النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الموفي خمسمائة
لَبِاَ لْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] فحقق وانظر تعثر والله الموفق، فحصلوا في نقيض دعواهم، فإن
الطاغي المرتفع طغى الماء إذا ارتفع، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا ◌َغَا ◌ٌلْمَآءُ حَمَلْتَكُمْ فِ الْجَارِيَةِ﴾
[الحاقة: ١١] فمن قال إني إله فقد جعل نفسه في غاية القرب، فأخبر الله أن جزاء هذا القائل
يكون غاية البعد عن سعادته إذا كان جزاؤه جهنم، فينزل إلى قعرها من طغى إلى الألوهة التي
لها الاستواء على العرش بالاسم الرحمن .
واعلم أنه ما في علمي أن أحداً يقع منه هذا القول وهو يجوع ويمرض ويغوط وأمثال
هذا إلا فرعون لما استخف قومه قال: ﴿يَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾
[القصص: ٣٨] ثم جعل ذلك ظناً بعد شك أو إثباتاً في قوله: ﴿لَّعَلِّ أَطَِّعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِ
لَأَفْظُّهُ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨] وأما القائلون بأن الله هو المسيح ابن مريم فما هم في
حكم هذا الذكر لأمرين: الأمر الواحد أنهم فرّقوا بين الناسوت واللاهوت والقائل بهذا الذكر
لا يفرّق، والأمر الثاني إنما يدل هذا الذكر على من قال عن نفسه ذلك لا من قيل عنه،
والذي ينتج هذا الذكر لصاحبه أحد أمرين أو كلاهما: الأمر الواحد أحدية هذا القائل في
الألوهة فيكون العالم كله عند صاحب هذا الذكر عين الحق فله أحدية الكثرة كما لغيره أحدية
كثرة الأسماء الإلهية، وتكون الكثرة في النسب والأحكام لا في العين والعالم كله عنده
عرض عرض لهذه العين من أعيان الممكنات الثابتة التي لا يصح لها وجود، والأمر الآخر أن
يكون قوله من دونه نزولاً عن المرتبة التي لله، وهذا مثل قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى
اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] فهو وإن كان أنزل منه في الرتبة فهو عنده أنه إله، فيكون هذا القائل إذا
كان صاحب هذا الذكر يرى أن تجلي الحق في الصور أنزل منه لو تجلى في كونه غنياً عن
العالمين، فلو صح هناك تجل لكان أكمل من تجليه في الصور فتعقل رتبة غناء عن العالم
بنفسه، وقد يكون هذا لمن يراه عين العالم فعلامته هويته فهو الدليل له عليه كقوله: أعوذ بك
منك، واستعاذ به منه إذ لا مقابل له غير ذاته فهو المعز المذل.
ثم هنا تنبيه إلهيّ حيث قرن هذا الحال بالقول لا بالعلم والحسبان، فإن قال: ما نظن
أنه قد علم أن الأمر كذا فتخيل أن قوله مطابق لعلمه وهذا يستحيل وقوعه من أحد علماً لعلمه
بذلته وافتقاره وقصوره في نفسه، فإذا قال مثل هذا وهو يعلم قصوره فيقولها بوجه لا يقع
عليه فيه مؤاخذة ويكون جزاؤه على هذا القول جهنم أي بعده في نفسه عما يقول به على
لسانه وهو خير جزاء لأنه علم ويكون ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِى اُلَِّينَ﴾ [يوسف: ٧٥] جزاء الظالم الذي
ورث الكتاب من المصطفين، فإن الله أطلق على بعض الورثة اسم الظالم مع كونه من أهل
الحق فيتخصص الظالم هنا كما تخصص في قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]
وهو ظلم خاص مع كونه نكرة، فهو نكرة عند السامع لا عند المتكلم به، ولهذا فسره
رسول الله ◌َ# بأنه الشرك خاصة، فمثل هذا الهجير يكون موجهاً فيما ينتج لأنه في وضعه
على ذلك، فيأخذ كل صاحب وجه منه بنصيب لأنه صالح لذلك، وكل آية في الهجيرات إنما
تؤخذ على انفرادها كما سطرت، وعند أهل التحقيق هذا المأخذ وإن كان عالي الأوج، فإن
٢٠٢
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الواحد وخمسمائة
مسمى الآية إذا لزمتها أمور من قبل أو بعد يظهر من قوّة الكلام أن الآية تطلب تلك اللوازم فلا
تكمل الآية إلا بها وهو نظر الكامل من الرجال، فمن ينظر في كلام الله على هذا النمط فإنه
يفوز بعلم كبير وخير كثير كما تقول في ﴿يَسْمِ اللَّهِ الرََِّ الرَّحَمَةِ﴾ إنها آية مستقلة
وتقول فيها في سورة النمل إنها جزء آية، فلا كمال لها في الآي إلا بزيادة، فاعلم أنه كما لكل
أجل كتاب كذلك لكل عمل جزاء والقول عمل فله جزاء أن الله عند لسان كل قائل، وليس
بعد الخواطر أسرع عملاً منه أعني من اللسان، فالقول أسرع الأعمال ولا يتولى حساب
صاحبه إلا أسرع الحاسبين لأن متولي الحساب على الأعمال من الأسماء الإلهية ما يناسب
ذلك العمل إن فهمت ﴿وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والله يقول الحق وهو يهدي
السبيل .
الباب الواحد وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿أَغَيْرَ اَللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠] وكان هذا هجير الشيخ أبي مدين
شيخنا رضي الله عنه
[نظم: الرمل]
أم بغير الله فُوهُ يَخْطُقُ
أفغَيْرَ الله يَدْعُو صادقٌ
ولذا في كل حال يَضدُقُ
بل به ينطقُ لا يعقبهُ
فهو الدَّاعي الذي لا يُلْحَقُ
ثم يَدْعُوه إذا يَدْعُو به
لجديد بعد هذا يخلقُ
أخلق الخالق ما يخلقه
قائم العَيْنِ به لا يخلقُ
ليت شِغري هل ترى من كائن
من فَناء كونه يحقّقُ
حَجَبَ الأمثال ما قام بها
قال الله تعالى: ﴿بَّ إِيَّهُ تَّدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾
[الأنعام: ٤١] أي تتركون الشرك، فأنتج هذا الذكر هذه الشهادة الإلهية وإذا كان الحاكم عين
الشاهد بقيت الحيرة في هل يحكم الحاكم بعلمه أم لا؟ فإن الشهادة علم، والحكم قد يكون
عن غلبة ظن وعن علم وموضع الشهادة بل إياه تدعون وتنسون ما تشركون وهو قوله: ﴿وَإِذَا
مَسَّكُمُ الْغُ فِ الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ ◌ِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] وقوله: ﴿أَمَّنْ يُحِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاءُ﴾
[النمل: ٦٢] فقد شهد على نفسه لنا في دار التكليف بتوحيده في المهمات، ولا يعرف الكريم
إلا المسيء ولا أكرم من الله، وقد نبه الله المسيء أن يقول بكرم الحق لكونه يحكم بالكرم في
حقه فقال: ﴿يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَِّكَ الْكَرِيرِ﴾ [الانفطار: ٦] هذا ليقول كرمك وما يعني
بالإنسان هنا إلا المسيء صاحب الكبيرة، فإنه لا يقاوم كبير كرمه إلا بأكبر الكبائر، فهناك
يظهر عموم الكرم الإلهي وقوّته، فهو وإن لم يغفر فلا بد من الكرم الإلهي في المآل، وإن لم
يخرج من النار لأنها موطنه، ومنها خلق حتى لو أخرج منها في المآل لتضرر فله فيها نعيم
٢٠٣
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الواحد وخمسمائة
مقيم لا يشعر به إلا العلماء بالله. فلما كشف الله غطاء الجهل والعما عمن كشفه أبصر أن
أحداً من الخلق ما دعا في حال شدته إلا الله، فلو لم يكن في علمه في حال الرخاء أن حل
الشدائد بيد الله خاصة وهذا هو التوحيد ما أظهره لك الاعتقاد عند الشدائد، فلم يزل المشرك
موحداً بشهادة الله في حال الرخاء والشدة، غير أن المشرك في حال الرخاء لا يظهر عليه علم
من أعلام التوحيد الذي هو معتقده، فإذا اضطر رجع إلى علمه بتوحيد خالقه لم يظهر عليه
علم من أعلام الشرك وكل ذلك في دار التكليف، وأكثر علماء الرسوم غائبون عن هذا الفضل
الإلهي والكرم، فيعطي هذا الذكر من العلم بكرم الله ما ليس عند أحد من خلق الله ممن ليس
له هذا الذكر والدؤوب عليه، ولم أسمع عن أحد تحقق به في زماني مثل الشيخ أبي مدين
ببجاية رحمه الله، وإذا اجتمع في دار التكليف في الشخص ظهور التوحيد في وقت وظهور
الشرك في وقت مع استصحاب التوحيد في الباطن مع وجوده في أصل الفطرة والرجوع إليه
في المآل في حال الاحتضار قبل الخروج من الدنيا فكان زمانه أكثر من زمان الشرك، فلو
