النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة الإحاطة لنا وليس سوى ما حزناه من صورته فإن الرداء يحيط بالمرتدي: [المجتث] وباطِنُ الخَلْقِ حَقُّ فظاهِرُ الحَقِّ خَلْقُ ومن ذلك : [الوافر] فنحن له بمنزلة الوِعَاءِ إذا حُزْنَا مَقَامَ الكبرياءِ فِكُنَّا منه عَيْنَ الكِبْرِيَاءِ فلم يُرَ غَيْرُنا لمَّا شَهِدْنا ولما كنا عين كبرياء الحق على وجهه والحجاب يشهد المحجوب فأثبت أنا نراه كما وسعناه فصدق الأشعري وصدق قوله: ترون ربكم كما صدق لن تراني، وللرداء ظاهر وباطن فيراه الرداء بباطنه فيصدق ترون ربكم ويصدق مثبت الرؤية ولا يراه ظاهر الرداء فيصدق المعتزلي ويصدق لن تراني والرداء عين واحدة، وكان الفضل لهذه النشأة الإنسانية على جميع العالم، فإن العالم كله دون الإنسان منحاز عن الإنسان متميز عنه، فلا يشهد العالم سوى الإنسان الذي هو الرداء والرداء من حيث ظاهره يشهد من يشهده وهو العالم، فيرى الحق ظاهر الرداء بما هو الحق العالم وهي رؤية دون رؤية باطن الرداء، فالعالم له الإحاطة لأنه لا يتقيد بجهة خاصة، فالحق وجه كله والرداء وجه كله، فهو الظاهر تعالى للعبد من حيث العالم، وهو الباطن لنفسه عن العالم من حيث ما له صورة في العالم ومن حيث إن الرداء بينه وبين العالم، فإن الصورة التي للحق في عين العالم الحق لها باطن من حيث إن الرداء حائل بينه وبين الحق الذي العالم به فهو باطن لنفسه وللعالم، ولا يصح أن يكون باطناً لباطن الرداء لكن لظاهره، فالإنسان الكامل يشهده تعالى في الظاهر بما هو في العالم وفي الباطن بما هو مرتد فتختلف الرؤية على الإنسان الكامل والعين واحدة، ولهذا ينكره بعض الناس في القيامة إذا تجلى والكامل لا ينكره فإنه ما كل إنسان له الكمال، فما ينكره إلا الإنسان الحيوان لأنه جزء من العالم فإذا تجلى له في العلامة وتحول فيها عرفه لأنه ما يعرفه إلا مقيداً، فالإمام تابع للمأموم في الأحوال والمأموم يتبع الإمام في الأفعال وفي بعض الأقوال، فلولا الكبرياء ما عرف الكبير: [الطويل] وبَانَ لذي عينين من كبرياؤه وهذا صباحٌ قد تَلاهُ مَسَاؤه وما وَلِيَ الوَسْمِيَّ فهو انتهاؤه بما جَادَ من جُودٍ عليه عطاؤه وما كان من غَيْم فذاك غطاؤه فما كان من رَوْضٍ فذاك وطاؤه وما كان من مُزْنٍ فَعَیْنُ نِکَاحِهِ فَلاحَ لنا في قابلٍ عند صَيِّبٍ فقد بَانَ عَيْنُ الحَقّ في عين نَفْسه وهذا وُجُودُ الجُودِ ما ثَمَّ غَيْرُهُ فإن كان وَسْمِيٍّ فذاك ابتداؤه فتبدو ثغور الروض ضاحكةً به وما كان من شرب فذاك وعاؤه بحيث يُرَى أبناؤه وابتناؤه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله في كل موطن ونعم الوكيل. ٣٦٢ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة حضرة الحفظ [نظم: البسيط] وما سواه فإن العَقْلَ قد لَفَظَهْ إن الحفيظ عَلِيمٌ بالذي حَفِظَهُ مع الذي عين الكتاب والحَفَظَهْ فمن يقول به يليقه في خَلَدي في نفسه طالباً بما به لَفَظَهْ إذا تَلَفَّظَ شخصٌ باسمه تَرَهُ يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الحفيظ، قال تعالى: ﴿وَلَا يُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] يخاطب موسى وهارون عليهما السلام. وقال في سفينة نوح عليه السلام: ﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] يشير إلى أنه يحفظها لأن المحفوظ لا يختفي عنه، ومن الناس من يحفظه الحفظ لأنه يريد أن يخلو بهواه، والحفظ الإلهي يمنع من ذلك ويحول بينه وبين هواه ﴿أَ يَعْلَ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] فمن عصى الله واتبع هواه فما عصى إلا مجاهرة ولكن بعد عمى القلب حتى لا يجتمع النظرتان إذ لو اجتمعتا لا حترق الكون، فإن بصر الحق إذا اجتمع به بصر العبد احترق العبد من فوره، ومعلوم أن الله يدركه ببصره الآن في حق العبد فإن الحق ليس في الآن لكن ما اجتمع بصر العبد معه فيعلم بالمقدمتين ما ينتج بينهما، فإن باجتماع البصرين وقع الحرق، فما انحفظ العالم إلا يكون البصرين ما اجتمعا على رؤية الكون ولذلك وصف نفسه إذا تجلى أن يكون رداء الكبرياء على وجهه فلا يرتفع أبداً، فإذا رأينا الحق متى رأيناه بأبصارنا نراه من حيث لا يرانا كما يرانا من حيث لا نراه، فإنه يرانا عبيداً ونراه إلهاً ونراه به ويرانا بنا، ومهما رآنا به فلا نراه به بل وهي الرؤية العامة، ورؤية الخواص أن يروه به ويراهم بهم، فهو الذي يحفظ عليهم وجودهم ليفيدهم ويستفيد من يستفيد منهم حتى نعلم إلى من هو دونه فهو الحفيظ المحفظ. ولما سرى الحفظ في العالم فقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] وقال: ﴿وَالْحَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَفِظَتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] وعم فقال: ﴿وَالَْفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١٢] فحدودهم كان كل عين في العالم من حيث ما هي حافظة أمراً ما عين الحق ولهذا وصف نفسه بالأعين فقال: ﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَ﴾ فإن مدبر السفينة يحفظها والمقدم يحفظها وصاحب الرجل يحفظها، وكل من له تدبير في السفينة يحفظها بل يحفظ ما يخصه من التدبير فقال تعالى فيها إنها تجري بأعين الحق وما ثم إلا هؤلاء وهم الذين وكلهم الله بحفظها، فالحق مجموع الخلق في الحفظ وفي كل ما يطلب الجمع، ولهذا المقام في صنعة العربية بدل الاشتمال تقول: أعجبني الجارية حسنها للاشتمال الذي هنا، وأعجبني زيد علمه، فالعلم بدل من زيد والحسن بدل من الجارية ولكن بدل اشتمال كما يكون في موضع آخر بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، كقولهم: رأيت أخاك زيداً فزيد أخوك وأخوك زيد، فهكذا قوله: ((كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ)) وقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىَّ﴾ [الأنفال: ١٧] إذ رميت فهذا بدل الشيء من الشيء وإن كان في هذا البدل رائحة من بدل البعض من الكل فقال: أكلت الرغيف ثلثيه، وليس في أنواع البدل بدل أحق بالحضرة الإلهية من بدل الغلط وهو الذي فيه الناس ٣٦٣ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة كلهم يظنون أنهم هم وما هم هم، ويظنون أن ما هم هم وهم هم، ولهذا لا يوجد بدل الغلط في كلام فصيح مثاله: رأيت رجلاً أسداً أردت أن تقول: رأيت أسداً فغلطت فقلت: رأيت رجلاً ثم تذكرت أنك غلطت فقلت أسداً فأبدلت الأسد منه، فالعارف يلزمه الأدب أن يضيف إلى الله كل محمودٍ عرفاً وشرعاً ولا يضيف إليه ما هو مذموم عرفاً وشرعاً إلا إن جمع مثل قوله : ﴿قُلْ كُلُّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] وكل يقتضي العموم والإحاطة، وقوله: ﴿فَأَمَهَا فُرَهَا وَتَقْوَنِهَا﴾ [الشمس: ٨] فالكشف والدليل يضيف إليه كل محمود ومذموم فإن الذم لا يتعلق إلا بالفعل ولا فعل إلا الله لا لغيره، فالعارف في بدل الغلط فإن عقله يخالف قوله، فقوله في المذموم ما هو له ويقول في عقده وقلبه هو له عند قوله بلسانه ما هو له، ومن لا يعلم أنه غلط يصمم على ما قاله أو على مااعتقده فالله الحفيظ وهو بدل من الحفظة والحافظين وأعيننا فالحفظ يطلب الرؤية ولا بد، والرؤية لا تطلب الحفظ ولا بد، ولكن قد تجيء للحفظ: [الطويل] لكُلٌّ حَفِيظٍ في الوجود حَفِيظُ وفي كل بابِ رَحْمَةٌ وكَظِيظُ إلى الله لا فَظُّ عليه غَلِيظُ فكن عَبْدَ لِينٍ في دعائك عَبْدَهُ وبين حَفيظٍ ما عليه حَفِيظٌ فكم بين محفوظ عليه وُجُودُهُ فكما أن ربّك على كل شيء حفيظ، فهو بكل شيء محفوظ لأنه بالأشياء معلوم، فالأشياء تحفظ العلم به عند العلماء به والعلم صفته. والعلم والمعلوم أعطاه العلم بنفسه، فالمعلوم يحفظ عليه العلم ويزيل عنه العلم فهو يتقلب لتقلبه، فحفظ الله علمه من حيث ما هو معلوم له : [مجزوء الوافر] وحِفْظُ الخَلْقِ مَعْلُومُ فَحِفْظُ الحَقِّ مَوْسُومُ فمَدْخُولٌ ومَوْهُومُ وما أَزْبَى على هذا لأن المعلومات تحفظ على العالم بها علمه بها ولا عالم إلا الله على الحقيقة، والحق يحفظ على العالم نسبة الوجود إليه فهو يحفظ عليه وجوده، وإنما قلنا المعلومات لأن الحق معلوم لنفسه والخلق معلومون الله والحق ليس بمعلوم للخلق، فقد علمنا ما يحفظ الحق وما يحفظ الخلق، فإن زدت وقلت إن العالم يحفظ المعلوم فمدخول هذا القول وهو وهم من قائله لأن التابع بأمر المتبوع والعلم يتبع المعلوم فتفطن لهذا الأمر فإنه حسن يجعلك تنزل الأشياء منازلها وتفظ عليها حدودها فتكون حفيظاً والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. وإنما ألحقنا الحفظية بالحفظ لما وصف الحق بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، فلما كان لها حكم في الوجود الحق وسعى الانتقام والعفو في إزالتها خفنا أن يعتقد إزالة عينها وما زالت إلا إضافتها فجعل محلها جهنم فهي غضب الله الدائم فهي تنتقم دائماً في زعمها ولا تشعر بما يجد الساكن فيها، وكذلك حياتها وعقاربها في لدغها ونهشها تلدغ انتقاماً وتنهش غضباً لله وما عندها علم بما يجده الملدوغ إذا عمته الرحمة من الالتذاذ بذلك اللدغ فإنه بمنزلة الجرب بالحك أنت تدميه وهو يجد اللذة بذلك الإدماء، وكلما قوي الحق عليه تضاعفت اللذة حتى أنه يبادر إلى حك نفسه بيده لما يجد في ذلك من الالتذاذ به مع سيلان دمه في ذلك الحك، ٣٦٤ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة فجهنم دار الغضب الإلهي وحاملته والمتصفة به، وكذلك من فيها من وزعة الغضب والمغضوب عليه بما يجده لا بما في نفوس هؤلاء، ولكن لا يحصل لهم هذا إلا بعد استيفاء الحدود والإحساس بالآلام عند نضج الجلود فتبدل لذوق العذاب كما تبدلت الأحوال عليهم في الدنيا بأنواع المخالفات، فلكل نوع عذاب ولهم جلد خاص يحس بالألم كما كان هنا دائماً في تجديد خلق، والناس في هذا التجديد في لبس، فإذا انتهى زمان المخالفة المعينة انتهى نضج الجلد، فإن شرع عند انتهاء المخالفة في مخالفة أخرى أعقب النضج تبديلاً بجلد آخر ليذوق العذاب كما ذاق اللذة بالمخالفة، وإن تصرّف بين المخالفتين بمكارم خلق استراح بين النضج والتبديل بقدر ذلك فهم على طبقات في العذاب في جهنم، ومن أوصل المخالفات ومذام الأخلاق بعضها ببعض فهم الذين لا يفترّ عنهم العذاب، فلما انتهى بهم العمر إلى الأجل المسمى انتهت المخالفة فتنتهي العقوبة فيهم إلى ذلك الحدّ وتكتنفهم الرحمة التي وسعت كل شيء، ولا تشعر بذلك جهنم ولا وزعتها أعني ما فيها من الحيوانات المضرّة لا ملائكة العذاب، فتبقى أحوال جهنم على ما هي عليه، والرحمة قد أوجدت لهم نعيماً لهم في تلك الصورة بحكمها، فإن الرحمة هي السلطانة الماضية الحكم على الدوام فافهم ما أومأنا إليه من لباب الحفظ الإلهي حفظ المراتب وربك على كل شيء حفيظ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . حضرة المُقيت [نظم: البسيط] هو المُقِيتُ الذي لعبده شَرَعَهْ إن الذي قَدَّرَ الأَقْوَاتَ أَجْمَعَهَا رِزْقاً وخَلْقاً ومصنوعاً كما صَنَعَهْ وهو الذي قدّر الأوقات جُمْلَتَها عبد المقيت هو أخ شقيق لعبد الرزاق، فإن الرزق قوت المرزوق وهو على مقدار خاص لا يزيد ولا ينقص في كل شهوة في الجنان، وفي كل دفع ألم وشهوة في الدنيا لأنها دار امتزاج ونشأة أمشاج، فمن هذه الحضرة يكون القوت لكل من لا يقوم له بقاء صورة في الوجود إلا به، ومن هذه الحضرة يكون تعيين أوقات الأقوات وموازينها كما قال تعالى في خلق الأرض: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا﴾ [فصلت: ١٠] أي أعطى مقادير أوقات الأقوات وموازينها، وهذه الأقوات عين الوحي الذي في السماء، فالقوت في الأرض كالأمر في السماء، وتقدير القوت في الأرض كالوحي في السماء وهو عينه لا غيره، فأوحى في السماء أمرها وهو تقدير أقواتها وقدر في الأرض أقواتها: [المتقارب] بها يَبْعَثُ الله أمْوَاتَهَا بُرُوجُ السماء لها قُوَّةٌ وحِكْمَتُها في الثَّرَى سَيْرُها فإن الإله بناهالنا فكان غِذَاءً لها وَقْتُها ليَجْمَعَ بالسَّيْرِ أشْتَاتَها وعَيَّنَ بالسير أَوْقَاتَها وقَدَّرَ في الأرض أقْوَاتَها ٣٦٥ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة وهو وحي أمرها، واختلفت الأسماء لاختلاف المحال والصور وعمّ بالسماء والأرض ما علا من العالم وما سفل، وما في الوجود إلا عال وسافل، ومن أسمائه العلي ورفيع الدرجات فأمر الأسماء وأقواتها أعيان آثارها في الممكنات، فبالآثار تعقل أعيانها فلها البقاء بآثارها فقوت الاسم أثره وتقديره مدة حكمه في الممكن أي ممكن كان، ومن هذه الحضرة ﴿وَإِن مِّنْ شَىءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ، وَمَا نُقَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] والخزائن عند الله تعلو وتسفل، فأعلاها كرسيه وهو علمه وعلمه ذاته، وأدنى الخزائن ما خزنته الأفكار في البشر، وما بين هذين خزائن محسوسة ومعقولة وكلها عند الله فإنه عين الوجود، فهي حضرة جامعة للأعيان والنسب والحدوث والقدم، فالخلق والخالق والمقدور والقادر والملك والمالك كل واحد لصاحبه أمر وقوت فأمره في سمائه وهو علوّه وقوته في أرضه وهو دنوه، فإنا من أهل الأرض ونحن المخاطبون بهذا الخطاب ليس غيرنا ولهذا كان القرآن منزلاً والنزول لا يكون إلا من علوّ كما العروج لا يكون إلا إلى علوّ: [الوافر] ومن عُلْوٍ إلى سُفْلِ نُزُولُ فمن سُفْلٍ إلى عُلْوٍ عُرُوجْ فمهما قُلْتَ فانْظُرْ ما تَقُولُ وكُلِّ جاء في التنزيل فينا ولما لم يكن في الكون إلا علة ومعلول علمنا أن الأقوات العلوية والسفلية أدوية لإزالة أمراض ولا مرض إلا الافتقار، فكل من في السموات ومن في الأرض آتي الرحمن عبداً، والسماء والأرض أتيا إلى الرحمن طائعين، وكل عبد فقير لسيده، وخادم القوم سيدهم لقيامه بمصالحهم، والعبد هو من يقوم في خدمة سيده لبقاء حقيقة العبودة عليه، والسيد يقوم بمصالح عبيده لبقاء اسم السيادة عليه، فلو فني الملك فني اسم المالك من حيث ما هو مالك، وإن بقيت العين فتبقى مسلوبة الحكم لأنه لا فائدة للأشياء لا بأحكامها لا بأعيانها ، ولا تكون أحكامها إلا بأعيانها فأعيانها مفتقرة إلى أحكامها، وأحكامها مفتقرة إلى أعيانها، وأعيان من تحكم فيهم فماثم إلا حكم نعين فما ثم إلا مفتقر ومفتقر إليه، ولله الأمر جميعاً يعلم ما تكسب كل نفس، فأتى بكل وهي حرف شمول فشملت كل نفس فما تركت شيئاً في هذا الوضع، وسيعلم الكافر الذي سترَ عنه هذا العلم في الحياة الدنيا لمن عقبى الدار الآخرة حيث ينكشف الغطاء عن الأعين، فيعلم من كان يجهل ويفضل عليه من علمه هنا في الحياة الدنيا وهم أهل البشرى، وكل من تحقق أمراً كان بحسب ما تحققه: [السريع] والقُوتُ ما اخْتُصَّ بحال الوَرَى مَنْ قَدَّرَ القُوتَ فقد قَدَّرَا ونَفْسَهُ فانظر ترى ما تَرَى بل حُكْمُهُ سَارٍ فقد عَمَّنَا وجوده حَقّاً بغير افْتِرَا كُلِّ تَغَذَّى فيه قام في فقوت القوت الذي يتقوّت به هو استعماله، فالمستعمل قوت له لأنه ما يصح أن يكون قوتاً إلا إذا تقوّت به، فاعلم من قوتك ومن أنت قوته، روينا عن عالم هذا الشأن وهو سهل بن عبد الله التستري أنه رضي الله عنه سئل عن القوت فقال: ((الله))، فقيل له: عن الغذاء ٣٦٦ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة نسألك فقال: ((الله)) لغلبة الحال عليه، فإن الأحوال هي ألسنة الطائفة وهي الأذواق، فنبهه السائل على ما قدر ما أعطاه حاله في ذلك الوقت فقال: يا سهل إنما أسألك عن قوت الأجسام أو الأشباح، فعلم سهل أن السائل جهل ما أراده سهل فنزل إليه في الجواب بنفس آخر غير النفس الأول، وعلم أنه رضي الله عنه جهل حال السائل كما جهل السائل جوابه فقال له سهل: مالك ولها يعني الأشباح دع الديار إلى بانيها إن شاء خربها وإن شاء عمرها، فما زال سهل عن جوابه الأول لكن في صورة أخرى وعمارة الدار بساكنها، فالقوت الله كما قال أول مرة إلا أن السائل قنع بالجواب الثاني لنزوله من النص إلى الظاهر، وهكذا أكثر أجوبة العارفين إذا كانوا في الحال أجابوا بالنصوص، وإذا كانوا في المقام أجابوا بالظواهر فهم بحسب أوقاتهم، وهذا القدر من التنبيه على شرف هذه الحضرة كافٍ إن شاء الله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. حضرة الاكتفاء [نظم: الكامل] وبما له فالكُلُّ في الحُسْبَانِ إنّ الحَسِيبَ هو العليمُ بما لنا فيه وفي الأكوان والإنسانِ لو تعلمون بما أقول وصِدْقَنَا عَيْنْ تُنَطْقُني سوى المِحسانِ إني نطقتُ به وعنه وليس لي يدعى صاحبها عبد الحسيب، وأدخلها القائلون بحصر الأسماء في الصفات السبعة في صفة العلم، وقد جاء في مدلول هذه الحضرة الأمر أن الواحد مثاله: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْفَاظًا﴾ [الكهف: ١٨] وأمثاله والثاني: ﴿وَمَن يَتَوَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾﴾ [الطلاق: ٣] أي به تقع له الكفاية فلا يفتقر إلى أحد سواه، وعند الكشف يعلم المحجوب أن أحداً ما افتقر إلا إلى الله لكن لم يعرفه لتحليه في صور الأسباب التي حجبت الخلائق عن الله تعالى مع كونهم ما شاهدوا إلا الله، ولهذا نبههم لو تنبهوا بقوله تعالى وهو الصادق: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥] لعلمه بفقرهم إليه، فلم يتنبه لهذا القول إلا من فتح الله عين فهمه في القرآن وعلم أنه الصدق والحق الذي ﴿لَّ يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيِّهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] فكلام الحق لا يعلمه إلا من سمعه بالحق فإنه: [الوافر] كلام ماله فينا انْطِبَاعٌ كلامٌ لا يُكَيِّفُهُ سَمَاعُ بنَظُم لا يُداخِلُهُ انْصِدَاعُ فنسمعه ونَثْلُوهُ حروفاً فقول الله هذا القول الساري القديم الطارىء من سمعه تكلم به ومن لم يسمعه ما سمع إلا هو ولم يتكلم به وما تكلم إلا به، فصاحب الحجاب لا يعلم ذلك إلا بالخبر مثل قول الله: ﴿فَأَجِهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] ومثل المصلي إذا قال: سمع الله لمن حمده، وكل من إذا كان فذاً أو إماماً يقول: سمع الله لمن حمده هذا محل الإجماع، وما كل قائل هذا يعلم أن الله هو القائل إلا إذا سمع هذا الخبر فهذا هو المحجوب، وأما أهل الكشف والوجود فما ٣٦٧ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة يحتاجون إلى خبر بل يعلمون من هو السامع والقائل فهم غرقى في بحره لا يرجون موتاً ولا حياة ولا نشوراً: [مجزوء الرجز ] حتى أفُوزَ بالثّبَجْ إِنّي أُكَابِدُ اللّجَجْ في مَوْج هذه اللُّجّجْ وإنما العِلْمُ به عيناً فدَّعْ عنك الحُجَجْ والسيف لا أرى له يا حضرةً قد تَلِفَتْ فيها النفوسُ والمُهَجْ -رابضُ في عَيْنِ السَّبَخْ إن الفَتَى كُلَّ الفَتَى الـ يَلْقَاهُ فيه من حَرَجْ وما عليه في الذي مَنْ قد نجا وما خَرَجْ من كل ما يكرهُهُ من مات فيه فَدَرَجْ ومانَجَامنه سوى من ذات دُلُ ودَعَجْ وكلّ ما تحذره نَفْسُك في ثاني دَرَجْ فلا تَخَفْ فإنها وقد كثر الله في خطابه من قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ [آل عمران: ١٧٨]، وعدد أموراً كثيرة هي مذكورة في القرآن يطول إيرادها، وما منها آية فيها: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ أو ﴿يَحْسَبُ﴾ [الهمزة: ٣] إلا وفيها قوّة الاكتفاء لمن فهم وما يعقلها إلا العالمون من هذه الحضرة يحسب على المتنفس أنفاسه لأنها أنفاس معدودة محصاة عليه إلى أجل مسمى، فلا بد أن يكون كما قلنا ولكن لا بما هي أنفاس وإنما بما تجري فيه إلى أمد معين، وتلك حضرة بين العلم والجهل فهي حضرة التخمين والحدس والظن الذي لم يبلغ مبلغ العلم ولهذا جاء: ﴿وَحَسِبُوَاْ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١] وكانت الفتنة فما كان ما حسبوا، وقال في طائفة: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] وما أحسنوا صنعاً فهي شبهات في صور أدلة تظهر وليست أدلة في نفس الأمر، فالكيس من يقف عندها ولا يحكم فيها بشيء فإن لها شبهاً بالطرفين، ومن هذه الحضرة نزلت الآيات المتشابهات التي نهينا عن الخوض فيها ونسبنا إلى الزيغ في اتباعها فإن الزيغ ميل إلى أحد الشبهين، وإذا أولت إلى أحشد الشبهين فقد صيرتها محكمة وهي متشابهات فعدلت بها عن حقيقتها، وكل من عدل بشيء عن حقيقته فما أعطاه حقه كما أعطاه الله خلقه، والإنسان مأمور بأن يوفي كل ذي حق حقه، ومن هذه الحضرة ظهرت الأعداد في أعيان المعدودات فلما تركب العدد في المعدود تخيل منه ما ليس له حكم في وجود عيني، فهذه الحضرة أعطت كثرة الأسماء الله وهي كلها أسماء حسنى تتضمن المجد والشرف بل هي نص في المجد والشرف، فلهذا قيل فيه أنه تعالى حسيب، والحسيب ذو الحسب الكريم والنسب الشريف، ولا نسب أتم ولا أكمل في الشرف من شرف الشيء بذاته لذاته، ولهذا لما قيل لمحمد وَ له: انْسُبْ لنا ربك ما نسب الحق نفسه فيما أوحى إليه به إلا لنفسه وتبرأ أن يكون له نسب من غيره فأنزل عليه سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴿َ اللَّهُ الصََّمَدُ ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَُّ كُفُوا أَحَدٌ﴾ فعدد ٣٦٨ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة ومجد فكانت له عواقب الثناء بما له من التحميد. ثم أبان له الأسماء الحسنى وعين لنا منها ما شاء وأمرنا أن ندعوه بها مع أن له أسماء كل شيء في العالم، فكل اسم في العالم فهو حسن بهذه النسبة، ومن هنا قالوا: أفعال الله كلها حسنة ولا فاعل إلا الله، هكذا حكم الأسماء التي تسمى بها العالم كله، ولا سيما إن قلنا بقول من يقول: إن الاسم هو المسمى، وقد بينا أنه ما ثم وجود إلا الله، وكذلك لو قلنا إن الاسم ليس المسمى لكان مدلول الاسم وجود الحق أيضاً، فعلى كل وجه ليس إلا الحق فما ثم وضيع، فالكل ذو حسب صميم ومجد وشرف عميم، وإنما الحسبان الذي رمى الله به روضة أحد الرجلين من السماء فأصبحت صعيداً زلقاً وأصبح ماؤها غوراً، فكونها أصبحت صعيداً زلقاً أورثها الشرف وبما نعتها به من الزلق أورثها التنزيه والرفعة في الدرجة بما جعلها صعيداً وأزال عنها أنواع المخالفة بما أزال عنها من الشجر، فإن الحسبان كان من السماء، فأعطى مرتبة السمو لمن كان موصوفاً بالأرض وهي الساترة من فيها ولهذا سميت جنة، فما أبرز ما برز منها إلا جود السماء وهو المطر وجودها بحرارة الشمس، فمن السماء ظهرت زينتها فالسماء كستها بحسبانها والسماء جرّدتها من زينتها بحسبانها، فمن زينتها كثرت أسماؤها بما فيها من صنوف الثمر والأشجار والأزاهر، ومن تجريدها وتنزيهها توحد اسمها وذهبت أسماؤها لذهاب زينتها ﴿إِنَا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لَّمًا﴾ [الكهف: ٧] وليس الأرض في الاعتبار سوى المسمى خلقاً وليس زينتها سوى المسمى حقاً، فبالحق تزينت وبالحق تنزهت وتجردت عن ملابس العدد وظهرت بصفة الأحد، وهذا كله من هذه الحضرة حضرة الاكتفاء وهو الاسم الإلهي الحسيب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وهو قوله: ﴿وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْنَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]. حضرة الجلال [نظم : الكامل] إنّ الجَلِيلَ له الجلالُ الأعْظَمُ فإذا تَخَلَّقَ عَبْدُهُ بجلاله وهو الذي سَبَقَ الجَمالَ نفاسةً وله الثَّتَزُّهُ في المعارجِ كلها يبدو فيُظْهرُه جمالُ وُجُودِهِ بحقيقةٍ حَوَتِ الحقائقَ كُلَّها فانْهَضْ بها إن كنت تعرفُ قَدْرَهَا لا تَفْزَعَنَّ لها فأنت مِنَ أَهْلها إن الذين يبايعونك إنهم وافشوا الذي جئنا به في حقه وانْظُز إليه من وراء حجابه إن كُنْتَ من أصحابه في غَيْبِه والجُودُ والكَرَمُ العَمِيمُ الأَفْخَمُ تَعْنُو الوجوهُ له ومنه يَعْظُمُ فله التقدُّمُ والمقامُ الأقْدَمُ وله التَّكَرُّمُ والصّراطُ الأقْوَمُ يعلو فيَخْجُبُهُ الجلالُ المُعْلَمُ ما قد عَلِمْتَ به وما لا يُغْلَمُ ذَوْقاً ولا تَكُ في القيامة تَنْدَمُ وازْحَلْ إلى طَلَب المعالي تُعْصَمُ لَيُبَايعون الحَقَّ حَقّاً فاعلموا لا تكتُمُوه فإنه لا يُكْتَمُ تَخْظَ به إن كنت ممن يَفْهَمُ فانْعَمْ به إن كنت ممن ينعمُ ٣٦٩ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة فاخذَر إذا قام البنَا يَتَهَدَّمُ مهما بَنَيْتَ الصَّرْحَ أنت خليفةٌ إن البناء إذا تَقُومُ بأمره لا يعتريه تَقَوُّضٌ وتَهَدُمُ يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الجليل، قال تعالى وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِ الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]: [الخفيف] في سماء وما لها مِنْ فُرُوجْ جَعَلَ الرزقَ والبناءَ جميعاً حين يُذْعَوْنَ نحوها من عُرُوجْ ثم لا بُدَّ للعَبِيدِ إليها تَجِدُوهُمُ في أمْرٍ مَرِيجْ إنما الخلق إن نظرتم إليهم في خروجٍ إن كان أو في وُلُوجْ دون علم فهم حيارى سكارى فمن نسبة الجلال إليه له الاسم، ومن حضرة الجلال ظهرت الألوهة وعجز الخلق عن المعرفة بها، ومن هذا الاسم يعلم سرّكم في الأرض لما فيكم من نسبة الباطن وجهركم لما فيكم من نسبة الظاهر لارتفاعكم عن تأثير الأركان، فكل عظيم فهو جليل وكل حقير فهو جليل فهو من الأضداد، وقيل لأبي سعيد الخراز: بم عرفت الله؟ فقال: بجمعه بين الضدين ثم تلا: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَاَلَآَخِرُ وَاَلَّهِرُ وَالْبَاِنُ﴾ [الحديد: ٣] يعني من عين واحدة وفي عين واحدة. ثم نرجع ونقول: ولا أحقر ممن يسأل أن يطعم لإقامة نشأته وإبقاء الحياة الحيوانية عليه، وعلى قدر الاحتقار يكون الافتقار، وأي افتقار أعظم ممن لا يكون له ما يريد إلا بغيره لا بنفسه، ولولا القوابل ما ظهر مجد القادر، لولا جوع العبد ما ادعى فيه السيد، ولولا عين العبد ما كان للجوع حكم، ولما أراد السيد أن يظهر بحكم لا يقوم إلا بعبده فلا بد أن يتعين وجود العبد وهو الذليل، فالمفتقر إليه أشد في الحكم وأولى بالاسم، فما كمل الوجود إلا بهذا الاسم، فما من شيء إلا وله وعلیه حکم فثبت الافتقار للحكم سواء حکمت له أو عليه، وما حكم على شيء ولا لشيء إلا عينه، فما جاءه شيء من خارج فما ثم إلا هو، فهو الحاكم والحكم والمحكوم عليه أوله، فتوحدت العين واختلفت النسب كبدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، وأما عظمة الجليل فمن تأثيره كما أن حقارته من كونه مؤثراً فيه اسم مفعول، وما من شيء إلا مؤثر ومؤثر فيه لا بد من ذلك، فاسم الجليل له حقيقة فيقول العظيم الذي له التأثير للمؤثر فيه الحقير يا جليل، ويقول الحقير الذي تأثر وظهر الأثر فيه للذي له الأثر والتأثير يا جليل بالوجهين من كل قائم ومسم وواصف وناعت، فما رأينا أشبه شيء منه بالصدى، فإنه ما يرد عليك إلا ما تكلمت به، فوضعه الحق لهذا المقام وأمثاله مثالاً مضروباً، فإن الله ما خلق الخلق لعين الخلق وإنما خلقه ضرب مثال له سبحانه وتعالى علوّاً كبيراً، ولهذا أوجده على صورته، فهو عظيم بهذا القصد وحقير بكونه موضوعاً، ولا بد من عارف ومعروف، فلا بد من خلق وحق وليس كمال الوجود إلا بهما فظهر كمال الوجود في الدنيا. ثم ينتقل الأمر إلى الأخرى على أتم الوجوه وأكملها عموماً في الظاهر كما عمت في الدنيا في الباطن، فهي في الآخرة في الظاهر والباطن، فلا بد أن تكون الآخرة تطلب حشر الأجساد وظهورها، ولا بد من إمضاء حكم التكوين فيهما، فهي في الدنيا في العموم تقول للشيء كن الفتوحات المکیة ج٧ - م٢٤ ٣٧٠ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة فيكون في تصوّرها وتخيلها، لأن موطن الدنيا ينقص في بعض الأمزجة عن إمضاء عين التكوين في العين في الظاهر، وفي الآخرة تقول ذلك بعينه لما يريد أن يكون كن فيكون في عينه من خارج كوجود الأكوان هنا عن كن الإلهية عند أسبابها، فكانت الآخرة أعظم كمالاً من هذا الوجه لتعميم الكلمة الحضرتين الخيال والحس: [الهزج] وللآخرة الجَهْرُ فللأُولى هو السِّرُّ فقديان له الأمرُ فمن آمن بالكُلّ وما ثم حضرة في الحضرات الإلهية من يكون عنها النقيضان في العين الواحدة إلا هذه فهي الحضرة العامة الجامعة التي تضمنت الأسماء كلها حسنها وسيئها، والجلال من صفات الوجه فله البقاء دائماً، وهو من أدل دليل على أن كل ما في الدنيا في الآخرة بلا شك ومما في الدنيا ما لا خفاء به وهي الأجسام الطبيعية التي من شأنها أن تأكل وتشرب وتستحيل مأكلها ومشروبها بحسب أمزجتها، ففي الجنة يستحيل ما يأكله أهلها عرقاً يخرج من أعراضها أطيب من ريح المسك قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] فقال قائل: بأي نسبة يكون له هذا البقاء؟ فقال ذو الجلال والإكرام فرفع بنعت الوجه فلو خفض نعت الرب وكان النعت بالجلال وله النقيضان فيبقى الوجه الذي له النقيضان ولا يفنى، وإنما يفنى ما كان على هذه الأرض فناء انتقال في الجوهر وفناء عدم في الصورة، فيظهر مثل الصورة لا عينها في الجوهر الباقي الذي هو عجب الذنب الذي تقوم عليه نشأة الآخرة، فيبقى حكم الوجه المنعوت بالجلال ويتبعه اسمه حيث كان، فللاسم البقاء كما كان البقاء للمسمى به، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. [نظم: البسيط] حضرة الكرم [نظم: البسيط] ولو تراه فقيراً للّذي سَألا إنّ الكَرِيمَ الذي يُعْطي إذا سُئلا وليس يبرح من إذلال نشأته ولا أحاشي من الأعيان من أحَد وذاك للأدب المعتاد أنْسُبُهُ سبحانه وتعالى أنْ يُحِيطَ به فإنْ يَحُلَّ ففي قلبي منازلُه وليس ينقُصُهُ مما يُحيط به إنّ القُرَانَ في آياته عَجَبٌ بما يعزّ ولو محبوبُه وَصَلا إلا الغَنِيَّ الذي يعطي إذا سُئِلا فإنه مانعٌ ولا تقل بَخِلاً عِلْمُ الخلائق عيناً حَلَّ أو رَحَلا وإن أقام أراه فيه مُزْتَّحِلا إلا إذا قيل شهرُ الله قد كمُلا آباره تقتضي الأزمان والأزلا يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الكريم وهو يتبع الجليل ويلازمه، قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وقال تعالى: ﴿نَبَكَ أَسْمُ رَبِّكَ ذِى الْجَلِ وَالْأَكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] وإنما تبعه من حيث ما يعطيه وضع الجلال، ولما كان يعطي النقيضين جاء ٣٧١ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة بالإكرام على الوجهين، فإن السامع إذا أخذ الجلال على العظمة أدركه القنوط لعدم الوصول إلى من له العظمة، لما يرى نفسه عليه من الاحتقار والبعد عن التفات ما يعطيه مقام العظمة إليه، فأزال الله عن وهمه ذلك الذي تخيله بقوله: ﴿وَاُلْإِكْرَامِ﴾ أي وإن كانت له العظمة فإنه يكرم خلقه وينظر إليهم بجوده وكرمه نزولاً منه من هذه العظمة، فلما سمع القانط ذلك عظم في نفسه أكثر مما كان عنده أولاً من عظمته، وذلك لأن عظمته الأولى التي كان يعظم بها الحق كانت لعين الحق عن انكسار من العبد وذلة، فلما وصف الحق نفسه بأنه يكرم عباده بنزوله إليهم حصل في نفس المخلوق أن الله ما اعتنى به هذه العناية إلا وللمخلوق في نفس هذا العظيم ذي الجلال تعظيم فرأى نفسه معظماً، فلذلك زاد في تعظيم الحق في نفسه إيثاراً لجنابه لاعتناء الحق به على عظمته، فزاد الحق بالكرم تعظيماً في نفس هذا العبد أعظم من العظمة الأولى، هذا إذا أخذ الجلال وحمله على العظمة، فإن أخذه السامع وحمله على نقيض العظمة فإنه يحصل أيضاً في نفسه القنوط لأنه حقير، وقد استند إلى مثله فمن أين يأتيه من تكون له منه رفعة والذي استند إليه جليل فيقول له لسان الصفة ومع هذا فإنه ذو إكرام، والدليل على أنه ذو إكرام امتنانه عليك بوجودك ولم تكن شيئاً موجوداً ولا مذكوراً فلولا كرمه لبقيت في العدم، فكرامته بك في إعطائه الوجود إياك أعز من كرامته بك بعد وجودك بما يمنحك به من نيل أغراضك، فيتنبه هذا الناظر في هذا الاسم وحمله على نقيض العظمة ويقول صحيح ما قال من أكرمني بالوجود الخيّر وحال بيني وبين الشرّ المحض وهو العدم لا بدّ أن يكون قادراً على إيجاد ما يسرّني، ودعه يكون في نفسه ما كان، إنما الغرض أن يكون له الاقتدار على تكوين ما أريده منه، وما جعل عنده هذا إلا قوله: ﴿ وَاُلْإِكْرَامِ﴾. وانظر إلى قول النبيّ بَّه وما أعجبه في نهيه أن يقال عن العنب الكرم وغيرته وَّل على هذاالاسم ثم قال: ((فإن الكَرْمَ قَلْبُ المؤمن» فإن قلبت المؤمن وجدت الحق في قلبك إياه فإن الله يقول: ((وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِنِ)) والحق باطن المؤمن وهو قلب الظاهر، والحق هنا هو الكريم لأن القلب هو الكرم فهو محل الكرم، وجاء بالاسم الكريم على هذه البينة لكونها تقتضي الفاعل والمفعول فهو تعالى كريم بما وهب وأعطى وجاد وامتن به من جزيل الهبات والمنح، وهو مكرم ومتكرم عليه بما طلب من القرض فأقرض العبد ربه عن أمره بما عبده خلقه لأنه ما خلقهم إلا ليعبدوه، وجعل لهم الاختيار فلما جعل لهم الاختيار الذي أداهم ذلك إلى البعد عما خلقوا له من العبادة، ولما علم الحق ذلك ظهر في صورة كل شيء وأخبر عباده بذلك فقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اَللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] ولا بد لكل مخلوق من التولي إلى أمر ما، وقال الحق تعالى في ذلك الذي توليت إليه ومراجعة أعدمهم بذلك إلا ليتصفوا بصفة الكرم على الله بتوليهم، لأنهم لو لم يعلموا ذلك بإعلامه مع وجود الاختيار الذي يعطي التفوق في الاشياء لتخيلوا أنهم قد خرجوا عن حكم ما خلقوا له من التكرم على ربهم بعبادتهم إياه، فربما كانوا يجدون في نفوسهم من ذلك حرجاً حيث خالفوا ما خلقوا له مع كرمه بهم بإيجادهم، فأزال الله عنهم ذلك الحرج كرماً منه واعتناء بهم بقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ ٣٧٢ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فانطلقوا في اختيارهم إذا علموا أنهم حيث تولوا ما ثم إلا وجه الله، فوقفوا على علم ما خلقوا له، وقد كان قبل هذا يتخيلون أنهم يتبعون أهواءهم والآن قد علموا أن أهواءهم فيها وجه الحق، ولهذا جاء بالاسم الله لأنه الجامع لكل اسمٍ فقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اُللَّهِ﴾ وذلك الأين يعين بحقيقته اسماً خاصاً من أسماء الله، فللَّه الإحاطة بالأينيات بأحكام مختلفة لأسماء إلهية مختلفة تجمعها عين واحدة، فمن كرمه قبول كرم عباده فقبل عطاياهم قرضاً وصدقة، فوصف نفسه بالجوع والظمأ والمرض ليتكرم عليه في صورة ذلك الكون الذي الحق وجهه بالعيادة والإطعام والسقي والكرم على الحاجة أعظم وقوعاً في نفس المتكرم عليه من الكرم على غير حاجة، لأنه مع الحاجة ينظره إحساناً مجرداً يثمر له الشكر ولا بد، والشكر يثمر الزيادة من العطاء والكرم على غير الحاجة من المتكرّم عليه يظهر له الحال الذي هو عليه وجوهاً من التأويل قد يخرجه من نظره أنه أحسن إليه فربما يتخيل فيه أمراً يرد به، فلهذا أنزل الحق إلى عباده في طلب الكرم منهم إلى الظهور بصفة الحاجة ليعلمهم أنه ما ينظر في أعطياتهم إلا الإحسان مجرّداً، فهي بشرى من الله جاءت منه إلى عباده من قوله: ﴿لَهُمُ اٌلْبُشْرَى فِىِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤] وهذه منها، فهذا اسم الكريم من حضرة الكرم فبكرمه تكرّمت عليه كما قرّرنا، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. حضرة المراقبة [نظم: البسيط] لذاك يحفظ أعياناً وأكْوَانًا إنّ الرَّقِیبَ لَزِيمٌ حیثما كانا عن أمره كان ذاك الأمْرُ ما كانا وقتاً يكون على ذات مصرّفة شيءٌ وإن جَلَّ ذاك الأمرُ أو هَانَا وليس يَخْفَى عليه من مُرَاقِبِهِ يدعى صاحبها عبد الرقيب، وليس في الحضرات من يعطي التنبيه على أن الحق معنا بذاته في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [الحديد: ٤] إلا هذا الاسم الرقيب وهذه الحضرة لأنه على الحقيقة من الرُقبى والرقبى أن تملك رقبة الشيء بخلاف العمرى فإذا ملكت رقبة الشيء تبعته صفاته كلها وما ينسب إليه بخلاف الصفة لأنك إذا ملكت صفة ما لا يلزم أن تملك جميع الصفات، وإذا ملكت الموصوف فبالضرورة تملك جميع الصفات لأنها لا تقول بأنفسها وإنما تطلب الموصوف ولا تجده إلا عندك فتملكها عند ذلك فهي كالحبالة للصائد، فأما ملكه إياك فمعلوم بما تعطيه حقيقتك، وأما ملكك إياه فبقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اَللَّهِّ﴾ [البقرة: ١١٥] ووجه الشيء ذاته وحقيقته، والرقيب اسم فاعل على كل شيء وهو المرقب عليه فإنه المشهود لكل شيء فيرقب العبد في جميع حركاته وسكناته، ويرقبه العبد في جميع آثاره في قلبه وخوطره وحركاته وحركات ما خرج عنه من العالم، فلا يزال صاحب هذه الحضرة في مزيد علم إلهيّ أبداً، علم ذات ينجرّ معه علم صفات ونعوت وأسماء ونسب وأحكام، ولا بد لهذا الاسم من حكم الإحاطة حتى يصح شمول المراقبة، ولما كانت المراقبة تقتضي ٣٧٣ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة الاستفادة والحفظ حذراً من الوقائع فالعلم قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٣١] فإذا ابتلاه راقبه حتي يرى ما يفعل فيما ابتلاه به لأنه ما ابتلاه ابتداء وإنما ابتلاه لدعواه لأنه قال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فادعوا فابتلاهم ليرى صدق دعواهم، ولقد رحم الله عباده حين أشهدهم على أنفسهم بما قبضهم وقرّرهم عليه من كونه ربهم وما أشهدهم على توحيده، ويصدق المقرّ بالملك لمن له فيه شقص فجعل لهم الانفساح من أجل ما علم من يشرك من عباده الشرك المحمود والمذموم، فغير المذموم شرك الأسباب فإن القائلين بها أكثر العباد مع كونهم لا يعتقدون فيها إلا أنها موضوعة من عند الله، والمذموم من الشرك أن يجعل المشرك مع الله إلهاً آخر من واحد فما زاد ولذلك قال من قال من المشركين: ﴿أَجَعَلَ الَلِمَةَ إِلَهَا وَِدًّاً إِنَّ هَذَا لَشَىْء ◌ُجَابٌ﴾ [ص: ٥] فقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىُ عُجَابٌ﴾ عندنا هو قول الله، وقوله: ﴿أَجَعَلَ اَلْأَلِمَةَ إَِهَا وَحِدًا﴾ حكاية الله لنا عن المشرك أنه قال هكذا إما لفظاً وإما معنى، فقال الله عند قولهم ذلك: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْء ◌ُجَابٌ﴾ حيث جعلوا الإله الواحد آلهة وخصوص وصفة أنه إله وبه يتميز فلا يتكثر بما به يتميز، ويشهد لهذا النظر قولهم فيما حكى الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] فعصم الله هذا الاسم الله أن يقع فيه اشتراك فهم يعلمون أنهم نصبوهم آلهة، ولهذا وقع الذمّ عليهم بقوله: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] والإله من له الخلق والأمر من قبل ومن بعد. وأما لطفه بهم في هذا الإشهاد فهو القبض والقبض يقتضي القهر فما أقروا به إلا مع القهر، فالمشرك منهم أقرّ على كره فلما تخيلوا أنهم قد خرجوا من القبضة لجهلهم بما هو الأمر عليه قالوا بالشركة، فإذا قيل لهم في ذلك احتجوا بما كانوا عليه من القبض فيعذرون في دعواهم أنهم ما ادّعوا ذلك إلا جبراً لا اختياراً والحكم في الأشياء للأحوال، فمن راقب أحواله علم من أين صدر، فلا يخلو هذا المراقب إما أن يكون ميزان الشريعة بيده فإنه يرى بعين إيمانه إن كان من أهل الإيمان، أو بعين شهوده إن كان من أهل الشهود، ومن لم يكن له إحدى هذين العينين فهو أعمى، فيرى الحق والميزان بيده يخفض ويرفع فيقتدي بربه ويتأسى وما عنده إلا ميزان ما شرع له لا يلتفت مع الإيمان إلى ميزان عقله فيزن ما يرد عليه من الأحوال من جانب ربه فيخفض ويرفع ويزيد في الناقص وينقص من الزائد فيأخذ من عباده بالعدل ويعطي بالفضل، فلا يزال ما دام هذا الميزان بيده معصوماً في مراقبته، ويصح عنده أنه عند الاسم الرقيب لأنه قد تحقق بنعته بسيده، فأسعد العبيد من يراقب سيده مراقبة سيده إياه، فيراقب الحق مراقبة عبده لمن يراقب فيكون معه بحيث يرى منه، ومن ملك المراقبة كان له التصريف كيف شاء في المراقب فإن الله مع عبده حيث كان: [مجزوء الخفيف] هكذا الأمْرُ فاعْتَبِز واخفَظِ السِّرَّ وازْدَجِزْ إنما الأمْرُ مِثْلُ مَا قُلْتُهُ فيه فافْتَكِزْ فالعبد وإن كان مقيداً بالشرع فإن الشرع قد جعله مسرح العين في تصرّفه ويحمده الميزان ويذمه، والمراقب معه أينما كان من محمود ومذموم فإذا كان العبد هو المراقب ولا ٣٧٤ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة يرى الحق مجرّداً عن الخلق تجريد تنزيه وتقديس أبداً لأنه لا تصح هناك مراقبة، فلا بدّ أن يراه في الخلق في حضرة الأفعال فيكون المراقب وهو العبد حيث كان الحق من خلقه لأنه في الخلق يشهده فينظر ما يقتضيه ذلك الأثر في ذلك الخلق المعين فيزنه بالميزان الموضوع ويكون معه بحسب ما يعطيه ميزان الحق فينظر أيّ اسم إلهي يكون له الحكم في ذلك الأمر الموزون فيتوجه إليه باسم إلهيّ يكون عليه هذا المراقب الذي هو العبد كان ما كان من الأسماء الإلهية، فإن كان يقتضي ما لا يوافق غرضه ولا يلائم مزاجه ولا يحمده شرعه سأل رفع ذلك الحكم منه إن كان نظره شرعاً بالتوبة والمغفرة، وإن كان ذا غرض سأل الموافقة، وإن كان ممن يقول بالملائمة سأل الأصلح والأولى طبعاً فهو بحسب ما يكون عليه في حاله: [الطويل] فمن مَلَكَ الرُّقْبَى فقد مَلَكَ الكُلأَّ فلا تَعْمَ عن إدراك كُلِّ مراقبٍ فإن الرقيبَ الحَقَّ في كل حالةٍ فمن راقبَ الحَقَّ الرقيبَ بعينه فللخَلْقِ أحكامٌ إذا هي حُقْقَتْ ويظهرُ في الحق الذي قلت مثل ما دليلي حُدُوثُ الصّور في كل ناظر ومن مَلَكَ الكُلَّ يصِحُّ له الجُزْءُ فقد بانَتِ الأسرارُ إذا أُخْرِجَ الخَبْءُ لديه قَبُولُ الحال إن شاء والدَّرْءُ فذاك الرقيبُ الحقُّ والمثل والكُفْءُ يكون له منها الإعادةُ والبدءُ يضافُ إلى المخلوق في كونه النَّشْءُ إليه وما في كل ما قلتُه هُزْءُ حضرة الإجابة [نظم: الخفيف] كن مجيباً إذا الإلهُ دَعَاكا واحْفَظِ السِّرَّ لا تكن يا وَليِّي فإذا ما دعاك في حَقّ شخصٍ لا تكن كالذي أتاه حريصاً كُلُّ من ضاعت الأمورُ لديه وسميعاً لما دَعاكَ مُطِيعًا للذي خَصَّكُمْ بذاك مُذِيعَا كُنْ مُجيباً لما دعاك سَمِيعا فإذا ما استفاد كان مُضِيعًا إنه قد أتى حديثاً شَنِيعَا يدعى صاحبها عبد المجيب وتسمى حضرة الانفعال، فإن صاحب هذه الحضرة أبداً لا يزال منفعلاً، وهو قولهم في المقولات أن ينفعل، وهذا حكم ما يثبت عقلاً وإنما يثبت شرعاً فلا يقبل إلا بصفة الإيمان وبنوره يظهر وبعينه يدرك، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ﴾ يعني منكم ولا أقرب من نسبة الانفعال، فإن الخلق منفعل بالذات والحق منفعل هنا عن منفعل فإنه مجيب عن سؤال ودعاء ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ وهو الموجب للإجابة ﴿إِذَا دَعَانٍ فَلَسْتَجِيبُواْ لِى﴾ [البقرة: ١٨٦] إذا دعوتهم، وما دعاهم إليه إلا بلسان الشرع فما دعاهم إلا بهم فإنه تلبس بالرسول فقال: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٠] فقرّر أنه ما جاء منه إلا به فما فارقه ولا شاهد الخلق المبعوث إليهم إلا الرسول، فظاهره خلق وباطنه حق كما ٣٧٥ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة قال في البيعة: ﴿إِنَّمَا يُبَابِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وما في الكون إلا فاعل ومنفعل فالفاعل حق وهو قوله: ﴿وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] والفاعل خلق وهو قوله: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ اَلْعَمِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] و﴿ أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ﴾ [فصلت: ٤٠] والمنفعل خلق وهو معلوم، وخلق في حق وهو الإجابة، وحق في خلق وهو ماانطوت عليه العقائد في الله من أنه كذا وكذا وخلق في خلق وهو ما تفعله الهمم في المخلوقات من حركات وسكون واجتماع وافتراق . ثم اعلم أن الإجابة على نوعين: إجابة امتثال وهي إجابة الخلق لما دعاه إليه الحق، وإجابة امتنان وهي إجابة الحق لما دعاه إليه الخلق، فإجابة الخلق معقولة، وإجابة الحق منقولة لكونه تعالى أخبر بها عن نفسه، وأما اتصافه بالقرب في الإجابة فهو اتصافه بأنه أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، فشبه قربه من عبده قرب الإنسان من نفسه إذا دعا نفسه لأمر ما تفعله فتفعله، فما بين الدعاء والإجابة الذي هو السماع زمان بل زمان الدعاء زمان الإجابة، فقرب الحق من إجابة عبده قرب العبد من إجابة نفسه إذا دعاها، ثم ما يدعوها إليه يشبه في الحال ما يدعو العبد ربه إليه في حاجة مخصوصة فقد يفعل له ذلك وقد لا يفعل كذلك دعاء العبد نفسه إلى أمر ما، قد تفعل ذلك الأمر الذي دعاها إليه وقد لا تفعل لأمر عارض يعرض له، وإنما وقع هذا الشبه لكونه مخلوقاً على الصورة وهو أنه وصف نفسه في أشياء بالتردد، وهذا معنى التوقف في الإجابة فيما دعا الحق نفسه إليه فيما يفعله في هذا العبد، وقد ثبت هذا في قبضه نسمة المؤمن فإن المؤمن يكره الموت، والله يكره مساءة المؤمن فقال عن نفسه سبحانه: ((مَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدَّذي)) فأثبت لنفسه التردد في أشياء ثم جعل المفاضلة في التردّد الإلهي فقال تعالى: (تَرَدَّذِي فِي قَبْضٍ نَسْمَةِ المُؤْمِنِ)) الحديث، فهذا مثل من يدعو نفسه لأمر ما ثم يتردّد فيه حتى يكون منه أحد ما يتردّد فيه. والدعاء على نوعين: دعاء بلسان نطق وقول ودعاء بلسان حال، فدعاء القول يكون من الحق ومن الخلق، ودعاء الحال يكون من الخلق ولا يكون من الحق إلا بوجه بعيد. والإجابة للدعاء بلسان الحال على نوعين : إجابة امتنان على الداعي وإجابة امتنان على المدعوّ، فأما امتنانه على الداعي فقضاء حاجته التي دعاه فيها وامتنانه على المدعوّ فإنه بها يظهر سلطانه بقضاء حاجته فيما دعاه إليه، وللمخلوق في قبوله ما يظهر فيه الاقتدار الإلهي رائحة امتنان، ولهذه القوّة الموجودة منّ من منّ على رسول الله وَّرَ بالإسلام فقال تعالى تأنيساً له: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾ ثم أمره أن يقول لهم فقال يا محمد ﴿قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَى إِسْلَمَكُمْ بَلِ اللّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَّكُمْ لِلْإِيَمَنِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧] فتلك المنة الواقعة منهم إنما هي على الله لا على رسوله وَّر فإنهم ما انقادوا إلا إلى الله لأن الرسول ما دعاهم إلى نفسه وإنما دعاهم إلى الله فقوله لهم: ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ يعني في إيمانكم بما جئت به، فإنه مما جئت به أن الهداية بيد الله يهدي بها من يشاء من عباده لا بيد المخلوق. ثم إن النبي ◌َّر أبان عما ذكرناه من أن لهم رائحة في الامتنان: ((أَمَا والله لَوْ شِئْتُمْ أَنَّ تَقُولُوا لَقُلْتُمْ)) وذكر نصرة الأنصار وكونهم أووه حين طرده قومه، وأطاعوه ٣٧٦ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة حين عصوه قومه، فأشبهوا فيما كان منهم بما قرّره رسول الله وَ لير من ذلك قوله تعالى لنبيه: وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَ﴾ [الضحى] ولما كانت وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى ٦ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَشَاوَى النعم محبوبة لذاتها وكان الغالب حب المنعم حتى قالت طائفة: إن شكر المنعم واجب عقلاً جعل الله التحدث بالنعم شكراً فإذا سمع المحتاج ذكر المنعم مال إليه بالطبع وأحبه فأمره أن يتحدث بنعم الله عليه فقال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] حتى يبلغ القاصي والداني، ◌َ وَأَمَّا السَّائِلَ﴾ يعني في العلم ﴿فَلَا نَنْهَرْ﴾ [الضحى: وقال في الإنسان: ﴿فَمَّا اٌلِّنِيَمَ فَلَ نَقْهَرْ ١٠] ومن هذا الأمر ذكر أهل الله ما أنعم الله به عليهم من المعارف والعلم به والكرامات، فإن النعم ظاهرة وباطنة وقد أسبغها على عباده كما قال: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةُ وَبَاطِنَةٌ﴾ [لقمان: ٢٠] فهذا بعض ما يعطيه هذه الحضرة من الانفعال، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. حضرة السعة [نظم: مجزوء الخفيف] وَسِعَ الكُلَّ خَلْقُهُ إنّما الواسعُ الذي نازع الحَقّ خَلْقُهُ فإذا ماخــلايـنـا من سَنَا الشَّمْسِ أُفْقُهُ وزَهَا بالذي بدا وأنا فيه حَقُّهُ فهي فينا بنورها يدعى صاحبها عبد الواسع، قالت الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةُ وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] فقدمت الرحمة على العلم لأنه أحب أن يعرف والمحب يطلب الرحمة به، فكان مقام المحب الإلهي أول مرحوم، فخلق الخلق وهو نفس الرحمن، وقال: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] فعم بكل كل مرحوم وما ثم إلا مرحوم، ومن كان علمه بالشيء ذوقاً وكان حاله فإنه يعلم ما فيه وما يقتضيه من الحكم، وقد قال الترجمان وَله: ((إنَّ المُؤْمِنَ لا يَكْمُلُ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)) وقد علمنا أن له الكمال وأنه المؤمن وأن العالم على صورته فقد ثبتت الأخوة بالصورة والإيمان لأنه ما ثم إلا قائل به مؤمن مصدق بوجوده، فإنه ما من شيء إلا يسبح بحمده وما من شيء إلا وسعته رحمته كما وسعه تسبيحه وحمده، فهو الواسع لكل شيء، ولهذا الاتساع هو لا يكرّر شيئاً في الوجود، فإن الممكنات لا نهاية لها، فأمثال توجد دنيا وآخرة على الدوام وأحوال تظهر وقد ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ وهو علمه ﴿السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ووسعت رحمته علمه والسموات والأرض وما ثم إلا سماء وأرض فإنه ما ثم إلا أعلى وأسفل ﴿سَيِحٍ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] فلا أعلى بعده، ولو دليتم بحبل لهبط على الله فلا أنزل منه وما بينهما فينزل إلى العلو الأدنى وهو السماء الأولى من جهتنا فإنها السماء الدنيا أي القريبة إلينا، وما نزل ليعذب ويشقي بل يقول: هل من داع فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ وما يخلو شيء من سؤال بخير في حق نفسه هل من تائب فأتوب عليه؟ وما من شيء إلا ويرجع في ضرورته إذا انقطعت به الأسباب إليه، هل من ٣٧٧ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة مستغفر فأغفر له؟ وما من شيء إلا وهو مستغفر في أكثر أوقاته لمن هو إله، ولم يقل إنه ينزل ليعذب عباده الذين نزل في حقهم، ومن كان هذا نعته وعذب فعذابه رحمة بالمعذب وتطهير كعذاب الدواء للعليل فيعذبه الطبيب رحمة به لا للتشفي ثم اتساع العطاء فإنه أعطى الوجود أولاً وهو الخير الخالص، ثم لم يزل يعطي ما يستحقه الموجود مما به قوامه وصلاحه كان ما كان فهو صلاح في حقه، ولهذا أضاف العارف به المترجم عنه كلمة الحضرة ولسان المقام الإلهي رسوله وَّ الخير إليه فقال: ((وَالخَيْرُ كُلُّهُ فِ يَدَيْكَ)) ونفى الشر أن يضاف إليه فقال: ((وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ)). وقد بينا أنه ما ثم معطٍ إلا الله فما ثم إلا الخير سواء سر أم ساء، فالسرور هو المطلوب وقد لا يجيء إلا بعد إساءة، لما يقتضيه مزاج التركيب وقبول المحل لعوارض تعرض في الوجود وكل عارض زائل، ولهذا يسمى بالمعطي والمانع والضارّ والنافع، فعطاؤه كله نفع، غير أن المحل في وقت يجد الألم لبعض الأعطيات فلا يدرك لذة العطاء فيتضرّر بذلك العطاء ولا يعلم ما فيه من النفع الإلهي فيسميه ضاراً من أجل ذلك العطاء، وما علم أن ذلك من مزاج القابل لا من العطاء. ألا ترى الأشياء النافعة لأمزجة ما كيف تضرّ بأمزجة غيرها؟ قال الله في العسل إنه شفاء للناس، فجاء رجل لرسول الله و98َّ فقال له: إن أخي استطلق بطنه فقال: ((اسْقِهِ عَسَلاً)» فسقاه عسلاً فزاد استطلاقه فرجع فأخبره فقال: ((اسقه عسلاً» فزاد استطلاقه، وما علم هذا الرجل ما علمه رسول الله ◌َ# من ذلك فإنه كان في المحل فضلات مضرّة لا يمكن إخراجها إلا بشرب العسل فإذا زالت عنه اعقبته العافية والشفاء فلما رجع إليه قال له: يا رسول الله سقيته عسلاً فزاد استطلاقه فقال: ((صَدَقَّ الله وكَذَبَ بَطْنُ أخيك، اسْقه عَسَلاً)) في الثالثة فسقاه فبرىء. فإنه استوفى خروج الفضلات المضرة، وكالذي يغلب على العضو الحامل للطعم المرة الصفراء فيجد العسل مراً فيقول: العسل مر فكذب المحل في إضافة المرارة إلى العسل لأنه جهل أن المرة الصفراء هي المباشرة لعضو الطعم فأدرك المرارة فهو صادق في الذوق والوجدان كاذب في الإضافة، فالقوابل أبداً هي التي لها الحكم فما من الله إلا الخير المحض كله، فمن اتساعه رحمته أنها وسعت الضرر فلا بد من حكمه في المضرور، فالضرر في الرحمة ما هو ضرر وإنما هو أمر خير بدليل أنه بعينه إذا قام بالمزاج الموافق له التذ به وتنعم وهو هو ليس غيره، فالأشياء إلى الله إنما تضاف إليه من حيث إنها أعيان موجودة عنه، ثم حكم الالتذاذ بها أو غير الالتذاذ إنما هو راجع إلى القابل، ولو علم الناس نسبة الغضب إلى الله لعلموا أن الرحمة تسع الكل، فإن القادر على إزالة الألم عن نفسه لا يتركه فقامت الأحوال من الخلق والمواطن للحق مقام المزاج للحيوان، فيقال في الحق إنه يغضب إذا أغضبه العبد ويرضى إذا أرضاه العبد فحال العبد والموطن يرضي الحق ويغضبه، كالمزاج للحيوان يلتذ بالأمر الذي كان بالمزاج الآخر يتألم به فهو بحسب المزاج كما هو الحق بحسب الحال والمواطن، ألا ترى في نزوله إلى السماء الدنيا ما يقول فإنه نزول رحمة يقتضيها الموطن، وإذا جاء يوم القيامة يقتضي المواطن أنه يجيء للفصل والقضاء بين العباد ٣٧٨ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة لأنه موطن يجمع الظالم والمظلوم وموطن الحكم والخصومات، فالحكم للمواطن والأحوال في الحق والحكم في التألم والالتذاذ والتلذذ للمزاج ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢] أي واسع الستر، فما من شيء إلا وهو مستور بوجوده وهو الستر العام، فإنه لو لم يكن ستر لم يقل عن الله هو ولا قال أنت فإنه ما ثم إلا عين واحدة فأين المخاطب أو الغائب؟ فلهذا قلنا في الوجود إنه الستر العام ثم الستر الآخر بالملائم وعدم الملائم فهو واسع المغفرة وهي حضرة إسبال الستور، وقد تقدم الكلام عليها في هذا الباب ثم قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَ﴾ [النجم: ٣٢] والستر وقاية والغفران هو الستر، فالعبد يتقي بالستر ألم البرد والحر إذا علم من مزاجه قبول ألم الحر والبرد، فإن الحر والبرد ما جاءا إلا لمصالح العالم ليغذي النبات الذي هو رزق العالم فيبرزه لينتفع به فيكون جسم الحيوان على استعداد يتضرر به فيقول: إني تأذيت بالحر والبرد، وإذا رجع مع نفسه لما قصد بهما بحسب ما يعطيه الفصول علم أنه ما جاء إلا لنفعه فتضرّر بما به ينتفع والغفلة أو الجهل سبب هذا كله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الحكيم * حضرة الحكمة [نظم: البسيط] إنّ الحَكِيمَ الذي مِيزَانُهُ أَبَداً بِالرَّفْعِ والخَفْضِ مَنْعُوتٌ ومَوْصُوفُ عِلْمَاً وفيه إذا فَكَّرْتَ تعريفُ يُرَتِّبُ الأَمْرَ ترتيباً يُرِيكَ به في مُلْكه وله في الخَلْقِ تَصْرِيفُ بأنه الله فَرْدٌ لا شريكَ له مِيزَانُهُ الحَقُّ لا خُسْرَانَ يَلْحَقُهُ ولا يقوم به في الوزن تَطْفِيفُ يدعى صاحبها عبد الحكيم. قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] وما كثره الله لا تدخله قلة، كما أن ما عظم الله ما يدخله احتقار، وامتن على داود بأن آتاه الحكمة وفصل الخطاب وهو من الحكمة، فإنه لفصل الخطاب موطن يعطي الحكمة لصاحبها أن لا يظهر منه في ذلك الموطن إلا فصل الخطاب، وهو الإيجاز في البيان في موطنه لسامع خاص لذي حال خاص، والإسهاب في البيان في موطنه لسامع خاص ذي حال خاص، ومراعاة الأدنى أولى من مراعاة الأعلى، فإن ذلك من الحكمة، فإن الخطاب للإفهام، فإذا كرر المتكلم الكلام ثلاث مرات حتى يفهم عنه كما كان كلام رسول اللهَ وَّر فيما يبلغه عن الله للناس يراعي الأدنى ما يراعي من فهم من أول مرّة، فيزيد صاحب الفهم في التكرار أموراً لم تكن عنده أفادها إياه التكرار، والأدنى الذي لم يفهم فهم الأوّل فهم بالتكرار ما فهمه الأوّل بالقول الأول. ألا ترى العالم الفهم المراقب أحواله يتلو المحفوظ عنده من القرآن فيجد في كل تلاوة معنى لم يجده في التلاوة الأولى، والحروف المتلوة هي بعينها ما زاد فيها شيء ولا نقص، وإنما الموطن والحال تجدّد ولا بد من تجدده، فإن زمان التلاوة الأولى ما هو زمان التلاوة الثانية فافهم، فتعطي هذه الحضرة علم الترتيب، وإعطاء كل شيء حقه وإنزاله منزلته، فيعلم العبد المراقب أن الله هو واضع الأشياء وهو الحكيم، فما ٣٧٩ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة وضع شيئاً إلا في موضعه، ولا أنزله إلا منزلته، فلا تعترض على الله فيما رتبه من الكائنات في العالم في كل وقت، ولا يرجح نظره وفكره على حكمة ربه فيقول: لو كان كذا في هذا الوقت لكان أحسن في النظم من الترتيب فما أخطأ إلا في قوله في هذا الوقت لا في قوله لو كان كذا لكان أحسن، فلما غابت عنه حكمة الوقت تخيل أن ذلك الذي هو أحسن أن هذا الوقت يقتضيه وهذا نظر عقلي، فإن الأزمنة لكل ممكن على نسبة واحدة، فليس زمان لشيء بأولى من زمان آخر، ولكن أين فائدة المرجح إلا علمه بالزمان وما يقتضيه لأنه خالق الزمان، وما هذا الناظر خالق الزمان فهو يعلم ما خلق، فما رتب فيه إلا ما استحقه بخلقه فإنه أعطى كل شيء خلقه، فالحكيم من حكمته الحكمة فصرّفته لا من حكم الحكمة فإنه من حكم الحكمة له المشيئة فيها، ومن حكمته الحكمة فهي المصرّفة له، وإذا قامت الصفة بالموصوف أعطته حكمها عطاء واجباً قال تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَنَّ﴾ [ق: ٢٩] فالحكم للقول وذلك ليس إلا لله أو لرجل متحقق بالله طالع القول الإلهي. ومن هنا تعلم ما هو النسخ، فإن مفهوم النسخ في القائلين به رفع الحكم بحكم آخر كان ما كان من أحكام الشرع، فإن السكوت من الشارع في أمر ما حكم على ذلك المسكوت عنه فما ثم إلا حكم فهو تبديل، وقد قال تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ﴾ فما ثم نسخ على هذا القول، ولو كان ثم نسخ لكان من الحكمة، وصورته أن الزمان إذا اختلف اختلف الحكم بلا شك، فالنسخ ثابت أبداً لأن الاختلاف واقع أبداً، فالحكمة تثبت النسخ والحكمة ترفع النسخ ولكن في مواطن معينة تطلبها لذاتها فيوفيها الحكيم ما تستحقه من ذلك، فالحكيم من قامت به الحكمة فكان الحكم لها به كما كان الحكم له بها فهو عينها وهي عينه، فالحكمة عين الحاكم عين المحكوم به عين المحكوم عليه، فالحكمة علم خاص وإن عمت، والفرق بينها وبين العلم أن الحكمة لها الجعل والعلم ليس كذلك، لأن العلم يتبع المعلوم والحكمة تحكم في الأمر أن يكون هكذا، فيثبت الترتيب في أعيان الممكنات في حال ثبوتها بحكمة الحكيم، لأنه ما من ممكن يضاف إلى ممكن إلا ويمكن إضافته إلى ممكن آخر لنفسه، لكن الحكمة اقتضت بحكمها أن ترتبه كما هو بزمانه وحاله في حال ثبوته، وهذا هو العلم الذي انفرد به الحق تعالی و جهل منه وظهر به الحكم في ترتيب أعيان الممكنات في حال ثبوتها قبل وجودها، فتعلق بها العلم الإلهي بحسب ما رتبها الحكيم عليه، فالحكمة أفادت الممكن ما هو عليه من الترتيب الذي يجوز خلافه، والترتيب أعطى العالم العلم بأن الأمر كذا هو، فلا يوجد إلا بحسب ما هو عليه من الثبوت الذي هو ترتيب الحكيم عن حكم الحكمة، فقد بان لك الفرقان بين العلم والحكمة فما يبدل القول لديه فإنه ما يقول إلا ما رتبته الحكمة، كما أنه ما علم إلا ما رتبته الحكمة فيقول للشيء: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] بالحال الذي هو عليه كان ما كان. فمن هذه القوّة يقول الناظر في الأمر: لو كان كذا لجوازه عنده فإذا علم حكمة الله يقول بأنه يجهل حكمة الله في هذا الوضع الذي يقتضي في نظري لو كان خلافه لكان أحسن لكن لله فيه علم لا أعرفه وصدق، ومن الناس من يفتح له في سر ذلك الترتيب، ومن الناس من لا يعلم ذلك إلا بعدما يقع حكمه في الوجود، فيعلم عند ٣٨٠ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة ذلك حكمة ذلك الأمر ويعلم جهله بالمصالح وهذا كثير، اتفاقه في العالم يكون الشخص يتسخط بالأمر الذي لا يوافق غرضه ولا نظره، وينسب مثلاً الحاكم به إلى الجور فإذا ظهرت منفعة ذلك الحكم الذي تسخطت به عاد المتسخط يحمد الله ويشكر ذلك الحكم والحاكم على ما فعل حيث رفع الله به ذلك الشرّ العظيم الذي لو لم يكن هذا الحكم لوقع بالمحكوم عليه ذلك الشرّ وهذا يجري كثيراً، فغاية العارفين أنهم يعلمون بالجملة أن الظاهر في الوجود والواقع إنما هو في قبضة الحكمة الإلهية، فيزول عنه التسخط والضجر ويقوم به التسليم والتفويض إلى الله في جميع الأمور كما جاء: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤]، هذا هو حكم الحكمة لمن عقل عن الله، ومثل هذا الشخص قد استعجل النعيم فإنه يتفرح، وإذا كان هذا حاله فإن الله في أغلب الأحوال يطلعه في سرّه على حكمه الواقع في الحال الذي لا يرضى به العباد، فإنه كل ما وقع به الرضى فقد علمت حكمته فإنه يراها الراضي موافقة لغرضه، وإنما يقع النزاع والجهل فيما لا يوافق الغرض ولا الترتيب الوهمي، فإن العقل لا يعطي صاحبه في الواقع إلا الوقوف فإنه يدري ممن صدر، وإنما الوهم الذي هو على صورة العقل له ذلك النظر المرجح، وحاشا العقل أن يرجح على الله ما لم يرجحه الله، وما رجح الله إلا الواقع فأوقع ما أوقع حكمة منه، وأمسك ما أمسك حكمه منه وهو الحكيم العليم؛ فالعارف عنده الحكيم يتقدم العليم والعامي يقدم العليم ثم الحكيم وقد ورد الأمران معاً، فالحكيم خصوص والعليم عموم، ولذلك ما كل عليم حكيم وكل حكيم عليم فالحكمة الخير الكثير: [مجزوء الرمل] وهي البَذْرُ المُنِيرُ فهي الخَيْرُ الكَثِيرُ تختفي وقتاً وتبدو هكذا قال الخَبِيرُ وبها كان الظهورُ فيها خَفِيَتْ علينا والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى السفر الثاني والثلاثون بانتهاء حضرة الحكمة لعبد الحکیم والحمد لله وحده. [السفر الثالث والثلاثون] بِسْمِ أَلَهِ الَّغَنِ الرَّحَدِ وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم الوداد * حضرة الود [نظم: الوافر] على حال يُزَعْزِعُهُ الشَّتَاتُ ألا إن الوِدَادَ هو الثَّبَاتُ إذا تبدو على الوجه السِّماتُ تُزَيِّئُها الأزاهرُ والنَّباتُ ويجمعنا وإياه مقامّ بِوَادٍ لا أنيسَ به وأرْضٍ