النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة / في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
أعطى كل شيء خلقه حين أعطى المركب وسقه، من أسهره وعد النيل طال عليه الليل، في
كشف الغطاء ارتفاع الضرر واحتداد البصر، فتوهب قدر ما يرى، وليس هذا حديث يفترى،
إن كل الصيد في جوف الفرى وبهذا المثل جرى، يشهد للمؤذن مدى صوته، ولكن بعد
موته، زكاة الخبوب في الحبوب، وزكاة الأعيان في الحيوان وزكاة عموم الطلب في الفضة
والذهب، عمّت العطايا والعدات جميع المولدات، أعطت الشمس الذهب ولولا غروبها ما
ذهب، ومن أعطاك مالك فما خيّب آمالك، وقد أعطاك ما أوجبت المروءة عليه فاصرف النظر
فيه وإليه، ومن أعطاك ماله فقد جاد وأنعم وهو ما زاد على الحاجة، فاعلم الأرزاق إرفاق
بالقصد لا بالاتفاق، الإنفاق يزيل الإملاق، لا ينزل الساري عن ظهر البراق حتى يجوز السبع
الطباق، ولا يعطى والإرفاق إلاَّ لمعرفته بالرزاق.
ومن ذلك سرّ العهد في الزيارة والقصد من الباب الموفي ٧٠: لولا قصد الزيارة ما
جاءت الرسل ولا مهدت السبل، ولا بدّ من رسالة ورسول فلا بدّ من سبيل، وهو صاحب
العهد والعقد، فللَّه الأمر من قبل ومن بعد، ما جاء من جاء من عند المالك ليعرف ما هنالك،
وهنالك مجهول غير معقول بل أحالته بعض العقول، ولا يوجد في منقول، ولكن رد النقل ما
دلّ على إحالته العقل، فثبت المقر وجعل إليه المفر، كلا لا وزر إلى ربك المستقر، عين
المناسك للناسك وكثرها لالتماسك، وأوضح المسالك للسالك، وأمر كل قاصد إليه وآت
بتعظيم الشعائر والحرمات، وجعل البدن من شعائر الله عند كل حليم أوّاه، ولم يكن المقصود
منها إلاَّ أنتم بقوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]
وما كثر تعالى المناسك إلاَّ لالتماسك، فإنه أمرك بمعرفته والاتصاف بصفته، فللَّه حجّ إلى
عبده لصدق وعده، وجعل فيه مناسك معدودة وشرائع محدودة فقال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا
كُتُمَّ﴾ [الحديد: ٤] من الأحوال كما أمركم أن تكونوا معه فيما شرع لكم من الأعمال، وأمركم
برمي الجمرة لترجعوا إلى التوحيد من الكثرة في عين الكثرة، وجعلها في أربعة أيام لكل
طبيعة يوم لتحوز درجة الكمال والتمام، وجعلها محصورة في السبعين لأنها الأغلب في انتهاء
عمر الأمة المحمدية من الستين، واختصها بسبعة في عشرة ليقوم من ضربها السبعون، فكانت
السبعة لها عشراً لكونها عشراً، وجعل ذلك في ثلاثة أماكن بمنى لما حازته النشأة الإنسانية من
حسّ وعقل وخيال فبلغت المنى، فإن قيدها العقل والحسّ أطلقها الخيال لما في قوته من
الانفعال، فهو أشبه شيء بالصورة، وله من السور أعظم سورة، ثم شرع الحلق لظهور الحق
بذهاب الخلق، فإنه شعور مجمل، فأزالته بوضوح العلم أجمل، وشرع الوقوف بجمع حتى
لا يدخل القرب صدع، وجعل الوقوف بعرفة لأن الوقوف عند المعرفة، وجعل لوفده أيام
منى مأدبه لما ناله في طريقه من المشقة والمسغبه، فإنه بالأصالة مسكين ذو متربة، وكان
طواف الصدر لما صدر، وطواف القدوم للورود، والوداع لرحلة الوفود.
ومن ذلك السرّ العدد المكسور لاستخراج خفايا الأمور من الباب الأحد والسبعين ٧١ :
العدد المكسر هو المعدود، ولا سيما إن اتصف بالوجود وأخذته الحدود، العدد له أحدية
الفتوحات المكية ج٨ - م٦

٨٢
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
الكثرة التي لا نهاية لها يوقف عندها، وأما استخراج خفيات الأمور بالعدد المكسور فذلك من
حيث المعدود الداخل في الوجود وما يدخله من التقسيم وهو عين العدد المفهوم، وبه يخرج
ما خفي من العلم بالله المنزه عن الأشباه ولا أخفى من العلم به فانتبه إن كنت تنتبه. وإنما قلنا
في المعدود الحاصل في الوجود إنه عين العدد المكسور لأنا اقتطعناه ممّا لا ينتهي من
الممكنات، وعبرنا عن هذا القدر بالمحدثات، فهو جزء من كل لا إحاطة فيه ولا حصر ولا
إحصاء، ولو بالغت في الاستقصاء، وما يحصى منه إلاّ الموجود وهو المعدود.
ومن ذلك سرّ الرجعة من منزل الرفعة من الباب ٧٢: من علامات صدق التوجه إلى الله
الفرار عن الخلق، ومن علامات صدق الفرار عن الخلق وجود الحق، ومن كمال وجود الحق
الرجوع إلى الخلق إما بالإرشاد وإما بكونه عين الحق، فسمه خلقاً بوجه وحقاً بوجه كما يقوله
أهل الوجه، فإن الوجه له البقاء وهو الذات التي لها الاعتلاء، وقد جاء الإعلام في أصدق
القول والكلام: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهٌَ﴾ [القصص: ٨٨] و﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ
رَبِّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧] ولكن هنا سرّ من حيث ما هو عليها ولديها، فما كل
كل في كل موضع ترد فيه يعطى الحصر، فإنه قد تأتي ويراد بها القصر، مثل قوله في الريح
العقيم: ﴿مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّعِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢] وقد مرت على الأرض وما
جعلتها كالرميم مع كونها أتت عليها، وما جعل الحق الحكم في الأرض إليها .
ومن ذلك ما خفي في الصدور من علوم الصدور من الباب ٧٣: الحق المعتقد في
القلب هو إشارة إلى القلب فاقلب تجد ما ثبت في المعتقد فإنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾
[الشورى: ١١] ومن لم يثبت له ظل كيف يكون له فيء والقلب في الصدور وهو الرجوع لا
واحد الصدور، فإنا عن الحق صدرنا من كوننا عنده في الخزائن كما أعلمنا فعلمنا، فهو
صدور لم يتقدمه ورود كما هو في بعض الأمور، فمن قال إن الصدور بعد الورود فما عنده
علم بحقائق الوجود، فلولا ما نحن ثابتين في العدم ما صحّ أن تحوي علينا خزائن الكرم،
فلها في العدم شيئية غير مرئية، فقوله: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] فذلك إذا لم يكن
مأموراً فقيده بالذكر في محكم الذكر.
ومن ذلك سرّ ما في الجهاد من الصلاح والفساد من الباب ٧٤: ما تفسد في الوجود
صورة إلاَّ وعين فسادها أيضاً ظهور صوره، فما تزال في الصور في حال النفع والضرر،
فالجهاد صلاح وفساد لأن فيه حزاً لرؤوس، ومفارقة الحسّ المحسوس، فالشهيد يشبه الميت
فيما اتصف به من الفوت، ولذلك يورث ماله وينكح عياله، فطلاق الشهيد يشبه تطليق
الحاكم على الغائب وإن كان حياً إذا أبعد في المذاهب، وقد ثبت عن سيد البشر: ((لاَ إِضْرَارَ
وَلَاَ ضَرَرَ)) وقد علم أن الشهيد هو سعيد بدار الخلود وإن حصل تحت الصعيد، ولا سبيل إلى
رجعته ولا إنزاله من رفعته، مع كونه حياً يفرح ويرزق وما هو عند أهله ولا طلق وهذه حالة
الأموات والشهداء ﴿أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩- ١٧٠] وهم عندنا رفات وما
لنا إلاَّ ما نراه، ولكل امرىء ما نواه، ولا نحكم إلاَّ بما شهدناه فاستمع تنتفع .

٨٣
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة / في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
ومن ذلك ترك العناد لترك السداد من الباب ٧٥: ترك العناد أحق لما فيه من موافقة
الحق موافقة إرادة لا عادة، إذا قعد المعاند مقعد صدق فقد حصل في مقطع حق، إن لم
يعاند أهل الحق أهل الباطل فجيده ليس بحال بل هو عاطل، فتارك العناد هو تارك السداد،
تقابلت الأسماء إذا لم يكن الاسم المسمّى، إذا كانت اليد بالنواصي أنزلت العصم من
الصياصي، ولم تفنها ما عندها من الصياصي، العناد من المحق في بعض المواطن سداد ومن
المبطل فساد، الأوّل ليس بمعاند حتى يعاند فيعاند، فإن صمت كان كمثل من بهت والباهت
مقطوع الحجة دارس المحجة، القيام لله نعت الحليم الأوّاه لولا قيامه ما رمي في النار، ولا
انخرقت العادة في الأبصار، هي نار في أعين الأنام، وهي على الخليل برد وسلام، فهو
عندهم في عذاب مقيم، وهو في نفسه في جنة النعيم، لما هبت عليه الأنفاس كان كأنه في
دیماس .
ومن ذلك ما في الخلوة من الجلوة من الباب ٧٦: لا خلوة في الوجود لأنه لا بدّ من
شاهد ومشهود في خلوة الأسرار جلوة الجبار، وفي خلوة الأشباح جلوة الملازمين من
الأرواح، لا بدّ لك من مكان تعمره، فهو يبصرك وإن كنت لا تبصره، الخلوة إضافة ونسب،
ولا بدّ فيها من جلوة سبب، أين الخلوه والوجوه سافره والأعين ناظرة مسافره؟ الناس سفر
وإن أقاموا، ومقيمون وإن هاموا، فإن سافرت وحدك فأنت شيطان، وإن سافرت مع القرين
فأنتما شيطانان، وإن سافرت مع القرين والملك فما للشيطان عليك سلطان، الثلاثة ركب،
وانتقال من البعد إلى القرب، فما كل خلوة مشهودة، ولا كل جلوة تكون محمودة، معدومة
كانت أو موجودة .
ومن ذلك سرّ ما في الجلوة من الخلوة من الباب ٧٧: الخلوة بالخاء المعجمة جلوة
بالجيم مع الحق في مقعد صدق، أين يذهب العبيد ممّن هو إليهم أقرب من حبل الوريد،
فالخلوة به لا عنه، فله في كل شيء كنه، فالخلوة مطلقة لا تصحّ، ومن ادّعاها فما أسرع ما
يفتضح ﴿أَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] فأين الخلوة؟ ﴿فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَىّ﴾ [الصافات: ١٠٢] لولا
طلب الجلوة ما شرع أحد في اتخاذ الخلوة، الخلوة أرضها معبده، وأحوالها مقيده، والجلوة
مطلوبة لذاتها مشهودة بسمائها .
ومن ذلك سرّ الاعتزال في السواحل والجبال من الباب ٧٨: الاعتزال في السواحل
والجبال من صفات الرجال يطلب ذلك للاعتبار في الآثار، فإن الله أنزل الجبال منزلة الأوتاد،
فسكن بها المهاد لما ماد، فيأخذ بهمته وطلبه الأعلى والأنفس من الأمور التي ندب إليها
شموخها، ويأخذ بثبوته على ما أمر بالإقامة عليه من طاعة ربّه رسوخها، وبأخذ من تجلّى
الحق له في سرّه اندكاكها، ويأخذ من قوته في دين الله وغيرته لله ملاكها، ويأخذ فيما ندبه الله
إليه من اللين لمن هو تحت حكمه والهين من غير ضعف ولا وهن تصييرها لهول ذلك اليوم
المنتظر كالعهن، ويأخذ من البحار اتساعها لأخلاقه وقبولها تأثير الأهواء بالتموّج لطيب
أعراقه، فيكون مع كل اسم إلهي بحكمه على قدر معرفته به وعلمه، فتقوم له الأسماء مقام

