النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة من المال هو الداء العضال، من وقف مع إلحاق المتمني بالمتصدق الغنيّ عرف الأمر فلم يطلب الكثر. ومن ذلك المنافق موافق من الباب ٣٢٩: إنما وافق المنافق لما تعطيه الحقائق هو ذو وجهين، لما رأى الأمر اثنين، وخلق من كل شيء زوجين، والعالم على الصورة فأين تذهبون أين؟ لم يقف على العين إلا ذو عينين الواقف بين النجدين، إذا اتصف الناظر الخبير بالنظر في قوله: ﴿لَيِّسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] تحقق عند ذلك وتبين ما أخفى له في هذه الآية من قرة عين، فجمع بين التنزيه والتشبيه وهو مقام المقرب الوجيه، فالسوق نفاق فما أصاب إلاَّ أهل النفاق: [البسيط] وإن لاقَيْتَ مَعَدِّيّاً فعَدْنَاني يوماً يَمَانٍ إذا أبْصَرْتَ ذا يَمَنِ وهو معكم أينما كنتم، مع اختلاف العقائد وهذه كثرة الواحد، فما جمعه إلاَّ الإمعّة فلا يكون إمّعة إلاَّ صاحب هذه السعة. ومن ذلك إجابة النداء في الصباح والمساء من الباب ٣٣٠: لما أراد الحق من عباده المناجاة في مساجد الجماعات، أمر بإعلان الأذان لأصحاب السمع والآذان، فمن لم يكن له أذن واعية ما سمع وإن سمع داعية، هنالك يظهر الاعتناء بمن اعتنى به ممّن لم يعتن، فمن أجاب الداعي فهو صاحب السمع الواعي، وما للأحدية في النداء أثر ولا في شجرتها ثمر، فالله أكبر مفاضلة، ولا إله إلاّ الله مفاصلة، والرسالة مفاصلة عن مواصلة، والحيعلتان مقابلة، والندا يؤذن بالبعد والأذان دليل على عدم عموم الرشد، فإن رعاة الأوقات عارفون بالميقات، فما شرع الأذان إلاَّ لمن شغلته الأكوان، وما ثم إلاَّ مشتغل لأنه بالأصالة منفعل . ومن ذلك التجارة محل الربح والخسارة من الباب ٣٣١: تجار الأسفار أهل تمحيص واختيار، ومن أجلهم شرع الصلاة في الأسفار، وتجار الإقامة لهم الدعة والكرامة، هم تلامذة المسافرين فيما يتعرّفونه منهم ويأخذونه عنهم، فمن ربحت تجارته فهو المهتدي، ومن خسرت تجارته وبارت فهو المعتدي، من كان سفره إليه وكان نزوله عليه فلا يحيط أحد علماً بما حصل له من الأرباح لديه، المجاهد تاجر وقد ينصر الله دينه بالرجل الفاجر، فهو كالعدة ما هو في الفضل كمن أعدّه العدد لا تنعم بالأرباح وإنما هي للمستعدين كالمفتاح، به يتوصل إلى فتح الباب وهو حظه من الاكتساب، رخت المجاهد مساعد، وأما التاجر المقيم فهو الذي لا يريم، قد لزم الدكان وقال بالمكان، وما تيسر ممّا كان من الإمكان، وبالاستكانة حصل المكانة . ومن ذلك عند الامتحان يعزّ المرء أو يهان من الباب ٣٣٢: [الخفيف] طَلَبَ الطَّعْنَ وَخْدَهُ والنِّزَالاَ وإذا ما خُلِّي الجَبَانُ بِأرْضٍ إذا اجتمعت الأقران كان الامتحان، هنالك يتقدم الشجاع ويتأخر الجبان، فالمتقدم يكرم والمتأخر يهان، إلاّ من انحاز إلى فئة أو كان متحرّفاً لقتال، فإنه من أبطال الرجال، ومن أهل المكر المشروع والاحتيال، والحرب خدعة وإن أساء في الحال السمعة، فإن العاقبة الفتوحات المكية ج٨ - م١١ ١٦٢ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة تسفر عن مراده بما قصده في جهاده، وعلى قدر دعوى الإيمان يكون الامتحان، فالمؤمن ما هو في أمان إلاَّ في الدار الحيوان، وأما في هذه الدار فهو في محل الاختبار، فإما إلى دار القرار وإما إلى دار البوار، ما هي منزل الشقاء دار القرار. ومن ذلك الإيثار ليس من صفات علماء الأسرار من الباب ٣٣٣: ما هو لك فما تقدر على دفعه، وما ليس لك فما لك استطاعة على منعه، فأين الإيثار والأمر أمانه، فأدّها إلى أهلها قبل أن تسلبها وتوصف بالخيانة، فأعطها عن رضى قلبك تفز برضا ربك، فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا: [البسيط] هُمُ الأَخْيَاءُ إن عاشوا وإن ماتوا الله قَوْمٌ وُجُودُ الحَقّ عَيْئُهُمُ هُمُ ولا ما هُمْ إلاَّ إذا ماتوا وخَلْفُونا على الآثار إذ ماتوا ولا يَؤُودُهُم حِفْظْ ولو ماتوا عن العيون قياماً كلما ماتوا أقْسَمْتَ بالله أن القَوْمَ ما ماتوا عن مثلهم أنهم والله ما ماتوا في مَعْرَكِ وذوو رزق وقد ماتوا لقلتَ إِنْهُمُ الأخيًا وإن ماتوا الله يُخييهم به إذا ماتوا من بعد ما قُبروا من بعد ما ماتوا هم الأعزّ لا يدرون أنّهُمُ لله دَرُّهُمُ من سادةٍ سَلَفُوا لا يأخذ القَوْمَ نَوْمٌ لا ولا سِئَةٌ رايَتهم وسَوَادُ اللَّيْل يستُرُهم فكيف بالشمس لو أبدت محاسِنَهُم وكُنْتَ تصدقُ أن الله أخبرنا أحياء لم يعرفوا مَوْتاً وما قُتِلُوا فلو تراهم سُكَارَى في مَحَارِبِهِمْ الله كَرَّمَهُم الله شَرَّفَهُمْ لقد رأيتهم كشفاً وقد بُعثوا ومن ذلك تجلّي الحق في كل آية للعارفين من أهل الولاية من الباب ٣٣٤: ظهور الحق في كل صورة دليل على علوّ السورة، وبرهان على عموم الصورة عند من عرف سوره، ما تميّز الرجال إلاَّ بالأحوال في الأعمال، من قام برجله فزل فعن سعادته قد انعزل، السابق بالخيرات هو الساعي وهو صاحب السمع الواعي، وأما المقتصد فهو ما زاد على زاده على قدر اجتهاده، وأما الظالم فهو المحكوم عليه ما هو الحاكم، والكتاب قد شمل الجميع وإن كان فيهم الأرفع والرفيع، فالكل وارث فإنه حارث، وأصحاب السهام متفاضلون فمنهم المقلون ومنهم المكثرون، ومن قال إن الفرائض قد تعول فما عنده خبر بما يقول، فإنه من عمل بموجب القول لم يقل بالعول. ومن ذلك الاستخلاف خلاف من الباب ٣٣٥: القول بالنيابة ممّا سبقت به الكتابة، لولا الكتاب ما كان النواب، ليس العجب ممّن ساء سبيلاً مع كونه أقام على ذلك دليلاً، وإنما العجب ممّن اتخذ مستخلفه وكيلاً، فلولا الأمر الربانيّ لردّه الأدب الكياني، ما أجهل الناس بمواطن الأدب وهو الذي أدّاهم إلى العطب، الحكم للمواطن في الظاهر والباطن، فقد يكون ترك الأدب أدباً والقول بترك السبب سبباً، الأسباب موضوعة بالوضع الإلهي فما لها من رافع، ومن قال برفعها فإن عذاب ربه به واقع، لأنه لدعواه في رفعه يبتلى، وبالابتلاء تحصل ١٦٣ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة له الدرجات العلى، ولا يقدر على رفع الابتلاء لأنه مخاطب بالعمل المشروع والاقتداء، فقد قال بالسبب في رفع السبب . ومن ذلك القلوب مساقط أنوار علوم الأسرار من الباب ٣٣٦: الوقائع للأولياء والوحي للأنبياء، وقد يكون المثل للرسل وغير الرسل، الملائكة لا تزال تنزل بالتنزيل على قلوب أهل الجمع والتفصيل، ولكن لا تشرع إلاَّ لنبيّ أو رسول مضى زمن الرسالة والنبوّة وبقي الوحي فتوة، فإن ورد بحكم متصوّر فإنما هو إخبار بشرع قد تقرر، فليعول الولي عليه وليستند في العمل به إليه، وإن وهنت روايته في الظاهر فهو الصحيح، وإن ورد ضعف الصحيح في الظاهر فالعمل ممّن ورد عليه به عمل في ريح ويجني العامل به ممّن ليست له هذه المنزلة جبره، ويسعد الله به غيره، فلا يكن ممّن شقي بعدما لقي. ومن ذلك الإنسان مخلوق على صورة الرحمن من الباب ٣٣٧: إنما يرحم الله من عباده الرحماء، فارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة من الرحمن وهي الصورة التي خلق عليها الإنسان، فمن وصلها وصل وهو عين وصلها، ومن قطعها قطع وهو عين فصلها، فالرحمن لها فاصل والإنسان لها واصل، فإن الشجنة قطعة فانظر في هذه المحنة، أين التخلق بأخلاق الله عند المتعطش الأوّاه؟ فمن قطعها تخلق ومن وصلها عمل بما شرعه الحق، فاقطعها عنك تكن متخلفاً، وصلها به تكن متحققاً، فإنه كذا فعل وبهذا الوحي علينا نزل، فإن لم تتخلق بها على هذا الحد فما وفيت بالعقد، فكما هي شجنة منه هي شجنة منك، فخذ ما قطع عنه ليأخذ ما قطعت عنك، هذا هو السحر الحلال لا ما تقوله ربات الحجال، هم في الأجنة ما ولدوا وفي الأكنة ما شهدوا. ومن ذلك السرار يشفع الأبدار من الباب ٣٣٨: الهلال وتري المحتد، شفعي المشهد، والقمر بالنص له الصورة والمقدار بالزيادة والنقص، لأنه وإن لم يرجع على معراجه فهو على منهاجه، فما من دور إلاَّ وهو حور لا كور، والسرار يشفع الأبدار من غير الوجه الذي تدركه الأبصار، فيسمه الحق سمة المحق، من كان ذا وجهين فبذاته صير نفسه اثنين، فهو البرزخ لنفسه كالميت في رمسه، ميت عند السميع البصير حيّ عند منكر ونكير، هو المتكلم الصامت كما هو الحيّ المائت، فما أنار إلاَّ أظلم وما أسفر إلاَّ أعتم، صورة الحق مع خلقه طلوع الشمس في البدر من أفقه . ومن ذلك تكرار الرؤية لحصول المنية من الباب ٣٣٩: لما انسحبت الحدود على الأمثال قيل بتكرر الأشكال، وهي مسألة فيها إشكال، هل هذا الأمر المدرك بالبصر في الزمن الثاني المتصوّر؟ هل هو ذلك العين المقرّر ما برح أو زال ثم عاد فتكرّر؟ أو هذا مثل الماضي حدث فتصوّر؟ فإن كان مثل رجوع الشمس فما فيه لبس، فإن الشمس لا مستقر لها عند من علمها وما جهلها، ولها مستقر يراه عين المؤمن في الإيمان بالخبر ولها بهتة، ولهذا تطلع من المغرب بغتة، مع كونها ما سكنت عن حركتها ولكن حيل بينها وبين بركتها، فلم ينفع ١٦٤ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة بطلوعها إيمان ولا عمل ولحق أهل الاجتهاد بأهل الكسل، فترى ربك مراراً ولا تعقل تكراراً، وذهبت المثل باندراس السبل. ومن ذلك الأرض مهاد موضوع والسماء سقف مرفوع من الباب ٣٤٠: لولا الأنوار ما طلب الاستظلال، ولا ظهرت من الكثائف الظلال، فهو نكاح موجود وعرس مشهود، وكتاب معقود، يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، فلا بدّ من قرش في عرش، فهي المهاد الموضوع، وأنت السقف المرفوع، بينكما عمد قائم عليه اعتماد السبع الشداد، لكنه عن البصر محجوب فهو ملحق بالغيوب، ألم تسمع قول من أوجد عينها فأقامها بغير عمد ترونها، فما نفى العمد لكن ما يراه كل أحد، فلا بدّ لها من ماسك وما هو إلاَّ المالك، فمن أزالها بذهابه فهو عمدها المستور في إهابه، وليس إلاَّ الإنسان الكامل وهو الأمر الشامل، الذي إذا قال الله ناب بذلك القول عن جميع الأفواه فهو المنظور إليه والمعول عليه. ومن ذلك ركن الرياح مسرح ذوات الجناح من الباب ٣٤١: إن الريح كان عند الله وجيهاً والله يزجي السحاب والعين تشهد أن الريح يزجيها: [البسيط] إنّ السَّحَابَ التي الرحمُنُ يُزْجِيهَا العَيْنُ تَشْهَدُ أنّ الرِّيحَ تُزْجِيهَا فمن النائب فهو الصاحب، فاجعل النائب من أردت إن شئت من غاب وإن شئت، من وجدت بالريح كان النصر والدمار فاختلفت الآثار، والعين واحدة صالحة فاسدة تطفي السراج وتشعل النار، والهبوب واحد من عين واحد، واختلفت الآثار ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِى اَلْأَبْصَرِ﴾ [آل عمران: ١٣] ما ذاك إلاّ لاختلاف استعداد المحل، ومن عرف ذلك عرف اختلاف الملل في النحل، فلكل ملة نحلة، كلاً نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، فأنزل نفسه منزلة الأهواء، فأمد النار بالاشتعال والسراج بالانطفاء، لتنظر في حقائق الأشياء، فمن نظر في حقائقها عاش عيشة السعداء، فكن من الأمناء، فلا تدع شيئاً من هذه الأسرار الإلهية إلاَّ لأهلها بطريق الإيماء، فإن الله أقدر على ظهورها ولكن حجبها بنورها . ومن ذلك علم المركب والبسيط في المحاط والمحيط من الباب ٣٤٢: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] عند من رزقه الله فهماً، فلا تعمّ الإحاطة كل شيء إلاَّ إذا كانت معنى، وهذا القول انقلوه عنا، فإن زالت عن هذه المنزلة فقد زالت تلك التكملة، فهي إحاطة فيما أحاطت به، وهذا الأمر مرتبة، لا يحيط البسيط بالمركب لأن البسيط لا يتركب: [الكامل] فهو المُحَاطُ ولو تراهُ يُحِيطُ إن البَسِيطَ إلى البَسِيطِ بَسِيطُ هو المحاط لأن القلب وسعه، وهو المحيط لاستوائه وهو الإمَّعَة، لكن منعت الحقيقة أن يقال مثال هذا المقال، فكل شيء لا يخرج عن حقيقته ولا يعدل به العالم عن طريقته، ما في الوجود إلاَّ التركيب، هكذا شهده أهل الفطنة والتهذيب، ما عقلت ذاتاً إلاَّ لعينها، وما عقلتها لعينها إلاَّ من حيث كونها، فإنها لذاتها آله فلا بدّ من على من ليثبت سواه والسوى، يطلب زيادة حكم على العين فلا بدّ من التركب في الكون لمعقولية الاثنين، وتحقق الشيئين، وهذا لا يخفى على ذي عينين . ١٦٥ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة ومن ذلك علم التحجير في الأدب مع السراج المنير من الباب ٣٤٣ : إذا كانت السور تملى والآيات تتلى فاستمع وأنصت لعلك ترحم بالفهم فترتجع، فاعلم فالرجوع إنك تعلم، فإن خالجته فيها حرّمت عليك معانيها، فالزم بيتك، وجهّز ميتك، وفكّر في موتك، واخفض من صوتك، فإن البررة الكرام لا يحبون رفع الصوت بالكلام، لأن الجهر ظهور وهم أهل وتر وغيب مع أنهم نور، فهل خفاؤهم لشدة ظهورهم أو هو لسدل ستورهم؟: [الرمل] وإلى عَيْنٍ طَريقي طَرِّقُوا أخبروني أخبروني حَقّقُوا فاعلموا أنكم لم تَمْرُقُوا فإذا كنتم كما قلتُ لكم وكذا السابق من لا يُسْبَقُ ثم حُزْتُمْ قَصَبَ السَّبْقِ لكم ذكر الله كشف الغطاء عن البصر، فما هو ذلك الغطاء الذي إذا زال جاء مثل هذا العطاء القرين صاحب في الشاهد والغائب، فمن عرف قدر صاحبه فقد قام بواجبه، والقرين عند أهل المعرفة لا بدّ أن تكون على صفة، فاعتبرها في صحبته وحذار من غدرته، وقد يغدر الصاحب في بعض المذاهب، رسول الله وقلة قبل من الذي أتى إليه مسلماً إسلامه وصحبته وما قبل غدرته ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] لمن سمع القول فاتبع أحسنه . ومن ذلك من افتتح بالمنح من الباب ٣٤٤ : المنحة مردودة إلاَّ منحة الحق فإنه ما ثم على من ترد لأنه ما يشبه الخلق لا يقبل المنافع وهو النافع، فتح الغيوب على ضروب، فالكل في كل زمان ونفس في مزيد، لكن بعض العالم في لبس من خلق جديد، المبايعة تشهد بالمنازعة، فإن مبناها على السمع والطاعة، وموافقة الجماعة، ومن شذّ شذّ إلى النار بذا جاءت الأخبار، من عرف قدر الإمام لم يقع فيه وإن جار بملام أتركه، ومن استخلفه فإن أمنه أمنه، وإن خوفه خوفه، من عرف قدر السلطان لم يعصه، وإن عصى الله فيه لم يستقصه، انظره مجبوراً مسيراً لا تنظره مختاراً مخيراً، واسترح عليه واستند إليه، فهو الظلّ من آوى إليه لم يلحقه ذل . ومن ذلك علم الأسرار في الأنهار والبحار من الباب ٣٤٥: علم الاستنباط لأهل البساط علم الأحوال لمن شهد الأهوال، العلم السهل لمن كان من الأهل، علم الإنتاج لأصحاب المعراج، وعلم الأسماء والرسوم لمن جمع هذه العلوم، وقد انحصر أصحابها في السبعة من العدد وهم الأبدال عند كل أحد، فمنهم المنفرد بعلم واحد، ومنهم الجامع من غير أمر زائد، ومنهم الجامع بين اثنين لذي عينين، ومنهم الفائز بالثلاث وهو صاحب الميراث، الحائز جميع المال فله الكمال، وما ورث الله إلاَّ الكتاب لذوي الألباب، فهم ورثة النبيّ لا ورثة الوليّ، فإنه لا يورث إلاَّ الميت الراحل عن البيت، والحق لا يفارق فتدبر هذه الحقائق . ومن ذلك في الكثبان تسامر الخلان من الباب ٣٤٦: أصحاب الحذر ما لهم هذا السمر لأصحاب السمر الغيوب، وإن انكشفت للقبائل والشعوب، فإن القبائل لهم فيها الباع المتسع ١٦٦ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة الطائل، وأما الشعوب فريحهم دون ريح القبائل، في الهبوب لا يبلغ الأعاجم مع اعتلائها في سمائها مبلغ الأعراب، دليلنا الخيول العراب، الإعجام إبهام، والإعراب إبانة الكلام، ما منع المعارض إلاَّ من العربي لا من الأعجمي، اختصّ الإعجاز بالقرآن، وإن كانت الكتب المنزلة كلام الرحمن، لكن البيان والشرف والامتنان، والمجد العظيم الشان إنما ظهر في اللسان عند البيان . ومن ذلك المنزلة الرفيعة في التزام الشريعة من الباب ٣٤٧: لا تتبع إلاَّ ما نزل به الروح عليك، وجاء به الملك أو الإلقاء إليك، وإن كنت ولياً فإنك وارث نبياً، فما يجيء إلى تركيبك إلاَّ بحظك من الورث ونصيبك، فانظر ما سهمك وما هو قسمك؟ فذلك علمك، فلا تشرع حكماً وقل رب زدني علماً. ثم اعلم أيها الولي الأكرم، أنك وإن ورثت علماً موسوياً أو عيسوياً أو غيرهما ممّن كان من الرجال بينهما، فإنما ورثت علماً محمدياً ساويت فيه ذلك النبيّ لعموم رسالة محمد، الحائز المقام المحمود العليّ إليه ترجع عواقب الثناء، فهو صاحب جوامع الكلم المسماة بتلك الأسماء، فلآدم الأسماء ولمحمد الاسم والمسمّى والجامع لهما لا شك أنه صاحب المقام الأسمى وحجاب العزّة الأحمى. ومن ذلك علم الانتكاس والانعكاس في النور والنحاس من الباب ٣٤٨: الكواكب الثوابت بيوت مظلمة وكذلك السيارة، وما عادت نجوماً نيرات إلاّ بأنوار مستعارة، وتكفيك إن كنت عاقلاً هذه الإشارة، ألا ترى إلى ما نجم من ذوات الأذناب في ركن النار لرجم الأشرار، ولم تزل نجوماً وما كانت رجوماً، حتى جاء صاحب البعث العام إلى جميع الأنام، من الإنس والجان ولهذا قال: ﴿سَنَفْرُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَنِ﴾ [الرحمن: ٣١] فلو ابتغى الربح باستراقه رشداً ما وجد له شهاباً رصداً، فحيل بينه وبين السمع لما نواه من عدم النفع، فصاروا جهلا وقد كانوا علما، فإذا طمست النجوم علم عند ذلك ما فات الناس من العلوم، فإذا انفطرت السماء ويحق لها أن تنفطر، انكدرت النجوم بما ترميهم به من الشرر. ومن ذلك منزلة من وهب الفضة والذهب من الباب ٣٤٩: لا يخفى على ذي عينين الفرق بين الذهب واللجين، أين الإنسان الحيوان من الإنسان المخلوق على صورة الرحمن، هو النسخة الكاملة والمدينة الفاضلة، الذهب لا ظل له فـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] والفضة على نصيب من الظلّ لما فيها من الطل وما لظلها فيء، فالنور الخالص للعين والممتزج للجين، الذهب نور على نور، واللجين فار التنور، وليس سوى تنفس الصباح وتبسم فالق الإصباح، إن كان الحق فما خلقه إلاَّ بشمسه، وإن كان الشمس فالحق على عزّته في قدسه، ومن قدسه أن يكون فالقاً كما كان لأرضه وسمواته فاتقاً، فالرتق لها من ذاتها والفتق عرض لها من صفاتها، إذ لو لم يكن لها قبول الفتق ما حكم به الفاتق على الرتق، والفاتق الفالق بلسان الحقائق. ومن ذلك من فصل ما وصل من الباب ٣٥٠: حكمة التفصيل لظهور وجه الدليل، إذ في جبلة كل ملة طلب الأدلة، لأنهم لم يكونوا ثم كانوا، ووجدوا في نفوسهم افتقاراً خضعوا ١٦٧ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة له واستكانوا، فقالوا من أو إلى من لا بدّ على أعياننا من زائد، ولا بدّ أن يكون له حكم الواحد، وإن اتصف بالكثرة وطريق النسب فهي غير مؤثرة في ذات هذا النسب، فهو الواحد الكثير لأنه الحيّ العليم القدير، ومع أنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فهو ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فحكم على نفسه بحكم الجماعة وإن كان العقل يحكم فيه بالشناعة، فالرجوع أولى إلى قوله، ولا يصرفنك عنه صارف استشناعه وهوله، فإنه لو أثر في نزاهته وقدسه ما نسب ذلك إلى نفسه، فالذي هو عندنا تشبيه هو عند الله تنزيه، من نزول وفرح واستواء، وكينونة في سماء، وعرش وعماء. ومن ذلك المشاورة محاورة من الباب ٣٥١: المشاورة وإن دلّت على عدم الاستقلال بجودة النظر فهي من جودة النظر، وإن نبهت على ضعف الرائي فهي من الرائي، عرض الإنسان ما يريد فعله على الآراء دليل على عقله التام ليقف على تخالف الأهواء، فيعلم مع أحدية مطلوبه أنه وإن تفرد فله وجوه تتعدد، وأي شيء أدل على أحدية الحق من مشاورة الخلق، لا يطلع على مراتب العقول إلاَّ أصحاب المشاورة ولا سيما في المسامرة، فإنها أجمع للهم والذكر، وأقدح لزناد الفكر، ومن هنا تعرف ما يحصل لأهل الليل من جزيل النيل، في نزول الحق من عرشه إلى سمائه في الثلث الباقي من الليل، تهمماً بعباده من أولياءه، ليهبهم من آلائه ونعمه، ما يقتضيه عموم جوده وكرمه . ومن ذلك المؤمن من لا يفضح الكاذب ويصدّق المؤمن من الباب ٣٥٢: الكذب وجود فإنه عن شهود، محله النفس وإن لم يكن من مدركات الحسّ، وعلى الحقيقة فإنه محسوس في مقام التقديس، والحسّ أشرف من العقل لما فيه من الإطلاق فله السراح بالاستحقاق، وإنه المحيط بما تعطيه الأوهام وإن أحالته الأحلام، والعقول قاصرة عن نسبة الوجود إلى هذه الأعيان المتخيلة الحاصرة، وما سمّي الصدق إلاّ لصلابته في تنوّره لأنه ينكر ويغالط نفسه فيما نواه صاحبه من طريق وهمه وخياله في تصوّره، فلا يقدر على جحد ما أدرك ويقضى عليه في حال وجوده بالعدم، فما أعظمه من مهلك فهذه مسألة ضلّ بها كثير واهتدى بها كثير، وما ضلّ به إلاَّ الفاسقون، ولكن أكثر الناس لا يشعرون. ومن ذلك الجمرات جماعات من الباب ٣٥٣: الجمرة قد تكون جماعة الأموات، والزمرة لا تكون إلاّ جماعة لها أصوات، ما حصل المنى في جمرات منى إلا لكونها حازت مقام التحصيب، فأفادت أهل النظر والتهذيب، فكبر عند كل رمية لما رآه بلا مرية، فما حصب إلاَّ من له وجود وإن له لم تدركه عين الشهود، لكن أدركوه بالإيمان فقام لهم، مقام العيان، وأدركه الجاهل ومن ورثه بعينه في عين كونه فكانت أسماء إلهية، أذهبت أسماء وأنباء مسموعة. أعدمت أنباء اشتركت جمرات منى، وجمرات الزمان في التثليث والتسبيع، الاجتماعهما في المقام الرفيع، فالجمرة الدنيا لأصحاب النسب الإلهيّ ديناً ودنيا، وأهل الجمرة الوسطى للمحافظين على الصلاة الوسطى، وجمرة العقبة لها الانفراد والتقدّم بالمرتبة . ١٦٨ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة ومن ذلك الجواد ذو جواد من الباب ٣٥٤: لا تقل وصلت فما ثم نهاية، ولا لم أصل فإنه عماية، ليس وراء الله مرمى وهنالك يستوي البصير والأعمى، الناظر إليه ينتهي ويقف وصاحب الكشف فيه يكشف ويعترف، لا يشكو الجواد إلاَّ الجواد فإن الجود يخلي الخزائن لما تطلبه الكوائن، والمحدث في الدنيا محصور وبالمشيئة الإلهية مقهور، فعلى قدر ما يعطي يهب، وإن قيل له اذهب ذهب، لا تخلي المخازن ما دامت المعادن والمعادن عماله والعاملون أصحاب أجر وعماله فإما همة وإما مال ما هنالك آمال، هذه أحوال الرجال، أهل الاتصال في الانفصال، وأهل الانفصال في الاتصال. ومن ذلك تسوية الصفوف مألوف من الباب ٣٥٥: تسوية الصفوف من تمام الصلاة، والإمداد بالمألوف من كمال الصلاة، فلا يناجيه إلاَّ راجيه، ولا يهابه إلاَّ إهابه، أنت إهابه ما لم تدبغ، فإذا دبغت فأنت الرسول المبلغ، إما رسول وراثه بتحصيلك ميراثه، وإما رسول مستقل جاءه بيانه، وليس هذا زمانه، فإن باب التشريع قد ضاع مفتاحه وقيد سراحه، فصباحه لا ينبلج وبابه لا ينفرج، وإن خوطب به الكامل الجامع الشامل فهو تعريف بما ثبت وإعلام بما عنه سكت، عليك بالصفوف الأول فمنها تشاهد الأزل، وإياك أن تتأخر فتؤخر وأنت ذو وراء فما ترى، ولا يشهد المحيط إلاَّ البسيط، فإن كنت وجهاً كلك فأنت أنت فصل حيث شئت فصل . ومن ذلك تعشير القرآن في الجنان من الباب ٣٥٦: هذا لسان كما جاء أخذناه وأوردناه كما سمعناه، قال الآتي المواتي: إذا خاطبك الحق بلسان لا تعرفه فقف وقل: ﴿رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وقال الفرقان نتيجة العامل بالقرآن العظيم وتختلف نتائج القرآن باختلاف نعوته، فالقرآن المطلق يعطي ما لا يعطيه القرآن المقيد، وقد قيد الله قرآنه بالعظمة والمجد والكرم وقال: إذا خوطبت بالرسالة فقف حتى تعلم عمّن أنت رسول فإن الرسالة والنبوّة قد انقطعت بوجود رسالة رسول الله وَل# وبما أنت رسول ولمن أرسلت وما حظك منها . ومن ذلك رسالة الأرواح في الأرواح من الباب ٣٥٧: قال: رسالة الأرواح لا تزال دائمة، فإن بيدها مفاتيح نفحات الجود الإلهيّ، فمن تعرّض لتلك النفحات أعطته مفاتيحها فنال منها على قدر