النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب التاسع والأربعون وخمسمائة الباب التاسع والأربعون وخمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْفَ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس: ٦،٥] [نظم: البسيط] يُعَظِّمُ الكَشْفُ ذاك الواحِدَ الأَحَدَا إذا تَجَلَّتْ صفاتُ الحَقِّ في أحَدٍ فإنه يقبل العَتْبَ الذي وَرَدا ولو يُعاتبه فيه مُنَزّهُهُ وعالمٌ بالذي في عَتْبِهِ قَصَدا فإنه عالمٌ بما به وَرَدَا فليس يفتحُها إلا الذي وَجَدَا إن الأمور إذا انْسَدَّتْ مسالكُها لما عَشِقْتُ بها مالاً ولا وَلَدَا لولا الصفاتُ التي في خَلْقِهِ ظَهَرَتْ ولا اتخذتُ وجودَ الأهل لي سَكْناً هذي المطالب قد عَزَّتْ مطالبُها ولا الملوكَ ولا الأسبابَ لي سَنَدَا وليس يعرفُها إلا الذي شَهِدَا اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن الله لما فرق بين ما يستحقه الكون من الصفات وبين ما تستحقه الذات من الصفات أو الجناب الإلهي عظم عند العارفين بذلك نعت الحق، فحيثما رأوه مالوا إليه ابتداء لعزته كلما بدا لهم، فإذا عوتب العارف في ذلك قبل العتب هنالك خاصة ولم يطرده فمتى تجلى له نعت إلهي مثل ذلك أيضاً تصدى له وعظمه، فإن عوتب كان حاله فيه مثل الحال الأول، فإن طرد العتب في كل نعت من نفسه فليس هو صاحب ذوق وإنما هو صاحب قياس في الطريق فلا يتميز في عبيد الاختصاص أبداً، فإنه إذا طرد ذلك عامل نعت الحق بما لا يجب، وهنا زلت أقدام طائفة من المتشرعين ولم يكن ينبغي لهم ذلك، فإن رسول الله وَل قد نبه على ما قلناه، وجعلني أن أحتج به على ما قررناه وهو قوله وَلّ: ((إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ)) وقال عز وجل: ﴿لَا يَنْهَكُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَزِكُمْ أَنْ تَبَرُؤُهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨]. واعلم أن الملك العزيز في قومه ما جاء إليك ولا نزل عليك إلا وقد ترك جبروته خلف ظهره أو كان جبروتك عنده أعظم من جبروته، فعلى كل حال قد نزل إليك فأنزله أنت منزلته من نفسه التي يسرّ بها تكن حكيماً، وما عاتب الله نبيه في الأعمى والأعبد إلا بحضور الطائفتين، فبالمجموع وقع العتب وبه أقول لا مع الانفراد، فتعظيم الملوك والرؤساء من تعظيم ربك، وتعظيم الفقراء جبر لا غير لانكسارهم في فقرهم، فإن كان الفقراء من فقراء الطريق فليس ذلك بجبر عنده فإنه لا يزول عنه فقره وانكساره بتعظيمك وقبولك وإقبالك، فإن المشهود له إنما هو ربه، وإنما الجبر إنما هو للفقراء من الله، فالذاكر بهذا الذكر لا يزال معظماً صفة الحق ظهرت على أي محل ظهرت، وإن عوتب اقتصر على الشخص دون غيره فتنبه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ٢٨٢ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الموفي خمسين وخمسمائة الباب الموفي خمسين وخمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿فَلَمَّا تَّجَلَّى رَبّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] [نظم: مخلع البسيط] أضْعَقَهُ ذلك التَّجَلْي إذا تَجَلَّى لمن تَجَلَّى أهْلَكَهُ ذلك التَّوَلِّي وإِنْ تَوَلَّى عمَّنْ تَوَلَّى نَوَّرَهُ ذلك الــَّـدَلــي وإنْ تَدَلَّى بمن تَدَلَّى بالله يا سيدي فقُلْ لي قلتُ الذي قد سمعتموه أَشْهَدَني فيه عَيْنَ ظِلْي لمّا رأيتُ الذي تجلّى وليس عيني قل لي فَمَنْ لي من لي إذا لم أكن سواهُ في كل ضِدُ وكل مِثْلٍ الله لا ظَاهِرْ سواهُ وكُلْ جِنْسٍ وكل نَوْعِ وكُلُ حِسِّ وكل عَقْلٍ وكُلْ وَضْلٍ وكُلٌ فَضْلَ وكل جسم وكل شَكْلٍ اعلم أيدنا الله وإياك أن الأمر في التجلي قد يكون بخلاف ترتيب الحكمة التي عهدت، وذلك أنا قد بينا استعداد القوابل، وأن هناك ليس منع بل فيض دائم وعطاء غير محظور، فلو لم يكن المتجلى له على استعداد أظهر له ذلك الاستعداد هذا المسمى تجلياً ما صح أن يكون له هذا التجلي، فكان ينبغي له أن لا يقوم به دك ولا صعق، هذا قول المعترض علينا، قلنا له: يا هذا، الذي قلناه من الاستعداد نحن على ذلك الحق متجلٌ دائماً والقابل لإدراك هذا التجلي لا يكون إلا باستعداد خاص، وقد صح له ذلك الاستعداد فوقع التجلي في حقه، فلا يخلو أن یکون له أيضاً استعداد البقاء عند التجلي أو لا یکون له ذلك، فإن کان له ذلك فلا بد أن يبقى، وإن لم يكن له فكان له استعداد قبول التجلي ولم يكن له استعداد البقاء، ولا يصح أن يكون له فإنه لا بد من اندكاك أو صعق أو فناء أو غيبة أو غشية فإنه لا يبقى له مع الشهود غير ما شهد، فلا تطمع في غير مطمع، وقد قال بعضهم: شهود الحق فناء ما فيه لذة لا في الدنيا ولا في الآخرة، فليس التفاضل ولا الفضل في التجلي، وإنما التفاضل والفضل فيما يعطي الله لهذا المتجلي له من الاستعداد، وعين حصول التجلي عين حصول العلم لا يعقل بينهما بون كوجه الدليل في الدليل سواء بل هذا أتم وأسرع في الحكم، وأما التجلي الذي يكون معه البقاء والعقل والالتذاذ والخطاب والقبول فذلك التجلي الصوري، ومن لم يرَ غيره ربما حكم على التجلي بذلك مطلقاً من غير تقييد، والذي ذاق الأمرين فرّق ولا بد، وبلغني عن الشيخ المسن شهاب الدين السهروردي ابن أخي أبي النجيب أنه يقول بالجمع بين الشهود والكلام فعلمت مقامه وذوقه عند ذلك، فما أدري هل ارتقى بعد ذلك أم لا؟ وعلمنا أنه في مرتبة التخيل وهو المقام العام الساري في العموم، وأما الخواص فيعلمونه ويزيدون بأمر ٢٨٣ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الأحد والخمسون وخمسمائة ما هو ذوق العامة، وهو ما أشار إليه السياري ونحن ومن جرى مجرانا في التحقيق من الرجال، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الأحد والخمسون وخمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿فَسَيَرَىَ اَللَهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ, وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] [نظم: الرمل] فَبِهِ يَسْعَدُ حَقّاً فَانْتَبِةْ كُلُّ مَنْ يَعْمَلِ ما كُلْفَ بهْ ويرى الله الذي قد جئت به ثمّ للشارع فيه نّظَرْ وكذا كُلَّ لبيب مُنْتَبِهُ فيرى المُنْصِفَ يسعى جاهداً مِنْ حلالٍ لا بزَادٍ مُشْتَبِهْ يَسْعَى في تحصيلٍ زاد مُبَلْغِ من له الحُكْمُ الذي يخكُمُ بِه إنما ينظرُ في أعمالناً قال الله تعالى: ﴿أَ يَعْلَ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] ولكل راء عين تليق به فيدرك من المرئي بحسب ما تعطيه قوّة ذلك العين، فثم عين تعطي الإحاطة بالمرئي، وليس ذلك إلا الله، وأما ما يراه الرسول والمؤمنون فليس إلا رؤية خاصة ليس فيها إحاطة فيراه الرسول بحسب ما أرسل به، وكذلك المؤمن يراه بقدر ما علم من هذا الرسول، فليست عين المؤمن تبلغ في الرتبة إدراك عين الرسول، فإن المجتهد مخطىء ومصيب، والرسول حق كله فإن له التشريع، وهو العين المطلوبة لطالب الدلالة، فإذا قامت صورة العمل نشأة كاملة كان العمل ما كان من المكلف يراها الله من حيث أراها الرسول والمؤمنين ومن حيث لا يرونها، أعني تلك الصورة العملية، ويراها الرسول من حيث ما يراها المؤمنون ومن حيث ما يراها، ويرى أيضاً المؤمنون ذلك العمل من حيث يرونها لا من حيث يراها الرسول، فالرسول مقرّر حكم المجتهدين والمجتهدان يتنازعان ويخطىء كل واحد منهما صاحبه، فلو ساوت الرؤية من كل ذي عين لما كان في العالم نزاع، وإلى الله يرجع الأمر كله في ذلك، فإذا حكم في الأمور بنفسه بماذا يحكم هل بما يراه أو بما يراه الرسول أو بما يراه المؤمنون؟ فصاحب هذا الذكر يرى مواطن في القيامة يحكم فيها الله بما يراه في العمل، ومواطن يحكم فيها الله بما يراه الرسول في العمل لا بما يراه الله، ومواطن يحكم فيها الله بما يراه المؤمنون لا بما يراه الرسول، ومواطن يحكم فيها بالمجموع، فإذا وقف هذا الذاكر على هذه الأحكام وشاهد هذه المواطن فهو صاحب ذكر له، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثاني والخمسون وخمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآءُولَكَ﴾ [النساء: ٦٤] [نظم: البسيط] يأتي إلى الحَقِّ مهما نَفْسَهُ ظَلَمَا من كان مِثْلَ أبيه في تَصَرُّفِهِ ٢٨٤ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثالث والخمسون وخمسمائة وزاد قَدْراً على مِقْدَارِهِ وَسَمَا واسْتَغْفَرَ اللَّهَ مما قد عصاه به من الرجوع عليه بالذي حَكَمَا يقضي بها صاحبُ الحَقّ الذي عَلِمَا منه ويخرج بالإحسان من فَهِمَا ثم اجْتَبَاهُ بما قد خَصَّهُ وهَدَی للشّزْع فيه موازينٌ مُعَدَّلَةٌ في حالة العدل والإحسان يطلبها قال الله تعالى مخبراً عن آدم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا طَلَمْنَآَ أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣] فالظالم نفسه لا الظالم لنفسه هو الذي يرجع إلى ربه، فإن الظالم لنفسه ما خرج عن ربه حتى يرجع إليه فإنه من المصطفين، فالظالم نفسه يجيء للحق المشروع له الذي ظهر الرسول في حياته بصورته، ولذلك كان يقال له رسول الله في التعريف ما كان يقال له محمد فقط، وكذلك أخبر الله في قوله ﴿ُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ﴾ [الفتح: ٢٩] وقال: ﴿وَلَكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّيْنُّ﴾ [الأحزاب: ٤٠] فإذا جاء الظالم إلى الحق المشروع الذي بأيدينا اليوم فإن تجسد له في الصورة المحمدية فيعلم أنه من أصحاب هذا الذكر إما في النوم أو في اليقظة كيف كان، وإن لم يتجسد له فما هو ذلك الرجل، فإذا تجسد له فلا يخلو أن يستغفر الله هذا الظالم نفسه أو لا یستغفر الله، فإن استغفر الله ولم يرَ صورة الرسول تستغفر له فإنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، فيعلم عند ذلك أنه ما استغفر الله، فإن استغفاره الله في ذلك الموطن يذكر النبيّ وَل بالاستغفار لله في حقه، فيجد الله عنده ذلك ﴿تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١٦] وقد ظلمت نفسي وجئت إلى قبره وَّلإر فرأيت الأمر على ما ذكرته، وقضى الله حاجتي وانصرفت، ولم يكن قصدي في ذلك المجيء إلى الرسول إلا هذا الهجير، وهكذا تلوته عليه و10َّ في زيارتي إياه عنده قبره فكان القبول وانصرفت، وذلك في سنة إحدى وستمائة، فقد أعلمتك كيف يجيء الظالم نفسه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثالث والخمسون وخمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿وَاَللَّهُ مِنْ وَرَآِهِم تُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] [نظم: البسيط] مَعَ الوراء ويُقْضَى فيه تَجْرِيدُ إنّ الإحاطةَ للرَّحْمُن تَخدِیدُ لم يُقْضَ في عقله الله تَخديدُ فمن تَجَرَّدَ عن أكتاف نشأته يردّه لجلال الله تحميدُ الله أنْزَهُ أن يُقْضَى عليه بما تسبيحُ حَمْدٍ وتهليلٌ وتَمْجِيدُ كمالُه من وجوه الكون أجْمَعِهِ قال الله تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّن شَىءٍ إِلَّا يُسَرِحُ بِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] لما كان الحق عين الوجود لذلك اتصف بالإحاطة بالعالم، وإنما جعل الله الإحاطة بالوراء للحفظ الإلهي، وذلك لما جعل له عينين وجعلهما في وجهه الذي هو الإمام منه والجنبات، وكل ذلك كان الواقع المسمى عادة، ولم يكن للوراء سبب يقع به الحفظ لهذا المذكور فحفظه الله بذاته ولم يجعل له سبباً يحفظه به سواه، فحصلت نشأة الإنسان بين إمامه وإمام الحق، فما قابله كان شهادة ٢٨٥ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الرابع والخمسون وخمسمائة وما كان وراءه كان غيباً له، فهو من إمامه محفوظ بنفسه ومن خلفه محفوظ بربه، وليس وراء الله مرمى ولو لم يكن الحق من ورائهم محيطاً لأخذ الإنسان من ورائه، فأمن مما يحذره واعتمد على حفظه بما شاهده من إمامه، فحصل له الأمان من إمامه غيباً وشهادة، وحصل له الأمان من ورائه إيماناً، فإن أخذه الله من أي ناحية أخذه من مأمنه، وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة أخذها من ورائها، وإما الإحاطة العامة فهي الأخذ الكلي وهو قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِيطٌ بِالْكَفِينَ﴾ [البقرة: ١٩] من غير تقييد بجهة خاصة، لكن هو أخذ بتقييد صفة وهو الكفر وليس سوى الستر فأشبه الوراء لأنه لا يدركه الإنسان، فما رأينا أخذ الإحاطة يكون عن شهود أينما ورد، فإذا أخذ الله من أخذ من أوليائه لا يأخذه إلا من ورائه لئلا يفجأه فهو يأخذه برفق حتى لا يشعر، فإذا أحس بذلك أنس لما يجد فيه من اللذة لأنه لا عن مشاهدة تفنيه ولذلك أضرب بأداة بل عن الأول فقال: ﴿بَلْ هُوَ قُوَانٌ تَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] أي جمع شريف يعني ما هو عليه من الأسماء والنعوت ﴿فِى لَّوْج ◌َّحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] وهو أنت إشارة واعتباراً، وأنت لست منك في جهة وإن كانت الجهات فيك وما ثم سواك، فانتفى الوراء لهذا الإضراب ولم ينتفِ بوجه فإنه عينك وما بقي في الوجود سوى عين واحدة وهو أنت، فتنبه لما أومأنا إليه في هذا الإضراب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الرابع والخمسون وخمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿َلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ [آل عمران: ١٨٨] [نظم: البسيط] لا تَخْسبنَّ رجالاً يفرحون بما ويفرحون بحَمْدِ الخَلْقِ فیه وما وذاك هِجْيرُ خَتْمِ الأولياءِ ومن وهو الإمامُ الذي رَسَتْ قواعدُهُ تَعْنُو له أوْجُهُ الأملاك قاطبةً أَتَوْا وليس لهم فيما أَتَوْا قَدَمُ لهم من الفعل إلا الفَقْدُ والعَدَمُ يَكُنْ له مثل هذا الوَصْفِ يَتْعَدمُ الطَّيِّبُ الطاهرُ المحسانُ والعَلَمُ والخلقُ تَعْنُو له واللَّوْحُ والقَلَمُ اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أني التزمت هذا الذكر أيضاً سنين متعددة حتى كنت أسمى به في بلدي كما كنت أسمى أيضاً بغيره من الأذكار، ورأيت له بركات ظاهرة، فلا بقوله أتوا ولا بقوله بما لم يفعلوا فهو قوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَ اللَّهَ قَنَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] وقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىَّ﴾ [الأنفال: ١٧] فيجيء الإنسان بالفعل من كون الفعل ظهر فيه، فيحب أن يحمد بما فعل فيه والفعل ليس له، فله من الالتذاذ بذلك على قدر دعواه إلا أنه التذاذ موجع لكونه يعلم الأمر على خلاف دعواه كالمتكبر الجبار الذي لا يمكن له أن ينتزح عن ضروراته وافتقاره إلى أدنى الأسباب المريحة له من ألمه، فقوله: ﴿فَلاَ تَحْسَبَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨] يقول: لا تظن أنهم يلتذون بذلك إشارة ٢٨٦ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الخامس والخمسون وخمسمائة لا حقيقة ويستعذبونه بل لهم فيه استعذاب إن كانوا عارفين، فجمعوا في هذا الذوق بين العذاب والألم فهم من وجه في نعيم ومن وجه في ألم مؤلم كما قال بعضهم: [المجتث] سَلِيم طَرْفٍ سَقِيم فهَلْ سَمِعْتُمْ بصَبْ مُعَذَّبِ بنَعِيم مُنَعَّم بِعَذَابِ واعلم أن كل ذكر ينتج خلاف المفهوم الأوّل منه فإنه يدل على ما ينتجه على حال الذاكر كما شرطناه التفسير الكبير لنا إلا لكامل من الرجال، فإنه يعلم جميع ما ينتجه ذلك الذكر لعدم تقييده وخروجه عن تلك الصفات والأسماء التي تحت ولاية الاسم الله، فإن الكامل من الرجال بمنزلة الاسم الله من الأسماء وإن كان له الإطلاق فلا ينطق به إلا مقيداً بالحال أو اللفظ لا بد من ذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل: [المجتث] الباب الخامس والخمسون وخمسمائة في معرفة السبب الذي منعني أن أذكر فيه بقية الأقطاب من زماننا هذا إلى يوم القيامة [نظم: السريع] أو باطنٌ لا بُدَّ مِنْ كَوْنهِ لكُلِّ مَنْعِ سَبَبٌ ظاهرٌ ومانع يظهرُ من عَيْنِهِ فمانعٌ يظَهرُ من غيره وقد يكون المنعُ من بَيْنِهِ وقد يكون المَنْعُ من قُرْبِهِ تَجِدْ وُجُودَ الحَقِّ في صَوْنِهِ فمن وجود العقل عن فِكْرِهِ إِذْرَاكُهُ الزّينَةَ فِي شَيْنِهِ فَزِيئَةُ الإِنْسَانِ مِنْ نَفْسِهِ اعلم وفقنا الله وإياك أن الكتب الموضوعة لا تبرح إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وفي كل زمان لا بد من وقوف أهل ذلك الزمان عليها، ولا بد في كل زمان من وجود قطب عليه يكون مدار ذلك الزمان، فإذا سميناه وعيناه قد يكون أهل زمانه يعرفونه بالاسم والعين ولا يعرفون رتبته، فإن الولاية أخفاها الله في خلقه، وربما لا يكون عندهم في نفوسهم ذلك القطب بتلك المنزلة التي هو عليها في نفس الأمر، فإذا سمعوا في كتابي هذا بذكره أداهم إلى الوقوع فيه، فينزع الله نور الإيمان من قلوبهم كما قال رويم وأكون أنا السبب في مقت الله إياهم، فتركت ذلك شفقة مني على أمة محمد وّر، وما أنا في قلوب الناس ولا في نفس الأمر ولا عند نفسي بمنزلة الرسول يجب الإيمان بي عليهم وبما جئت به، ولا كلفني الله إظهار مثل هذا فأكون عاصياً بتركه، ولا هذه المسألة بمنزلة قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وبسط الرحمة على الكافة أولى من اختصاصها في حقنا، وقد فعل مثل هذا القشيري في رسالته حيث ذكر أولئك الرجال في أوّل الرسالة، وما ذكر فيهم الحلاج للخلاف الذي وقع فيه حتى لا تتطرق التهمة لمن وقع ذكره من الرجال ٢٨٧ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / السادس والخمسون وخمسمائة في رسالته، ثم إنه ساق عقيدته في التوحيد في صدر الرسالة ليزيل بذلك ما في نفس بعض الناس منه من سوء الطوية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السادس والخمسون وخمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿تَبَرَّكَ اَلَّذِى بِيَدِهِ اٌلْمُلْكَ﴾ [الملك: ١] وهو من أشياخنا درج سنة تسع وثمانين وخمسمائة رحمه الله [نظم: مخلع البسيط] بالكَشْف والحال والمَقَامِ تبارك الملك وللإمام في كل حال على الِدّوامِ وهو الذي لا يزال ملكاً في كونه أعيُنُ الأَنَامَ له الكمالُ الذي تراه يزيد قَدْراً على الثّمام له الكمال الذي تراه في عالم النُّور والظّلامُ مُرَتِباً للأمور كشفاً يشهدُ في الانتباه عيناً نسأله في الكلام وَخياً عَيْنَ الذي كان في المنام فجاد بالوحي في الكلام كان هذا الهجير والمقام لشيخنا أبي مدين، وكان يقول أبداً سورتي من القرآن: ﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] وهي مختصة بالإمام الواحد من الإمامين، ولها الزيادة دائماً في الدنيا والآخرة فإنها مختصة بالملك، والزيادة إنما تكون من الملك، فإذا تكررت تضاعف على الذاكر ما ينعم الله به على عبده، والناس على مراتب مختلفة، وتكون زياداتهم على حسب مراتبهم بما هم فيه، فمن كان من أهل المعاني كانت الزيادة من المعاني، ومن كان من أهل الحس كانت زيادته من المحسوسات، قد علم كل أناس مشربهم، فلو أعطى في المزيد خلاف ما تعطيه مرتبته لم يقم به رأساً فينسب إلى سوء الأدب، وإذا وافق رتبته وقع به الفرح منه والقبول وزاد في الشكر فتضاعف له المزيد، واعلم أن هذا الذاكر بهذا الذكر الخاص لا بد أن ينقدح له أن عينيه يد الحق الذي بها الملك، فيرى الحق يعطي به من لا يرى أنه يده، فيكون الحق مشكوراً عند المنعم عليهم من جهة هذا الذاكر، فيجني ثمرة نعيم كل منعم عليه فيشركهم في كل نعيم ينالونه من أي نوع كان من الأنعام، وهذا لا يكون إلا لمن كمل من رجال الله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السابع والخمسون وخمسمائة في معرفة ختم الأولياء على الإطلاق [نظم: الطويل] وليس له في العَالمِينَ عَدِيلُ ألا إنّ خَتْمَ الأولياء رَسُولُ وهذا مقامٌ ما إليه سَبِيلُ هو الرُّوحُ وابْنُ الرُّوحِ والأمّ مَرْيَمٍ ٢٨٨ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة وما كان من حُكْم له فيَزُولُ وليس له إلا الإله دليلٌ يراها برَأْي العين فهو كَفِيلُ يكون له منه لديه مَقِيلُ ولكنه في حالَتَيْهِ نَزيلُ فينزل فينا مُقْسطاً حَكَماً بنا فيقتلُ خنزيراً ويَدْمَغُ باطلاً يؤيِّدُهُ في كل حال بآية يقيم بأعلام الهُدَى شَرْعَ أحْمَدٍ يُفِيضُ عليه من وسيلةٍ مُلْكِهِ اعلم وفقنا الله وإياك أن الله تعالى من كرامة محمد # على ربه أن جعل من أمته رسلاً، ثم إنه اختص من الرسل من بعدت نسبته من البشر، فكان نصفه بشراً ونصفه الآخر روحاً مطهرة ملكاً لأن جبريل وهبه لمريم ﴿بَشَرًا سَوِيًا﴾ [مريم: ١٧] رفعه الله إليه ثم ينزله ولياً خاتم الأولياء في آخر الزمان يحكم بشرع محمد بَّر في أمته، وليس يختم إلا ولاية الرسل والأنبياء وختم الولاية المحمدي يختم ولاية الأولياء لتتميز المراتب بين ولاية الولي وولاية الرسل، فإذا نزل ولياً فإن خاتم الأولياء يكون ختماً لولاية عيسى من حيث ما هو من هذه الأمة حاكماً بشرع غيره، كما أن محمداً خاتم النبيين وإن نزل بعده عيسى كذلك حكم عيسى في ولايته بتقدمه بالزمان خاتم ولاية الأولياء وعيسى منهم، ورتبته قد ذكرناها في كتابنا المسمى عنقاء مغرب فيه ذكره وذكر المهدي الذي ذكره رسول الله وَلقر، فأغنى عن ذكره في هذا الكتاب ومنزلته لا خفاء بها، فإن عيسى كما قال: ﴿رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنَهَا إِلَى مَرْيَمَ وَدُوٌ مِنْهٌ﴾ [النساء: ١٧١] والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى السفر الأحد والثلاثون. بِسْمِ الَّهِ الرََّنِ الرَّحِمَةِ [السفر الثاني والثلاثون] الباب الثامن والخمسون وخمسمائة في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة وما يجوز أن يطلق عليه منها لفظاً وما لا يجوز [نظم: الطويل] أرى سُلَّمَ الأسماءِ يَعْلُو ويَسْفُلُ وتجري به ريحُ جَنُوبٍ وَشَمْأَلُ شقيقُ الهُدَى والأمرُ ما ليس يفصلُ فيا عجباً كيف السلامةُ والعَمَا وفي جنّة الفردوس يُسْدي ويُفْضِلُ ألم تَرَ أن الله في النار يَغْدِلُ وإن قلتَ هذا مؤمنٌ قلتَ مُفْضِلُ فإن قُلْتَ هذا كافرٌ قُلْتَ عادلٌ فهذا دليلٌ أنّ رَبِيَ واحدٌ يولْي الذي شاء الإلهُ ويَعْزِلُ ففي نفسه يقضي الأُمُورَ ويَفْصِلُ فأعيانُنا أسماؤه ليس غيرها قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ لَلْمُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] وليست سوى الحضرات الإلهية التي تطلبها وتعينها أحكام الممكنات، وليست أحكام الممكنات سوى الصور الظاهرة في الوجود الحق، فالحضرة الإلهية اسم الذات وصفات وأفعال، وإن شئت قلت صفة فعل وصفة ٢٨٩ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة تنزيه، وهذه الأفعال تكون عن الصفات والأفعال أسماء ولا بدّ، لكن منها ما أطلقها على نفسه، ومنها ما لم يطلق، لكن جاء بلفظ فعل مثل: ﴿وَمَڪَرَ اَللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] و﴿سَخِرَ اللّهُ﴾ [التوبة: ٧٩] و﴿وَأَكِدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] والله يستهزىء بهم الذي إذا بنيت من اللفظ اسم فاعل لم يمتنع، وكذلك الكنايات منها مثل: ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ اَلْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وهو تعالى الواقي، والنائب هنا السربال وشبه ذلك، ومنها الضمائر من المتكلم والغائب والمخاطب والعامّ مثل قول الله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ﴾ [فاطر: ١٥] فقد تسمى في هذه الآية بكل ما يفتقر إليه، فكل ما يفتقر إليه فهو اسم الله تعالى إذ لا فقر إلا إليه، وإن لم يطلق عليه لفظ من ذلك، فنحن إنما نعتبر المعاني التي تفيدنا العلوم، وأما التحجير ورفع التحجير في الإطلاق عليه سبحانه فذلك إلى الله، فما اقتصر عليه من الألفاظ في الإطلاق، اقتصرنا عليه، فإنا لا نسميه إلا بما سمى به نفسه، وما منع من ذلك منعناه أدباً مع الله، فإنما نحن به وله، فلنذكر في هذا الباب الحضرات الإلهية التي كنى الله عنها بالأسماء الحسنى حضرة حضرة، ولنقتصر منها على مائة حضرة، ثم نتبع ذلك بفصول مما يرجع كل فصل منها إلى هذا الباب، فمن ذلك الحضرة الإلهية وهي الاسم الله: [البسيط] آياتُه أَنَّهُ فِي كَوْنِهِ اللَّهُ الله الله الله الذي حَكَمَتْ سبحانَهُ جَلَّ أن يَخْظَى به أحدٌ من العباد فلا إله إلا هُو فيه وذلك قولُ القائل اللَّهُ اخْتُصَّ باسْمٍ فلم يَشْرَكُهُ من أحدٍ وهي الحضرة الجامعة للحضرات كلها، ولذلك ما عبد عابد لله إلا هي، وبذا حكم تعالى في قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] وقوله: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اَللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥]: [الطويل] فللَّه ما يَخْفَى ولله ما بَدَا نَعَمْ بل هو الله الذي ليس إلاّ هُو واعلم أنه لما كان في قوّة الاسم الله بالوضع الأوّل كل اسم إلهيّ بل كل اسم له أثر في الكون يكون عن مسماه ناب مناب كل اسم الله تعالى، فإذا قال قائل: يا الله فانظر في حالة القائل التي بعثته على هذا النداء، وانظر أي اسم إلهيّ يختص بتلك الحال، فذلك الاسم الخاص هو الذي يناديه هذا الداعي بقوله: يا الله لأن الاسم الله بالوضع الأوّل، إنما مسماه ذات الحق عينها التي بيدها ملكوت كل شيء، فلهذا ناب الاسم الدال عليها على الخصوص مناب كل اسم إلهي، ثم إن لهذا المسمى من حيث رجوع الأمر كله إليه اسم كل مسمى يفتقر إليه من معدن ونبات وحيوان وإنسان وفلك وملك وأمثال ذلك مما ينطلق عليه اسم مخلوق أو مبدع، فهو تعالى لمسمى بكل اسم المسمى في العالم مما له أثر في الكون، وما ثم إلا من له أثر في الكون، وأما تضمنه لأسماء التنزيه فمأخذ ذلك قريب جداً، وإن كان كل اسم إلهي بهذه المثابة من حيث دلالته على ذات الحق جل جلاله وعز في سلطانه، لكن لما كان ما عدا الاسم من الأسماء مع دلالته على ذات الحق يدل على معنى آخر من سلب أو إثبات بما فيه من الاشتقاق لم يقو في أحدية الدلالة على الذات قوّة هذا الاسم كالرحمن وغيره من الأسماء الفتوحات المکیة ج٧ - م١٩ ٢٩٠ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة الإلهية الحسنى، وإن كان قد ورد قوله تعالى آمراً نبيه وَ لّهِ: ﴿قَلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّأَ مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] فالضمير في له يعود على المدعو به تعالى، فإن المسمى الأصلي الزائد على الاشتقاق ليس إلا عيناً واحدة، ثم إن الله تعالى قد عصم هذا الاسم العلم أن يسمى به أحد غير ذات الحق جل جلاله، ولهذا قال الله عز وجل في معرض الحجة على من نسب الألوهة إلى غير هذا المسمى ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣] فبهت الذي قيل له ذلك فإنه لو سماه سماه بغير الاسم الله. وأما ما فيها من الجمعية فإن مدلولات الأسماء الزائدة على مفهوم الذات مختلفة كثيرة، وما بأيدينا اسم مخلص علم للذات سوى هذا الاسم الله، فالاسم الله يدل على الذات بحكم المطابقة كالأسماء الأعلام على مسمياتها، وثم أسماء تدل على تنزيه، وثم أسماء تدل على إثبات أعيان صفات وإن لم تقبل ذات الحق قيام الأعداد وهي الأسماء التي تعطي أعيان الصفات الثبوتية الذاتية، كالعالم والقادر والمريد والسميع والبصير والحيّ والمجيب والشكور وأمثال ذلك، وأسماء تعطي النعوت فلا يفهم منها في الإطلاق إلا النسب والإضافات كالأوّل والآخر والظاهر والباطن وأمثال ذلك. وأسماء تعطي الأفعال كالخالق والرازق والبارىء والمصوّر وأمثال ذلك من الأسماء، وانحصر الأمر وجميع الأسماء الإلهية بلغت ما بلغت لا بد أن ترجع إلى واحد من هذه الأقسام أو إلى أكثر من واحد مع ثبوت دلالة كل اسم منها على الذات لا بد من ذلك فهي حضرة تتضمن جميع الحضرات، فمن عرف الله عرف كل شيء، ولا يعرف الله من لا يعرف شيئاً واحداً أيّ مسمى كان من الممكنات، وحكم الواحد منها حكم الكل في الدلالة على العلم بالله من حيث ما هو إله للعالم خاصة . ثم إذا وقع لك الكشف بالعمل المشروع رأيت أنك ما علمته إلا به، فكان عين الدليل هو عين المدلول عليه بذلك الدليل والدال، وهذه الحضرة وإن كانت جامعة للحقائق كلها فأخص ما يختص بها من الأحوال الحيرة والعبادة والتنزيه، فأما التنزيه وهو رفعته عن التشبه بخلقه فهو يؤدي إلى الحيرة فيه. وكذلك العبادة، فأعطانا قوة الفكر لننظر بها فيما يعرفنا بأنفسنا وبه، فاقتضى حكم هذه القوّة أن لا مماثلة بيننا وبينه سبحانه وتعالى من وجه من الوجوه إلا استنادنا إليه في إيجاد أعياننا خاصة، وغاية ما أعطى التنزيه إثبات النسب له بكسر النون بنا لما نطلبه من لوازم وجود أعياننا وهي المسمى بالصفات. فإن قلنا: إن تلك النسب أمور زائدة على ذاته وإنها وجودية ولا كمال له إلا بها وإن لم تكن كان ناقصاً بالذات كاملاً بالزائد الوجودي. وإن قلنا ما هي هو ولا هي غيره كان خلفاً من الكلام وقولاً لا روح فيه يدل على نقص عقل قائله وقصوره في نظره أكثر من دلالته على تنزيهه. وإن قلت ما هي هو ولا وجود لها وإنما هي نسب والنسب أمور عدمية جعلنا العدم له أثر في الوجود، وتكثرت النسب لتكثر الأحكام التي أعطتها أعيان الممكنات، وإن لم نقل شيئاً من هذا كله عطلنا حكم هذه القوّة النظرية وإن قلنا إن الأمور كلها لا حقيقة لها وإنما هي أوهام وسفسطة لا تحوي على طائل ولا ثقة لأحد بشيء منها لا من طريق حسيّ ولا فكريّ عقليّ، فإن كان هذا القول ٢٩١ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة صحيحاً فقد علم، فما هذا الدليل الذي أوصلنا إليه؟ وإن لم يكن صحيحاً فبأيّ شيء علمنا أنه ليس بصحيح؟ فإذا عجز العقل عن الوصول إلى العلم بشيء من هذه الفصول رجعنا إلى الشرع، ولا نقبله إلا بالعقل، والشرع فرع عن أصل علمنا بالشارع، وبأيّ صفة وصل إلينا وجود هذا الشرع وقد عجزنا عن معرفة الأصل فنحن عن الفرع وثبوته أعجز، فإن تعامينا وقبلنا قوله إيماناً لأمر ضروري في نفوسنا لا نقدر على دفعه سمعناه ينسب إلى الله أموراً تقدح فيها الأدلة النظرية، وبأيّ شيء منها تمسكنا قابله الآخر، فإن تأولنا ما جاء به لنرده إلى النظر العقليّ فنكون قد عبدنا عقولنا وحملنا وجوده تعالى على وجودنا وهو لا يدرك بالقياس، فأدانا تنزيهنا إلهنا إلى الحيرة فإن الطرق كلها قد تشوّشت فصارت الحيرة مركز إليها ينتهي النظر العقلي والشرعي. وأما العبادة فمن حيث هي ذاتية فليست سوى افتقار الممكن إلى المرجح، وإنما أعني بالعبادة التكليف والتكليف لا يكون إلا لمن له الاقتدار على ما كلف به من الأفعال، أو مسك النفس في المنهيات عن ارتكابها، فمن وجه ننفي الأفعال عن المخلوق ونردها إلى المكلف والشيء لا يكلف نفسه، فلا بد من محل يقبل الخطاب ليصح، ومن وجه نثبت الأفعال للمخلوق بما تطلبه حكمة التكليف والنفي يقابل الإثبات، فرمانا هذا النظر في الحيرة كما رمانا التنزيه والحيرة لا تعطي شيئاً، فالنظر العقليّ يؤدي إلى الحيرة، والتجلي يؤدي إلى الحيرة، فما ثم إلا حائرة، وما ثم حاكم إلا الحيرة، وما ثم إلا الله كان بعضهم إذا تقابلت عنده هذه الأحكام في سرّه يقول: يا حيرة يا دهشة يا حرقاً لا يتقرى، وما هذا الحكم لحضرة أخرى غير هذه الحضرة الإلهية، الحضرة الربانية وهي الاسم الرب: [البسيط] والرب ثَبَّتَنَا لأنه الثَّابتْ الرّبُّ مالكنا والربّ مُصْلِحُنا ما كنت أدري بأني الكائنُ الفائت لولا وجودي وكَوْنُ الحَقّ أوْ جَدَني به لذلك أُدْعَى النَّاطِقَ الصَّامِتْ فالحَقّ أوجدني منه وأيَّدَني ولها خمسة أحكام: الثبوت على التلوين، والسلطان على أهل النزاع في الحق، والنظر في مصالح الممكنات، والعبودة التي لا تقبل العتق، وارتباط الحياة بالأسباب المعتادة. فأما الثبوت على التلوين فهو في قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] وقوله: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارُ﴾ [الشورى: ٤٤] فما من نفس في العالم إلا وفيه حكم التقليب، ألا ترى إلى الشمس التي هي علة الليل والنهار تجري لا مستقر لها ليلاً ولا نهاراً؟ ألا ترى إلى الكواكب ﴿كُلِّ فِى فَلَكِ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] ما قال يستقرّون في ثلاثمائة وستين درجة كل درجة بل كل دقيقة بل كل ثانية بل كل جزء لا يتجزأ من الفلك، إذا أنزل الله فيه أي كوكب كان من الكواكب يحدث الله عند نزوله في كل جوهر فرد من عالم الأركان ما لا يعرف ما هو إلا الله الذي أوجده ويحدث في الملأ الأوسط من الأرواح السماوية التي تحت مقعر فلك البروج من العلوم بما يستحقه الحق عز وجل من المحامد على ما وهبهم من المعارف الإلهية ﴿ كَلَ قَدْ عَلِمَ صَلَائَهُ وَتَسْبِحَةٌ﴾ [النور: ٤١] ﴿ وَلَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١] والذين في هذا الملأ هم أهل ٢٩٢ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة الجنان وفي عالم الأركان، وفي بعض هذا الملأ هم أهل النار الذين هم أهلها، ويحدث في الملأ الأعلى وهو ما فوق فلك البروج إلى معدن النفوس والعقول إلى العماء من العلوم التي تعطيها الأسماء الإلهية ما يؤديهم إلى الثناء على الله بما ينبغي له تعالى من حيث هم لا من حيث الأسماء، فإن الأسماء الإلهية أعظم إحاطة مما هم عليه، فإن تعلقها في تنفيذ الأحكام غير متناه . وأما السلطان الذي لهذه الحضرة على أهل النزاع في الحق فهو أن المقالات اختلفت في الله اختلافاً كثيراً من قوّة واحدة وهي الفكر في أشخاص كثيرين مختلفي الأمزجة والأمشاج والقوى، ليس لها من يمدّها إلا مزاجها الطبيعي، وحظ كل شخص على الطبيعة ما يعطيه من المزاج الذي هو عليه، فإذا أفرغت قوّتها فيه حصل له استعداد به يقبل نفخ الروح فيه فيظهر عن النفخ، وتسوية الجسم الطبيعي صورة نورية روحانية ممتزجة بين نور وظلمة، ظلمتها ظل ونورها ضوء، فظلها هو الذي مده الرب فهو ربانيّ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الِظِّلَ﴾ [الفرقان: ٤٥] ونورها ضوء لأن استنارة الجسم الطبيعيّ، إنما كان بنور الشمس، وقد ذكر الله أنه جعل الشمس ضياء وجعل القمر نوراً، فلهذا جعلنا نورها ضوءاً من أجل الوجه الخاص الذي أضاء كل موجود، أو من كون إفاضة الضوء على مرآة الجسم المسوّى، فظهر في الانعكاس ضوء الشمس كظهوره من القمر، فلذا سمينا الروح الجزئي نوراً لأنّ الله جعل القمر نوراً فهو نور بالجعل، كما كانت الشمس ضياء بالجعل، وهي بالذات نور والقمر بالذات محو، فللقمر الفناء وللشمس البقاء: [الوافر] وللشّمْسِ الإضاءةُ والبَقَاءُ فللقَمَرِ الفَنَاءُ بكلّ وَجْهٍ لنا منه البشاشةُ واللّقاءُ كما يَخْمِي من الشجر اللِّحاءُ له العَرْشُ المحيطُ له العَمَاءُ له حُكْمُ السَّنَا وله السّنـاءُ وإنْ يَغْلو بنا فلنا الثناءُ هو المختارُ يفعل ما يشاءُ وللوَجْهِ الجَمِيل بكلّ حُسْنٍ حَمَيْنَا حُسْنَهُ من كل عَيْنٍ نَزَلْنَا بالسماء على وجودٍ له الإقبالُ والإدبارُ فينا إذا يَدْنُو فمَجْلِسُهُ رَحِيبٌ له حُكْمُ الإرادة في وجودي ثم تبعث القوى الروحانية والحسية لخلق هذا الروح الجزئي المنفوخ بطريق التوحيد لأنه قال: ﴿وَنَفَخْتُ﴾ [الحجر: ٢٩] وأما روح عيسى فهو منفوخ بالجمع والكثرة، ففيه قوى جميع الأسماء والأرواح فإنه قال: ﴿فَنَفَخْنَا﴾ [التحريم: ١٢] بنون الجمع فإن جبريل عليه السلام وهبه لها ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] فتجلى في صورة إنسان كامل، فنفخ وهو نفخ الحق كما قال على لسان عبده: سمع الله لمن حمده، فلما تبعته هذه القوى كان منها القوّة المفكرة أعطيت للإنسان لينظر بها في الآيات في الآفاق وفي نفسه ليتبين له بذلك أنه الحق، واختلفت الأمزجة فلا بد أن يختلف القبول، فلا بد أن يكون التفاضل في التفكر، فلا بد أن يعطي النظر في كل عقل خلاف ما يعطي الآخر حتى يتميز في أمر ويشترك مع غيره في أمر، فهذا سبب ٢٩٣ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة اختلاف المقالات، فيحكم الرب بين أصحاب هذه المقالات بما يجيء به الشرع المنزل فتبقى العقول واقفة في أدلتها، ورجع اختلاف نظرها في المواد الشرعية بعدما كانت أوّلاً ناظرة بالنظر العقليّ وذلك ليس إلا للمؤمنين والمؤمنات خاصة، فالواقفون مع حكم الرب في ذلك بين المتنازعين هم المؤمنون ولهم عين الفهم، فاختلفوا مع الاتفاق فاختلافهم في المفهوم من هذا الذي حكم به الرب في حق الحق، وهذا هو الحق الذي نصبه الشرع للعباد وبما سمى به نفسه نسميه وبما وصف به ذاته نصفه لا نزيد على ما أوصل إلينا ولا نخترع له اسماً من عندنا . وأما نزاع غير المؤمنين في اختلاف عقائدهم فيكون الشارع واحداً منهم في كونه نزع في الحق منزعاً لم ينزعوه لكونهم غير مؤمنين، فالحاكم بينهما أعني بين الشرع والعقلاء غير المؤمنين إنما هو الله بصور التجلي به يقع الفيصل بينهما ولكن في الدار الآخرة لا هنا، فإن في الدار الآخرة يظهر حكم الجبر فلا يبقى منازع هناك أصلاً. ويكون الملك هناك لله الواحد القهار، وتذهب الدعاوى من أربابها، وتبقى المؤمنون هنالك سادات الموقف على كل من في الموقف . وأمّا النظر في مصالح الممكنات الذي لهذه الحضرة فاعلم أن الممكنات إذا نظرتها من حيث ذاتها لم يتعين لقبولها من الأطراف طرف تكوّن به أولى، فيكون الرب ينظر بالأولوية في وجودها وعدمها وتقدّمها فى الوجود وتأخرها ومكانها ومكانتها، ويناسب بينها وبين أزمنتها وأمكنتها وأحوالها، فيعمد إلى الأصلح في حقها فيبرز ذلك الممكن فيه لأنه لا يبرزه إلا ليسبحه ويعرفه بالمعرفة التي تليق به مما في وسعه أن يقبلها ليس غير ذلك، فلهذا ترى بعض الممكنات يتقدم على بعض ويتأخر ويعلو ويسفل ويتلوّن في أحوال ومراتب مختلفة من ولاية وعزل وصناعة وتجارة وحركة وسكون واجتماع وافتراق وما أشبه ذلك، وهو تقليب ممكنات في ممكنات في غير ذلك ما تتقلب. وأمّا العبودة التي لا تقبل العتق فهي العبودة لله فإن العبودة على ثلاثة أقسام: عبودة لله، وعبودة للخلق، وعبودة للحال وهي العبودية فهو منسوب إلى نفسه، ولا يقبل العتق من هذه الثلاثة إلا عبودة الخلق وهي على قسمين: عبودة في حريّة وهي عبوديتهم للأسباب فهم عبيد الأسباب وإن كانوا أحراراً، وعبودية الملك وهي العبودية المعروفة في العموم التي يدخلها البيع والشراء فيدخلها العتق فيخرجه عن ملك المخلوق، وبقيت الحيرة في ملك الأسباب هل يخرج من استرقاق الأسباب أم لا؟ فمن يرى أن الأسباب حاكمة عليه ولا بد ومن المحال الخروج عنها إلا بالوهم لا في نفس الأمر قال ما يصح العتق من رق الأسباب ومن قال بالوجه الخاص وهو الذي لا اشتراك فيه قال بالعتق من رق الأسباب وعتقه معرفته بذلك الوجه الخاص، فإذا عرفه خرج عن رق الأسباب وأما عبودة الله وعبودة العبودية وهي عبودة الحال فلا يصح العتق فيها جملة واحدة. وأما ارتباط الحياة بالأسباب المعتادة فأظهر ما يكون فيما يقع به الغذاء لكل متغذٍ من الغذاء المعنوي والمحسوس، فالغذاء المحسوس معلوم والغذاء المعنوي ما تتغذى به ٢٩٤ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة العقول، وكل من حياته بالعلم كان ما كان وعلى أيّ طريق كان، فكم من علم يحصل للعالم به من طريق الابتلاء وذلك لإقامة الحجة فيمن من شأنه الطلب وهو سارٍ في جميع الموجودات، وقد بينا ذلك في عضو البطن من مواقع النجوم، ولولا التطويل بينا في هذه الحضرة ما يتعلق من الأسرار بها فلا ننبه من كل حضرة إلا على طرف منها، ولهذا الاسم الرب إضافات كثيرة تجتمع في الإضافة وتفترق بحسب ما يضاف إليه، فثمّ إضافة للعالمين ولكاف الخطاب من مفرد ﴿فَوَرَيِّكَ﴾ [مريم: ٦٨] ومثنى ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يَمُوسَى﴾ [طه: ٤٩] ومجموع ربكم، وإلى الآباء، وإلى ضمير الغائب ربه وربهم، وإلى السماء والسموات، وإلى الأرض، وإلى المشرق والمغرب، وإلى المشارق والمغارب، وإلى الناس، وإلى الفلق، وإلى ضمير المتكلم فلا تجده أبداً إلا مضافاً، فعلمك به من حيث من هو مضاف إليه فافهم، والكلام في هذه التفاصيل يطول، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. حضرة الرحموت الاسم الرحمن الرحيم [نظم: الوافر] لأَحْظَى بالجلال وبالجمالِ إلى الرَّحْمُن حِلْي وازتحَالي رؤوفاً يوم يدعوني نَزَالِ فإنّ الحَقَّ كان بنا رحيماً مبالغة في الرحمة الواجبة والامتنانية قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] ومن أسماء الله تعالى: الرحمن الرحيم وهو من الأسماء المركبة كـ (بعلبك)) و ((رام هرمز)) وإنما قبل هذا التركيب لما انقسمت رحمته بعباده إلى واجبة وامتنان، فبرحمة الامتنان ظهر العالم، وبها كان مآل أهل الشقاء إلى النعيم في الدار التي يعمرونها وابتداء الأعمال الموجبة لتحصيل الرحمة الواجبة وهي الرحمة التي قال الله فيها لنبيه وقتل على طريق الامتنان ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمّ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلََّّ رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] رحمة امتنان وبها رزق العالم كله فعمت، والرحمة الواجبة لها متعلق خاص بالنعت والصفات التي ذكرها الله في كتابه وهي رحمة داخلة في قوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ زَّحْمَةُ وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] فمنتهى علمه منتهى رحمته فيمن يقبل الرحمة، وكل ما سوى الله قابل لها بلا شك، ومن عموم رحمته ورحموته نفس الرحمن وإزالة الغضب عنه الذي لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، إن غضب بشهادة المبلغين عنه الإرسال عليهم الصلاة والسلام في الصحيح من النقل، وسميت هذه الحضرة باسم المبالغة لعمومها ودخول كل شيء فيها، فلما كان لها من التعلق بعدد الممكنات على أفراد كل ممكن وبعدد المناسبات الموجبة التركيب وهي لا تتناهى فرحمة الله غير متناهية، ومنها صدرت الممكنات، ومنها صدر الغضب الإلهيّ، ولما صدر عنها لم يرجع إليها لأنه صدر صدور فراق لتكون الرحمة خالصة محضة ولذلك تسابقا، فما تسابقا إلا عن تميز وانفراد، وجميع ما سوى الغضب الإلهيّ وجد من الرحمة في عين الرحمة فما خرج عنها: [مخلع البسيط] ٢٩٥ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة وكلُّ ما عندها مُعَدُّ فَرَحْمَةُ الله لا تُحَدُّ فإنه نحوها يُرَدُّ وكل من ضَلَّ عن هُدَاهَا وما لديها من بَعْدُ بُعدُ فالقربُ منها هو التداني فمالها في الوجود حَدُّ فلا تَقُلْ إنها تناهتْ بها تَمَيَّزَتْ عنه فَانْظُرْ فالرَّبُّ رَبِّ والعَبْدُ عَبْدُ ومن علم سبب وجود العالم ووصف الحق نفسه بأن أحب أن يعرف فخلق الخلق وتعرّف إليهم فعرفوه ولهذا سبح كل شيء بحمده علم من ذلك أوّل متعلق تعلقت به الرحمة، فالمحب مرحوم للوازم المحبة ورسومها. واعلم أن الحكم على الله أبداً بحسب الصورة التي يتجلى فيها، فما يصح لتلك الصورة من الصفة التي تقبلها، فإن الحق يوصف بها ويصف بها نفسه، وهذا في العموم إذا رأى الحق أحد في المنام في صورة أي صورة كانت حمل عليه ما تستلزمه تلك الصورة التي رآه فيها من الصفات وهذا ما لا ينكره أحد في النوم فمن رجال الله من يدرك تلك الصورة في حال اليقظة ولكن هي في الحضرة التي يراها فيها النائم لا غيرها، وهذه المرتبة يجتمع فيها الأنبياء عليهم السلام والأولياء رضي الله عنهم، وهنا يصح كون الرحمة وسعت كل شيء، وهذه الصورة الإلهية في هذا الحضرة من الأشياء، فلا بد أن تسعها رحمة الله إن عقلت والانتقام من رحمة المنتقم بنفسه في الخلق ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ عن مثل هذا ﴿ذُوَ انِقَاءٍ﴾ [آل عمران: ٤] ﴿وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اَللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصََّدِقِينَ﴾ [النور: ٩] ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ, وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] وإذا وفق الله عبده للتوبة فقد وفقه لما لله به فرح، فإن الله يفرح بتوبة عبده في الصحيح فذلك من رحمة الله، والأخبار النبوية في ذلك أكثر من أن تحصى كثرة. حضرة الملك والملكوت وهو الاسم الملك [نظم: الكامل] ملكاً على الأعداء حتى تَمْتَلِكْ إن المَلِيكَ هو الشَّديدُ فِكُنْ بِهِ فيما تريدُ تَكُنْ بِه ◌ِنِعْمَ المَلِكْ فإذا ملكتَ النَّفْسَ عن تصريفها وأيضاً: [الكامل] وله مليكاً في القيامة تَسْعَدْ إن المَلِيكَ هو الشَّدیدُ فِكُنْ بِهِ يوم القيامة في السعادة تُشْهَدْ لو لم يكن من مُلْكِهِ إلا الذي اعلم أن الملك والملكوت لهما الاسم الظاهر والباطن وهو عالم الغيب وعالم الشهادة، وعالم الخلق، وعالم الأمر، وهو الملك المقهور، فإن لم يكن مقهوراً تحت سلطان الملك فليس بملك، ومن كان باختيار ملكه لا باختيار نفسه في تصرّفه فيه فليس ذلك بملك ولا ملك، بل منزلة من هو بهذه المثابة في ملكه منزلة المتنفل في العبادة، فهو عبد اختيار لا عبد اضطرار، يعزل ملكه إذا شاء ويوليه إذا شاء، والملك المجبور المضطر ليس ٢٩٦ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة كذلك فهو تحت سلطان الملك، فإذا نفذ أمره في ظاهر ملكه وفي باطنه فذلك الملكوت، وإن اقتصر في النفوذ على الظاهر وليس له على الباطن سبيل فذلك الملك، وقد ظهرت هاتان الصفتان بوجود المؤمن والمنافق في اتباع الرسل صلوات الله عليهم، فمنهم من اتبعه في ظاهره وباطنه وهو المؤمن المسلم، ومنهم من اتبعه في ظاهره لا في باطنه وذلك المنافق، ومنهم من اتبعه في باطنه لا في ظاهره فذلك المؤمن العاصي، وما جعل الله للإنسان عينين إلا ليدرك بهما هاتين الصفتين عين حس وعين عقل بصيرة وبصر، لأنه لما خلق من كل زوجين اثنين خلق لإدراكهما عينين، ولما أضاف إلى نفسه الأعين بلفظ الجمع ليدل على الكثرة، فكل عين حافظة مدركة لأمر ما بأيّ وجه كان فهي عين الحق الذي له الحفظ والإدراك فذلك سبب الجمع فيها: [الكامل] فهُوَ الحَفِيظُ بِنَفْسِهِ وبِخَلْقِهِ وهو العَليمُ بمالَهُ مِنْ حَقُّهِ بل وصف نفسه تعالى بالمشيئة والاختيار أثبت بذلك عندنا شرعاً لا عقلاً أن له تصرّفاً في نفسه، وهذا حكم يحيله النظر العقلي بعين البصيرة على الله ويصححه الخبر الشرعي والعين البصري في اختلاف الصور عليه التي يتجلى فيها وبه ثبت ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُقْبِتٌ﴾ [الرعد: ٣٩] و﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقِ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] و﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاَضْطَفَى﴾ [الزمر: ٤]، ففي هذا كله وجه إلى أحدية متعلق الإرادة، ووجه إلى التصرّف في التعلق، والتصرّف في التعلق تصرّف في الإرادة، والإرادة إما ذاته على مذهب نفاة الزائد، وأما صفته على مذهب مثبتي الصفات زائدة، والصحيح في غير هذين القولين، وهو أن الإرادة ليست بأمر زائد على الذات ولا هي عين الذات، وإنما هي تعلق خاص للذات أثبته الممكن لإمكانه في القبول لأحد الأمرين على البدل لولا معقولية هذين الأمرين، ومعقولية القبول من الممكن ما ثبت للإرادة ولا للاختيار حكم ولا ظهر له في العبارات اسم، فمن حضر مع الحق في حضرة الملك والملكوت ولم يعرف العالم ولا ما هو ولا عرف نسبته من الحق ولا نسبة الحق منه فما حضر في هذه الحضرة بوجه من الوجوه ولا كان له حظ في الاسم الملك . حضرة التقديس وهو الاسم القدوس [نظم: الرجز] أعلامُها فينا يَكُنْ قُدُّوسًا مَنْ طَهَّرَ النَّفْسَ التي لا تَنْجَلي من كان في تصريفه إبليسا ويُرَدُّ مَلْكاً طاهراً ذا عِقَّةٍ [نظم : الوافر ] لأخظَى بالزكاة وبالطَّهُورِ إلى القُدُّوسِ أَعْمَلْتُ المطايا وبالأمر العليّ من الأمورِ وبالعَرْشِ المُحيط وساكنيه ٢٩٧ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة به أَخيَا له وبه نُشُوري فإن القُدْسَ ليس له نظيرٌ وصَدْرُ الحَقّ منّا في الصُّدُورِ وإنَّ الحَقَّ ليس به خفاءٌ سبوح قدوس مطهر من الأسماء النواقص والأسماء النواقص هي التي لا تتم إلا بصلة عائد، فإن من أسمائه سبحانه الذي وما في قوله: ﴿الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] وفي قوله: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْخَيَوَةَ﴾ [الملك: ٢] وأما ما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا﴾ [الشمس: ٥] في بعض وجوه ما في هذا الموضع فإن ما قد تكون هنا مصدرية، وقد تكون بمعنى الذي فتكون ناقصة فتكون هنا اسماً لله عز وجلّ. فاعلم أن الله لما خلق الأسباب وجعلها الظاهرة لعباده وفعل المسببات عندها وتخيل الناظرون أنها ما خلقت إلا بها، وهذا هو الذي أضل الخلق عن طريق الهدى والعلم وحجبهم عن الوجه الخاص الذي لله في كل كائن، فاعلم أن ذلك اللفظ المسمى اسماً ناقصاً وهو ما ومن والذي وأخوات هذه الأسماء إنما مسماها السبب الذي احتجب الله به عن خلقه في خلقه هذه المسببات فهو القدوس أي المطهر عن نسبة الأسماء النواقص إليه ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْغَيِزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦] فأنت بخير النظرين: إما أن يكون كشفك أن الحق هو الظاهر في مظاهر الممكنات فيكون التقديس للممكنات بوجود الحق وظهوره في أعيانها فتقدست به عما كان ينسب إليها من الإمكان والاحتمالات والتغييرات، فليس إلا أمر واحد وأعيان كثيرة كل عين في أحديتها لا تتغير عين لعين بل يظهر بعضها لبعض ويخفى بعضها عن بعض بحسب صورة الممكن، وإما أن يكون الحق عين المظهر ويكون الظاهر أحكام أعيان الممكنات الثابتة أزلاً التي لا يصح لها وجود، فيكون التقديس للحق لأجل ما ظهر من تغير أحكام الممكنات في عين الوجود الحق أي الحق مقدس قدوس عن تغيره في نفسه بتغير هذه الأحكام كما تقول في الزجاج المتلوّن بألوان شتى: إذا ضرب النور فيه وانبسط نور الشعاع مختلف الألوان لأحكام أعيان التلوّن في الزجاج ونحن نعلم أن النور ما انصبغ بشيء من تلك الألوان مع شهود الحس لتلوّن النور بألوان مختلفة، فتقدس ذلك النور في نفسه عن قبول التلوّن في ذاته، بل نشهد له بالبراءة في ذلك، ونعلم أنه لا يمكن أن ندركه إلا هكذا فكذلك، وإن نزهنا الحق عن قيام تغيير ما أعطته أحكام أعيان الممكنات فيه عن أن يقوم به تغيير في ذاته بل هو القدوس السبوح، ولكن لا يكون الأمر إلا هكذا في شهود العين لأن الأعيان الثابتة في أنفسها هذه صورتها، وكذلك روح القدوس تارة يتجلى في صورة دحية وغيره وتجلى وقد سد الأفق، وتجلى في صورة الدر وتنوّعت عليه الصور أو تنوّع في الصور، ونعلم أنه من حيث إنه روح القدس مطهر عن التغيير في ذاته ولكن هكذا ندركه، كما أنه إذا نزل بالآيات على من نزل من عباد الله والآيات متنوعة، فإن القرآن متنوّع ينطبع عند النازل عليه في قلبه بصورة ما نزل به عليه، فتغير على المنزل عليه الحال لتغيير الآيات والكلام من حيث ما هو كلام الله واحد لا يقبل التغيير والروح من حيث ما هو لا يقبل التغيير، فالكلام قدوس، والروح قدوس، والتغيير موجود فتنظر في مدلول الآيات فإذا كان مدلولها الممكنات فالتقديس للحق، وإذا كان مدلول ٢٩٨ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة الآية الحق فما هو من حيث عينه لأنه قدوس وإنما هو من حيث اسم ما إلهي من الأسماء، وهذه فائدة الدلالة . حضرة السلام الاسم الإلهي السلام [نظم: الكامل] كان السّلام له المقامُ الشامخُ لما تَسَمَّى بالسلام لخَلْقِهِ والعزُّ والمَجْدُ الثَّلِيدُ الباذخُ والحُكْمُ فيهم بالذي قد شاءه [نظم : الكامل] فينا ومن أسمائه نرجو السَّلامُ إن السَّلامَ تَحِيَّةٌ من رَبِّنا وله التَّقَدُمُ والتَّحَكُمُ والأَمَامْ ولنا التأخّرُ عن عُلُوْ مَقَامِهِ حارث عقولُ الواصلين من الأنَامُ لما تَسَمَّى بالسلام لخَلْقِهِ قال الله تعالى: ﴿لَمْ دَارُ السَّلَمِ﴾ [الأنعام: ١٢٧] وهي دار ﴿لَا يَمَتُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ [الحجر: ٤٨] فهم فيها سالمون. واعلم أن السلامة التي للعارف هي تنزيهه من دعوى الربوبية على الإطلاق إلا أن يظهر عليه نفحاتها عندما يكون شهوده كون الحق جميع قواه فيكون دعوى، فيكون سلامته عند ذلك من نفسه، وبها سمي السلام سلاماً لما أراد الصحابة رضي الله عنهم في التشهد أن يقولوا أو قالوا: السلام على الله تحية، فقال رسول الله اَله: ((لا تَقُولُوا السَّلامُ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ السَّلامُ» فإذا حضر العبد وهو عبد السلام مع الحق في هذه الحضرة وكان الحق مرآة له فلينظر ما يرى فيها من الصور، فإن رأى فيها صورة باطنة ومعاينة مشكلة بشكل