٨٤
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
الأهواء، فإذا سكنت عنه سكن لعلمه أن الله ما سكن، والله من حيث هويته جامع لمسمّى
المضار والمنافع، فإنه سبحانه الضار والنافع، ويأخذ لحال مجاهدته تسجيرها، ومن تسجيرها
تسعيرها، فلهذا وأمثاله طلب الاعتزال في السواحل والجبال.
ومن ذلك سرّ الاعتزال مع تدبير الأهل والمال من الباب ٧٩: الاعتزال بالأجسام من
الأوهام بالمعنى للمحب المعنى، فلو خلا شيء عن الحق مع نفي الاشتباه ما صدق ﴿فَأَيْنَمَا
تُوَلُواْ فَثَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وهو القول الصدق والكلام الحق، فليس من رجاله إلاَّ من
اعتزل بتدبير أهله وماله، فهو مع الله على كل حال في الأهل والمال، فمن قال التبرّر في
الترك فهو صاحب إفك، فمن اعتزل لينفرد بنفسه فما هو مع ربه يستحقه جلال الله في قدسه،
ولا يفرق صاحب هذا الحال بين عقله وحسّه، وما طلب الحق من مساكنه أعظم من باطنه .
ومن ذلك سرّ القرار في الديار من الباب ٨٠: القرار للخلق نظير الاستواء للحق،
واعلم أنه لا يصحّ الجوار ولا يقبل الجوار إلاَّ بعمارة الديار فلا يثبت الجار إلاَّ بالدار، قالت
العارفة المشهود لها بالكمال ﴿أَبْنِ لِىِ عِندَكَ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١] دار المآل، فقدمت
الجار على الدار، لما علمت أن بالدار يصحّ الجوار، والعرش سقف الجنة وهو محل
الاستواء، وقعر الجنة سقف النار التي هي محل البلاء، فالجنة على جهنم كالمرجل على النار
لأهل الاعتبار، فالرجل كل الرجل من ثبت في منزله عند منزله من عرف عموم إحسان البرّ
استقرّ لا بدّ لك من منزل، فلا تكن عن أوّل منزل بمعزل، وأوّل منازلك علم خالقك بك،
ولا تزل في هذا المنزل مع انتقالك وفي رحلك وارتحالك، فاسترح إن شئت أو اتعب فإنك
في علمه تتقلب، ما فرّ موسى من لقاء ربه مع علمه أنه يلقاه بموته، وإنما فرّ لعلمه بما يزيده
من العلم بالله بإقامته في بيته، ففراره قراره.
ومن ذلك سرّ الانتزاح عن الأوطان ومهاجرة الإخوان من الباب الواحد والثمانين:
حواسك أوطانك وقواك إخوانك، فهب الأوطان للقطان واهجر الإخوان بالرحمن فإنه تعالى
القاطن بقوله: (وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِنِ التَّقِيّ)) ولا ينزل إلاَّ بالموقع النظيف النقي، وقال:
((كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ)) فهويته عين قواك لمن نظر فيه واعتبره، فتعين على العارف أن ينتزح عن
الأوطان، وعلى الواقف أن يهجر الإخوان، وأين الله من الحدثان؟ كن مع الله في أحوالك تحمد
عاقبة مآلك، وإياك أن تنازع إذا علمت أنك الجامع، فإن المفاصلة موجودة وهي لعينك مشهودة .
ومن ذلك سرّ الجنن عن البلايا والمحن من الباب ٨٢: الجنن صوارف وأقواها
العوارف وأضعفها المعارف، من كان ذا معروف شاهد المعروف، من تحصن خلف جنته
رأى جنته في جثته أعظم البلايا والمحن وقوع الفتن، وأي فتنة أعظم عند الرجال من فتنة
الولد والمال؟ الولد مجهلة مخبنة مبخلة والمال مالك وصاحبه بكل وجه، وإن فاز هلك إن
أمسكه هلكه وإن جاد به تركه، البخيل يذمه البخل، والكريم يضر به البذل، وقد جبل بخلقه
من نطفة أمشاج على الفاقة والاحتياج، وقال زهير بن أبي سلمى: ((لا بدّ أن يطيع العوالي من
يعصي أطراف الزجاج)): [الطويل]

٨٥
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
يُطيع العوالي ركبت كل لَّهْدِمِ
ومَنْ يَغْصِ أطْرَافَ الزُّجَاجِ فإنَّه
من تعرّض للفتن فقد أخذ بحظ وافر من المحن، لا يمتحن بالدليل إلاَّ صاحب
الدعوى، فمن ادّعى فقد عرض نفسه للبلوى ﴿نَّ عِبَادِىّ أَنِ أَنَا اٌلْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩]
فقلنا بالجراءة على الخطايا ﴿وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِمُ﴾ [الحجر: ٥٠] فحلت الرزايا
بحلول البلايا، يقول ابن السيد البطليوسي رضي الله عنه في بعض منظومه: [المجتث]
هذا الصراطُ القَوِيمْ
ارْجُ الإلهَ وخَفْهُ
والإله كرِيمْ
قد قال رَبُّكَ في الحِجْرِ
أنا الغفورُ الرَّحِيمْ
نَبِّىءْ عبادِيَ أنْي
هو العذابُ الأليمْ
وقال إنّ عذابي
وبين خَوْفٍ بَهِيمْ
فالقَلْبُ بين رجاءٍ
ومن ذلك سرّ الحجاب والحجاب والوقوف خلف الباب من الباب ٨٣: الحجاب
والحجاب رحمة والدليل إحراق السبحات والحجاب نقمه، والبرهان ما جاء في أصحاب
الدركات، وليس الوقوف خلف الباب بحجاب إذا كان الباب يستحيل إلى من يكون خلفه
الوصول والإقامة لديه والنزول، فيكون الباب عين المطلوب فإنه المحبوب، فإذا وصلت إليه
حصلت بين يديه، فمن ساعده شاهده.
ومن ذلك سرّ الحدود والعقود من الباب ٨٤: الحدود أظهرت المحدود، والعقود
أسرت المعقود، وما ثم إلاّ حدّ وعقد في رب وعبد، فحد الرب في ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾
[الشورى: ١١] فتميز، وحد العبد في الظل والفيء قد تبرز، فالحد المجهول معقول، والحد
الموجود مشهود، تنوعت الحدود الإلهية بالعماء والاستواء، والنزول والمعية، فلم ينحصر
الأمر ولم ينضبط، ولهذا يحار العالم فيه ويختبط، فمن سلم فقد سلم، ومن آمن فقد أسلم.
ومن ذلك سرّ التقوى في البلوى من الباب ٨٥: الارتقاء في الاتقاء في دار الفناء لا في
دار البقاء، من اتقى الله في موطن التكليف على كل حال حاز درجة الكمال عند الارتحال،
الأمر بلوى فاستعن عليه بالتقوى، لا تقوى إلاَّ بالله ولا تقوى إلاَّ من الله، فمنه الحذر وبه
يتقى الضرر، قد استعاذ به منه من أخذنا طريق نجاتنا عنه، فيه يلاذ ومنه يستعاذ، فأنت الداء
والدواء، ومحرش الأعداء على الأوداء، حكم التقى في يوم اللقا، إذا تراء الجمعان، واجتمع
في الصورة الفريقان، فإنها خلافة عامّة، يظهر سرّها يوم الطامة، فلأي معنى الواحدة تنجو
والأخرى لا ترجو، فالجبابرة والأنبياء في الأرض خلفاء.
ومن ذلك سرّ الأحكام في الأنام من الباب ٨٦: الأحكام في النيام من الأنام، والحكم
في القائمين من المنام، لولا الحكم ما ظهرت الحكم، ولا ميزت النقم من النعم، لولا
الشروع في الأحكام ما التذّ أحد بمنام، ولا انتصب في العالم إمام، فبالحكم انضبط وكان
النظام وارتبط، وحصل الأمان في النفوس، وأمن في الغالب التعدّي على المحسوس،
فحدثت الأسفار إلى الأمصار، وكان الرجل أمناً في رحلته عن أهله وماله عليهم بهذا

