النص المفهرس

صفحات 1-20

الفُوحَاتُ
المَكْبَّة
للشيخ الإمام خاتم الأولياء أبي بكر محي الدّين محمّد بن علي
بن محمّد بن أحمد بن عبداللَّه الحاتمي المعروف بأبن سرفٍ
المتوفى سنة ٦٣٨ هـ
ضَبطُهِ وَحَّهُ وَوَصَ فَارَسَه
أحدٌمن الدين
المجدّد التامين
مَّسُورَات
دار الكتب العلمية
بسبيروت- لوت

الفتوحَانَةُ المكية
تأليف
الشيخ الإمَام خاتم الأولياء أبي بكر محي الدين
مُحَمَد بن على بن محمّد بن أحمد بن عَبْد اللّه الحافي
المعروف بابن عَرَبي
المتوفى سنة ٦٣٨هـ
ضَبَطَهِ وَمَّهُ وَوَضعَ فَهَارِسَه
أُحد ◌ّمنالدّين
الجزء الثامن
منشورات
محمد عَلى بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
الحميد * حضرة الحمد
[نظم: البسيط]
وفَاعِلٌ ولهذا أنتَ مَحمُودُ
أَنْتَ الحَمِيدُ اسْمُ مَفْعُولٍ لحامِدِنا
هو الشّهيدُ لنا والقلب مشهودُ
وحامدٌ فإذا جئنا لنَحْمِدَهُ
وليس يأخذه حَصْرٌ وتَحديدُ
من غير كَيْفٍ ولا كَمِّ ولا شُبَهٍ
بالله أغْبُدُهُ والله مَغْبُودُ
إني لأعْبُدُهُ بي لا به فأنا
شَرْعاً وعَقْلاً فإطلاقٌ وَتَقْبِيدُ
إني لأعْرِفُهُ إذا أُشَبُهُـه
يدعى صاحبها عبد الحميد وهو فعيل، فعم اسم الفاعل بالدلالة الوضعية واسم
المفعول فهو الحامد والمحمود وإليه ترجع عواقب الثناء كلها، ومحمد ◌َليه بيده لواء الحمد،
فلآدم عليه السلام علم الأسماء، ولمحمد وّ علم الثناء بها والتلفظ بالمقام المحمود،
فأعطي في القيامة لأجل المقام المحمود العمل بالعلم ولم يعط لغيره في ذلك الموطن
فصحت له السيادة فقال ((آدَمُ فَمَنْ دُوِنَهُ تَحْتَ لِوَائِي)) وما له لواء إلا الحمد وهو رجوع عواقب
الثناء إلى الله وهو قوله: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] لا لغيره، وما في العالم لفظ لا يدل على
ثناء ألبتة أعني ثناءً جميلاً وأن مرجعه إلى الله، فإنه لا يخلو أن يثني المثني على الله أو على
غير الله، فإذا حمد الله فحمد من هو أهل الحمد، وإذا حمد غير الله فما يحمده إلا بما يكون
فيه من نعوت المحامد، وتلك النعوت مما منحه الله إياها وأوجده عليها إما في جبلته وإما في
تخلقه فتكون مكتسبة له، وعلى كل وجه فهي من الله، فكان الحق معدن كل خير وجميل،
فرجع عاقبة الثناء على المخلوق بتلك المحامد على من أوجدها وهو الله، فلا محمود إلا
الله، وما من لفظ يكون له وجه إلى مذموم إلا وفيه وجه إلى محمود، فهو من حيث إنه
محمود يرجع إلى الله ومن حيث ما هو مذموم لا حكم له لأن مستند الذم عدم فلا يجد متعلقاً
فيذهب ويبقى الحمد لمن هو له، فلا يبقى لهذا اللفظ المعين، إلا وجه الحمد عند الكشف،
ويذهب عنه وجه الذم أي ينكشف له أن لا وجه للذم.
ولقد أخبرني في هذا اليوم الذي قيدت فيه هذه الحضرة في هذا الكتاب صاحبنا سيف
الدين ابن الأمير عزيز رحمه الله أنه رأى والي البلد يضرب إنساناً ضرباً مبرحاً فوقف في جملة
الناس وهو يمقت الوالي في نفسه لضربه ذلك الشخص فأخذ عن نفسه فشاهد الوالي مثله
واحداً من الجماعة ينظر إلى المضروب مثل ما تنظر إليه الجماعة والآمر بالضرب ليس الوالي
فعذره وسري عنه وانصرف. وكان سبب هذه الحكاية أن الوالي جار عليه في حكومة فقلت
٣

٤
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
له: ارفعه إلى السلطان فقال لي: ما بيد الوالي شيء، ثم ذكر لي ما رأى وهكذا الأمر في
نفسه، فهذا شخص قد كان مع الحجاب ينسب الجور إلى الوالي، فلما كشف الله عن بصره
الغطاء زال كون ذلك جوراً عنده وقام عذر الجائر عنده فصار حمداً وثناء خير، وبرئت ساحة
من أضيف الذم إليه فعادت عواقب الثناء إلى الله عز وجل، ألا تراه يقول: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُهُ
اَلْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥] وقد افتقر إلى مذموم ومحمود ودخل تحت مسمى الله ثم قال:
﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ﴾ [فاطر: ١٥] يقول الذي لا يفتقر ﴿الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] أي الذي ترجع إليه
عواقب الثناء من الحامد والمحمود، وإن كان مذموماً بنسبة ما فهو محمود بنسبة أقوى لها
الحكم فيه، فالحمد لله تملأ الميزان لأنه كل ما في الميزان فهو ثناء على الله وحمد لله، فما
ملأ الميزان إلا الحمد، فالتسبيح حمد، وكذلك التهليل والتكبير والتمجيد والتعظيم والتوقير
والتعزيز وأمثال ذلك كله حمد، فالحمد لله هو العام الذي لا أعم منه، وكل ذكر فهو جزء منه
كالأعضاء للإنسان، والحمد كالإنسان بجملته: [الهزج]
فقد بَانَ لكَ الحَمْدُ
فلا يَخْجُبَنك الذّمُ
فما غَيَّبَهُ الكَتْمُ
وقد لاحَ لك السِّرُّ
وحكم هذه الحضرة على ثلاثة أنحاء في التمام والكمال وأتمها واحد منها، وذلك حمد
الحامد نفسه يتطرّق إليه الاحتمال فلا يكون له ذلك الكمال فيحتاج إلى قرينة حال وعلم
يصدق الحامد فيما حمد به نفسه فإنه قد يصف واصف نفسه بما ليس هو عليه، وكذلك
حكمه إذا حمده غيره يتطرّق أيضاً إليه الاحتمال حتى يستكشف عن ذلك فينقص عن درجة
الإبانة والتحقيق، والحمد الثالث حمد الحمد وما في المحامد أصدق منه فإنه عين قيام الصفة
به، فلا محمود إلا من حمده الحمد لا من حمد نفسه ولا من حمده غيره، فإذا كان عين
الصفة عين الموصوف عين الواصف كان الحمد عين الحامد والمحمود وليس إلا الله فهو عين
حمده سواء أضيف ذلك الحمد إليه أو إلى غيره: [الطويل]
فما ثَمَّ إلا الله فاحمدْ تَقُلْ حَقًّا
ورَاقِبْ ثَنَاءَ الحَقِّ في كل لفظةٍ
فمن نالَ هذا العِلْمَ نال مكانةً
وسابِقْ إلى هذا المقام بِعَزْمَةٍ
ولا بُدّ من تقسيم رَبِّكَ خَلْقَهُ
وقد جاء في نَصِّ الكتاب مُسَطَّراً
فإن كتابَ الله ينطقُ بالذي
وقد وَضَحَ العِلْمُ الجَلِيُّ لذي حِجِی
ولا تَعْتَبِرْ في الحَمْدِ كَوْناً ولا خَلْقَا
فإن له في كل مَحْمَدَةٍ مَرْقَى
تُنَزَّلُهُ من ربّه المَنْزِلَ الصِّدْقَا
مع السابقات الغُرُ في حَمْدِهِ سَبْقًا
فلا بُدَّ من أتْقَى ولا بُدّ من أشْقَى
بليل وأعلى فاعتبر ذلك النُّطْقًا
قَدَ أَوْدَعَهُ الرحمْنُ في خَلْقِهِ حَقًّا
فإن شئت أن تَرْدَى وإن شئت أن تَرْقًا
والحمد لله المنعم المفضل، والحمد لله على كل حال فعم وخص، والله يقول الحق
وهو يهدي السبيل .

