النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة قال الله تعالى في قصة مريم: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيَّهَا زَّكَرَِا اُلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَرْيَمُ أَنَ لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَزُقُ مَن كَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ بَخْرَجًا وَبَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبٌ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الرزاق، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ ﴿٥ مَآ أُرِدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧] هذا في حق من أطعم من أجله حين سمعه يقول سبحانه في الخبر الصحيح: ((جِعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، وَظَمِثْتُ فَلَمْ تَسْقِنِي فَقُولُ العَبْدُ: كَيْفَ تَطْعَمُ وَتَشْرَبُ وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ الحَقُّ: إِنَّ عَبْدِي فُلَاناً جَاعَ وَفُلَاناً ظَمِىءَ فَلَوْ أَطْعَمْتَهُ حِينَ اسْتَطْعَمَكَ أَوْ سَقَيْتَهُ حِينَ اسْتَسْقَاكَ)) فذلك معنى قوله تعالى: ((جِعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي وَظَمِثْتُ فَلَمْ تَسْقِنِي)) فأنزل نفسه تعالى منزلة الجائع والعاطش الظمآن من عباده، فربما أدى العامل على هذا الحديث الإلهي أن يجهد في تحصيل ما يطعم به مثل هذا حتى يكون ممن أطعم الله تعالى فقال له الله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] انتقال من مقام إلى مقام لأنه يعلم عباده العلم بالمقامات والأحوال والمنازل في دار التكليف حتى يتنقلون فيها. ثم قال: ﴿إِنَّ اللََّ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ اَلْمَنِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] والمتانة في المعاني كالكثافة في الأجسام فجاء بالاسم المناسب للرزق لأن الرزق المحسوس به تتغذى الأجسام وتعبل، وكلما عبلت زادت أجزاؤها وكثفت، وأين السمن من الهزال؟ فما أحسن تعليم الله وتأديبه وتبيانه لمن عقل عن الله . واعلم أن الرزق معنوي وحسي أي محسوس ومعقول، وهو كل ما بقي به وجود عين المرزوق فهو غذاؤه ورزقه وقوله: ﴿وَفِ السَّمَاءِ رِزْفُّكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢] وقال في الأرض: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَّآ أَقْوَتَهَا﴾ [فصلت: ١٠] وهي الأرزاق، وتقديرها بوجهين: الوجه الواحد كمياتها، والثاني أوقاتها، فالرزق الذي في الأرض ما تقوم به الأجسام، والذي في السماء ما تقوم به الأرواح، وكل ذلك رزق ليصح الافتقار من كل مخلوق وينفرد الحق بالغنى، وأرفع المنازل في الأرزاق وشهودها رزق ما يظهر به عين الوجود الحق من صور أحكام الممكنات ومن صور التجلي، فينظر صاحب هذه المشاهدة إلى الصورة في التجلي أو لصور أحكام الممكنات في عين الوجود الحق فينظر ما تستحقه تلك الصورة من مسمى الرزق وما تطلبه لبقائها فيكون هذا العبد يرزقها ذلك إذا كان مشهده هذه الحضرة أعني حضرة الأرزاق، ثم ينزل الأمر في الكائنات الخلقية والأمرية بحسب حقائقها، فيطلب عين الكون رزقه منه، وأكثفه ما تطلبه المولدات في الأركان كالمعادن والنبات والحيوان وقد جعل الله من الماء ﴿ كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] وكل شيء حيّ، فإن كل شيء مسبح لله بحمده، ولا يكون التسبيح إلا من حيّ، فكل شيء من الماء عينه ومن الهواء حتى حيوان البحر الذي يموت إذا فارق الماء ما حياته إلا بالهواء الذي في الماء لأنه مركب فيقبل الهواء بنسبة خاصة وهو أن يمتزج بالماء امتزاجاً لا يسمى به هواء، كما أن الهواء المركب فيه الماء وبه يكون مركباً لكن امتزج الماء به امتزاجاً خاصاً لا يسمى به ماء، فإذا كانت حياة الحيوان بهواء الماء مات عند فقده ذلك الهواء الخاص، وكذلك حيوان البر إذا غرق في الماء مات لأن حياته بالهواء الذي مازجه الماء لا الفتوحات المكية ج٧ - ٢١٣ ٣٢٢ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة بالماء الذي مازجه الهواء، وثم حيوان بري بحري وهو حيوان شامل برزخيّ له نسبة إلى قبول الهواءين فيحيى بالهواء كما يحيى البري، ويحيى في الماء كما يحيى البحري، وبالهواء تكون حياته في الموضعين، والماء أصله في كونه حياً، فالرزق في عالم الأركان الهواء فيما في كل مطعوم ومشروب من ركن الهواء به تكون الحياة لمن يتغذى به من كل شيء حيّ من نبات ومعدن وحيوان وإنسان وجان. وأما الملائكة المخلوقة من أنفاس العالم عند تنفسهم فلهم غذاء أيضاً من الأركان لا بد من ذلك، ويخرج الملك من المتنفس بحسب ما يكون في قلب ذلك المتنفس من الخواطر، فإن تلفظ المتنفس خرج النفس بحسب ما تلفظ به مفصلاً في الصورة تفصيله حروفاً في الكلمة، وبهذا القدر تكون كيفية الانفعال عن خواص الحروف لمن شهد ذلك وإن لم يتلفظ وخرج النفس من غير لفظ فإنه يخرج هيولائياً لا صورة له معينة، فيتولى الله تصويره بحسب ما كان عليه العبد في باطنه عند التنفس فيركبه الله في تلك الصورة، فإن تعرى المحل المتنفس عن كل شيء كتنفس النائم الذي لا رؤيا له في منام ولا هو في الحس فإن الله يصوّر ذلك النفس بصورة ما نام عليه عند فراقه الإحساس كان الذكر ما كان، أو الخاطر في القلب ما كان، فإذا أقيم العبد في هذه الحضرة التي نحن بصددها ونظر إلى ما تكون عنه أمده من الرزق ما به بقاؤه فإنه خالقه والرزق تابع للخلق فخالق الشيء هو رازقه، ولا تكون في مقام خلق الأشياء إلا إذا أشهدك الحق ما ينفعل عنك، فعند ذلك تشاهد طلبة ما تكوّن عنك بما يحتاج إليه من الرزق فترزقها، كما تسعى هنا في افتناء الرزق الذي تطلبه منك عائلتك سواء، وهذا لا يقدح في أن الله هو الرزاق، وإنما كلامنا في تقرير الأسباب وإثباتها كما قررها الحق عز وجل وأثبتها، وقد بينا لك في غير موضع أن الإنسان إذا تجلى له الحق في منام أو غيره في أي صورة تجلى فلينظر فيما يلزم تلك الصورة المتجلي فيها من الأحكام فيحكم على الحق بها في ذلك الموطن، فإن مراد الله فيها ذلك الحكم ولا بد، ولهذا تجلى فيها على الخصوص دون غيرها ويتحوّل الحكم بتحوّل الصور فاعلم ذلك. فكذلك أيضاً رزق الصور يتنوّع بتنوّع الصور، فما به غذاء صورة قد لا يكون به غذاء صورة أخرى وليس غذاء الصور سوى رزقها، فإذا تصوّرت المعاني كالعلم في صورة اللبن والثبات في الدين في صورة القيد فرزق تلك الصورة ما أريدت له، فإن كانت رؤيا فأصاب عابرها ما أراد الله بها بتلك الصورة فذلك رزقها فدامت حياتها وبقاؤها، وصورة ذلك ما يناله الرائي والمكاشف من ذلك كما رأى النبي ◌َّ يشرب اللبن حتى خرج الريّ من أظافره مما تضلع منه فقيل له: ما أوَّلته يا رسول الله؟ فقال: ((العِلْمَ)) يعني أن العلم ظهر في صورة اللبن. ولما كان العلم لبناً وصف نفسه بالشرب منه والتضلع إلى أن خرج الري من أظافره فنال كما قال علم الأوّلين والآخرين، وما خرج منه من الريّ هو ما خرج إلى الناس من العلم الذي أعطاه الله لا غير، ثم أعطى ما فضل في الإناء عمر فكان ذلك الفضل القدر الذي وافق عمر الحق فيه من الحكم كحكمه في أسارى بدر وفي الحجاب وغير ذلك ففاز به دون غيره من عند الله، وهكذا كل من حصل له مثل هذا من عند الله كالمتقي، إذا اتقى الله جعل له ٣٢٣ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة فرقاناً وهو علم يفرق به بين الحق والباطل في غوامض الأمور ومهماتها عند تفصيل المجمل وإلحاق المتشابه بالمحكم في حقه، فإن الله أنزله متشابهاً ومجملاً، ثم أعطى التفصيل من شاء من عباده وهو ما فضل من اللبن في القدح وحصل لعمر لأنه من شرب من ذلك الفضل فقد عمر به محل شربه فلذلك كان عمر دون غيره من الأسماء، هذا تعبير رؤياه على التمام ◌َّ ولعمر بن الخطاب في ذلك خصوص وصف لاختصاصه بالاسم والصورة في النوم دون غيره من العمريين ومن الصحابة ممن ليس له هذا الاسم، فكل رازق مرزوق، أما الرزق المعنوي أو الحسي على انقسام الأرزاق المعنوية والمحسوسة، ومن هذه الحضرة قوله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٣١] فحتى نعلم رزق الابتلاء أي كوّنه الله من الابتلاء فهو علم إقامة الحجة لتكون الحجة البالغة لله كما أخبر عن نفسه فقال: ﴿فَلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَلِّغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] التي لا دخل عليها ولا تأويل فيها، وإذا وصف الحق نفسه بحتى نعلم فعم حكم الرزق جميع الصور، فـ ((كلُّ الصيد في جوف الفَرَا»، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . حضرة الفتح وهي للاسم الفتاح [نظم: الرمل] يعلمُ الشَّخْصُ بما يُفْتَحُ لَهُ حَضْرَةُ الفَتَّاحِ للفَتْح وما كل شَرِّ واقع قد أَجْمَلَهُ إن ربَّ الخلق في الخير وفي يعرف الأمْرَ الذي قد أنْزَلَه ربما يعرفُهُ الشخصُ وما يعلم الشيء الذي كُوَّنَ لَهْ ثم قد يعلمُهُ الشخصُ وما يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الفتاح، ولها صورة ومعنى وبرزخ، وما حازها على الكمال إلا آدم عليه السلام بعلم الأسماء، ومحمد رّ بجوامع الكلم، وما عدا هذين الشخصين فما ذكر لنا، ومن هذه الحضرة نزلت: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ﴾ و﴿إِنَا فَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ولقد كنت بمدينة فاس سنة إحدى وتسعين وخمسمائة وعساكر الموحدين قد عبرت إلى الأندلس لقتال العدوّ حين استفحل أمره على الإسلام، فلقيت رجلاً من رجال الله ولا أزكي على الله أحداً وكان من أخص أودّائي فسألني ماتقول في هذا الجيش هل يفتح له وينصر في هذه السنة أم لا؟ فقلت له: ما عندك في ذلك؟ فقال: إن الله قد ذكر ووعد نبيه وَال بهذا الفتح في هذه السنة وبشر نبيه وّير بذلك في كتابه الذي أنزله عليه وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فموضع البشرى فتحاً مبيناً من غير تكرار الألف فإنها لإطلاق الوقوف في تمام الآية، فانظر أعدادها بحساب الجمل، فنظرت فوجدت الفتح يكون في سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، ثم جزت إلى الأندلس إلا أن نصر الله جيش المسلمين وفتح الله به قلعة رباح والأركو وكركوى وما انضاف إلى هذه القلاع من الولايات، هذا عاينته من الفتح ممن هذه صفته، فأخذنا للفاء ثمانين وللتاء أربعمائة وللحاء المهملة ثمانية وللألف واحداً وللميم أربعين وللباء اثنين وللياء عشرة وللنون خمسين، والألف قد أخذنا عددها فكان المجموع ٣٢٤ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة إحدى وتسعين وخمسمائة كلها سنون من الهجرة إلى هذه السنة، فهذا من الفتوح الإلهي لهذا الشخص. وكذلك ما ذكرناه من فتح البيت المقدس فيما اجتمع بالضرب في ﴿الَّ ® غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢،١] مع البضع من السنين المذكور فيه بالحسابين الجمل الصغير والكبير، فظهر من ذلك فتح البيت المقدس وقد ذكرناه فيما تقدم من هذا الكتاب في باب الحروف منه وهو أن البضع جعلناه ثمانية لكون فتح مكة كان سنة ثمان، ثم أخذنا بالجمل الصغير ألم ثمانية فأسقطنا الواحد لكون الأس يطلب طرحه لصحة العدد في أصل الضرب في الحساب الرومي، والفتح إنما كان في الروم الذين كانوا بالبيت المقدس، فأضفنا ثمانية البضع إلى ما اجتمع من حروف ألم بعد طرح الوحد للأس فكان خمسة عشر، ثم رجعنا إلى الجمل الكبير فضربنا واحداً وسبعين في ثمانية والكل سنون لأنه قال: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينٌ﴾ [الروم: ٤] فكان المجموع ثمانية وستين وخمسمائة، فجمعناها إلى الخمسة عشر التي في الجمل الصغير فكان المجموع ثلاثاً وثمانين وخمسمائة وفيها كان فتح البيت المقدس، وهذا العلم من هذه الحضرة. ولكن عبد السلام أبو الحكم بن برجان ما أخذه من هذا فوقع له غلط وما شعر به الناس، وقد بيناه لبعض أصحابنا حين جاءنا بكتابه فتبين له أنه غلط في ذلك ولكن قارب الأمر، وسبب ذلك أنه أدخل عليه علماً آخر فأفسده، وهذا كله من صورة الفتح لا من معناه ولا من وسطه الذي هو الجامع للطرفين، فكان لآدم إحصاء جميع اللغة الواقعة من أصحابها المتكلمين بها إلى يوم القيامة، وكان لمحمد ◌ّ الرسالة إلى الناس كافة باللسان العربيّ، فعمّ جميع كل لسان فنقل شرعه بالترجمة فعمّ اللغات. وأما الفتح الوسط فهو فتح الأذواق وهو العلم الذي يحصل للعالم به بالتعمل في تحصيله كعلم الفرقان للمتقي فإنه حصله بتقوى الله مع ما انضاف إليه من تكفير السيئات وغفر الذنوب، وهذا علم مخصوص بأهل الطريق وهم أهل الله وخاصته وهو علم الأحوال، وإن كانت مواهب فإنها لا توهب إلا لمن هو على صفة خاصة وإن كانت تلك الصفة لا تنتجها في الدنيا لكل أحد، ولكن لا بد أن تنتج في الآخرة، فلما لم يكن من شرطها الإنتاج في الدنيا قيل في علم الأحوال أنها مواهب وهو حصولها عن الذوق، ومعنى عن الذوق أوّل التجلي، فإن التوكل مثلاً الذي هو الاعتماد على الله فيما يجريه أو وعد به، فالذوق فيه الزائد على العلم بذلك عدم الاضطراب عند الفقد لما تركن النفس إليه، فيكون ركونها في ذلك إلى الله لا إلى السبب المعين فيجد في نفسه من الثقة بالله في ذلك أعظم مما يجده من عنده السبب الموصل إلى ذلك، كالجائع ليس له سبب يصل به إلى نيل ما يزيل جوعه من الغذاء، وجائع آخر عنده ما يصل به إلى نيل ما يزيل ما عنده، فيكون صاحب السبب قوياً لوجود المزيل عنده، وهذا الآخر الذي ما عنده إلا الله يساويه في السكون وعدم الاضطراب لعلمه بأن رزقه إن كان بقي له رزق فلا بد من وصوله إليه، فسمي عدم هذا الاضطراب ممن هذه صفته من فقد الأسباب ذوقاً وكل عاقد يجد الفرق بين هذين الشخصين، فإن العالم الذي ليس له هذا الذوق يضطرب عند فقد المزيل مع علمه بأن رزقه إن كان بقي له رزق لا بد أن يصل إليه، ومع هذا العلم لا يجد سكوناً نفسياً مع الله، وصاحب ٣٢٥ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة الذوق هو الذي يجد السكون كما يجده صاحب السبب المزيل لا فرق بل ربما هو أوثق، وهو قول بعض العلماء أن الإنسان لا ينال هذه الدرجة حتى يكون بربه أوثق منه بما في يده، لأن الوعد الإلهي صادق لا تتطرّق إليه الآفات، والذي بيده من الأسباب يمكن أن يتطرق إليه الآفات فيحال بينه وبين من هو عنده بأي وجه كان، فلذلك قلنا إن المتوكل ذوقاً أتم في السكون من صاحب السبب الحاصل المزيل لهذا الألم، فاعلم ذلك فهذا هو الوسط من علم الفتح وصاحبه يلتذ في باطنه غاية الالتذاذ. وأما المعنى من هذه الحضرة فهو ما يطالع به العبد من العلم بالله إذا كان الحق أعني هوية الحق صفات هذا العبد فما يحصل له من العلم إذا كان بهذه الصفة هو المعنى الحاصل من هذه الحضرة، وما كل أحد ينال هذا المقام من هذه الحضرة وإن كان فيها فإن الناس يتفاضلون في ذلك، ومن هذه الحضرة قال رسول الله ولية- حين ضرب بين كتفيه: ((عَلِمْتُ عِلْمَ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ)) بذلك الوضع وتلك الضربة أعطاه الله فيها ما ذكره من العلم ويعني بذلك العلم بالله فإن العلم بغير الله تضييع الوقت، فإن الله ما خلق العالم إلا له، ولا سيما هذا المسمى بالإنس والجن فإنه نص عليه أنه خلقه لعبادته، وذكر عن كل شيء أنه يسبح بحمده، فمن علم الله بمثل هذا العلم علم أن كل نطق في العالم كان ذلك النطق ما كان مما يحمد أو يذم أنه تسبيح بوجه لله بحمده أي فيه ثناء على الله لا شك في ذلك، ومثل هذا العلم بحمد الله حصل لنا من هذه الحضرة، ولكن ما يعرف صورة تنزيله علماً بحمد الله والثناء عليه إلا من اختصه الله بوهب هذه الحضرة على الكمال، فيسب إنسان إنساناً وهو عند هذا السامع صاحب هذا المقام تسبيح بحمد الله فيؤجر السامع ويأثم القائل والقول عينه، وهذا من العلم اللطيف الذي يخفى على أكثر الناس، وهو في العلوم بمنزلة أسماء الأشياء كلها أنها أسماء الله في قوله: ﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ﴾ [فاطر: ١٥] خبراً صدقاً مع علمنا بما نفتقر إليه من الأشياء، فهذا وذلك سواء ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ فسمع بالله ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] فأبصر بالله، وهذا القدر من الإيماء كافٍ في هذه الحضرة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. حضرة العلم وهي للاسم العليم والعالم والعلام [نظم: البسيط] إنّ العُلُومَ هي المَطْلُوبُ بالنَّظَرِ لولا العلومُ التي في الكَوْن ما ظهرتْ هو الإمام الذي يَذْريه خالقُه كيُوسُف حين خَرُّوا سُجَّداً ومضتْ فلو ترى الشمسَ والأفلاكَ دائرةً من بَعْدِ مَا طُمِسَتْ أنوارُها ومَضَتْ ماتوا وراح الذي قد كان يجمعهم فانْظُزْ وَفَكِّرْ فإنّ الفِكْرَ مُعْتَبَرُ أفكارُ من هو في الأشياء مُعْتَبَرُ والنجمُ يعرفه والشمسُ والقَمَرُ أحكامُه فيهِمُ بالله فاعْتّبروا في نارها ونجوم الليل تَنْتَشرُ أحكامُها وبَدَتْ في العين تَنْكَدِرُ في دار دنياهم فالكلّ قد قُبِرُوا ٣٢٦ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة يدعى صاحب هذه الحضرة عبد العليم، والعلماء في هذه الحضرة على ثلاث مراتب: عالم علمه ذاته، وعالم علمه موهوب، وعالم علمه مكتسب، وله حكم في الإلهيات، وله حكم في الكون، ففي الله علمه بكل شيء لذاته، وعموم تعلقها بكل معلوم، وقد بينا من أين تعلق علمه بالعالم والمكتسب في الله قوله حتى نعلم، والموهوب في الله ما أعطاه العبد من تصرّفه في المباح فإنه لا يتعين تقييده تعين الواجب والمحظور والمندوب والمكروه، فحصول العلم بالتصريف في المباح علم وهب يعلمه الحق من العبد بطريق إلهية لأنه لا يجب عليه الإتيان به، كما يجب عليه اعتقاده فيه أنه مباح والإيمان به واجب. وأما مراتب هذه العلوم في الكون فهينة الخطب، فإن الكون قابل للعلم بالذات، فالعلم الذاتي له هو ما يدركه من العلم بعين وجوده خاصة لا يفتقر في تحصيله إلى أمر آخر إلا بمجرد كونه، فإذا ورد عليه ما لا يقبله إلا بكونه موجوداً على مزاج خاص هو علمه الذاتي له والمكتسب ما له في تحصيله تعمل من أي نوع كان من العلوم المكتسبة، والموهوب هو ما لم يخطر بالبال ولا له فيه اكتساب كعلم الأفراد وهو علم الخضر فعلمه من لدنه علماً رحمة من عند الله به حتى كان مثل موسى عليه السلام الذي كلمه ربه يستفيد منه ما لم يكن عنده ولا أحاط به خبراً يقول: لم نذق له طعماً فيما علمه الله من العلم بالله . واعلم أنه ما من موجود في العالم إلا وله وجه خاص إلى موجده إذا كان من عالم الخلق، وإن كان من عالم الأمر فما له سوى ذلك الوجه الخاص وإن الله يتجلى لكل موجود من ذلك الوجه الخاص فيعطيه من العلم به ما لا يعلمه منه إلا ذلك الموجود، وسواء علم ذلك الموجود أو لم يعلمه، أعني أن له وجهاً خاصاً، وأن له من الله علماً من حيث ذلك الوجه، وما فضل أهل الله إلا بعلمهم بذلك الوجه، ثم يتفاضل أهل الله في ذلك، فمنهم من يعلم أن الله تجلياً لذلك الموجود من هذا الوجه الخاص، ومنهم من لا يعلم ذلك، والذين يعلمون ذلك منهم من يعلم العلم الذي يحصل له من ذلك التجلي، ومنهم من لا يعلمه أعني على التعيين، وما أعني بالعلم إلا متعلق العلم هل هو كون أو هو الله من حيث أمر ما؟ والعلم المتعلق بالله: إما علم بالذات وهو سلب وتنزيه أو إثبات وتشبيه، وإما علم باسم ما من الأسماء الإلهية من حيث ما سمى الحق به نفسه من كونه منعوتاً بالقول والكلام. وإما علم باسم مّا من أسماء الأسماء من حيث ما تقتضيها عبارات المحدثات. وإما علم نسب إلهية . وإما علم صفات معنوية، وإما علم نعوت ثبوتية إضافية تطلب أحكاماً متقابلة. وإما علم ما ينبغي أن يطلق منه عليه وما ينبغي أن لا يطلق ولكل علم أهل. وأما ما يتعلق بالكون من العلم الإلهي الذي يعطيه الله من شاء من عباده من هذه الحضرة فهو إما علم يكون متعلقه نسبة العالم إلى الله، وإما علم يكون متعلقه نسبة الله إلى العالم. وإما علم بارتفاع النسبة بين العالم والذات وإثباتها بين العالم والأسماء، وإما علم بإثبات النسبة بين العالم والذات وهو علم القائلين بالعلة والمعلول. وإما علم إثبات النسبة شرطاً لا علة. وإما علم يتعلق بالصورة التي خلق الله العالم عليها كله. وإما علم بالصورة التي خلق الإنسان عليها. وإما علم بالبسائط . ٣٢٧ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة وإما علم بالمركبات، وإما علم بالتركيب، وإما علم بالتحليل. وإما علم بالأعيان الحاملة مركبة كانت أو بسائط وإما بالأعيان المحمولة. وإما علم بإلهيات، وإما علم بالأوضاع. وإما علم بالمقادير، وإما علم بالأوقات. وإما علم بالاستقرارات، وإما علم بالانفعالات، وإما علم بالعين المؤثرة اسم فاعل المؤثرة فيها اسم مفعول وأنواع الآثار بالتوجهات والقصد أو بالمباشرة، هذا كله مما يكون للعالم به أو ببعضه من هذه الحضرة العلمية، فمن دخل هذه الحضرة ذوقاً فقد حاز كل علم، ومن دخلها بالفكر فإنه ينال منها على قدر ما هو فيه. ومن هذه الحضرة يحيط بعض الخلق بعلم ما لا يتناهى من أعيان أشخاص نوع نوع من الممكنات على حد ما يعلم في العامة تضاعف العدد إلى ما لا يتناهى، ولا يقدر أحد على إنكاره من نفسه أنه يعلم ذلك ولا يخطىء فيه. ثم لتعلم أن مسمى العلم ليس سوى تعلق خاص من عين تسمى عالماً لهذا التعلق وهو نسبة تحدث لهذه الذات من المعلوم، فالعلم متأخر عن المعلوم لأنه تابع له هذا تحقيقه، فحضرة العلم على التحقيق هي المعلومات وهو بين العالم والمعلوم، وليس للعلم عند المحقق أثر في المعلوم أصلاً لأنه متأخر عنه، فإنك تعلم المحال محالاً ولا أثر لك فيه من حيث علمك به ولا لعلمك فيه أثر، والمحال لنفسه أعطاك العلم به أنه محال، فمن هنا تعلم أن العلم لا أثر له في المعلوم بخلاف ما يتوهمه علماء أصحاب النظر، فإيجاد أعيان الممكنات عن القول الإلهي شرعاً وكشفاً، وعن القدرة الإلهية عقلاً وشرعاً لا عن العلم، فيظهر الممكن في عينه فيتعلق به علم الذات العالمة بأنه ظاهر كما تعلق به أنه غير ظاهر بذلك العلم، فظهور المعلوم وعدم ظهوره أعني وجوده أعطى العلم فهو حضرة المعلوم ينوع العلم من العالم بما هو عليه في ذاته أعني المعلوم، هذا في كل موصوف بالعلم، فالصفات المعنوية كلها على الحقيقة نسب غير أنه ثم نسبة تتقدم كالقول بالإيجاد على الموجود، ونسبة تتأخر كالعلم والمعلوم، فإذا فهمت ما ذكرته لك في هذه الحضرة علمت الأمر العلمي على ما هو عليه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. حضرة القبض وهي للاسم القابض [نظم: البسيط] في ذاته فالأمْرُ مَفْهُومُ لا شَكَّ أن القَبْضَ مَعْلُومُ لكنه لله معلومُ وليس معلوماً لنا سرُّهُ لذاك يُمْسي وهو مَغْمُومُ يعلمُهُ الخائفُ من خَوْفِهِ يَعْمُرُهُ الغِزْبَانُ والبُومُ بُسْتانه تبكيه أطيارُهُ فسِرُّهُ في الكون مَكْتُومُ منقبض عنه وعن مثله لها أثر في المحدث والقديم يدعى صاحبها عبد القابض بما يعطيه الممكن من أفعاله فيقبضها الحق منه كما ورد أنّ الله يأخذ الصدقات من عباده فيربيها لهم ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلَّهُ﴾ [هود: ١٢٣] فيقبضه بحيث أنه لا يبقى لغير الله فيه تصرّف بعد القبض الإلهيّ إلا أن ٣٢٨ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة يعطيه الحق ذلك فيقبضه العبد من ربه، وأوّل قبض قبضة الممكن من ربه وجوده، فقبض الحق من الممكن علمه به، وقبض الممكن من الحق وجوده، وجميع ما يتصرف فيه ويضاف إليه من الأفعال، فإذا وقعت يقبضها الحق من العامل فحضرة القبض بين القابض والمقبوض والمقبوض منه، وقد يكون لهذه الحضرة في القابض قبض مجهول وهو خطر جداً كما يكون لها قبض معلوم، فإذا وجد العبد من هذه الحضرة قبضاً في نفسه لا يعرف سببه ولا يعرف منه سوى علمه بأنه قابض لأمر مجهول فهو مقبوض الباطن للحق بذلك الأمر الذي لا يعلمه، فإذا وقع له مثل هذا القبض من هذه الحضرة، فليسكن على ما هو عليه، وليتحرّك على الميزان المشروع والميزان العقليّ ولا يتزلزل، فإنه