النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
[الأنفال: ٢١] ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] من هذه الحضرة سمع كل سامع
غير أن الموصوفين بأنهم يسمعون مختلفون في القبول، فمنهم سامع يكون على استعداد
يكون معه الفهم عند سماعه بما أريد له ذلك المسموع، ولا يكون ذلك إلا لمن كان الحق
سمعه خاصة وهو الذي أوتي جميع الأسماء وجوامع الكلم، وكل من ادّعى هذا المقام من
العطاء أعني الأسماء وجوامع الكلم وسمع ولم يكن عين سمعه عين فهمه فدعواه لا تصح،
وهو الذي له نصيب في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾
والسماع المطلق الذي لكل سامع إنما هو للذي لا يسمع إلا دعاء ونداء وقد يعلم من نودي
فذلك هو الأصم، لأن لكل صورة روحاً وروح السماع الفهم الذي جاء له المسموع قال
تعالى: ﴿مُّمٌ﴾ وإن كانوا يسمعون ﴿بَكْمُ﴾ وإن كانوا يتكلمون ﴿عُنْىٌّ﴾ وإن كانوا يبصرون،
﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨] لما سمعوا ولا يرجعون في الاعتبار إلى ما أبصروا ولا في الكلام
إلى الميزان الذي به خوطبوا مثل قوله تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]
و﴿أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] و﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]
وأصحاب هذه الصفات أيضاً كما لا يرجعون، فإن الحق قد أخبر عنهم في منزلة واحدة أنهم
لا يعقلون من العقال أي لا يتقيدون بما أريد له ذلك المسموع ولا المبصر ولا المتكلم به من
الذي تكلم، فإن الله عند لسان كل قائل يعني سميعاً يقيده بما سمع منه. فلا يتخيل قائل أن
الله أهمله وإن أمهله ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُ عَنِيدٌ﴾ [ق: ١٨] يحصي عليه ألفاظه التي يرمي
بها، لا يترك منها شيئاً حتى يوقفه عليها، إما في الدنيا إن كان من أهل طريقنا، وإما في
الآخرة في الموقف العام الذي لا بد منه، وكل صوت وكلام من كل متكلم وصامت إذا
أسمعه الحق تعالى من أسمعه فإنما أسمعه ليفهمه فيكون بحيث ما قيل له ونودي به وأقله
النداء، وأقل ما يتعلق بالنداء الإجابة وهو أن يقول: لبيك فيهيء محله لفهم ما يقال له أو
يدعى إليه بعد النداء كان ما كان، فإذا كان الحق السميع نداء العبد نادى العبد من نادى إما
الحق وإما كوناً من الأكوان، فإن الله يسمع ذلك كله لأنه ﴿مَا يَكُونُ مِن تَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ
رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَ مِن ذَلِكَ وَلَّ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] يسمع ما
يتناجون به ولذلك قال لهم: ﴿فَلَا تَنَنَجَوْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَجَوْ بِآلْبِرِ وَالنَّقْوَىْ وَأَتَّقُواْ
اللَّهَ﴾ فإنه معكم أينما كنتم فيما تتناجون به فإنكم ﴿إِلَيْهِ تُخْتَرُونَ﴾ [المجادلة: ٩] وإن كان معهم،
فكنى بالحشر إذا فتح الله بإزالة الغطاء عن أعينهم فيرون عند ذلك من هو معهم فيما يتناجون
به فيما بينهم، فعبر عنه بالحشر للسؤال عما كانوا فيه. وأما ذكره تعالى بأنه يشفع فرديتهم
ويثني أحديتهم في قوله: ﴿وَلَاَ أَدْنَ مِن ذَلِكَ وَلَّ أَكْثَرَ﴾ [المجادلة: ٤] فهل يريد به أيضاً إفراد
شفعيتهم كما شفع وتريتهم أو لا يكون أبداً إلا مشفعاً فرديتهم خاصة كما نص عليه؟ فاعلم
وفقك الله أن الله ما خلق شيئاً إلا في مقام أحديته التي بها يتميز عن غيره، فبالشفعية التي في
كل شيء يقع الاشتراك بين الأشياء، وبأحدية كل شيء يتميز كل شيء عن شيئية غيره، وليس
المعتبر في كل شيء إلا ما يتميز به، وحينئذٍ يسمى شيئاً، فلو أراد الشفعية لما كان شيئاً وإنما

٣٤٢
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
يكون شيئين وهو إنما قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ﴾ [النحل: ٤٠] ولم يقل لشيئين، فإذا كان الأمر
على ما قررناه ثم جاء الحق لكل شيء بصورته التي خلقه الله عليها فقد شفع ذلك الشيء كما
يشفع الرئى صورته برؤيته في المرآة نفسه، فيحكم بالصورتين: صورته وصورة ما شفعها،
فلذلك ما أتى الحق في الإخبار عن كينونته معنا إلا مشفعاً لفرديتنا فجعل نفسه رابعاً وسادساً
وأدنى من ذلك، وهو أن يكون ثانياً وأكثر وهو ما فوق الستة من العدد الزوج إعلاماً منه تعالى
أنه على صورة العالم أو العالم على صورته، وما ذكر في هذه الكيونية إلا كونه سميعاً من
كون من هو معهم يتناجون لا من كونهم غير متناجين، فإذا سمعت الحق يقول أمراً ما فما
يريد الأعيان وإنما يريد ما هم فيه من الأحوال إما قولاً وإما غير قول من بقية الأعمال إذ لا
فائدة في قصد الأعيان لعينهم، وإنما الفائدة إحصاء ما يكون من هذه الأعيان من الأحوال،
فعنها يسألون وبها يطلبون فيقال له ما أردت بهذه الكلمة، ولذلك ورد في الخبر الصحيح :
((إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَة مِنْ رِضْوَانِ الله ما لا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيُكْتَبُ بِهَا فِي عِلْيِينَ، وَإِنَّ
الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخْطِ الله ما لا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيُكْتَبُ بِهَا فِي سِجْين)) فأعلم
عباده أن للمتكلم مراتب يعلمها السامع إذا رمى بها العبد من فمه لم تقع إلا في مرتبتها، وأن
المتلفظ بها يتبعها في عاقبة الأمر ليقرأ كتابه حيث كان ذلك الكتاب، فعبد السميع هو الذي
يتحفظ في نطقه لعلمه بمن يسمعه وعلمه بمراتب القول، فإن من القول ما هو هجر ومنه ما
هو حسن، وإذا كان هو السامع فينظر في خطاب الحق إياه، أما في الخطاب العام وهو كل
كلام يدركه سمعه من كل متكلم في العالم فيجعل نفسه المخاطب بذلك الكلام ويبرز له
سمعاً من ذاته يسمعه به فيعمل بمقتضاه، وهذا من صفات الكمل من الرجال، ودون هذه
المرتبة من لا يسمع كلام الحق إلا من خبر إلهي على لسان الرسول أو من كتاب منزل
وصحيفة أو من رؤيا يرى الحق فيها يخاطبه، فأيّ الرجلين كان فلا بد أن يهيىء ذاته للعمل
بمقتضى ما سمع من الحق كما فعل الحق معه فيما يتكلم به العبد في نجواه نفسه أو غيره،
فإن الإنسان قد يحدث نفسه كما قال أو ما حدثت به أنفسها، وهو تنبيه أن المتكلم إذا لم يكن
ثم من يسمعه لا يلزم من ذلك أنه لا يتكلم، فأخبر أن نفسه تسمع وهو متكلم فيحدث نفسه
فيما هو متكلم يقول وبما هو ذو سمع يسمع ما يقول، فعلمنا أن الحق ولا عالم يكلم نفسه
وكل من كلم غيره فقد كلم نفسه، وليس في كلام الشيء نفسه صمم أصلاً فإنه لا يكلم نفسه
إلا بما يفهمه منها بخلاف كلام الغير إياه، فلا يقال فيمن يكلم نفسه أنه ما يفهم كلامه كيف لا
يفهمه وهو مقصود له دون قول آخر فما عينه حتى علمه وما له تعيين كلام غيره، وكذلك قد
يكون ذا صمم عنه إذا لم يفهمه لأنه لا فرق بين الصمم الذي لا يسمع كلام المخاطب وبين
من يسمع ولا يفهم أو لا يجيب إذا اقتضى الإجابة، ولهذا قال الله فيهم أنهم صم فلا يعقلون
ومن عقل فالمطلوب منه فيما أسمعه أن يرجع فلا يرجع، فمن تحقق بهذه الحضرة وعلم أن
كلامه من عمله وأن الله عند لسانه في قوله قل كلامه حتى في نفسه به، والله يقول الحق وهو
يهدي السبيل.