قابلنا الأمر بالزمان بينهما لكان زمان التوحيد غالباً بالفطرة والاستصحاب في الباطن دائماً علماً
وعقداً، وكان ظهوره في وقت الشدائد بأزمانه أكثر من زمان الشرك، فلا يحجبنك حكم الدار
عن هذا الذي أومأنا إليه في هذا الهجير فإنه ينفعك، ولو قدرت أنه لا ينفعك فإنه لا يضرّك،
فقل به على كل حال واعتمد عليه ولاتك ممن يردّ شهادة الله حين شهد لهم بذلك عندك، وما
شهد عندك حتى جعلك حاكماً فأنزلك منزلته في الحكم وأنزل نفسه منزلتك في الشهادة، فإن
لم تحكم بما قرّرناه فقد رددت شهادة العدل ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّ اُلَّلَلُّ فَأَنَّ تُصْرَفُونَ﴾
[يونس: ٣٢] ﴿إِنَّ أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَِهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] ثم قوله: ﴿إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ﴾
[هود: ١٣] أي إن صدقتم ولا تكتمون ما تجدونه في نفوسكم من قولي إنكم ما تدعون في
الشدائد إلا الله الذي ما زالت قلوبكم منطوية عليه فهم بلا شك مصدقون لعلمهم فهل
يصدقون إذا سئلوا أم لا : [المتقارب]
فإني عليمٌ بما يقصدونْ
إلى ما يقولون إذ يَفْشُرُونْ
وعلمي بهم أنهم يَخْرصُونْ
إذا ما يقولونه يصدقون
ولو كنت أدري بهم أنهم
لقد كنت أُضغي إلى قولهم
فهم إذ يقولون ما في العَمَا
فقد حَرَّفُوا القَوْلَ فاستنصِروا
وقد يعلمون وقد يَجْهَلُونْ
فقد يَضدقون وقد يَكْذبونْ
فلا تُضغيَنَّ إلى قولهم
فكُنْ وَاحِدَ العَصْر لا تَلْتَفِتْ
فإني خبيرٌ بأقوالهم
فهم إذ يقولون ما يَشْعُرونْ
وفي العرش إلا الذي يَفْتَرُونْ
عليهم بهم إِنَّهُم يَنْصُرُونْ
ومتى لم يعلم الكاذب أنه كاذب فإنه غير مؤاخذ بكذبه، فإن أخذ فما يؤاخذ إلا بتفريطه
في تحصيل ما ينبغي له أن يحصله من العلم والعمل بما فيه نجاته وسعادته لا من جهة كذبه،
فلا يؤاخذ الكاذب إلا إذا كان عالماً بكذبه في المواطن التي كلف أن يصدق فيها وهو الجاحد
٢٠٤
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثاني وخمسمائة
إذا كان هناك من يطلب منه الإقرار في ذلك الأمر المطلوب منه مثل قوله تعالى في حق من
كان بهذه الصفة ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوّمْ﴾ [النمل: ١٤] وقد قررنا أنه إذا أخذ من
لا يعلم أنه كاذب إنما يؤخذ من حيث إنه فرط في اقتناء العلم الذي يطلعه على هذا الأمر
الذي كذب فيه من غير علم به أنه ليس بحق، ففرق بين مؤاخذة الكاذب ومتى هو كاذب،
وبين مؤاخذة المفرّط في اقتناء العلم الذي يعرّفه الصدق من الكذب والصادق من الكاذب،
فينزل كل شيء منزلته بصفته، وهذا عزيز في الناس قليل وجوده، والله يقول الحق وهو يهدي
السبيل. جعلنا الله وإياكم من العلماء العاملين على كل حال، ولا يحول بيننا وبين مقام
الصادقين والصديقين إنه المليُّ بذلك والقادر عليه آمين بعزته.
الباب الثاني وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَنْتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]
[نظم: الرمل]
والأمانات كذاكم لا تُخَانْ
لا تَخُونوا الله إن كنتم له
دون أمر جاهلاً ليس تُعانْ
لا تَكُنْ بالحمل إن حملتها
بأمان فالأمانات أمان
كل من حملها يحملها
ليس يدري ذاك إلا ذو عَيَانْ
ولها حَقٌّ على حاملها
في الكتاب الحقّ من قال فكانْ
فيُؤذّيها كما قال لنا
في يَرَاعٍ ولسان وجنانْ
ذاكُمُ اللَّهُ تَعالى جَدُّهُ
قال رسول الله وَّ موصياً: ((لاَ تَسْأَلُوا الإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ أُعِنْتَ
عَلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ سُؤَالٍ لَمْ تُعَنِ عَلَيْهَا)) فالخيانة ثلاث: أعني الذين يخانون خيانة الله
وخيانة الرسول وخيانة الأمانات، وما أيََّ الله في هذه الخيانات إلا بالمؤمنين، فإن كنت مؤمناً
فأنت المخاطب، فأما خيانة الله في أمانته وخيانة الرسول وخيانة الأمانات فأنا أذكرها إن شاء
الله تعالى، لما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ
يَحْمِلْنَهَا﴾ لأنها كانت عرضاً لا أمراً ﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنسَنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوْمًا جَهُولًا﴾
[الأحزاب: ٧٢] يريد ظلوماً لنفسه جهولاً بقدر ما حمل، قال لنا تعالى لما حملناها: ﴿﴿ إِنَّ
اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَذُواْ الْأَمَنَتِ إِلَ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وما حملها أحد من خلق الله إلا الإنسان، فلا
يخلو إما أن يحملها عرضاً أو جبراً، فإن حملها عرضاً فقد خاطر بنفسه، وإن حملها جبراً فإنه
مؤدّ لهاعلی کل حال ولا بد.
واعلم أنّ أهل الأمانات الذين أمرنا الله أن نؤدّيها إليهم ليس المعتبر من أعطاها ولا بد،
وإنما أهلها من تؤدّى إليه، فإن كان الذي أعطاها بنية أن تؤدى إليه في وقت آخر فهو أهلها من
حيث ما تؤدى إليه لا من حيث أنه أعطاها، وإن أعطاها هذا الأمين المؤتمن إلى من أعطاه
٢٠٥
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثاني وخمسمائة
إياها ليحملها إلى غيره فذلك الغير هو أهلها لا من أعطى فقد أعلمك بالأهلية فيها، فإن الحق
إنما هو لمن يستحقه فاعلم ذلك واعمل عليه.
واعلم بأن الله قد أعطاك أمانة أخرى لتردّها إليه، كما أعطاك أمانة لتوصلها إلى غيرك
لا تردّها إليه كالرسالة فإن الله يقول: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن زَّيٌْ وَإِن لَّمْ تَفْعَلَ فَا
بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] وقال: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ﴾ [المائدة: ٩٩] وأمّا ما يرد إليه عز
وجلّ من الأمانات فهو كل علم آمنك عليه من العلوم التي إذا ظهرت بها في العموم ضل به
من لا يسمعه منك بسمع الحق، فإذا حصل لك مثل هذا العلم ورأيت من كان الحق سمعه
وبصره وجميع قواه وليس له هذا العلم فأداه إليه فإنه ما يسمعه منك إلا بسمع الحق، فالحق
على الحقيقة هو الذي سمع فرددت الأمانة إليه تعالى وهو الذي أعطاكها، وحصلت لهذا
الشخص الذي الحق سمعه فائدة لم يكن يعلمها، ولكن حامل هذه الأمانة إن لم يكن عالماً
بأن هذا ممن يكون صفته أن يكون الحق سمعه وإلا فهو ممن خان الله وقد نهاه الله أن يخون
الله، وكذلك أيضاً من خيانة من أطلعه الله على العلم بأن العالم وجوده وجود الحق، ثم
تصرّف فيه بتعدي حد من حدود الله يعلم أنه متعدٍ فيه، فإن الله في هذا الحال هو عين الأمانة
في وجوده عند أهل الحجاب، سواء علم ذلك شرعاً أو عقلاً فققد خان الله في تصرّفه باعتقاده
التعدي، ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] ﴿ وَحَلَهَا الْإِنسَنِّ إِنَّهُ كَنَ ظَلُوْمًا
جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. وكذلك من خان الله في أهل الله فقد خان الله، وكل أمر بيدك أمرك
الله فيه أن تردّه إليه فلم تفعل فذلك من خيانة الله والله يقول: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ﴾.
[هود: ١٢٣] وأما خيانة من خان رسول الله وَّل فهي فيما أعطاك الله من الآداب أن تعامل به
رسول الله ﴾ وهذه المعاملة هي عين أدائها إليه وي طهر، فإذا لم تتأدب معه فما أدّت أمانته إليه
فقد خنت رسول الله ◌َّه فيما أمنك الله عليه من ذلك، ومن خيانتك رسول الله مص له ما سألك
فيه من المودة في قرابته وأهل بيته فإنه وأهل بيته على السواء في مودتنا فيهم، فمن كره أهل
بيته فقد كرهه، فإنه ◌َل# واحد من أهل البيت، ولا يتبعض حب أهل البيت، فإن الحب
ما تعلق إلاَّ بالأهل لا بواحد بعينه، فاجعل بالك واعرف قدر أهل البيت، فمن خان أهل
البيت فقد خان رسول الله وَّالر، ومن خان ما سنه رسول الله وَلاَ فقد خانه وَلّ في سنته.