٨٦
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
الاعتبار، وهذا حكم أعطاه الوضع ولو لم يرد به الشرع، فلا بدّ من ناموس الأمان النفوس
وأولاه ما شرع، وفيه النجاة لمن اتبع.
ومن ذلك سرّ الطالع والأفل في الفرائض والنوافل من الباب ٨٧: إذا طلع منك وافل
فيك فهذا القدر من العلم به يكفيك، فهو الظاهر بطلوعه والباطن بأفوله، فقف إن أردت
السعادة والعلم عند قيله، إنما لم يحب الخليل الآفل لأنه رآه يطلب السافل، وهمته في العلو
لطلب الدنو، فإنه بذاته يسفل وبحقيقته يأفل، ولما كان أفوله من خارج افتقر الخليل إلى
معارج، حتى لا يفقد النجم فلا يحال بينه وبين العلم، والمعارج رحلة وقد علم أن الأمر ما
فيه نقله، فإن نسبة الأينيات إليه على السواء في الاستواء وفي غير الاستواء، جعل الله في
النوافل عينك كونه، وجعل في الفرائض كونك عينه، فبك يبصرك في الفرض، وبه تبصر في
النفل فالأمر ذرية بعضها من بعض : [مخلع البسيط]
فأنْتَ منه ما أنْتَ مِنْهُ
ما هُو عَنْكَ بلِ أنْتَ عَنْهُ
ومن ذلك سرّ اجتناب الشبهة في كل وجهه من الباب ٨٨: حقيقة الشبهة أن يكون لها
إلى كل وجه وجهة، والشيء لا يزول عن حقيقته ولا يعدل عن طريقته، لأنه لو زال عن
حقيقته لزال العلم وطمس عين الفهم وبطل الحكم، وزالت الثقة بالمقه المتشابه محكم لمن
علم فحكم، من أشبهك فقد أشبهته، ومن باهتك فقد بهته، لكل وجهة هو موليها، فما ثم
شبهة أنت وغيرك متواليها، العالم شبهة بالتخلي، ولهذا أشبهته في التجلي، ألا ترى اختلاف
الصور عليه عند النظر إليه، لا بل هو يختلف على الصور، وهو العلي عن الغير، الكل عين
واحدة فلا اختلاف، وما ثم عدد فيكون الائتلاف، فحقيقة الشبه في الشبه .
ومن ذلك سرّ تناول الشهوات في المتشابهات من الباب ٨٩: لا سلوة عن الشهوة فإنها
من حقيقة النشأة هنا، وفي الفيئة في المتشابهات الميل إلى جميع الجهات، ما العجب من
كون العالم على الصورة وإنما العجب ممّن يراه برزخاً في السورة، والبرزخ بين طرفين وما ثم
سوى عينين، أنت ومن أنت عنه والكل جميعاً منه، عندنا لا يثبت البرزخ إلاَّ في العين
الموجود لأنه بين الأعين الثابتة المعدومة وبين الوجود، فمن راعى هذا المقام الأشمخ ثبت
عنده أن العالم في حال وجوده برزخ، فلو رفع العالم عن الوجود لزال البرزخ المحدود،
تشابهت الأمور بالأمثال تشابه الأجسام الكثيفة بالظلال ﴿وَلِلَِّ يَسْجُدُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا
وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥] وظلالهم بالغدوّ والآصال.
ومن ذلك سرّ ما اختار الرجال في ترك الحلال من الباب ٩٠: المحرم محل إذا كان
في الحل والحلال حرام إذا كان في الحرام ما ترك الرجال الحلال إلاَّ لدخوله تحت الأحكام،
إلاَّ ما لا بدّ منه لإقامة هذه الأجسام الحلال بين والحرام بين وما بينهما قد عينهما، فلو ارتفع
البين لزلت الأحكام من العين، إذا حققت الأصول فليس الزهد إلاَّ في الفضول، وأما ما تدعو
الحاجة إليه فذلك المعول عليه لا يصحّ عنه تجريد، فإن غذاء الموحد في التوحيد، كتغذي

٨٧
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
الوجود بالموجود، والحد بالمحدود، والعدد بالمعدود، والشهود بالمشهود، فالسبب لا
يرتفع والنسب لا تندفع.
ومن ذلك سرّ من لم يقل بالانتزاح عن المباح من الباب ٩١: ليس من الصلاح
الانتزاح عن المباح، فبه قوتك وما يفوّتك هو نصيبك من الأحكام والناس عنه نيام، نفى عنه
الأجر والوزر وما عندنا حكم ينتفى عن المؤمن به الأجر، فلو تعطلت الأجور لالتبست
الأمور، ما ثم ما يلتبس فالتمس ولا تبتئس فتفتلس، لو صحّ في الوجود اللبس لصحّ بالصورة
بين اليوم والأمس، وأما كون العبيد في لبس من خلق جديد فما هو لمن بصره حديد، فإذا
كشف الغطاء وجاء العطاء، تسرّحت الحواس وارتفع الالتباس، وتخلص النص وزال البحث
والفحص، فالمباح أتمّ حكم شرع للإنسان وعليه جميع الحيوان، ألا ترى أن لهم الكشف
التام في اليقظة والمنام؟ ولهم الكتم بما هم عليه في الإبانة من الحكم.
ومن ذلك سرّ العطاء بكشف الغطاء من الباب ٩٢: كل جزء من العالم فقير إلى العظيم
الحقير، فالكل عبيد النعم، ومن المنعم الأمان من حلول النقم، فما منهم إلاَّ من يقرع باب
الكرم الإلهي والجود الربانيّ، فمنهم من يكون له كشف الغطا عين العطاء، ومنهم من يكون
له بقاء الغطاء عين العطاء، فمن الناس من يكون هو هدي البصر، ومنهم من هو خفاشيّ
النظر، فإن الأمر إضافي والحكم في الأشياء نسبي، أين حال قوله وَ لّ في رؤية ربه: «نُورٌ أَنَّى
أَرَاهُ» وبين قوله في رؤية ربه: ((تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَذْرِ» وليس المرئي سواه،
فأثبتها لنا ونفاها عنه لما علم منه، ولم يقل نرى بالنون وفيه سرّ مصون.
ومن ذلك إيثار السكوت وملازمة البيوت من الباب ٩٣: السكوت حلية الأبدال،
وملازمة البيوت ضرب من الخلوات والاعتزال، السكوت من المحال، فلا بدّ من نطق على
كل حال، وليس من شرط البيان حركة اللسان، فإن لسان الحال أفصح، وميزانها في الإبانة
عن نفس صاحبها أرجح، وملازمة البيوت عين النطق بلسان الحق، ومن سكت بكت، وربما
رمي بالخرس، وقام له مقام الجرس، فظهر سرّه، وإن جهل أمره، وصار حديثاً بين الناس،
ووقع في النفوس منه التباس، وكثرت فيه المقالات، وتطرّقت إليه الاحتمالات، ففتح بصمته
أبواب الألسنة، وعمر بملازمة بيته جميع الأمكنة، فإن له في كل محفل ذكراً، فقد جاء شيئاً
إمراً، لو لم يكن في السكوت وملازمة البيوت، إلاَّ اتصاف صاحبه بصفة غير إلهية، مضاف
إلى ذلك ما تحيله الماهية، فإن النطق من حدّه فكيف يقول بفقده.
ومن ذلك سرّ ما في القول من الطول من الباب ٩٤: لو لم يكن في القول من الطول
إلاَّ وجود الإنشاء وترجيح الإفشاء، وتحقيق الملك والزيادة في الملك، القول تكوين
وتعيين، وبيان ما هو الأمر عليه فكيف يترك ولا ينظر إليه، ما شرف موسى عليه السلام إلاّ
بما نسب إليه من الكلام بالكلام، وجد العالم فظهر على أتم نظام، وكل قول بحسب حقيقة
القائل، فمنه الدائم ومنه الزائل، فمن قول لا يكون إلاَّ بحرف، وهو على الحقيقة لمعنى
القول كظرف، ومن قول لا حرف فيه فيزول فقد أبنت عن الأصول.

٨٨
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة / في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
ومن ذلك سرّ قيام الليل لجزيل النيل من الباب ٩٥: قيام هذه الأجسام أوجب اسم ذي
الجلال والإكرام، فالتزم الجلال والإكرام، التزم الألف واللام، فكان الجلال للتنزيه عن
التشبيه، وكان الإكرام للتنويه به في نفي التشبيه بالشبيه، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىٌْ﴾
[الشورى: ١١] مع أنه ظل وفيء، فجعله مثلاً لا يماثل ومفصولاً لا يفاضل، فليل هذه النشأة
جسمه الطبيعيّ ونهاره ما نفخ فيه الروح العقليّ، فكان أعدل الفتائل لقبول كرم الشمائل، فله
الألطاف الخفية وجزيل الأعطية المنزهة عن الكمية، لها فتح الباب والعطاء بغير حساب،
النشأة الإنسانية بجميعها ليل وفي الثلث الآخر منها يكون النزول الإلهي لينيله أجزل النيل،
ولم يكن الثلث الأخير إلاَّ الروح المنفوخ الذي له الثبات والرسوخ والعلو على الثلثين
والشموخ، فالثلث الأوّل هيكله الترابيّ، والثلث الثاني روحه الحيوانيّ، والثلث الأخير به كان
إنساناً وجعل الباقي له أعواناً.
ومن ذلك سرّ تعشق القوم بالنوم من الباب ٩٦ : الخيال عين الكمال لولاه ما فضل
الإنسان على سائر الحيوان به جال وصال. وافتخر وطال، وبه قال ما قال من سبحاني وإنني
أنا الله، وبه كان الحليم الأوّاه فله الشتات، والجمع بين أضداد الصفات، حكم على المحال
والواجب بما شاءه من المذاهب، يخرق فيهما العادة ويلحقهما بعالم الشهادة فيجسدهما في
عين الناظر ويلحق الأوّل في الحكم بالآخر، لا يثبت على حال وله الثبوت على تقلب
الأحوال، فله من آي القرآن ما جاء في سورة الرحمن من أنه تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأْنٍ فَأَقِ
ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٢٩، ٣٠] ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فإنا من جملة نعمائك.
ومن ذلك سرّ الحذر من القدر لاتقاء الضرر من الباب ٩٧ : سرّ القدر وساطة الحق بين
المؤثر والمؤثر فيه والأثر، فينسب الأثر إليه وهو ما أوجده إلاَّ على ما كان عليه، ولا شيء
منه في يديه ما حكم فيه إلاَّ بما أعطاه من ذاته في ذاته، وفي جميع أحواله وأسمائه وصفاته،
والذي يختص بالموجود أعطى الوجود والشهود، وهي نسب لا أعيان وتكوينات لا أكوان،
والعين هي العين لا أمر زائد فالشأن واحد، فمن سرّ القدر كان العالم سمع الحق والبصر،
وهذا العلم هو الذي يعطيه إقامة الفرائض المشروعة الواجبة المسموعة، كما أعطت النوافل
أن يكون الحق سمعك وبصرك، فحقق فيما أبديته لك نظرك، فإنك إذا علمت حكمت
ونسبت ونصبت، وكنت أنت أنت، وصاحب هذا العلم لا يقول قط أنا الله وحاشاه من هذا
حاشاه بل يقول: أنا العبد على كل حال، والله الممتن عليّ بالإيجاد وهو المتعال.
ومن ذلك سرّ الأمان من الإيمان من الباب ٩٨ : أخوة الإيمان، تعطي الأمان،
والإيمان يمان، فذهب الحرمان، لا تخيفوا النفوس بعد أمنها إن كنتم عقلاء، ولا تتخذوا
إيمانكم دخلاً بينكم إن كنتم أمناء، الإيمان برزخ بين إسلام وإحسان، فله من الإسلام ما
يطلبه عالم الأجسام ومحلّ الانقسام، وله من الإحسان ما يشهد به المحسان، فمن آمن فقد
أسلم وأحسن، ومن جمع بين الطرفين فاز بالحسنيين، بالإيمان ثبت النسب بينك وبين
الرحمن، فهو المؤمن بك ولك، وإن أقامك فيما يناقض أملك، لولا أسماء الحذر، ما كان

٨٩
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
للأمان أثر، قيدت الأسماء بالحسنى لدلالتها على المسمّى الأسنى، فإن نظر العالم إلى تشتّت
مبانيها، واختلاف معانيها، وفيما ذا تتحد، وبماذا تنفرد، بأخوة الإيمان ترث، فلا تأسف
على إخوة النسب ولا تكترث، المؤمن أخو المؤمن لا يسلمه وما ترك فهو يتسلمه، الإيمان
والإحسان أخوان، والإسلام بينهما نسب رابط، فلا تغالط الإسلام صراط قويم، والإيمان
خلق كريم عظيم، والإحسان شهود القديم، لولا الإحسان ما عرف صورته الإنسان، فإن
الإيمان تقليد، والعلم في شاهد ومشهود، إذا صحّ الانقياد كانت علامته خرق المعتاد،
المؤمن من أمن جاره بوائقه، والمحسن من قطع منه علائقه، والمسلم من حقق عوائقه،
وجعلها إلى مطلوبه طرائقه، فسلك فيها سواء السبيل، ولم يجنح إلى تأويل، فعرس في
أحسن مقيل، في خفض عيش وظل ظليل، في سدر مخضود، وطلح منضود، وماء
مسكوب، وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وفرش مرفوعة.
ومن ذلك سرّ الأمل مع توقّع الأجل من الباب ٩٩: من مال إلى الآمال اخترمته
الآجال، لله رجال أعطاهم التعريف طرح التسويف، فأزال عنهم الحذر والخوف، السين
وسوف، تعبدهم الحال في زمان الحال، ليس بالمواتي من اشتغل بالماضي والآتي، إذا علم
صاحب الأمل، أن كل شيء يجري إلى أجل، اجتهد في العمل، فإذا انقضى العدد، وانتهت
المدد، وطال الأمد، وجاء الرحيل، ووقف الداعي على رأس السبيل، لم يحز قصب السبق
إلاَّ المضمر المهزول في الحق، إنما لم يصحّ الأمل في السبب الأول ولا كان من صفات
الأزل، لأنه ما ثم ما يؤمل، فإنّ العين مشهود، والكل في حقّه موجود، وإن كان لعينه يتصف
بأنه مفقود، فلم يبق للأمل متعلق، ولم تكن له عين تتحقق، والإنسان الكامل مخلوق على
الصورة، فمن أين اتصف بالأمل وليس له في الأزل سورة؟ لقد نبهت على سرّ غفل عنه
العلماء ولم تعثر عليه الحكماء، واسمع الجواب من فصل الخطاب، اعلم أن الله كان ولا
شيء معه في كونه من حيث عينه، فليس لمخلوق عين في ذلك الكون، مع تعلّق العلم من
العليم، أن ثم حادثاً يتميز عن القديم، يتأخر كونه تأخر وجود كتأخر الزمان عن الزمان في
غير زمان محدود، فذلك القدر المعقول، الذي تضبطه الأوهام وتحيله العقول منه كان في
المخلوق الأمل، وهو الذي أحدث الأجل، فأظهر الاسم الأول بالاسم الآخر عين الأمل
بتأخّر العمل، وحكم العلم بكونه في عينه فأراد فقال ﴿كُنْ﴾ [النحل: ٤٠] فكان فظهرت
الأعيان، وفي حال الإرادة لم يتصف العين بالكون، فالإرادة أثبتت عين الأمل لمن نظر
وتأمّل .
ومن ذلك سرّ إجابة الدعاء لا رغبة في العطاء، من الباب الموفي مائة: لب إذ دعاك
الحق إليه، لا رغبة فيما في يديه، فإنك إن أجبته لذلك فأنت هالك، وكنت لمن أجبت
وأخطأت وما أصبت، واستعبدك الطمع واسترقك، وأنت تعلم أن الله لا بدّ أن يوفيك حقك،
فمن كان عبداً لغير الله فما عبد إلا هواه وأخذ به العدو عن طريق هداه التلبية تولية، فلا تلب
إلاَّ الداعي فإنك لما عنده الواعي، ما اختزن الأشياء إلاَّ لك، فقصر أملك، وخلص لله

٩٠
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
عملك، ومن علم أنه لا بدّ من يومه فلا يعجل عن قومه، من عناية الله بالرسول المبجل،
تخليص الاستقبال في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ﴾ [الضحى: ٥] حتى لا يعجل.
ومن ذلك سرّ العلم المستقرّ في النفس بالحكم من الباب الأحد ومائة: العلم حاكم فإن
لم يعمل العالم بعلمه فليس بعالم العلم لا يمهل ولا يهمل، العلم أوجب الحكم لما علم
الخضر حكم، ولما لم يعلم ذلك صاحبه اعترض عليه ونسي ما كان قد ألزمه فالتزم لما علم
آدم الأسماء علم وتبرز في صدر الخلافة وتقدم العلم بالأسماء كان العلامة على حصول
الإمامة: [البسيط]
وكُلُّ شيء له حَدٍّ ومِقْدَارُ
العِلْمُ يَخِكُمُ والأقدارُ جَاریةٌ
لكن لها في قلوبِ الخَلْق آثارُ
إلاَّ العُلُومِ التي لا حَدَّ يَخْصُرُها
وعَيْئُها فيه أَنْجَادٌ وأغْوارُ
فحَدُّها ما لها في القلب من أثَرٍ
حَدِّ لنَجْدٍ ففي التحديد إضْرَارُ
فلو تُحَدُّ بِحَدٌ الفوز نَاقَضَهُ
افهم قوله تعالى: ﴿حَّ نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٣١] فتعلم إن كنت ذا فهم من أعطاه العلم من
علم الشيء قبل كونه فما علمه من حيث كونه، وإنما علمه من حيث عينه، من أين علم أن
العين يكون، وليس في العدم مكون، هذا القدر من العلم أعطاه جوده وحكم به وجوده.
ومن ذلك سرّ تغيّر العلم لتغيّر الحكم من الباب ١٠٢ : أعطى علم التحقيق وعلم
الرسوم أن العلم يتغير بتغير المعلوم، ولا يتغير المعلوم إلاَّ بالعلم، فقل لنا كيف الحكم، هذه
مسألة حارت فيها العقول وما ورد فيها منقول، فكيف أقول منهج الأدلة أن العلة لا تكون
معلولة لمن هي علة، ما أتى على من أتى من الالتباس إلاَّ من إلحاق الغائب بالشاهد في
القياس، فمن فساد النظر حكمك على الغائب حكمك على من حضر، لكل مقام مقال وأين
الواجب من الممكن والمحال، وأين الحال من المحال، لكل عين حدّ عند كل أحد، فلا
تغرنك الأمثال فإنها عين الإضلال.
ومن ذلك سرّ شكوى الحق بالخلق من الباب ١٠٣ : أخبرنا الحق المالك في بعض
المناسك والمسالك فقال وأطال: شتمني ابن آدم ولم يكن ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم
ولم يكن ينبغي له ذلك، ثم شرح وأوضح وأعطى المفتاح لمن شاء أن يفتح، من فتح حصل
جزيل المنح، فعرف العلي ما أودى بهِ لينصره الوليّ ﴿إِن نَنصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرَّكُمْ﴾ [محمد: ٧] كما
أنكم إن ذكر تموه بذكركم، فما ذكر إلاَّ لينصر فينصر، فمن تأسّى بالحق أصاب، ومن ترك
الاقتداء به خاب، ننصره في الدنيا لينصرنا في العقبى، وقد ينصرنا هنا رحمة منه بنا لعدم
صبرنا، وهو سبحانه الصبور، مدهر الدهور، الذي لا يمهل ولا يعجل، ومع هذا طلب
النصر منا في الدنيا واستعجل، وذلك لحكمة الوفاء بالجزاء.
ومن ذلك سرّ شكوى الخلق بالحق من الباب ١٠٤ : خاطب أحكم الحاكمين: ﴿أَنّ
مَسَّتِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] وأخبر عن هذا الشاكي في نص الكتاب: ﴿إِنَّا
وَجَدْنَهُ صَاِرَأْ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ: أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤] فمن اشتكى إلى غير مشتكى فقد حاد عن الطريق

٩١
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
وعرج عن مناهج التحقيق، الخلق مشتكى الحق والحق مشتكى الخلق، من شكى إلى جنسه
فما شكى إلاَّ إلى نفسه، ومن شكى ما قام به من الأذى إلى نفسه، فقد هذى ما شكى الحق
من عباده إلاَّ إلى من خلقه على صورته وأنزله في سورته، ولولا اقتداره على دفع الأذى ما
جری منه مثل ذا .
ومن ذلك سرّ مراعاة الحق في النطق من الباب ١٠٥: لا نقل نحن إياه لقوله: ﴿فَأَجِرهُ
حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] أنت الترجمان والمتكلم الرحمن، تقيد كلام الله بالأمكنة بكونه
في المصاحف والألسنة، الحروف ظروف والصفة عين الموصوف، فإذا نطقت فاعلم بمن
تنطق فعليك بالصدق ومن كذب صدق، فلا تعدل وراع الحق من عباد الله من يكون الحق
لسانه وبيانه، ومن عباده من لا يعلم ذلك فينزه ولا يشبه فيكذب الحق في ذلك، وهو في ظنّه
أنه على الحق ينبه، التنزيه تحديد فلا تقل بالتجريد، وقل بالحيرة فإنها أقرب حدّ في الغيرة،
العجز نعت المثنى فإن قال فلا يثنى، فإنه لا بدّ أن يقف ويعترف، فليقف في أول قدمٍ فإنه
أولى بالقدم، وإن مشى ندم ولم يجد له في توجهه موضع قدم، فلا يحصل النسب إلاَّ لمن
عرف النسب .
ومن ذلك سرّ أين كونك إذ هو عينك من الباب ١٠٦ : أبنية العما للجهلاء وأبنية السماء
للعلماء، وفا العما لسيد النباء وكيانه فاء، السما للسوداء المنعوتة بالخرساء، فنابت منها
الإشارة مناب العبارة، فاجتمع الجاهل والعالم في تعيين هذه المعالم، ولكن للرب المضاف
الذي ما فيه خلاف. وأما ظرفية استواء العرش، وظرفية أحوال أصحاب الفرش، فالواحدة
للرحمن، والأخرى لعالم الإنسان، فهذه أربعة لمن صفته أمعة، وإنما كانت أربعة لإقامة
السلطان على مسالك الشيطان، فجعل وجهه في كل وجهة ليعصم من شاء ويحفظ من شاء،
فإن الحق مع بعض عباده بالولاية وعناية، وبالكلاة والرعاية، فله تعالى عين في كل أين،
ولذلك قال: ﴿َتَّجْرِى بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] فجمع، والقول الحق إذا جاء صدع، فكل مدبّر عينه
وكل عامل يده وكونه، فالله في السماء وفي الأرض، وبيده ميزان الرفع والخفض، يعلم
سرّكم وجهركم ويعلم ما تكسبون ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وكذلك أكثرهم لا يؤمنون،
فلنا أينيات الأكوان في الأحوال والظروف، وله أينيات الكلمات والحروف، فهو المجهول
المعروف والمنزّه الموصوف، حكمت العقول بأدلتها عليه، أنا به وإليه، فإليه يرجع الأمر
كله، إذ كل ما في الكون ظلّه، فالكل بالمجموع مثال، ومن حيث الكثرة أمثال، فلم يسجد له
إلاَّ الظلال في الغدّوّ والآصال، ولها التقلص والامتداد لأنها من كثايف الأجساد، فعبر عنها
بالعباد فمنهم المتكبرون والعباد فمن تعبد أشبه ظلّه ومن تكبر أشبه أصله، والرجوع إلى
الفروع أولى من الوصول إلى الأصول، فتحقق تكن من أهل الحق .
ومن ذلك سرّ قطع الأمل بمشاهدة الأجل من الباب ١٠٧ : إذا أراد الله بعبده أن يقطع
أمله يشهده أجله، اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، فيبذل
جهده ويزهد فيما عنده ويقدّم ما ينبغي أن يقدم تخلقاً بالاسم الإلهيّ المقدم، وينبغي أن يؤخر

٩٢
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
ما ينبغي أن يؤخر تحققاً بالاسم الإلهي المؤخر، فيحكم في نفسه لنفسه، ويندم في يومه على
ما فرط فيه في أمسه، ليجبر بذلك ما فاته، ويحيى منه بالندم ما أماته، فإذا أقامه من قبره
فذلك زمان نشره وأوان حشره، فيبدل الله سيئاته حسنات، وينقل من أسافل دركاته إلى أعالي
الدرجات، حتى يودّ لو أنه أتى بقراب الأرض خطايا، أو لو حمل ذنوب البرايا، لما يعاينه من
حسن التحويل وجميل صور التبديل، فيفوز بالحسنيين، وهنالك يعلم ما أخفى له فيه من قرّة
عين، ففاز في الدنيا باتباع الهوى وفي الآخرة بجنة المأوى، فمن الناس من إذا حرم رحم
وجوزي جزاء من عصم، فجزاء بعض المذنبين أعظم من جزاء المحسنين، ولا سيما أهل
الكبائر المنتظرين حلول الدوائر فيبدو لهم من الله من الخير ما لم يكونوا يحتسبون و﴿ذَلِكَ
فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَآءٌ﴾ [الحديد: ٢١] وأكثر الناس لا يشعرون، فحسّنوا ظنكم برب هذه
صفته، وحقّقوا رجاءكم بمعروف هذه معرفته، مفاتيح الكرم في معالي الهمم، لكل نفس ما
أملت، وستجزى يوم القيامة بما عملت لكن ممّا يسرّها لا ممّا يسوءها ويضرّها ﴿وَنَفْسِ وَمَا
فَأَنْهَمَهَا تُجُورَهَا وَتَقْوَنِهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨] فعلمت الفجور فاجتنبته، وعلمت التقوى
سَوَّنها
فلزمته، فاتقت الله بالله اتقاء الأمثال والأشباه.
ومن ذلك سرّ ما توعر من المسالك على السالك من الباب ١٠٨ : الأخذ بالعزائم نعت
الرجل الحاذم أولو العزم من الرسل هم الذين لقوا الشدائد في تمهيد السبل، ما جنح إلى
الرخص من كان هجيره آخر القصص، التخلّق بالأسماء الإلهية على الإطلاق من أصعب
الأخلاق، لما فيها من الخلاف والوفاق، إياك أن يظهر مثل هذا عنك إلاَّ حتى تعلم معنى قوله
عليه السلام: ((أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ)) فمن استعاذ وبمن لاذ وعاذ الكبرياء حدث في أهل الحدث
والحدث مزيل الطهارة ويكفيك هذه الإشارة، طهارة الحدث الفطرة وهو ما شهد به الله في
أولّ مرة فإن حشر وبعث في الحافرة فما هي كرة خاسره، ولا سلعة بايره، لما كان الشرك هو
العارض والدار الآخرة مزيلة للعوارض لذلك لم يظهر فيها شرك، ولا وقع فيها إفك، مواقف
القيامة شدائد، لحضور المشهود عليه والشاهد، فمن كان في الدنيا حسابه فرح به أحبابه،
وحمد ذهابه وإيابه، وفتحت له بالخيرات والخيرات أبوابه، وأجزل له ثوابه، من سلك هنا ما
توعر تيسر له في آخرته ما تعسر، إن مع العسر في الدنيا يسراً فيها، ثم إن مع العسر في الدنيا
يسراً في الآخرة لمن فهم معانيها بما يعاينها، ما أثقل الظهر سوى الوزر، فلا تضف إلى
أثقالك أثقالاً، وكن لرحى ما يراد منك ثقالاً، هنا تحط الأثقال، أثقال الأفعال والأقوال، وهنا
تباشر الأزبال، وتدبر الأثقال، احذر من الابتداع بسبب الاتباع، ولا تفرح بالاتباع وكن مثل
صاحب الصواع، فإنك لا ينفعك توبتك ولا يزول عنك حويتك، واقتصر على ما شرع واتبع
ولا تبتدع، وكن مع الله في كل حال تحمد العاقبة والمآل.
ومن ذلك سرّ المطابقة والموافقة من الباب ١٠٩ : المطابقة مشاكلة والموافقة مماثلة،
كل يعمل على شاكلته بقدر سورته. اعلم أن أرباب النهى هم الذين يوافقون الحق فيما أمر به
ونهى، موافقة الأمثال من شأن الرجال، وقد ثبتت المثلية بكاف التشبيه وهو التنزيه عن

٩٣
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
التنزيه، وقد ورد الخبر بالصورة والخلافة في السورة، فالكل هم النواب وهم الحجاب، وهم
عين الحجاب، الواقفون عند الباب الصادر والوارد والوافد، والقاصد لهم الرفادة والسدانة
والسقاية، وهم أهل الكلاة والرعاية، إليهم ترفع النوب، منهم تعرف القرب، وبهم تفرّج
الكرب، ما لهم علم إلاَّ بمن طابقهم، ولا يشهدهم إلاَّ من وافقهم، بأيديهم مفاتيح الكرم،
وإليهم ترفع الهمم، هم الظاهرون بصورة الحق والملجأ العاصم لجميع الخلق، لهم الحيرة
والغيرة، هم العواصم من القواصم، ولهم الدواهي والنواهي، فلكل قاصمة عاصمة، ولكل
داهية ناهية، يتصرفون في جميع الأشياء تصرف الأفعال في الأسماء، ما بين نصب وخفض
ورفع وعطاء ومنع، أقسم بالشفق والليل وما وسق والقمر إذا اتسق لتركبن طبقاً عن طبق، فما
ثم إلاَّ تغير أحوال في أفعال وأقوال، تطابق المال والولد في زينة الحياة الدنيا، وتميزت
مراتبهم في العدوة القصوى، وافق شنّ طبقه، ولهذا ضمّه واعتنقه، فلق الحب عن أمثاله فلم
يظهر سوى أشكاله، فمن بذر حنطة حصد حنطة كانت له فيها غبطة ومن بذر ما بذر حصد
وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾
٧
مثل الذي بذر ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ
[الزلزلة: ٧ - ٨] وإنما هي أعمالكم تردّ عليكم، ولا يبرز لكم إلاَّ ما عملتم بيديكم، فلا تلوموا
إلاَّ أنفسكم، وانقطعوا إلى من أنسكم.
ومن ذلك سرّ الاغتباط والارتباط من الباب ١١٠ : من ألزم نفسه الحال فهو شديد
المحال، من اغتبط بأمر سعى في تحصيله ونظر في تفصيله، ومن ارتبط فقد اغتبط الرباط
ملازمه، والملازمة في الإلهيات مقاومة، المغتبط مسرور والمرتبط محجور، لما دخلت
الحضرة الندسية والمقامات القدسية، ونزلت بفتائها وأحطت علماً بما أمكن من أسمائها،
تلقاني الاسم الجامع للمضارّ والمنافع، فأهل ورحب وسهل وبذل وأوسع وجاد وما منع،
فكان ممّا جاد به على المملوك نظم السلوك في مسامرة الملوك، فاتخذته سجيراً واتخذني
سميراً، فجرى بنا السمر والليل قد أقمر، إلى حديث النزول الإلهيّ في الثلث الباقي من الليل
الإنساني، وسؤاله عباده التائبين والداعين المستغفرين ليجود عليهم بالمنح وأنواع الطرف
والملح، فكان أحد الداعين الواعين شخصاً ضخم الدسيعة من العلماء بالطبيعة ممّن ثبتت
قدمه في العلم بها ورسخ وكان له المقام الأشمخ، فسأل ربه أين الطبيعة من النفس ومن
المقام العقلي الأقدس؟ فقال: هي عين النفس فيمن تنفس، لها الاسم الرحمن الذي له
الاستواء على الأكوان، هو الآتي من قبل اليمن ولكن إلى من، وإن كنا نعرف إتيانه ممّن
فالكرب تطلبه والمسرات تعقبه، وهي التي تذهب به وتذهبه، فيه ترويح القلوب وتنفيس
الكروب، إن لجّ حجّ، وإن حجّ عجّ وثجّ، وإن اعتمر أعمر، وإن أملى شغل، وإن أخلى
أغفل، وإن أحرم أحرم، وإن وقف بعرفات أحيا العظام النخرات، وإن نام بالمزدلفة ألف
النفوس المختلفة، وإن أضحى بمنى بلغ بالرمي المنى، وإن أفاض آض، وهو راض في
الانبساط والانقباض .
ومن ذلك سرّ الاعتدال وبال من الباب الأحد عشر ومائة: لا يكون من الاعتدال إلاَّ

٩٤
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
دوام الحال والاعتدال لا يقبل التكوين ولا التغيير ولا القليل ولا الكثير، انظر في وجود
الخلق تجده عن إرادة الحق، والإرادة انحراف بلا خلاف، لأنها تعين المتعلق عندما يعلم ما
قلته ويتحقق، جنة النعيم لأصحاب العلوم، وجنه الفردوس لأرباب الفهوم، وجنة المأوى
لأهل التقوى، وجنة عدن للقائمين بالوزن، وجنة الخلد للمقيمين على الودّ، وجنة المقامة
لأهل الكرامة، وجنة الروية لأصحاب البغية، وكلها منازل تجديد الإنعام بأبدع ترتيب وأحسن
نظام، الشهوة تطلب المشتهى، فإليها الانتهاء وهو المنتهى، أين الاعتدال والأصل ميال؟ فما
ثم إلاَّ ميل عن ميل لطلب جزيل النيل، لو كان ثم اعتدال ما مال التنزيه ميل، والتشبيه ميل
والاعتدال بين هذين ولا يصحّ في العين، وإذا لم يكن الاعتدال من صفاتها كان العدل من
سماتها، والعدل من العدول فانظر فيما أقول، لو كان ثم اعتدال لكان في الوقفه، ولا مالت
من الميزان كفه، من قال بالاستواء والزوال قال بالانحراف والاعتدال، وكل حركة جمعت
الثلاثة الأحكام عند أرباب العقول والأفهام، فعين الشروق عين الغروب، وعين الاستواء عند
العلماء بترحيل الشمس في منازل درج السماء، وهو عن كل حيّز منتقل، إما متعال وإما
منسفل، فما ثم سكون ولكن حركه، وفي الحركة الزيادة والبركه، فللَّه ما سكن في الليل
والنهار، وما ثم ساكن في الأغيار، لا في البصائر ولا في الأبصار، ألا تراه قد جعله عبرة
للأبصار عند أهل الاستبصار؟ فانظر واعتبر.
ومن ذلك سرّ الفصل في العدل من الباب ١١٢ : الحق في الاعتدال، فمن جار أو
عدل فقد مال، فإن مال لك فقد أفضل وآتى في ذلك بالنعت الأنفس، وإن مال عليك فقد
أبخس، العدل في الأحكام لا يكون محموداً إلاَّ من الحكام، والعدل هنا من الاعتدال لا من
الميل فإن ذلك إفضال. ورد في الخبر عن سيد البشر فيمن انقطع أحد شراك نعليه أن ينزع
الأخرى ليقيم التساوي بين قدميه، وقال فيمن خصّ أحد أولاده دون الباقين بما خصّه به من
المال لا أشهد على جور لعدم المساواة والاعتدال، فسمّاه جوراً وإن كان خيراً، ثم قال :
ألست تحبّ أن يكونوا لك في البرّ على السواء؟ فما لك تعدل عن محجة الاهتداء، فاعدل
بين أولادك، بطارفك وتلادك، فالأحكام للمواطن التي تملك، وما لا يملك منها إذا وقع فيها
الجور فإن صاحبه لا يهلك القسمة بين الأرواح في النفقة والنكاح على السواء وما يقع به
الالتذاذ من طريق الأشباح، القسمة في الوداد خارجة عن مقدور العباد، فلا حرج ولا جناح
في جور الأرواح، الودّ للمناسبة فزالت فيه المعاتبة، لا يقال: لِمَ لَمْ تحِبني؟ ويقال: لِمَ لا
تقربني قربة الأجساد؟ مقدور عليه في المعتاد، وقرب الفؤاد لا يكون إلاّ بحكم الوداد، ولما
كانت المحبة تعطي وجود النسبة بين المحب والمحبوب فرح المحبون لله لا المتحابون في الله
لحصول المطلوب. ثم إنه قد ورد في الخبر الصدق والنبأ الحق أنه يحب أتباعه وما يتبعه إلاّ
من أطاعه، واتباع الرسول اتباع الإله لأنه قال عزّ وجلّ: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اَللَّهَّ﴾
[النساء: ٨٠] ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] فصلوا عليه وسلموا
تسليماً، فإن الله يصلي عليه وينظر إليه .

٩٥
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
ومن ذلك الأملاك اشتراك من الباب ١١٣ : اشترك الزوجان في الالتحام فإنه نظام لا
يفرح إلاَّ بنظام التوالد، فإن لم يكن فالأولى التباعد، فإن التباعد فيه تنزيه والانتظام فيه تشبيه،
وإنما حمدناه فيمن تولد عنه به وقررناه، فمن كان الحق سمعه وبصره فإن ولادة هذا الانتظام
ما أشهده وبصره، الأعراس لأصحاب الأنفاس، بالاشتراك كان الملاك، وبه ظهرت
الأملاك، وله دارت بحركاتها الأفلاك، من أعجب علوم المنح حركة المستدير الذي ما يزول
عن مكانه ولا يبرح، فهو الراحل القاطن والمتحرك الساكن، وموضع الغلط في حركة
الوسط، فإنه لا بدّ من تابت يكون عليه الدور والكور والحور، فللَّه ما سكنٍ وهو له نعم
السكن ولنا ما تحرك وبه نتملك، وعين الأذى في ملك فلان كذا، ولا مالك إلاَّ ما لا يملك،
وليس إلاَّ مالك الملك، وأما من قال بملك الملك فبنسبة تبعد عن الدرك، وقد نطّق بها
الترمذيّ الحكيم في معرض التعليم، فمالك الملك أصل وملك الملك فصل، وأين الفرع
الذي هو الفصل من الأصل؟ وأين الفرض من النفل؟ توحيد الموحد إشراك وهو عين
الإشراك، من قال أنه وحد فقد الحد الأحدية لا تكون بتوحيد أحد، فإنه ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ
كُفُوا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] عجباً في تنزيهه عن الصاحبة والولد، وعنه تولد في العالم ما
تولد، من ذي روح وجسم وجسد، ثم إن ولادة البراهين الصحاح والكلمات الفصاح عن
نكاح عقول وشرائع ما فيه حرج ولا جناح، وما تولد عن نكاح الشبه في العقول والأشباح فهو
سفاح، وهذا الباب مقفل، وقد رميت إليك بالمفتاح، وما أزلته من يد الفتاح، فاحذر من
القدر المتاح .
ومن ذلك السراح انفساح من الباب ١١٤ : لما دعى الله الأرواح من هياكلها بمشاكلها
حنت إلى ذلك الدعا وهانت عليها مفارقة الوعا، فكان لها الانفساح بالسراح من أقفاص
الأشباح، فمن الناس من أفتاه النظر في عينها بالمنازل الرفيعة فقال بتجردها عن حكم
الطبيعة، ومن الناس من وقف مع ما خلقت له من الآثار الوضعية فقال ببقاء تدبيرها وساعدته
الأدلة الشرعية، فوصفها بالنعيم المحسوس وأثبت لها النظر الأول صفة السبوح القدوس.
ومن قال بالإعادة في الأمرين انقسموا إلى قسمين، وكل قسم قائل فيما ذهب إليه وعول عليه
أن فيه السعادة، فمنهم من قال في الإعادة رجوعها إلى النفس الكلية بالكلية، ومنهم من قال
في الإعادة هي إعادتها إلى الأجساد في يوم المعاد على رؤوس الأشهاد، والكامل من قال
بالمجموع وأن ذلك معنى الرجوع، فهي محبوسة في الصور الذي هو قرن من نور، والنور
ليس من عالم الشقاء، وإن شقي بالعرض فحكمه السعادة والبقاء، فمن أراد معرفة الانتقال
بعد الموت فليعتبر في النوم فإنه مذهب القوم، وبه يقول سهل بن عبد الله كل عليم أواه فلم
يبرح صاحب تدبير ومالكه إكسير، تتنوع عليها الحالات ويظهر بالفعل في جميع المقالات،
فصور تخلع وصور تبدو ثم ترفع، ويقظة النائم من نومه مثل بعث الميت بعد موته لمشاهدة
يومه، فيبعثر ما في القبور ليحصل ما في الصدور، والأمر بين ورود وصدور، وإن ربهم بهم
يومئذ لخبير، وهو على كل شيء قدير، فنفذ اقتداره في الحشر، وبذا حكم علمه في النشر،