تعرّضه، وقال: إذا تعرّضت إلى الله تعرّض إليه تعرّضك لجود مطلق وإياك أن تبخله فإن جميع الممكنات في يديه وهي لا تتناهى وأنت لا تطلب إلاَّ متناهياً، وقال: لا تعجب من نعت الجواد بالعطاء وإنما العجب ممّن نعته بالإمساك، وقال: ما خلق الله أعجب من الدنيا فمن اعتبرها رأى الأمر على ما هو عليه. وقال: كل ما في الدنيا عجب وأعجب ما فيها وصف الحق بما لا يليق به، وما أطلق الألسنة عليه بذلك إلاَّ هو، كما أطلق ألسنة أخرى بتنزيهه عن ذلك، وضرب الناس بعضهم ببعض إلى يوم كشف الغطاء . ومن ذلك الغرامة شهامة من الباب ٣٥٨ : [البسيط] أَتَى به الوَحْيُ من عِلْم ومن خَبَرٍ إذا يُخَصُّ الذي يُوحَى إليه بما يدري به أحَدٌ من سائر البَشَرِ من غير معرفةٍ منه بذاك ولا ١٦٩ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة فلا يعرفه ولْيَلْزَمْ شَرائطَهُ هذا هو الأدَبُ المختارُ جاء به في مثل طُهَ وفي مثل القيامةِ لا هذي وَصِيَّتُنا فالْزَمْ طريقَتَها بالأتْبَاعِ الذي قد جاء في الأثَرِ رَسُولُ رَبِّكَ في الآيات والسُّوَرِ تَعْدِلْ به أدباً إن كنت ذا نَظَرٍ فإنما أنت في الدنيا على سَفَرٍ وقال: أنت مأمور بأن تعمل شكراً والشكر صفته، والزيادة مقرونة بالشكر منه إليك بالنص، وفيه تنبيه بما يطلبه منك من الزيادة فيما شكرك عليه، فإياك أن تغفل عن هذا القدر، وكن مع الله كما أنت مع نفسك . ومن ذلك الأعراب سادات الأحزاب من الباب ٣٥٩: قال: الأحزاب شعوب وقبائل، فكن من أهل القبائل فإنهم أكرم أحزاب، ونبيك عربي، وقال: لا تحجم فيحجم عليك كما قال ◌َّ: ((لا تُوكِ فَيُوكَى عَلَيْكِ)) يأمر بالجود. وقال: ((إِيَّاكُمْ وَخَضْرَاء الدِّمَن)) وَهِيَ الجَارِيَةُ الحَسْنَاءُ فِي المَنْبتِ السُّوءِ، فإن الله يقول يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً وهو ما يزينه الشيطان من الأعمال، وإن كان لها وجه إلى الحق فالمعدن خبيث، جاء إبليس إلى عيسى عليه السلام فقال له: قل لا إله إلاَّ الله فهذه كلمة حق من معدن خبيث، فقال له عيسى عليه السلام: يا ملعون أقولها لا لقولك وأمرك، فما قال لا إله إلاَّ الله التي أمره بها إبليس فهذه جارية حسناء في منبت سوء. ومن ذلك علم الظاهر والتأويل في الحديث والتنزيل من الباب ٣٦٠: قال: ما عصى آدم إلاَّ بالتأويل، وما عصى إبليس إلاّ بالأخذ بالظاهر، فما كل قياس يصيب ولا كل ظاهر يخطىء، وقال: إن قست تعديت الحدود، وإن وقفت مع الظاهر فاتك علم كبير، فقف مع الظاهر في التكليف وقس فيما عداه تحصل على علم كبير، وفائدة عظمى، وتخفف عن هذه الأمة، فإن ذلك أعني التخفيف عنها مقصود نبيها صل# فيها. وقال: الظاهر مظاهر فتلزمه الكفارة قبل الوطء. وقال: لو أخذوا بالظاهر في كتابهم ما نبذوه وراء ظهورهم، فما أضرّ بهم إلاَّ التأويل فاحذر من غائبته. وقال: الخطب عظيم، والأمر مشكل، والمكلف مخاطب بألسنة مختلفة مع البيان الشافي، ولكن العيب والسقم من الفهم السقيم. من ذلك من أوتي جوامع الكلم فقد أعطي الحكم من الباب ٣٦١: وقال: إذا أيه الله بأحد في كتابه فكن أنت ذلك المؤيه به، فإن أخبر فافهم واعتبر فإنه ما أيه بك إلاَّ لما سمعت، وإن أمرك أو نهاك فامتثل، وما ثم قسم رابع إنما هو خبر أو أمر أو نهي. وقال: أنزله في خطابه إياك منزلة الأم من الشفقة فتلقى منه بالقبول ما يورده عليك، فإنه ما خاطبك إلاّ لينفعك. وقال: لا تجعل زمامك إلاَّ بيد ربك فإن له كما قال يدين فكما أنه قد أخبرك أن يده بناصيتك اضطراراً فاجعل زمامك بيده اختياراً فتجني ثمرة الاختيار والاضطرار يجمعك بين اليدين، وعلم الله لقد أبلغت لك في النصيحة والذكرى. ومن ذلك من أهل الكتاب من هو أسعد من ذوي الأحساب من الباب ٣٦٢: قال: ١٧٠ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة نسب الله التقوى فمن اتقاه فقد صحّح نسبه وهو عبد الله حقاً، وإياك والنسب الطيني فإنه غير معتبر، وما أحسن ما قال علي بن أبي طالب القيرواني: [البسيط] على الهُدَى لمن اسْتَهْدَى أَدِلاَءُ ما الفَضْلُ إلَّ لأهلِ العِلْمِ إِنَّهُمُ وقال: قدرك عند الله موازن لقدره عندك، وأنت أعرف بنفسك مع ربك. وقال: لا مفاضلة في كلام الله من حيث ما هو كلامه، فالكتب كلها من آل واحد، والقرآن جامع فقد أغنى وأنت منه على يقين، ولست من غيره على يقين لما دخله من التبديل والتحريف. ومن ذلك المحو والإثبات في علم الأبيات من الباب ٣٦٣: قال: احفظ على بيوت الله وأشرفها بيتاً قلب المؤمن فإنه بيت الحق. وقال: قوّ أساس بيتك وشيّد أركانه، أساسه التوحيد وأركانه أربعة: الصلاة والزكاة والصوم والحج، وجدرانه ما بين الأركان وهي نوافل الخيرات، ولا تجعل له سقفاً فيحول بينك وبين السماء فتحرم الرؤية، لا تكن نفسك فيه بالسقف فإن الغيث إذا نزل لا يصل إليك منه شيء وهو رحمة الله رحم به عباده. وقال: لا تسكن من البيوت إلاّ أضعفها فإن الخراب يسرع إليها فتبقى في حفظ الله لا في حفظ البيت، فإنه من لا بيت له احفظ على رحله ممّن له بيت فيه رحله. وقال: الأمور إذا تناقضت وهي متناقضة بلا شك فاعمد إلى أقربها إلى الحق فاعتمد عليه، وأقربها إلى الحق من يسرع إليه الذهاب والزوال فيبقى الحق الذي هو المطلوب. ومن ذلك أخبار الأنبياء مسامرة الأولياء من الباب ٣٦٤: قال إذ ولا بدّ من الحديث فلا تتحدث إلاَّ بنعمة ربك، وأعظم النعم ما أعطيت الأنبياء والرسل فبنعمهم تحدث، وقال الوليّ ألله فلا تجالس غيره ولا تتحدث إلاَّ معه، فإنه يسمع عباده، فأسمع الله فإنك إن أسمعت غيره فقد أسأت الأدب معه، ألا ترى إلى الإنسان إذا أقبل على كلامه جليسه فأسمع غيره أخجله، وإذا أخجله لم يأمن غائلته، وأهون غائلته أن يقطع به في الموضع الذي يحتاج إليه فيه، وقال: مجالسة الرسل بالاتباع ومجالسة الحق بالإصغاء إلى ما يقول فإنه المتكلم الذي لا يجوز عليه السكوت، فكن سامعاً لا متكلماً. ومن ذلك من يتوقى الضرر ليس من البشر من الباب ٣٦٥: قال: البشر كل من باشر وما ثم إلاَّ من باشر، فما ثم إلاَّ بشر وما ثم إلاَّ من يتوقى الضرر، ممّا روينا أن جبريل وميكائيل عليهما السلام بكيا فأوحى الله إليهما ما شأنكما تبكيان؟ فقالا: لا نأمن مكرك، قال: كذلك فكونا لا تأمنا مكري. وقال: كل ما سوى الله معلول، والمعلول مريض، فملازمة الطبيب فرض لازم. وقال: كل أمة تدعى إلى كتابها لتقرأه حيث هو فاجعل كتابك في عليين، فإن جعلته في سجين فاختمه بالتوحيد. وقال: اتخذ الله وقاية بأن تكون له هنا وقاية فإنك إن اتقى بك في الدنيا اتقيت به في الأخرى. وقال: يا وليّ ما خلق الله أكمل من الإنسان فلا ترض بالدون واطلب معالي الأمور، وما ثم أعلى من العلم بالله فلا تشغل نفسك بغير البحث فيه والأخذ منه وميّزه في الخلق بترك العلامة فإنها علامه. ومن ذلك منازل الأنبياء عليهم السلام من ظلل الغمام من الباب ٣٦٦: قال: لا تغفل ١٧١ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة عن مشاهدة الغمام فإنه مذكر كل مؤمن بربه. وقال: إذا كان الحق على قدر ما جاء العلماء به فاعتمد على الحق الذي جاءت الرسل بنعته وإياك والفكر فيه فإنه مزلة قدم، قف عند ظاهر ما جاءت به من غير تأويل فإن الرسل ما تنطق عن الهوى إن هو إلاَّ وحي يوحى علمهم شديد القوى. وقال: الخلق عيال الله وأكرم العيال عند رب البيت صاحبة البيت وليس إلاّ الرسل ومن ورثهم على مدرجتهم، فالورثة كالسراري لرب البيت فهن وإن كن سراري فقد اشتركن مع الحرائر في الأسرة والأسرار، والإماء إلى الأصل أقرب. ومن ذلك ما بين الشبهة والبرهان من الفرقان من الباب ٣٦٧: قال: إياك أن تنخدع فإن الشبه ما تظهر إلاَّ بصور البراهين وهي أقرب إلى الأفهام بالأوهام من الأدلة. وقال: احذر من القرآن إلاَّ أن تقرأه فرقاناً، فإن الله يضلّ به كثيراً أي يحيرهم، ويهذي