ظاهره فعلم أنه رأى نفسه وما حصلت له درجة من يكون الحق جميع قواه، وإن رأى صورة غير مشكلة بشكل جسدي مع تعقله أن ثم أمراً ما هو عينه فتلك صورة حق، وأن العبد في ذلك الوقت قد تحقق بأن الحق قواه ليس هو، وإن كان العبد في هذا الشهود هو عين المرآة وكان الحق هو المتجلي فيها فلينظر العبد من كونه مرآة ما تجلى فيه، فإن تجلى فيه ما يقيد بشكله فالحكم للمرآة لا للحق فإن الرائي قد يتقيد بحقيقة شكل المرآة من طول وعرض واستدارة وانحناء وكبر وصغر فترد الرائي إليها ولها الحكم فيه، فيعلم بالتقييد المناسب لشكل المرآة أن الذي رآه قد تحوّل في شكل صورته في أنواع ما تعطيه حقيقته في تلك الحال، وإن رآه خارجاً عن شكل ذاته فيعلم أنه الحق الذي هو بكل شيء محيط، وبأي صورة ظهر فقد سلم من تأثير الصورة الأخرى فيه لأن حضرة السلام تعطي ذلك، ألا ترى الرجل الذي رأى الحق عند رؤية أبي يزيد فمات، وقد كان يرى الحق قبل رؤية الحق في رؤية أبي يزيد فلا يتأثر، فقد رأى الحق في غير صورة مرآته، ومثاله رؤية الشخص نفسه في مرآة فيها صورة مرآة أخرى وما في تلك المرآة الأخرى فيرى المرآة الأخرى في صورة مرآة نفسه ويرى الصورة التي في تلك المرآة الأخرى في صورة تلك المرآة الأخرى فبين الصورة ومرآة الرائي مرآة وسطى بينها وبين الصورة التي فيها، وقد بينا ونبهنا على هذا، ٢٩٩ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة ورغبنا في هذا المقام في رؤية الحق بالرؤية المحمدية في الصورة المحمدية فإنها أتم رؤية وأصدقها، وهذه الحضرة لمن لم يشرك بالله شيئاً ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ قَالُواْ سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] والجاهل من أشرك بالله خفياً كان الشرك أو جلياً، وذلك لأنهم يعرفون من أين خاطبهم الجاهلون وما حضرتهم، فلو أجابوهم لانتظموا معهم في سلك الجهالة، فإن كل إنسان ما يكلم إنساناً بأمر ما من الأمور ابتداء أو مجيباً حتى ينصبغ بصفة ذلك الأمر الذي يكلمه به كان ذلك ما كان، وكل ذلك من الحضرات الإلهية علم ذلك من علمه وجهله من جهله، فلم يتمكن لهؤلاء أن يزيدوا على قولهم سلاماً شيئاً، ولو راموا ذلك ما استطاعوا، وهذه الحضرة من أعظم الحضرات منها تقول الملائكة لأهل الجنة: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْثٌ﴾ [الرعد: ٢٤] ومنها شرعت التحية فينا بالسلام على التعريف والتنكير وفي الصلاة وفي غير الصلاة . واعلم أن الجاهل هو الذي يقول أو يعتقد ما يصوّره في نفسه، وما لذلك المصوّر اسم مفعول صورة في عينه زائدة على ما صوره هذا القائل والمعتقد في نفسه، فكل ما تطلبه في حضرة وجودية فلا تجده إلا في نفس الذي صوّره أو تلقاه عمن صوّره فذلك الجهل أعني تصويره، وذلك الجاهل أعني الذي صوّره، ومن كان من أهل هذه الحضرة السلامية فإنه عالم بالحضرات الوجودية وما تحوي عليه من الصور، فإذا لم يجد فيها صورة ما خاطبه بها هذا القائل علم أنه جاهل أو مقلد لجاهل فلا يزيده على قوله سلاماً شيئاً، وهذا مقام عزيز ما رأيت من أهله أحداً إلى الآن أعني أهل الذوق الذين لهم فيه شهود، وإن كنت رأيت من يصمت عند خطاب الجاهل، فما كل من يصمت عن خطاب الجاهل يصمت من هذه الحضرة وإن علم أن القائل من الجاهلين ولكن لا يقول سلاماً إلا صاحب هذه الحضرة فإن له اطلاعاً على وجود تلك الصورة في نفس القائل، ولا يرى لها صورة في غير محله أصلاً سواء كان ذلك القائل مقلداً أو قائلاً عن شبهة، وكل ما لا صورة له إلا في نفس قائله فإنها تذهب من الوجود بذهاب قوله أو ذهاب تذكر ما صوّره من ذلك، فإنه ما ثم حضرة وجودية تضبط عليه وجوده، وللحروف المنظومة الدالة عليه من المتكلم به أعني أعياناً ثابتة في حضرة الثبوت أعني في شيئية الثبوت في عين هذا القائل، وفي شيئية الوجود الخطابي أيضاً، ولكن مدلولها العدم، فلا بد من ذهاب الصورة من النفس وإن بقيت لها صورة في الخطاب كائنة من حيث ما تشكلت في الهواء ملكاً مسبحاً يعرف أمه وهو القائل ولا يعرف له أباً في حضرة من حضرات الوجود فيبقى غريباً ما له نسب يعرفه سوى الذي تكوّن فيه وهو هذا الجاهل القائل، وبهذا كان الصدق له الإعجاز في الكلام لأنه حق وجودي، بخلاف المزوّر في نفسه ما ليس هو فما له شيء يستند إليه فيظهر قصوره عن غيره، ولذلك نهينا أن نضرب لله الأمثال وهو يضرب الأمثال لأنه يعلم ونحن لا نعلم، فهو عز وجلّ يضرب لنا الأمثال بما له وجود في عينه، ونحن لسنا كذلك إلا بحكم المصادفة، فنضرب المثل إذا ضربناه بما له وجود في عينه وبما لا وجود له إلا في تصوّرنا فنطلب مستنداً فلا نجده فلا يبقى له عين فيزول لزواله ما ضرب له المثل لأنه لا يشبهه، كما يزول نور السراج من البيت إذا ذهب السراج منه، وقد ٣٠٠ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة رأينا جماعة من المنتمين إلى الله يتسعون في ضرب المثل من علماء الرسوم ومن أهل الأذواق، كما أنهم يتكلمون في ذات الحق بما يقع به التنزيه لها من كونها لو كانت كذا لزم أن تكون كذا فإذن ليست بكذا، والكلام في ذات الله عندنا محجور بقوله: ﴿ وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] من باب الإشارة، وإن كان له مدخل في التفسير أيضاً، ولا يقع في مثل هذا إلا جاهل بالأمر، وفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ما يقع به الاستغناء لو فهموه، وما رأينا أحداً ممن يدّعي فيه أنه من فحول العلماء من أي صنف كان من أصناف النظار إلا وقد تكلم في ذات الحق غير أهل الله من تحقق منهم بالله فإنهم تعرّضوا لشيء من ذلك لأنهم رأوه عين الوجود كما أشهدهم فهم يتكلمون عن شهود فلا يسلبون ولا ينفون ولا يشبهون، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. حضرة الأمان وهي للاسم المؤمن [نظم : الكامل] مُعْطي الأمَان المُؤْمِنُ الرَّبُّ الذي فهو العليمُ بحَقِّهِ ويحقّنا ولهذا الاسم أيضاً: [الوافر] ما زال يدعوه الوَرَى بالمُؤْمِنِ وبما له منا وما للمُمْكِنِ فقد حاز المَشَاهِدَ والمَوَاقِفْ إذا كان الأَمَانَ لكل خائِفْ على كتب وأشباه المَعَارِفْ وآتاه المُنَزَّهُ كُلَّ شيءٍ قُصُورٌ في الهبَاتِ وفي العَوَارِفْ لِأَثْبَتُّ الأمانَ لكل عَارفْ يريد السَّتْرَ في حَقّ المُكَاشَفْ فيصبحُ عارفاً لا يَغْتَرِيهِ ولولا غيرةُ الرحمن فينا ولكنّي سَتَرْتُ لكَوْنِ رَبِّي وهي لعبد المؤمن، فإن كل حضرة لها عبد، كما لها اسم إلهي، فأوّل حضرة تكلمنا فيها هي لعبد الله ويتلوها عبد ربه لا عبد الرب، فإنه ما أتى هذا الاسم في كلام الله إلا مضافاً، ثم عبد الرحمن ثم عبد الملك ثم عبد القدوس ثم عبد السلام ثم عبد المؤمن وله هذه الحضرة وتحققت بهذه العبودية بعد دخولي هذا الطريق بسنة أو سنتين تحققاً لم ينله في عملي أحد في زماني غيري، ولا ابتلي فيه أحد ما ابتليت فيه، فقطعته بحيث إنه ما فاتني منه شيء، وصفا لي الجوّ ولم يحل بيني وبين خبر السماء، وعصمني الله من التفكر في الله فلم أعرفه إلا من قوله وخبره وشهوده، وبقي فكري معطلاً في هذه الحضرة وشكرني فكري على ذلك وقال لي الفكر: الحمد لله الذي عصمني بك عن التصرّف والتعب فيما لا ينبغي لي أن أتصرّف فيه، فصرفته في الاعتبار وبايعني على أني لا أصرفه إلا في الشغل الذي خلق له متى صرفته فأجبته إلى ذلك فما قصرت في حق قواي كلها حيث ما تعدّيت بها ما خلقت له وحصل لها الأمان من جهتنا في ذلك فأرجو أنها تشكرني عند الله، وأعني القوى الروحانية التي خلق الله فينا .