لا بد أن ينقدح له سبب وجود ذلك القبض إما بما يسوءه أو بما يسرّه، ولله عباد يسرّهم كل شيء يقامون فيه من بسط وقبض مجهول ومعلوم . واعلم أن الأدب مصاحب لهذه الحضرة ولحضرة البسط، فإذا قبض من الحق ما يعطيه الله فيقبضه من يده في أمور معينة، ومن يد الغير في أمور معينة يعين ذلك مسمى الخير والشرّ، فالخير كله بيد الله فيقبضه منه ولكن بأدب يليق بذلك الخير المعين، وابذل جهدك في أن لا تقبض الشرّ جملة واحدة، فإن أعماك الحق وأصمك واستعملك في قبض الشرّ فمن الأدب أن لا تقبضه من يد الله واقبضه من يد المسمى شيطاناً، فإن على يده يأتيك الشر، فلو زال هذا البريد لم يقع في الوجود حكم شر، وما أظهر عين الشر من هذا الشيطان إلا التكليف، فإذا ارتفع ارتفع هذا الحكم ولم يبقَ إلا الغرض والملاءمة، فنيل الغرض والملائم خير وفقد ما تعلق به الغرض وما لا يلائم شرّ: [مجزوء الخفيف] من يَد الحَقِّ تَسْعَدْ فَخُذِ الخَيْرَ كُلَّهُ في يَدِ الغَيْر تَرْشُد ودَعِ الشَّرَّ كلَّهُ سواء نسبتهما إلى الشرع أو إلى الغرض أو الملاءمة، فمن القبض ما يكون عن وهب، ومنه ما يكون عن جود وكرم وعن سخاء وعن إيثار، وليس إلا قبض الشريكون وهو عن إيثار لجناب الحق حيث أضفته إلى نفسك ولم تضفه إلى الله أدباً مع الله حيث لم ينسبه إلى نفسه، فإن رسول اللّهِ وَّ المترجم عن الله تعالى يقول: ((وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ)) وقال: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَبَِّةٍ فَن نَّفْسِكٌ﴾ [النساء: ٧٩] فكل ما يسوءك فهو شر في حقك، فلو لم يطلق عليه اسم شرّ لم تضفه إليك ولا أضافه الحق إليك، ألا تراه إذا نظرته فعلاً من غير حكم كيف يقول: كل من عند الله ظهر، فقف مع الحكم الإلهيّ في الأشياء وعلى الأشياء تكن أديباً معصوماً، فإنه لا يحفظ الله هذا المقام إلا على من عصم الله واعتنى به، ومن هذه الحضرة تقرض الله ما طلب منك من القرض، وتعلم أنه ما طلبه منك إلا ليعود به وبأضعافه عليك من جهة من تعطيه إياه من المخلوقين، فمن أقرض أحداً من خلق الله، فإنما أقرض الله، وليس الحسن في القرض إلا أن ترى يد الله هي القابضة لذلك القرض لا غير فتعلم عند ذلك في يد من جعلت ذلك وهو الحفيظ الكريم. وأما قبضه ما يقبضه للدلالة عليه كقبض الظل إليه ليعرفك بك وبنفسه ٣٢٩ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة لأنه ما خرج الظل إلا منك، ولولا أنت لم يكن ظل، ولولا الشمس أو النور لم يكن ظل، وكلما كشف الشخص تحققت أعيان الظلال، فالأمر بينك وبينه كما قرّررنا في الوجود بين الاقتدار الإلهي وبين القبول من الممكن مهما ارتفع واحد منهما ارتفع الوجود الحادث، كذلك إذا ارتفع العين المشرق والجسم الكثيف الحائل عن نفوذ هذا الإشراق فيه حدث الظل فالظل من أثر نور وظلمة، ولهذا لا يثبت الظل عند مشاهدة النور كما لا تثبت الظلمة لأنه ابنها، فإن للظلمة ولادة على الظل بنكاح النور، فما قابل النور من الجسم الكثيف أشرق فذلك الإشراق هو نكاح النور له، وبنفس ما يقع النكاح تكون ولادته للظل، فنفس النكاح نفس الحمل نفس الولادة في زمان واحد كما قلنا في زمان وجود البرق انصباغ الهواء وظهور المحسوسات وإدراك الأبصار لها، والزمان واحد والتقدم والتأخر معقول، وهكذا الظل فافهم. ومن هذه الحضرة سماع ما يقبضك ورؤية ما يقبضك، فلو لم يقبض المسموع الذي قبضك ما كنت مقبوضاً وكذلك الرؤية فأنت القابض المقبوض، فما أتى عليك إلا منك، فلو أزلت الغرض عند السماع أو الرؤية لكنت قابضاً ولم تكن مقبوضاً، غير أن هذه الحقيقة لا ترتفع من العالم لأن الاستناد قوي بقوله: ﴿أَتَبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد: ٢٨] وليس إلا القبض، فإذا أخبر الحق بوجود الأثر في ذلك الجناب فأين يخرج العبد من حكمه لذلك؟ قال في نعيم الجنان: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنَفُسُكُمْ﴾ [فصلت: ٣١] وليس إلا نيل الأغراض، فتحقق حكم هذه الحضرة وما تعطيه في الإنسان، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. حضرة البسط وهي للاسم الباسط [نظم: السريع] إلا إذا بَشَرَهُ اللَّهُ لا يَفْرَحُ العاقلُ في بَسْطِهِ ومُتْهِم يعلمُهُ اللَّهُ على لسانٍ صادقٍ مُنْجِدٍ لَهُ إذا يَخْشُرُهُ الجَاهُ فإنَّهُ الصَّادِقُ في قَوْلِهِ لكونها أعلمها اللَّهُ لا تَمْتَري في صِدْقٍ إرساله يقول إذا قيل له ما هُو فلا تقولوا مثل ما قال من فافْرَحْ فإن الواحد اللَّهُ مَاهِيَّةٌ ما ثَمَّ مجهولة يدعى صاحبها عبد الباسط، ولها حكم وأثر قديماً وحديثاً، فمن أرضى الله فقد منع غضبه وبسط رحمته ﴿وَاَللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبُّْطٌ﴾ [البقرة: ٢٤٥]: [مجزوء الخفيف] ولِيَ الحُكْمُ جُلُّهُ فله الحُكْمُ كُلُّهُ وأنا العبدُ ظلُّهُ فهو الحَقُّ أضلُنا فأنا منه ظلُّهُ فإذا دام غَبْشُهُ بل ليَ الأمْرُ كُلُّهُ ماليَ أمر يخصّني إن يشأ ذاك فَضْلُهُ إن أَسَأْنَا فعدلُه ٣٣٠ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة وأنا منه فَضلُهُ كل جنس يَعُمُّنا أنا منه فشَكْلُهُ أيّ فَضل مقوّم عين فَيْضي أو مِثْلُهُ شكل ذاتي وفيضه فله الحكم في عباده من هاتين الحضرتين، غير أن المحالّ تختلف فيختلف البسط لاختلافها والأحوال تختلف، فيختلف البسط لاختلافها، فأما في محل الدنيا ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ اَلْرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] فأنزل بقدر ما يشاء، وأطلق له في الجنة البسط لكونها ليست بمحل تعن ولا تعد، فإن الله قد نزع الغل من صدورهم، فالعبد باتباع الرسول وأعني به الشرع الإلهيّ، والوقوف عند حدوده ومراسمه بالأدب الذي ينبغي له أن يستعمله في ذلك الاتباع يؤثر في الجناب الأقدس المحبة في هذا المتبع فيحبه الله وإذا أحبه انبسط له، فحال العبد في الدنيا عند انبساط الحق إليه أن يقف مع الأدب في الانبساط وهو قبض يسير أثره بسط الحق، فالعبد ينقبض لقبض الحق ولبسطه وإن اختلف حكم القبض فيه أعني في الدنيا لأجل التكليف، فمن المحال كمال البسط في الدنيا للأدب، ومحال كمال القبض في الدنيا للقنوط، غير أن حكم القبض أعم في الدنيا من البسط، فمن الناس من وفقهم الله لوجود أفراح العباد على أيديهم، أول درجة من ذلك من يضحك الناس بما يرضي الله أو بما لا رضا فيه ولا سخط وهو المباح، فإن ذلك نعت إلهيّ لا يشعر به بل الجاهل يهزأ به، ولا يقوم عنده هذا الذي يضحك الناس وزن وهو المسمى في العرف مسخرة، وأين هو هذا الجاهل بقدر هذا الشخص من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣] ولا سيما وقد قيدناه بما يرضي الله أو بما لا رضا فيه ولا سخط، فعبد الله المراقب أحواله وآثار الحق في الوجود يعظم في عينه هذا المسمى مسخرة، وكان لرسول الله وَّ نعيمان يضحكه ليشاهد هذا الوصف الإلهيّ في مادة فكان أعلم بما يرى، ولم يكن رسول الله وَّه ممن يسخر به ولا يعتقد فيه السخرية وحاشاه من ذلك وَّ، بل كان يشهده مجلى إلهياً يعلم ذلك منه العلماء بالله، ومن هذه الحضرة كان رسول الله 84# يمازح العجوز والصغير يباسطهم بذلك ويفرحهم، ألا ترى إلى أكابر الملوك كيف يضاحكون أولادهم بما ينزلون إليهم في حركاتهم حتى يضحك الصغير، ولم أرَ من الملوك من تحقق بهذا المقام في دسته بحضور أمرائه والرسل عنده مثل الملك العادل أبي بكر بن أيوب مع صغار أولاده وأنا حاضر عنده بميافارقين بحضور هذه الجماعة، فلقد رأيت ملوكاً كثيرة ولم أر منهم مثل ما رأيته من الملك العادل في هذا الباب، وكنت أرى ذلك من جملة فضائله ويعظم به في عيني وشكرته على ذلك، ورأيت من رفقه بالحريم وتفقد أحوالهن وسؤاله إياهنّ ما لم أرَ لغيره من الملوك، وأرجو أن الله ينفعه بذلك. واعلم أن الفرق بين الحضرتين أن القبض لا يكون أبداً إلا عن بسط والبسط قد يكون عن قبض وقد يكون ابتداء، فالابتداء سبق الرحمة الإلهية الغضب الإلهي، والرحمة بسط والغضب قبض، والبسط الذي يكون بعد قبض كالرحمة التي يرحم الله بها عباده بعد وقوع ٣٣١ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة العذاب بهم فهذا بسط بعد قبض، وهذا البسط الثاني محال أن يكون بعده ما يوجب قبضاً يؤلم العبد، فالبسط عام المنفعة وقد يكون فيه في الدنيا مكر خفيّ وهو إرداف النعم على المخالف فيطيل لهم ليزدادوا إثماً وهو قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنََّا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنْفُسِهِمَّ إِنَّمَا تُعْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوّاْ إِثْمًّا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِيٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] والإملاء بسط في العمر والدنيا فيتصرفون فيهما بما يكون فيه شقاؤهم، ومن البسط ما يكون أيضاً مجهولاً ومعلوماً أعني مجهول السبب، فيجد الإنسان في نفسه بسطاً وفرحاً ولا يعرف سببه، فالعاقل من لا يتصرف في بسطه المجهول بما يحكم عليه البسط فإنه لا يعرف بما يسفر له في عاقبته، هل بما يقبضه ويندم فيه أو بما يزيده فرحاً وبسطاً، فالمكر الخفيّ فيه إنما هو لكونه مجهول السبب، وقوة سلطانه فيمن قام به، والدار الدنيا تحكم على العاقل بالوقوف عند الجهل بالأسباب الموجبة لبعض الأحوال فيتوقف عندها حتى ينقدح له أمرها، فإذا علم تصرف في ذلك على علم فإما له وإما عليه، بحسب ما يوفقه الله، وينصره أو يخذله، فمن الله نسأل العصمة من الزلل في القول والعمل، ومن هذه الحضرة يدعو إلى الله من يدعو على بصيرة فيدعو من باب البسط من يعلم أن البسط يعين على الإجابة من المدعوّ ويدعو من باب القبض من يعلم أن القبض يعين على إجابة المدعو، فهذا الداعي وإن كان في مقام مباسطة الحق فإنه يدعو بالقبض والبسط فإنه يراعي المصلحة ويدفع بالتي هي أحسن في حق المدفوع عنه وفي حق نفسه، والأدب أعظم ما ينبغي أن يستعمل في هذه الحضرة فإن البسط مطلب النفوس فليحذر غوائلها، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. حضرة الخفض [نظم: البسيط] إِنَّ النَّواضُحَ حُكْمٌ ليس يَعْرفُهُ تنزّل الحَقّ إكراماً إلى دَرَجِ يقسم الخلق في تعيين رُتْبَتِهِ إن الذي خَفَضَ الأكوان أجْمَعَها رفعت همّته نحو العليّ عسى أبْرَمْتُ أمراً وفي الإبرام حاجته إني جعلتُ له في قلب ذي أدب صِفْرَ اليدين أتاك اليوم يسألكم وقلت يا منتهى الآمال أجمعها عَرَفْتَهُ بالذي يأتيه من كُتُبٍ إلا العَلِيُّ الذي لله يَخْفضُهُ به يجزّئه به يُبَعْضُهُ قسم يحبّبه وقسم يُبَغّضُهُ عن المقام الذي بما يخفضُهُ يوماً على غلظ يكون تَنَهُضُهُ فجاء في الحال للحرمان يَنْقُضُهُ حُبّاً وجاء سفير الحال يبغضُهُ قَرْضاً يضاعفه من أنت تُقْرِضُهُ عساك يوماً على خير تُحَرْضُهُ عساه يوماً يراه الحق يَرفُضُهُ فيدعى صاحبها في الملأ الأعلى عبد الخافض فاعلم أن الوجود قد انقسم في ذاته إلى ما له أول وهو الحادث، وإلى ما لا أول له وهو القديم، فالقديم منه هو الذي له التقدم، ومن ٣٣٢ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة له التقدم له الرفعة والحدوث له التأخر، ومن تأخر فله الانخفاض عن الرفعة التي يستحقها القديم لتقدمه، فإن المتقدم له التصرف في الحضرات كلها لأنه لا منازع له يقابله ولا يزاحمه ويرى المراتب فيأخذ الرفيع منها، والحادث ليس له ذلك التصرف في المراتب فإنه يرى القديم قد تقدمه في الوجود وتصرف وحاز مقام الرفعة وما نزل عنه فهو خفض فلم يكن له تصرف إلا في حضرة الخفض، فإذا أراد الحق أن يتصرف فيها تصرف المحدث ينزل إليها فإذا نزل إليها حكم عليه بأحكامها، فإذا ارتفع عنها بعد هذا النزول هو المسمى بهذا الارتفاع الخاص متكبراً فقوله: ﴿اُلْعَزِيزُ الْجَبَّارُ﴾ بالرفعة الأولى ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] بالرفعة بعد النزول، فحضرة الخفض سلطانها في المحدث كان المحدث ما كان، وإنما قلنا كان المحدث ما كان من أجل صور التجلي فإنها محدثة، ومن أجل إتيان الذكر الذي هو القرآن كلام الله فإنه محدث الإتيان، قال تعالى: ﴿مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم تُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] وليس إلا القرآن وقد حدث عندهم بإتيانه، فلذلك قلنا كان الحادث ما كان، فمن هذه الحضرة يكون حكم الخافض والمخفوض، ألا ترى إلى حروف الخفض هي الخافضة والحرف في أدنى الدرجات ومع ذلك فلها أثر الخفض في الأسماء مع علو درجة الأسماء فتقول: أعوذ بالله فالباء خافضة ومعمولها الهاء من كلمة الله فهي التي خفضت الهاء من الكلمة فأثرت في الكلمة بحقيقتها، وإن كانت الأسماء أعلى في الرتبة منها فالعالم وإن كان في مقام الخفض ورتبته رتبة الخفض فإنه بعضه لبعضه كأداة الخفض في اللسان لا يخفض المتكلم الكلمة إلا بها، كذلك ما لا يفعله الحق من الأشياء إلا بوساطة الأشياء ولا يمكن غير ذلك فلا بد من حقيقته، هذا أن ينزل إلى رتبة الخفض ليتصرف في أدوات الخفض بحسب ما هي عليه تلك الأدوات من الأحكام وهي كثيرة كأداة الباء على اختلاف مراتبها، وهي في كل ذلك لا تعطي إلا الخفض، فلها رتبة القسم ورتبة الاستعانة ورتبة التبعيض والتأكيد والنيابة مناب الغير، وكذلك من وإلى وفي وجميع أدوات الخفض لها صور في التجلي، فتظهر بحكم واحد وعين واحدة في مراتب كثيرة، فمن على كل حال حكمها الخفض وذاتها معلومة فهي لا تتغير في الحكم ولا في العين، وهي لابتداء الغاية خرجت من الدار وتكون للتبعيض: أكلت من الرغيف، وتكون للتبيين: شربت من الماء، فما تغير لها عين ولا حكم في الخفض. ثم إنه إذا دخل بعضها على بعض صير المدخول عليه فيها اسماً وزال عنه حكم الحرفية، فيرجع خفضه بالإضافة كسائر الأسماء المضافة وأبقى عليه بناءه حتى لا يتغير عن صورته، قال الشاعر: من عن يمين الحبيا نظرة قبل. أراد جهة اليمين فدخلت من على عن فصيرتها بمعنى الجهة وأخرجتها عن الحرفية، فمعقول من عين عن واليمين كما قلنا مضافة إلى عن ولم يظهر في عن عمل الخفض في الظاهر لأنها بالأصالة خافضة، والخافض لا يكون مخفوضاً، فهي هنا مخفوضة المعنى غير مخفوضة الصورة لما هي عليه من البناء مثل : ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾ [الروم: ٤] وكذلك قول الشاعر وهو كثير في اللسان، وهذا العمل في هذا الطريق إذا أثر المحدث في المحدث لم يزله أثره فيه عن أن يكون محدثاً ٣٣٣ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة والحدوث له بمنزلة البناء للحرف والأثر فيه للمؤثر ولا مؤثر إلا الله، فهذا خلق ظهر بصورة حق فانفعل المنفعل لصورة الحق لا للخلق، فقد تلبس في الفعل الخلق بالحق في الإيجاد، وتلبس الحق بالخلق في الصورة التي ظهر عنها الأثر في الشاهد كما ظهر عقلاً عن الحق : ﴿﴿هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] والإشارة إلى الأسماء الإلهية هنا وإن كان المراد الزوجات تفسيراً : [الطويل] وإنْ قُلْتَ هذا الخَلْقِ أخْفَيْتَهُ فِیهِ فإنْ قُلْتَ هذا الحَقّ أظْهَزْتَ غائباً ولولا وجودُ الخَلْقِ ما كُنْتَ تُخْفِیهِ فلولا وُجُودُ الحَقِّ مَا بَانَ كائنٌ فمن حضرة الخفض ظهر الحق في صورة الخلق فقال: ((كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ)) الحديث. وقال تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وقال: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ ـ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَعْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] ﴿مَّا عَلَى [النساء: ٨٠] كما قال فيه: ﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ اَلْهَوَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ﴾ [المائدة: ٩٩] فلولا حكم النسب وتحقيق النسب ما كان للأسباب عين ولا ظهر عندها أثر، وأنت تعلم أن استناد أكثر العالم إلى الأسباب، فلولا أن الله عندها ما استند مخلوق إليها فإنا لم نشاهد أثراً إلا منها ولا عقلناه إلا عندها، فمن الناس من قال بها ولا بد، ومن الناس من قال عندها ولا بد، ونحن ومن شاهد ما شاهدنا نقول بالأمرين معاً عندها عقلاً وبها شهوداً وحساً كما قدمنا في الاقتدار والقبول، فذلك هو الأصل الذي يرجع إليه الأمر كله فاعبده وتوكل عليه، فهل طلب منك ما ليس لك فيه تعمل؟ ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٢] فلا بد من حقيقة هنا تعطي الإضافة في العمل إليك مع كونه خلقاً لله تعالى كما قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] أي وخلق ما تعملون، وأهل الإشارة جعلوا هنا ما ناقية فالعمل لك والخلف لله، فما أضاف إليه تعالى عين ما أضافه إليك إلا لتعلم أن الأمر الواحد له وجوه، فمن حيث ما هو عمل أضافه إليك ويجازيك عليه، ومن حيث ما هو خلق هو الله تعالى، وبين الخلق والعمل فرقان في المعنى واللفظ فلا تحجب عن معرفة هذا فإنه لطيف خفي، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. حضرة الرفعة [نظم: الخفيف] آمَنُوا فوق غيرهم دَرَجَاتٍ يَرْفَعُ المُؤمِنُ المُهَيْمِنُ قَوْماً داخلات في حكمه خَارجاتٍ فتراهم بهم نفوساً سُكَارَى عامّلُوُه بالصدق في فَتَيَاتٍ ورأينا لديه فتيانَ صِدْقٍ بشهاداتِ حَقُّهِ مُؤْمِنَاتٍ طاهراتٍ من الخَنَا مُعْلِنَاتٍ يدعى صاحبها عبد الرفيع. قال الله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥] فالرفعة له سبحانه بالذات وهي للعبد بالعرض وأنها على النقيض من حضرة الخفض في الحكم، فإن الخفض للعبد بالأصالة والرفعة للحق. ٣٣٤ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة واعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن هذه الحضرة من حضرات السواء التي لها موقف السواء في المواقف التي بين كل مقامين يوقف في كل موقف منها العبد ليعرف بآداب المقام الذي ينتقل إليه، ويشكر على ما كان منه من الآداب في المقام الذي انتقل عنه، وإنما سمي موقف السواء أو حضرة السواء لقوله تعالى عن نفسه: إنه ﴿رَفِيعُ الدَّرَحَتِ﴾ فجعل له درجات ظهر فيها لعباده، وقال في عباده العلماء به: ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْوَ دَرَحَتٍ﴾ [المجادلة: ١١] يظهر فيها العلماء بالله ليراهم المؤمنون. ثم إنه من حكم هذه الحضرة السوائية في رفع الدرجات التسخير بحسب الدرجة التي يكون فيها العبد أو الكائن فيها كان من كان، فيقتضي له أي للكائن فيها أن يسخر له من هو في غيرها ويسخره أيضاً من هو في درجة أخرى، وقد تكون درجة المسخر اسم مفعول أعلى من درجة المسخر اسم فاعل، ولكن في حال تسخير الأرفع بما سخره فيه شفاعة المحسن في المسيء إذا سأل المسيء الشفاعة فيه، وفي حديث النزول في الثلث الباقي من الليل غنية وكفاية وشفاء لما في الصدور لمن عقل، ولما كانت الدرجة حاكمة اقتضى أن يكون الأرفع مسخراً اسم مفعول، وتكون أبداً تلك الدرجة أنزل من درجة المسخر اسم فاعل والحكم للأحوال كدرجة الملك في ذبه عن رعيته وقتاله عنهم وقيامه بمصالحهم، والدرجة تقتضي له ذلك، والتسخير يعطيه النزول في الدرجة عن درجة المسخر له اسم مفعول، قال الله عز وجل: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥] ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِنًا﴾ [الزخرف : ٣٢] فافهم. ثم إنه أمر عباده ونهاهم كما أمر عباده أيضاً أن يأمروه وينهوه فقال لهم قولوا: ﴿وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاً﴾ [البقرة: ٢٨٦] في مثل الأمر ويسمى دعاء ورغبة، وفي مثل النهي: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن تَسِينَآَ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِءٌ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وأمر الله أن نقول: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] والنهي: ﴿وَلَا نَنقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] ﴿وَلَا تُخْسِرُواْ أَلْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٩] وأمثال ذلك، فنظرنا في السبب الذي أوجب هذا من الله أن يكون مأموراً منهياً على عزته وجبروته، ومن العبد على ذله وافتقاره، فوجدناه حكم الدرجات بما تقتضيه، والدرجة أيضاً هي التي جعلت هذا الأمر والنهي في حق الله يسمى أمراً ونهياً، وفي حق العبد يسمى دعاء ورغبة، فأقام الحق نفسه بصورة ما أقام فيه عباده بعضهم مع بعض، وقوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَحَتِ﴾ [غافر: ١٥] إنما ذلك على خلقه. ثم أنزل نفسه معهم في القيام بمصالحهم وبما كسبوا قال تعالى: ﴿أَفَّنْ هُوَ قَائِهُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] كما قال تعالى: ﴿اَلِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اَللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤] لأنهن عائلته، وقد ورد عن رسول الله وَله: ((إِنَّ الخَلْقَ عِيَالُ الله)) فيقوم بهم لأن الخلق إلى الله يميلون ولهذا كانوا عائلة له، فلما أنزل نفسه في هذه المنزلة فضلاً منه وحقيقة فإنه لا يكون الأمر إلا هكذا نبه أنه منا وفينا كنحن منا وفينا: [مجزوء الرمل] ٣٣٥ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة مثلنـا مـنّا وفينا إِنَّهُ مِنّا وفينا هكذا جاء يَقِينَا وبنا عَرَفْتُ رَبِّي قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وعلل بقوله: ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًا﴾ [الزخرف: ٣٢] ومن سألته فقد اتخذته موضعاً لسؤالك فيما سألته فيه، وقد أخبر عن نفسه بالإجابة فيما سأله لمن سأله على الشرط الذي قرره كما نجيبه نحن فيما سألنا أيضاً على الشرط الذي تقضي به مراتبنا، ثم إنه عز وجل لما كان عين أسمائه في مرتبة كون الاسم هو عين المسمى ومن يقول في صفات الحق أنها لا هي هو ولا هي غيره، وقد علمنا رفعة الدرجات في الأسماء بعضها فوق بعض كانت ما كانت ليتخذ بعضهم بعضاً بحسب مرتبته، فنعلم أن درجة الحيّ أعظم الدرجات في الأسماء لأنه الشرط المصحح لوجود الأسماء، وأن العلم من العالم أعم تعلقاً وأعظم إحاطة من القادر والمريد لأن لمثل هؤلاء خصوص تعلق من متعلقات العالم فهو للعالم كالسدنة. ولما كان العلم يتبع المعلوم علمنا أن العالم تحت تسخير المعلوم يتقلب بتقليبه ولا يظهر له عين في التعلق به إلا ما يعطيه المعلوم، فرتبة المعلوم إذا حققتها علمت علوّ درجتها على سائر الدرجات أعني المعلومات، ومن المعلومات للحق نفس الحق وعينه وما يجب له ويستحيل عليه، وما يجب لكل معلوم سوى الحق، وما يستحيل على ذلك المعلوم وما يجوز عليه، فلا يقوم فيه الحق إلا بما يعطيه المعلوم من ذاته، وكذلك درجة السميع والبصير والشكور وسائر الأسماء في التعلق الخاص، والرؤوف والرحيم وسائر الأسماء كلها تنزل عن الاسم العليم في الدرجة، إلا المحيط فإنه ينزل عن العليم بدرجة واحدة فإنه لا يحيط إلا بمسمى الشيء والمحال معلوم وليس بشيء إلا في وجود الخيال، فهنالك له شيئية اقتضتها تلك الحضرة، فهو محيط بالمحال إذا تخيله الوهم شيئاً كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ولكن في المرتبة الخارجة عن الخيال لا إحاطة له بالمحال مع كون المحال معلوماً للعالم غير موصوف بالإحاطة، وكذلك الحيّ لما كانت له درجة الشرطية كان له السببية في ظهور أعيان الأسماء الإلهية وآثارها، وكذلك كل علة لا بد أن يكون لها حكم الحياة، وحينئذٍ يكون عنها الأثر الوجودي، ولا يشعر بذلك كل أحد من نظار العلماء من أولي الباب إلا أرباب الكشف الذين يعاينون سريان الحياة في جميع الموجودات كلها جوهرها وعرضها، ويرون قيام المعنى بالمعنى حتى يقال فيه سواد مشرق وسواد كدر، ومن لا علم له يجعل الإشراق للمحل لا للسواد وما عنده خبر، فكذلك قيام الحياة بجميع الأعراض قيامها بأعيان الجواهر، فما من شيء من عرض وجوهر وحامل ومحمول إلا وهو يسبح بحمد الله، ولا يسبح الله إلا حي عالم بمن يسبح وبما يسبح، فيفضل بعلمه بين من ينبغي له التسبيح وبين من ينبغي له التشبيه في العين الواحدة من وجوه مختلفة، وهو سبحانه يثني على نفسه ويسبح نفسه بنفسه كما قال: إنه ﴿غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] وقال: ﴿يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] وكل ذلك في معرض الثناء على نفسه لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ومن لم يعرف ٣٣٦ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة الله تعالى والعالم بمثل هذه المعرفة فما عنده علم بالله ولا بالعالم، ولولا ما هو الأمر كما قررناه ما قال رسول اللّه وَلَ: مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) وأتى بالعامل الذي يتعدى إلى مفعول واحد ولم يقل علم وذلك ليرفع الإشكال في الأحدية فقد بان لك يا ولي بما فضلناه وأومأنا إليه ما تقتضيه هذه الحضرة حضرة الرفع، والتي قبلها حضرة الميزان الذي به يخفض الله ويرفع، ولما كانت للحق الدرجة العليا قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] فإن الكلمة إذا خرجت تجسدت في صورة ما هي عليه من طيب وخبيث، فالخبيث يبقى فيما تجسد فيه ما له من صعود، والطيب من الكلم إذا ظهرت صورته وتشكلت، فإن كانت الكلمة الطيبة تقتضي عملاً وعمل صاحبها ذلك العمل أنشأ الله من عمله براقاً أي مركوباً لهذه الكلمة فيصعد به هذا العمل إلى الله صعود رفعة يتميز بها عن الكلم الخبيث، كل ذلك يشهده أهل الله عياناً أو إيماناً، فالخلق في كل نفس في تكوين فهم كل يوم في شأن لأنهم في نفس وهو هيولى صور التكوين، فالحق في وجود الأنفاس شؤونه، والتصوير لما هو العبد عليه من الحال في وقت تنفسه فيعطيه الحق النفس الداخل هيولائي الذات، فإذا استقر في القلب وأعطى أمانته من التبريد الذي جاء له تشكل وانفتحت في ذات ذلك النفس صورة ما في القلب من الخواطر فيزعجه السحر بعد فتح الصورة فيه على مدرجته خروج انزعاج لدخول غيره لأن السحر وهو الرئة له حفظ هذه النشأة فهو كالروبان بل هو كالحاجب الذي بيده الباب، فإذا خرج فلا يخلو إما أن يتلفظ صاحب ذلك النفس بكلام أو لا يتلفظ، فإن تلفظ تشكل ذلك الهواء بصورة ما تلفظ به من الحروف فيزيد في صورة ما اكتسبه من القلب، وإن لم يتلفظ خرج بالصورة التي قبلها في القلب من الخاطر هكذا الأمر دائماً دنيا وآخرة، ففي الدنيا يتصوّر في خبيث وطيب، وفي الآخرة لا يتصور إلا طيباً لأن حضرة الآخرة تقتضي له الطيب، فلا يزال يوجد طيباً بعد طيب حتى يكثر الطيبون فيغلبون على الخبيثين الذين أوردوا صاحبهم الشقاء، فإذا كثروا عليهم غلبوهم فأزالوا حكمهم فيه، فهو المعبر عنه بمآلهم إلى الرحمة في جهنم وإن كانوا من أهلها فمن حيث أنهم عمار لا غير فإن رحمة الله سبقت غضبه والحكم لله، وما سوى الله فمجعول وآله العقائد مجعول، فما عبد الله قط من حيث ما هو عليه، وإنما عبد من حيث ما هو مجعول في نفس العابد، فتفطن لهذا السرّ فإنه لطيف جداً، به أقام الله عذر عباده في حق من قال فيهم: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍِ﴾ [الأنعام: ٩١] فاشترك الكل المنزه وغير المنزه في الجعل، فكل صاحب عقد في الله فهو صاحب جعل، فمن هنا تعرف من عبد ومن عبد، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. حضرة الإعزاز [نظم: البسيط] كما أُعِزَّ الذي في الله صاحِبُهُ إنّ المُعزَّ الذي أُعِزَّ جَانِبُه في الحين أكْرَمَهُ في الوقت عَاتَبَهُ إذا أَتَى مُسْتَجِيرٌ نحو حَضْرَتِهِ ٣٣٧ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة يدعى صاحبها عبد المعز وهذه الحضرة تجعل العبد منيع الحمى، وتعطيه الغلبة والقهر على من ناواه في مقامه بالدعوى الكاذبة التي لا صورة لها في الحق وهو الذي يعتز بإعزاز المخلوق، فهو كالقياس في الأحكام المشروعة يضعف الحكم فيه عن حكم المنصوص عليه، ولهذا أثبتته طائفة ونفته أخرى أعني القياس في الأحكام المشروعة، وإنما جعله من جعله أصلاً في الحكم لما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فما تفطنوا لذكر الله العزة لهؤلاء الموصوفين بالرسالة المضافة إليه تعالى والإيمان، فما قال الناس فهؤلاء المذكورون لهم الإعزاز الإلهيّ وقد قلنا به، والذين أثبتوا القياس نظروا إلى أن الله ما أعز دينه إلا بهؤلاء، فما عزوا إلا بالدين، ولا أعز الله الدين إلا بهم، فقد حصل للدين إعزاز بإعزاز مخلوق وهو الرسول والمؤمنون الذين لهم العزة بإعزاز الله، فثبت للفرع ما ثبت للأصل فثبت القياس في الحكم، فمن هذه الحضرة كان القياس أصلاً رابعاً. ولما كان مثبوتاً بالكتاب والسنة فبقيت الأصول في الأصل ثلاثة، فصح التربيع في الأصول بوجه والتثليث بوجه كالمقدمتين اللتين ركبت كل مقدمة منهما من مفردين، وهذه المفردات ثلاثة في التحقيق، فصح التربيع والتثليث على الوجه الخاص وشرطه فكان الإنتاج، وليس إلا ظهور الحكم وثبوته في العين، فهذا أعطاه الاجتهاد، ولو كان خطأ فإن الله قد أقر حكمه على لسان رسوله، وما كلف الله نفساً إلا ما آتاها، وما آتاها إلا إثبات القياس أعني في بعض النفوس، والإعزاز من السلطان لحاشيته مقيس على إعزاز الله من أعزه من عباده. وأما صورة الاعتزاز بالله فهو أن يظهر العبد بصورة الحق بأيّ وجه كان مما يعطي سعادة أو شقاوة لأن العزة إنما هي لله، ففي أي صورة ظهرت كان لها المنع، فظهورها في الشقي مثل قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أي المنيع الحمى في وقتك الكريم على أهلك وفي قومك فما هي سخرية به فإنه كذلك كان وهي سخرية به لأنه خاطبه بذلك في حالة ذله وإباحة حماه وانتهاك حرمته، فما ظهر معتز في العالم إلا بصورة الحق أي بصفته إلا أن الله ذمها في موطن وحمدها في موطن، وذلك الموطن المحمود أن يكون هو الذي يعطي ذلك على علم من العبد فهو صاحب اعتزاز في ذل، ومن ليس له هذا المقام فهو ذو اعتزاز في غير ذل وإن أحس بالذل في نفسه لأنه مجبول على الذلة والافتقار، والحاجة بالأصالة لا يقدر أن ينكر هذا من نفسه ولذلك قال الله بأنه يطبع على كل قلب متكبر جبار فلا يدخله الكبرياء والجبروت وإن ظهر بهما فإنه يعرف في قلبه أنه لا فرق بالأصالة بينه وبين من تكبر عليهم وتجبر، وأعظم الاعتزاز من حمى نفسه من أن يقوم به وصف رباني وليس إلا العبد المحض، فإن ظهر بأمر الله فأمر الله أظهره، فإعزاز الله عبده أن لا يقوم به من نعوت الحق في العموم نعت أصلاً فهو منبع الحي من صفات ربه، وإنما قلنا في العموم لأن صفات الحق في العموم ليست إلا ما يقتضي التنزيه خاصة المعبر عنها بالأسماء الحسنى، والتي في الخصوص أن جميع الصفات كلها لله التي يقال إنها في العبد بحكم الأصالة وإن اتصف الحق بها، والأسماء الحسنى في الحق بحكم الأصالة وإن اتصف العبد بها وعند الخصوص كلها لله وإن اتصف العبد بها، الفتوحات المكية ج٧ - م٢٢ ٣٣٨ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة ومتى لم يعتز العبد في حماه عن قيام الصفات الربانية به في العموم فما اعتز قط لأنه ما امتنع عنها، وذلك إذا حكمت فيه عن غير أمر الله كفرعون وكل جبار ومن له هذه الصفة الحجابية وإن أخذها عن أمر الله، ولكنه لما قام بها في الخلق وظهر بها اعتز في نفسه على أمثاله فلحق بالأخسرين أعمالاً وهم ملوك الإسلام وسلاطينهم وأمراؤهم، فيفتخرون بالرياسة على المرؤوسين جهلاً منهم، ولذلك لا يكون أحد أذل منهم في نفوسهم وعند الناس إذا عزلوا عن هذه المرتبة ومن كان في ولايته حاله مع الخلق حاله دون هذه الولاية ثم عزل لم يجد في نفسه أمراً لم يكن عليه فبقي مشكوراً عند الله وعند نفسه وعند المرؤوسين الذين كانوا تحت حكم رياسته، وهذا هو المعتز بالله، بل العزيز الذي منع حماه أن يتصف بما ليس له إلا بحكم الجعل . ثم إن الله قد جعل في الوجود موطناً يكون فيه العبد المحقق القائم به صفة الحق في الخلافة معزار به إذا رأى اهتضام جانب الحق من القوم الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] فيعزه العبد بحسن التعليم والتنزل باللفظ المحرّر الرافع للشبه في قلوبهم حتى يعز الحق عندهم، فيكون هذا العبد معزاً للحق الذي في قلوب هؤلاء الذين ما قدروا الله حق قدره قبل ذلك، فانتزحوا عن ذلك وعبدوا إلهاً له العزة والكبرياء والتنزيه عما كانوا يصفونه به قبل هذا، فهذا نصيبه وحظه من الاسم المعز فإنه حمى قلوب هؤلاء عن أن يتحكم فيهم ما لا يليق بالحق من سوء الاعتقاد والقول، وقد ورد في القرآن من ذلك ﴿لَّقَدْ سَيِعَ اللَّهُ قَوْلَ اُلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] وأمثال هذه الصفات: [البسيط] إلا الذي جَلَّ عن كَيْفٍ وتَشْبِيهِ هو المُعزّ ولكن ليس يَذْرِيهِ على تَنَزُّهِهِ عن كل تَنْزِيهِ إنّ المُعِزَّ الذي دَلَّتْ دلائلُهُ بما يقول به في كل تَنْبِيهِ من العباد فإن الحَقَّ يكذبه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. حضرة الإذلال [نظم: الكامل] عند الدُّخُولِ به وعنْدَ خُرُوجِهِ إنّ المُذِلَّ هو المُعِزُّ بعَيْنِهِ أكوانه عيناً بُعَيْدَ عُرُوجِهِ فإذا أَذَلَّ حَبِيبَهُ أذْنَاهُ مِنْ يدعى صاحبها عبد المذل وهو الذليل. ومن هذه الحضرة خلق الله الخلق، إلا أنه تعالى لما خلق الإنسان من جملة خلقه خلقه إماماً وأعطاه الأسماء وأسجد له الملائكة وجعل له تعليم الملائكة ما جهلوه، ولم يزل في شهود خالقه، فلم تقم به عزة بل بقي على أصله من الذلة والافتقار، ولما حمل الأمانة عرضاً وجرى ما جرى قال هو وزوجه إذ كانت جزءاً منه : ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣] بما حملاه من الأمانة، ثم إن بنيه اعتزوا لمكانة أبيهم من الله ٣٣٩ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة لما اجتباه ربه وهدى به من هدى ورجع عليه بالصفة التي كان يعامله بها ابتداء من التقريب والاعتناء الذي جعله خليفة عنه في خلقه وكمل به وفيه وجود العالم وحصل الصورتين ففاز بالسورتين أعني المنزلتين: منزلة العزة بالسجود له، ومنزلة الذلة بعلمه بنفسه، وجهل من جهل من بنيه ما كان عليه أبوه من تحصيل المنزلتين والظهور بالصفتين، فراضهم الاسم المذل من حضرة الإذلال فأخرجهم عن الإدلال بالدال اليابسة، وذلك لمن اعتنى الله به من بنيه فأشهدهم عبوديتهم فتقربوا إليه بها، ولا يصح أن يتقرّب إلى الله إلا بها فإنها لهم ليس لله منها شيء كأبي يزيد وغيره إذ قال له ربه: تقرب إلي بما ليس لي الذلة والافتقار. وقال في طرح العزة عنه وقد قال له: يا رب كيف أتقرّب إليك أو منك؟ فقال له ربه: يا أبا يزيد اترك نفسك وتعال، والنفس هنا ما هو عليه من العزة التي حصلت له من رتبة أبيه من خلقه على الصورة، ولو علم من يجهل هذا أنه ما من شيء في العالم إلا وله حظ من الصورة الإلهية والعالم كله على الصورة الإلهية، وما فاز الإنسان الكامل إلا بالمجموع لا بكونه جزءاً من العالم ومنفعلاً عن السموات والأرض من حيث نشأته، ومع هذا فهو على الصورة الإلهية كما أخبر رسول الله وََّ: ((إنَّ الله خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)) واختلف في ضمير الهاء من صورته على من يعود وفي رواية وإن ضعفت على صورة الرحمن وما كملت الصورة من العالم إلا بوجود الإنسان فامتاز الإنسان الكامل عن العالم مع كونه من كمال الصورة للعالم الكبير بكونه على الصورة بانفراده من غير حاجة إلى العالم، فلما امتاز سرى العز في أبنائه أي في بعض بنيه فراضهم الله بما شرع لهم فقال لهم: إن كنتم اعتززتم بسجود الملائكة لأبيكم فقد أمرتكم بالسجود للكعبة فالكعبة أعز منكم إن كان عزكم للسجود فإنكم في أنفسكم أشرف من الملائكة التي سجدت لكم أي لأبيكم وأنتم مع دعواكم في هذا الشرف تسجدون للكعبة الجمادية، ومن عصى منكم عن السجود لها التحق بإبليس الذي عصى بترك سجوده لأبيكم، فلم يثبت لكم العز بالسجود مع سجودكم للكعبة وتقبيلكم الحجر الأسود على أنه يمين الله محل البيعة الإلهية كما أخبرتكم، وإن كنتم اعتززتم بالعلم لكون أبيكم علم الملائكة الأسماء كلها فإن جبريل عليه السلام من الملائكة وهو معلم أكابركم وهم الرسل صلوات الله عليهم وسلامه والنبيّ محمد ◌ّ يقول حين تدلى إليه ليلة إسرائه رفرف الدرّ والياقوت فسجد جبريل عليه السلام عند ذلك ولم يسجد النبي ◌ََّ وقال: ((فَعَلِمْتُ فَضْلَ جبريل عليّ في العِلْم عند ذلك)) . ثم إنكم عن لمة الملك تتصرّفون في مرضاة الله فهم الذين يدلونكم على طرق سعادتكم والتقرب فبأي شيء تعتزون على الملائكة فكونوا مثل أبيكم تسعدوا، وما ثم فضل إلا بالسجود والعلم وقد خرج من أيديكم، والذين لهم العزة من النبيين ليس إلا الرسل والمؤمنون فمن ارتاض برياضة الله فقد أفلح وسعد. واعلم أنا قد ذكرنا في غير موضع من هذا الكتاب أنه ما من حكم في العالم إلا وله مستند إلهي ونعت رباني، فمنه ما يطلق ويقال: ومنه ما لا يجوز أن يقال ولا يطلق وإن تحقق، وقد خلق الافتقار والذلة في خلقه، فمن أي حقيقة إلهية صدر وقد قال لأبي يزيد: إنه ٣٤٠ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة ليس له الذلة والافتقار، وقد نبهتك على المستند الإلهي في ذلك بكون العلم تابعاً للمعلوم والعلم صفة كمال ولا يحصل إلا من المعلوم، فلو لم يكن إلا هذا القدر كما أنه ما لم إلا هذا القدر لكفى، ثم إني أزيدك بياناً مما تعطيه حقائق الأسماء الإلهية التي بها تعددت وكانت الكثرة، فلو رفعت العالم من الذهن لارتفعت أسماء الإضافة التي تقتضي التنزيه وغيره بارتفاع العالم فما ثبت لها حكم إلا بالعالم فهي متوقفة عليه، ومن توقف عليه ظهور حكم من أحكامه فلا بد له أن يطلبه ولا يطلب إلا ما ليس بحاصل. ثم إن التنزيه إذا غلب على العارف في هذه المسألة رأى أنه ما من جزء من العالم إلا وهو مرتبط باسم إلهي مع تقدم بعضه على بعض، فما توقف اسم ما من الأسماء الإلهية في حكمه إلا على اسم ما إلهي من الأسماء يظهر في ذلك حكمه بالإيجاد أو بالزوال، فما توقفت الأسماء الإلهية إلا على الأسماء الإلهية، وليست الأسماء إلا عين المسمى، فمنه إليه كان الأمر هذا عقد المنزه. وأما العام فالذي ذكرناه من ارتفاع حكم الأسماء بارتفاع العالم ذهناً أو وجوداً فقد علمت مستند الذلة والافتقار والإذلال فإنه لا يوجد الموجد إلا ما هو عليه، ألا ترى إلى الحكماء قد قالوا لا يوجد عن الواحد إلا واحد والعالم كثير فلا يوجد إلا عن كثير وليست الكثرة إلا الأسماء الإلهية، فهو واحد أحدية الكثرة الأحدية التي يطلبها العالم بذاته، ثم إن الحكماء مع قولهم في الواحد الصادر عن الواحد لما رأوا منه صدور الكثرة عنه وقد قالوا فيه إنه واحد في صدوره اضطرهم إلى أن يعتبروا في هذا الواحد وجوهاً متعدّدة عنه بهذه الوجوه صدرت الكثرة، فنسبة الوجوه لهذا الواحد الصادر نسبة الأسماء الإلهية إلى الله، فليصدر عنه تعالى الكثرة كما صدر في نفس الأمر، فكما أنه للكثرة أحدية تسمى أحدية الكثرة، كذلك للواحد كثرة تسمى كثرة الواحد وهي ما ذكرناه، فهو الواحد الكثير والكثير الواحد، وهذا أوضح ما يذكر في هذه المسألة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. حضرة السمع [نظم: الخفيف] إنه سامع عليمٌ بذاكا أَسْمِعِ الحَقَّ يا أُخَيَّ نِدَاكًا لم تَجِدْهُ يوماً له قد جَفَاكًا لو جَفَوْتَ الجَنَابَ يوماً بأمْرٍ يدعى صاحب هذه الحضرة عبد السميع لأنه مسموع فيتضمن الكلام لأنه مسموع وكذا الأصوات. فهذه الحضرة تتعلق بحضرة النفس وهو العمی، وقد تقدّم له باب يخصه کبیر مبسوط إلا أني أومىء إلى نبذ من هذه الحضرة مما لم نذكره في باب النفس يطلب السمع في حضرته وليس إلا تلاوة الكتب الإلهية تلاها من تلاها على جهة التوصيل، فلا بدّ لحكم هذه الحضرة فيها وليس إلا السمع ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وقال: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] وقال: ﴿كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَّا لَا يَسْمَعُ إلَّا دُعَّهَ وَنِدَآءً﴾ [البقرة: ١٧١] وقال: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