به كثيراً أي يرزقهم الفهم فيه بما هو عليه من البيان، وما يضلّ به إلاَّ الفاسقين وهم الذين خرجوا عن حدوده ورسومه. وقال: أنت أنت وهو هو فاحذر أن تقول كما قال العاشق: أنا من أهوى ومن أهوى أنا، فهل قدر على أن يرد العين واحدة والله ما استطاع فإن الجهل لا يستطاع، فأتى بذكره وذكر من يهوى، ففرّق واعتقد الفرقان تكن من أهل البرهان، لا بل من أهل الكشف والعيان، قد علمت أن ثم غطاء يكشف وقد آمنت به فلا تغالط نفسك بأن تقول أنا هو وهو أنا . ومن ذلك توالي الأنوار على قلوب الأحرار من الباب ٣٦٨: أول نور ظهر الكوكب ثم تنكب وتلاه القمر فما أثر، فلما بدت الشمس أزالت ما في النفس، وكانت هذه الأنوار عين الدليل في حق إبراهيم الخليل عليه السلام: [السريع] من نَظَرَ الحَقُّ إلى سِرّهْ فلْيَشْكُرِ الله على قَذْرِ ما إذا دعاه الحَقُّ من كونه لا يتأنَّى وليَقِفْ عارفاً إله إبراهيم أعْطَى الذي أطياره فنال مطلوبه فنُورُ ما في الرُّوحِ من نُورِهِ إن خَصَّكَ الله به فاستعذْ من قال لا ضَيْرَ لما قد رأى ما فَلَكٌ دار على قُطْبِهِ للَّه من قاضٍ ومن عادل وفضله عَمَّ ولا صارفٌ أنَالَهُ العِزَّ على غَيْرِهِ أعطاه رَبُّ الْخَيْرِ من خَيْرِهُ أقبل نحو الحق من فَوْرِهِ بقَدْرِهِ المعلوم في طَوْرِهِ أراد إبراهيم في صوره بما أتى الأنباء في طيره ونُورُ ما في الجِسْم من نُورِهِ من حَوْرِهِ القاضي عَلى كَوْرِهِ من انْقِلابِ الأمْرِ في ضَيْره إلاَّ أتى بالكون في دَوْرِه قد أمن الأقوامُ من جوره في كَوْرِه الأعلى وفي حَوْرِه ومن ذلك ما يعطي البقاء في دار السعادة والشقاء من الباب ٣٦٩: قال: من تلى المحامد ولم يكن عين ما يتلوه منها فليس بتال، وكذلك من تلى المذام وكان عين ما يتلوه منها فليس بتال، فما نزل القرآن إلاَّ للبيان. وقال: كن أنت المخاطب في خطاب الحق ١٧٢ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة بسمعك لا بسمع الحق، فإنه لا يأمر نفسه ولا ينهاها. وقال: لا تحزن على ما يفوتك من جنة الميراث فإنه ما فيها تقصير، وإنما ينبغي لك أن تحزن على ما يفوتك من جنة الأعمال. وقال: لا تعتمد إلاَّ على جنة الاختصاص فإنها مثل التوفيق للأعمال الصالحة، في هذه الدار لا تنال إلاَّ بالعناية لا بالاكتساب. وقال: كل ممّا يليك إذا كان الطعام واحداً فإن اختلف فكل من حيث شئت وذلك أن العقائد مختلفة والمطلوب بها واحد، فإن نظرت إليهم من حيث أحدية المطلوب فاثبت على ما عندك وهو الأكل ممّا يليك، وإن نظرت إليهم من حيثهم فكل من حيث شئت فإنك مصيب . ومن ذلك سجود القلب والجسد هل ينقطع أو هو إلى الأبد من الباب ٣٧٠: قال: ما عرفنا نقص سهل إلاَّ من سجود قلبه وما أخبر أنه رآه ساجداً فرآه على ما كان عليه وإنما أخبره أنه يسجد، ولا سجود إلاَّ من قيام أو جلوس، ولا قيام للكون فإن القيومية لله. وقال: لكل اسم إلهيّ تجلِّ فلا بدّ أن يسجد له القلب فلا يزال يتقلب من سجود إلى سجود، وبهذا سمّي قلب العارف قلباً بخلاف قلوب العامة لاختلاف تقلباتها فيما يخطر لها من أحوال الدنيا، وتلك بعينها هي عند العارف أسماء إلهية، فانظر إلى ما بين المنزلتين كيف يرتقي هذا بعين ما ينحط به هذا ذلك هو الخسران المبين. وقال: ما وقع ما وقع إلاَّ من تعشق كل نفس بما هي عليه ولذلك قال: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] فلو تبين لكل حزب مآله وماله الفرح من ينبغي له أن يفرح وحزن من ينبغي له أن يحزن. وقال: لو خرجوا من العمرة إلى ما كانوا عليه أوّل مرة في قولهم بلى لسعدوا. ومن ذلك التقسيم في الكلام الحادث والقديم من الباب ٣٧١: قال: كلام الحادث محدث وكلام الله له الحدوث والقدم فله عموم الصفة فإن له الإحاطة ولنا التقييد. وقال: لا يضاف الحدوث إلى كلام الله إلاَّ إذا كتبه الحادث أو تلاه، ولا يضاف القدم إلى كلام الحادث إلاَّ إذا تكلم به الله عند من أسمعه كلامه كموسى عليه السلام ومن شاء الله من عباده في الدنيا والآخرة وأهل السعادة وأهل الشقاء، يقول الله لأهل جهنم في جهنم: ﴿أُخْسَثُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وقال: من سمع كلام الله من الله استفاد، ومن سمعه من المحدث ربما عاند وربما قبل بحسب ما يوفق له. وقال: العجب كل العجب من قذف الحق على الباطل والباطل عدم فما وقع على شيء فلمن دمغ بقذفه ولا عين له في الوجود، ولو كان له وجود لكان حقاً، فهذا من أعجب ما سمعته الآذان من أصحاب القلوب. ومن ذلك ما يعطي خطاب الجود والسماحة من الراحة من الباب ٣٧٢: قال: إن كان العما كالعرش فالخطاب باق من السائل الذي سأل رسول الله وَ ل#: أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق؟ فقال بَّرَ: ((كَانَ فِي عَمَاءِ ما فَوْقَهُ هَوَاءٌ وَمَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ)) فإن قصد السائل بالخلق كل ما سوى الله فما هو العما، وهذه مسألة خفية جداً. وقال: بالاستواء صحّ نزوله تعالى كل ليلة إلى السماء ومع هذا فهو مع عباده أينما كانوا، ولما علم أن بعض عباده يقولون في مثل هذا بعلمه أعلم في هذه الآية أنه ﴿بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] ليغلب على ظن السامع أنه ليس على ١٧٣ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة ما تأوّلوه فإنا لا نشك أنه يحيط بنا علماً أينما كنا، وكيف لا يعلم ذلك وهو خلقنا وخلق الأبنية التي نحن فيها؟ وكذلك لو قال في تمامها: ﴿عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] وقال: لكل اسم من الأسماء الحسنى وجوه في التجليات لا تتناهى، وإن تناهت الأعمار في الدنيا فلا نهاية لها في الآخرة. ومن ذلك سرّ الانخناث إلحاق الذكران بالإناث من الباب ٣٧٣: قال: الخنثى إذا كمل نكح ونكح فولد وأولد فحاز الشهوتين، فمن أنزله منزلة البرزخ أعطاه الكمال، ومن وقف مع عدم تمكنه من الانخناث أعطاه النقص عن درجة الكامل، فهو بحسب ما يعتبره من ينظر فيه والمعتبر بحسب ما يقام فيه. وقال: المترجلات من النساء كالمتخنثين من الرجال فإن خلقوا على ذلك فهم بحسب ما خلقوا عليه وما ذمّ إلاَّ التعمّل فاحذر منه. وقال: كملت مريم ابنة عمران وآسية امرأة فرعون فقد ثبت الكمال للنساء كما أثبته للرجال، وللرجال عليهن درجة فما هو هذا الكمال؟ إن كان الانفعال فخذه إلى عيسى عليه السلام. وقال لآدم: على النساء درجة ولمريم على عيسى درجة لا على الرجال فالدرجة لم تزل باقية، وبها حاز الرجل الثلث الثاني فكان له الثلثان، فلو وقعت المساواة لكانا في المال على السواء. وقال: تعجب زكريا ممّا تعجبت منه مريم وسارة فلحق الرجال بالنساء وثم ما هو أعجب وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير في مقابلة امرأتين . ومن ذلك من وعظه النوم من القوم من الباب ٣٧٤: قال: من أراد أن يعرف حاله بعد الموت فلينظر في حاله إذا نام هو وبعد النوم فالحضرة واحدة، وإنما ضرب الله لنا ذلك مثلاً وكذلك ضرب اليقظة من النوم كالبعث من الموت لقوم يعقلون. وقال: الدنيا والآخرة أختان وقد نهى الله عن الجمع بين الأختين والجمع يجوز بين الضرّتين فما هما ضرّتان، لكن لما كان في الإحسان إلى إحدى الأختين بالنكاح إضرار بالأخرى لذلك قيل فيهما ضرتان فتنبه. وقال: سفينتك مركبك فاخرقه بالمجاهدة، وغلامك هواك فاقتله بسيف المخالفة، وجدارك عقلك لا بل الأمر المعتاد في العموم فأقمه تستر به، كنز المعارف الإلهية عقلاً وشرعاً حتى يبلغ الكتاب أجله، فإذا بلغ عقلك وشرعك فيك أشدهما وتوخيا ما يكون به المنفعة في حقهما، وما أريد بالشرع إلاّ الإيمان فإن العقل والإيمان نور على نور. ومن ذلك ما يحصل صاحب الرحلة عن كل نحلة من الباب ٣٧٥: قال: الرحلة من الأكوان إلى الله تعالى جهل به تعالى فلو رأى وجه الحق في كل شيء لعرف قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ وِجْهَةُ هُوَ مُوَلِيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨] وقوله: ﴿فَأَيِّنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وقوله: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] على الاعتبارين في قوله: ﴿ وَمِنْهَاجَأَ﴾ وقال: الظلمة دليل على علم الغيب، والنور دليل على علم الشهادة، فالليل لباس فأنت الليل، والنهار للحركة فهو للحق شؤنه، الحركة حياة وهي حقية، والسكوت موت فهو خلقي، ومع هذا فله ما سكن بالوجهين من السكون والثبات، ولك ما تحرك بالوجهين من وإلى، ولا اعتبار لليل ولا لنهار فله ما فيها من حكم الإيجاد ولك ما فيها من الانتفاع، والنوم راحة بدنية ١٧٤ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة ومكاشفات غيبية عينية. وقال: إرداف النعم وتواليها إرفاد الحق ومنحه لعباده، فمن اتقى الله فيها سعد ومن لم يتق الله فيها شقي. وقال: مواهب الحق لا تحجير عليها فلا تقل لم نعط فإن الحق يقول لم تأخذ، الدليل ما ورد من التكليف قيل لك لا تفعل فعلت قيل لك افعل لم تفعل هكذا الأمر. ومن ذلك الفرق في الوحي بين التحت والفوق من الباب ٣٧٦: قال: إذا قام المكلف بما خاطبه به رسوله من حيث ما بلغه عن ربه لا من حيث ما سنّ له فما دخل له ممّا أتحفه الحق به من المعرفة به في ميزان قيامه فذلك العلم المكتسب، وما خرج عن ميزانه ولا يقبله ميزان عمله فذلك علم الوهب الإلهي، فالعلم الكسبي نصر الله والوهبي فتحه ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] علم أنه قد قام بحق ما كلف، وإذا انقادت إليه قواه الحسية والعقلية فمشت معه على طريقه الذي هو صراط الله لا صراط الرب فليشكر الله على ما خوّله به وحباه. وقال: خفي عن الناس طاعة إبليس بلعنة الله إياه كما خفي عنهم موافقة الملك ربه في خلافة آدم بثناء الله عليهم ورضاه عنهم. ومن ذلك المنع في الصدع من الباب ٣٧٧ : قال: حفظ الله ذكره بالحفظة من البشر وبالصحف المكرمة التي بأيدي السفرة الكرام البررة فالحق في قلبه وكلامه في صدره وقال : خزائن الله صدور المقربين وأبواب تلك الخزائن ألسنتهم، فإذا نطقوا أعنوا السامعين إن كانت أعين أفهامهم غير مطموسة. وقال: إذا تميز العارف بالإضافة إلى معروفه لفطن الحجة فإن الحجة البالغة لله وعصم من الخطأ في القول والعمل. وقال: الهبة العظمى ما أعطاك الله من الرحمة في قلبك بعباده فخفضت لهم الجناح وألنت لهم القول، يقول كهمس في رجزه: [الرجز] إما نَعِيمَها وإما بُوسَهَا الْبسْ لكلِّ حالَةٍ لَبُوسَهَا وقال: إنما كانت الحجة البالغة لله لأن العلم يطابق المعلوم فافهم. ومن ذلك ما هو المقام الجليل الذي صحّ للخليل من الباب ٣٧٨: وقال: المحدث في القديم ما هو القديم في المحدث ﴿ وَأَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] وورد في الخبر: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَا خَلِيلاَ لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاَ لَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ الله)) فانظر إلى ما تحت هذا من المعنى اللطيف قال بعضهم: [الخفيف] وتَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوح مني وبذا سُمِّي الخَلِيلُ خَلِيلاً وقال: ما ثم إلاَّ أسماؤه وليست سواه وما هي دلائل عليه بل هي عينه، وقد تخللها المتخلق الكامل فهو الخليل. وقال: الله الصاحب وأنت الخليل. وقال: نال محمد وَايه الخلة والوسيلة بدعاء أمته، ولذلك أمرهم بالصلاة عليه كما صلَّى على إبراهيم وأمرهم أن يسألوا له الوسيلة وجعل الجزاء الشفاعة. وقال: كل خليل صاحب وما كل صاحب خليل. وقال: المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل أي على عادته وخلقه، وأنت خليل الحق فهو على ما أنت عليه، لهذا وصف نفسه بما أنت عليه من الفرح والتبشيش والتعجب والضحك وجميع ما ورد عنه ممّا هو لك. ١٧٥ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة ومن ذلك الكلام بعد الموت هل هو بحرف وصوت من الباب ٣٧٩: قال: الكلام بعد الموت بحسب الصورة التي ترى نفسك فيها فإن اقتضت الحرف والصوت كان الكلام كذلك، وإن اقتضت الصوت بلا حرف كان، وإن اقتضت الإشارة أو النظرة أو ما كان فهو ذلك، وإن اقتضت الذات أن تكون عين الكلام كان، فإن جميع ذلك كله تقتضيه تلك الحضرة، وإن رأيت نفسك في صورة إنسان حزت جميع المراتب في الكلام فإنه العام الجامع أحكام الصور. وقال: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِذِهِ، وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] يعني بالنظر العقلي فالكل ناطق وتقع العين على ناطق وصامت، فالمؤمن يدرك ذلك إيماناً، وصاحب الكشف يدرك الكيفية، والكشف منحة من الله يمنحها من شاء من عباده. وقال: كل نطق في الوجود تسبيح وإن انطلق عليه اسم الذم وبعلم هذا فضلنا غيرنا بحمد الله . ومن ذلك ما يختص بالدنيا من أحكام الرؤيا من الباب ٣٨٠: قال: إنما قال النبيّ وََّ: ((النَّاسُ نِيَامٌ فَإذا مَاتُوا انْتَبَهُوا)) لما في الموت من لقاء الله ألا ترى إلى قوله في المحتضر: ﴿فَكَتَفْنَا عَنكَ غِطَآءَ فَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] ولم يقل عقلك فكلما أنت فيه في الدنيا إنما هو رؤيا، فمن عبرها في الدنيا كان بمنزلة من رأى في الرؤيا أنه استيقظ وهو في حال نومه كما هو فعبرها. وقال: من وقف على حكمة تقلب الأمور في باطنه علم أنه نائم في يقظته العرفية. وقال: الأمر في غاية الإشكال لأنا خلقنا في هذه الدنيا نياماً فما ندري لليقظة طعماً إلاَّ ما يهب علينا من روائح ذلك في حال نومنا الذي هو شبيه بحال موتنا إلاّ أن في النوم العلاقة باقية بتدبير هذا الهيكل وبالموت لا علاقة، ولا بدّ أن يختلف الحكم في صورة ما أو في صور . ومن ذلك ما حال أهل الانتباه في صراط الرب وصراط الله من الباب ٣٨١ قال: صراط الله إن ربي على صراط مستقيم ﴿وَهَذَا صِرَطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٢٦] وقال ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وقال: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] وقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقال: ﴿صِرَطِ اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِّ﴾ [الشورى: ٥٣] وقال: ﴿قَلْ هَذِهِ، سَبِيلِيّ أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨] وقال: ما يدعو إلى الله على بصيرة إلاَّ من كان على بينة من ربه والشاهد الذي يتلوه منه ما يوافقه على ذلك من النفوس التي كشف الله لها عن ذلك. وقال: ما ثم إلاَّ اختلاف ولا يكون إلاَّ هكذا، وإذا سمعت أن ثم أهل جمع فليس إلاّ من جمع مع الحق على ما في العالم من الخلاف لأن الأسماء الإلهية مختلفة وما ظهر العالم إلاَّ بصورتها فأين الجمع؟ وقال: العين واحدة فالحكم واحد. ومن ذلك هل في القدم قدم من الباب ٣٨٢ قال: من سبقت له العناية عند الله ثبت العالم عنده على ما هو عليه لا يتبدّل في تبدّله، وتحوّله من حال إلى حال، ومن صورة بصورة والعالم بذلك قليل. وقال: الدنيا والآخرة سواء في الحكم إلى أجل مسمّى فيما اجتمعا فيه. وقال: لا يظهر خصوص الآخرة التي تمتاز به عن الدنيا فيكون آخرة ما فيها حكم دنيا إلاَّ إذا انقضى أجلها المسمّى، وعمّت الرحمة، وشملت النعمة، عند ذلك تكون مفارقة ١٧٦ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة للدنيا وذلك هو الموت الصحيح الموجب الراحة وهو النوم الذي لا يقظة بعده، فإن الله جعل النوم سباتاً أي راحة، فكل ما تراه في عين الآخرة الخالصة فهو رؤيا، وهنالك يعلم الإنسان العارف اتصاف الحق بالحيّ القيوم وأنت المايت النؤوم ولك البقاء فيما أنت فيه كما أن له البقاء فيما هو فيه. وقال: من عرف حال العالم ومآله وتصرّفاته وأحكامه من هنا فقد عرف وذلك هو المسمّى بالعارف العالم الحكيم، فاجهد أن تكون أنت ذلك الرجل. ومن ذلك الاستقصاء هل يمكن فيه الإحصاء من الباب ٣٨٣ قال: إذا رأيت من يتبرأ من نفسه فلا تطمع فيه فإنه منك أشدّ تبرؤاً فافهم. وقال: ما ثم ثقة بشيء لجهلنا بما في علم الله فينا فيا لها من مصيبة. وقال: ما ثم إلاَّ الإيمان فلا تعدل عنه، وإياك والتأويل فيما أنت به مؤمن فإنك ما تظفر منه بطائل ما لم يكشف لك عيناً. وقال: اجعل أساس أمرك كله على الإيمان والتقوى حتى تبين لك الأمور فاعمل بحسب ما بان لك وسر معها إلى ما يدعوك إليه. وقال: اجعل زمامك بيد الهادي ولا تتلكأ فيسلط عليك الحادي فتشقى شقاء الأبد. وقال: من كانت داره الحنان في الدنيا خيف عليه وبالعكس. ومن ذلك التحديد بين أهل الشرك والتوحيد من الباب ٣٨٤، قال: من نعم الله كونه جعل الفطرة في الوجود لا في التوحيد فلذلك كان المآل إلى الرحمة لأن الأمر دور فانعطف آخر الدائرة على أوّلها والتحق به فكان له حكمه وما كان إلاَّ الوجود. وقال: سبقت الرحمة الغضب لأنه بها كان الابتداء والغضب عرض والعرض زائل. وقال: التوحيد في المرتبة والمرتبة كثرة، فالتوحيد توحيد الكثرة، لولا ما هو الأمر كذا ما اختلفت معاني الأسماء أين مدلول القهار من مدلول الغفار؟ وأين دلالة المعزّ من دلالة المذلّ؟ هيهات فزنا وخسر من كان في هذه الدنيا أعمى، لا علم إلاَّ في الكشف فإن لم تكن من أهله فلا أقلّ من الإيمان. وقال: المحسوس محسوس فلا تعدل به عن طريقه فتجهل، والمعقول كذلك معقول، فمن ألحق المحسوس بالمعقول فقد ضلّ ضلالاً مبيناً. ومن ذلك الفاصل بين الحالي والعاطل من الباب ٣٨٥ قال: لله سور بين الجنة والنار باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، وعليه رجال يعرفون كلاً بسيماهم وهو الأعراف فيعرفون ما هم فيه وما هم. وقال: أخفى الله رحمته في باطن ذلك السور وجعل العذاب في ظاهره لاقتضاء الموطن والزمان والحال، وأهل الجنة مغموسون في الرحمة، ولا بدّ من الكشف فتظهر رحمة باطن السور فتعمّ فهنالك لا يبقى شقي إلاَّ سعد ولا متألم إلاَّ التذّ، ومن الناس من تكون لذته عين انتزاح ألمه وهو الأشقى وهو في نفسه في نعيم ما يرى أن أحداً أنعم منه كما قد كان يرى أنه لا أحد أشدّ عذاباً منه وسبب ذلك شغل كل إنسان أو كل شيء بنفسه. وقال: أرجى آية في كتاب الله في حق أهل الشقاء في إسبال النعيم علهيم وشمول الرحمة قوله: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِى سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] وهذا جزاء المجرمين على التعيين. ومن ذلك الأفضل والفاضل الناقص والكامل من الباب ٣٨٦ قال: من وقف على ١٧٧ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة الحقائق كشفاً وتعريفاً إلهياً فهو الكامل الأكمل، ومن نزل عن هذه المرتبة فهو الكامل، وما عدا هذين فإما مؤمن أو صاحب نظر عقلي لا دخول لهما في الكمال فكيف في الأكملية؟ فاعلم. وقال: لا تتكل على دليل أنه يوصلك إلى غيره غايته أن يوصلك إلى نفسه وذلك هو الدليل، فلا تطمع إلاَّ أن يكون دليلك الكشف فإنه يريك نفسه وغيره، وهذا لأفراد الرجال. وقال: إذا قرأت رسل الله الله فإن انقطع نفسك على الجلالة الثانية كان وإلاَّ فاقصد ذلك ثم ابتدىء الله أعلم حيث يجعل رسالاته. ومن ذلك الوجود في الوفا بالعهود من الباب ٣٨٧ قال: الوفاء من العبد بالعهد جفاء وإن كان محموداً لما فيه من رائحة الدعوى. وقال: احذر أن تفي ليفي إليك، أوف أنت بعهدك واتركه يفعل ما يريد. وقال: من وفى بعهده ليفي له الحق بعهده لم يزده على ميزانه شيئاً وهو قوله: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وليس سوى دخول الجنة، ورد في الحديث كان له عند الله عهداً أن يدخله الجنة لم يقل غير ذلك ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] ولم يطلب الموازنة ولا ذكر هنا أن يفي له بعهده وإنما قال: ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠] وما عظمه الحق فلا أعظم منه، فاعمل على وفائك بعهدك من غير مزيد. قال : الوفاء يتضمن استقصاء الحقوق ويتضمن الزيادة وهي من جانب العبد نوافل الخيرات والحقوق هي الفرائض، فالوفاء من الله لعبده بهذه المثابة وفاء وجوب واستحقاق وزيادة لزيادة وزيادة لا لزيادة وهي الزيادة المذكورة في القرآن. ومن ذلك استناد الكل إلى الواحد وما هو بأمر زائد من الباب ٣٨٨ قال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ اٌلْأَمْرُ كُلُّمُ﴾ [هود: ١٢٣] فما ثم إلاَّ عينه فمن السعيد والشقيّ. وقال: إن الحق وصف نفسه بالرضى والغضب فما ثم إلاّ راحة وتعب، ومنهم شقي بالغضب والغضب زائل وسعيد بالرضى والرضى دائم. وقال: من فهم الأمور هانت عليه الشدائد فإن الشيء أرحم بنفسه من غيره به. قال: ألا ترى إلى المنتقم لا ينتقم من عدوّه ليؤلم عدوّه إنما ينتقم منه دواء لنفسه يستعمله ليريح نفسه، كذي العزّ يكوي غيره وهو راتع كذا هو الأمر فافهم واعقل، ألا ترى المنتقم إذا سكن غضبه بالانتقام عفا، وإن فرّط في المنتقم منه الأمر بالقتل ندم إلاَّ أن يكون في حدّ من حدود الله فإنه تطهير. ومن ذلك الإبرام والنقض في البعض من البعض من الباب ٣٨٩ قال: لولا ما أنت منه ما كنى بك عنه قال تعالى في عيسى: ﴿وَرُوعُ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] وما في الوجود شيء إلاّ منه. قال تعالى: ﴿وَسَخَرَ لَكُ مَّا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [الجاثية: ١٣] منه. وقال: من أنزلك منزلته فقد أباح لك التصرّف في رتبته فاظهر بصفته ولا تكن كأبي يزيد يغشى عليك في أوّل قدم، كن محلاً تكن للخلافة أهلاً ما دمت في الدنيا فإذا انتقلت إلى العقبى فأنت بالخيار. وقال: اجهد أن لا تفارق حياتك فإنك إن فارقتها ما تدري هل ترجع إليها أو لمثلها وأنت قد ألفتها، وصحبة من تعلم أولى من الغريب. وقال: العصمة والاعتصام ضربان : اعتصام بالله واعتصام بحبل الله، فإن كنت من أهل الحبل فأنت من أهل السبب، وإن الفتوحات المكية ج٨ - م١٢ ١٧٨ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة اعتصمت بالله كنت من أهل الله فإن الله من عباده أهلاً وخاصة. وقال: حكم أهل الله ما تميزوا به من تحليهم لخلق الله بصورة الحق، ومن لم يكن له هذا فليس من الأهل وهم أصحاب العرش وخاصة الله هم المقرّبون، وإن لم يكن لهم هذا التجلي فالأهل أقرب من الخاصة. ومن ذلك إحياء الموات بالنبات من الباب ٣٩٠ قال: الحيوان لا يتغذى إلاَّ بالنبات فحياته حياته، ولذلك إذا فقد الغذاء اضطرب. وقال: ﴿وَاَللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧] فما تغذى إلاَّ بالمشاكل والملائم. وقال: من ثبت نبت مثل سائر. وقال: الموت الأصل ولهذا كان الفناء من أحوال أهل طريق الله ليعرفوه ذوقاً فهم في البقاء مع الله في حال فناء عنهم. وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] وما خرج إلاَّ من الحجر وما جاد به الحجر إلاَّ بعد الضرب بالعصي والعصي نبات وبالماء يحيى الأموات فأين درجة الحيوان من درجة النبات؟ : [البسيط] وانْظُرْ إلى مائعٍ من نَفْسٍ أحْجَارٍ فانْظُرْ إلى حَجَرٍ فَاضَ على شَجَرٍ وانْظُرْ إلى ضاربٍ من خَلْفِ أسْتارٍ به الحياةُ وما تُخْشَى إزالتُهُ وقال: الآجال محدودة والأيام معدودة. وقال: النفوس مقهورة والأنفاس محصورة وقال: وجه الله أنت فأنت القبلة حيث كنت فلا تتوجه إلاَّ إليك، ما يظهر الخليفة إلاَّ بصورة من استخلفه وأنت الخليفة في الأرض وهو الخليفة في الأهل. ومن ذلك الحضرة الجامعة للأمور النافعة من الباب ٣٩١ قال: من سمّى الحق ذكره، ومن شكره حمده، ومن أثنى عليه رحمه، ومن سلم إليه أمره مجده، ومن استند إليه قبله ومن دعاه أجابه، فكن مع الله كما هو معك. وقال: أنت المؤمن فأنت مرآته لذلك أنت الجامع لظهور صورته بك له. وقال: إذا ناجيت ربك فلا تناجه إلاّ بكلامه. واحذر أن تخترع كلاماً من عندك فتناجيه به فإنه لا يسمعه منك ولا تسمع له إجابة فتحفظ فإن ذلك مزلة قدم. قال: كن تالياً لا تكن مقدماً فإن قدمك الحق تقدم كالسابق والمصلي، يقول النبيّ وَّ في الإمامة: ((إنْ أُعْطِيتَها أُعِنْتَ عليها وإن سَأَلْتَها وُكِلْتَ إليها، فلا تَسْأَلِ الإمارَةَ فإنها يَوْمَ القيامة حَسْرةٌ وندامة)) . ومن ذلك اجتماع النازل والراقي وما بينهما عند التلاقي من الباب ٣٩٢ قال: عليك بالمنازلات فإنك مأمور بالقصد إليه وهم منعم بالنزول، فانظر في أي حضرة أو منزلة يكون اللقاء فكن بحسبها. وقال: لا ينزل عليك إلاّ على الطريق الذي تعرج إليه ولولا ذلك لم تلتق. وقال: انظر بأي صفة عرجت إليه تجدها بعينها عين ما نزل بها إليك وليس إلا المناسبة، ولولا ما هو الأمر هكذا ما كان اللقاء. وقال: لا تعامل الله بالإمكان ولكن عامله بالمناسب فإنه ما ينزل إليك إلاَّ به. فإن قلت: ﴿فَعَالٌ لِمَا يُرِدُ﴾ [البروج: ١٦] فما أراد إلاّ المناسب فأنت صاحب الآية. ومن ذلك اللؤلؤ المنثور من خلف الستور من الباب ٣٩٣ قال: من أراد التكوين فليقل بسم الله وإن كتبه فليكتبه بالألف. وقال: الأدب مع الله أن لا تشارك فيما أنت فيه مشارك. ١٧٩ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة وقال: ما هو إلاَّ أنت أو هو ما أنت وهو فما ثم مشاركة. وقال: أنت له مقابل فإنك عبد وهو سيد. وقال: عامله بك لا تعامله به فإذا عاملته بك عاملك به فأغناك وما أقول عمّن ولذلك لا يشقى أحد بعد السعادة. وقال: احمد الله على كل حال يدخل في حمدك حال السّاء والضرّاء وما ثم إلاّ هاتان الحالتان. وقال: الزم الاسم المركب من اسمين فإن له حقاً عظيماً وهو قولك: ﴿الََّنِ الرَّحِيمَةِ﴾ [الفاتحة: ٣] خاصة ما له اسم مركب غيره فله الأحدية هو كبعلبك ورام هرمز من ذكره بهذا الاسم لا يشقى أبداً. ومن ذلك من لم يرفع به رأس من الناس من الباب ٣٩٤ قال: ما احتقر الله من خلقه حين خلقه فانظره بالعين الذي نظر إليه الحق حين أوجده فإنه ما أوجده إلاَّ ليسبحه بحمده. وقال: العبد يخلق في نفسه ما يعتقده فيعظمه ولا يحتقره فما يخلق الله أولى بالتعظيم، وهذه نكتة عجيبة لمن تدبرها تحتها إعلام بالعلم بالله إن علمت. وقال: المفوّض إلى الله أمره مقوّض ما بناه الحق إلاّ أن يجلّ تقويضه ممّا بناه الحق فيه فلا يكون عند ذلك مقوّضاً وقال: خطاب الله بضمير المواجهة تحديد وبضمير الغائب تحديد ولا بدّ منهما. ومن ذلك القرب المفرط من المفرّط من الباب ٣٩٥ قال: إذا سألت فاسأل أن يبين لك الطريق إليه لا بل إلى سعادتك فإنه ما ثم طريق إلاَّ إليه سواء شقي السالك أو سعد. وقال: ما أجهل من نزّه الحق أن يكون شريعة لكل وارد هذا شؤم النظر الفكري، وهل ثم طريق لا يكون هو عينه وغايته وبدءه؟ وقال: لولا نور الإيمان ما علمت ما يعطيه العيان فلا أقوى من المؤمن حاسًا. وقال: إلى الحيرة هو الانتهاء وما بيد العالم بالله من العلم بالله سواها ما أحسن الإِشارة في كون الله ما ختم القرآن العظيم الذي هو الفاتحة إلاَّ بأهل الحيرة وهو قوله: ﴿ وَلَا الضَّآلّينَ﴾ والضلالة الحيرة ثم شِرع عقيبها آمينٍ أي أمناً بما سألناك فيه فإن: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِّينَ﴾ نعت ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وهو نعت تنزيه، ومن علم أن الغاية هي الحيرة فما حار بل هو على نور من ربه في ذلك: [الرمل] هي بُزهانٌ على خِسّتِهِ رَجْعَةُ المَانِحِ في مِنْحَتِه من حَبَاهُ الله من رَحْمَتِهِ هو كالكَلْبِ كذا شَبَّهَهُ كرَم الله ومن رَأْفَتِهِ بالذي فيها من اللِّينِ ومن كَفُّهُ الَمعروفَ من نِعْمَتِهِ فَازَ بالخَيْرِ عُبَيْدٌ مَنَحَتْ نَفْسُهُ فيه لدى نَشْأَتِه ووقاه الله شُحّاً جُبِلَتْ جاء في التنزيل في حِكْمَتِه وهو المُفْلِحُ بالنَّصِّ كما ومن ذلك ما تواضع عن رفعة إلاَّ صاحب منعة من الباب ٣٩٦ قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، فلا يتواضع إلاَّ مؤمن فإن له الرفعة الإلهية بالإيمان، تواضع المؤمن نزول الحق إلى السماء الدنيا. وقال: العارف لا يعرف التواضع لأنه عبد. وقال: انظر بعقلك في سجود الملائكة لآدم فما صرفت وجوهها إلى التحت إلاَّ وهو فيه لتشاهده في رتبته مشاهدة عين. وقال: ما كانت خلافة الإنسان إلا في الأرض لأنها موطنه ١٨٠ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة وأصله ومنها خلق وهي الذلول. وقال: دعا الله العالم كله إلى معرفته وهم قيام فإن الله أقامهم بين يديه حين خلقهم فأسجدهم فعرفوه في سجودهم فلم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعونها أبداً، وما عاين من هذا السجود سهل إلاَّ سجود القلب. قال: وما عرف الرسول وَّو طعم التواضع إلاّ صبيحة ليلة إسرائه لأنه نزل من أدنى من قاب قوسين إلى من أكذبه فاحتمله وعفى عنه. ومن ذلك من خفي أمره جهل قدره من الباب ٣٩٧ قال: وما قدروا الله حق قدره فيما كيف به نفسه ممّا ذكره في كتابه وعلى لسان رسوله من صفاته. وقال: ما ثم حجاب ولا ستر فما أخفاه إلاَّ ظهوره. وقال: لو وقفت النفوس مع ما ظهر لعرفت الأمر على ما هو عليه، لكن طلبت أمراً غاب عنها فكان طلبها عين حجابها، فما قدرت ما ظهر حق قدره لشغلها بما تخيلت أنه بطن عنها. وقال: ما بطن شيء وإنما عدم العلم أبطنه فما في حق الحق شيء بطن عنه فخاطبنا تعالى بأنه الظاهر والباطن والأوّل والآخر أي الذي تطلبه في الباطن هو الظاهر فلا تتعب . ومن ذلك ما في التوقيعات الجوامع من المنافع من الباب ٣٩٨: قال: ما تخرج التوقيعات الإلهية إلى العالم إلاَّ بحسب ما التمسوه من الحق والمقاصد مختلفة، هذا إذا كانت التوقيعات عن سؤال وهي كل آية نزلت عن سؤال وسبب. وقال: كل سورة أو آية نزلت من عند الله فهي توقيع إلهيّ إما بعلم بالله أو بحكم أو بخبر أو بدلالة على الله، فما نزل من ذلك ابتداء فابتلاء، وما نزل عن سؤال فاعتناء وابتلاء. وقال: ما خرج توقيع عن سؤال إلاَّ لإقامة حجة على السائل. وقال: الشرع الواجب الذي لا مندوحة عنه ما وقعه الحق ابتداء ودونه ما وقعه عن سؤال بقول أو حال. وقال: الوجود الديوان ويمين الحق الكاتبة الموقعة فكل خبر إلهيّ جاء به رسول من عند الله فهو توقيع، فاعمل بحسب الوقت فيه فإن الأمر ناسخ ومنسوخ . ومن ذلك ما تعطيه الحضرة في النظرة من الباب ٣٩٩ قال: الحضرة في عرف القوم الذات والصفات والأفعال. وقال: النظرة الإلهية في الخلق ما هو عليه الخلق من التصريف فإن العالم مسيّر لا مخيّر. وقال: نظر الحق في عباده إلى رتبهم لا إلى أعيانهم لهذا نزلت الشرائع على الأحوال والمخاطبون أصحابها. وقال: العالم بإنزال الشرائع يعرف ما خاطب الحق منه في نظره إليه وهو قوله: ﴿وَمَا تَكُنُ فِ شَأْنٍ وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُزْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهٍ﴾ [يونس: ٦١] فالأحوال تطلب الأحكام المنزلة في الدنيا. ومن ذلك من خيّرك حيّرك من الباب ٤٠٠ قال: ما دعا الملأ الأعلى إلى الخصام إلا التخيير في الكفارات والتخيير حيرة فإنه يطلب الأرجح أو الأيسر ولا يعرف ذلك إلاّ بالدليل، ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. وقال: إذا خيّرك الحق في أمور فانظر إلى ما قدم منها بالذكر فاعمل به فإنه ما قدمه حتى تهمم به وبك فكأنه نبهك على الأخذ به، ما تزول الحيرة عن التخيير إلاَّ بالأخذ بالمتقدم، تلا رسول الله وَّ حين أراد السعي في حجة الوداع: