النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
وقد تسمى بالآخر فاعلم. المعيد: عين الفعل من حيث ما هو خالق وفاعل وجاعل وعامل،
فهو إذا خلق شيئاً وفرغ خلقه عاد إلى خلق آخر لأنه ليس في العالم شيء يتكرّر وإنما هي
أمثال تحدث وهي الخلق الجديد وأعيان توجد. المحيي: بالوجود كل عين ثاتبة لها حكم
قبول الإيجاد فأوجدها الحق في وجوده. المميت: في الزمان الثاني فما زاد من زمان وجودها
فمفارقتها وانتقالها لحال الوجود الذي كان لها موت، وقد يرجع إلى حكمها من الثبوت الذي
كان لها فمن المحال وجودها بعد ذلك حتى تفرغ وهي لا تفرغ لعدم التناهي فيها فافهم.
وفي تقييدي هذا الباب في هذه المسألة سمعت منشداً ينشد من زاوية البيت لا أرى له
شخصاً لكني أسمع الصوت ولا أدري لمن يخاطب بذلك الكلام وهو: [المجتث]
لمَنْزِلِ أنْتَ رَابِخ
أَوْصٍ فإنّكَ رَائِخْ
له قَبُولُ الـنصائح
فــيـه لأنك ممّن
ـدار للمَنِيَّةِ صَائِخْ
قد صَاحَ في جانب الـ
فلا تُجِبْ بالـَّوائح
وقد دعاكَ إليه
منه بخَيْرِ المَنَائِخ
وقد أتاك رسولٌ
وفيه كل المصالخ
لقاء ربّك فيها
فهو بالنسبة إلى رؤية الله قريب، وقد يكون بالنسبة إلينا بعيد مثل قوله في المعارج:
وَذَرَنَّهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧]. الحيّ: لنفسه لتحقيق ما نسب إليه ممّا لا
﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا
يتصف به إلاَّ من شرطه أن يكون حياً. القيوم: لقيامه على كل نفس بما كسبت. الواجد:
بالجيم لما طلب فلحق فلا يفوته هارب كما لا يلحقه في الحقيقة طالب معرفته. الواحد: من
حيث ألوهته فلا إله إلاَّ هو. الصمد: الذي يلجأ إليه في الأمور، ولهذا اتخذناه وكيلاً.
القادر: هو النافذ الاقتدار في القوابل الذي يريد فيها ظهور الاقتدار لا غير. المقتدر: بما
عملت أيدينا فالاقتدار له والعمل يظهر من أيدينا، فكل يد في العالم لها عمل فهي يد الله فإن
الاقتدار لله فهو تعالى قادر لنفسه مقتدر بنا. المقدم المؤخر من شاء لما شاء ومن شاء عمّا
شاء. الأوّل الآخر بالوجوب وبرجوع الأمر كله إليه. الظاهر الباطن لنفسه ظهر فما زال ظاهراً
وعن خلقه بطن فما يزال باطناً فلا يعرف أبداً. البرّ بإحسانه ونعمه وآلائه التي أنعم بها على
عباده. التوّاب لرجوعه على عباده ليتوبوا ورجوعه بالجزاء على توبتهم. المنتقم ممّن عصاه
تطهيراً له من ذلك في الدنيا بإقامة الحدود وما يقوم بالعالم من الآلام فإنها كلها انتقام وجزاء
خفي لا يشعر به كل أحد حتى إيلام الرضيع جزاء العفوّ لما في العطاء من التفاضل في القلة
والكثرة وأنواع الأعطيات على اختلافها لا بدّ أن يدخلها القلة والكثرة فلا بدّ أن يعمها. العفو
فإنه لا بدّ من الأضداد كالجليل. الرؤوف بما ظهر في العباد من الصلاح والأصلح لأنه من
المقلوب وهو ضرب من الشفقة. الوالي لنفسه على كل من ولى عليه فولى على الأعيان الثابتة
فأثر فيها الإيجاد وولى على الموجودات فقدم من شاء وأخّر من شاء وحكم فعدل وأعطى
فأفضل. المتعالي على من أراد علوّاً في الأرض وادّعى له ما ليس له بحق. المقسط: هو ما

٦٢
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
أعطى بحكم التقسيط وهو قوله: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] وهو التقسيط.
الجامع: بوجوده لكل موجود فيه. الغنيّ عن العالمين بهم. المغني: من أعطاه صفة الغنى
بأن أوقفه على أن علمه بالعالم تابع للمعلوم فما أعطاه من نفسه شيئاً فاستغنى عن الأثر منه فيه
لعلمه بأنه لا يوجد فيه إلاَّ ما كان عليه. البديع: الذي لم يزل في خلقه على الدوام بديعاً لأنه
يخلق الأمثال وغير الأمثال ولا بدّ من وجه به يتميز المثل عن مثله فهو البديع من ذلك الوجه .
الضارّ النافع: بما لا يوافق الغرض وبما يوافقه. النور: لما ظهر من أعيان العالم وإزالة ظلمة
نسبة الأفعال إلى العالم. الهادي: بما أبانه للعلماء به ممّا هو الأمر عليه في نفسه. المانع :
لإمكان إرسال ما مسكه وما وقع الإمساك إلاَّ لحكمة اقتضاها علمه في خلقه. الباقي : حيث
لا يقبل الزوال كما قبلته أعيان الموجودات بعد وجودها فله دوام الوجود ودوام الإيجاد.
الوارث: لما خلفناه عند انتقالنا إلى البرزخ خاصة. الرشيد: بما أرشد إليه عباده في تعريفه
إياهم بأنه تعالى على صراط مستقيم في أخذه بناصية كل دابة فما ثم إلاَّ من هو على ذلك
الصراط والاستقامة مآلها إلى الرحمة، فما أنعم الله على عباده بنعمة أعظم من كونه آخذاً
بناصية كل دابة فما ثم إلاّ من مشى به على الصراط المستقيم. الصبور على ما أوذي به في
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] فما عجل لهم في العقوبة مع اقتداره على
ذلك، وإنما أخّر ذلك ليكون منه ما يكون على أيدينا من رفع ذلك عنه بالانتقام منهم فيحمدنا
على ذلك، فإنه ما عرفنا به مع اتصافه بالصبور إلاّ لندفع ذلك عنه ونكشفه، فهذا بعض ما
أعطته حضرة الحضرات من هذا الباب فإنه باب الأسماء، وأما الكنايات فنقول فيها لفظاً
جامعاً وهو إذا جاءت في كلام الرسول عن الله تعالى أو في كتاب الله فلننظر القصة والضمير
ونحكم على تلك الكناية بما يعطيه الحال في القصة المذكورة لا يزاد في ذلك ولا ينقص منه
والباب يتسع المجال فيه فلنقتصر منه على ما ذكرنا، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
انتهى السفر الثالث والثلاثون.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ
[السفر الرابع والثلاثون]
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة
في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
[نظم: مجزوء الخفيف]
يُعْلِمُهُمْ أنه البَشِيرُ
لله في خَلْقِهِ نَذِيرُ
ـنَاهُ يَبْهَرُ الْبَابَنَا المُنِيرُ
وهو السِّراجُ الذي سـ
تجري بأنفاسه الدُّهُورُ
في كل عَصْرٍ له شُخَيْصٌ
الواحدُ العالمُ البصيرُ
عَيَّنَهُ في الوجود فَرْداً

٦٣
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
ليس له في الوَرَى نَظِيرُ
يا واحداً مَجْدُهُ تعالى
إلاَّ بنا إذ لنا الظُّهُورُ
ليس لأنواره ظهورّ
يظهر في عينه الأمُورُ
فنحن مَجْلّى لكلّ شيءٍ
اعلم أيّدنا الله وإياك بروح القدس أن هذا الباب من أشرف أبواب هذا الكتاب، هو
الباب الجامع لفنون الأنوار الساطعة، والبروق اللامعة، والأحوال الحاكمة، والمقامات
الراسخة، والمعارف اللدنية، والعلوم الإلهية، والمنازل المشهودة، والمعاملات الأقدسية،
والأذكار المنتجة، والمخاطبات المبهجة، والنفئات الروحية، والقابلات الروعية، وكل ما
يعطيه الكشف ويشهد له الحق الصرف، ضمنت هذا الباب جميع ما يتعلق بأبواب هذا الكتاب
ممّا لا بدّ من التنبيه عليه مرتباً من الباب إلى آخره، فمن ذلك سرّ الإمام المبين وما يتعلق
بالباب الأوّل: [الكامل]
شَرَعَ الأمُورَ مُبَيِّناً لعَبِيدِهِ
إن الإمامَ هو المُبَيِّنُ شَرْعَ مَنْ
وكذاك ما يختصُّ في تَوْحيدِهِ
منها الذي في حقّهم تَذْرُونَهُ
الإمام المبين هو الصادق الذي لا يمين مجلى ما أحاط به العلم، وتشكل فيه الكيف
والكم، وحلّت به الأعراض وفعل بالإرادات والأغراض، وانفعلت له الأوعية المراض، النور
الباهر، وجوهر الجواهر، يقبل الإضافات الكونية والاستنادات العينية، والأوضاع الحكمية،
والمكانات الحكمية، رفيع المكانة كثير الاستكانة، علم في رأسه نار، عبرة لأولي الأبصار،
يملي جميع ما سطر، وما هو بمسيطر ما له وجود إلا بما يحمله، ولا يفصل إلاَّ بما يقبله، هو
المحصي لما علم وجهل وفصل وأجمل، لكل صورة فيه عين، وله في كل صورة كون، يمدّ
ويستمد، ويعدّ له ويعدّ، منه ظهرنا، وإياه نهينا وأمرنا، ومن ذلك سرّ الظرف، الموضع في
الحرف ممّا يتعلق بالباب الثاني، الظرف وعاء، والحرف وطاء، تختلف صورته، وتحكم
سورته، هو معنى المعاني، المظهر لاختلاف الأشكال والمباني، يحوي الله وجوده، ويغني
عن شهود الحق شهوده، منازله معدودة، وآثاره مشهودة وكلماته محدودة، وآياته بالنظر
مقصودة، أعطى مقاليد البيان، فأفصح وأبان، فمنه نثر ومنه نظم، ومنه أمر ومنه حكم، وفيه
حق وفيه خلق، ففيه عدل وفيه ظلم، له التلفظ والرقم، وله التوهم لا الوهم، لا وجود له إلاَّ
به، فأنبته أبان للآذان ما ستره الجنان، نطق عن الغيب بما لا شك فيه ولا ريب، يشهده
الإيمان والعيان، صحفاً مكرمة، مرفوعة مطهرة، بأيدي سفرة، كرام بررة، هو ابن الإمام، لا
بل أبوه الذي له الكمال والتمام، إذا أسهب ذهب وإذا أوجز أعجز، فيصح المقال، كثير القيل
والقال، تختلف أشكاله ومعارجه، وتخفى على المتبع آثاره ومدارجه، کاین باين، راحل
قاطن، استوطن الخيال، وافترش الكتاب، واستوطأ اللسان، ومن ذلك سر التنزيه النزيه،
وهو ما يتعلق بالباب الثالث: [الوافر]
رأيناه يدلُّ على الشَّبِيهِ
تَنَزَّهُنَا عن التَّنْزِيهِ لمّا
بعلم الواحد الفَرْدِ النَّبِيهِ
وقلنا ذاك حَظُّ الحَقِّ منَّا