٩٦
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
وأنزل العرش في الفرش فوسعه وقد كان ضاق عنه، فأين ذلك الضيق من هذه السعة؟ فصار
الأمر حكمه حكم الإمعة، فاعتبر واستبصر.
ومن ذلك اسوداد الوجوه من الحق المكروه من الباب ١١٥ : تظهر العناية الإلهية
بالمقرب الوَجِيهِ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم
فيها خالدون وأما الذين اسودت وجوههم يقال لهم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما
كنتم تكفرون ولم يكن لهم إيمان تقدم إلاَّ إيمان الذر زمان الأخذ من الظهر، فنسي ذلك العقد
لما قدم العهد، ولولا البيان والإيمان ما أقرّ به الإنسان، وأما من أشهده الله حال خلقته بيدي
فهو يقول في ذلك العهد كأنه الآن في أدّ فى النميمة والغيبة وإفشاء السرّ وما شاكل هذا كله
حق مكروه، وهو يؤدي إلى اسوداد الوجوه، لما علم الحق تعالى أن كل شيء إليه منسوب
وهو لكل عالم بالله محبوب، وأن كل ما أدركه العيان، وحكم عليه بالعبارة اللسان، وأشير
إليه واعتمد عليه، فهو محدث مخلوق تتوجه عليه الحقوق وأنه تعالى ما أبدى إلاَّ ما علم،
وما علم إلاَّ ما أعطاه المعلوم في حال ثبوته، من أحواله وصفاته ونعوته، ناط به الذم
والحمد، وأخذ علينا في إنزال كل شيء منزلته الذمة والعهد، فما حسن وحمد فمنا، وما قبح
وذم فهو ما خرج عنا، فإيانا نعلم وفينا نتكلم، ولو كانت نسبتنا إليه حقاً، ما ذمّ أحد خلقاً ولو
ذمّه لكفر، ولو كان ما استتر فهو تعالى المعروف، بأنه غير معروف والموصوف بأنه ليس
وَالْحَمْدُ للَّهِ رَبّ
وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ
بموصوف، ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
اَلْعَلَمِينَ ﴾ [الصافات] العارف مسوّد الوجه في الدنيا والآخرة، ومبيض وجه الوجه في
النشأة في الحافرة، اسوداد السياده، لما كان عليه من العباده، وبهذا مدح سبحانه عباده، وجه
الشيء كونه وذاته وعينه، ووجهه ما يقابل به من استقبله ولو كان أمله.
ومن ذلك سرّ الاكتفاء بالموجود في الوجود من الباب ١١٦: لما دعا الله الأرواح من
هياكلها بمشاكلها اكتفت في الشهود بهذا القدر من الوجود والقناعة مال لا ينفد وسلطانها لا
يبعد، من اكتفى اشتفى ولو كان على شَفًا، ما سوى الوجود عدم، ولو حكم عليه بالقدم،
إنما وقع الاكتفاء بالموجود لعلمه بأنه ما ثم سواه في الوجود، فإن الإنسان مجبول على
الطمع، فلا يقال فيه يوماً أنه قنع، وأنه يعلم أن ثم أمراً يمكن أن يجوزه إليه ويحصله لديه،
وإنما علم بالحال أن ذلك محال فقنع بما وجد وقال: ما ثم إلاَّ ما شهد، ألا تراه إذا فتح
الحق عينه ببصره وفتق سمعه إلى صدق خبره يطمع ويطمع ويجمع ولا يقنع، ومن هنا أمره
الحق أمراً حتماً أن يقول: ﴿رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] فمن قنع جهل وأساء الأدب فلا يزهد
في الطلب، فإن الله ما أراد منك في هذا الأمر إلاَّ دوام الافتقار ووجود الاضطرار، ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ
وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَب﴾ [الشرح: ٧، ٨] ولا تقطع المعاملة وعليك باستعمال المراسلة في
>
فَانْصَبُ
طلب المواصلة، مواصلة لا أمد لانقضائها ولا راد لقضائها، فاليدان مبسوطتان واليدان
مقبوضتان، قبضت ما أعطاها الخلق وانبسطت بما يجود به الحق، فلا يقبض الحق من العباد
إلاَّ بما به عليهم جاد، فمنه بدا الجود وإليه يعود، فالمزيد فيما يقبضه العبيد وما بيد مخلوق

٩٧
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
سوى مخلوق، فيا من يطلب القديم أنت عديم، لا يقبل الحق إلاَّ الحق ولا يهب الخلق إلاَّ
الخلق، فالزم عملك وقصر أملك وقل له تعالى: إنما نحن بك ولك خلقتنا لنعبدك فطلبنا
منك أن نشهدك فعلى قدر ما سألنا من الشهادة ينقصنا من العبادة وعلى الله قصد السبيل، وهو
الدال والمدلول والدليل.
ومن ذلك المثابرة على الجمع لما يقع به النفع من الباب ١١٧ : ما أثر الحرص في
القدر إلاَّ لكونه من القدر، وكم حريص لم يحصل على طائل لعدم القابل، العطاء عام والنفع
خاص، وتدبّر قوله: ﴿فَنَادَواْ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣] عمّ التنادي وما عمّت الإجابة لما لم تقع
هنا الإنابة الملازمة ملائمة، وهي من حكم الطبع وإن جهلت من قصرت همته عن طلب
المزيد فليس من العبيد، لا تستكثر ما يهبك الحق، ولو وهبك كل ما دخل في الوجود، فإنه
قليل بالنظر إلى ما بقي في خزائن الجود، إياك والزهد في المواهب فإنه سوء أدب مع
الواهب، فإنه ما وهبك إلاّ ما خلقه لك وخذه من حيث ما فيه من وجهه تعثر على كنهه.
ومن ذلك سرّ الاعتماد في العباد من الباب ١١٨: لما كانت العبودية تطلب بذاتها
الربوبية كان الاعتماد منها عليها حقيقة وخليقة، ولجهلهم بحكمه ومعرفتهم بعلمه وتوفيته
لرزقه في خلقه، وطلبه منهم ما لا يقدرون على أدائه إلاّ به من واجب حقه، وعلموا أن
الوجوب في الحقيقة مضاف إليه وأن الأمور كلها في يديه اعتمدوا واعتمادهم منه عليه،
فعلموا أن الحق لله وضلّ عنهم ما كانوا يفترون، فعلموا أنهم كانوا من الذين لا يعلمون، فلو
ارتفعت الحاجات وزالت الفاقات وانعدمت الشهوات، وذهبت الأغراض والإرادات، لبطلت
الحكمة وتراكمت الظلمة، وطمست الأنوار وتهتكت الأستار، ولاحت الأسرار وزال كل
شيء عنده بمقدار، فذهب الاعتبار، وهذا لا يرتفع ولا يندفع، فلا بدّ من الاعتماد في العباد.
ومن ذلك سرّ الاعتياد المعتاد من الباب ١١٩: ما ثم عين تعاد فأين المعتاد؟ الآثار
دارسة والأعين مطموسة لا بل طامسة، فقالت للشبه وقوّة الشبه مع فقد الأعيان ووجود
الأمثال هذا هو عين الذي كان، فلو قالت هذا هو عين هذا لعلمت أن هذا ما هو هذا لأنها
أشارت إلى اثنين، ولا يخفى مثل هذا على ذي عينين ما حجب الرجال إلاَّ وجود الأمثال،
ولهذا نفى الحق المثلية عن نفسه تنزيهاً لقدسه، وكلما تصوّرته أو مثلته أو تخيلته فهو هالك
وإن الله بخلاف ذلك، هذا عقد الجماعة إلى قيام الساعة وعندنا هو ذلك فما ثم هالك.
ومن ذلك سرّ المزيد في تحميد الوجود من الباب الموفي عشرين ومائة: يا راقد كل
طالب فاقد، أوامر الحق مسموعة مطاعه إلى قيام الساعة، لكن الأوامر الخفيه لا الأوامر
الجليه، فإن شرعه عن أمره وما قدره كل سامع حق قدره، فلما جهل قدره عصى نهيه وأمره،
الحمد بملأ الميزان وما ملأه سوى سابغ النعم والإحسان، فعين الشكر عين النعم، ومن النعم
دفع النقم، كم نعمة الله أخفاها شدة ظهورها واستصحاب كرورها على المنعم عليه ومرورها
وهم في غفلة معرضون ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] بل لا يشعرون بل لا
يشكرون الفضل في البذل، والبذل في الفضل وفي الأصل من الفضل، كيف يصحّ المزيد
الفتوحات المكية ج٨ - ٧٢

٩٨
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
وقد أعطى كل شيء خلقه ووفاه حقّه فلا يتسع للزائد، فلماذا طولب بالشكر والمحامد
والخلق الله ليس له، فمن كبره وهلله وهذا كله مخلوق وهو على العبد من أوجب الحقوق،
فما عمل أحد إلاَّ ما أهلّ له ممّن كبره أو هلّله، وما هو إلاَّ من حيث إنه محل لظهوره وفتيلة
لسراجه ونوره.
ومن ذلك وقوف التائه مع التافه من الباب الأحد والعشرين ومائة: متاع الدنيا قليل،
وكل ما فيها أبناء سبيل، فما من قبيل ولا جيل إلاَّ وهو مملوك للقطمير والنقير والفتيل،
فالكل تائه ولهذا قنعوا بالتافه، فمنهم الشكور والكفور، ومنهم الراغب والزاهد، ومنهم
المعترف والمعاند الجاحد، لم يحصل له أمان الغرفه إلاّ من قنع في شربه بالغرفه، فمن
اغترف نال الدرجات، ومن شرب ليرتوي عمر الدركات، فما ارتوى من شرب، وروي من
اغترف غرفة بيده وطرب، مع أن القرائن أقوم قيلاً وهو الحاوي على كل شيء أوتيناه وأهدى
سبيلاً، وما أوتينا من العلم إلاَّ قليلاً لما جرى نهر البلوى بين العدوتين الدنيا والقصوى، وكان
الاضطرار وقع الابتلاء والاختبار، لما كان الظمأ اختبر الإنسان بالماء، ومن الماء جعل الله
كل شيء حيّ في ظلمة ونور وفي والحياة نعيم في الحديث، والقديم، فمن أهل العدوة الدنيا
من لا يموت ولا يحيى، ومن أهل القصوى من كانت نجاته في الدعوى التافه والعظيم سيان
في النعيم، ليس في الكثرة زياده إلاَّ في عالم الشهاده، وأما في عالم الغيب فما في المساواة
فيه ريب، المعنى لا ينقسم إذا قسم ما قسم، لا يقبل الانقسام إلاَّ عالم الأجسام، من رضي
بالقليل عاش في ظل ظليل، في خير مستقر وأحسن مقيل، وما ثم كثير فكل ما في الوجود
يسير، هذا وما ثم منع ولا عمّ النفع النفع، وقف على نيل الغرض، والغرض قد يكون سبباً
في وجود المرض، من لم يأته غرضه طال في الدنيا مرضه، لذلك قال رضي الله عنهم
ورضوا عنه: فالرضى منا ومنه.
ومن ذلك الرضى بالدون هجا، والهجا جفا من الباب الثاني والعشرين ومائة: لا يرضى
بالحقير إلاَّ من لا يعرف قبيلاً من دبير، اعتناء الحق بالنقير، دليل على أنه كبير، لا يخفى على
ذي عينين أن الله عناية بكل ما في الكون، إخراج الشيء من العدم إلى الوجود دليل على أنه
في منازل السعود من أعطاه الحق صفته فقد منحه علمه ومعرفته، هجا الكون ثنا، ومدحه
هجا، من طلب من الحق الوفا فقد ناط به الجفا، وليس برب جاف بلا خلاف، الوفا مع
كلمه من شيمه، صفات الحق لا تستعار وعلى الاتصاف بها المدار، لا تصل إليه إلاَّ بالاعتماد
عليه، والاعتماد عليه محال لأنك ما أنت مغاير له بحال، إذا كان الكل منه فما معنى رضي الله
عنهم ورضوا عنه متعلق الرضى القليل، فإن الإنعام لا يتناهى بالبرهان الواضح والدليل، فلا
بدّ من الرضى بذا حكم الدليل وقضى، وبهذا المعنى رضاه سبحانه عنك بما أعطيته منك على
أنك ما أعطيته إلاّ ما خلقه فيك وهذا القدر يكفيك، وهو يعلم أن الاستطاعة فوق ما أعطيته،
والأمر كما بلوته الدون ما دون وما ثم إلاَّ دون، لا يلتفت العارف لما يخاطبه به الواقف، فإن
الواقف محجور عليه بما ينتقل إليه، والمحجور خطابه محصور، والعارض متصرّف في كل

٩٩
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
وجهه لكونه يشاهد وجهه، ومن عرف الوجه فهو الكامل بكل وجه، لا تنظر الأبصار إلاَّ إليه،
ولا تعتمد البصائر إلاَّ عليه، فكل ما في العلم لديه وحاضر بين يديه، يحيط به إحاطة الأفلاك
بالأملاك، ويحكم عليه حكم الملاك في الأملاك، لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، وما
كل فريضة تقتضي العول، لا ينكح الأمة إلاَّ من لا يستطيع الطول، والله وليّ التوفيق وهو
بالفضل حقيق .
ومن ذلك سرّ تيسير العسير من الباب ١٢٣: الخلق في الإعسار وإن كان ذا يسار، فإن
يسار الحق ما هو عين الخلق، فمنه أخذ وإياه أعطى، ولا يعرف هذا إلاَّ بعد كشف الغطاء،
الجواد قديم والجود محدث، فلا تتحدث التحدث بالنعم شكر، وليست سواك في الخلق وإن
كانت بيد الحق، لما كان بيده الإيجاد ومنع وقتاً وجاد، قلنا بالعسر المعتاد العسر إفلاس، ولا
يكون إلاَّ لأهل الحاجة من الحيوان والناس، كل متحرك بالإراده فهو يطلب خرق العادة
والنبات والجماد لا يقولان بالمعتاد الحاجة بالحال، فلهذا يستغنى به عن السؤال، لسان
الحال أفصح ووزنه أرجحٍ، لسان الحال لمن عدا أهل المنطق، فاظهر بصفتهم ولا تنطق، ما
حال بينك وبين حقك إلاّ عجلتك بنطقك، الرزق مقسوم ومنزل بقدر معلوم، لا ينقص ولا
يزيد، سؤال العبيد، طلب المزيد، في الجبله في كل مله، كيف لا يظهر بالافتقار من حكم
عليه الاضطرار وبقي الحكم للأقدار، فكل شيء عنده بمقدار، إن كان ذو عسرة فنظرة إلى
ميسرة، وما جعله يتأخر إلاَّ القضاء المقدر، فهو القاضي بالتأخير في تيسير العسير، إذا قام
اليسر بالعسر ظهر عين الإعسار، وإن لم يقم به فليس إلاّ اليسار، ما في العالم عسر لو زالت
الأغراض وكله يسر، فائن الأمراض، لو كانت العلة في الأزل لكان المعلول لم يزل، فلا
معلول ولا علة، فقد تظهر الشبه في صور الأدلة، البراهين لا تخطىء في نفس الأمر، وإن
أخطأ المبرهن عليه فذلك راجع إليه، وأما البرهان فقوي السلطان ولا يعرف الدليل إلاَّ
بالدليل، فما إلى علمه من سبيل، من علمت به معلوماً وجهلته فما علمته فإنك لا تعلم ما
علمت به فانتبه .
ومن ذلك سرّ الموت الأبيض وبنا ما تقوض من الباب ١٢٤ : من قوض ما طنب أوجز
وما أطنب الجوع بئس الضجيع الجوع ممنوع الجوع حمى منيع، لو بقي المتغذي نفساً واحداً
دون غذا، لم يكن من يقال فيه ماذا، ما هو إلاَّ انتقال من حال إلى حال، سرّ الموت كرباته،
وكشفه حسراته، فأبيضه ألم حسّي، وأحمره ألم نفسي، وأسوده مرض عقلي، وأخضره مثل
زهر النبات لما فيه من الشتات، فتفرق به بين المثلين ويباعد بين الشكلين، فإذا انقلب الألم
لذة استلذّه الموت للمؤمن تحفه، والنعش له محفه، ينقله من العدوة الدنيا إلى العدوة
القصوى، حيث لا فتنة ولا بلوى، فينزله أحسن منزل في أخصب منزل منزل لذة ونعيم،
ويسقى من عين مزاجها من تسنيم، فهو نهر أعلى ينزل من العلى إلى عين أدنى، له علو
المرتبة كعلو الكعبة، وإن كانت في تهامة فالحج إليها على شرفها علامة، أقرب ما يكون العبد
من ربه في حال السجود، وأين النزول من الصعود؟ فعلمنا أن نعت السجود بالأعلى أولى،

١٠٠
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
من مات فقد قامت قيامته وإن خفيت بالأرض قامته، لو بقي الجدار أرضاً ما اتصف بالهدم،
ولو لم يكن الشيخ شاباً ما نعت بالهرم، جبل الخلق على الحركة، فانتقل في الأطوار،
وحكمت عليه بمرورها الأعصار، الزمان زمانه وما بيده أمانه، ومن يحوي عليهم هم أهل
الأمانات، ولهم فيها علامات، فمن عرف علامته أخذ أمانته، ولو رام أخذ ما ليس له ما
أعطاه استعداده ولا قبله، وما مات أحد إلاَّ بحلول أجله، وما قبض إلاَّ دون أمله، ليس
بخاسر ولا مغبون، من كان أمله المنون، فإن فيه اللقاء الإلهيّ، والبقاء الكياني.
ومن ذلك سرّ الموت وما فيه من الفوت من الباب ١٢٥ : الفوت في الموت لكل ميت
الدار الدنيا محل بلوغ الأمل ما لم يخترمه الأجل، هي مزرعة الآخرة فأين الزارع؟ وفيها
تكتسب المنافع الحصاد في القبور والبيدر في الحشر والنشور، والاختزان في الدار الحيوان،
ذبح الموت أعظم حسرة وذبحه لتنقطع الكرَّة، من كانت تجارته بايرة، فكرته خاسرة إذا ردّ
في الحافرة، أين الرد في الحافرة من قوله: ﴿وَنُنِشِئَكُمْ فِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] ونبّه عليها
بقوله: ﴿وَلَقَدْ عِلْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] فإنها كانت على غير مثال، وكذا
يكون في المال، عجباً من موت يذبح في صورة كبش أملح، وهو الذبح العظيم الجليل، فدا
ابن إبراهيم الخليل، وذبحه بين الجنة والنار، عبرة في برزخيته لأهل الاعتبار، هو علامة
الخلود في النحوس والسعود في هبوط وصعود، وكل إلى الله راجع لأنه الاسم الجامع، في
ذبحه عزل ملكه ونزوله من منصته وفلكه، هذا قد ثبت عزله وانتقض غزله، فما يكون عمله
من الأعمال، وقد انتهت مدته بانتهاء الآجال، من فارق وطنه فقد فارق سكنه، لولا القطان ما
كانت الأوطان: [البسيط]
بالعِلْم يَخْيَى فلا تَطْلُبْ سوى العِلْم
القَلْبُ بَيْتُ وإِنّ العِلْمَ يَسْكُنُهُ
إلاَّ الكتاب لمن قد خُصَّ بالفَهْمَ
ما ثَمَّ عِلْمٌ يكون الحَقُّ یَمْنَحُهُ
فيه فتبدو علومٌ كلها عَجَبٌ
لكل قلبٍ سليم حائِزِ الحكمَ
يرجو النجاةً فما يَنْفَكُّ عن وَهْمَ
أو سابقٍ أو إمام ظَلَّ مقتصداً
وتَأُتي قوماً إذا جاءت على الرَّغْمَ
إن النجاة لتأتَي القَوْمَ طائعةً
إن الله رجالاً يقودهم بالسلاسل إلى الجنة ركباناً ورجالاً لعناية سبقت، وكلمة حَقّت
وصدقت، ماتت قلوبهم في صدورهم عند صدورهم جهلاً، ومع هذا يقال لهم إذا سعدوا:
أهلاً وسهلاً بلا تعب، ولا نصب، ولا جدال، ولا شغب، أين هؤلاء ممّن ينطلق إلى ظل
ذي ثلاث شعب، لا ظليل ولا يغني من اللهب، أتاهم الرزق من حيث لم يحتسبوا، ودعاهم
الحق فبادروا فما حجبوا.
ومن ذلك سرّ الفتن في السرّ والعلن من الباب ١٢٦ : أين القوة والناصر يوم تبلى
السرائر؟ يقول الله: ﴿فَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] ثم أقسم بالجمع ﴿وَالتَّمَاءِ ذَاتِ الرَّفْع
وَمَا هُوَ بِالْهَزَّلِ (١٤)﴾ [الطارق] بليت في القيامة السرائر،
إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (ِلَ)
وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ
كما بليت بالجهاد الظواهر، ليتميز الصابر من غير الصابر، بالمسبار والسابر، من أعجب ما