ولقد أخبرني الثقة عندي بمكة قال: كنت أكره ما تفعله الشرفاء بمكة في الناس فرأيت في
النوم فاطمة بنت رسول الله وَّر وهي معرضة عني فسلمت عليها وسألتها عن إعراضها
فقالت: إنك تقع في الشرفاء، فقلت لها: يا ستي ألاترين إلى ما يفعلون في الناس؟ فقالت:
أليس هم بنيّ؟ فقلت لها من الآن وتبت فأقبلت عليّ، واستيقظت: [الوافر]
فأهل البيت هم أهلُ السِّيادَة
فلا تَعْدِلْ بأهل البيت خَلْقاً
فبُغْضُهُمُ من الإنسان خُسْرٌ
حقيقيٍّ وحُبُّهُمُ عبادَهُ
ومن خيانتك رسول الله ◌َ﴿ المفاضلة بين الأنبياء والرسل سلام الله عليهم، مع علمنا
بأن الله فضل بعضهم على بعض كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِنَ عَلَى بَعْضٍّ﴾
٢٠٦
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثالث وخمسمائة
[الإسراء: ٥٥] وقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٣] فله سبحانه أن يفضل بين
عباده بما شاء وليس لنا ذلك فإنا لا نعلم ذلك إلا بإعلامه، فإن ذلك راجع إلى ما في نفس
الحق سبحانه منهم، ولا يعلم أحد ما في نفس الحق كما قال عيسى عليه السلام: ﴿تَعْلَمُ مَا
فِى نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] ولا دخول هنا للمراتب
الظاهرة والتحكم، وقد نهى رسول الله ◌َ و أن نفضل بين الأنبياء وأن نفضله وَّر عليهم إلا
بإعلامه أيضاً، وعين يونس عليه السلام وغيره، فمن فضل من غير إعلام الله فقد خان
رسول الله وَ له وتعدى ما حده له رسول الله وَ ل. وأما خيانة الأمانات فيتناولها قوله وَليه :
((لا تُعْطُوا الحِكْمَةَ غَيْرَ أَهْلِهَا فَتَظْلِمُوهَا وَلا تَمْتَعُوهَا أَهْلَهَا فَتَظْلِمُوهُمْ)) والخيانة ظلم، فالحكمة
أمانة وخيانتها أن تعطيها غير أهلها وأنت تعلم أنه غير أهلها، فرفع الله الحرج عمن لا يعلم،
إلا أنه أمره بأن يتعرض لتحصيل العلم بالأمور فلا عذر له في التخلف عن ذلك، فمن خان
فيه قبل حصول العلم وهو متعلم في حصول العلم ودعاه الوقت إلى ذلك التصريف الخاص
المسمى خيانة فإنه غير مؤاخذ بتلك الخيانة ولا بالتفريط، فإنه في حال التعمل لتحصيل العلم
والوقت حكم بما وقع به التصرف، فمن كان له هذا الذكر فإنه تحصل له به العصمة من
الخيانة ويطلعه على العلم بالأهلية في كل أمانة بعناية هذا الذكر، والله يقول الحق وهو يهدي
السبيل : [البسيط]
إلا أنا والذي في الشرع تَتَّبعُه
إنّي خُصِصْتُ بسرِّ ليس يعلمُهُ
بالله نَتْبَعُهُ فيما يُشَرّعُه
هو النبيُّ رسولُ اللهِ خَيْرُ فَتَّى
الباب الثالث وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَّفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةُ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]
[نظم: البسيط]
وكيف يُعْلَمُ من بالعلم نَجْهَلُهُ
الله يعلمُ أنّي لست أعلمه
نَعْتُ بحقّ ولا خلق يفصِّلُهُ
إني علمتُ وجوداً لا يُقَيِّدُهُ
دليلُ حَقّ على علم نُحَصِّلُهُ
علمي به حَيْرَتي فيه فليس لنا
في الحالتين وبالإيمان نقبلُهُ
فليس إلا الذي جاء الرسولُ به
وقتاً يُنَزَّهُهُ وقتاً يُمَثِّلُهُ
فإن تَفَكّزْتَ في القرآن تُبْصِرُهُ
قال الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣] هذا الذكر عليّ المشهد والمحتد، فإن
الله ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه، ما علل بغير هذا خالق العالم، وما نعلم أحداً أخذ
عبادة الخلق لنفسه أو لغير الله حتى يخلصها منه، وقد علمنا صدق قوله في طلبه الإخلاص
في العبادة فعلمنا أنه لا بد، ثم من نسبة فيها، إلى غير الله فلم نجد إلا نحن، فنحن أصحاب
الدعاوى فيما هو الله لأنه ما من شيء إلا وهو ساجد لله والسجود عبادة إلا نحن ولذلك قال:
٢٠٧
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثالث وخمسمائة
﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨] ولم يعم كما عم في كل من ذكر من الأنواع، ألا تراه تعالى
ما أرسل رسولاً إلا بلسان قومه، فالرسالة لله والأداء للرسول عليه السلام بلسان القوم:
[الرمل]
في وجودي وعلى مَنْ ينزلُ
علم القرآن كيف ينزل
في قلوب كلهن منزلُ
إنما ينزله الذكريه
ليس في القرآن شيء يفضلُ
ولكلّ منهُمُ قِسْمَتُهُ
ثم الله المقام الأجزَلُ
فلنا منه المقامُ الأسهلُ
وله الحكم العظيم الفَيْصَلُ
وهو قول الله واللفظُ لنا
ولكن الله قد أبان لنا أن هوية الحق سمع العبد وبصره وجميع قواه، والعبد ما هو إلا
بقواه فما هو إلا بالحق، فظاهره صورة خلقية محدودة، وباطنه هوية الحق غير محدودة
للصورة، فهو من حيث الصورة من جملة من يسبح بحمده، وهو من حیث باطنه كما ذكرنا،
فالحق يسبح نفسه، وأعطى المجموع معنى دقيقاً غامضاً لم يعطه كل واحد على الانفراد به،
وأضيف إلى الصورة ما أضيف من موافقة ومخالفة وطاعة ومعصية، وبه قيل: إنه مكلف وبه
صحت القسمة في الصلاة بينه وبين الله فيقول العبد كذا فيقول الله كذا ولا يكون عبداً إلا
بالمجموع، فانظر ما حصل للحق من النعت لما وصف نفسه بأنه قوى العبد فما كان عبداً إلا
به، كما لم يكن الحق قواه إلا به لأن اسم العبد ما انطلق إلا على المجموع، وقد أعلمنا الله
من هو المجموع، فيقول العبد: الحمد لله رب العالمين، والحق لسانه والحق سمعه، فمن
قال: الحمد لله ومن سمع قوله: الحمد لله فيقول الله: أثنى عليّ عبدي، ولكن بغير هذا
اللسان القائل بل بهوية الحق مجردة عن الإضافة بهذا العبد في حال إضافتها إليه، فلم يقل
بالمجموع أثنى عليّ عبدي وما أثنى عليه إلا بكلامه فإن الحمد لله رب العالمين كلام الله،
فبالمعنى المعلوم كانت العبارة عنه أثنيت على نفسي بصورة عبدي حكى عبدي عني من حيث
صورته الظاهرة ما أثنيت به على نفسي، كما ذكر لنا في غير هذا الموضع أن الله قال على
لسان عبده سمع الله لمن حمده، وقال لنبيه وَلّ: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وما
سمع إلا صوت المؤدي وهو الرسول، ونحن نعلم أن كلام العالم كله ليس إلا كلامه، فإن
العالم كله إنسان كبير كامل، فحكمه حكم الإنسان، وهوية الحق باطن الإنسان وقواه التي
كان بها عبداً، فهوية الحق قوى العالم التي كان بها إنساناً كبيراً عبداً مسبحاً ربه تعالى:
[الطويل]
سَوَاء علينا نَثْرُهُ ونِظَامُهُ
ألا كُلُّ قَوْلٍ في الوجود كلامُهُ
فمنه إليه بَدْؤُهُ وخِتَامُهُ
يعم به أسماع كل مكوّن
فمندرجٌ في الجهر منه اكْتِتَامُهُ
فما فيه من ضوء فذاك ظَلامُهُ
وقد ملأ الجَوّ الفَسِيحَ غَمَامُهُ
ولا سامع غير الذي كان قائلاً
فتستره ألفاظنا بحروفها
فما ظَنُّكُمْ بالثّور منه إذا بدا
٢٠٨
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الرابع وخمسمائة
لأنه القائل أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام. ولما كان الأمر على ما ذكرناه في نفسه
طلب منا أن نخلص العبادة له لأن بالعبادة نكون عبيداً، وما نكون عبيداً إلا بهويته فنخلص
العبودية، وتخليصها أن نقول له: أنت هو بأنانيتك، وأنت هو في أنانيتي، فما ثم إلا أنت
فأنت المسمى رباً وعبداً إن لم يكن الأمر كذا فما أخلصنا له عبادة، فما طلب الإخلاص فيها
إلا من المجموع، ولا يصح لها وجود ولا نسبة إلا بالمجموع لأنه بالانفراد غنيّ عن
العالمين، وبالمجموع قال: ﴿وَأَفْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المزمل: ٢٠] فقيده بالإحسان وفسر لنا
ما هو الإحسان، وما فسره إلا بشهود المحدود المنصوب في القبلة، فمعرفة الله بلسان
الشارع المترجم عن الله غير معرفته بالنظر العقليّ، فالمعرفة بالله طريقان وأعني العلم بالله
منا، وإن شئت قلت ثلاث طرق: الطريق الواحد علمنا به تعالى من حيث نظرنا الفكريّ،
وعلمنا به من حيث خطابه الشرعيّ، وعلمنا به من حيث المجموع، وإنا نعلم أنا لا نعلمه كما
