أنك الحق إذا كان الحق سمعك وبصرك وقواك، فما ثم أمانة تؤدّى لأنك أنت الكل فما ثم خيانة فما خنت ولا أديت. ومن ذلك الجنف جنف : [البسيط] ٢١٩ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة ومَنْ يَمِيلُ إلینا نحن قِیمَتُهُ مَنْ مَالَ عن جَنَفِهِ فالفَضْلُ شِيمَتُهُ فانْظُرْ إليه إذا مَالَ الركابُ به تلقاهُ حُبًّا على خَوْفٍ كَرِيمَتُهُ قال: تختلف الأحكام باختلاف الألفاظ التي وقع عليها التواطؤ بين المخاطبين، وإن كان المعنى واحداً فالمصرف ليس بواحد، فالجور الميل والعدل ميل، فالميل إلى الباطل جور والميل إلى الحق عدل. وكلاهما ميل، وكذلك الدين الحنيفي ميلٍ إلى الحق، والحيف ميل إلى عدم الحق، فمن حيث أنهما ميل هما سواء وما فرق بينهما إلاّ الطريق، ولذلك ذكر الله نجدين، ولما كان كل واحد منهما ميلاً ورأى أن الجور ميل إلى الشيطان وكذلك القسط والزيغ والجنف وكل ميل إلى الشيطان وعلم أن الباطل هو العدم وهو يقابل الوجود فما للحق منازع إلاَّ الباطل منعت الغيرة تقرير ذلك فحكمت وقالت في الكل: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ﴾ [هود: ١٢٣] فنسب الميل إلى الباطل إليه وأخذه من الباطل فصار حقاً. ومن ذلك في غروب الشمس موت النفس : [الوافر] إلى نُورٍ قَد أذرِجَ في التّرابِ غُرُوبُ الشَّمْسِ مَوْتُ النَّفْسِ فَانْظُزْ وعند النفخ يأْخُذُ في الإيابِ وذاك الرُّوحُ رُوحُ الله فينا فيسرعُ في الإياب وفي الذّهابِ إلى الأَجَل الذي منه تَعَدَّى قال: النفس كالشمس شرقت من الروح المضاف إلى الله بالنفخ وغربت في هذه النشأة فأظلم الجوّ فقيل: جاء الليل وأدبر النهار، فالنفس موتها كونها في هذه النشأة، وحياة هذه النشأة بوجودها فيها، ولا بدّ لهذه الشمس أن تطلع من مغربها، فذلك يوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً لأن زمان التكليف ذهب وانقضى في حقها، فطلوع الشمس من مغربها هو حياة النفس وموت هذه النشأة، ولهذا ينقطع عمل الإنسان بالموت لأن الخطاب ما وقع إلاَّ على الجملة، ففي موتها حياتها وفي حياتها موتها، فتداخل أمرها لأنها على صورة موجدها، أين الكبير من المتكبر؟ وأين العلي من المتعالي وهو هو، فإن حكمت عليه المواطن فهو محكوم عليه وفيه ما فيه. ومن ذلك زينة الدنيا رؤية: [الرمل] فإذا ماتوا يقومون هُنَا إنما النَّاسُ نيامٌ في الدُّنَا هو رُؤْيَا ظَهَرَتْ في نَوْمِنَا والذي تَشْهَدُهُ أعيُنُنا قال الإنسان في الدنيا في رؤيا ولذلك أمر بالاعتبار، فإن الرؤيا قد تعبر في المنام والناس نيام، وإذا ماتوا انتبهوا، فإذا كان بلسان الصادق الحسّ خيالاً والمحسوس متخيلاً فبماذا تقطع الثقة وأنت القائل؟ والقاطع العاقل العالم بأنك في حال اليقظة صاحب حسّ ومحسوس، وإذا نمت صاحب خيال وتخيّل والذي أخذت عنه طريق سعادتك جعلك نائماً في الحال الذي تعتقد أنك فيه صاحب يقظة وانتباه، وإذا كنت في رؤيا في يقظتك في الدنيا فكل ما أنت فيه هو أمر متخيل مطلوب لغيره ما هو في نفسه على ما تراه، فاليقظة والحسّ الصحيح الذي لا خيال فيه في النشأة الآخرة، ولا تقل إذا تحققت هذا أن خوارق العادات خيالات في أعيان الناظرين، اعلم أن الأمر في نفسه كما تراه العين فإنه لا باطن لما تشهده ٢٢٠ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة العين بل هو هو فافهم وعلى الله قصد السبيل. ومن ذلك ليس على الأعرج من حرج: [المتقارب] والذي قَبْلَهُ قد دَرَجْ ـى(١) إذا شِئْتَ تَعْرف أسْرَارَ مَنْ بَقِي فليس على أعرَجٍ مِنْ حَرَجْ عليك بما جَاءَ في وَحْيِهِ تقوم به ما يريد العَرَجْ وليس المُرَادُ سوى آفَةٍ قال: المؤوف لا حرج عليه والعالم كله مؤوف فلا حرج عليه لمن فتح الله عين بصيرته ولهذا قلنا: مآل العالم إلى الرحمة وإن سكنوا النار وكانوا من أهلها ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْعَرِيضِ حَرٌَ﴾ [الفتح: ١٧] وما ثم إلاَّ هؤلاء فما ثم إلاَّ مؤوف، فقد رفع الله الحرج بالحرج العاثر فيه فإنه ما ثم سواه ولا أنت والمريض المائل إليه لأنه ما ثم وجود يمال إليه إلاَّ هو، والأعمى عن غيره لا عنه لأنه لا يتمكن العمى عنه وما ثم إلاَّ هو، وقد ارتفع الحرج عمّن هذه صفته وما ارتفع الحرج إلاَّ بما هم فيه من الحرج، لأن كل واحد ممّن سميناه متضرّر فحاله يطلب الانفكاك عنه فهو طالب محال من وجه، فالعالم كله أعمى أعرج مريض. ومن ذلك المثل في الظل : [البسيط] المِثْلُ في الظُّلِّ والأنوارُ تُظْهِرُهُ بما تُقَابِلُهُ بِه تُنَوِّرُهُ تَنْفِيهِ وَقْتاً وفي وَقْتٍ تُصَوِّرُهُ تَعُمُّهُ فإذا أَتَتْهُ عَنْ جُنُبٍ قال: ظل الأشخاص أشكالها فهي أمثالها، وهي ساجدة بسجود أشخاصها، ولولا النور الذي هو بإزاء الأشخاص ما ظهرت الظلال، فما يظهر ظل عن شخص بنور حتى يكون النور محصوراً في جهة من الشخص ويكون الشخص في جهة منه مفروضة فيظهر الظل، وإنما أظهر الله الظلال عن أشخاصها بالأنوار المحصورة ضرب مثال الأنوار العقائد المحصورة فإله كل معتقد محصور في دليله، فأراد الحق منك أن تكون معه كظلك معك من عدم الاعتراض عليه فيما يجريه عليك، والتسليم والتفويض إليه فيما تصرف فيك به، وينبهك أيضاً بذلك أن حركتك عين تحريكه، وأن سكونك كذلك، ما لظل يحرّك الشخص كذلك فلتكن مع الله فإن الأمر كما شاهدته فهو المؤثر فيك، هذا عين الدليل لمن كشف الأمر وعلمه ذوقاً. ومن ذلك من ألحق الشيء بطوره فقد قدره حق قدره : [البسيط] لأنه نَزَّلَ الأشْياءَ مَنَازِلَهَا إنّ الحَكِيمَ الذي الأكوانُ تَخْدُمُهُ ولا يقول بأن الحَقَّ نَازَلَهَا يَبْدُو إلى كل ذي عين بصُورَتِهِ قال: لا تخرج شيئاً عن حقيقته فإنه لا يخرج، وإن أردت هذا اتصفت بالجهل وعدم المعرفة. وقال: كل من أنزلته منزلته فقد قدرته حق قدره وما بعد ذلك مرمى لرام. وقال: إن كان للشيء جنس فاحكم عليه بحكم جنسه، وإن كان نوعاً فاحكم عليه بما فيه من حكم جنسه وبما فيه ممّا انفصل عنه بنوعيته فهو ذو حكمين، وإن كان شخصاً فاحكم عليه بما فيه (١) الشطر الأول مختل الوزن.