٣٤٣
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
حضرة البصر
[نظم: مخلّع البسيط]
عِلْماً وعَيْناً إذا تَرَاهُ
إنّ البَصِيرَ الذي يَرَاكَا
ولا تُشاهِذْ فيه سِوَاهُ
فكُنْ به لا تَكُنْ بِكَوْنٍ
بنا يرانا به نَرَاهُ
فإنه قَوْلُهُ مُجيباً
يدعى صاحبها عبد البصير، ومن هذه الحضرة الرؤية والمشاهدة، فلا بد من مبصر
ومشهود ومرئي، قال الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ﴾ [الأنعام: ١٠٣]
وقال: ﴿أَلَ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ بَرَى﴾ [العلق: ١٤] وقال: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَّاضِرَةُ (٣٦) إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ ﴾ [القيامة:
٢٢، ٢٣] وقال بَّرَ: ((تَرَوْنَ رَبَّكَمْ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَذْرِ وَكَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ بِالظَّهِيرَةِ لَيْسَ
دُونَهَا سَحَابٌ)). يريد بذلك ارتفاع الشك في أنه هو المرئيّ تعالى لا غيره، فيلزم عبد البصير
الحياء من الله في جميع حركاته، وإنما لزمه الحياء لوجود التكليف، فعبد البصير لا يبرح
ميزان الشرع من يده يزن به الحركات قبل وقوعها، فإن كانت مرضية عند الله ودخلت في
ميزان الرضى اتصف بها هذا الشخص، وإن لم تدخل له في ميزان الرضى وحكم عليها
الميزان بأنها حركة بعد عن محل السعادة وأنها سوء أدب مع الله حمى نفسه عبد البصير أن
يظهر منه هذه الحركة، فعبد البصير يخفض الميزان ويرفعه صفة حق، فإن الله ما وضع
الميزان إلا ليوزن به وهو مما بين السماء والأرض فما خلقه باطلاً ولا عبئاً ولا يستعمله إلا
عبد السميع وعبد البصير، بل له دخول في كل اسم إلهي لكل عبد مضاف إلى ذلك الاسم
مثل عبد الرؤوف فإنه يرأف بعباد الله، وجاء الميزان في إقامة الحدود، فأزال حكم الرأفة من
المؤمن، فإن رأف في إقامة الحد فليس بمؤمن ولا استعمل الميزان، وكان من الذين يخسرون
الميزان، فيتوجه عليه بهذه الرأفة اللوم حيث عدل بها عن ميزانها فإن الله يقول: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمُ
بِمَا رَأْفَةٌ فِ دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] وهو الرؤوف تعالى. ومع علمنا بأنه الرؤوف شرع الحدود وأمر
بإقامتها وعذب قوماً بأنواع العذاب الأدنى والأكبر، فعلمنا أن للرأفة موطناً لا تتعداه، وأن لله
يحكم بها حيث يكون وزنها، فإن الله ينزل كل شيء منزلته ولا يتعدى به حقيقته كما هو في
نفسه، فإن الذي يتعدى حدود الله هو المتعدي لا الحدود، فإن الحدود لا تتعدى محدودها
فيتجاوز هذا المخذول ويقف عندها العبد المعتنى به المنصور على عدوّه، فعبدالبصير إما أن
يعبد الله كأنه يراه وهذه عبادة المشبهة، وإما أن يعبد الله لعلمه بأن الله يراه فهذه عبادة
المنزهة، وإما أن يعبد الله بالله فهذه عبادة العلماء بالله فيقولون بالتنزيه ويشهدون التشبيه لا
يؤمنون به فإنه ليس عندهم ذلك خبراً وإنما هو عيان والإيمان بأنه الخبر، فالمحجوب يؤمن
بقول المخبر، وصاحب الشهود يرى صدق المخبر فكثير ما بين يرى ويؤمن، فإن صاحب
الرؤية لا يرجع بالنسخ إلا رجوع الناسخ، وصاحب الإيمان يرجع بالنسخ ويعتقد في المرجوع
عنه أنه كفر بعد الرجوع عنه وإن كان مؤمناً به، ولكن يؤمن به أنه كان لا يؤمن به أنه كائن لأنه
منسوخ. فإذا علم الله من العبد أنه يعلم أنه يراه يمهله فيما يجب بفعله المؤاخذة لأنه علم أنه

٣٤٤
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
يعلم أنه يراه فيتربص به ليرجع لأنه تحت سلطان علمه، وإن انحجب عن استعماله في الوقت
لجريان القدر عليه بالمقدور الذي لا كينونة له إلا فيه، وأن الله يستحي من عبده فيما لا
يستحي العبد فيه، وذلك إذا علم من العبد أنه يعلم من الله أن بيده ملكوت كل شيء فيقول
الحق ما أعلمته بذلك ورزقته الإيمان به إن كان من المؤمنين أو أشهدته ذلك، إن كان من أهل
الشهود إلا ليكون له ذلك مستنداً يستند إليه في إقامة الحجة، فكون العبد قد أشهد ذلك أو
آمن به ولم يحتج به فما منعه من ذلك إلا الحياء فيما لم يستحي فيه فإن الله يستحي منه أن
يؤاخذه بعلمه الذي ما استحیی منه فيه .
واعلم أن هذه الحضرة أعطت أن يكون للعبد عينان وللحق أعين فقيل في المخلوق ﴿أَّ
تَجْعَل لَّهُ عَيَّنَيْنِ﴾ [البلد: ٨] وقال تعالى عن نفسه: ﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] فمن عينيه كان ذا بصر
وبصيرة، ومن أعينه كانت أعين الخلق عينه فهم لا يبصرون إلا به وإن لم يعلموا ذلك،
والعالمون الذين يعلمون ذلك يعطيهم الأدب أن يغضوا أبصارهم فيتصفوا بالنقص فإن الغض
نقص من الإدراك، وقوله: ﴿أَلَ يَعْلَ بِأَنَّ الَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] إرسال مطلق في الرؤية لا غض فيه،
فإن لم يغضوا مع علمهم فيعلم عند ذلك أنهم مع شهود المقدور الذين لا بد من كونه فهم يرونه
كما يراه الله من حيث وقوعه لا من حيث الحكم عليه بأنه كذا، هكذا يراه العلماء بالله فيأتون به
على بصيرة وبينة في وقته وعلى صورته ويرتفع عنهم الحكم فيه فإنه من الشهود الأخروي الذي
فوق الميزان، ولذلك لا يقدح فيهم لأنه خارج عن الوزن في هذا الموطن وهو قوله في حق
رسول الله وَلّ: ﴿عَفَا اَللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] و﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا
تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] فهو سؤال عن العلة لا سؤال توبيخ لأن العفو تقدمه، وقوله حتى يتبين لك إنما
هو استفهام مثل قوله: ﴿َأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] كأنه يقول: أفعلت ذلك حتى يتبين لك
الذين صدقوا؟ فهو عند ذلك إما أن يقول نعم أو لا، فإن العفو ولا سيما إذا تقدم والتوبيخ لا
يجتمعان لأنه من وبخ فما عفا مطلقاً فإن التوبيخ مؤاخذة وهو قد عفا. ولما كان هذا اللفظ قد
يفهم منه في اللسان التوبيخ لهذا جاء بالعفو ابتداء ليتنبه العالم بالله أنه ما أراد التوبيخ الذي يظنه
من لا علم له بالحقائق، وقال في هذه المرتبة في حق المؤمن العالم: اعمل ما شئت فقد غفرت
لك، أي أزلت عنك خطاب التحجير يا محمد فاسترسل مطلقاً فإن الله لا يبيح الفحشاء وهي
محكوم عليها فحشاء تلك الأعمال، فزال الحكم وبقي عين العمل فما هو ذنب يستر عن
عقوبته، وإنما الستر الواقع إنما هو بين هذا العمل وبين الحكم عليه بأنه محجور خاصة، هذا
معنى قد غفرت لك لا ما يفهمه من لا علم له فيمشي هذا الشخص في الدنيا ولا خطيئة عليه، بل
قد عجل الله له جنته في الدنيا، فهو في حياته الدنيا كالمقتول في سبيل الله نسمته تعلق من ثمر
الجنة، كذلك هذا الشخص وإن أقيمت عليه الحدود، فلجهل الحاكم هذا المقام الذي هو فيه،
فإقامة الحدود على من هذا مقامه ما هي حدود وإنما هي من جملة الابتلاءات التي يبتلي الله بها
عبده في هذه الدار الدنيا كالأمراض وما لا يشتهي أن تصيبه في عرضه وماله وبدنه فيصيبه وهو
مأجور في ذلك لأنه ما ثم ذنب فيكفر، وإنما هو تضعيف أجور فما هي حدود في نفس الأمر،

٣٤٥
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
وإن كانت عند الحاكم حدوداً وتظهر رائحة من هذا في علماء الرسوم المجتهدين فإن الحاكم إذا
كان شافعياً وجيء إليه بحنفي قد شرب النبيذ الذي يقول بأنه حلال فإن الحاكم من حيث ما هو
حاكم وحكم بالتحريم في النبيذ يقيم عليه الحد، ومن حيث إن ذلك الشارب حنفيّ وقد شرب
ما هو حلال له شربه في علمه لا تسقط عدالته فلم يؤثر في عدالته. وأما أنا لو كنت حاكماً ما
حددت حنفياً على شرب النبيذ ما لم يسكر فإن سكر حددته لكونه سكران من النبيذ، فالحنفي
مأجور ما عليه إثم في شربه النبيذ وفي ضرب الحاكم له وما هو في حقه إقامة حد عليه، وإنما
هو أمر ابتلاه الله به على يد هذا الحاكم الذي هو الشافعيّ كالذي غصب ماله، غير أن الحاكم هنا
أيضاً غير مأثوم لأنه فعل ما أوجبه عليه دليله أن يفعله فكلاهما غير مأثوم عند الله، وهذا عين ما
ذكرناه في إقامة الحدود على الذين أبيح لهم فعل ما أقيم عليه فيه الحد وهو حد في نفس الأمر
بالنظر إلى من أقامه، فاعلم ذلك. وهذه الحضرة واسعة الميدان يتسع فيها المجال فاكتفينا بهذا
القدر من التنبيه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وهو حسبي عز وجل ونعم الوكيل .
حضرة الحكم
[نظم: البسيط]
فاجْعَلْ إِلْهَكَ فيما بينكم حَكَمَا
إذا تُنَازِعُكُمْ نَفْسٌ لِتَقْهَرَكُمْ
فإنه لكما بما به حَكَمَا
اخْذَرْ من العَدْلِ منه أن يعادله
يدعى صاحبها عبد الحكم، قال تعالى: ﴿فَبْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَاْ﴾
[النساء: ٣٥] وقال رَّ في عيسى عليه السلام: ((إِنَّهُ يَنْزِلُ فِينَا حَكَماً مُقْسِطاً)) الحديث كما ورد،
فالحكم هو القاضي في الأمور إما بحسب أوضاعها وإما بحسب أعيانها، فيحكم على الأشياء
بحدودها فهي الحكم على نفسها لأنه ما حكم عليها إلا بها، ولو حكم بغير ما هي عليه لكان
حكم جور وكان قاسطاً لا مقسطاً، والحكم هو القضاء المحكوم به على المحكوم عليه بما
هو المحكوم فيه، وأعجب ما في هذه الحضرة نصب الحكمين في النازلة الواحدة وهما من
وجه كالكتاب والسنة فقد يتفقان في الحكم وقد يختلفان، فإن علم التاريخ كان نسخاً وإن
جهل التاريخ إما أن يسقطا معاً وإما أن يعمل بهما على التخيير، فأيّ شيء عمل من ذلك كان
كالمسح في الوضوء للرجلين وكالغسل، فأي الأمرين وقع فقد أدى المكلف واجباً، على أن
في المسألة الخلاف المشهور، ولكن عدلنا إلى مذهبنا فيه خاصة فذكرناه، ومرتبة الحكم أن
يحكم للشيء وعلى الشيء، وهذه حضرة القضاء من وقف على حقيقتها شهوداً علم سر القدر
وهو أنه ما حكم على الأشياء إلا بالأشياء فما جاءها شيء من خارج، وقد ورد: «أَعمَالُكُمْ
تُرَدُّ عَلَيْكُمْ)) وفي الحدود الذاتية برهان ما نبهنا عليه في هذه الحضرة الحكمية.
اعلم أن حقيقة هذه الحضرة من أعجب ما يكون من المعلومات فإنها مماثلة لحضرة
العلم، وذلك أنها عين المحكوم به الذي هو ما هو المحكوم عليه أو له، فالحكم ما أعطى
أمراً من عنده لمن حكم له أو عليه إذا كان عدلاً مقسطاً، وأما إذا كان جائراً قاسطاً وإن كان

٣٤٦
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
حكماً فما هو من هذه الحضرة وهو منها بالاشتراك اللفظي وإمضاء ما حكم به. وأما قول الله
مخبراً وآمراً ﴿قَالَ﴾ وقل كلاهما ﴿رَبِّ أَعْكُ بِالْحَقٍ﴾ [الأنبياء: ١١٢] هو الحكم الذي لا يكون
حقاً، إلا بك، ومتى لم يكن الحكم بالمحكوم له أو عليه فليس حقاً، فالمخلوق أو المحكوم
عليه جعل الحاكم حكماً، كما أن المعلوم جعل العالم عالماً أو ذا علم لأنه تبع له وليس
القادر كذلك ولا المريد، فإن الأثر للقادر في المقدور ولا أثر للعلم في المعلوم ولا للحكم
في المحكوم عليه والحكم أخو العليم فإنه حاكم على كل معلوم بما هو ذلك المعلوم عليه في
ذاته. وقوله في جزاء الصيد: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] فيه رائحة أن الجائر في
الحكم يسمى حكماً شرعاً، إلا أن الحاكم لما شرع له أن يحكم بغلبة ظنه وليس علماً فقد
يصادف الحق في الحكم وقد لا يصادف وليس بمذموم شرعاً ويسمى حكماً وإن لم يصادف
الحق ويمضي حكمه عند الله وفي المحكوم عليه وله، فهنا ينفصل من العليم ويتميز لأنه ليس
هنا تابع للمحكوم عليه مع كونه حكماً ولا هو جائر، فإنه حكم بما شرع له من إقامة الشهود أو
الإقرار الذي ليس بحق، فكان اللفظ من الشاهد واللفظ بالإقرار من المقرّ أوجب له الحكم،
وإن كان قول زور أو شهادة زور، وإنما قلنا فيه إنه أخو العليم لكونه في نفس الأمر ما يكون
حكماً حقيقة إلا بجعل المحكوم له أو عليه هذا هو التحقيق. والأخوة هنا قد تكون أخوة
الشقائق، وقد تكون أخوة الصفة كإخوة الإيمان وغير الإيمان، وقد تكون أخوة من الأب الواحد
دون الآخر، وقد تكون من الرضاعة، فلذلك قلنا إنه أخو العليم، وما بينا مراتب الأخوة فأحقها
أخوة الإيمان فإن بها يقع التوراث وهي أخوة الصفة، كذلك الحكم ما حكم الحاكم على
المحكوم عليه إلا لصفة لا لعينه، ومن شرط الحكم أن يكون عالماً بالحكم لا بالمحكوم عليه
وله، وإنما شرطه العلم بصفة ما يظهر من حال المحكوم عليه وله بما ذكرناه من شهود صدقوا أو
كذبوا، ومن إقرار صدق أو كذب فهو تابع أبداً، فيكون عالماً بالحكم لا بد من ذلك الذي يوجبه
ويعينه ما قرّرناه والحق فيه مصادفة وهو الاجتماع مع كونه بهذه المثابة، والخلاف في حكم
الحاكم بعلمه دون إقرار ولا شهادة هل يجوز أو لا يجوز؟ وقد بينا مذهبنا في هذه المسألة في
هذا الكتاب في حكم الحاكم بعلمه أين ينبغي أن لا يحكم وأين ينبغي أن لا يحكم بعلمه فإنها
من أشكل المسائل، وعلى كل حال فهي حضرة مبهمة حكم حكمها الأشاعرة في الصفات
الإلهية بقولهم: لا هي هو ولا هي غيره مع قولهم بأنها زائدة بالعين على الذات وجودية لا
نسبية، وغير الأشعري لا يقول بهذا، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
حضرة العدل
[نظم: السريع]
يَفْصِلُ في الخَلْقِ إِذَا يَعْدِلُ
العَذلُ لا يَضْلُحُ إلا لمن
فإنه بحَقّه يفضلُ
فإن أَبَى أَكْوانُهُ عَذْلَهُ
ويَسْتُرُ السّتْرَ إذا يُسْبِلُ
يُنْعِمُ بالفَضْل على خَلْقه

٣٤٧
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
يدعى صاحبها عبد العدل، وهو ميل إلى أحد الجانبين الذي يطلبه الحكم الصحيح
التابع للمحكوم عليه وله، أو للإقرار أو الشهود وغير ذلك لا يكون عدلاً في الحكم، ومن
هذه الحضرة العجيبة خلق الله العالم على صورته، ومن هنا كان عدلاً لأنه تعالى عدل من
حضرة الوجوب الذاتي إلى الوجوب بالغير أو إلى حضرة الإمكان كيف شئت فقل، وعدل
أيضاً بالممكنات من حضرة ثبوتها إلى وجودها فأوجدهم بعد أن لم يكونوا بكونه جعلهم
مظاهر وبكونه كان مجلى لظهور أحكامهم، ومن هذه الحضرة عدوله من شأن يجوّزه العقل
في حق الممكن إلى شأن آخر، يجوّزه أيضاً العقل، والعدول لا بد منه فلا يعقل في الوجود
إلا العدل فإنه ما ظهر الوجود إلا بالميل وهو العدل فما في الكون إلا عدل حيث فرضته،
وبالعدل ظهرت الأمثال وسمي المثل عدلاً قال الله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]
و﴿ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] وهنا له وجوه في العدل منها عدولهم إلى القول
بأن له أمثالاً ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ومنها أنهم بربهم عدلوا لأنه لا حول ولا
قوة إلا بالله، ومنها أن الباء هنا بمعنى اللام فلربهم عدلوا لكون من عدلوا إليه إنما عدلوا إليه
لكونه عندهم إلهاً فما عدلوا إلا الله، كقوله: ﴿مَا خَلَقْتَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] أي للحق
كذلك ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. ولما قال الله عز وجلّ في هذه الآية: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الُلُمَتِ وَالنُّورِ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] جعلوا له
أمثالاً فخاطب المانية الذين يقولون أن الإله الذي خلق الظلمة ما هو الإله الذي خلق النور
فعدلوا بالواحد آخر، وكذلك الذين يقولون بخلق السموات والأرض إنها معلولة لعلة ليست
علته إلا له أي ليست العلة الأولى، لأن تلك العلة عندهم إنما صدر عنها أمر واحد لحقيقة
أحديتها وليس إلا العقل الأول، فهؤلاء أيضاً ممن قيل فيهم إنهم بربهم يعدلون وسماهم كفاراً
لأنهم إما ستروا أو منهم من ستر عقله عن التصرّف فيما ينبغي له بالنظر الصحيح في إثبات
الحق والأمر في نفسه على ما هو عليه، فاقتصر على ما بدا له ولم يوف الأمر حقه في النظر،
وأما إن علم وجحد فستر عن الغير ما هو الأمر عليه في نفسه لمنفعة تحصل له من رياسة أو
مال فلهذا قيل فيهم إنهم كفروا أي ستروا فإن الله حكيم يضع الخطاب موضعه والعدل هو
الرب تعالى، والرب على صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض؛
والعدل الميل فالميل عين الاستقامة فيما لا تكون استقامته إلا عين الميل، فإن الحكم العدل
لا يحكم إلا بين اثنين، فلا بد أن يميل بالحكم مع صاحب الحق، وإذا مال إلى واحد مال
عن الآخر ضرورة، فليست الاستقامة ما يتوهمه الناس، فأغصان الأشجار وإن تداخل بعضها
على بعض فهي كلها مستقيمة في عين ذلك العدول والميل لأنها مشت بحكم المادة على
مجراها الطبيعي، وكذلك الأسماء الإلهية يدخل بعضها على بعض بالمنع والعطاء والإعزاز
والإذلال والإضلال والهداية، فهو المانع المعطي المعز المذل المضل الهادي، فمن يهدي الله
فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وكلها نسب حقيقية ما ترى فيها عوجاً ولا أمتاً:
[مجزوء الكامل]

٣٤٨
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
يُعْطي العُبَيْدَ إذا اقْتَقَرْ
إن الإله بجودِهِ
ما شاءه ممَّاله
لما وقفتُ تَحَقُّقاً
وشهدتُه فرأيتُهُ
فيه بَدَتْ أحكامُهُ
ويقال هذا مؤمنٌ
فلنا الحقائقُ كُلُّها
ما الأمرُ إلا هكذا
الحكمُ ليس لغيرنا
والأمرُ فيه فَيْصَلٌ
لم تَسْتَفِذْ منه سوى
واتْظُز بربّك لا
هذا هو الحَقُّ الصُّراحُ
الحكمُ حكمُ ذَوَاتِنَا
عنه إليه بمالنا
لا تَأْتلي لا تَأْتّني
إنّ الغِنَى صفةٌ له
لولا افتقارُ المحدثات
هذا هو المَيْتُ الذي
ما ثَمَّ إلا ما ذُكِزْ
منه على سِرّ القَدَز
سَمْعَ الحَبِيبِ مع البَصَرْ
وله نَهَى وله أَمَز
ويقال هذا قد كَفَز
ولنا التَّحَكُّمُ والأثَرْ
ما الأمر ما يعطي النَّظَّز
في كل ما تعطي الصُوَز
في الكون من خَيْرٍ وَشَرْ
أكوانِنَا وكذا ظَهَز
بعقلك في شؤونك واعتّبِزْ
لمن تَحَقّقَ واذَّكَز
لا حُكْمُهُ فاعدلْ وسِرْ
تَعْثُز على الأمر الخَطِز
فإليك منك المُسْتَقَرْ
عنا فنستر ما سَتَرْ
إليه ما جاء الخَبَز
يوم القيامة قد نُشِز
أن هذا هو السرّ الذي أخفاه الله عمن شاء من عباده قد ظهر في حكم افتقارنا في غناه،
فأظهره الله لمن شاء أيضاً، فتأمل هذا الغنى وهذا الفقر وانظر بنور بصيرتك في هذا الوجود
والفقد وقل: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُّ﴾ [الروم: ٤]: [البسيط]
وحضرةُ الجُور في بَلْوَى وفي تَعَبِ
فحَضْرَةُ العَذلِ ما تَنْفَكْ في نَصَبٍ
بالاستراحة في لَهْوي وفي لَعِبِي
لو كان ثَمَّ مُرِيحٌ کان یحکمُ لي
عليَّ أسماؤه الحُسْنَى مع النَّسَبِ
فإنّ لي نَسَباً فيه الهلاكُ كما
هو الثُّقَى فاتَّقِ الرحمنَ إن له
أنا جَنَيْتُ على نفسي فبي حَكَمَتْ
لربنا نَسَبْ يُنْجي من العَطَبِ
منكراً خَفِيّاً بأهل الوعد والنّسَبِ
واضْمُمْ إليك جناحيك من الرَّهَبِ
واحذر غوائلَه في كل مكرمة
يقول رسول الله: ((يقول الله تبارك وتعالى: اليَوْمَ))، يَعْنِي يَوْمَ القِيَامَةِ ((أَضَعُ نَسَبَكُمْ وَأَرْفَعُ
نَسَبِي أَيْنَ المُتَّقُونَ)). قال الله تعالى مخبراً عباده: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]

٣٤٩
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
ويقول الله تعالى: ﴿فَلَّ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] والله يقول الحق وهو
يهدي السبيل .
حضرة اللطف
[نظم: مجزوء الرمل]
ـيس في اللّطْفِ ظُهُوز
إنّما اللّطْفُ خَفَاءٌ
وبه تجري الأمُوز
وبه أُبْرِزَ كَوْني
هو بالأمر خَبِيز
كُنْ عُبَيْدَ اللَّطيف
وهو بالهوى عَسِيز
إن دينَ الله يُسْرْ
إنه الخير الكثير
لا تُخالِفْ لا تُوافِقْ
هو بالأمر بَصِير
والذي يفهمُ قَوْلي
يدعى صاحب هذه الحضرة عبد اللطيف، وما لطفه وأخفاه عن الإدراك إلا شدة
ظهوره، فلما لم تقع عين إلا عليه ولا نظرت إلا به فإنه البصر لكل عين تبصر، فما الفائدة إلا
لمن يشهد ذلك ويعرفه ذوقاً ومشاهدة، فإن التقليد في ذلك ما يقع موقع الشهود فإنه ما ثم إلا
هو لم يتميز عن غير لأنه لم يكن غير فيمتاز عنه فعمن خفي وما ثم غير : [المجتث]
إلا إذا كنت ثَمَّهْ
فليس للطفِ حُكْمٌ
من ذا يُعَيِّنُ حُكْمَهْ
ولست ثَمَّ فقُلْ لي
إذا تَفَكَّزْتَ غَمَّةْ
وإنّ في القلب منه
على القلوب وظُلْمَةْ
تجيء منه سحاب
[نظم: مجزوء الرمل]
يا عبيدي ضاع قَذري
جاءت الحيرةُ تجري
أين نَهْبِي أين أمْري
أين أسمائي وحُكْمي
في خفايا الكون أَسري
ازْقَبُوني تَجِدُوني
فلذا أمْرُك أمري
إنه لا بد مني
﴿َّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٠] فانظر إلى سريان هذا اللطف الإلهي ما
أعجبه، وحكمه الظاهر في هذه الكثافة كيف أبان أن طاعة رسوله وَّلَه طاعته ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] والحجر الأسود يمين الله للبيعة، وجعله في الحجر
حتى لا يقع في ذلك دعوى فهي بيعه خالصة مخلصة فمن بايعه بايع الله، فانظر إلى ما يشهده
البصر وانظر إلى ما يشهده الإيمان، فمن نظر بعين الإيمان رأى قوّة نفوذه في الكثيف حتى
سرى إلى اللطيف الخبير فيحصل له المعرفة بالأمر على ما هو عليه، فإذن عين اللطيف الذي
سار إليه عين الكثيف الذي سار منه يبين ذلك في الحدود مثاله الجوهر قائم بنفسه ظاهر

٣٥٠
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
شخصه من أعيان غير ظاهرة هي مجموعه وليست سوى عينه وما لها وجود إلا عينه فمن
الجوهر ومن الصفات النفيسة له، فالأمر هكذا في هذه الحضرة فهو حق وعين ما هو حق إذا
ظهر كان خلقاً، ولا يصح حكم لحضرة اللطف إلا بوجود الخلق البخار يصعد لا يدركه
البصر للطفه ورقته فينضمّ بعضه إلى بعضه ويتراكم فيظهر غماماً أنشأه الحق فظهر وهو من
شيء لا يظهر، فأعطاه هذا المزاج الخاص حكماً لم يكن له قبل ذلك، وأعطاه اسماً وظهر
عنه أثر في الجو لم يكن له شيء من هذا كله قبل ذلك، فأمطر وأحيى وأضحك الأرض
بالنبات وأروى وهو ما عمل شيئاً إلا بذلك السرّ اللطيف الذي نشأت منه صورته. وفي قبض
الظل ومده من اللطف ما إذا فكر فيه الإنسان رأى عظيم أمر، ولهذا نصبه الله دليلاً على
معرفته فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَّ الِظِلّ﴾ [الفرقان: ٤٥] فلا يدرك البصر عين امتداده حالاً
بعد حال، فإنه لا يشهد له حركة مع شهود انتقاله فهو عنده متحرك لا متحرك، وكذلك في
فيئه وهو قوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيْرًا﴾ [الفرقان: ٤٦] فمنه خرج فإنه لا ينقبض إلا إلى ما
منه خرج كذلك تشهده العين وقد قال تعالى وهو الصادق أنه قبضه إليه، فعلمنا أن عين ما
خرج منه هو الحق ظهر بصورة خلق فيه ظل يبرزه إذا شاء ويقبضه إذا شاء، لكن جعل
الشمس عليه دليلاً ولم يتعرض لتمام الدلالة وهو كثافة الجسم الخارج الممتد عنه الظل،
فبالمجموع كان امتداد الظل، فهذا شمس وهذا جدار وهذا ظل وهذا حكم امتداد، وقبض
بفيء ورجوع إلى ما منه بدا فإليه عاد والعين واحدة، فهل يكون شيء ألطف من هذا؟
فالأبصار وإن لم تدركه فما أدركت إلا هو فإنه ما أحالنا إلا على مشهود بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى
رَيِّكَ كَيْفَ مَذَّ الظِّلَّ﴾ وما مده إلا بشمس وذات كثيفة تحجب وصول نور الشمس إلى ما امتد
عليه ظل هذه الذات وجهة خاصة ثم قبضه كذلك، فهذه كيفية ما خاطبنا بها أن ننظر إليها وما
قال فيها، فكنا نصرف النظر تألقاً إلى الفكر ولكن بأداة إلى أراد شهود البصر، وإن كانت
الأدوات يدخل بعضها في مكان بعض ولكن لا يعرف ذلك إلا بقرائن الأحوال وهي إذا
استحال أن يكون حكم هذه الأداة بالوضع في هذا الموضع علمنا أنها بدل وعوض من أداة ما
يستحقه ذلك الموضع وهذا معلوم في اللسان، وبهذا اللسان أنزل القرآن كما قال وَالر: ((إنَّمَا
أُنْزِلَ القُرْآنُ بِلِسَانِي لِسَانٍ عَرَبِيٌّ مُبِينٍ)) وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ فَوْمِهِ.
لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] فلا بدّ أن يجري به على ما تواطؤوا عليه في لحنهم فاعلم ذلك
فتأمّل فيما أوردناه في نظمنا هذا الذي أذكره: [الوافر]
وعَيْنُ اللُّطْف في عين الكثافَة
فلا يدري اللَّطِيفَ سوى لَطِیفٍ
فقِفْ بين الكثافة واللَّطافة
فهذا عَيْنُ هذا يا خليلي
كما قد حَازَهُ أهلُ العِيَافه
تَحُزْ قَصَبَ السباق بكل وَجْهٍ
تَنَلْ ما ناله أهل القيافة
وكن عَبْدَ اللطيف بكل وَجْهٍ
نَقِيِّ الثوب من أهل النظافة
مِنِ أذخالِ السرور على رسولٍ
وهذه حضرة نلت منها في خلقي الحظ الوافر بحيث أني لم أجد أحداً فيمن رأيت وضع

٣٥١
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
قدمه فيها حيث وضعت لا إن كان وما رأيته، لكني أقول أو أكاد أقول: إنه إن كان ثم فغايته
أن يكون معي في درجتي فيها، وأمّا أن يكون أتم فما أظن ولا أقطع على الله تعالى فأسراره لا
تحد وعطاياه لا تعد، وقد بينا في الأحوال من هذا الكتاب في باب اللطيفة ما يقتضيه هذا
الاسم الإلهي في أهل الله وما يطلبه بالوضع في اللسان، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
حضرة الخبرة والاختبار وهي حضرة الابتلاء بالنعم والنقم
[نظم: البسيط]
عيناك نِعْمَةَ مَنْ يُبْلي بها البَشَرَا
إنّ الخَبِيرَ هو المُبْلي إذا نَظَرَتْ
إنّ السّعيدَ الذي ما زال مُفْتَقِرًا
وإن يكنْ نِقْمَةٌ منه حَبَاكَ بها
يدعى صاحبها عبد الخبير، قال تعالى: ﴿فَسَلْ بِهِ، خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] وهو كل علم
حصل بعد الابتلاء، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٣١] وقال: ﴿وَنَبْلُواْ أَخْبَارَكُمْ﴾
[محمد: ٣١] وقال: ﴿يَبْلُوَّكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَلًا﴾ [الملك: ٢]، بخلقه الموت والحياة، وهذا لإقامة
الحجة فإنه يعلم ما يكون قبل كونه لأنه علمه في ثبوته أزلاً، وأنه لا يقع في الكون إلا كما
ثبت في العين، وما كل أحد في العلم الإلهيّ له هذا الذوق فتعلق علم الخبرة تعلق خاص،
وأصل الابتلاء الدعوى كانت ممن كانت، فمن لا دعوى له لايبتلى، وما ثم إلاَّ من له
دعوى، والتكليف ابتلاء فأصله عن دعوى، وقد عمّ من يدّعي ومن لا يدّعي أي من لا دعوى
له عامة فلا يبالي من لا دعوى له فإنه يحشر مع من لا دعوى له أصلا، وما هو ثم أعني في
الوجود ولا تكليف عليه كالمغصوب على نفسه يجازى بنيته لا بما ظهر منه، كالجيش الذي
يخسف به بين مكة والمدينة، وفيه من غصب على نفسه في المجيء فقالت عائشة في ذلك
لرسول الله وَ﴿ فقال: ((يُخْشَرُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ وَإنْ عَمَّهُمُ الخَسْفُ)) كما قال: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا
تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَضَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥] بل تعمّ المحق والظالم، وتختلف أحوالهم في
القيامة فيحشر المحق سعيداً والظالم شقياً، فحيث كانت الدعوى كان الاختبار، ومن وصف
نفسه بأمر توجه عليه الاختبار وقد قال الله تعالى: ﴿يَعِبَادِىّ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ
مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. والإيمان يقطع
بصدق هذا القول، ولكن لا يظهر حكمه مشاهدة عين إلا في المسرفين وهم المذنبون فكأنه
قال لهم: اعصوا حتى تعرفوا ذوقاً صدق قولي في مغفرتي إذا كان أمير المؤمنين المأمون
يقول لو علم الناس حبي في العفو لتقربوا إليّ بالجرائم وهو مخلوق فما ظنك بالكريم المطلق
الكرم؟ فلا يختبر إلا بإتيان الذنوب وقد قال: ((لو لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ الله بِقَوْم يُذْنِبُونَ وَيَتُوبُونَ
فَيَغْفِرُ الله لَهُمْ))، وهذا القول من النبيّ وَّه في الحقيقة فيه تقديم وتأخير إلا أنه ستره ليبين
فضل العالم بأصول الأمور على غير العالم فهو يقول: ((لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ الله بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ
وَيَتُوبُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ)) كما جاء في نص القرآن ثم يقول بعد قوله ((فيغفر لهم)): ((فَيَتُوبُّونَ)) أي
يرجعون إلى الله في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ لأنه لا غافر إلا هو. وأما إذا تاب قبل

٣٥٢
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
المغفرة فالحكم للتوبة لا للكرم الإلهي، وإنما يكون الكرم عند ذلك كونه أعطاه التوبة والتوبة
مجاءة والقرآن ما ذكر توبة، والرسول ◌َ ط # لا يخالف القرآن، ولكن ثم قوم يغفر لهم من غير
توبة، وثم قوم يعطيهم الله التوبة، فالتوبة قد جعلها الله تتضمن المغفرة فكأنها للتائب بشرى
معجلة في هذه الدار، فأدخل الحق نفسه في الدعوى ليمشي حكمها في الخلق، ثم طلب
بالابتلاء صدق الدعوى ليبين للعباد صدق دعواه، فإذا ادّعيت فليكن دعواك بحق وانتظر البلاء،
وإن لم تدّع فهو أولى بك ولكن كن محلاً لجريان الأقدار عليك، وكن على علم أنه لا يجري
عليك إلا ما كنت عليه حتى تعلم أن الحجة البالغة لله فإنه يقول: كذا علمتك وما علمتك إلا
منك، ولو كان كما يتخيله بعض الناس ومن لا علم له بسرّ القدر يقول: لو مكنني الله من
الاحتجاج لقلت أنت فعلت كما قال أبو يزيد ولكن قال: ﴿لَا يُنْشَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾
[الأنبياء: ٢٣] فسد الباب هذا القول ما يقع إلا من جاهل بالأمر بل ﴿فَلِلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَلِغَةُ﴾ [الأنعام:
١٤٩] في قوله: ﴿لَا يُسْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ فإنه ما فعل من نفسه ابتداء، وإنما فعل بك في وجودك ما
كنت عليه في ثبوتك ولهذا قال: ﴿وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ وقد أطلعهم الله عند ذلك على ما كانوا عليه
وأن علمه ما تعلق بهم إلا بحسب ما هم عليه، فيعرفون إذا سئلوا أنه تعالى ما حكم فيها إلا بما
كانوا عليه، وإذا سئلوا وهم يشهدون اعترفوا فيصدق قوله: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ اَلْبَلِغَةُ﴾، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
اَلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠] فيأخذها الناس إيماناً، ونحن وأمثالنا نأخذها عياناً فنعلم موقعها
ومن أين جاء بها الحق لا إلا هو اللطيف الخبير. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
حضرة الحلم
[نظم: البسيط]
إِنّ الحَليمَ الذي تَجْني فيُمْهِلُكُمْ
ليس الحَلِيمُ الذي تَجْني فيُهْمِلكُمْ
في شأن حال يُرَى منكم تَمَلْمُلُكُمْ
فضلاً عليكم وإحساناً لعَلَّكُمُ
فإن رآه على قول فإنّ له
شُكْراً على حالٍ آغطاهُ تَفَضُلُكُمْ
لديه في حقه منكم يُبَدّلُكُمْ
عليكم لا عليه حين يشكركم
يدعى صاحبها عبد الحليم، وهي حضرة الإمهال من القادر على الأخذ، فيؤخر
الأمرويمهل العبد ولا يهمله، وإنما يؤخره لأجل معدود ولا يمحوه لأنه يبدّله بالحسنى
فيكسوه حلة الحسن وهو هو بعينه ليظهر فضل الله وكرمه على عبيده، ولهذا وصف الذنوب
بالمغفرة وهي الستر وما وصفها بذهاب العين، وإنما يسترها بثوب الحسن الذي يكسوها به
لأنه تعالى لا يردّ ما أوجده إلى عدم بل هو يوجد على الدوام ولا يعدم فالقدرة فعالة دائماً،
ولهذا يكسو الأعراض التي لا تقوم بنفسها صور القائمين بأنفسهم ويجعل ذلك خلعاً عليها،
وقد جاء وزن الأعمال وشبهها بمثاقيل الذر ويؤتى بالموت وهو نسبة، والنسب أخفى من
الأعراض، في صورة كبش أملح فقد خلع على هذه النسبة صورة كبش أبيض، فما أعدم
النسبة بعد تحققها بنعت من نعوت الوجود بما لها من الحكم في الموجودات فلم يردها إلى

٣٥٣
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
حكم العدم، فأحرى ما هو موصوف بالوجود العيني، فلهذا وصف نفسه بالغفار والحليم وهو
الإمهال، فما أهمل حين أمهل ولا أعدم حين حكم فإنه ما شأنه إلا الإيجاد ولهذا قال: ﴿إِن
يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٣] والذهاب انتقالكم من الحال التي أنتم فيها إلى حال تكونون
فيها ويكسو الخلق الجديد عين هذه الأحوال التي كانت لكم لو شاء لكنه ما شاء، فليس الأمر
إلا كما هو فإنه لا يشاء إلا ما هي الأمور عليه لأن الإرادة لا تخالف العلم، والعلم لا يخالف
المعلوم، والمعلوم ما ظهر ووقع فلا تبديل لكلمات الله فإنها على ما هو عليه.
ومن شأن هذه الحضرة إثبات الاقتدار فإن صاحب العجز عن إنفاذ اقتداره لا يكون
حليماً ولا يكون ذلك حلماً، فلا حليم إلا أن يكون ذا اقتدار. ولما كانت المخالفة تقتضي
المؤاخذة فأفسد الحلم حكمها في بعض المذاهب ولذلك يقال: حلم الأديم إذا فسد وتشقق،
وكذلك حلم النوم أفسد المعنى عن صورته لأنه ألحقه بالحس وليس بمحسوس حتى يراه من
لا علم له بأصله، فيحكم عليه بما رآه من الصورة التي رآه عليها، ويجيء العارف بذلك فيعبر
تلك الصورة إلى المعنى الذي جاءت له وظهر بها فيردها إلى أصلها، كما أفسد الحلم العلم
فأظهره في صورة اللبن وليس بلبن فرده رسول الله وسلّ بتأويل رؤياه إلى أصله وهو العلم
فجرّد عنه تلك الصورة، وفي تلك الصورة يكون حكم الحلم فلذلك نقول إنه أفسد صورة
العلم فرده رسول الله وَّر، والعابر المصيب كان من كان إلى أصله وأزال عنه ما أفسده
الحلم، ومن هنا تعرف ما للحق من رتبة الأحلام، جاء رجل إلى ابن سيرين وكان إماماً في
التعبير للرؤيا فقال له: إني رأيت أرد الزيت في الزيتون، فقال: أمّك تحتك، فبحث الرجل
عن ذلك فإذا به قد تزوّج أمه وما عنده ولا عندها خبر بذلك. وأين صورة نكاح الرجل أمه من
صب الزيت في الزيتون. وإذا رأى صاحب الرؤيا الأمر كما هو عليه في نفسه فليس بحلم
وإنما ذلك كشف لا حلم سواء كان في نوم أو يقظة، كما أن الحلم قد يكون في اليقظة كما
هو في النوم كصورة دحية التي ظهر بها جبريل عليه السلام في اليقظة فدخلها التأويل ولا
يدخل التأويل النصوص. وأما قول إبراهيم لابنه وقد رأى أنه يذبح ابنه فأخذ بالظاهر على أن
الأمر كما رآه وما كان إلا الكبش وهو الذبح العظيم ظهر في صورة ابنه فرأى أنه يذبح ابنه
فذبح الكبش فهو تأويل رؤياه على غير علم منه ﴿وَفَدَيْنَهُ﴾ يعني تلك الصورة وهي ابنه التي
رآها إبراهيم عليه السلام ﴿بِذِيْجِ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] وهو الكبش فما ذبح إلا كبشاً في
صورة ولده فأفسد الحلم صورة الكبش في المنام ﴿فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَىَّ﴾ [الصافات: ١٠٢] وكيف
ترى وأين ترى؟ وكن على علم في أحوالك كلها، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
حضرة العظمة
[نظم: المنسرح]
إنّ العَظِيمَ الذي تُعَظِّمُهُ
أفعالُهُ ليس من يقولُ أَنَّا
أحسابُهُ لا أرى له ثَمَنَا
ومَنْ يَقُلْ إِنَّ ما تُعَظِّمُهُ
الفتوحات المكية ج٧ - م٢٣

٣٥٤
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
يُخْشَرُ يوم الحساب في الجُبَنَا
فلا تُعَظِّمْهُ إنه رَجُلٌ
يدعى صاحبها عبد العظيم وحال هذا العبد الاحتقار التام مع كونه محلاً للعظمة فيفنيه
عند نفسه، وما رأيت أحداً يحكم هذا المقام إلا شخصاً واحداً من حديثة الموصل، وأخبرني
شيخي أبو العباس العريبي من أهل العلياء من غرب الأندلس أنه رأى واحداً أيضاً من أهل هذه
الحضرة وقد تلبس كالحلاج فيعظم جسمه في أعين الناظرين بالأبصار. وأما حكمها في
النفوس فكثير الوقوع فإنه تقع أمور كثيرة يعظم في النفوس قدرها بحيث لا تتسع النفس لغيرها
ولا سيما في الأمور الهائلة التي تؤثر الخوف في النفوس ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَىَ
الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهٍ﴾ [الحج: ٣٠] و﴿إِنَّ
الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ولكن في نفس الموحد يشاهد عظمته في نفس المشرك لا
في نفسه، فيشاهد ظلمة عظيمة إذا أخرج يده فيها لم يكد يراها. واعلم أن العظمة حال
المعظم اسم فاعل لا حال المعظم اسم مفعول، إلا أن يكون الشيء يعظم عنده ذاته، فعند
ذلك تكون العظمة حال المعظم لأن المعظم اسم فاعل ما عظمت عنده إلا نفسه فهو من كونه
معظماً نفسه كانت الحال صفته وما عظم سوى نفسه فالعظمة حال نفسه، وهذه الحالة توجب
الهيبة والإجلال والخوف فيمن قامت بنفسه، قال بعضهم: [البسيط]
لا خَوْفَ ظُلْم ولكن خَوْفَ إِجْلالٍ
كأنما الطَّيْرُ منهم فوق أرْؤُسِهِمْ
لما في قلوبهم من هيبته وعظمته. وقال الآخر: [مجزوء الكامل]
أَطْرَقْتُ من إجْلالِهِ
أشْتاقُهُ فإذا بَدَا
وصيانةً لجَمَالِهِ
لا خِيفَةً بل هَيْبَةً
وهذه الأسباب كلها موجبات لحصول العظمة في نفس هذا المعظم، إلا أن عظمة
الحق في القلوب لا توجبها إلا المعرفة في قلوب المؤمنين وهي من آثار الأسماء الإلهية، فإن
الأمر يعظم بقدر ما ينسب إلى هذه الذات المعظمة من نفوذ الاقتدار وكونها تفعل ما تريد ولا
راد لحكمها ولا يقف شيء لأمرها فبالضرورة تعظم في قلب العارف بهذه الأمور وهي العظمة
الأولى الحاصلة لمن حصلت عنده من الإيمان، والمرتبة الثانية من العظمة هي ما يعطيه
التجلي في قلوب أهل الشهود والوجود من غير أن يخطر لهم شيء من تأثير الأسماء ولا من
الأحكام الإلهية، بل بمجرّد التجلي تحصل العظمة في نفس من يشاهده وهذه العظمة الذاتية
ولا تحصل إلا لمن شاهده به لا بنفسه وهو الذي يكون الحق بصره، ولا أعظم من الحق عند
نفسه، فلا أعظم من الحق عند من يشهده في تجليه ببصر الحق لا ببصره، فإن بصر كل إنسان
وكل مشاهد بحسب عقده وما أعطاه دليله في الله، وهذا الصنف من أهل العظمة خارج عما
ارتبطت عليه أفئدة العارفين من العقائد فيرونه من غير تقييد فذلك هو الحق المشهود فلا يلحق
عظمتهم عظمة معظم أصلاً، وما أحسن ما جاء هذا الاسم حيث جاء في كلام الله ببنية ((فعيل))
فقال عظيم وهي بنية لها وجه إلى الفاعل ووجه إلى المفعول. ولما كان الحق عظيماً عند
نفسه كان هو المعظم والمعظم فأتى بلفظ يجمع الوجهين كالعليم سواء، وقد يرد هذا البناء

٣٥٥
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
ويراد به الوجه الواحد من الوجهين كالاسم الحليم هذا لسان الظاهر وعلم الرسم. وأما علم
الحقيقة المعتمد عليه عند العارفين فكل فعيل في أسماء الحق وصفاته ونعوته كالحليم والعليم
والكريم فلا فرق بين هذه الأسماء، وبين العظيم في دلالتها على الوجهين، وذلك لكونه هو
الظاهر في مظاهر أعيان الممكنات، فما حلم إلا عنه ولا تكرم إلا عليه، ألا ترى حكم إيجاد
المرجح لا يكون إيجاده عند المتكلمين إلا بالقدرة أو القادرية عند بعضهم أو بكونه قادراً عند
طائفة فهو القادر، ولا يترجح الممكن إلا بالإرادة كما قلنا في القدرة على ذلك الترتيب
والمساق فهو المريد، فالمريد إذا أراد ترجيح الوجود على العدم في المخلوق إن لم يكن هو
القادر على ذلك، وإلا فعدم الإرادة أو وجودها على السواء، فيحتاج المريد إلى القادر بلا
شك والعين واحدة ما ثم عين زائدة مع اختلاف الحكم، فلهذا قلنا في هذا البناء في حق
الحق بطلب الوجهين، ولا يقدر أحد من الطوائف من العلماء بالله على مثل هذا العلم الإلهي
إلا العلماء الراسخون من أهل الله الذين هوية الحق علمهم كما هي سمعهم وبصرهم فاعلم
ذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
حضرة الشكر
[نظم: الوافر]
كما قد جاء في نَصِ الكتابِ
شَكُورٌ مَنْ أَتَى الكَرْمَ المُسَمَّى
جياعاً في جِفَانٍ كالجَوابي
ليُطْعِمَ من قُدُورِ راسياتٍ
مِنِ أَطْعامٍ إلى يوم الحسابِ
ولا يبغي على ما كان منه
ولا نوعاً مِنَ أنّواعِ الثّوابِ
ثَـنَاءً لا ولا حمداً وذِكْراً
يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الشكور وعبد الشاكر، وهي لصفة الكلام المنسوب
إلى الحق قال تعالى: ﴿أَعْمَلُوْاْ ءَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِلٌ مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] يعني المبالغة
في الشكر، وهو أن يشكر الله حق الشكر، وذلك بأن يرى النعمة منه؛ ذكر ابن ماجة في سننه
حديثاً وهو: ((أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَوْحَى إلى مُوسَى اشْكُرْنِي حَقَّ الشُّكْرِ، فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ
السَّلامُ: وَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ يَا رَبِّ؟ فقالَ لَهُ: إذا رَأَيْتَ النِّعْمَةً مِنِّي فَقَدْ شَكَرْتَنِي)) فمن لا يرى
النعمة إلا منه فقد شكره حق الشكر، لا تراها من الأسباب التي سدلها بينك وبينه عند إرداف
النعم، فإن النعم أشياء لا تتكون إلا عنه من الوجه الخاص الذي لكل كائن، وقال من هذه
الحضرة: ﴿لَيِنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، ووصف نفسه بشكره عباده طلباً للزيادة
منهم مما شكرهم عليه مقابلة نسخة بنسخة لأنه على صورته، وهو يريد أن يوقفك على صحة
هذه النسخة، فإنه ما كل نسخة تكون صحيحة ولا بد قد تختل منها أمور، فلذلك شرعت
المعارضة بين النسختين، فما أخرج الناسخ منها أثبت بالمعارضة لتصح النسخة، ومن الأمر
الواقع في المنتسخ منه أنه شاكر وشكور عباده، ثم طالبهم بالشكر ليظهروا بصفته من كونهم
على صورته، ثم عرفهم أن الشكر يقتضي لذاته الزيادة من المشكور مما شكر من أجله وهو

٣٥٦
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
المعروف الذي سدله وأسداه إلى عباده. فإذا علم أن الحق تعالى يطلب الزيادة من عباده في
دار التكليف مما كلفهم فيها من الأعمال، وجعل استيفاء حقه أن يرى العبد النعمة منه عز
وجل، فكان تنبيهاً من الله لعبده في تفسير حق الشكر أن الحق يرى النعمة من العبد حيث
أعطاه العلم به كما قلنا إن العلم يتبع المعلوم فهو يجعل التعلق به في نفس العالم فيتصف
العالم بالعلم فيشكره الحق على ذلك فيزيده العبد بتنوع أحواله تعلقات لم يكن عليها تسمى
علوماً. وهذا الذي أشرنا إليه من أصعب العلوم علينا لشدة غوصها وهي سريعة التفلت، ومن
علم هذا علم قوله تعالى: حتى نعلم فما قال حتى نعلم حتى كلف وابتلى ليعلم ما يكون منه
فيما أتاه به، وقد علم منه ما يكون في حال ثبوته، إلا أن الممكن إذا تغيرت عليه الأحوال
يعلم أنه كان في عينه في حال ثبوته بهذه الصفة ولا علم له بنفسه، فإن الإنسان قد يغفل عن
أشياء كان قد علمها من نفسه ثم يذكرها وهو قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَرُ إِلََّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [البقرة:
٢٦٩] وقوله: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْتَبِ﴾ [ص: ٢٩] ولب الشيء سره وقلبه، وما حجبه إلا صورته
الظاهرة فإنها له كالقشر على اللب صورة حجابية عليه لعينه الظاهرة، فهو ناس لما هو به عالم
وأخفى منه في التشبيه الزهرة مع الثمرة هي الدليل عليها والحجاب والحال الإلهي كالحال
الكوني لأنه عينه ليس غيره، فما شكر إلا نفسه لأنه ما أنعم إلا هو، ولا قبل الإنعام ولا أخذه
إلا هو، فالله المعطي والآخذ كما قال: إن الصدقة تقع بيد الرحمن فإنه يأخذ الصدقات، ويد
السائل صورة حجابية على يد الرحمن فتقع الصدقة في يد الرحمن قبل وقوعها في يد السائل،
وإن شئت قلت: إن يد السائل هي يد المعطي فيشكر الحق عبده على ذلك الإنعام ليزيده منه،
يقول الله عز وجل: ((جِعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي)) فطالبه الحال بالتفسير فقال له: وَكَيْفَ تُطْعَمُ وَأَنْتَ
رَبُّ العَالَمِينَ؟ قال تعالى: ((أَمَّا إِنَّ فُلَاناً جَاعَ فَاسْتَطْعَمَكَ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ
لَوَجَذْتَ ذُلِكَ عِنْدِي)) وكذا جاء في المرض والسقي أي أنا كنت أقبله لا هو، والحديث في
صحيح مسلم، وعند هذا القول كان الحق صورة حجابية على العبد، وعند الأخذ والعطاء
كان العبد صورة حجابية على الحق.
فإذا شهدت فاعلم كيف تشهد ولمن تشهد وبمن تشهد وعلى من تشهد، فلتشكر على
حد شهودك ولتقبل الزيادة ولتعط أيضاً الزيادة على شهود وتحقيق وجود، وموجب الشكر
الإنعام والنعم، وأعظم نعمة تكون النكاح لما فيه من إيجاد أعيان الأمثال فإن في ذلك إيجاد
النعم الموجدة للشكر، ولذلك حبب الله إليه النساء وقواه على النكاح أعني لرسول الله وَل
وأثنى على التبعل وذم التبتل، فحبب النساء إليه لأنهن محل الانفعال لتكوين أتم الصور وهي
الصورة الإنسانية التى لا صورة أكمل منها، فما كل محل انفعال له هذا الكمال الخاص،
فلذلك كان حب النساء مما امتن الله به على رسوله ول# حيث حببهن إليه مع قلة أولاده وَّر،
فلم يكن المراد إلا عين النكاح مثل نكاح أهل الجنة لمجرد اللذة لا للإنتاج، فإن ذلك راجع
إلى إبراز ما حوى عليه وّلو من ذلك، وهذا أمر خارج عن مقتضى حب المحل المنفعل فيه
التكوين، ألا ترى الحق إن فهمت معاني القرآن كيف جعل الأرض فراشاً وكيف خلق آدم منها

٣٥٧
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
وجعله محل الانفعال؟ ونطق رسوله وَل بقوله: ((الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ)) يريد المرأة أي لصاحب
الفراش كما كان آدم عليه السلام حيث جعله خليفة فيمن خلق فيها ليكون أيضاً صاحب فراش
لأنه على صورة من أوجده فأعطاه قوة الفعل كما أعطاه قوة الانفعال فكان وطاء وغطاء،
فالحق هو الشاكر المشكور: [الطويل]
يفوزُ بها عَبْدُ الشَّكُورِ إذا شَكَزْ
وفي الشُّكْر أسْرارٌ يراها ذَوُو الحِجَى
على لغة الأعراب الفَرْجَ بِالشّكَرْ
ومن أجل ذَا سَمَّى الإلهُ لعَبْدِهِ
لما فيه من الزيادة على الالتذاذ بالنكاح وهي ما يتولد فيه عن النكاح من الولد الروحاني
والجسماني دنيا جسماً وآخرة روحاً، وقد ذكرنا ذلك في توالد الأرواح من هذا الكتاب، وبينا
ذلك أيضاً في القصيدة الطويلة الرائية التي أولها: [مجزوء الرجز]
وَبْطَ الطريق في السَّفَرْ
اعْتَرَضَتْ عَقْبَةٌ
وهذا القدر من الإيماء كاف في معرفة هذه الحضرة الإلهية، والله يقول الحق وهو
يهدي السبيل .
حضرة العلو
[نظم: الوافر]
له التنزيهُ منّا والعُلُوُّ
تَوَاضَعْ فالإِلُهُ هو العَلِيُّ
وقُلْ مَا شِئْتَهُ فالأمْرُ تَوُ
فقُلْ إن شِئْتَ فَرْدٌ لا يُدَانّى
إِله ماله إلا السُّمُوُ
فليس سوى الذي قد قام عندي
عُبَيْدٌ ماله إلا الدُّنْوُّ
وليس سوى الذي قد قام عندي
فلا تَغْلُ فَدَيْتُكَ يا خليلي
فإنّ الدين يفسده الغُلُوُ
يدعى صاحب هذه الحضرة عبد العلي. قال الله عز وجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾
﴿فَ لَهُ مَا فِىِ
[طه: ٥] وكان شيخنا العُريبي يقف في هذه الآية ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ ويبتدىء ﴿آسْتَوَى
السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه: ٥-٦] أي ثبت له و كل ما سوى الله عرش له
علو قدر ومكانة في قلوب العارفين به من علماء النظر وغيرهم من العلماء، فعلوه تعالى بهذا
التفسير مطلق، وبقي علو المكان الذي أثبته الإيمان بالخبر الصدق، ودل عليه عند العلماء بالله
من طريق الشهود صور التجلي فهو بكل شيء محيط لاستوائه. ولما كان أعلى الموجودات
وأعظمها من وجب له الوجود لنفسه استقلالاً وكان له الغنى صفة ذاتية لم يفتقر إلى غيره كان
بالاسم العلي أولى وأحق وكان من كان وجوده بغيره مستوى لهذا العلى وليس إلا الله، فمن هذه
الحضرة ظهر العلو فيمن علا في الأرض كفرعون الذي قال الله تعالى فيه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى
اُلْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤]، وجعل العلو في الإرادة في بعض الناس وذمهم بذلك فقال: ﴿تِلْكَ الدَّارُ
اْأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُلُوًّا فِ الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٨٣] ونعني بالدار الآخرة هنا الجنة خاصة

٣٥٨
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
دون النار ﴿فَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوَا فِى الْأَرْضِ﴾ وسواء حصل لهم ذلك المراد أو لم يحصل فقد
أرادوه وحصل في نفوسهم وما بقي إلا أن يحصل في نفوس الغير الذي كنى عنها بالأرض،
والعلماء بالله لا يريدون علواً في الأرض لأنه علو مكتسب ولا يريدون ما يقع عليه اسم الكسب،
وإنما يريدون ما تقتضيه ذواتهم من حيث ما يشهدون من افتقروا إليه في وجودهم خاصة، فما لهم
نظر إلا إليه لا فيه لأنه ممنوع لنفسه أعني النظر فيه الذي هو الفكر في ذاته، فالذي يعطي العلو
هذه الحضرة إنما هو السعادة لا التكبر، فالعلو الذي تعطي هذه الحضرة لأجل السعادة إنما هو
علمهم بذواتهم ليعلموا أن الحادث في مقام الانحطاط عما يجب لله من العلو، ويكفيهم من
العناية الإلهية أن حصلوا مع الحق في باب الإضافة: [مجزوء الرمل]
وبه كانوا سِفَالاً
إذْ بهم كان عَلِيًّا
غَيْرَ ما قلنا مِثَالا
لم أجد له فينا
عندما كُنَّا نِعَالا
فهو التاج علينـا
عندما كان هِلالا
وهو البدرُ المسمَّى
لرَحَى الكون ثقالا
صَيَّرَ الإلهُ ذاتي
جَلَّ قَذراً وتعالى
فله التعظيم منّا
جعل الإلهُ فينا
فإذا لم يَسْتَفِلُوا
وإذا هُمُ اسْتَفَلُوا
فــذاتـي وبربّي
وبربّي لا بكوني
وسقاني كأس حظي
فلصَحْوي عند شُـربـي
ولسُكْري منه أيضاً
لم يكن فيه سوائي
من يراني ما يراني
وانتقلنا عنه سرّاً
لـشيوخنا محالا
كان جَعْلُهُمْ مُحَالا
لم أجد عنهم زوالا
كنت حرماً وحَلالا
صَيَّرَ الضعفَ محالا
طيّباً عذباً زُلالا
لم أجد منه خَبَالا
كنت في نفسي خَيَالا
فلذا كُوَّنْتُ آلا
فالهُدَى صار ضَلالا
للذي شاء انتقالا
عنه في نفسي كَلالا
لم أجد عند انتقالـي
فنَعَمْ لم أَرَ فيه
ثُمَّ لم يكن سكوت
فلذا قد حِزتُ فيه
جُبْتُ غرباً ثم شرقاً
ثم أنشأنا سحاباً
ثم نُودِينا وَجَدْتُم
عندماقـلـت ولا لا
عند قولي واسْتَحَالا
ولذا ذُقْـتُ وَبَالا
وجنوباً وشمالا
من عطاياه ثِقَالا
في وُجُودِكُمْ مَنالا

٣٥٩
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
وما حصل التشريف للممكنات إلا بإضافتها إلى الله، وهذا التشريف في حقنا هو أعظم
تشريف إمكاني، فعلو الإنسان عبودته لأن فيها عينه وعين سيده، والمتلبس بصفة سيد لابس
ثوب زور ليس عليه منه شيء ولا تقبله ذاته وهو يعلم ذلك من نفسه وإن جهله غيره واعترف
له بالعلو عليه، فمن وجه ما لا من جميع الوجوه فإنه يعلمه أنه هو، فهوية ما سوى الحق
معلومة لا تجهل، ولولا معقولية المكانة ما اعترف مخلوق بعلو مخلوق، فلهذا لا يعظم أحد
في عين أحد لذاته إلا المحبوب خاصة فإنه يعظم في عين محبه لذاته، فكل شيء يكون منه
يتلقاه المحب الصادق الحب بالقبول والرضى، وما كل محب محب لأن طلب الغرض من
المحب لا يصح في الحب الصادق الذي استفرغ قواه، وإنما ذلك لمن بقيت فيه فضلة يعقل
بها أنه محب وأن محبوبه غیر له.
ولما وصف الحق نفسه بالنزول كان هذا النزول عين الدليل على نسبة العلوّ لأنه لو
وقف مع قوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] واكتفى ولم يذكر النزول، وكل جزء من الكون
عرشاً له لأنه ملكه، فما تحقق له العلو إلا باتصافه بالنزول إلى السماء الدنيا، فأثبت له علو
المكان، وأثبت الاستواء على العرش المكانة والقدر، فبالاستواء ﴿وَهُوَ اُلَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِ
اُلْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وبالنزول ظهر الحد والمقدار
فعلمنا بالنزول في أي صورة تجلى ولمن نزل وتدلى، وله الحمد أي عاقبة الثناء ترجع إليه في
الآخرة وهو النزول والأولى وهو الاستواء، فعمّ علوّه وتحقق دنوّه، فطوبى للتائبين والداعين
والمستغفرين، فيا ليت شعري هل يسمعون قوله تعالى ذلك؟ نعم العارفون يسمعونه، وأهل
الحضور مع إيمانهم بهذا الخبر يسمعونه، وما عدا هذين الصنفين فلا يسمعه، وما عرفنا الله
تعالى بأنه كلم موسى تكليماً إلا لنتعرض إلى هذه النفحة الإلهية والجود لعل نسيماً يهب علينا
منها فيأخذ الناس هذا التعريف بأن الله كلم موسى ثناء على موسى عليه السلام خاصة، نعم
هو ثناء ولكن ما أثنى الله بشيء على أحد من المخلوقين إلا وفيه تنبيه لمن لم يحصل له ذلك
الأمر أن يتعرّض لتحصيله جهد الاستطاعة، فإن الباب مفتوح والجود ما فيه بخل، وما بقي
العجز إلا من جهة الطالب ولهذا يقول: من يدعني فأستجيب له ومن نكرة فما وقع العجز إلا
منا، وهنا الحيرة لأنا ما ندعوه إلا بتوفيقه وتوفيقه إيانا لذلك من عطائه وجوده واستعداد كنا
عليه به قبلناه، فتأهلنا لدعائه وإجابته إيانا فيما دعوناه به على ما يرى الإجابة فيه فهو أعلم
بالمصالح منا، فإنه تعالى لا ينظر لجهل الجاهل فيعامله بجهله، وإنما الشخص يدعو والحق
يجيب، فإن اقتضت المصلحة البطء أبطأ عنه الجواب، فإن المؤمن لا يتهم جانب الحق، وإن
اقتضت المصلحة السرعة أسرع في الجواب، وإن اقتضت المصلحة الإجابة فيما عينه في
دعائه أعطاه ذلك سواء أسرع به أو أبطأ، وإن اقتضت المصلحة أن يعدل مما عينه الداعي إلى
أمر آخر أعطاه أمراً آخر لا ما عينه، فما جاز الله لمؤمن في شيء إلا كان له فيه خير، فإياك أن
تتهم جانب الحق فتكون من الجاهلين وأنت من الجاهلين، ولو أعطيت علم اللوح المحفوظ
والقلم الأعلى والملائكة العلى، وأما العالون من عباد الله الذين قال الله في توبيخه لإبليس

٣٦٠
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
حين أبى عن السجود لآدم: ﴿أَسْتَكَرَتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] فهم الأرواح المهيمة في
جلال الله، فأعلاهم الحق أن يكون شيء من الخلق لهم مشهوداً ولا نفوسهم وهم عبيد
اختصهم لذاته، فالتجلي لهم دائم وهم فيه هائمون لا يعلمون ما هم فيه، فعلوهم بين الاسم
العليّ وبيننا، فهم لا يشهدون علوّ الحق لأنه لا يشهد علوّ الحق إلا من شهد نفسه وهم في
أنفسهم غائبون، فهم عن علوّ الحق ومكانته أشد غيبة والعلوّ نسبة فالأعلى من ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ
اُلْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] إنما هو نعت أحدية من ادّعى العلوّ أو أراد العلوّ فإذا زال كان علياً لأعلى،
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
حضرة الكبرياء الإلهي
[نظم: الوافر]
كبيرٌ في النفوس وفي العُقُولِ
كبيرُ القَدْر ليس له نَظِيرٌ
وليس لذاته بي من قَبُولٍ
له في أنْفُسٍ عندي قبولٌ
يدعى صاحبها عبد الكبير وهو عين العبد لأن الكبرياء رداء الحق وليس سواك فإن الحق
تردى بك إذ كنت صورته فإن الرداء بصورة المرتدي، ولهذا ما يتجلى لك إلا بك. وقال:
((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) فمن عرف الرداء عرف المرتدي ما يتوقف معرفة الرداء على معرفة
المرتدي، وفي هذا غلط عظيم عند العلماء وما تفطنوا لمراد الحق في التعريف بنفسه، فما
وصف نفسه إلا بما نعرفه ونتحققه على حد ما نعرفه ونتحققه، فإنه بلساني خاطبني لنعقل عنه
فلو أحالنا عليه ابتداء لما عرفناه، فلما أنزل كبرياءه منزلة الرداء المعروف عندنا علمنا ما
الكبرياء، ثم زاد رسول الله سير في تجليه يوم القيامة في الزورالأعظم على كثيب المشاهدة في
جنة عدن وذلك اليوم الكبير أنه تعالى يتجلى لعباده ورداء الكبرياء على وجهه ووجه الشيء
ذاته فحال الحجاب بينك وبينه فلم تصل إليه الرؤية فصدق لن تراني وصدقت المعتزلة فما
وصلت الأعين إلا إلى الرداء وهو الكبرياء وما تجلى لك إلا بنا، فما وصلت الرؤية إلا إلينا،
ولا تعلقت إلا بنا، فنحن عين الكبرياء على ذاته قال: ((وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي)) فإذا قلبت الإنسان
الكامل رأيت الحق والإنسان لا ينقلب فلا يرجع الرداء مرتدياً لمن هو له رداء، فهذا معنى
الكبير، فإنه كبير لذاته والكبرياء نحن فمن نازعه منا فينا قصمه الحق لأنه جهل فإنه له ما رأيناه
قط ولا نراه من حيث هو ونحن لنا فما نرى قط سوانا فلا يزال الكبرياء على وجهه في الدنيا
والآخرة لأنا ما نزال، وهذا عين افتقارنا واحتقارنا ووقارنا: [المجتث]
لله يوم كبيرٌ لا يَمْتَري فيه مُؤْمِنْ
له النَّحَكُّمُ فينا بالاسم منه المُهَيْمِنْ
قال الله تعالى لمحمد وَل﴿ ولكل رسول أن يقول لنا: ﴿فَإِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾
[هود: ٣] ولا خوف علينا إلا منا فإن أعمالنا ترد علينا فنحن اليوم الكبير ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ
جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٤٨] يعني مرجع اليوم ونعته بالكبرياء والشيء لا ينازع في نفسه ولا فيما هو
له، فمن نازع الحق في كبريائه فما نازع إلا نفسه فعذابه عين جهله به، ومن هنا تعرف أن