يعلم نفسه، فهذا حصر المعرفة الحادثة بالله تعالى: [الكامل]
والحَقُّ غَيْرُ العَبْدِ لَسْتَ تَراهُ
فالحَقُّ عَيْنُ العَبْد ليس سواهُ
لا تُفْردَنْهُ فِتَسْتَبِيحَ حِمَاهُ
فانْظُز إليه به على مجموعه
الله منك عبادة تلقاه
هذا هو الحقّ الصريح فأخلصوا
أي تلقاه تلك العبادة، وإن شئت قلت لله منه عبادة تلقاه فإنك ما أخذتها إلا به فمنه
تخلصها له وأنت محل الظهور، فالصورة لك والعين هويته، كما قررنا في غير موضع أن
الصور المعبر عنها بالعالم أحكام أعيان الممكنات في وجود الحق ولهذا يقال: إن العالم
ما استفاد الوجود إلا من الحق وهو الحدوث، وهذا القدر كافٍ في تخليص العبادة لله فيكون
الحق العابد من وجه المعبود من وجه بنسبتين مختلفتين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الرابع وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ [الأنعام: ٩١]
إلى هنا كان هجير شيخنا أبي مدين رحمه الله، وزاد بعضهم قوله تعالى: ﴿فِي
خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]
[نظم: المتقارب]
وإيَّاه في رَفْعِه أَرْغَبُ
إلى الله من كَوْنِنَا المَهْرَبُ
فليس لنا غيرُهُ مَذْهَبُ
ذَرِ الكُلَّ في خَوْضِهِ يلعبُ
وفيه الورى كله يرغبُ
فإنك إن جِئْتهُ تقربُ
من الله فِزْتُ بما أطلبُ
ولما رأيت الذي يعجبُ
اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن هذا الباب قريب من الذي قبله، فإن الله وصف نفسه
بالتعجب والضحك والفرح والتبشيش، وأشباه هذه الصفات الخلقية، ووصف نفسه بـ:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] يعني فيها ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِننَّ اللَّهَ رَىَّ﴾
٢٠٩
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الرابع وخمسمائة
[الأنفال: ١٧] فخلصنا له منه أمرنا الحق أن نقول الله ثم نذرهم أي نترك ضميرهم، وهو
ضميرهم ضمير الجمع لا هو الذي هو ضمير الأفراد، فإنا للفرد نخلص العبادة من الجمع،
فإن الجمع أظهر القسمة بين الله وبين عبده في العبادة وهي لله لا للمكلف من حيث صورته،
وإن كانت له من حيث جمعيته بالله فهنا رسخت قدم الشيخ أبي مدين رضي الله عنه ولم يتعد
وغيره يتمم الآية فقال: ﴿فِ خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] فوقف أبو مدين رضي الله عنه مع
قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيّ ءَايَئِنَا﴾ وكل ما في العالم آياته فإنها دلائل عليه ﴿فَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾
[الأنعام: ٦٨] فامتثل أمر الله فأعرض ووقف غيره مع أمره أن يتركهم في خوضهم يلعبون فامتثلنا
أمر الله وتركناهم فكشف الغطاء عن أبصارنا فعلمنا على الشهود من الخائض اللاعب، وما هو
هذا الجمع الذي أظهره ضمير لفظة هم في قوله: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]
وقد تقدم أنه ماثم أثر إلا للأسماء الإلهية، فثبت الجمع الله بأسمائه وثبت التوحيد بهويته :
[المتقارب]
سوى الحَقِّ فاشْهَدْ وَذَرْ من أَمَرْ
فما ثَمَّ جَمْعْ ولا واحدٌ
كما قال في خَوْضِه لاعباً
فما ثَمَّ فيما ترى لاعبٌ
فتُبْصرُهُ وهو يَلْهُو بها
هي الصَّوْلجان ومَيْدانُها
تجولُ الخيولُ بمَيْدانها
وهم في الرُّكُوب على ظهرها
لحُكْم القضاء وحُكُم القَدَرْ
سوى من يُصَرِّفُ هذي الصُّوَزْ
كما شاءه حين يُقْضَى الوَطَز
وجودي لتصريف هذي الكَوَز
مراكب أرواحها في البَشَرْ
وإن سَلِمُوا فوق مَثْنِ الخَطَز
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَثَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] فهو القاتل وإن لم يرد هذا الاسم ﴿وَمَا
رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَ﴾ [الأنفال: ١٧] فهو الرامي بالصورة المحمدية وإن لم يرد هذا
الاسم ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِيلٍ﴾ [الفيل: ٤] في صورة طير وإن لم يرد سرابيل تقيكم الحر
وهو الواقي وإن لم يرد والسرابيل اسم: [المتقارب]
لتعلم من ذلك الخائض
فهذا من الخَوْض فاغْلَمْ به
وكُنْ ناقضاً فهو الناقِضْ
وَأَبْرِمْ وما أنت أبْرَمْتَهُ
وقل للذي يَجْبُنُ انْهَضْ به
فتحمد نهوضك يا ناهض
هو القاتلُ الفارسُ الفارضْ
فلم تقتلوهم ولكنه
ليس مسمى اللعب باللعب على طريق الذم فإن اللعب مفرحة النفوس، إلا أن الحق
جعل لهذا اللعب مواطن، فإذا تعدى العبد بلعبه تلك المواطن تعلق به الذم لا من كونه لعباً
بل من كونه في ذلك الموطن، ثم لتعلم أن الأمور تختلف بالقصد وإن اجتمعت في الصورة،
وقد بينا هذا المعنى فيما جبل عليه الإنسان في أصل خلقه من البخل والجبن والحرص والشره
وهي في العامة خلق مذمومة عرفاً، فبين الحق لها مصارف تحمد فيه، فلولا أنها قابلة للحمد
بالذات ما حمدت في المصارف الإلهية التي عين لها الحق واللعب منها، وقد أمرنا الحق أن
الفتوحات المكية ج ٧ - م١٤
٢١٠
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الخامس وخمسمائة
نذر الخائض يلعب في خوضه وقد أمرنا بالنصح وتغيير المنكر بالمعروف وهو أن نبين وجه
المعروف في المنكر فنزيل عنه اسم المنكر كما هو في نفس الأمر معروف فإنه ما في الوجود
من يقع عليه نعت النكرة فإن كل شخص قد عينته شخصيته فأين المنكور: [الكامل]
فالقَوْلُ قَوْلُ الله في المَخْلُوقِ
فإذا فَهِمْتَ مقالتي فافْرَخ بها
إذْ كان من فهم الذي قد قلته
من حكمة أدى إليّ حُقُوقي
هذا ما أنتجه المقال فكيف يكون ما ينتجه العمل؟ فإن الله ما أمرنا إلا أن نقول الله
ونترك كل حرف بما عنده فارحاً ما كلفني غير ذلك فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ
يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] عن بصيرة فإنهم بين أن يحمدوا ذلك الخوض أو يذموه عقداً، فإن
حمدوه فقد قلنا أنه تعالى عند كل معتقد، وإن وجدوه في تصور من تصوره لا يزول بزوال
تصور من تصوره إلى تصور آخر، بل يكون له أيضاً وجود في ذلك التصور الآخر كما يتحول
يوم القيامة في التجلي من صورة إلى صورة، وما زالت عنه تلك الصورة التي تحول عنها لأن
الذي كانت معتقده فيها يراه فما هو إلا كشف منه تعالى عن عين هذا الذي يدركها لا غير فهم
على بصيرة وإن ذموه، فهم الذين تحول في حقهم إلى الصورة التي تحول إليها بعلامتهم،
فهم في ذمهم على بصيرة لأنه لذلك خلقهم كما تعبد كل مجتهد بما أداه إليه اجتهاده، وحرم
عليه أن يعبده باجتهاد غيره إذا كان من أهل الاجتهاد سواء، فالمقلد مطلق فيما يجيء به
المجتهدون ويختار ما شاء فله الاتساع في الشرع وليس للمجتهد ذلك فإنه مقيد بدليله وإن
أصاب الحق أو أخطأه، كما هو نعت هذا الخائض إن حمد خوضه أو ذمه فهو في الحالتين
على بصيرة، ولهذا أمرنا الحق أن نتركهم في خوضهم يلعبون، ولو لم يكن في هذا الذكر من
الفائدة إلا كون الله يتخلق لعباده في اعتقادهم، فإن الناظر في الله خالق في نفسه بنظره
ما يعتقده فما عبد إلا إلهاً خلقه بنظره وقال له كن فكان، ولهذا أمرنا الناس أن يعبدوا الله
الذي جاء به الرسول ونطق به الكتاب، فإنك إذا عبدت ذلك الإله عبدت ما لم تخلق بل
عبدت خالقك فأعطيت العبادة حقها موفى، فإن العلم بالله لا يصح أن يكون علماً إلا عن
تقليد محال أن يكون عن دليل، ولهذا منعنا عن التفكر في ذات الله ولم نمنع بل أمرنا أن نفرد
الرتبة إليه فلا إله إلا هو، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الخامس وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿وَأَصْبِرّ ◌ِحُكِّمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]
كان عليه من أصحابنا محمد المراكشي بمراكش
[نظم: الخفيف]
وكذا في الشّهود عَيْن شُهُودي
ليس قَلْبُ الوجود غَيْرَ وجودي
وهو منّي مكان حبل الوريدِ
فأنا القلبُ والمهيمن قلبي
إنّه جَلَّ عن قيود الحُدودِ
لا تُحِدُّوهُ للذي قد سمعتم
٢١١
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الخامس وخمسمائة
يرني لم يَفُزْ بفَرْض السُّجُودِ
من رآني فقد رآه ومن لم
قال في الحق إنه من وجودي
إنما يُفْرَضُ السجودُ على من
يريد قوله {َله: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) رأيت محمداً المراكشي بمراكش وكان
يكاثرني ليلاً ونهاراً وكان هذا هجيره دائماً فما رأيته ضاق صدره من شيء قط وكانت الشدائد
تمر عليه فلا يتلقاها إلا بالفرح والضحك، فتفرج عنه في نظرنا وهو ينتقل من فرح إلى فرح
ومن سرور إلى سرور، فكنت أقول له: هل تصبر على حلول هذه النوازل المكروهة طبعاً؟
فيقول: لما صبرت أولاً فأنتج لي ذلك الصبر على الحكم الإلهيّ مشاهدة العين فشغلتني عن
كل حكم فما أتلقاه إلا به فهو مجنى فإياه أسأل، فإن النوازل به تنزل في رؤيتي وأنتم ترون
حكم النازلة في صورتي وكل عند نظره، ثم كان هذا الشخص من أحفظ الناس على أوقات
عباداته، والله ما رأيت مثله بعده في هذا المقام، وما تحسر أحد من إخواني على فراقي حين
فارقته إلى هذه البلاد مثل تحسره على فراقي وكان يقول لي: والله لولا مشاهدة العين التي
حجبتني عن نفوذ الحكم الرباني في لسافرت معك، فوالله ما يغيب عني منك إلا تحوّل
صورة الحق إلى صورة أخرى فأشهده غيباً ومحضراً، وهذا ذوق عجيب، كان كثير الأدب
كثير الكلام، يكاد لا يصمت أبداً عن دلالة الناس على الله عز وجل، فإذا قيل له في ذلك
يقول: أنا أؤدي فريضتي في كلامي وأنت بالخيار في مجالستي والإصغاء إلي ما نورده أنا
أتكلم مع من يسمع ما أتكلم مع من لا يسمع، اعلم أن هذا الذكر يعطي الثبوت مع الحكم
الربانيّ لما فيه من المصلحة وإن لم يشعر به العبد وجهله فهو في نفس الأمر مصلحة كان
الحكم ما كان، وهذا هو مقام الإحسان الأوّل الذي هو فرق الإيمان، فله الشهود الدائم في
اختلاف الأحكام ولا بد من اختلافها لأنه تعالى كل يوم في شأن، فإن كنت صاحب غرض
وتحسِّ بمرض وألم فاحبس نفسك عن الشكوى لغير من آلمك بحكمه عليك كما فعل أيوب
عليه السلام، وهو الأدب الإلهيّ الذي علمه أنبياءه ورسله فإنه ما آلمك وحكم عليك بخلاف
غرضك، وغرضك من جعل حكمه فيك إلا لتسأله في رفع ذلك عنك بما جعل فيك من
العرض الذي بسببه تألمت، فمن لم يشك إلى الله مع الإحساس بالبلاء وعدم موافقة الغرض
فقد قاوم القهر الإلهي، جاع أبو يزيد البسطاميّ فبكا فقيل له في ذلك فقال: إنما جوعني
لأبكي، فالأدب كل الأدب في الشكوى إلى الله في رفعه لا إلى غيره، ويبقى عليه اسم الصبر
كما قال تعالى في رسوله أيوب عليه السلام: ﴿إِنَّا وَجَدْتَهُ صَاِراً﴾ [ص: ٤٤] في وقت
الاضطراب والركون إلى الأسباب، فلم يضطرب ولا ركن إلى شيء غير الله إلا إلينا لا إلى
سبب من الأسباب، فإنه لا بد طبعاً عند الإحساس من الاضطراب وتغير المزاج، ولذلك
لطخ الحلاج وجهه بالدم حين قطعت أطرافه لئلا يظهر إلى عين العامّة تغير مزاجه غيرة منه
على المقام لمعرفته بهذا كله، وهو القائل في وقت هذه الحال: [السريع]
إلا وفيه لكُمُ ذِكْرُ
ما قُدَّلي عُضوّ ولا مفصلٌ
بخلاف الآلام النفسية إذا وردت الأمور التي من شأنها أن تتألم النفوس عند ورودها فقد
٢١٢
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب السادس وخمسمائة
يتلقاها بعض عباد الله ولا أثر لها فيه على ظاهره والأمور المؤلمة حساً إذا أحس بها تحرك لها
طبعاً إلا أن شغله عنها أمر يزيل إحساسه بها، وإنما كلامنا في ذلك مع الإحساس كأيوب وذي
النون سلام الله عليهما، وأما إلى من ليس بيده من الأمر شيء كالمعتاد في العموم وتلك حالة
أكثر العالم عباد الأسباب وبها يتستر الأكابر من عباد الله عن أن يشار إليهم ﴿وَأَصْبِرْ ◌ِحُكْرِ رَبِّكَ﴾
[الطور: ٤٨] المأمور به فذلك هو الثبوت مع الله عند نفوذ الحكم الإلهي فيه أيّ حكم كان من
بلاء أو عافية، فإن الفرح بنيل الغرض يزيل صاحبه عن الثبوت أكثر من زوال صاحب البلاء،
فإن حركة الفرح تدهش وتكثر اضطراب صاحبه إلا أن يكون له قوّة حال أكثر من وارد الفرح،
وأما الهم والغمّ فإنه أقرب إلى الثبوت والسكون لمن حكم عليه به من فرح الواصل إلى
غرضه، فهو ذكر يعمّ الخير والشر معاً وهما حالان والأحوال هي الحاكمة بداً، والمحكوم
عليه لا بد أن يكون تحت قهر الحاكم لنفوذ حكمه فيه، وهو الذي جعله يضطرب لأن
مطلوب الإنسان بالطبع الخروج من الضيق إلى الانفساخ والسعة والضياء المشرق لما يراه من
ظلمة الطبع وضيقه فلا يصبر، فقيل له اثبت للحكم فإنك لا تخلو عن نفوذ حكم فيك إما بما
يسوءك أو بما يسرك، فإن ساءك فتحرك إلينا في رفعه عنك، وإن سرك فتحرك إلينا في إبقائه
عليك والشكر على ذلك فنزيدك ما يتضاعف به سرورك ولا يضعف فأنت رابح على كل
حال، وما أمرناك بالصبر إلا ليكون الصبر عبادة واجبة، فتجازى جزاء من أدى الواجب فتكون
عبداً مضطراً مثنياً عليك بالصبر والرضا، ولو تركناك على التخيير وصبرت لكنت عبداً مختاراً
أي ذا اختيار، ولم تذق طعماً لسيادتنا عليك، فإن المختار يولينا على نفسه إذا شاء، ويعزلنا
إذا شاء، ويخجلنا إذا شاء، ولا يخجلنا إذا شاء، فنحن في الاختيار بحكمه، وفي الاضطرار
حاكمون عليه، فانظر إلى رحمة الله بك حيث أمرك بالصبر لحكم ربك، ثم زاد: فإنك بأعيننا
أي ما حكمنا عليك إلا بما هو الأصلح لك عندنا سواء سرك أم ساءك، هذا قصده بقوله:
فإنك بأعيننا أي ما أنت بحيث تجهله أو ننساه، فكن أي عبد شئت بعد هذا فأنت لما
قصدت، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الباب السادس وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اَللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] ﴿وَمَكَرُوْ مَكْرًا وَمَكَرْنَا
مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠]
[نظم: الخفيف]
وهو عنهم مُغَيَّبٌ ليس يُذْرَى
إن الله في الخلائق مَكْرًا
من أقام الصلاة شفعاً وَوَتْرًا
وهو منهم وليس يَذْرِيهِ إلاّ
تتوالى عليه فيها وتَتْرَى
بمناجاةِ ذلّةٍ وخضوعِ
طالعات عليه شمساً وبَذرا
وشُهودٍ ترى الحقائق فيه
٢١٣
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب السادس وخمسمائة
يهب العلم منه سرّاً وجَهْرَا
ووجودٍ ترى الكوائن فيه
قال الله عز جلاله: ﴿مَنَتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] وقال: ﴿وَمَكَرْنَا
مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] فإذا شعر بالمكر زال كونه مكراً إلا في حال واحد،
وذلك إذا شعر بمكر الله في أمر أقامه فيه وأقام عليه وأقامته عليه بعد العلم أنه من مكر الله مكر
من الله مثل قوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] وبهذا القدر يفارق علم الغيب، فإن عالم
الغيب إذا علمه لم يكن غيباً عنده فزال عنه في حقه اسم الغيب، ولم يزل عن هذا الذي أقام
على الأمر الذي كان لا يشعر به أنه مكر من الله اسم المكر به في إقامته في ذلك الأمر في
حقه، وإلا فالمسألة على السواء لولا هذا الفارق الدقيق، ومن المكر الإلهي ما يقصد به
ضرراً لعبد ومنه ما لا يقصد به ضرراً لعبد، وإنما يكون لحكمة أخرى يكون فيها سعادة
العبد، فإنه لولا المكر الخفي لما صح تكليف ولا طلب جزاء، فإنه من مكر الله المحمود في
الممكور به تكليف الله إياه بالأعمال والسمع والطاعة له فيما كلفه به، والأمر يعطي في نفسه
أن الأعمال خلق الله في العبد وأن الله لا يكلف نفسه وليس العامل إلا هو، وهذا قد شعر به
بعض الناس وأقاموا على العمل وثابروا عليه أعني عمل الخيرات.
ومن مكر الله قسمه لصلاة بينه وبين عبده نصفين والكل له، فمن أداها بالقسمة فقد
شفع صلاته، ومن أداها بقوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] أداها وتراً، فمؤدي
الصلاة شفعاً هو الخاشع في صلاته، ومن أداها وتراً على علم لا يتصف بالخشوع في نفسه
وإن ظهر على ظاهره فإن ذلك حكمه حكم ظهور العمل منه والله العامل لا هو، قال تعالى :
﴿وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وأما من يرى مكر الله ليس غير مكرهم وهم الذين
يخادعون الله وهو خادعهم بعين اعتقادهم أنهم يخادعون الله، فما يخادع الله إلا جاهل بالله
غاية الجهل، أو عارف بالله غاية المعرفة التي لا يمكن أن يكون للمحدث أتم منها، فأما
الجهل في ذلك فمعلوم، وأما المعرفة في ذلك فكما قال عمر رضي الله عنه: من خدعنا في
الله انخدعنا له. وفائدة هذا أنه يعلم من المخادع أنه يخدعه فينخدع له ولا يعلمه أنه انخدع له
وهو المتباله الذي يظن فيه أنه أبله وليس بأبله، فإذا علم العارف أنه لا واهب ولا قابل إلا الله
ومع هذا يستعيذ من مكر الله كما تعوّذ رسول الله وَل# بالله من الله تمشية لمراد الله أي الإرادة
الله، فإنه ما وضع في العالم حكماً إلا ليستعمل في محكوم عليه، ولو لم يرد استعماله لكان
عبثاً، ولو لم يوحد من يستعمل فيه ذلك الحكم ومن يعمل به لكان أيضاً عبثاً، فالعامل به
على بصيرة أولى من العامل به على غير بصيرة، فلا يستوي الذين يعلمون والذين
لا يعلمون، وأن الله قد مشى لمن زعم أنه يخدع الله خداعه ومكره هنا فيكون في حق طائفة
من مكر الله بهم، ويكون في حق طائفة أخرى من عناية الله بهم مثل قوله: افعل ما شئت فقد
غفرت لك أي سترت نفسي عنك من أجلك، فلا نؤاخذك إذا آخذت غيرك بذلك لما سبقت
لك عندي من العناية، فقدم المغفرة للذنب قبل وقوع الذنب وهو قوله: ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾
[الفتح: ٢] فيأتي الذنب مغفوراً أي مستوراً أي بحجاب بينه وبين من يقع منه، فلا يؤثر فيه
٢١٤
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب السابع وخمسمائة
حكمه لأجل ذلك الستر، وما سمى الله المكر استدراجاً إلا لتنقله في المراتب من درج إلى
درج، ولولا ذلك الانتقال لما اتصف به أهل الله فإنه بانتقاله يعمّ المقامات والمراتب وهي بين
محمود ومذموم، ولولا ذلك ما وصف الله نفسه بالمكر والاستدراج، ولذلك يتصف به أهل
الله فيخادعون وینخدعون .
ورد خبر أن بعض العباد يوقفه الله في السؤال يوم القيامة فيعترف بين يديه أنه عمل من
الخير ما لم يعمل وهو كاذب في ذلك فيتجاهل له ربه حتى يقول ذلك القائل أن الله قد مشى
عليه ما كذب به عنده فيأمر به إلى الجنة فتقول الملائكة: يا رب إنه كذب، فيقول الله: قد
علمت ذلك ولكني استحييت أن أكذب شيبته، فهذا من انخداع الله له، فأهل الله أولى
بالتجاوز عن عباد الله إذا عاملوهم بمثل هذه المعاملة، ونحن ممن تحقق به غاية التحقق وهو
من أعظم مكارم الأخلاق الإلهية، فمن يقدر على الاغتبان ولا يظهر للغابن أنه اغتبن له فقد
تمكن من حكم نفسه غاية التمكن لأن طبع النفس يطلب أن يعرف الخير منها، ولا خير مثل
الاغتبان فإنه نظير الحلم مع القدرة في نفس الأمر، وهو يظهر للجاني أنه عجز عن مؤاخذته،
وهو ما ترك مؤاخذته إلا حلماً لا عجزاً، وذلك لا يصدر إلا من قوي على حكم طبعه ونفسه
والله ذو القوّة المتين بحلمه لمن عرف، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السابع وخمسمائة
في معرفة قطب كان منزله قوله تعالى: ﴿أَّ يَعْلَ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤]
[نظم: الوافر]
يرانا والوجودُ لنا شَهِيدُ
ألم تَعْلَمْ بأنّ الله منًا
بحيث نّهَى ونحن له شهودُ
فيلزمنا الحياء فلا يرانا
فيأمرُنا ويفعلُ ما يُريدُ
وذا من أعْجَبِ الأشياء عندي
مخالفةً يؤيِّدُها الوجودُ
يقول لي اسْتَقِمْ ويريدُ منّي
هو المَوْلَى ونحن له عَبِيدُ
فيا قَوْم اسمعوا ما قلتُ فيمن
يريد الأَمْرَ لا المأمُورَ فانظرْ
إلى حُكْم يَشِيبُ له الوَلِيدُ
قال رسول الله وَالَ: ((اسْتَخيوا مِنَ الله حَقَّ الحَيَاءِ)) ما قال الله تعالى: ﴿أَّ يَعْلَمْ بِأَنَّ الَهُ
يَرَى﴾ [العلق: ١٤] وعرف بذلك عباده لاختلاف أهل النظر في ذلك بين الطريقين: بين أنه يرانا
وبين أنا نراه، فالمؤمن على كل حال يعلم أن الله يراه من هذا التعريف فما عرفهم إلا ليلزموا
الحياء منه تعالى في تعدي حدوده، فمن كان ذكره هذا الذكر فإن الله يتجلى له في هذه الدار
تجليه لجبل موسى عليه السلام ولكن لا يجعله دكاً، وسبب ذلك الدؤوب على هذا الذكر
فإنه يورث العبد قوة، وتلك القوّة من كون الذاكر لا يزال يذكر الله، والله جليس من يذكره
وإن لم يشعر به، فأوّل ما يفتح الله لكل ذاكر في نفسه معرفة من يذكر الله به، فلا يرى الذاكر
منه الله إلاَّ لهوية الحق ثم في سمعه ذكره كذلك يشهد أنه لا يسمع ذكر الله منه إلا الله، فإذا
٢١٥
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثامن وخمسمائة
رأى نفسه حقاً كله حينئذٍ يقع له التجلي الذي وقع لجبل موسى ولموسى فلا يندك ولا يصعق
وإن فني فإنما يفنيه جمال ذلك المشهود، فإن الله جميل ويحب الجمال، فلا بد أن يكسو الله
باطن هذا العبد من الجمال بحيث إنه لا يتجلى له إلا حباً لما ظهر فيه من الجمال الخاص
المقيد به الذي لا يمكن أن يظهر ذلك الجمال إلا في هذا المحل الخاص، فإنه لكل محل
جمال يخصه لا يكون لغيره، ولا ينظر الله إلى العالم إلا بعد أن يجمله ويسويه حتى يكون
قبوله لما يرد به عليه في تجليه على قدر جمال استعداده، فيكسوه ذلك التجلي جمالاً إلى
جمال، فلا يزال في جمال جديد في كل تجل، كما لا يزال في خلق جديد في نفسه، فله
التحوّل دائماً في باطنه وظاهره لمن كشف الله عن بصيرته غطاء عماه.