٦٤
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
التنزيه تحديد المنزه، والتشبيه تثنية المشبه، فيا ولي تنبه وتفكر فيمن نزّه وشبه، هل
حاد عن سواء السبيل؟ أو هل هو من علمه في ظل ظليل في خير مستقر وأحسن مقيل، المنزّه
يخلى والمشبه يحلى ويحلى، والذي بينهما لا يخلى ولا يحلى بل يقول: هو عين ما بطن
وظهر، وأبدر واستسرّ، فهو القمر والشمس، والعالم له كالجسد للنفس، فما ثم إلاَّ جمع، ما
في الكون صدع، إن لم يكن الأمر كذلك، فما ثم شيء هنالك، والأمر موجود، لا بل
وجود، والحكم مشهود، لا بل شهود، وبالمنسب صحّ النسب، ولولا المسبب، ما ظهر
حكم السبب، فإن قلت ليس كمثله شيء، زال الظل والفيء، والظل ممدود بالنص، فعليك
بالبحث والفحص، ومن ذلك سر البدء اللطيف، وما جاء فيه من التعريف، من الباب الرابع
أن العالم علامة، بدؤه ممّن فهو علامة، على ما استتر عين حتى يظهره كون، رأينا رسوماً
ظاهره وربوعاً دائره، قد كانت قبل ذلك عامره، وناهيه وآمره، فسألناها ما وراءك يا عصام،
فقالت ما يكون به الاعتصام، فقلت ما ثم إلاَّ الله وحبله، وما لا يسع أحداً جهله، فقال: لولا
الكثائف، ما علمت اللطائف، ولولا آثارها، ما ظهر منارها، فمن خبت ناره انهدّ مناره، له
حضرة القدس، وما ينم به إلاَّ الحسّ لولا الحسّ، بشهود الأثر ما عرف للطيف خبر، النفس
عمياً للقرب المفرط وما تشهده الحواس، وهي الصماء عن إدراك الوسواس، وهي الخرسا
فلا تفصح، والعجما فلا تعقل فتوضح: [الكامل]
وبَدَا له منه الخلافُ فَعَاتَبَهْ
فدعاه للقاضي العليم فَطَالَبَهْ
وتَوَجَّهَتْ منه عليه حُقُوقُهُ
نادى عليه مُجَرِّساً هذا جزاء
ليَثُوبَ من سمع النِّدَا فِيَرْعَوي
تَظْفَرْ يداه بكل خَيْرٍ شاملٍ
سَرَى اللَّطِيفُ من اللَّطِيفِ فَنَاسَبَهْ
من عَامَلَ الجِنْسَ البَعِيدَ وصاحبَهْ
عنه ويعلم أنه إن جَانَبَهْ
فاسْتَعْمَل الإرسالَ فیه وكَاتَّبَهْ
هو اللطيف في أسمائه الحسنى، وبها ظهر الملأ الأعلى والأدنى، لما تجاورت
تحاورت، ولما تكاثرت تسامرت، فرأت أنفسها على حقائق، ما لها طرائق، سماؤها ما لها
من فروج، ومع هذا فلها نزول وعروج، فطلبت أرضاً تنبت فيها كل زوج بهيج، فقالت
المفتاح في النكاح، ولا بدّ من ثلاثة: ولي وشاهدي عدل لهذا القضاء الفصل، فقال العليم:
لا بدّ من ﴿يِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحَيَمِ﴾ فهذا أيها الولي الشاهدان والولي، فهذا كان أول
تركيب الأدلة، وبعد هذا عرضت الشبه المضلة، ومن ذلك سرّ كن والبسملة، فيمن علله من
الباب الخامس، قال الحلاج وإن لم يكن من أهل الاحتجاج: بسم الله منك بمنزلة كن منه،
فخذ التكوين عنه، فمن تقوى جاشه، واستدار عرشه، وتمهد فرشه، كرسول الله وَّلو قال كن
ولم يبسمل، فكان ولم يحوقل، فمن ذاق ضاق، وإذا التفت الساق بالساق، فإلى ربك
المساق، فإليه ترجع الأمور، إذ كان منه الصدور: [مجزوء الخفيف]
مثل ما قالـه يَكُنْ
لا تُبَسْمِلْ وقُلْ بِكُنْ
لا إلينا فكُنْ تَكُنْ
فإليه رُجُوعُنا

٦٥
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
ومن ذلك سرّ الروح وتشبيهه بيوح من الباب السادس: [البسيط]
كمثل ما نَصَّ لي في مُحكَم الذِّكْرِ
الرُّوحُ من عَالَمِ الأمْرِ الذي تَذري
وكان تَعْرِيفُهُ حَقّاً علىَ قَدْري
وإن ربّي بذاك القَدْرِ عَرَّفَني
أشرقت أرض الأجسام بالنفوس، كما أشرقت الأرض بأنوار الشموس، وإنما لم نفرد
العين لأنها ما أشرقت إلاَّ بما حصل فيها من نور الكون، وإن كان الأصل ذلك الواحد فليس
ما صدر عنه بأمر زائد، فعددته الأماكن لما أنزل نفسه فيها منزلة الساكن، فللحقيقة رقائق يعبر
عنها بالخلائق، ومن ذلك سرّ الكيف والكم وما لهما من الحكم من الباب السابع: [البسيط]
وقد فَهِمْتُ لماذا جاءني بهما
الكَيْفُ والكَمُّ مجهولان قد عُلِمَا
فينا الثَّحَكُّمَ فانْظُرْهُ به لهما
فهما يُبَلِّغُنا عِلْماً بأن له
هو البيت المعمور بالقوي والذي كان عليه الاستوا محل الظهور المشرق بالنور كلمة
الحق ومقعد الصدق، معدن الأرفاق ومظهر الأوفاق، محل البركات ومعين السكنات
والحركات، به عرفت المقادير والأوزان وبه سمّي الثقلان، له من الأسماء المتين، وهو الذي
أبان النور المبين، حكم في النور بالقسمة، وظهرت بوجوده الظلالات والظلمة، منه تتفجر
ينابيع الحكم، وتبرز جوامع الكلم، يحوي على رموز النصائح وكنوز المصالح، الشهادة
سخافته، والغيب كثافته، يستر للغيرة حتى لا يرى راء غيره، يتقلب في جميع الأحوال،
ويقبل بذاته التصريف في جميع الأعمال، ومن ذلك سرّ ظهور الأجساد بالطريق المعتاد من
الباب الثامن : [البسيط]
فلا تَقِفْ فيه إن الأمْرَ تَضْلِيلُ
تَجَسُّدُ الرُّوحِ للأبْصار تَخْبِيلُ
لما تَنَزَّلَ روحُ الوَخِي جِبْرِيلُ
قام الدليلُ به عندي مشاهدةً
البرزخ ما قابل الطرفين بذاته، وأبدى لذي عينين من عجائب آياته، ما يدل على قوته،
ويستدل به على كرمه وفتوته، فهو القلب الحوّل، والذي في كل صورة يتحوّل، عوّلت عليه
الأكابر حين جهلته الأصاغر، فله المضاء في الحكم، وله القدم الراسخة في الكيف والكم،
سريع الاستحالة يعرف العارفون حاله، بيده مقاليد الأمور، وإليه مسانيد الغرور، له النسب
الإلهي الشريف، والمنصب الكياني المنيف، تلطف في كثافته، وتكثف في لطافته، يجرحه
العقل ببرهانه، ويعدله الشرع بقوّة سلطانه، يحكم في كل موجود، ويدل على صحة حكمه
بما يعطيه الشهود، ويعترف به الجاهل بقدره والعالم، ولا يقدر على ردّ حكمه حاكم، ومن
ذلك سرّ المارج في الوالج من الباب التاسع: [البسيط]
لذلك الأمْرُ ما مولاي قد عبدا
النّارُ كالنُّور في الإحراق قد شَهِدَا
له الشَّحَكُمُ فينا كلما وَرَدا
فالكلُّ دَانَ به والكلُّ دَانَ له
أوّل جواد كبا حين أمر فأبى، وأوّل من قدح في النهي من نهي وما انتهى، سنّ الخلاف
في الائتلاف، فأظهر النقيض ليعرف الحبيب من البغيض، امتثل الأمر فيما يشقيه وحلّ به ما
كان يتقيه، يحالف الردى ويخالف الهدى ولا يترك سدى، ومع اتصافه بالخوف لا يبرح في
الفتوحات المكية ج٨ - م٥

٦٦
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
معاملته بالحيف، فإذا جنح منهم من جنح إلى ربه طائعاً وكان لباب سعادته قارعاً، لم يحسن
أحد يقرع قرعه وكان الحق بصره وسمعه، إن سمع أنصت وإن أسمع أبهت، ومن ذلك سرّ
النور في الخفاء والظهور من الباب العاشر: [البسيط]
الشَّمْسُ مُشْرِقَةُ الشَّمْسُ مُخرِقَةٌ
بنُورها فهي نُورٌ حُكْمُهُ نَارُ
نّذْبٌ جَلِيدٌ له في القَلْبِ آثَارُ
وليس يعبُدُها إلاَّ أخْ عَمُّهُ
أشرقت الأنوار حين شرقت، وتميزت بها الأعيان فافترقت، فأغنت الإشارات عن
العبارات، فمنها من هيم فتهيم، ومنا من حكم فتحكم، فلكل عين مقام معلوم وحدّ
مرسوم، فمنه مرموز ومنه مفهوم، يحلقون نفوسهم كما يشاؤون، وفي أي صورة شاؤوها
يتحوّلون، هم الحدادون والحجاب، ولهم الظهور والحجاب، إن هذا لشيء عجاب،
يكثرون التكبير، ويحفون بالسرير، لهم المقام الأشمخ ومنزلهم بين الله والعلماء منا في
البرزخ، فأصحاب النسب منهم عند أرباب الفكر هم الخلفاء من البشر، يعلم ذلك من
تحقق بالنظر، واعتمد على ما جاء به الكشف والخبر، في مجاري العبر، والعقول من
حيث أدلتها قاصرة عن درك هذا العلم لطموس عين الفهم، ومن ذلك سرّ الافتتاح بالنكاح
من الباب الأحد عشر: [مجزوء الرمل]
وعليه منه قُفْلُ
أنا في الوُجُودِ بابٌ
وبوَجْهِ أنا أَهْلُ
فأنا بَعْلٌ بِوَجْهِ
القول من القائل في السامع نكاح، فعين المقول عين ما تكون من السامع فظهر ظهور
المصباح، التوجه سبب القول والتكوين على التعيين في المحل الظاهر، لنزول الباطن إلى
الظاهر، وهذا نكاح بين المعنى والحسّ والأمر المركب والنفس، ليجمع بين الكثيف
واللطيف، ويكون به التمييز والتعريف، وإن خالف تركيب المعاني تركيب الحروف فهو
كخلاف المعرفة والمعروف، ثم ينزل الأمر النكاحي من مقام الافتتاح إلى مقام الأرواح، ومن
المنازل الرفيعة إلى ما يظهر من نكاح الطبيعة، ومن بيوت الأملاك إلى نكاح الأفلاك لوجود
الأملاك، ومن حركات الأزمان إلى نكاح الأركان، ومن حركات الأركان إلى ظهور المولدات
التي أخّرها جسم الإنسان، ثم تظهر في الأشخاص بين مباض ومناص، فالنكاح ثابت مستقرّ
ودائم مستمرّ، ومن ذلك سرّ الدور المستدير والاستواء على السرير من الباب الاثني عشر:
[الخفيف]
هو دَوْرٌ والدَّوْرُ عَمَّ كِيَانَهْ
اسْتَوَيْنَا على السرير لأمرٍ
حين حُزْنَا جَنَابَهُ وجِنَانَهُ
فاستدارتْ بنا الأمورُ وحارثْ
الدهر حول قلب، ولهذا يتنوّع في الصور ويتقلب، لولا استدارة الزمان، ما ظهرت
الأعيان، ولولا الملوان ما كان الحدثان، بتكرار الفصول يدوم حكم الأصول، وبه ظهور
الأنعام هنا وفي دار السلام، إنما دار السرير ليحيط بالكائنات علم التفصيل والتدبير، فيباشر
الأمور بذاته ويهبها ما يناسبها من هباته، فإن الخزائن لديه وفي يديه، فلولا الإحاطة والدور ما

٦٧
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
تمكن، ولا كان له ما سكن، فلا نفوذ للمحاط به فانتبه، ومن قال بالحور في الدور تعوذ من
الحور بعد الكور، ولا يقول بالحور إلاَّ من لا علم له بالتسيير، ولا يعرف قبيلاً من دبير الأمر
إمام، والقول بالقهقرى خلف من الكلام، ومن ذلك سرّ الفرش وحملة العرش من الباب
الثالث عشر: [مجزوء الرمل ]
ووُجُودُ الفَرْشِ عَرْشي
أنا في الفَرْشِ وُجُودٌ
كانت الأكوانُ فَرْشي
إذا ما كنتُ إماماً
أرواح وصور متكؤون على سرر، وأعدية ومراتب لها طرق ومذاهب، فالأرواح
والصور بين ملائكة وبشر، البشر لمباشرة اليدين والملائكة للتردة بين العين والعين، من لا
أين إلى أين، ومن أين إلى لا أين، ومن أين إلى أين، ومن لا أين إلى لا أين، فبين من
وإلى، ظهر الملآن الأسفل والأعلى، فالعرش حامل محمول، والأمر فاصل مفصول،
والعالم فاضل مفضول، والفرش مهاد موضوع، ومباح غير ممنوع، يحكم فيه الطبع، وإن
قيّده الشرع، ولولا العين ما ظهر للتقييد حكم في الكون، فلو زالت الحدود لزال التقييد، ولا
سبيل إلى زوالها فإن بقاها عين كمالها، بها صحّت المناضلة وبانت المفاضلة، العرش لمن
استوى عليه، والأمر منه بدا ثم يعود إليه، من غير رجوع على عقبه بل هو على مذهبه ما ثم
غايه فيرجع ولا لإحاطته نهاية فيتصدع، وليس وراء الله مرمى وهو الأوّل عند البصير
والأعمى، فالكل يقول بالابتداء وافترقوا في إثبات الانتهاء، فمنهم ومنهم وكل ذلك منقول
عنهم، ومن ذلك سرّ النبوّتين وما لهما من العين من الباب الرابع عشر لما انقطع أنباء
التشريع، بقي الأنباء الرفيع فإنه يعمّ الجميع، هو ميراث الأولياء من الأنبياء، فلهم اللمحات
والأنفاس والنفحات، الاجتهاد شرع حادث، وبه تسمى الحارث بالحارث، الاجتهاد شرع
مأذون فيه لإمام يصطفيه لا يزال البعث ما بقي الورث، وهذا المال الموروث لا ينقص
بالإنفاق، بل سوقه أبداً في نفاق، فمثله كمثل المصباح الذي لا يعقبه صباح، للشمس ظهور
في السورتين بالصورتين، فهي بالقمر نور وبذاتها ضياء، وبحالتيها يتعين الصباح والمساء،
فتخفي نفسها بنفسها، إذا أطلعت القمر نهاراً فهي الداعيه سرّاً وجهاراً، ولبعث الكون بالليل
إلا ليلي الداج ثبت للشمس اسم السراج، فنبوّة الوارث قمريه، ونبوّة النبيّ والرسول شمسيه،
فاجتمعتا في النبوّة وفاز القمر بالفتوة: [البسيط]
مع الغُرُوبِ وما للْعَيْنِ من خَبَرٍ
فالشمسُ طالعةٌ باللَّيْلِ في القَمَرِ
ما عندها مثل نُورِ العَيْنِ بالبَصَرِ
عَجِبْتُ من صورة تُعْطيك في صُوَرٍ
وما لعَيْنِ رسولِ الله من أثَرٍ
فطاعةُ الرُّسْلِ من طاعات مُرْسِلِهِمْ
يعصي الإله الذي يَعْصيه فاذَّكِرِ
إن قال قال به لا بالهَوَى فلذا
ومن ذلك سرّ إطفاء النبراس بالأنفاس من الباب ١٥ : لما كان القائل له مزاج الانفعال كان
للنفس الإطفاء والإشعال، فإن أطفأ أمات، وإن أشعل أحيا، فهو الذي أضحك وأبكى فينسب
الفعل إليه، والقابل لا يعوّل عليه، وذلك لعدم الإنصاف، في تحقيق الأوصاف، مع علمنا بأن

٦٨
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
الاشتراك معقول في الأصول للقابل الإعانة، ولا يطلب منه الاستعانة، فهو المجهول المعلوم
عليه صاحب الذوق يحوم، وحكمه في المحدث والقديم يظهر ذلك في إجابة السائل وهذا
معنى قولنا القابل: لولا نفس الرحمن ما ظهرت الأعيان، ولولا قبول الأعيان ما اتصفت
بالكيان، ولا كان ما كان، الصبح إذا تنفس أذهب الليل الذي كان عسعس : [الوافر]
ولولا النُّورُ ما وُجِدَ النِّفَارُ
فلولا اللَّيْلُ ما كان النَّهَارُ
نفرت الظلم لأكوانها لا لأعيانها فإن العين لا تذهب وإن اختلفت عليها الأحوال
فسجود الظلال بالغدوّ والآصال، سجود شكر واعتصام من استدراج إلهيّ ومكر ومن ذلك
سرّ الأوتاد والأبدال، وتشبيههم بالجبال من الباب ١٧ أرواح الأبدال أعيان الأملاك من
نيرات السبعة الأفلاك، وقطعهم فلك البروج، ما يتصفون به في المقامات من العروج،
وحلولهم بالمنازل ما يستقبلونه في النوازل، ولذلك قسم عليهم الوجود بالنحوس والسعود،
فعزل وولاية وإملاق وكفاية والأوتاد مسكنة لكونها متمكنة فلها الرسوخ والشموخ، ومع هذه
العزّة والمنع وقوّة الردع والدفع، فلا بدّ من صيرورتها عهناً منفوشاً وهبا منبئاً مفروشاً، فتلحق
بالأرض لاندكاكها، وتؤثر فيها حركات أفلاكها، من أعجب علوم الرجال ما لم يسمّ فاعله
مثل رجّ الأرض وبسّ الجبال، وهما دليلان على وقوع الواقعة التي ليس لوقعتها كاذبة خافضة
رافعة، أوّل علم حصل للعالم بالله علم السماع بالإيقاع من الله فقال ﴿كُنْ﴾ [النحل: ٤٠]
المعدوم لم يكن، فظهر عين الأوزان في الميزان وليس سوى الإنسان، فظهر بصورة الحق
ونزل عند مليك مقتدر في مقعد صدق، وكانت الإمامة علامة والخلافة ضيافة، فبعلم الأسماء
حاز ملك الأرض والسماء، وبجوامع الكلم أحاط علماً بالحكم، فهو الحكيم المحيط بما
يستحقه المركب والبسيط، فساح في الانفساح وصال بالاتصال، فأخذ الوجد في الإيجاد
وتحرّك عن موطن ثبوته لأعين الأشهاد، وما ثم إشهاد إلاَّ الأسماء التي تكونت أحكامها عنه
وظهرت آثارها به منه، فبالسماع كان الوجود وبالوجود كان الشهود: [الوافر]
ولولا الصَّدُّ ما عَذُبَ الوِصَالُ
فلولا الصَّيْدُ ما نَفَرَ الغَزَالُ
ولولا الفِطْرُ ما ارْتُقِبَ الهلالُ
ولولا الصومُ ما كان الوِصَالُ
ولولا العينُ ما دُكَّتْ جِبَالُ
لما عُرِفَتْ هدايةٌ أَوْ ضَلالُ
ولا حُكْمُ الجَلالِ ولا الجَمَالُ
له الأمْرُ المُطاعُ له النّزالُ
ولا قَوْسٌ لديه ولا نِبَالُ
له العلمُ المحيطُ له الجَلالُ
بلا جَفْنٍ بدا لَهُمُ الكمالُ
مُبَعَّدَةٍ وغايتُها اتّصالُ
ولولا الشرعُ ما ظهرت قُيُودٌ
ولولا الجُوعُ ما ذَّبُلَتْ شِفَاءٌ
ولولا الكونُ ما انفطرتْ سماءٌ
ولولا ما أبان الرُّشْدُ غَيّاً
ولا كان النعيمُ بكل شيء
أرى شخصاً له بَصَرّ حَدِيدٌ
وآخرَ ما له بَصَرٌ ويَزْمي
فسبحان العليم بكل أمْرٍ
إذا نَظَرَتْ إليه عيونُ قَوْمٍ
فوقتاً لا يَرَوْنَ سوى نفوسٍ

٦٩
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
ومن ذلك سرّ من منح ليربح فلنفسه سعى فكان لما أعطى وعا من الباب السابع عشر:
[مجزوء الوافر]
فَجُلُ فيه إذا كانـا
إذا ما كُنْتَ مَيْدَانَا
لذا سُمِيتُ إنْسَانَا
فإني لستُ أَنْفِيهِ
لما انتقل العلم إليه بقوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [ محمد: ٣١] سكت العارف لما سمع ذلك وما
تكلم، وتأوّل عالم النظر هذا القول حذراً من جاهل يتوهم ومرض قلب المشكك وتألم وسرّ
به العالم بالله ألهمهم ولكنه ما تكلم بل تكتم وقال مثل ما قاله الظاهري: الله أعلم فالإلهي
علم والمحدث سلم، فاحمد الله الذي علمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً،
فثابر على شكره والزم، فإذا رأيت من يفرّق بين الحد والذمّ قل له لا تتقدم فتندم فإن جدارك
تهدم، وظهر المعمى فآمن من كان بالأمس قد أسلم، فإذا المعطي عين الآخذ فعلى نفسه
تكرم، فهذه شعائر الله من عظمها عظم فعظم، ومن اهتضمها اهتضم، فأين أصحاب الهمم
وأهل الجود والكرم يوضحون المبهم ويفتحون ما طبع عليه وختم؟ فتبرز مخدرات الغيوب
والظلم ذوات الثنايا الغر واللمم، فيأخذ بهم ذات اليمين على الطريق الأمم لينظر سائر الأمم
ما خصّت به أمة، من أوتي جوامع الكلم وفنون الحكم محمد بن عبد الله و الر فبه بدىء الأمر
وختم فكان نبياً وآدم بين الماء والطين ما خمرت طينته وما علم، وأخّرت طينته وَّه إلى أن
جاءت دورة الميزان الذي عدل حين حكم، فهو واضع الشرائع ورافعها روحاً ونفساً وعقلاً
وحساً، خط ذلك كله في اللوح المحفوظ القلم، ومن ذلك سرّ التعبد في التهجد من
الباب ١٨ إذا بان الصبح الذي عينين وكنا ممّن أماتنا الله تعالى اثنتين وأحياناً اثنتين ظهر في
غيوبنا ما اعترفنا به من ذنوبنا، فكان تهجدنا محدوداً وقرآننا مشهوداً، وطلع الآفل في
النوافل، وعمرت الفرائض المرابض، فقربناها ضحايا ومطوناها مطايا، فربحت تجارة الأوراد
وظهر الرشاد والإرشاد في حرق الأدب المعتاد فقعدنا بالحق في مقعد الصدق بنعت القائم
على كل نفس بما كسبت والعالم بما اكتسبت، فعندما طلع فجرها سعى بين يديها نورها يتلوه
أجرها، فحاز الأجر كثيفها واستنار بالنور لطيفها : [الوافر]
فمَجْدُكَ في الشَّهَجُّدِ عَيْنُ مَجْدي
بِنَغْتِكَ لا بنَعْتي كان وِزْدِي
وَفَيْتُ بِهِ فَأَوْفِ لي بعَهِذْي
عَهِدْتُكَ إِذْ أَخَذْتَ عليّ عهداً
بأنّي صادقٌ في كل وَعْدي
وأنت الصادقُ الحَقُّ الذي
بِجَدِّي قد عَلِمْتُ عُلُوَّ جَدِّي
وَعَدْتَ كما وعدت وقُلْتَ عَنّي
لم يَزَلْ في جَدِّه يعلو بجَدّي
لمن حَمَدَ الإِلهَ بعَيْنِ حَمْدي
فحَمْدُ الحَقْ في تقييد حَدِّ
فقل للحامدين بنا أَفِيقُوا
وما الإطلاقُ في حَدِي تَعَدٌ
ففي الإطلاق تقييدٌ نَزِيةٌ
ومن ذلك سرّ الجزر والإمداد في العلم المستفاد من الباب ١٩ : من الأمور ما يأخذه
الحد، ومنها ما لا يحد، والجزر والمد أثران من الطبيعة يأخذهما الحد والعلم المستفاد

٧٠
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
للعليم يعمّ الحديث والقديم، فإن عاندت فافهم قوله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٣١]
وبما حكم به الحق على نفسه فاحكم، ولا تنفرد بعقلك دون نقلك، فإن التقليد في التقييد قيد
الخليفة بالنظر في عباده حين أهبطه إلى مهاده فقيده حين قلده ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾
[الشورى: ١٢] وبيده ميزان الرفع والخفض، ومع كونه مالك الملك فهو ملك الملك يأتي
الملك من يشاء وينزع الملك ممّنٍ يشاء ويعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء بيده الخير وهو على كل
شيء قدير و﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وما جزر بعد المدّ فإنه
تنبيه على أن الزيادة نقص في الحدّ، فما جزر إلاَّ ليكشف ما ستر علم الحق بنا قد يكون
معلوماً لنا، وأما علمه بنفسه فلا يعلم لعلوّ قدسه وهو قوله بَّ: ((وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ))
فَإِنِّي لَسْتُ مِنْ جنسك فأنت الجنس الذي لا يتنوّع لما يعطيه الحمى إلاَّ منع، ولولا تجليه في
صور الآلهة ما تنعمت به النفوس الفاكهة، ومن هنا قلت أنت الجنس وهو الأصل الذي يرجع
إليه والأس.
ومن ذلك سرّ النافلة والفرض في تعلّق العلم بالطول والعرض من الباب ٢٠: من كان
علته عيسى فلا يوسى، فإنه الخالق المحيي، والمخلوق الذي يحيي، عرض العالم في
طبيعته، وطوله في روحه وشريعته، وهذا النور من الصيهور والديهور المنسوب إلى
الحسين بن منصور، لم أر متحداً رتق وفتق وبربه نطق وأقسم بالشفق والليل وما وسق والقمر
إذا اتسق وركب طبقاً عن طبق مثله فإنه نور في غسق، منزلة الحق لديه منزلة موسى من
التابوت، ولذلك كان يقول باللاهوت والناسوت، وأين هو ممّن يقول العين واحدة ويحيل
الصفة الزائدة؟ وأين فاران من الطور؟ وأين النار من النور؟ العرض محدود، والطول ظل
ممدود، والفرض والنفل شاهد ومشهود، ومن ذلك سرّ التوالج والتخالج من الباب الأحد
والعشرين، التوالج نكاح والتخالج ولادة في عالم الملكوت والشهادة من توالج الليل والنهار
ظهرت خلج الأعصار فتميزت الأيام والأعوام والشهور وجمع الدهر بالدهور، لولا حكم
الشمس ما ظهر في عالم الأركان ذو نفس ونفس، تعددت المنازل بالنوازل، لا بل النوازل
عينت المنازل، فاتبعها العدد وما بالدار من أحد، فإن وقع استثناء في هذا النفي فهو منقطع
وهذا أمر لا يندفع.
ومن ذلك سرّ المنازل والنازل من الباب ٢٢: للمنزل الأين وللمنزلة العين، فالأمر
والشأن في المكانة والمكان والنازل من معناه في منزلته وفي منزله من حيث صورته للقرآن
سور هي منازله وله آيات هي دلائله، وفيه كلمات هي صوره، وله حروف هي جواهره
ودرره، فالحرف ظرف لمن هي منعوتة بقاصرة الطرف والكلمات في الكلام كالمقصورات في
الخيام، فلا تعجز لمفهوم الإشارات، ولا تعجز عن مدلول العبارات، فما وقع الإعجاز إلا
بتقديسه عن المجاز، فكله صدق ومدلول كلمه حق والأمر ما به خفاء، وإن كان في نسبة
المناسبة للطلب بالإتيان بسور مثله جفا فما أرسل رسول إلاَّ بلسان قومه فتأمّل، ومن الله
المعونة فاسأل .

٧١
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
ومن ذلك سرّ الصون وطلب العون من الباب ٢٣: الصون حفظ في الأولياء عصمة في
الرسل والأنبياء، فكان من تعبيره فيما عن الله يبلغه أنه يقذف بالحق على الباطل فيدمغه، فإذا
هو زاهق والآخر في أثره لاحق، فإن التكليف وإن كان حقاً فإنه زائل كما أنه عرض مائل،
فللدنيا حكم ليس لأختها: والأمّ لا تنكح على بنتها بل البنت إذا لم تكن في الحجر فهي في
بعض المذاهب حلال، وإن نكحت أمها بالشرع لذي حجر طلب الإعانة دعوى من صاحب
بلوى إنما تسدل الأستار والكلل من أجل المقل، إياك والنظر فقد يكذب الخبر الخبر،
الاستعانة بالصبر حيرة بين التخيير والجبر، والاستعانة بالله تؤذن بالاشتباه، ومن اتبع المتشابه
فقد ضلّ وزاغ ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ﴾ [النور: ٥٤] ومن لزم المحكم فقد تحكم، والله يقول
الحق وهو يهدي السبيل، فإنه الكفيل.
ومن ذلك سرّ الاشتراك بين الشرائع من حكم الزوابع من الباب ٢٤ : اعلم أن الزوابع
تكون بحكم الشرائع والطبائع ولذلك تعلو وتسفل وتترقى وتنزل، ومع أنه كل وصف من
هذين كياني وهو نعت إلهي فالعلوّ ما يشك فيه الدليل المعقول والنزول ثبت بخبر الشرع
المنقول، فصاحب الخلافة والإمامة مسكنه بين نجد وتهامة، فله المجد الشامخ بتحصيله علم
البرازخ، فله التمييز والنقد ولله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله لفرح
إمامهم وسيدهم وعلامهم وعلم السياسة لأصحاب الرياسة، فكل رئيس مدبّر سؤوس على
قدر ما هو عليه المرؤوس ما كنا خير أمة أخرجت للناس إلاَّ وكان نبينا وَ ل# سيد ولد آدم من
غير شك ولا التباس فهو بنا ونحن به فانتبه .
ومن ذلك سرّ اختصاص أنواع الإنعام بالأيام من الباب ٢٥: كل حليم أوّاه إذا ذكرته
بأيام الله نهجت به منهج الانتباه، ولا ينتبه إلاَّ النائم ولا يوقظه إلاَّ من هو على كل نفس بما
كسبت قائم، إنما نابت الأيام مناب النعم لأنها الآتية بأنواع الكرم، الزمان حافظ إذ كان له
الاحتواء وبه يكون الانحراف والاستواء، ولما عنده من السعة حاز الفصول الأربعة، فالزمان
يحكم في الأركان يتعاقب الملوان الموجبان الحدثان، فصور تحدث وتمرّ وأحوال تسوء
وتسرّ، فأدوار تدور ونجوم تطلع وتغور، وأيام وجمع وسنون وشهور، يعين تصريفها حوادث
الدهور، فاليوم ليل ونهار، والشهر محق وإبدار، والسنة تكرار، والجمعة سبعة أدوار،
وحكم الطرائق في الساعات والدرجات والدقائق وما زاد عليها من ثوان وثوالث، فما زاد فهي
رقائق تمد الحقائق .
ومن ذلك سرّ الرموز والكنوز من الباب ٢٦: رموز النصائح كنوز المصالح، فالناصح
لما فتقه الدهر ناصح، والعمل بالمصالح شيمة كل عبد صالح، ألا تراه كيف أقام الجدار؟ فإن
من مصالح الأيتام الصغار، ولم يطلب على ذلك أجراً بل قال: ﴿حَتَّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.
[الكهف: ٧٠] فلما أخبره انقاد الكليم إليه وعوّل فيما أنكره عليه، فأنصف العبد المرحوم
واعترف وقال لصاحبه كل واحد منا على علم لا يعلمه الآخر، وهنا وقف فلما علم فضله
عليه سلم الأمور أجمعها إليه.

٧٢
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
ومن ذلك سرّ سجود الظلال بالغدوّ والآصال من الباب ٢٧ : أنفت الظلال من السجود
للشمس لما هي عليه من شرف النفس فاستدبرتها في هذه الأوقات وامتدت ساجدة لمن بيده
ملكوت الأرض والسموات، حين سجد لها من يزعم أنه من أهل التمكين، وتعبدت من
يدعي العقل الرصين، ولما رأت الظلال طلب استشراف الشمس عليها لتنظر إليها تقلصت
وانقبضت تطلب أصلها لتبين فضلها فلم تر لها الشمس عيناً تستعبده بنورها لسرعة نفورها،
ولولا عناية الأصل ما صحّ لها هذا الفضل.
ومن ذلك سرّ التكييف في المشتى والمصيف من الباب ٢٨: لا يعلم الرب في الحافرة
إلاَّ من عرف الأول والآخرة من كان ظاهره مصيفاً فباطنه مشتى، فيجمع ما بين أين ومتى،
ومن كان ظاهره مشتى فباطنه مصيف فليتقنع في الحالين بالنصيف، وهما من أحوال التكييف
الكيف حال الأجسام ومحال الأوهام، يعمّ الكتائف وله في البسائط لطائف، وزمان الاعتدال
ماله من زوال .
ومن ذلك سرّ تنزيه أهل البيت عن الموت من الباب ٢٩ : قدوس سبوح رب الملائكة
والروح يذهب الأرجاس ويقي شرّ الوسواس الخناس، وموت الجهل أشر موت وقد عصم
الله منه أهل البيت، فلا يقدرهم حق قدرهم إلاَّ من أطلعه الله على أمرهم، ومن اطلع عليه
استند في الحال إليه، فهو أعظم مستند وأوثق ركن قصد، فاستمسك بحبهم للعقبى، فإنه ما
سأل عليه السلام منا إلاَّ المودة في القربى.
ومن ذلك سرّ الراكب والفارس والقائم والجالس من الباب ٣٠: للراكب القفر،
وللفارس الكر والفر، وللقائم الإنفاق، وللجالس الإرفاق، فمن ركب لم يعطب، ومن تفرس
لم ينكب، ومن قام نام، ومن جلس بئس، فيا أهل الركاب عملكم في تباب، يا خيل الله
اركبي واسلكي سبيل مذهبي، ويا قائمين على النفوس بالرزق المعنوي والمحسوس تواصوا
بالحق وتواصوا بالصبر، ويا جلساء الحق في مقعد الصدق احذروا من المكر وتواصوا
بالشكر، ما أباح الله نكاح الأربع إلاَّ لحيازتها المقام الأوسع، ولولا السعة التي في الأربعة ما
ضمّت العشرة الموصوفة بالكمال لمن اعتبره تلك عشرة كاملة في الأيام المتواصلة ثلاثة في
الحج وسبعة إذا رجع، وقطع كل فجّ العشرة أوّل العقود ومنها تتركب الحدود، الراكب يرى
ما لا يراه الفارس، والقائم يشهد ما لا يشهده الجالس، شأن الأمير الاستواء على السرير،
والخادم بين يديه قائم فهو السيد وإن قام بين يديه، فإن أموره مصروفة إليه، وهما يصرفان
الركاب والخيل تأويباً بالنهار وآساداً بالليل، فافتكروا واعتبروا.
ومن ذلك سرّ الأصول في الفصول من الباب الأحد والثلاثين: لولا الفصول المقوّمة ما
نارت البيوت المظلمة، لولا الفصول ما أبانت الحدود الأصول، بالفصول المقسمة ظهرت
المرحمة والمشأمة، بالفصل تميز الرب من المربوب، وبه اتصل المحب بالمحبوب،
فبالفصل علم المحب أنه هالك والمحبوب مالك، لا يرد الفصل إلاَّ على وصل، فهو عنوانه
وبه قام ميزانه، الفصل خلاء محدود والمفصول ملاء مشهود، وهو يحل محل الوصل،

٧٣
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
فالوصل خلا مثله ومثل المماثل شكله، فالفصل والوصل ضربان هما من الله نعمتان .
ومن ذلك سرّ تدبير الإكسير من الباب ٣٢: الأكسير سلطان يقلب الأعيان حكمه حكم
الزمان، لكنه أسرع في الحدثان، ومع سلطانه فهو في حكم القابل، وإلى ما يقبله بالفعل
مايل، فالعجز والقصور سار في جميع الأمور، وعدم الاستقلال يقطع بالآمال، لولا المرض
ما كان التدبير ولا نزل الأمير عن السرير، ولا لحق الذهب بالقزدير، ولا قام عطارد مقام
الأكسير بالأكسير، ولا ذهب النحاس بالذهب، ولو لم ترجع المعادن إلى أصل واحد ما
سميت بالناقص والزائد، وأصل اعتلال الأبدان بالزيادة والنقصان، والطبيب الماهر هو المدبر
الأكاسر، لا يزال من أجل الفضة والذهب يتلو سورة أبي لهب تبت يداه وما كسب، فهو
يسعى في إقامة الميزان واعتدال الأوزان، ويحافظ على إقامة نشأة الإنسان في شهر نيسان،
فإنه شباب الدهر، وأوان الثمر والزهر، ومسرح النواظر في النواضر، فاعلم وإذا علمت
فالزم، وإذا لزمت فتكتم.
ومن ذلك سرّ النية في الموحدين والتنويه من الباب ٣٣: لما لم يصحّ وجود العين
الحادث المعرض للحوادث إلاَّ بوجود الاثنين والثالث وذلك تركيب المقدمات لظهور
المولدات بنكاح محسوس ومعقول على وجه وشرط معقول ومنقول فوافق العقل النقل
وساعد الطبع السمع، ألا ترى الأمر موقوفاً على اقتدارنا؟ فذو قبول كما حكمت به براهين
العقول، فمن نظر في توقف الاثنين على الثالث قال بالتوحيد في وجود عين الحادث، ومن
نظر إلى هذين قال مع وجود الزائد بالاثنين ورأوا الأمر بين ظلمة ونور وغم وسرور، وقال في
الكلام الذي لا يدخله ريب ولا مين: ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] وما ثم غير
هذين، فالإله واحد والقائل بغير هذا يضرب في حديد بارد.
ومن ذلك سرّ أنفاس الجلاس من الباب ٣٤: من جلس رأس وهو قولهم من ثبت نبت
الجليس أنيس الذاكرون الله الله جليسهم، وإذا كان جليسهم فهو بالذكر أنيسهم، ومن جالسك
فقد جالسته فأنتم جلساء الحق وذلك هو مقعد الصدق ثم يفترق الجلوس، فإما أن تجلس
إليه، وإما أن يجلس إليك، فإن جلس إليك كان في مقام حتى نعلم فإن فهمت فالزم، وإن
جلست إليه أفادك ظرائف الحكم وأتاك جوامع الكلم، فقد يستفيد المفيد ويفيد المستفيد،
أهل المجالس والجلوس هم المقدمون، والرؤوس كل من جلس خدم وكل من قام ندم، لولا
قيام الجدار ما انهدم، ولولا إقامة النشأة الإنسانية إلى أرذل العمر ما سمّى الهدم، القائم
متعرض لهبوب الأنفاس، والمتحرك في قيامه متصف بالذاهب والخناس، فتعوّذوا برب
الناس من شر الوسواس.
ومن ذلك سرّ الجرس واتخاذ الحرس من الباب ٣٥: الجرس كلام مجمل، والحرس
باب مقفل، فمن فصل مجمله وفتح مقفله أطلع على الأمر العجاب والتحق بذوي الألباب
وعرف ما صانه القشر من اللباب، فعظم الحجاب والحجاب الإجمال حكمة وفصل الخطاب
قسمة لإزالة غمّه في أمور مهمة محجوبة بليال مدلهمة، والحرس عصمه فهم أعظم نعمه

٧٤
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
لإزالة نقمه، صلصلة الجرس عين جمجمة الفرس. ومن ذلك سرّ تمهيد موسى لعيسى من
الباب ٣٦: التوراة أوّل جيل أمن بالإنجيل، وأوّل نور ظهر بالزبور موسى خرج في طلب
النار فورى زناد الأقدار فجاء بالتوراة وهو يحمد الآثار، موسى حيي بعيسى لأنه روح عيسى
كلمة من كلّم موسى فأشبه نورٍ يوح ﴿وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وسلم على
عيسى تسليماً، وما سلّم عليه إلاَّ به ليتنبه، ويسلم على ابن خالته بنفسه لتتميز رتبة يومه من
أمسه، فيرتفع اللبس باليوم الذي بين الغد والأمس، كل متقدم من الرسل بشير وفي أمته نذير،
يعلم بالآتي ويحرض على صحبة المواتي، ما نشأ الخلاف إلاَّ من عدم الإنصاف، وما ثم إلاَّ
خلف لأن الذي خلف من سلف خلف لم يكن لرسول الله وَو خلف لأنه أنصف.
ومن ذلك سرّ حال الأتباع في الاتباع من الباب ٣٧ : لولا حكم الاتباع ما سمّوا بالأتباع
أتباع الرسل هم المتحققون بالسبل من سلك سوى سبيله حمد في فعله وقيله الأمر صادق
وصديق فلا بدّ من تابع ومتبوع، هذا هو التحقيق حقيق على أن لا أقول على الله إلاَّ الحق
فإني بالله أسمع وأبصر وأنطق فالزم تعلم.
ومن ذلك سرّ ما لا ينال إلاّ بالكشف الصرف من الباب ٣٨: وليس إلاَّ علم التجلي
والتداني والتدلي، وكذلك ما ينتجه التحلي بالأسماء من علوم الأنباء، وكل علم موقوف على
الحسّ فما فيه لبس، وما ينتجه الفكر فلا يعوّل عليه، فإن النكر يسارع إليه. وأما قوله: ﴿وَمَا
رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] فقد أثبت لك ما رأيت ودلّ قوله ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَىَّ﴾ [الأنفال:
١٧] على أمر يستوي فيه البصير والأعمى، قيد الله أيدي الأكوان وإن اختلفت الأعيان فعد عن
النظر في الصور فإنها محال الغير وقل رب زدني علماً لتحدث حكماً.
ومن ذلك سرّ العزل والولاية في الضلالة والهداية من الباب ٣٩: يتضمن العزل الولاية
تضمن الضلال الهداية الهدى إلى الضلال هدى، فإياك أن تجعل الضلالة سدى، الضلالة
حيرة ولو لم تكن ذاتية لأوجبتها الغيرة، لو لم تكن الضلالة انتهك حماه وكان إدراكه في
عماه، لا عزل إلاَّ من ولاية، ولا ضلال إلاَّ بعد هداية ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ
هَدَنهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] وهذا من العلم المخزون المصون، من أضلّه
الله على علم فهو صاحب فهم، والله الوالي من اسمه المتعالي .
ومن ذلك سرّ المجاورة والمحاورة من الباب ٤٠: المحاورة لا تعقل من غير مجاورة،
المحاورة مراجعة الحديث في القديم والحديث، الجار أحق بصقبه من صاحب نسبه، فإنكم
بالأصل من أولي الأرحام ومن أهل الالتئام والالتحام، لا يشترط في الجوار الجنس فإنه علم
في لبس الله جار عبده بالمعية وإن انتفت المثلية، والعبد جار الله في حرمه ومطلع على
حرمه، وهي أعيان كلمات الله التي لا تنفد ولا تبعد فتبعد.
ومن ذلك سرّ النهار والليل والحرمان والنيل من الباب الأحد والأربعين: النهار معاش
والليل لباس، فالنيل وجدان والحرمان إفلاس فقد ارتفع الالتباس، النهار حركة والليل
سكون، والمحروم من الخلق من يقول للشيء كن فيكون، فظهر المنازع بالتكوين وحصل

٧٥
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
التعيين في الكثرة لوجود التلوين، فما جنى على التوحيد إلاَّ الكون، وما نازعه إلاَّ وجود
العين، فصاحب اللوا من يرى الحق عين السوى.
ومن ذلك سرّ الفتوة المختصة بالنبوّة من الباب ٤٢: الفتى لا يعرف أين ومتى أينه دائم
مستقر وزمانه حال مستمر التحم أزله بأبده، فلا أوّل ولا انقضاء لأمده لا يعرف الأجل
المسمّى، ولا يقول بفك المعمى الملوان بحكم الفتيان تصرفهما أحوالهم فأعمالهما أعمالهم
من عتى ما تفتى ولا سمّي بفتى غاية الفتى، الخلة لما سدّ الخلة غار بالرقباء فقطعهم جذاذاً
واتخذ الكبير ملاذاً، ثم أحالهم على ما أوحى لهم.
ومن ذلك سرّ إلحاق الشبه بالشبه من الباب ٤٣: لولا الشبه ما كانت الشبه فالظلال
أمثال، وأي أمثال من أعجب الأمر في الظل مع المثل أنّ النور يصوّره وهو ينفره والجسم
يقرّره ويثبته، لأنه منبته في لسان الأمّة، من أشبه أباه ما ظلم أمه، أسماؤه الحسنى أسماؤنا
فعلى الشبه قام بناؤنا، وأحكامنا أحكامه فنحن بكل وجه شعائره وأعلامه، فتعظيمنا إياها من
تقوى القلوب، وفتح الغيوب.
ومن ذلك سرّ التصرف في الفنون من شأن أهل الجنون من الباب ٤٤: الفنون أعيان
الشؤون والشؤون هوية المحتد ربانية المشهد من أعجب ما ورد أنه لم يلد وعنه ظهرت
الأعداد فله أحدية العدد، وما بالدار من أحد، الجنون ستور، فقل ألا إلى الله تصير الأمور.
ومن ذلك سرّ التكرار في الأدوار من الباب ٤٥: تكرر الملوان بالاسم لا بالأعيان،
ودار الفلك فحدث الجديدان، أطت السماء وحق لها أن تئط فإن الأمر فيها منضغط، كيف لا
يسمع لها صوت وهي تخاف الفوت، لعلمها بأنها تمور موراً، وتسير الجبال سيراً، يوم
ترجف الراجفة، تتبعها الرادفة، قلوب يومئذ واجفة، ونفوس تالفة، وعقول خائفة، وأسرار
على حالها عاكفة، وهت السماء فهي واهية، حين أصبحت على عروشها خاوية، لو بقي
ساكنها ما خربت مساكنها، فالدور أظهر الكور .
ومن ذلك سر القليل والكثير في التيسير والتعسير من الباب ٤٦: من تعبدته الإضافات
فهو صاحب آفات، من كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، إنّ مع العسر يسراً، وقد كان الرطب
بلحاً وبسراً، مرقوم في الكتاب، كثير من الناس سجد وكثير حق عليه العذاب، وما أوتيتم من
العلم إلا قليلاً، مع كونه أقوم قيلاً ﴿ وَأَذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَبَثَّلْ إِلَيْهِ تَبْنِيلًا﴾ [المزمل: ٨] وسبح بحمد
ربك بكرة وأصيلا وقم الليل، فإنّ لك في النهار سبحاً طويلاً، إخراج ما في اليد هو الكثير
وإن قل، فاعرف معنى الكثر والقل سبق درهم ألفاً لكونه ما وجد ألفاً . .
ومن ذلك سر السافل والعالي، والمتسافل والمتعالي من الباب ٤٧ : العالي صاحب
الروح، والسافل له إليه طرف جموح، والمتوسط ذو طرفين له إلى كل طرف جنوح،
المتسافل يشهد لصاحبه بالسمو، والمتعالي يشهد للمتصف به بالمقام الدني للدنو الحاصل لا
يبتغى، وما سفل إلا من طغى ما بلغ الماء الربى حتى زاد السيل وطمى، يا أهل الكتاب، لا

٧٦
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
تغلوا في دينكم غير الحق، ولا تقولوا على الله إلا الحق، ما عنده علم ولا فتوة، من الحق
العبود بالبنوة، أين الأبناء من العبيد؟ وأين الأنس من الوحيد؟
ومن ذلك سرّ الأزل فى العلل من الباب ٤٨ : لو كان علة لساوقه المعلول في الوجود
وقد تأخر، فثبت الاسم المقدّم والمؤخر، لو اقتضى وجود العالم لذاته، لم يتأخر عنه شيء
من محدثاته، ولو لم يصح أن يصدر عنه إلا واحد، لبطلت النسب والشواهد، من جعل
للصادر مع أحديته نسباً، فقد أثبت أحكاماً ونسباً، والصادر موجود معلوم، والنسب أمر
معدوم، والعدم لا يقوم بالوجود، فإن البراهين تبطله والحدود، والكثرة معقولة، وما ثم علة
إلا وهي معلولة .
ومن ذلك سرّ وجود النفس في العسس من الباب ٤٩: بالعسس يطيب المنام، وبالنفس
تزول الآلام، إن أضيف إلى غير الرحمن فهو بهتان عن الرحمن، ظهر حكمه فزال عن
المكروب غمه، من قبل اليمن جاء، وبعد تنفيذ حكمه فاء، وإليه يرجع الأمر كله لأنه ظله،
لا ينقبض الظل إلا إلى من صدر عنه، فإنه ما ظهر عينه إلا منه، فالفرع لا يستبد، فإنه إلى
أصله يستند، في الفروع يظهر التفصيل وتشهد له الأصول في قضية العقول.
ومن ذلك سرّ الحيرة والقصور فيما يحوي عليه الخيام والقصور من الباب ٥٠ : الخيمة
والقصر يؤذن بالقهر والقسر، لولا الحيرة ما وجد العجز، ولا ظهر سلطان العزّ، وبالقصور
علم بحدوث الأمور، القصور يلزم الطرفين لعدم الاستقلال بإيجاد العين، لولا القبول
والاقتدار، وتكوير الليل والنهار بالإقبال والإدبار، ما ظهرت أعيان ولا عدمت أكوان،
فسبحان المتفضل بالدهور والأمور.
ومن ذلك سرّ الهرب من الحرب من الباب الأحد والخمسين: من مال متحيزاً إلى فئة
أو متحرفا لقتال فما مال، فالهرب من الحرب وهو من الخداع في الفزاع، كن قاراً ولا تتبع
فاراً، لا تضطره إلى ضيق فيأتيك من تكرهه من فوق، كل يجري في قربه إلى أجل فلا تقل
بجل، إذا نزل القدر عمي البصر نزول الحمام يقيد الأقدام، لا جناح لمن غلبه الأمر المتاح،
من راح استراح إلى مقرّ الأرواح، من فتح له باب السماء استظلّ بسدرة الانتهاء، الشهيد حيّ
وإنجازه ليّ.
ومن ذلك سرّ عبادة الهوى لماذا تهوى من الباب ٥٢: لا احتجار على الهوى، ولهذا
يهوى بالهوى، يجتنب الهوى، وحق الهوى إن الهوى سبب الهوى، ولولا الهوى في القلب
ما عبد الهوى، بالهوى يتبع الحق، والهوى يقعدك مقعد الصدق، الهوى ملاذ، وفي العبادة
به التذاذ، وهو معاذ لمن به عاذ ﴿ وَالنَّجْرِ إِذَا هَوَى ﴿ مَا ضَلَ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١-٢]
فبهوي النجم وقع القسم بعدما طلع ونجم مواقع النجوم، قسم لو تعلمون عظيم، فلولا علوّ
قدره ما عظم من أمره.
ومن ذلك سرّ الإشارات وإلحاقها بالعبارات من الباب ٥٣ : الإشارة إيماء جاءت بها
الأنباء، فأشارت إليه متكلة عليه فبرأتها شهادته ممّا قيل، وتلى ذلك في كل جيل، في قرآن

٧٧
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
وزبور وتوراة وإنجيل، الإشارة حرام، إلاَّ لمن لزم الصيام، الإشارات عبارات خفية وهو
مذهب الصوفية، الإشارة نداء على رأس البعد، وبوح بعين العلة في كل ملة، لولا طلب
الكتمان ما كانت الإشارة بالأجفان هي دلالة على المين وساعية، في بين البين، ولذلك لم
يكن ينبغي لنبي أن يكون له خائنة عين ولهذا دلّت على المين.
ومن ذلك سرّ الشياطين في السلاطين من الباب ٥٤ : السلطان ظل وصحبته ذلّ،
والشيطنة بعد والظل لا يتبين حتى يمتد إذا امتد عن أصله بعد، وإذا فاء إليه بعد السلطان راع
وداع (وَكُلُّكُمْ رَاع)) فالكل أمثال، والأمثال أضداد، والمضادة عناد، فثبت أن الشياطين
سلاطين، الشيطان رجيم، بذوات الأذناب من النجوم قعدت الشهب على النقب فرمتها من
قبل وعن جنب الأمر الكبار في حرق النار بالنار .
ومن ذلك سرّ تتبع التنوّع من الباب ٥٥ : تنوّعات العالم في الحق الشؤون وهي ما
يظهر من الفنون، الظن رجم بالغيب والعلم ما فيه شك ولا ريب، الظن أكذب الحديث في
القديم والحديث الأنواع تفاصيل الجنس من غير نزاع، ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض
البطلت السنة والفرض، تنوّعت الأسماء فتنوّعت الأسباب، والكل نسب والنسب في تباب،
التّنوّع افتراق لما ضمته الحقاق، وقد لحق بالمحاق من قال إن هذا إلاَّ اختلاف، التتبع
تجسّس، وقد نهي عن التجسّس.
ومن ذلك سرّ الإلهام والوحي في المنام من الباب ٥٦ : الدقائق أعوام في حال المنام،
وعلوم النظر أوهام، عند علوم الإلهام القائل عن الإلهام ما يخطىء، والحكم به لا يبطىء،
عظم محن النفوس وبلواها، في ﴿فَأَمَهَا لُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا﴾ [الشمس: ٨] فمن نهى النفس عن
هواها بهواها فقد أمن غائلتها ومنتهاها، لولا إلهام النحل ما وجد العسل في زمان المحل،
بالإلهام طلب المرعى وجمع فأوعى، المبشرات نبوات ورسالات، فاستدرك بعد أن عمّم
فقال لكن المبشرات، فخصص وتمّم، فسبحان من خصّه بالحكم وجوامع الكلم.
ومن ذلك سرّ الزمان والمكان من الباب ٥٧ : المكان نسبة في موجود والزمان نسبة في
محدود وإن لم يكن له وجود، المكان يحدّ بالجلاس والزمان يعد بالأنفاس، الأمكان يحكم
والمكان في الزمان والمكان الزمان، له أصل يرجع إليه، وهو الاسم الإلهي الدهر الذي يعوّل
عليه، ظهر المكان بالاستواء، وظهر الزمان بالنزول إلى السماء، وقد كان قبل الاستواء له ظهور
في العماء، الأينية للمتمكن، والحال والفرق ظاهر بين الأماكن، والمحال الحال بحيث المحل،
والمتمكن عن المكان منتقل، الزمان ظرف لمظروف كالمعاني مع الحروف، وليس المكان
بظرف فلا يشبه الحرف ظرف، المكان تجوز في عبارة الإنسان، الزمان محصور في القسمة
بالآن، وما من شرطه وجود الأعيان، وإذا لم يعقل المكان إلاَّ بالساكن فهو من المساكن.
ومن ذلك سرّ المنصور والناصر من الأفلاك والعناصر من الباب ٥٨ : ما استعيذ بالله
من الحور بعد الكور إلاَّ لتأثير الدور، ماثم حور بل ثم استدارة لا دور، ما في العالم تكرار
مع وجود الأدوار، كل ذلك إقبال وذهاب، ما ثم رجوع ولا إياب، السبب الأوّل: خير

٧٨
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
الناصرين، والسبب الأخير: خير المنصورين. الأفلاك ذكور، والعناصر محال التكوين
والظهور، وقد كانت الأفلاك أمهات لما ظهر فيها من المولدات، الفاعلات أملاك
والمنفعلات أفلاك، والانفعالات أعراس وأملاك، لولا الالتحام ما ظهر هذا النظام، قد يكون
المنفعل ناصر الفاعلة فيه بقبوله، وبلوغ سؤله ومأموله، لولا الأمر المطاع ما كان الاجتماع،
فما ظهرت أشباح ولا أرواح إلاَّ بنكاح.
ومن ذلك سرّ اختصاص النصب بالغضب من الباب ٥٩ : الغضب نصب النفس في كل
جنس نصب الأبدان من همم النفوس في المعقول والمحسوس، من تأثّر تعثر، وما ثم من لا
يتأثر، إلاَّ ببلوغ المراد تميز الرب من العباد، فالرب بالغ أمره وإن جهل العبد قدره، والعبد
عبد القهر بحكم الدهر، من حكم عليك فهو إليك، فوله إن شئت، أو فاعزله ونزّه نفسه إن
شئت، أو مثله في التنزيه عين التشبيه، فأين الراحة التي أعطتها المعرفة؟ وأين الوجود من هذه
الصفة؟ الظالم هو الحاكم في أكثر المواطن، والحكم في الظاهر إنما هو للباطن، فلولا
الأنفاس ما تحركت الحواس.
ومن ذلك سرّ امتياز الفرق عند إلجام العرق من الباب الستين: إذا كان يوم العرض
ووقع الطلب بإقامة السنة والفرض، وذهلت كل مرضعة عما أرضعت، وزهدت كل نفس فيما
جمعت، وألجم الناس العرق وامتازت الفرق، واستقصيت الحقوق، وحوسب الإنسان على
ما اختزنه في الصندوق، زال الريب والمين وبان الصبح لذي عينين، وندم من أعرض وتولى
وفاز بالتجلي السعادى كل قلب بالأسماء الإلهية الحسنى تحلّى، في الموطن الذي إليه حين
دنى تدلى، فرأى في النزلة الأولى والأخرى من آيات ربه الكبرى، فرفع ميزان العدل في قبة
الفصل، ففاز بالثقل أهل الفضل، فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية في جنة عالية
قطوفها دانية ومن خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ماهيه نار حامية، ولا تمتاز الفرق إلاَّ
بالحدود، فمنهم النازل بمنازل النحوس، ومنهم النازل بمنازل السعود.
ومن ذلك سرّ المقام الشامخ في البرازخ من الباب الأحد والستين: البرزخ بين بين وهو
مقام بين هذين، فما هو أحدهما بل هو مجموع الاثنين، فله العزّ الشامخ، والمجد الباذخ،
والمقام الراسخ، وعلم البرازخ، له من القيامة الأعراف ومن الأسماء الاتصاف، فقد حاز مقام
الإنصاف، فما هوعين الاسم ولا عين المسمّى، ولا يعرف هويته إلاَّ من يفك المعمى، وقد
استوى فيه البصير والأعمى، هو الظل بين الأنوار والظلم، والحد الفاصل بين الوجود
والعدم، وإليه ينتهي الطريق الأمم، وهو حدّ الوقفة بين المقامين لمن فهم، له من الأزمنة
الحال اللازم، فهو الوجود الدائم البرزخ، جامع الطرفين والساحة بين العلمين، له ما بين
النقطة والمحيط، وليس بمركب ولا بسيط، حظه من الأحكام المباح، ولهذا كان له الاختيار
والسراح، لم يتقيد بمحظور، ولا واجب، ولا مكروه ولا مندوب إليه في جميع المذاهب.
ومن ذلك سرّ النشر والحشر من الباب ٦٢ : النشر ضد الطي وبه يتبين الرشد من
الغيّ، النشر ظهور فهو نور على نور، الحشر جمع ما فيه صدع بالحشر يقع الازدحام وبه

٧٩
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
يكون الالتحام، لولا الحشر ما زوجت النفوس بأبدانها ولا أقيمت المآدب بميدانها، قبور
الأرواح أجسامها وقبور الأجسام أزامها، ففي سجن الأشباح سراح الأرواح، فلها الرواحِ
والارتياح في الانفساح، وإن تقيدت بصور جسدية فإن لها التقليبات الأبدية، وما لها نعت إلاّ
الأحدية، وإن كانت لا تنفك عن صورة فإنها في أعزّ سورة، فإذا بعثت الأجسام من قبورها
وحصل للعرض عليها ما في صدروها، صدق الخبر الخبر وما بقي للريب في ذلك من أثر،
فمن حار فاز وليس للبازي إلاَّ ما حاز، فاعبر ولا تعمر فإن الدنيا نهر، وبحر يحكم فيها مد
وجزر، والإنسان على نهرها جسر.
ومن ذلك سرّ المقامة والكرامة من الباب ٦٣: النار دار انتقال من حال إلى حال،
والحكم في عاقبتها للرحمة والنعمة وإزالة الكرب والغمة، فلذلك لم توصف بدار مقامه لعدم
هذه العلامة، وسمّيت منزل الكرامة دار المقامة، لأنها مقيمة على العهد فلا تقبل الضد
المقامة، نشأة الآخرة لأنها عين لحافرة، ما هي كرة خاسرة بل هي رابحة تاجرة، سوقها
نفاق، وعذابها نفاق، فالصورة عذاب مقيم والحسّ في غاية النعيم، فإن نعيم الأمشاج فيما
يلائم المزاج .
ومن ذلك سرّ الشرع المنافر والموافق للطبع من الباب ٦٤ : الشرع لا يتوقف على منافر
أو موافق إذا تصرف له الحكم فيما ساء وسرّ ونفع وضرّ، منزلته الحكم في الأعيان لا في
الأكوان، الصلاة خمس ما بين جهر وهمس، بني الإسلام على خمس لإزالة اللبس،
فالتوحيد إمام فله الإمام، والصلاة نور، والصبر ضياء، والصدقة برهان، والحج إعلام
بالمناسك الكرام وحرمات في حلال وحرام، الشرع زائل والطبع ليس براحل، محل الشرع
الدار الدنيا، ومحل الطبع الآخرة والأولى، يرتفع الحكم التكليفي في الآخرة، ولا يرتفع
الطبع من الحافرة، للشرع منازل الأحكام، وللطبع البقاء والدوام، جاءت الشرائع بحشر
الأجساد، وثبتت بخرق المعتاد، أينما كانت الأجساد فلا بدّ من كون وفساد، وبهذا ورد
الشرع وجاء السمع، وقبله الطبع ووافق عليه الجمع، والإيمان به واجب، وإن الله خلقهم من
طين لازب.
ومن ذلك سر الشهادتين والجمع بين الكلمتين من الباب ٦٥ : العين طريق والعلم
تحقيق لولا فضل العلم على العين ما كان شهادة خزيمة بمنزلة شهادة رجلين، ما تنظر إلاّ
لتعلم، كما أنك لا تخاطب إلاَّ لتفهم، ولا تخاطب إلاَّ لتفهم الشهادة حضور ونور على نور
الشهادة على الخبر أقوى في الحكم من شهادة البصر، يثبت ذلك شهادة خزيمة للنبي عليه
السلام المنقولة عنه في الأحكام، لولا التلبس الداخل على البصر ما شهد الصحابة في جبريل
عليه السلام أنه من البشر وليس من البشر، فلو استعملهم العلم وكانوا بحكم الفهم، لتفكروا
فيما أبصروا حيث سألوا عمّا جهلوا، فكانوا يقولون: إن لم يكن هذا المشهود روحاً تجسد
وإلاَّ فهو دحية كما يشهد، ولو ظهر في أماكن مختلفة في زمان واحد وتعدد فلا يقدح ذلك في
دحييته فإنه في كل صورة بهويته، وتلك الصور لهويته كالأعضاء لعين الإنسان وهو واحد مع

٨٠
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة / في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
كثرة الأعضاء التي في الأكوان، فمن وقف عندما قلناه حينئذٍ يعرف ما يرى إذا رآه، وبهذا
يجمع بين الكلمتين ويتلفظ بالشهادتين، لأنه من يطع الرسول فقد أطاع الله، فإن هويته سمعه
وبصره وجميع قواه.
ومن ذلك سرّ تقديس الجوهر النفيس من الباب ٦٦ : الجوهر الأصل وعنه يكون
بالفصل، القدوس عين بصر المحبوب من خلف حجاب الغيوب، فإذا أنصف الإنسان فرق
بين الإيمان والعيان، ولا سيما فيمن كان الحق قواه من الأكوان، فالتصديق بالخبر فوق
الحكم بما يشهده البصر إلاَّ إذا نظر واعتبر.
ومن ذلك سرّ المقاولة والمحاولة من الباب ٦٧ : لولا القول ما ظهرت الأعيان ولا كان
ما كان، فصل الخطاب من المقال وسلطانه في قلت وقال. المحاولة في التفهيم لأرباب
التعليم، كما هي في التفهم وطلب التعلم من المحاولة ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِبَدَقِّ﴾
[ص: ٧٥] ومن المقاولة: ((قَسْمْتُ الصَّلَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي)) فإليّ وعليّ المحاولة لا يظهر عنها
عين إلاَّ في كون المقاولة من المحاولة، المقاولة تأخر ومسابقة، والمحاولة في الوجود
مساوقة، المقاولة نسب والمحاولة سبب، المقاولة منها مناوحة ومنها مكافحة، القول يطلب
السمع ويؤذن بالجمع له الأثر في السامع وهو يقرب الشاسع، وفي بعض المواطن تغني
الإشارة عن العبارة .
ومن ذلك الحجب المنيعة عن أحكام الطبيعة من الباب ٦٨ : لا يقول بالحجب المنيعة
عن أحكام الطبيعة إلاَّ أصحاب خرق العوائد أهل الأنوار والمشاهد العاملون على أسرار
الشرع وما شعروا أن ذلك من أحكام الطبع، فإن العادة حجاب فيا ليت شعري ما وراء هذا
الباب من عرف أن الطبيعة بالرتبة فوق الجنة عرف أن الله في جعلها هناك الطول والمنة، لولا
ما هي فوقها في المنزلة لكانت الإعادة في الأجسام يوم القيامة من المسائل المشكلة، من
وقف مع اللوح والقلم انحجب عن الطبيعة والتزم، ومن جالس الأرواح المهيمة غابت عنه
أمور الأجسام المحكمة، من هيأ روحه لترويح النفس لم يدر ما صلصلة الجرس، حكم
لطبيعة تحت النفس، وأكثر النظار من ذلك في لبس، من المحال أن يمنع الإنسان عن العلم
بالطبيعة مانع وهو للعالم برنامج جامع، كيف يجهل الشيء نفسه ويزعم أنه يعرف أصله
وأسه، كيف يخرج عن جنسه من تقيد بيومه وأمسه.
ومن ذلك سرّ كشف الغطاء بالعطاء من الباب ٦٩ : الشكر سبب مزيد الآلاء وتضاعف
النعماء وعصمة من تأثير الأسماء بالأسواء، بالجود ظهر الوجود، والكرم سبب ارتفاع الهمم،
وبالإيثار تحمد الآثار، وبالعطاء يكون كشف الغطاء، وبالهبات تمحى السيئات، الأنعام من
الأنعام تحمل الأثقال والرحال وعليها تمتطي الرجال إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلاَّ بشق الأنفس
مع نزولها عن المقام الأقدس، ومن أعجب ما يكون أن الوضوء من أكل لحومها مسنون
لشربها من بئر شطون العطاء يرد الوعر وطاء، الرفاده أعظم عباده، الرجعة في الهبة مثلبه
وإمضاؤها منقبه، والمواهب من أحمد مناقب، الواهب الجود جود وهو لأهل الوجود،