٥
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
المحصي * حضرة الإحصاء
[نظم : الوافر]
تكن أنت الذي تُخصَى وتُخصِي
إذا أخْصَيْتَ أمْرَكَ في كتابٍ
وقلت لأخْتِنَا بالله قُصِّي
وقلتَ لأمِّنا مهلاً علينا
فقولي ما تَشَائي له وقُصِّي
إذا ما جِئْتِ يا نَفْسي إليه
فقلت لهِمَّتي بالله قُصِّي
مَضَى عَنّي ولم أشْهَدْ سواهُ
ولا تَكْتُمْهُ ما تَذْرِيهِ خُصِّي
وخُصِّي من تَعَبَّدَهُ هَوَاهُ
يدعى صاحبها عبد المحصي، وهي حضرة الإحاطة أو أختها لا بل هي أختها لا
عينها، قال تعالى: ﴿ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَتِهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] وقال في الكتاب: ﴿لَا
يُغَادِرُ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنْهَا﴾ [الكهف: ٤٩] وهذا مقام كاتب صاحب الديوان كاتب
الحضرة الإلهية، وهذا الكاتب هو الإمام المبين قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِىِّ إِمَامٍ مُبِينٍ﴾
[يس: ١٢] فالديوان الإلهي الوجودي رأسه العقل الأول وهو القلم. وأما الإمام فهو الكتاب
وهو اللوح المحفوظ، ثم تنزل الكتبة مراتبها في الديوان بأقلامها لكل كاتب قلم وهو
قوله {َّ لما ذكر حديث الإسراء فقال: ((حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلام»،
فالقلم الأعلى الذي بيد رأس الديوان لا محو فيه كل أمر فيه ثابت، وهو الذي يرفع إلى
الحق، والذي بأيدي الكتبة فيه ما يمحو الله وفيه ما يثبت على قدر ما تأتي به إليهم رسل الله
من عند الله من رأس الديوان من إثبات ما شاء ومحو ما شاء، ثم ينقل إلى الدفتر الأعلى
فيقابل باللوح المحفوظ فلا يغادر حرفاً فيعلمون عند ذلك أن الله قد أحاط بكل شيء علماً،
إلا أن الفرق بين الإحصاء والإحاطة أن الإحاطة عامة الحكم في الموجود والمعدوم وفي كل
معلوم، والإحصاء لا يكون إلا في الموجود، فما هو شيئية أحاط بكل شيء علماً شيئية
أحصى كل شيء عدداً، فشيئية الإحصاء تدخل في شيئية الإحاطة، فكل موجود محصى وهو
موجود فهو محصى، إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة لأنها
داخلة في الوجود لدلالتها على موجود وهي أمهات كالدرج للفلك، ثم إنه لكل عين من
أعيان الممكنات اسم إلهي خاص ينظر إليه هو يعطيه وجهه الخاص الذي يمتاز به عن غيره،
والممكنات غير متناهية فالأسماء غير متناهية لأنها تحدث النسب بحدوث الممكن فهي هذه
الأسماء من الأسماء المحصاة، كالذي يحوي عليه درج الفلك من الدقائق والثواني والثوالث
إلى ما لا يتناهى، فلا يدخل ذلك الإحصاء وتحكم عليه الإحاطة بأنه لا يدخله الإحصاء،
فكل محصى محاط به وما كل محاط به محصى، وكل ما يدخله الأجل يدخله الإحصاء مثل
قوله: ﴿سَفْرُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١] فالشغل الإلهي لا ينتهي فإنه عند فراغه بانتهاء
حكم الدنيا شرع في الشغل بنا في الآخرة، وحكم الآخرة لا نهاية له لأنها إلى غير أجل،
فشغله بنا لا يقبل الفراغ وإن كان شأنه في الدنيا الذي يفرغ منه إنما هو بنا لكونه خلق الأشياء
من أجلنا وهو ما لا بد لنا منه ومن أجله، لأن كل شيء يسبح بحمده لا بل من أجله لا بل من

٦
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
أجلنا، لما نحن عليه من الجمعية والصورة، فالتسبيحة منا تسبيح العالم كله، فما أوجد
الأشياء إلا من أجلنا، فبنا وقع الاكتفاء والواحد منا يكفي في ذلك، وإنما كثرت أشخاص هذا
النوع الإنساني وإن كانت محصاة فإنها متناهية لكون الأسماء الإلهية كثيرة، فكانت الكثرة فينا
لكثرتها، فإن النبي وَّ يقول في دعائه: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِكُلِ اسْم سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ))
الحديث، فكانت الكثرة فينا لكثرتها وهو قوله مما يزيد على ما ذكر في سؤاله و # فكثرت
لكثرة الأسماء أشخاص هذا النوع المقصود، فإن الأشياء المخلوقة من أجله إن لم يستعملها
فيما خلقت له وإلا تبقى مهملة، وما في قوّة واحد من هذا النوع استعمال الكل، فكثر
أشخاصه ليعمّ الاستعمال للأشياء التي خلقها له ولا بد من خلقها، فالممكن لا ينتفع إلا
بالممكن، والحق واسطة بين الممكنين: [منهوك البسيط]
وما له شأنٌ إلا بنا
فما لنا شُغْلٌ إلا بِهِ
وكل ما يَقْضي فهو لنا
فكلّ ما قلناه فهو له
وقد نبهنا على ما لا بد منه مما يختص بهذه الحضرة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
المبدىء * حضرة البدء
[نظم: البسيط]
علمتُ أنّي عَيْنُ البَدْءِ مِنْ فِيهِ
لما بدأتُ بأمْرٍ لست أُبْدِيهِ
وكان يَشْهَدُني إذ كنت أُخْفِيهِ
فكنتُ أشهدُه في كل نازلةٍ
قلبي به وعسى الرحمن يَشْفِيهِ
سألتُ من هو عَيْني أن يَمُنَّ على
فيه وقلت لعَلَّ الله يَكْفِيهِ
مما به فله نفسٌ تُنَازِعُني
يَقْضِيه عنّي فإني لا أُوَفِيهِ
هَمِّي وإن له دَيْناً وأسألُهُ
يدعى صاحبها عبد المبدىء، وما للأبد أولية تعقل إلا بالرتبة والوجود، فإن له الرتبة
الثانية ما له في الأولى قدم، فإنها رتبة الواجب الوجود لنفسه، والرتبة الثانية رتبة الواجب
الوجود بغيره وهو الممكن، فالمتقدم من المخلوقين والمتأخر سواء في الرتبة فإنهم في الرتبة
الثانية، فإذا نسبت الثانية إلى الأولى عقلت الابتداء، والحضرة الأولى هي التي أظهرتها، فهو
المبدىء لها بلا شك، ولا يزال حكم البدء في كل عين عين من أعين الممكنات، فلا يزال
المبدىء مبدئاً دائماً لأنه يحفظ الوجود علينا بما يوجده فينا لبقاء وجودنا مما لا يصح لنا بقاء
إلا به، فهو تعالى في حق كل ما يوجده دائماً مبدىء له، وذلك الموجود ندعوه بالمبدىء،
فكل اسم إلهي يسمى بالمبدىء لما له من الحكم فيما أوجده المبدىء الأوّل، وسيأتي حكم
الحضرة الأوّلية في اسمه الأول إن شاء الله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
المعيد * حضرة الإعادة
[نظم: البسيط]
وليس يَلْحَقُها شيءٌ من الغِيَرِ
إنّ الإعادةَ مِثْلُ البَدْءِ في الصُوَرِ

٧
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
وقايةٌ تَتَّقي المذكورَ بالضّرَرِ
بذا تزيدُ على الأُولى فإن لها
عند القيام من الأجداث والحُفَرِ
لولا الإعادةُ ما كنّا على طلبٍ
بما أُتِينَا به في صادق الخَبَرِ
لأن أسماءه الحُسْنَى تطالبُنا
عند الظهور من الأملاك والبَشَرِ
وما أنا مَلْكٌ تَعْنُو الوجوه لنا
يدعى صاحبها عبد المعيد، فإنه تعالى يبدىء ويعيد فالبدء والإعادة حكمان له فإنه ما
أعاد شيئاً بعد ذهابه إلا أنه في إيجاده الأمثال عاد إلى الإيجاد هو تعالى فهو معيد لا أنه يعيد
عين ما ذهب فإنه لا يكون لأنه أوسع من ذلك، فهو المعيد للحال الذي كان يوصف به، فما
من موجود يوجده الحق إلا وقد فرغ من إيجاده، ثم ينظر ذلك الموجود إلى الله تعالى قد عاد
إلى إيجاد عين أخرى هكذا دائماً أبداً، فهو المبدىء المعيد، المبدىء لكل شيء والمعيد
لشأنه كالوالي الحكم في أمر ما إذا انتهى عين ذلك الحكم في المحكوم عليه فقد فرغ منه
بالنظر إليه وعاد هو إلى الحكم في أمر آخر فحكم الإعادة فيه فافهم، بخلاف حكم المبدىء
فهو يبدىء كل شيء خلقاً ثم يعيده أي يرجع الحكم إليه بأنه يخلق وهو قوله: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى
يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي يعيد الخلق أي يفعل في العين التي يريد إيجادها ما فعل فيمن
أوجدها وليس إلا الإيجاد، فإن الخلق يريد به المخلوق في موضع مثل قوله: هذا خلق الله
ويريد به الفعل في موضع مثل قوله: ﴿مَآ أَشْهَدَتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ﴾ [الكهف: ٥١] وهنا يريد به
الفعل بلا شك لأنه ليس لمخلوق فعل أصلاً فما فيه حقيقة من ذاته يشهد بها فعل الله لأن
المخلوق لا فعل له، ولا يشهد من الله إلا ما هو عليه في نفسه وقد يرد الخلق ويراد به
المخلوق كما قررنا لا الفعل، فلهذا جعلنا قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم:
٢٧] أنه يريد به هنا الفعل لا المخلوق، فإن عين المخلوق ما زالت من الوجود وأعني به
الذات القائمة بنفسها، وإنما انتقلت من الدنيا إلى البرزخ كما تنتقل من البرزح إلى الحشر إلى
الجنة أو إلى النار وهي هي من حيث جوهرها لا أنها عدمت ثم وجدت فتكون الإعادة في
حقها، فهو انتقال من وجود إلى وجود، من مقام إلى مقام، من دار إلى دار، لأن النشأة التي
نخلق عليها في الآخرة ما تشبه نشأة الدنيا إلا فى اسم النشاء، فنشأة الآخرة ابتداء، فلو عادت
هذه النشأة لعاد حكمها معها لأن حكم كل نشأة لعينها وحكمها لا يعود فلا تعود، والجوهر
عينه لا غيره موجود من حين خلقه الله لم ينعدم، فإن الله يحفظ عليه وجوده بما يخلق فيه مما
به بقاؤه، فالإعادة إنما هي في كون الحِق يعود إلى الإيجاد بالنظر إلى حكم ما فرغ من إيجاده
من هذا المخلوق ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَهُ خَلْقَا ءَاخَرْ﴾ [المؤمنون: ١٤] فما ذكر الله أعاده إلا أنه لو شاء لفعل
كما قال، ثم إذا شاء أنشره لكنه لم يشأ، فكلما فرغ ابتداء فعاد إلى حكم الابتداء، هذا حكم
إلهي لا يزول، فحكم الإعادة ما خرج حكمها عن الحق فحكمها فيه لا في الخلق الذي هو
المخلوق، فالعالم بعد وجوده ينتقل في أحوال جديدة يخلقها الله له، فلا يزال الحق يخلق
ويعود إلى الخلق فيخلق لا إله إلا هو على كل شيء قدير بالإيجاد.

٨
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
المحيي * حضرة الإحياء
[نظم: المديد]
مثل نَشْرِ الثّوْبِ مِنْ طَيٍّ
إنما المُخْيِي الذي يُخِي
قلت رَبِّي الذي يُخبِي
فإذا ما قيل لي تُخيي
ومزيلُ الرّشْدِ بالغيِّ
وهو مولايَ ومُسْتَنَدي
زادني ليًّا إلى لَيْ
وإذا ما جِئْتُ أسألُه
كلّما دُعِيتُ بالشَّيِّ
لست في خَيْرٍ وفي دَعَةٍ
يدعى صاحبها عبد المحيي، وهو الذي يعطي الحياة لكل شيء، فما ثم إلا حيّ لأنه ما
ثم إلا من يسبح الله بحمده ولا يسبحه إلا حي سواء كان ميتاً أو غير ميت فإنه حيّ لأن الحياة
للأشياء فيض من حياة الحق عليها فهي حية في حال ثبوتها، ولولا حياتها ما سمعت قوله:
﴿كُنْ﴾ [النحل: ٤٠] بالكلام الذي يليق بجلاله فكانت، وإنما كان محيياً لكون حياة الأشياء من
فيض اسم الحي كنور الشمس من الشمس المنبسط على الأماكن، ولم تغب الأشياء عنه لا في
حال ثبوتها ولا في حال وجودها، فالحياة لها في الحالتين مستصحبة ولذلك قال إبراهيم عليه
السلام: ﴿لََّ أُحِبُّ الْآَفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] فإن الإله لا يكون من الآفلين والحي من أسمائه
تعالى وليس الموت من أسمائه فهو يحيي ويميت، وليس الموت بإزالة الحياة منه في نفس
الأمر وعند أهل الكشف ولكن الموت عزل الوالي وتولية وال لأنه لا يمكن أن يبقى العالم بلا
وال يحفظ عليه مصالحه لئلا يفسد، فاستناد الموت إذا كان عبارة عن الانتقال والعزل يستند
إلى حقيقة إلهية، وليس إلا فراغ الحق من شيء إلى شيء آخر فما له فيما فرغ منه من حكم
في ذلك الوجه المفروغ منه، وليس إلا إيجاد عينه خاصة، وما بقي الشغل وعدم الفراغ إلا في
إيجاد ما به بقاؤه في الوجود، فإلى هذه الحقيقة الإلهية مستند الموت في العالم، ألا ترى إلى
الميت يُسأل ويجيب إيماناً وكشفاً وأنت يا محجوب تحكم عليه في هذه الحال عيناً أنه ميت،
وكذا جاء أن الميت يُسأل في قبره وما أزال عنه اسم الموت السؤال فإن الانتقال موجود فلولا
أنه حي في حال موته ما سئل فليس الموت بضد للحياة إن عقلت.
المميت * حضرة الموت
[نظم: البسيط]
بالمال والجَاهِ عند الخَلْقِ أحْيَاءُ
يُمِيتُ بالجَهْلِ أقواماً وإنّهم
كيف الشفاءُ وقد اسْتَحكَمَ الدَّاءُ
أصبحتُ ذا عِلَّةٍ كُبْرَى أموتُ بها
ما كان لي مَرَضٌ تَبْغِيهِ أدْواءُ
لو كان لي غَرَضٌ في غير سَيِّدِنا
ولا يُنَهْنِهُنِي جُودٌ وإِلْقَاءُ
اللّه رَبِّي لا أَبْغي به بَدَلاً
يدعى صاحبها عبد المميت، قال تعالى: ﴿حَتٌَّ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ﴾ [النساء:

٩
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
١٨] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ يُمِتُكُمْ﴾ [الحج: ٦٦] وقال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ﴾ [النجم: ٤٤]
وقال: ﴿قُلْ يَنَوَقَّنَكُمْ مَّلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] وقال بَّر في الطائفة التي تدخل النار من
أمته : ((فَيُمِيتُهُمُ الله فِيهَا إِمَاتَةً)) والموت عبارة عن الانتقال من منزل الدنيا إلى منزل الآخرة ما
هو عبارة عن إزالة الحياة منه في نفس الأمر وإنما الله أخذ بأبصارنا فلا ندرك حياته، وقد
ورد النص في الشهداء في سبيل الله أنهم أحياء يرزقون، ونهينا أن نقول فيهم أموات فالميت
عندنا ينتقل وحياته باقية عليه لا تزول وإنما يزول الوالي وهو الروح عن هذا الملك الذي
وكله الله بتدبيره أيام ولايته عليه، والميت عندنا يعلم من نفسه أنه حي، وإنما تحكم عليه
بأنه ليس بحي جهلاً منك ووقوفك مع بصرك ومع حكمك في حاله قبل اتصافه بالموت من
حركة ونطق وتصرف، وقد أصبح متصرّفاً فيه لا متصرّفاً، وهو تنبيه من الله لنا أن الأمر كذا
هو التصرف فيه للحق لا لك في حال دعواك التصرف ثم إنه على الحقيقة متصرف هذا
الميت بالحال لا بالقول، فلو لا تصرفه فيك ما غسلته، ولا كفنته وإن كان الشارع هو الذي
أمرك وشرع لك، فهذا أعظم من تصرفه فيك وهو تصرفه فيمن شرع لك هذا، فهذا قد
تصرف في الأحياء وهم لا يشعرون، وتصرف فيك وأنت لا تشعر، وتخيلت أنه ما بقي له
فيك حكم وحكمه بموته أعظم من حكمه فيك بحياته أعني بعدم موته، فالموت انتقال
خاص على وجه مخصوص، فمن كونه انتقالاً يستند إلى حقيقة إلهية خاصة ولا تشك أن له
حكماً في الآخرة في جهنم، فإن الله تعالى يميت قوماً في جهنم أصابتهم النار بذنوبهم إماتة
ثم يحييهم الله وهذا قبل ذبح الموت، فإن الموت لا بد أن يؤتى به إذا بقي أهل النار في
النار الذين هم أهلها وأهل الجنة في الجنة وتغلق الأبواب، يؤتى بالموت في صورة كبش
أملح، وهذا مما يقوي الدلالة على أن المآل إلى الرحمة في العباد، وذلك الوقت هو انتهاء
مدة الآلام فيضجع بين الجنة والنار ويراه أهل الجنة وأهل النار فيعرفونه، أما أهل الجنة
فينعمون برؤيته حيث كان السبب في بقاء سعادتهم التي لا زوال لها عنهم، وأما أهل النار
فينعمون برؤيته رجاء تخليصهم بوجوده مما هم فيه ويخرجهم كما أخرجهم من الدنيا، ولا
علم بأن مدة الشقاء قد قرب انقضاؤها، ثم يأتي يحيى عليه السلام وبيده الشفرة فيذبحه
بمرآى من الفريقين، فأهل الجنات يحيون وأهل النار لا يموتون فيها ولا يحيون، كما يقال
في النائم ما هو بميت ولا حي فنعيمهم نعيم النائم في النار، والله قد جعل النوم سباتاً
والراحة من الرحمة ما هي من الغضب فهو أشقى ما دام يصلى النار الكبرى ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِهَا
وَلَا يَحْنَى﴾ [الأعلى: ١٣]فجاء بثم بعد حكم كونه يصلي النار كالشاة المصلية، فبين كونه يصلي
وبين كونه لا يموت ولا يحيى قدر ما نعطيه حقيقة، ثم في اللسان التي للعطف فينتقل
الحكم عليه بذبح الموت فراحته راحة النائم، فلا يموت ولا يحيى أي لا تزول هذه الراحة
له مستصحبة، فاعلم ذلك فالموت في الدنيا تحفة المؤمن وحسرة الكافر وذبحه في الآخرة
تحفة الفريقين، يقول بعض الأعراب من بني ضبة: [الرجز]
المَوْتُ أحْلَى عندنا من العَسَلْ
نَحْنُ بني ضَبّةَ إِذْ جَدَّ الَهَلْ

١٠
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
لا عارَ بالمَوْت إذا حُمَّ الأَجَلْ
نحن بَنُو المَوْتِ إذا المَوْتُ نَزَلْ
يقول: يلتذ بالموت تلذذ آكل العسل، وهذه الإشارة فيها غنية لمن نظر واستبصر، والله
يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الحي * حضرة الحياة
[نظم: البسيط]
إنّ الحَياةَ حياةُ القَلْبِ لا الجَسَدِ
كَذَاكَ أنْزَلَهُ الرحمُنُ في خَلَدي
فإنها عِنْدَهُمُ عَليَّةُ السَّنَّدِ
والناس ليس لهم سِوى جُسُومِهِمُ
عنها ولو أنهم في الواضح الجَدَدِ
فيهلكون ولا عَقْلٌ يَصُدُّهُمُ
وليس فيهم رَشِيدٌ في تَصَرُّفه
إن الغِوَايةَ أصْلٌ عندهم ولذا
وما هُمْ من يَبِيعُ الغَيَّ بالرَّشَدِ
تَرَاهُمُ عن وجود الحَقّ في حَيَدٍ
يدعى صاحبها عبد الحي، وهو نعت إلهي يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ الْحَىُّ
اُلْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال عز وجل: ﴿ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيّ اُلْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] ولما كانت
القيومية من لوازم الحي استصحبها في الذكر مع الحي فكل معلوم حي، فإن المعلوم هو الذي
أعطى العلم به للعالم به، ولو كان العدم فإنه لا يعطى إلا من الحياة صفته ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] لأنهم لا يبصرون، فالحياة للحي كنور الشمس للشمس: [الرجز]
تَخْويرُها إيّاه ما تُصَوّرُه
فكل من يَشْهَدُهُ تُنَوِّرُه
تعطي الذي تعطي وما تُكَرِّرُهُ
فيه وحُكْمُ الأمْر ما تُقَرِّرُهُ
بأنها هي التي تُبَّصْرُهُ
وأنها من لُطْفِها ما تشعرُه
كذلك الحي بذاته يحيى به كل من يراه وما يغيب عنه شيء فكل شيء به حي.
القيوم * حضرة القيومية
[نظم : الوافر ]
قَطَعْتُ مَفَاوزاً فيه وآلا
إلى القَيُّوم لا أَبْغي سواهُ
يزولُ بنا فينتقلُ انْتِقَالاً
عسى أَخْظَى بجُودٍ ما أراهُ
يُوَرِّثُها تَفَكُّرُها خَيَالا
إذا ما أَمَّتِ الأفْكَارُ ذاتي
بلا فِكْرٍ وِصَالاً واتْصَالاً
ويُغْقِبُها إذا تمشي إليه
يدعى صاحبها عبد القيوم ولما كانت القيومية من نعوت الحي استصحبته فما تذكر إلا
وهي معه، فهي القيوم على كل نفس بما كسبت، فكل معلوم حي فكل معلوم قيوم أي له
قيومية وكذلك هو فإنه لولا أنه قيوم ما أعطى العالم علمه وبعلمه أعطى العالم خلقه لأنه لا
يعطيه إلا علمه فيه، وعلمه فيه إنما كان منه، فلا بد أن يظهر في وجوده بخلقه من غير زيادة
ولا نقصان ولا يكون إلا كذا ولذا قال موسى: ﴿رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [طه: ٥] فأخبر

١١
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
بإحاطة علمه ولم يكن ذلك لفرعون مع دعواه الربوبية فعلم فرعون ما قالاه وسكت وتبين له
أنه الحق، لكن حب الرياسة منعه من الاعتراف: [الرمل]
يا خَليلي إنما قامَ بنا
الذي قَامَ بنا في كَوْنِنَا
فاحكُم أَنْ شِئْتَ علينا أو لَنَا
فإذا حَقَّقْتَ ما فُهْتُ به
بسوانًا فقُلِ الجُودُ أنا
ما ئَنَى الجُودُ علينا جُودَهُ
في كلامي تَجِدُوهُ بَيْنَا
ما نَعِمْنَا بسوانا فانظروا
فسرت القيومية بذاتها في كل شيء ولهذا قال لنا: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]
فلولا سريان القيومية فينا ما أمرنا وكذلك فعلنا قمنا له وبة فمنا شاهدت ذلك عياناً كما شهدته
إيماناً، وإنما تعجبت ممن يقول بأن القيومية لا يتخلق بها وأنها من خصائص الحق، والقيومية
بالكون أحق لأنها سارية فيه، وبها ظهرت الأسماء الإلهية، فبها أقام الكون الحق أن يقيمه،
ولولا ذلك ما ظهر للخلق عين ولا حكم الألف قيوم الحروف وليس بحرف فهو مظهرها وهو
لا يشبهها، فامتداده لذاته لا يتناهى، وامتداد حكمه بإيجاد الحرف غير متناه لأن في طريقه
منازل الحروف بالقوّة والاستعداد، فإذا انتهى إلى منزل ما من منازلها وقف عنده ليرى أي
حرف هو فبرز الحرف فسمي ذلك المكان مخرج ذلك الحرف فيعلمه وهو الذي أحدثه فهو
مثل قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [ محمد: ٣١] فلولا القيومية السارية في النفس ما ظهرت
الحروف، ولولا القيومية الظاهرة في الحروف بحكمها ما ظهرت الكلمات بتأليفها، وإنما
جئنا بهذا ضرب مثال محقق واقع لوجود الكائنات عن نفس الحق فاعلم ذلك، وقد تقدم
ذكره في باب النفس من هذا الكتاب، واعلم أنه في ليلة تقييدي هذا الوجه أريت في النوم
ورقة زنجارية اللون جاءت إلي من الحق مكتوبة ظهراً أو بطناً بخط خفي لا يظهر لكل أحد
فقرأته في النوم لضوء القمر فكان فيه نظماً ونثراً، واستيقظت قبل أن أتم قراءته فما رأيت
أعجب منه ولا أغمض من معاينة لا يكاد يفهم، فكان مما عقلت من نظمه ما أذكره وكان في
حق غيري كذا قرّر لي في النوم، وذكر لي الشخص الذي كان في حقه فعرفته وكأني في أرض
الحجاز في برية ينبوع بين مكة والمدينة: [الطويل]
على العِزَّةِ العُظْمَى فما ينفعُ الجَخدُ
إذا دَلَّ أمْرُ الله في كل حَالَةٍ
من الله تحقيقاً فذلكُمُ القَصْدُ
وجاء كتابُ الله يُخْبِرُ أنّه
إليّ بما يجريه فيه ومن بَعْدُ
ولله عَيْنُ الأمْرِ من قَبْلُ إذا أتى
فكان له الشكرُ المُنَزَّهُ والحَمْدُ
فسبحان من حَبِيَ الفُؤادُ بِذِكُرِهِ
وإن لم يكن فالعَبْدُ عَبْدُك يا عَبْدُ
إذا كان عبدي هكذا كنتُ عَيْنَهُ
وأما النثر فأنسيته لما استيقظت إلا أني أعرف أنه كان توقيع من الحق لي بأمور أنتفع
بها، هذا جل الأمر وهي في خاطري مصوّرة من أسباب الدنيا يتسع فيها رزق الله ويشكر الله
تعالى من كان ذلك على يده ويثبته، والله على ما نقول وكيل.

١٢
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
حضرة الوجدان * وهي حضرة كن
[نظم: البسيط]
وكُلُّنا فيه مسرورٌ ومُغْتَبِطُ
هو الوجودُ الذي بالجُودِ يَرْتَبِطُ
لكنني مُفْلِسٌ لذاك نَشْتَـرِطُ
إنّ الوُجُودَ بِجُودِ الحَقِّ مُرْتَبِطُ
إن الذي تُوجِدُ الأعْيَانَ هِمَّتُهُ
لو أن ما عنده عندي لقلتُ به
إلى جَبَابِرَةٍ من ربِّهِم قَنِطُوا
خابَتْ مقاصدُهُ لكنهم قَسَطُوا
كشَرْطِ موسى عليه حين أرْسَلَهُ
فجاء من عندهم صِفْرَ اليَدَيْنِ وما
يدعى صاحبها عبد الواجد بالجيم وهو الذي لا يعتاص عليه شيء وهو الغني بالأشياء،
فإذا طلب أمراً ما ولم يكن ذلك المطلوب أي لم يحصل فيكون تعويقه من قبله فإنه لا يعتاص
عليه شيء، مثاله طلب من أبي جهل أن يؤمن بأحدية الله وبرسوله وبما جاء من عنده فلم يجبه
إلى ما طلبه منه، فالظاهر من إبايته أنه ليس بواجد لما طلب منه، والمنع إنما كان منه إذ لم
يعطه التوفيق ﴿وَلَوْ شَآءَ لَدَنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩] فهو الواجد بكن إذا تعلقت الإرادة
بكونه فما يعتاص عليه شيء يقول له كن، فلو قال للإيمان كن في محل أبي جهل وغيره ممن
لم يؤمن وخاطبه بالإيمان لكان الإيمان في محل المخاطب أبي جهل وغيره، فكونه واجداً
إنما هو بكن وما عدا كن فما هو من حضرة الوجدان، وكذلك عرضه عز وجلّ الأمانة على
السموات والأرض والجبال أن يحملنها فأبين أن يحملنها من أجل الذم الذي كان من الله لمن
حملها، وهو أن الله وصف حاملها بالظلم والجهل ببنية المبالغة فإن حاملها ظلوم لنفسه
جهول بقدر الأمانة، وإذا تحقق العبد بهذه الحضرة لم يعتص عليه شيء من الممكنات
وتحققه أن يكون الحق لسانه ليس غير ذلك فلا يريد شيئاً إلا كان فهو واجد لكل شيء، وكل
من هذه حالته ووقع له توقف فيما يريد تكوينه ووجوده فقد اعتاص عليه فحاله فيه الحال الذي
قال الله فيمن سبق في علمه أنه لا يؤمن بالله أن يؤمن بالله فهو وإن نطق بالله فهو مثل نطق
الحق بالعبد كقوله: إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده. وقوله: إن الله عند لسان
كل قائل في بعض محتملاته، فإذا قال الله على لسان من شاء من عباده وأمر فقد يقع المأمور
به من المأمور وقد لا يقع، وإذا قال للمأمور به كن فإنه يقع ولا بد: [الطويل]
وإن قُلْتَ قال الناسُ فالقَوْلُ للنَّاسِ
إذا قُلْتَ قال الله فالقَوْلُ صادقٌ
وكُنْ حاضراً بالله في صورة النَّاسِي
فلا تَدَّعي في القول أنك قائلٌ
وليس على من قال بالله من بَاسٍ
فإنك لا تَذْري بمن أنت قائلٌ
فظهر القصور بالنيابة وهي الشركة، كذلك القائل بالحق إلا آمر به قد يقع المأمور به
وقد لا يقع والحضرة واحدة، فإذا قال العبد المطاع بغير الحق فذلك يقع ولا بد لأنه مخلص
للتوحيد وأنه لا يقول إذا قال أو يأمر إذا أمر من غير أن يقول بحق أو يأمر بحق إلا من حقيقته
الذي هو عليها من كونه كان أصلاً في كون العالم به عالماً، فإذا أثر بذاته في العالم العلم
ويكون العالم به يتنوّع في التعلق به لتنوّعه لنفسه فإنه لا يعتاص عليه شيء، فلو كان من

١٣
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
أحواله وقوع ذلك المأمور به لوقع كما وقع النطق به، فإنه لا ينطق من حيث ذاته إلا بما هو
عليه، وصورة هذه المسألة وتحقيقها كقول الحق على لسان العبد افعل فيقع أو لا يقع، وذلك
أن العبد من المحال أن ينطق من حيث نفسه نطق لسان ظاهر أو باطن، وإنما ينطق بالله كل
ناطق فإن الله هو المنطق كما قالت الجلود: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [فصلت: ٢١]
ناطق فيعطي الممكن بما هو عليه العلم لله، والتكوين في غير الله لا يكون إلا الله لا لغيره،
والنطق من العبد والهم تكوين من الله فيه فلم ينطق ولم يهم إلا بالله فلا يتوحد به الممكن،
وإذا أمر الله بتكوين على لسان عبده فقد يقع وقد لا يقع فلا ينطق العبد إلا بالاشتراك، فلهذا
قد يقع وقد لا يقع ما يأمر به أو يريده، وكونه لو نطق به العبد بغير اشتراك لوقع إنما هو
كقوله: ﴿لَّوْ شَآءَ اللّهُ﴾ [يونس: ١٦] فجاء بحرف لو. وكذلك لو نطق العبد بنفسه وهو لا ينطق
بنفسه وإنما ينطق بربه فالنطق للرب، وإذا كان النطق للرب على لسان العبد فقد يكون الأثر
والتكوين عن ذلك القول وقد لا يكون فتدبر هذا الكلام فإنه يتداخل ويتفلت من الذهن إن لم
تتصوّر الأصل تصوّراً محكماً لا يزال بين عينيك، واختصاره أن العبد لا ينطق أبداً إلا بالله،
وأن الله إذا نطق على لسان العبد بالأمر فإنه لا يلزم وقوع ذلك المطلوب ولا بد، وإذا انفرد
الحق دون العبد بالتكوين فإنه يقع، ولا بد والعبد لا ينفرد أبداً إلا بالتقدير وهو أن يقول فيه لو
كما يقول في مشيئته الحق لو شاء وما شاء.
واعلم أن كل طالب إنما يطلب ما ليس عنده، فإن الحاصل لا يبتغى والحق لا يطلب
من الممكن إلا تكوينه، وتكوينه ليس عنده، فإن الممكن في حال عدمه ليس بمكوّن،
فالتكوين ليس بكائن في العين الثابتة الذي هو الشيء، فإذا أراده الحق قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾
[النحل: ٤٠] فأراد الحق حصول التكوين في ذلك الشيء لأنه ليس الكون عند ذلك الشيء، فما
أراد الكون لنفسه وإنما أراده للشيء الذي ليس عنده، فإنه تعالى موجود لنفسه فهو يريد
الأشياء للأشياء لا لنفسه فإنها عنده، فإنه ما من شيء إلا عنده خزائنه، ولا تكون خزائن إلا
بما يختزن فيها فالأشياء عنده مختزنة في حال ثبوتها، فإذا أراد تكوينها لها أنزلها من تلك
الخزائن وأمرها أن تكون فتكتسي حلة الوجود فيظهر عينها لعينها ولم تزل ظاهرة لله في علمه
أو لعلمه بها، فمن هنا يتحقق أن الله يطلب ما ليس عند الطالب وهو تكوين ما ليس بكائن في
الحال، فهذا تحقيق الواجد بالجيم قال الراجز: أنشد والباغي بحب الوجدان. والوجود
المطلوب بالذكر عند الطائفة الذي يكون عن الوجد من هذا الباب وهو ما يجده أهل الوجد
في نفوسهم في حال وجدهم من العلم بالله .
الواحد الأحد * حضرة التوحيد
[نظم: البسيط]
وَحِّدْ إِلّهِكَ فالأفعالُ لله
وأخذَرْ من الشِّرْكِ إِن الشِّرْكَ مَنْقَصَةٌ
ولا تَكَنْ فيه بالسَّاهى ولا اللاهى
13
يُرْدِيكَ سلطانُها فإنّها ما هِيْ

١٤
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
واثْبُتْ فَبَيْتُك لا مُلْغَى ولا وَاهِ
سوك والغيز شيء لا وُجُودَ له
أعضاؤنا كلها كلَذَّة البَاهِ
لكنْ له لذّةُ كُبْرَى تَعُنُّ لها
أبياتُنا صادقٌ والله والله
الله يعلم أنّي في الذي ذَكَرَتْ
يدعى صحبه عبد الواحد بالحاء المهملة إذا أراد الاسم، وإذا أراد الصفة يقال له
عبد الأحد، وأما الوحدانية فهي قيام الأحدية به أعني بالواحد فما هي الأحدية ولا الواحد
كالجسماني مـ هو الجسم، وإنما هو ما لا تظهر له عين إلا بقيامه بالجسم أو الجوهر وهو ما
يقوم به من الصفات التي محلها الأجسام، وكذلك الروح والروحاني، فالوحدانية نسبة محققة
بين الأحدية والواحد، وكون الشيء يسمى واحداً، قد يكون لعين ذاته فلا يكون مركباً وهو
الشيء فإن تركب فليس بشيء وربما هو شيئان أو ما بلغ به التركيب حتى بكون أشياء، ومع
هذا يقال فيه شيء من حيث أحدية المجموع والتركيب لا من حيث أحدية كل شيء في هذا
المجموع، وقد يكون واحد العين مرتبته فإن الله واحد في ألوهيته فهو واحد المرتبة، ولهذا
أمرنا أن نعلم أنه لا إله إلا هو وما تعرض للذات جملة واحدة فإن أحدية الذات تعقل، ولكن
هل في الوجود من هو واحد من جميع الوجوه أم لا؟ في ذلك وقفة، فإن الأحدية لكل شيء
قديماً وحديثاً معقولة بلا شك لا يمتري فيها من له مسكة عقل ونظر صحيح، ثم إذا نظرت
في هذا الواحد لا بد وأن تحكم عليه بنسبة ما أدناها الرتبة فإنه لا يخلو عن رتبة يكون عليها
في الوجود، فإما أن يكون مؤثراً اسم فاعل أو مؤثراً فيه اسم مفعول أو المجموع أو لا واحداً
منهما، فالمؤثر هو الفاعل والمؤثر فيه هو محل الانفعال فما في الوجود إلا المجموع، وما
وقع من التقسيم العقلي إلا المجموع، فما ثم مستقل بالتأثير فإن القابل للأثر له أثر بالقبول في
نفسه كما للقادر على التأثير فيه، ومن حيث إن المنفعل يطلب أن يفعل فيه ما هو طالب له
ففعل المطلوب منه ما طلبه هذا الممكن فهو تأثير الممكن في الواجب الفاعل فإنه جعله أن
يفعل ففعل كما قال: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦] فالسؤال والدعاء أثر الإجابة
في المجيب، وإن لم يحدث في نفسه شيء لأنه ليس محلاً للحوادث، وإنما هذا الذي نثبته
إنما هو أعيان النسب، وهذا الذي عبر عنه الشرع بالأسماء، فما من اسم إلا وله معنى ليس
للآخر وذلك المعنى منسوب إلى ذات الحق وهو المسمى صفة عند أهل الكلام من النظار
وهو المسمى نسبة عند المحققين، فما في الوجود واحد من جميع الوجود وما في الوجوه إلا
واحد وأحد لا بد من ذلك، ثم تكون النسب بين الواحد والأحد بحسب معقولية تلك النسبة،
فإن النسب متميزة بعضها عن بعض، أين الإرادة من القدرة من الكلام من الحياة من العلم؟
فاسم العليم يعطي ما لا يعطي القدير، والحكيم يعطي ما لا يعطي غيره من الأسماء، فاجعل
ذلك كله نسباً أو اسماً أو صفات، والأولى أن تكون اسماً ولا بد لأن الشرع الإلهي ما ورد في
حق الحق بالصفات ولا بالنسب وإنما ورد بالأسماء فقال: ﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى﴾ [الأعراف:
١٨٠] وليست سوى هذه النسب وهل لها أعيان وجودية أم لا؟ ففيه خلاف بين أهل النظر، وأما
عندنا فما فيها خلاف أنها نسب واسماً على حقائق معقولة غير وجودية، فالذات غير متكثرة

١٥
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
بها لأن الشيء لا يتكثر إلا بالأعيان الوجودية لا بالأحكام والإضافات والنسب، فما من شيء
معلوم إلا وله أحدية بها يقال فيه أنه واحد، وأما قول أبي العتاهية: [السريع]
تَدُلُّ على أنه واحدُ
وفي كُلّ شيء له آيَةٌ
فموجه مع التعري عن القرائن إلى أمور منها أن يكون الضمير في له، وفي أنه يعودان
على الشيء المذكور فكأنه يقول وفي كل شيء آية لذلك الشيء أنه يدل على أن ذلك الشيء
واحد في نفسه وليس كذلك إلا عينه خاصة، وقد يكون الضمير يعود على الله في له وفي أنه
أي فيه دلالة على أن الذي أوجده واحد لا شريك له في إيجاد هذا الشيء وهو مقصود الشاعر
بلا شك، وما هي تلك العلامة والدلالة؟ ومن هو العالم الذي تعطيه هذه الدلالة توحيد
الموجد؟ فاعلم أن الدلالة هي أحدية كل عين سواء كانت أحدية الواحد أو أحدية الكثرة،
فأحدية كل عين ممكنة تدل على أحدية عين الحق مع كثرة أسمائه، ودلالة كل اسم على معنى
يغاير مدلول الآخر، فيحصل من هذا أحدية الحق في عينه وأحدية الكثرة من أسمائه، فكل
شيء في الوجود قد دل على أن الحق واحد في أسمائه وفي ذاته فاعلم ذلك: [الطويل]
على غير ما قلناه فانْظُرْ تَرَ الحَقًّا
فِما ثَمَّ تَوْحِيدٌ ولا ثَمَّ كَثْرَةٌ
وثَبِّتْ له الجَمْعَ المُحَفَّقَ والفَرْقَا
وقل بعد هذا ما تشاءُ وتَرْتضي
فقل إن تشأحَقّاً وقل إن تشأُ خَلْقَا
فما الأمر إلا بين خَلْقٍ وخالق
الصمد * حضرة الصمدية
[نظم: البسيط]
إلى المُهَيْمِنِ رَبِّ الناسِ والصَّمَدِ
ألجأتُ ظَهْري إلى رُكْني ومُسْتَنَدي
لك الشَّحَكِّمُ في الأذْنَى وفي البَعَدِ
وقلت يا مُنْتَهَى الآمال أجْمعها
بأنني إن أمُتْ فيه فليس يدي
إني تلوثُ كتاباً فيه عَرَّفَني
مُلْكٌ لما نظرتْ عيني إلى أحَدٍ
لو أن ما قَبَضَتْ كَفّي عليه لها
وكنت وارثَ علم لا تُزايلُني
أحكامُه من علوم الكشف والرَّصَدِ
يدعى صاحبها عبد الصمد، هذه الحضرة استوفينا أكثر تفاصيلها في كتاب مواقع
النجوم لنا في عضو القلب منه في التجلي الصمداني، فلنذكر في هذا الكتاب ما يليق به إن
شاء الله فنقول: إن هذه الحضرة هي حضرة الالتجاء والاستناد التي لجأ إليها واستند كل فقير
إلى أمر ما لعلمه أن ذلك الأمر الذي افتقر إليه في هذه الحضرة فغناها إنما هو بهذه الأمور
الذي افتقر إليها بسببها، وهل لها الغنى النفسي الذي لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل
عمران: ٩٧] أم لا؟ فذلك لا يحتاج إليه في هذا الموضع، والذي تمس الحاجة إليه في هذه
الحضرة معرفة كون هذه الأمور التي يفتقر الفقراء إليها بسببها هل لها وجود في خزائن عندها
كما جاء: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] فهي عين هذه الحضرة لا غير، إذا
حققت الأمر فالحق من حيث إنه ما من شيء إلا عنده خزائنه هو الصمد، ولكن ليست

١٦
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
الخزائن إلا المعلومات الثابتة فإنها عنده ثابتة يعلمها ويراها ويرى ما فيها فيخرج منها ما شاء
ويبقي ما شاء وهي مع كونها في خزائن فيتخيل فيها الحصر والتناهي وإنما هي غير متناهية،
فأفقر الفقراء تلك الأشياء المختزنة فإنها تطلب الخروج من تلك الخزائن إلى الوجود حتى تراه
ذوقاً بعينها، فإن الذي وجد منها ألقى فيه افتقار ما لم يوجد منها فافتقر نيابة عن الذي لم
يوجد إلى الله أن يوجده لعين افتقاره فيه، فهو كالمعين لذلك المختزن في افتقاره إلى الوجود
وهو ما يجده الإنسان في نفسه من الطلب لأمر ليس عنده ليكون عنده مما هو في تلك
الخزائن .
واعلم أن الخزائن التي عند الحق على نوعين: نوع منها خزائن وجودية لمختزنات
موجودة كشيء يكون عند زيد من جارية أو غلام أو فرس أو ثوب أو دار أو أي شيء كان فزيد
خزانته وذلك الشيء هو المختزن وهما عند الله، فإن الأشياء كلها بيد الله فيفتقر عمرو إلى الله
تعالى في ذلك الذي عند زيد أن يكون عنده كان ما كان فليلقي الله في قلب زيد أن يهب ذلك
الشيء أو يبيعه أو يزهد فيه ويكرهه فيعطيه عمراً، فمثل هذا من خزائن الحق التي عنده،
والعالم على هذا كله خزائن بعضه لبعضه وهو عين المختزن، والعالم خزانة مخزون وانتقال
مختزن من خزانة إلى خزانة، فما أنزل منه شيء إلى غير خزانة فكله مخزون عنده فهو خزانته
على الحقيقة التي لا يخرج شيء عنها، وما عدا الحق فإن المختزن يخرج عنها إلى خزانة
أخرى، فالافتقار للخزائن من الخزائن إلى الخزائن والكل بيد الله وعنده، فهو الصمد الذي
يلجأ إليه في الأمور ويعول عليه، وبهذه الحضرة يتعلق المتوكلون في حال توكلهم على ما
توكلوا عليه، فمنهم المتوكل على الله، ومنهم المتوكل على الأسباب، غير أن الأسباب قد
تخون من اعتمد عليها ولجأ إليها في أوقات، والحق تعالى لا يسلم من توكل عليه وفوّض
أمره إليه : [مجزوء الرجز]
وكل عَيْنِ أَحَدُ
فكُلُّ كَوْنٍ صَمَدُ
فكله مُسْتَندُ
مُنَكَّرٌ مُعَزَّفٌ
مختزنْ مُنَّحِدُ
والحقُّ في قلوبنا
اختزانـ الأبــدُ
يحكمُ بالتأبيد في
يجمع فيها المُدَدُ
وما له من مُدَّةٍ
إذا عَقِلْتَ المَدَدُ
ومن وجودي كان لي
وإذا علمت أن الخزائن عنده وأنت الخزائن فأنت عنده وقد وسعه قلبك فهو عندك
وأنت عنده فأنت عندك، فلك من الصمدية قسط لأنه لا تكون المعرفة بالله الحادثة إلاّ بك
فيصمد إليك فيها إذ لا تظهر إلا بك، فأنت الصمد فيما لا يظهر إلا بك، ومن هذه الحضرة
حصلت لك ولمن حصلت هذه المرتبة ولكن قف عند نهي ربك وتدبره لما قال لك على
لسان رسوله في الشيء الذي تستتر به عند الصلاة في قبلتك أن تميل به نحو اليمين أو الشمال
قليلاً ولا تصمد إليه صمداً، فهذا من الغيرة الإلهية أن يصمد إلى غيره صمداً، وفيه إثبات

١٧
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
للصمدية في الكون بوجه ما فذلك القدر الذي أشار إليه الشارع يكون حظ المؤمن من
الصمدية، والجاهل يصمد إلى الأسباب صمداً ويجعل حكم الميل إلى اليمين والشمال
لصمدية الحق عكس القضية، وإنما شرع النبي ◌َّ في السترة الميل إلى اليمين أو الشمال ينبه
على السبب القويّ باليمين وعلى السبب الضعيف بالشمال الخارج، فالخارج عن الله بالكلية
هو صاحب اليمين، والذي لاح له بارقة من الحق ضعف اعتماده على السبب فجعله من
الجانب الأضعف إذ لا بد من إثبات السبب ولا يصمد إلا إلى الله صمداً، فاعلم ذلك فقد
نبهتك ونصحتك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
القادر القدير المقتدر * حضرة الاقتدار
[نظم: الرجز]
يبدو لنا ما كنت بالمِكْثَارِ
لو أن من عَرَّفَني مِقْداري
أعظم عندي من دُخُول النَّارِ
إنّ اقْتِدَاري في كَيَانِ الباري
أتّيْتُه به وبالأبرارِ
ولو أتى بالعَسْكر الجزّارِ
معصومةٍ محفوظةِ الآثارِ
فِي عُصْبَةٍ وسَادَةٍ أخيَارٍ
عن العَبيد الصُّمّ والأخرارِ
يَمِيزُني عند دخول الدارِ
يدعى صاحبها عبد القادر وعبد القدير وعبد المقتدر. قال الله عز وجل: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠] وقال: ﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] وقال: ﴿إِنَّا
لَقَدِرُونَ﴾ [المعارج: ٤٠] وقال: ﴿عِنْدَ مَلِيكِ مُقْنَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] هذه الحضرة ما لها أثر سوى
إعطاء الوجود لكل عين يريد الحق وجودها من الممكنات فيقول لها كن، وأخفى الاقتدار
بقوله كن وجعله ستراً على الاقتدار فكان الممكن عن الاقتدار الإلهي من حيث لا يعلم
الممكن وسارع إلى التكوّن فكان فظهر منه عند نفسه السمع والطاعة لمن قال له: ﴿كُنْ﴾
[النحل: ٤٠] فاكتسب الثناء من الله بالامتثال، فأوّل أمر كان من الممكن السمع والطاعة لله في
تكوينه، فكل معصية تظهر منه فإنما هي عرض يعرض له وأصله السمع والطاعة كالغضب
الذي يعرض والسبق للرحمة فإن لها السبق وللطاعة من الممكن السبق والنهاية، والخاتمة أبداً
لها حكم السابقة والسبق للرحمة فلا بد من المال إلى الرحمة في كل ممكن عرض له
الشقاء لأنه بالأصل طائع، وكذلك كل مولود إنما يولد على الفطرة والفطرة الإقرار لله تعالى
بالعبودة فهي طاعة على طاعة، ولما لم يكن للممكن اقتدار أصلاً وإنما له القبول لم يكن
فيه حقيقة يطلع بها على اقتدار الله عليه في تعلقه بإخراجه من حالة العدم إلى حالة الوجود
لأنه لا فاعل إلا الله، والأشياء لا تشهد الله إلا من نفوسها ومما هي عليه وما هي على شيء
من الاقتدار عند بعض النظار، فلا يمكن أن تشهد صدورها إلى الوجود كما قال تعالى :
﴿مَّآ أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] يريد حالة الإيجاد فليس
للممكن اقتدار بوجه من الوجوه عند بعضهم كما قدمنا، فلهذا قلنا أخفى عز وجل اقتداره
الفتوحات المكية ج٨ - م٢

١٨
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
وجاء بالقول بصيغة الأمر ليتصف الممكن بالسمع والطاعة، فلا تزال عين الحق تنظر إليه
بالرحمة وتراعي منه هذا الأصل مع أن القول لا حكم له في المعدوم ولا سيما فيمن ليس
نه اقتدار بالأصالة فكيف يكون فأشبه صورة التكليف والفعل لله. ولما كان الممكن بحكم
الأصل سامعاً مطيعاً للأمر بقي فيه سرّ امتثال الأمر، فإذا جاء الإنسان أمر الشيطان في لمته
بالمخالفة، وما يقول له في أمره خالف وإنما يأمره أن يفعل ما تقدمه من الله النهي عنه، أو
ينهاه عن وقوع ما تقدم له من الله الأمر بفعله فيغفل عما تقدمه من الله في ذلك، فيبادر لما
أمره الشيطان به لأن حقيقته كما قلنا فطرت في أصل التكوين على الامتثال، كما أيضاً يقبل
أمر الملك في الطاعة أو في مكارم الأخلاق. وأما حالته في التردد في الفعل أو الترك بين
اللمتين فهو في ذلك الوقت تحت حكم التردد الإلهي الذي نسبه إلى نفسه وأنه مجلى الحق
في حين تردّد كل متردّد في العالم فذلك عينه تردّد الحق حتى ينفذ ما شاء الله أن ينفذ من
ذلك فيظهر حكمه في ذلك الفعل إما بالطاعة أو بالمعصية كما يريد العبد ويطلب من الله
أمراً ما فلا يعطيه ويخالفه فيه، فهذه بتلك لتصح النسخة فإن من تمامها مقابلة الخلاف
والوفاق فلو أجاب الحق كل ما يطلبه العبد منه لأجابه العبد في كل ما طلبه الحق منه، ولو
أجاب العبد ربه في كل ما أمره به ونهاه لأجاب الحق عبده في كل خاطر يخطر له في تكون
أمر، فلما لم يكن الأمر إلا هكذا وهو على الصورة فلا بد أن تقع المخالفة والموافقة من
الجانبين، فما ظهر العبد في خلافه أمر الحق إلا بخلاف الحق ما دعاه فيه العبد فصحت
المقابلة بين النسختين فصح الكتاب بالأم حيث ظهر بصورتها، ولو لم يكن كذلك لكان
خطأ والصواب أولى، فوجود الخلاف من الممكن أصح في النسخة، ولا يثبت في الأم إلا
ما هو حق، فالخلاف حق حيث كان، فانظر إلى هذا السرّ ما أعجبه وما أخفاه والله على
كل شيء قدير، فالمقتدر حكمه حكم آخر ما هو حكم القادر، فالاقتدار حكم القادر في
ظهور الأشياء بأيدي الأسباب، والأسباب هي المتصفة بكسب القدرة فهي مقتدرة أي
متعملة في الاقتدار وليس إلا الحق تعالى، فهو المقتدر على كل ما يوجده عند سبب أو
بسبب كيف شئت قل وهو قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلّقُ﴾ وما لا يوجده بسبب هو قوله والأمر ﴿أَلَا
لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] ولهذا اصطلح أهل الله على ما قالوه من
عالم الخلق والأمر، يريدون بعالم الخلق ما أوجده الله على أيدي الأسباب وهو قوله:
﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآً﴾ [يس: ٧١] وليست سوى أيدي الأسباب، فهذه إضافة تشريف لا بل
تحقيق وعالم الأمر ما لم يوجد عند سبب، فالله القادر من حيث الأمر ومقتدر من حيث
الخلق فهذا تفصيله، يقال: ضرب الأمير اللص وقطع الأمير يد السارق، وإنما وقع القطع من
يد بعض الوزعة والأمر بالقطع من الأمير فنسب القطع إلى الأمير فهذا هو المقتدر، فإذا باشره
بالضرب فهو القادر إذا لم تكن ثم آلة تقطع يده بها من حديدة أو غيرها فالله يخلق بالآلة فهو
مقتدر، ويخلق بغير الآلة فهو قادر، فالقدرة أخفى من الاقتدار، على أن الاقتدار حالة القادر
مثل التسمية حالة المسمي اسم فاعل فافهم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

١٩
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزّة
المقدم * حضرة التقديم
[نظم: البسيط]
بمن أُقَدِّمُهُ والله يَغْفِرُ لي
أنا المُقَدُمُ عن عِلْم ومعرفة
لو أن ما مَلَكَتْ كَفّي يكون لها
ملكاً لما انْبَسَطَتْ يدايَ في الدُّوّلِ
إذا دعوتُ به وليس يَظْهَرُ لي
عَبْد المُقَدّم أَدْعُوهُ ويعرفُني
ولست أفْقُدُهُ إذا يُسارِقُني
الله سَخَّرَهُ فيما أُصَرِّفُهُ
بطَرْفِهِ وهو لي من أعْظَمِ الحِيَلِ
ولست أُصَرِّفُهُ عن رؤيةَ الجَبَلِ
يدعى صاحبها عبد المقدم من هذه الحضرة يثبت بالدليل ثبوت المرجح وهو الله،
وذلك أن الممكنات بالنسبة إلى الايجاد، أو نسبة الايجاد إليها على السواء على كل واحد
واحد منها، فإذا تقدّم أحد الممكنات على غيره بالوجود مع التسوية في النسبة دل أنه مرجح
لأمر ما ليس لنفسه، فعلمنا أنه لا بد من مرجح وهو المقدم له على غيره من الممكنات، وهذا
أشدّ في الدلالة من دلالة الأشعري بالزمان على هذا المطلوب فإنه يقول: ما من ممكن يوجد
في زمان إلا ويجوز إيجاده قبل ذلك الزمان أو بعده، فما تكلم إلا فيما يدخل تحت حكم
الزمان، والزمان عنده أيضاً موجود ولا يوجد في زمان فيخرج الزمان عن حكم هذه الدلالة،
والذي ذهبنا إليه يدخل في حكمه كل ممكن من زمان وغير زمان مما له وجود فهو أتم في
الدلالة. ثم إن الله تعالى بعد إبراز ما أبرزه من العالم عين للعالم مراتب وتلك المراتب نسبة
كل من يقتضي حقيقته البروز بها والإنزال فيها نسبة واحدة، فإذا نالها شخص واحد من
الأشخاص أشخاص هذا النوع وتقدم إليها وبها فإن الذي قدمه هو المقدم كالخلافة في النوع
الإنساني ما من إنسان إلا وهو قابل لها فيقدم الحق من شاء فيها دون غيره فيتأخر الغير عنها
في ذلك الزمان بلا شك، وكذلك في النبوّة والرسالة والأمارة وجميع المراتب على هذا الحد
تجري، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
المؤخر * حضرة التأخر
[نظم: الكامل]
مجهولةٍ عندي لذاك تُؤَخْرُهْ
أنت المُؤَخْرُ من تشاءُ لحِكْمَةٍ
تُبْدِيهِ وقتاً ثم وقتاً تَسْتُرُهُ
لو كان أهلاً للتقدُّم لم تكن
قامت بنا لا أستطيع فأَذْكُرُه
الله يعلم أنني من غيرة
لو كان للكون الغريب مَزيَّةٌ
عندي لقُمْتُ بشُكْرِهِ لا أكْفُرُهُ
نُورٌّ له من قام فيه يَبْهَرُهْ
لكنه أخفاه عن أبصارنا
يدعى صاحبها عبد المؤخر، فإذا راعى الحق تأخر عبد ما عن بعض المراتب، فمن
هذه الحضرة فيتقدم غيره فيها ولا يتقدم فيها هذا المؤخر عنها البتة، ثم إن هذا المقصود

..
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزّة
بالتأخر إذا تعين أنه لا حكمله في التقدم فيها بقي من بقي فيقدم الحق فيها من شاء من الباقين
فيكون بتقديمه إياه فيه مقدم· ويتأخر من تأخر من الباقين بالتضمين لا بحكم القصد، فلا
يكون مؤخراً إلا بالقصد ولا مقدماً إلا بالقصد، وكل من ما جاء من ذلك بحكم التضمين فما
هو من هذه الحضرة من هذا الوجه، وهو منها من هذا الوجه الآخر الذي له التأخر لا
بالحكم، في جتمع المقصود مع غير المقصود في نفس التأخر والتقدم، فلهذا جاء المقدم
و مؤخر في الأسماء الحسنى مزدوجاً.
الأول * حضرة الأولية
[نظم: الكامل]
سُبْحَانَ مَنْ جَمَعَ العِبَادَ لذِكْرِهِ
خَتَمَ الإِلْهُ به وُجُودَ عِبَادِهِ
ما قلته فلقد أتيتُ بحِكْمَةٍ
لما تَوَاضَعَ عن علوّ مكانه
فهو المُهَيْمِنُ لا أشكّ وإنَّهُ
يوم العَرُوبَةِ فاضْطَفَاه الأوّلُ
شَرْعاً وعَقْلاً سادتي فتَأوَّلُوا
غرّاً جلاها المقام الأنْزَلُ
في ذاته أخفاه عنّا الأسْفَلُ
لهو الجَوَادُ على العباد المُفْضِلُ
يدعى صاحبها عبد الأوّل ويكنى غالباً أبو الوقت، لما حصل في النفوس من تقدم
الزمان المسمى دهراً، الذي تفصله الأوقات، فكانت كنية عبد الأوّل أبا الوقت كما كانت كنية
آدم أبو البشر، فالأوّل للأوقات أب لها كآدم لسائر الناس، فالحضرة الأولية بها ظهر كل أوّل
من أشخاص كل نوع كآدم في نوع الإنسان وكجنة عدن من الجنات، وكالعقل الأوّل من
الأرواح، وكالعرش من الأجسام، وكالماء من الأركان، وكالشكل المستدير من الأشكال، ثم
ينزل الأمر إلى جزئيات العالم فيقال أوّل من تكلم في القدر بالبصرة معبد الجهني، وأوّل من
رمى بسهم في سبيل الله سعد بن أبي وقاص، وأوّل شعر قيل في العالم الإنساني: [الوافر]
فوَجْهُ الأرْضِ مُغْبَرٌّ فَبِيحِ
تَغَيَّرَتِ البلادُ ومَنْ عَلَيها
ويعزى هذا الشعر لآدم عليه السلام لما قتل قابيل أخاه هابيل فقال عليه السلام: ((مَا مِنْ
قَتِيلِ يُقْتَلُ ظُلْماً إِلَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ كِفْلٌ مِنَ الوِزْرِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ ظُلْماً))، ولنا جزء
في الأوّليات وهو جزء بديع عملته بملطية من بلاد يونان أو بمكة والله أعلم، وأوّل بيت وضع
للناس معبداً الكعبة، وأوّل اسم إلهي في الرتبة الاسم الحيّ، والله يقول الحق وهو يهدي
السبيل .
الآخر * حضرة الآخر
[نظم: السريع]
إلا لحِفْظِ العالم الدَّائِرِ
والله ما الأوّلُ والآخِرُ
لوَصْفِهِ المخلوق بالقاصِرِ
فإنه يَعْجَزُ عن حِفْظِهِ
فكان بالآخر حِفْظـاً له
ليَلْتَقي الواحدُ بالآخَرِ