واعلم أن الحدود الموضوعة في العالم أعني الحدود المشروعة التي أمرنا الحق أن
لا نتعداها، ثم شرع لنا حدوداً تقام علينا إذا تعديناها كل ذلك لنعرف أن الأمر حد كله فينا
وفيه دنيا وآخرة، لأن بالحدود يقع التمييز وبالتمييز يكون العلم، فلولا الفارق لما تميزت عين
من عين ولا كان ثم علم بشيء أصلاً، وقد تميز لنا وبنا وعنا، كما تميزنا له وبه وعنه، فعرفنا
من نحن ومن هو، فإن غلبنا حال يقول ذلك الحال بلسانه: أنا من أهوى ومن أهوى أنا،
فیکفيه من قوّة أثر الحدود أن فرق بين أنا وبین من أهوی ولو أنه یهوی نفسه فحاله کونه یھوی
وهو الفاعل ما هو عين حاله يهوى وهو المفعول، فبينت الحدود الأحوال كما بينت الأعيان،
وهذا علم ما تصل إليه العبارة في أحدية العين ولم يقدر على أن يوحد الحال ولا ذلك
بممكن أصلاً، وفي باب العلم بالله أوصل ما يكون الأمر، وأعظم في الأحدية أن يكون
وجود العالم عين وجود الحق لا غيره، ومعلوم اختلاف صور العالم واختلاف الأسماء
الإلهية، ولا معنى للاختلاف الواضح إلا العلم بأنه لولا الحدود لما كان التمييز، وإن كان
الوجود عيناً واحدة وهو الوجود الحق فالموجودات والمعقولات مختلفة، ولقد لعن الله على
لسان رسول الله صل 18 من غير منار الأرض وهو الحدود لأن التشابه إذا غمض جداً أوقع الحيرة
وخفي الحد فيه، فإن شخصيات النوع الواحد الأخير متماثلة بالحد متميزة بالشخص. فلا بد
من فارق في المتماثل بالحد، ويكفيك أن جعلته مثله لا عينه: [البسيط]
والحَدُّ يصحبُه التحديدُ في النَّظَرِ
فالحَدُّ يَصْحَبُ ما في العلم أجْمَعِهِ
الباب الثامن وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]
[نظم: الكامل]
فاخْتَصَّني الرَّحْمُنُ بالحَركاتِ
لولا الولايةُ كنتُ في الظُّلُمات
جمعتني فيه وعين شَتَاتي
فخرجتُ منها أبتغي النُّورَ الذي
ورأيتُ محيايّ الذي أسْعَى له
ورأيتُ في الإنسان كل فضيلة
وعلمتُ شأني فيه بعد وَفَاتي
والعِلْمُ أُكْمِلَ فيه في الدرجاتِ
٢١٦
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثامن وخمسمائة
فضممتُ للإيمان عِلْماً بالذي
وبَدَتْ لِيَ الأسماءُ خلف حجابه
إنّ العناية أشرقَتْ أنوارُها
لولا وجودُ النّور في أبصارنا
فالله أكبرُ والكبيرُ بدايتي
إن الخلافة لا يكون كمالُها
فيزولُ في الجنَّات نصفُ وجودها
لما رأيتُ عُمُومَ رحمة ذاته
أمْرٌ مزيلٌ حُكْمَها من خَلْقه
فأنا المُبَرِّزُ في كمال خلافتي
كان الوجودُ به بغير صِفَاتٍ
فشَهِدْتُها بالكشف عين سِمَاتي
فسعيتُ في الأنوار طولَ حياتي
وقلوبِنا لسعيتُ في الظلماتِ
ما دامَتِ الدنيا وبَعْد مَمَاتي
إلا هنا لا في الذي هو آتي
لإزالة الأحكام في الدَّرَكَات
في النشأة الأخرى ولم أَرَ ياتي
فعلمتُ منه خلافتي بالذات
عنه ويعلم ذاك كل مَوَاتٍ
اعلم أيدنا الله وإياك بروح القدس أن الكشف المختص بهذا الذكر أن تطلع منه ذوقاً
على كون المؤمنين بعضهم أولياء بعض، والمؤمن اسم الله تعالى، والمؤمن اسم للإنسان،
وقد عمّ في الولاية بين المؤمنين فهو ولي الذين آمنوا بإخراجه إياهم من الظلمات إلى النور،
وليس إلا إخراجهم من العلم بهم إلى العلم بالله فإنه يقول: من عرف نفسه عرف ربه فيعلم أنه
الحق، فيخرج العارف المؤمن الحق بولايته التي أعطاه الله من ظلمة الغيب إلى نور الشهود،
فيشهد ما كان غيباً له فيعطيه كونه مشهوداً، ولم يكن له هذا الحكم من هذا الشخص قبل
هذا، فهذا للعبد تول بهذا القدر من كون الحق له اسم المؤمن، كما تولى الحق عبده من كونه
مؤمناً، وكون الشخص مؤمناً سبباً في إخراجه من الظلمات إلى النور، وذلك نصرته المؤمنين
من عباده، فالمؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، وهذا من باب الإشارة إلى
حكم الأسماء فيشد منا ونشد منه، قال تعالى: ﴿إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] من حيث هو
المؤمن ونحن المؤمنون: [مجزوء الرمل]
وله منّي ذلك
قلنا منه التَّوَلِّي
ـر كذا فالكُل مالِك
وإذا لم يَكُنِ الأمــ
يا إِلْهِي عَيْنَ مَالِكْ
أنا مال الله فاحفَظ
وهو ما لي من هُنَالِكْ
فأنا حفظتُ فَقْري
((ما)) في قولي: ((ما لي)) هو بمعنى الذي، فاعلم يا وليّ أن ظلمة الإمكان أشد الظلمات
فإنها عين الجهل المحض، فإذا تولى الله عبده أخرجه من ظلمة هذا الجهل الذي هو
الإمكان، وليس إلا نظره لنفسه معرى عن نظره للذي تولاه، فيخرجه بهذا التولي من ظلمة
إمكانه إلى نور وجوب وجوده به وهو المنعوت بالواجب فأخرجه منه لنفسه، وفرق بين
الوجوب الذي حكمه الله وبين حكم الوجوب الذي لنا بالتقيد به، فوجوبه تعالى لنفسه
ووجوبنا به: [مجزوء الرمل]
وافْتَرَقُنا في القُيُودُ
فاشْتَرَكْنا في الوُجُوبُ
٢١٧
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثامن وخمسمائة
ثم حُزْنَا بالوجود
حين حُزْنًا بالوجود
فنُسَمِّيه إلهاً
فهو لي أشْرَفُ وَسْم
ومشى بذاك أمري
فأنا أخــمَـدُ رَبِي
وعلمنا ذاك حقاً
ثم لو جَحَذْتُ هذا
ولذا أنزلت بدري
ورأيتُ عَيْنَ ذاتي
فأنا من أجل هذا
فأنا إن كنتُ شيخاً
مالنا من الحدود
مالنا من الحدود
واخْتُصِصنا بالعبيد
وأنا منه بَعِيد
في قريب وبَعيدْ
حين أُدْعَى بالحَمِيذُ
في مَغِيب وشُهُـوذ
ما تَمَشَّى لي جُحُوذ
بمنازل السعود
في هبوط وصُعُوذ
أَتَسَمَّى بالسَّعِيدْ
عقلُنا عَقْلُ الوليد
فولاية العبد ربه، وولاية الرب عبده في قوله: ﴿إِن تَنْصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرَّكُمْ﴾ [محمد: ٧] وبين
الولايتين فرق دقيق، فجعل تعالى نصره جزاء وجعل مرتبة الإنشاء إليك كما قدمك في العلم
بك على العلم به، وذلك لتعلم من أين علمك فتعلم علمه بك كيف كان لأنه قال:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٣١] وقد ذكرنا في كتاب المشاهد القدسية أنه قال لي أنت
الأصل وأنا الفرع على وجوه منها علمه بنا منا لا منه فانظر فإن هنا سراً غامضاً جداً وهو عند
أكثر النظار منه لا منا أوقعهم في ذلك حدوثنا، والكشف يعطي ما ذكرناه وهو الحق الذي
لا يسعنا جهله، ولما سألني عن هذه اللفظة مفتي الحجاز أبو عبد الله محمد بن أبي الصيف
اليمني نزيل مكة ذكرت له أن علمنا به فرع عن علمنا بنا إذ نحن عين الدليل، يقول
رسول الله وَلَهُ: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) كما أن وجودنا فرع عنه ووجوده أصل، فهو
أصل في وجودنا فرع في علمنا به، وهو من مدلول هذه اللفظة، فسرّ بذلك وابتهج رحمه الله
وهذا الوجه الآخر من مدلولها أيضاً وهو أعلى، ولكن ما ذكرناه له رحمه الله في ذلك
المجلس لأنه ما يحتمله ولا يقدر أن ينكره، وما تم ذلك الإيمان القوي عنده ولا العلم ولا
النظر السليم فكان يحار، فأبرزنا له من الوجوه ما يلايم مزاج عقله وهو صحيح، فإنه ما ثم
وجه إلا وهو صحيح في الحق، وليس الفضل إلا العثور على ذلك، فالله وليّ المؤمن
والمؤمن وليّ الله .
سئل رسول الله ﴿ فقيل له: من أولياء الله؟ فقال ◌َ له: ((الَّذِينَ إذا رُؤُوا ذُكِرَ الله فَذُكِرَ
وَعُلِمَ وَشُهِدَ بِرُؤْيَتِنَا إِيَّاهُمْ)) فجعلهم أولياء الله، كما جاء عن الله أنه ﴿وَإِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾
[البقرة: ٢٥٧] فالمؤمن من أعطى الأمان في الحق أن منه يضيف إليه ما لا يستحق جلاله أن
يوصف به مما ذكر تعالى أن ذلك ليس له بصفة كالذلة والافتقار، وهذه أرفع الدرجات أن
نصف العبد بأنه مؤمن، فإن المؤمن أيضاً من يعطي الأمان نفوس العالم بإيصال حقوقهم
٢١٨
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب التاسع وخمسمائة
إليهم، فهم في أمان منه من تعديه فيها، ومتى لم يكن كذا فليس بمؤمن، فالولاية مشتركة بين
الله وبين المؤمنين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب التاسع وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفٌُ﴾ [سبأ: ٣٩]
[نظم: الطويل]
ألا إنّما الإنفاقُ من حَضْرَةِ النَّفَقْ
فيأتي إليه الرزقُ من باب غَيْبِهِ
فما زال مفتوحاً على كل حالة
إذا أنفق الإنسانُ فالله مخلفٌ
وإنْ غلق الإنسانُ باب عطائه
وإن غلق الإنسان باب هبَاتِه
ويُغْلقُه إنْ شاء فالأمرُ أمرُه
إذا عُذْتَ بالرحْمُنِ في كل حالة
وفي سورة الناس التي جاء ذِكْرُها
إن عُذْتَ عُذْ بالربّ إن كنت مؤمناً
فما ذُكِرَ التعويذُ إلا بربّنا
قال الله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَطْغَيْ"
فإنَّ له بابَيْن في كل ما خَلَقْ
وليس لذاك الباب بابٌ فيَنْطَبِقْ
لأن اسْمَهُ الفتاحُ ما عنده غَلَّقْ
فلا تيأسَنْ فالوقتُ بالوقْتِ مُتَّسِقْ
يواليه رَبُّ الجُودِ جُوداً إنِ اتَّفَقْ
فذلك إغلاقُ الإله إذا انْغَلقْ
كما جاء في القرآن في سورة العَلَقْ
تَعَوَّذْ بما قد جاء في سورة الفَلَقْ
إلى جنبها تُتْلَى كما عاذ من سَبَقْ
بما جاء في القرآن فانظر تَعُذْ بحَقْ
فكن تابعاً لا تَتَّبِعْ غَيْرَ من صَدَقْ
(٦) أَنْ زَّوَاهُ أَسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦، ٧] فيغلق عليه باب
العطاء لما جعل في قلبه من خوف الفقر، إن أعطى فيطغى في غناه في عين فقره، فإن هو
أعطى ما به استغنى افتقر فاحتقر، فلا يزال الغني خائفاً ولا يزال الفقير طالباً فالرجاء للفقير
فإنه يأمل الغنى والخوف للغني فإنه يخاف الفقر، فما أنفقتم من شيء فإن الله يخلفه بهويته،
فيخلفه بفتح الياء، فإنه ما ينفق حتى يشهد العوض وهو قولهم: من أيقن بالخلف جاد
بالأعطية، فما ينفق أحد إلا عن ظهر غنى، لأن العبد فقير بالذات غنيّ بالعرض، وكان
الأولى أن يكون غنياً بالذات لأن المصرف لمن يتصرّف فيه كالمال فإنه المتصرف فيمن
يتصرّف فيه فهو يصرفه لأنه لا يتعدى فيه علمه، وعلمه ما كان إلا من معلومه، فما تصرّف
فيه إلا بما أعطاه من ذاته، فمن حكمك في نفسه فهو الحاكم في تحكمك فيه فافهم: [الوافر]
بما أخفاه عن خَلْقٍ كَثِيرٍ
لقد جَادَ الإلهُ على وُجُودي
ولا شَكَّ لذي الفِطَنِ الخَبيرِ
من العِلْم الذي ما فيه رَيْبٌ
واعلم أنه لا يقبل الإنفاق إلا المحدث فإن الإنفاق إهلاك ولا يهلك إلا المحدث
و﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَمْ﴾ [القصص: ٨٨] فمن أهلك شيئاً فقد فقده، وإذا فقده لم يجده،
وإذا لم يجده وجد الله عنده فهو يخلفه، فكما عاد إلى الضمير على الشيء من يخلفه ولا
يخلف إلا مثله لا عينه فليس هو هو، وإذا لم يكن هو هو ولا بدّ من الخلف فيخلفه الله
٢١٩
في. هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب العاشر وخمسمائة
وجوده وهو قوله: ووجد الله عنده، فحيث تفنى الأسباب هناك يوجد الله ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الشُّرُ فِي
الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِنَّهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] ومعنى ضل منكم وتلف فلم تجدوه وما وجدتم عند
فقده إلا الله. يقول رسول الله وَّرَ في دعائه ربه في سفره: ((أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالخَلِيفَةُ
فِي الأَهْلِ))، فما جعله خليفة في أهله إلا عند فقدهم إياه، فينوب الله عن كل شيء أي يقوم
فيهم مقام ذلك الشيء بهويته ولهذا قال: فهو يخلفه، فأي سبب يكون للمنفق بعد الإنفاق
يسد مسد ما أنفقه من أمر ظاهر أو باطن حتى اليقين أو الاستغناء عن الأمر الذي كان يصل
إليه بذلك الذي أنفقه في عين تحصيله لذلك الشيء، فهو مجعول من هوية الحق أو هوية
الحق والهو عند الطائفة أتم الأذكار وأرفعها وأعظمها، وهو ذكر خواص الخواص، وليس
بعده ذكر أتمّ منه، فيكون ما يعطيه الهو في إعطائه أعظم من إعطاء اسم من الأسماء الإلهية
حتى من الاسم الله، فإن الاسم الله دلالة على الرتبة والهوية دلالة على العين لا تدل على أمر
آخر غير الذات، ولهذا يرجع إليها محلول لفظة الله فإنك تزيل الألف واللامين على الطريقة
المعروفة عند أهل الله فيبقى هـ، فإن جعلته سبباً لتعلق الخلق به مكنت الضمة فقلت هو
فجئت بواو العلة وفيها رائحة الغنى عن العالمين، والعلة ما لها هذا المقام من أجل طلبها
المعلول كما يطلبها المعلول فحركت بالفتح تخفيفاً من ثقل العلية فقيل هو فدل على عين
غائبة عن أن يحصرها علم مخلوق، فلا يزال غيباً عند كل من يزعم أنه عالم به حتى عن
الأسماء الإلهية فشغلها بما وضعها له من المعاني فجعل الرزاق همته متعلقة بالرزق، والمقيت
بالتقويت، والعالم بالعلم، والحيّ بالحياة، وكل اسم بما وضع له وما دل عليه من الحكم
فالأسماء موضوعة وضعتها الممكنات في حال ثبوتها وعدمها فالأسماء أحكامها والهوية تقوم
للممكنات بهذه الأحكام فإليه وهو الهو يرجع الأمر كله، وإلى الهو من ﴿أَلَاّ إِلَى اللَّهِ نَصِيرُ
الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣] ترجع الأمور كلها، وما ذكر إلا الهو بالتصريح أو الله ما ذكر اسماً غيره
فافهم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب العاشر وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَُّونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦]
[نظم: الوافر]
قُلُوباً لم تَخَلْ رُتَبَ السُّجُودْ
سأضرِفُ عن بَرَاهين الوُجُود
على أهل المشاهد والشُّهُوذ
فلمّا أن زَهَتْ فَخْراً وعُجْباً
كما قد نالها أهْلُ القُصُوذ
حَرَمْنَاها العلوم فلم تَنَلْها
فاعلم أيدنا الله وإياك أن الكبرياء ليس إلا لله، فمن تكبر من الخلق بغير الحق فما هو
كبير في نفس الأمر، وإنما هي دعوى حال لا وجود له في عين المدعي، فإن كان له وجود
وتكون الدعوى صحيحة فليس المدعي عند ذلك إلا الحق والحق له الكبرياء، وما سمي
٢٢٠
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب العاشر وخمسمائة
المحل متكبراً إلا لكون الدعوى ما ظهرت إلا في محل ماله الكبرياء وادعاؤه بحق فكان لسان
المدعي عين الحق كما جاء: ((كان الله سَمْعَه وبَصَرَهُ)) .
واعلم أن الله ما صرف أحداً عن الآيات إلا وقد صرفه عن العلم بالأمر على ما هو
عليه الأمر والشأن، والآيات التي صرف هذا العبد عنها هي عين الآيات التي أراها لمن أراها
في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق الذي يتكبر به من تكبر، فمن تكبر في الأرض
دون السماء بغير الحق فهو أجهل الجاهلين لأنه وضع الكبرياء في غير موضعه، إذ من شرطه
أمران: الواحد الحق الذي يقبله المخلوق، والثاني العلوّ فمن تكبر في الأرض بالحق فالحق
له العلوّ بالذت والسموّ لم يصرف الله عنه الآيات فيريه إياها تشريفاً لهذا المحل، فإذا رآها
تبين له عين الحق فإنه ما رآها إلا بالحق ﴿ وَبِالْحَقِّ أَنزَلْتَهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلْ﴾ [الإسراء: ١٠٥] و﴿مَا
خَلَقْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] وأمرنا أن نعطي كل ذي حق حقه، وما ثم إلا ذو حق
وحقه، إنما هو الحافظ له .
وهنا نكتة خفية فإن الله له على عباده حق يطلبه منهم، وقد ورد في الصحيح: ((أَنَّ حَقَّ
اللهِ أَحَقُّ بِالقَضَاءِ مِنْ حَقَّ المَخْلُوقِ)) لأن نسبة الحق إلى الله أتمّ وأصح من نسبة الحق إلى
المخلوق، لأن نسبة الحق بالحق ذاتية ما هي بالجعل، ونسبة الحق إلى المخلوق بالجعل
ولكنه جعل لا يصح انفكاكه عنه، فالسعيد من عرف الحقوق وأهلها فأداها، والشقيّ من لم
يعرف الحقوق ولا عرف أهلها، والذي بين السعيد والشقيّ من عرف الحقوق وأهلها وظلمهم
وظلمها، فهذه الطائفة هم في ظلمات لا يبصرون، والطرف الآخر هم: الصمّ البكم العمي
الذين لا يرجعون عند ما يبصرون، ولا يعقلون عندما يسمعون، ولا يصيبون عندما
يتكلمون، فأولئك الذين ما ظلمهم الله ولكن كانوا هم الظالمين، فإنهم ظلموا الحقوق
وأهلها، فإن لهم قلوباً يعقلون ويفقهون بها، وإن لهم أعيناً يبصرون بها، وإن لهم آذاناً
يسمعون بها، فأنزلوا نفوسهم منزلة الأنعام بل أضل سبيلاً، لأن الأنعام ما جعل الله لهم هذه
القوى التي توجب لصاحب البصر أن يعتبر، ولصاحب الأذن أن يعي ما يسمع، ولصاحب
القلب أن يعقل، فهم الذي يتفكرون في خلق السموات والأرض، فيعطيهم التفكر مما سمعوا
وأبصروا، وتقليب الأحوال عليهم أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ﴾
[آل عمران: ١٩١] فسبحوه أن جعلوه منزهاً عن إيجاب العلة عليه في خلقه لأنه أذن خلقها
لحكمة، فكأن تلك الحكمة أوجبت الخلق عليه، وما ثم موجب عليه إلا ما يوجبه بنفسه على
نفسه لخلقه امتناناً منه لصدق وعده لا غير، وتمم التعريف بقوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
[آل عمران: ١٩١] وليست إلا الطبيعة في هذه الدار، فإنها محل الانفعال فيها لأنها للحق بمنزلة
الأنثى للذكر، ففيها يظهر التكوين أعني تكوين كل ما سوى الله وهي أمر معقول. فلما رأى
من رأى قوّة سلطانها وما علم أن قوّة سلطانها إنما هو في قبولها لما يكوّنه الحق فيها فنسبوا
التكوين لها وأضافوه إليها ونسوا الحق بها فأنساهم أنفسهم إذ صرفهم عن آيات نفوسهم وهو
قوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَقِىَ الَّذِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦]، ووصفهم الحق فانقسم الخلق إلى قسمين: