النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الخامس والسبعون وأربعمائة وهذا القدر كاف، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الخامس والسبعون وأربعمائة في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَكَِّرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] [نظم: البسيط] لنَعْلَمَ الفَرْقَ بين الحَقِّ والخَلْقِ شَعَائرُ الله أعلامٌ لنا نُصِبَتْ وقايةً للذي يقول بالفَرْقِ وهي الحدودُ التي قامت بَرَازخُهَا فمن يُعَظُمْها كانت وٍقَايَتَهُ الله دون الخَلْقِ له من مُنَزَّلَةٍ يَحُوزُها بالذي حاز السباق لها يَفْنَى ويَبْقَى الذي يدعوه مُتَّصفاً وهو الذي يَتّقي الأشياءَ بالحَقِ يوم الوفود تسمَّى مَقْعَدَ الصُّدْقِ لمّا جَرَى معهم في حَلْبَةِ السَّبْقِ أسماؤه عندنا بالمُفْني والمُبْقي قال الله تعالى في تعظيمها، لا بل فيها: ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ لَكُرُّ فِيَهَا﴾ [الحج: ٣٢، ٣٣] يعني الشعائر ﴿مَنَفِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِّيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وهو بيت الإيمان عند أهل الإشارات، وليس إلا قلب المؤمن الذي وسع عظمة الله وجلاله شعائر الله أعلامه وأعلامه الدلائل عليه الموصلة إليه، ويا عجباً كيف يصل إليه وهو عنده كما قال أبو يزيد وقد سمع قارئاً يقرأ: ﴿يَوْمَ نَخْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفَدًا ﴾ [مريم: ٨٥] فصاح وبكى حتى طار الدم من عينيه وضرب المنبر وقال: كيف يحشر إليه من هو جليسه؟ فصدق الله في الكمال فإن المتقي ما يتقي الرحمن، وصدق أبو يزيد فإنه ما كان مشهوده في الحال إلا الرحمن والولي لا يتعدى ذوقه ولا ينطق بغير حاله ويرد كل شيء يسمع إلى الحال الذي يغلب عليه، وكان حال أبي يزيد في ذلك الوقت هو الذي نطق به فالمرء مخبوء تحت لسانه، فإن اللسان ترجمان أحوال الناطق. ثم اعلم أن البدن جعلها الله من شعائره ولهذا تشعر ليعلم أنها من شعائر الله، وما وهب الله لا رجعة فيه، ألا تراها إذا ماتت قبل الوصول إلى البيت كيف ينحرها صاحبها ويخلي بينها وبين الناس ولا يأكل منها شيئاً، فهذا من منة الله حيث جعلك مثلاً وميزك عنه وجعل لك ملكاً وطلب منك أن تقرضه والنعمة بالأصالة نعمته وهذه كلها من شعائر الله، فإن كل شعيرة منها دليل على الله من حيث أمر ما خاص أراده الله وأبانه لأهل الفهم من عباده فيتفاضلون في ذلك على قدر فهمهم، فإذا رأيت ما يقال فيه أنه من شعائر الله وتجهل أنت صورته في الشعائر ولا تعلم ما تدل عليه هذه الشعيرة فاعلم أن تلك الشعيرة ما خاطبك الحق بها ولا وضعها لك وإنما وضعها لمن يفهمها عنه ولك أنت شعيرة أيضاً غيرها وهي كل ما تعرف أنها دلالة لك عليه كما قال أبو العتاهية [المتقارب]: تَدُلُّ على أنّه وَاحِدُ وفي كُلّ شيء له آيَةٌ فقف عندها ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] فيقوى فهمك فيما أنزله ويعلمك ما لم تكن تعلم، فإذا أمكنك الحق من نفسك علمت أنك من أقوى الشعائر عليه وأوضحها، ولهذا الفتوحات المكية ج٧ - ١١٣ ١٦٢ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الخامس والسبعون وأربعمائة جاءت الشريعة بقولها: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ))، فإذا وصلت إلى ما أوصلتك إليه شعائر نفسك وشاهدت المشعور رأيته على صورتك، فمن هناك تعلم أنك الأصل في علمه بك، وأنه ما تجلى لك، إلا في صورة علمه بك، ولاكان عالماً بك إلا منك، وأنت بذاتك أعطيته لعلم بك، فأنت الشعيرة له عليك، فإن رأيته على غير صورتك فما رأيته من كونك شعيرة له، فلا تنكره إذا رأيت ما لا تعرف حين ينكره غيرك، فإن تلك الحضرة لا مجلى لأحد فيها إلا لله، فإذا كان هذا ارجع في نظرك منه إليك فترى نفسك في تلك الصورة التي رأيته عليها وما أنت انصبغت بها منه وإنما هي أيضاً صورتك في ثبوتك، وما كان وصل وقت دخولك فيها وظهورك بها فإن الصور تتقلب عليك إلى ما لا نهاية له وتتقلب فيها أنت وتظهر بها إلى ما لا نهاية فيه ولكن حالاً بعد حال انتقالاً لا يزول، وقد علمك تعالى في هذه الصور على عدم تناهيها فتجلى لك في صورة لم يبلغ وقت ظهورك بها لأنك مقيد وهو غير مقيد بل قيده إطلاقه، وإنما يفعل هذا مع عباده ليظهر لهم في حال النكرة ولهذا ينكرونه إلا العارفون بهذا المقام فإنهم لا ينكرونه في أي صورة ظهر فإنهم قد حفظوا الأصل وهو أنه ما يتجلى لمخلوق إلا في صورة المخلوق، أما التي هو عليها في الحال فيعرفه أو ما يكون عليها بعد ذلك فينكره حتى يرى تلك الصورة قد دخل فيها فحينئذٍ يعرفه، فإن الله علمه وعلم ما يؤول إليه، والمخلوق لا يعلم من أحواله إلا ما هو عليه في الوقت ولذلك يقول: ﴿رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ ومن عباد الله من يعلم ذلك إذا رأى الحق في صورة لا يعرفها علم بحكم الموطن وما عنده من القبول أنه ما تجلى له إلا في صورة هي له، وما وصل وقتها فعلمها قبل أن يدخل فيها، فهذا من الزيادة في العلم التي زادها الله، فشكر الله الذي عرفه في موطن الإنكار ولذلك عظم الله هذا الفضل فقال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمّ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] فكان الحق في هذا الموطن من شعائر نفسك فعرفت نفسك به كما عرفته بنفسك فتأمل [مجزوء الرمل]: وافْتَرَقْنا في السَّرَائِزْ فاجْتَمَعْنا في الشَّعَائِز وله منا الضَّمَائِزْ فلنا منه التَّجَلْي هائمّ فيه يُبَادِزْ فَلِمِثْلِ ذا عُبَيْدٌ تَكُنْ عنه بِصَادِرْ فإذا عَلِمْتَ هذا لم مثل أوراق الدفاتِز فهو الصّادرُ عَنْكُمُ بعضُها يَسْتُرُ بعضاً بأوائل وأوَاخِزْ ولْيُفَاخِزْ من يُفَاخِز فَلْيُبَادِرْ من يُبَادِزْ فما عظم الله شعائره سدى لأنه ما عظم إلا من يقبل التعظيم، وأما العظيم فلا يعظم فإن الموجود لا يوجد والله عظيم والعالم كله لإمكانه حقير إلا أنه يقبل التعظيم، ولم يكن له طريق في التعظيم، إلا أن يكون من شعائر الله عليه، فلما كان في نفس الأمر شعيرة عليه عرفنا الحق بذلك فنظرنا فرأينا حقية قوله فاستدللنا بنا عليه وبه إذا ظهر في النكرة علينا [المتقارب]: ١٦٣ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب السادس والسبعون وأربعمائة يَ ومنّي إليه دَليلٌ عَلَيْهُ فمِنْهُ إليَّ دَلِيلٌ عَلَيْـ بأعماله ثمّ نحن لَدَيْهْ فنحن لديه كما قاله فبَذْئِيَ منه وعَوْدِي إِلَيْهْ وأعمالُه عَيْنُ أعياننا ولو لم يكن الأمر هكذا ما صدق اتخاذك إياه وكيلاً، والمال ماله فالمال مالك، والإشارة أن الصورة صورتك فصدق لن تراني إذ قال له موسى ﴿رَبٍّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَّ قَالَ لَنْ تَرَِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وأداة لن تنفي الأفعال المستقبلة، والإشارة أن من جهلك في الحال جهلك في المآل لأنك إذا ظهرت له في المآل ما تظهر له بصورة الحال التي جهلك فيها عند طلبه رؤيتك، وإنما تظهر له بصورة حال ذلك المآل، فلا يزال منكراً ما يرى حتى يعرف الموطن وحكمه فيعلم ما يرى وما هو الحكم عليه فإن الله لم يزل ظاهراً لذي عينين وأعين، وأما ذو العين الواحدة فهو دجال أعور لم يزل في ربقة التقييد مغلولاً، فمن فتح الله عينيه التي امتن الله بهما عليه في قوله عز وجل: ﴿أَلَّمْ تَجْعَل لَّهُ عَيَّنَيْنِ ﴾ [البلد: ٨] ليشهدني في الحالين: في الحال الراهنة والحال المستقبلة، فمن لم يرني في الحال وهو ناظر إليّ فإنه أبعد أن يراني في حال المآل وهو يراني ولكن لا يعرف أني مطلوبه وسبب ذلك أنه يطلبني بالعلامة، وهل هذا إلا عين الجهل بي [الطويل]: فيا خَيْبَةَ الأبصار عند البَصَائِرِ وهل ثَمَّ غَيْري أو يكون ولَيْسَني فإنّ مَحَلَّ الابْتِلَاءِ سَرَائِري فإيّاك والأفكار إن كُنْتَ طالباً والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السادس والسبعون وأربعمائة في معرفة حال قطب كان منزله: لا حول ولا قوة إلا بالله [نظم: السريع] عِنْدَ الذي يؤمن باللّهِ الحَوْلُ والقُوّةُ الله الحَوْلَ والقوّة للَّهِ وإنما التّحقيقُ عَبْدٌ رأى فهو على نُورٍ مِنَ اللَّهِ ومن يَرَى الأمْرَيْن في نَفْسِه قال الله تعالى معرفاً أن موسى عليه السلام قال لقومه: ﴿أَسْتَعِينُواْ بِالَّهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وشرع لنا في القسمة بيننا وبينه أن نقول: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فقال: هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، اعلم أن لا حول ولا قوة إلا بالله من خصائص من خلقه الله على صورته وهو الإنسان الكامل، فإن الملك ليس من حقيقته أن يكون هذا مقامه بل هو المتبري لأنه ليس بعبد جامع وإنما هو عضو من أعضاء العبد الجامع، فالعبد الجامع هو الذي لم يبقِ صفة في سيده إلا وهي فيه ومن صورته في الاقتدار على إيجادنا قبولنا لذلك، فما ثم قوّة مطلقة من واحد دون مساعد، فلما علم منا أنا نعلم ذلك شرع لنا أن نستعين به إذ القابل يحتاج إلى مقتدر، كما أنّ المقتدر طلب القبول من القابل، فصحت القسمة بيننا وبينه تعالى ١٦٤ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب السادس والسبعون وأربعمائة فإنه الصادق وقد قال: ((قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنٍ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي) فالاقتدار منه والقبول منا، وبهما ظهر العالم في الوجود الدليل أنّ المحال لا يقبل الوجود فلا ينفذ فيه الاقتدار لأنّ من حقيقة الاقتدار أنه لا يتعلق إلا بالممكن ولا معنى للممكن إلا القبول فلا يصح أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله إلا العبد الجامع، فكل من تبرأ فهو جزء من الجامع، وكل من أثبت الأمرين فهو جامع عالم بنفسه وبربه أديب وَفَى الأمر حقه [المتقارب]: إذا لم أكُنْ وأنا الواقِع فلا حَوْلَ مِنْه ولا قُوَّة إذا لم يَكُنْ وأنا الجَامِع ولا حَوْلَ منّي ولا قُوَّة ألا تراها كنزاً أخفاه الله في الملك حتى أوجد آدم على صورته وجعله خليفة في أرضه واعترض من اعترض كما أخبر الله تعالى في ذلك وما سمع قبل خلق آدم لا حول ولا قوّة إلا بالله، وكل قائل يقولها من غير العبد الجامع فإنما يقولها بحكم التبعية له، ولما خلق العرش وأمرت الملائكة أن تحمله لم تطقه فلما عجزت قام الحامل الواحد منهم الذي على صورة الإنسان فقال بلسانه لما أعطاه الله لا حول ولا قوة إلا بالله فقال من بقي من الحملة بقوله فحملت العرش وأطاقته فلما أوجد الله الإنسان الكامل جعل له قلباً كالعرش جعله بيتاً له فما في العالم من يطيق حمل قلب المؤمن لأنهم عجزوا عن حمل العرش وهو في زاوية من زوايا قلب المؤمن لا يحس به ولا يعلم أن ثم عرشاً لخفته عليه، وجعل أسماءه الحسنى تحف بهذا القلب كما تحف الملائكة بالعرش، وجعل حملته العلم الإلهيّ، والحياة والإرادة والقول أربعة فالحياة نظير الحامل الذي على صورة الإنسان من حملة العرش لسريان الحياة في الأشياء فما ثم إلا حيّ، والحياة الشرط المصحح لبقية الصفات من علم وإرادة وقول ورد في الخبر أن جبريل لما علم آدم الطواف بالبيت وقال له: إنا طفنا بالبيت قبل أن تخلق بكذا وكذا ألف سنة فقال له آدم: فما كنتم تقولون عند الطواف به؟ فقال جبريل: كنا نقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فقال آدم: وأزيدكم أنا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فاختص بهذا الكنز آدم عليه السلام، فما ثم من يحول بينك وبين ما أنت قابل له مما إذا قبلته أضرّ بك وأنزلك على رتبتك أعني رتبة كمالك إلى حيوانيتك إلا الله ولا قوّة لك على ما كلفك من الأعمال إلا بالله، كما لا يحول بين الحق مع اقتداره وبين ما لا يصح فيه وجود إلا بك إلا أنت إذا لم تكن فلا بد من كونك فيما لا يوجد إلا بك ولا قوّة أي لا ينفذ اقتدار في أمر لا يظهر إلا بك، فمن القسمة ظهور حقيقة لا حول ولا قوة إلا بالله فيك وفيه بحسب الأحوال التي تطلبها، فلا أجمع من الإنسان الجامع، ولا أشرف فيه من جزئياته إلا الجزء الملكي منه، كما أن ذكر الله في الصلاة أشرف أجزاء الصلاة لا أن الذكر أشرف من الصلاة، كما أنه لا يكون الملك أشرف من الإنسان لأنه جزء من الإنسان والذكر جزء من الصلاة، قال الله تعالى: ﴿إِنَ الصَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] يعني بصورتها فإن التكبيرة الأولى تحريمها والسلام منها تحليلها عن الفحشاء والمنكر لما فيها من التحريم ١٦٥ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب السابع والسبعون وأربعمائة ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرٌ﴾ [العنبكوت: ٤٥] يعني فيها لأن الذكر جزء منها وهو أكبر أجزائها، وفيه وقعت القسمة بين الله وبين المصلي في الصلاة، فإذا علمت هذا علمت مقام الملك فلم يخرج عنك وأصبت الأمر على ما هو عليه وأنصفت وعرفت من أين أتى على من أتى عليه في باب المفاضلة الله تعالى مجموع أسمائه مع التفاضل فيها في عموم التعلق فاجعل بالك ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وتأذّب بآداب الحق الذي هو عليها، فإن العبد إذا قال: لا حول ولا قوّة إلا بالله يصدقه ربه فيقول الرب: لا حول ولا قوّة إلا بي، ولم يتعرّض أن يقول: لا حول ولا قوّة إلا بك يا عبدي فإن هذه الكلمة لا تظهر من قائلها إلا بقائلها، ولكن لما علم تعالى أن الإنسان الحيوان شارك الإنسان الكامل بالصورة الإنسانية علم أنه إذا قال الحق: لا حول ولا قوّة إلا بك طردها الإنسان الحيوان في غير موطنها فأساء الأدب، والإنسان الكامل لا يفعل مثل هذا فراعى الحق الحرمة ليتعلم الكامل فهي مسألة تعلم وتعتقد ولا يفوه بها ناطق ولا تجري على لسان عبد مختص إلا في بيان العلم ليعلم الأمر على ما هو عليه، فإن الله أخد العهد على العلماء أن يعلموا من لا يعلم ما علمهم الله ومما علمهم الأدب، فلا يضعون الحكمة إلا في أهلها هذا من شأنهم رضي الله عنهم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السابع والسبعون وأربعمائة في حال قطب كان منزله ﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَفِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] و﴿لِمِثْلِ هَذَا [الصافات: ٦١ ] فَلْيَعْمَلِ الْعَمِلُونَ [نظم: البسيط] والكَنْزُ مُسْتَخْرَجْ والبَابُ مَفْتُوحُ العَقْلُ يقبلُ ما تأتي به الرُّوحُ عليه والعلمُ موهوبٌ ومَمْنُوحُ فليس للعقل تعديلٌ وتَخْرِيحُ مِيزَانُهُ فَبَدَا نَقْصِ وتَرْجِيحُ فإنه خَلْفَ باب الفكر مطروحُ من القُوى لم يَقُمْ بالعقل تسريحُ خَسِرْتَ فافْهَمْ فقولي فيه تَلْويحُ فإن رُتْبَتَهُ عدلٌ وتصحيحُ صَدْرٌ بِنُور شهود الحقّ مشروحُ له من الذّكْرِ قُدُّوس وسُبُّوحُ في غير ذلك تحسين وتقبيحُ الشَّخْصُ مُسْتَدْرَجْ والصَّدْرُ مَشْرُوحُ أين الأوائلُ لا كانوا ولا سَلَفُوا لكنهم حُجِبُوا بالفِكْرِ فاغْتَمَدُوا ما فيه مُكْتَسَبٌ إن كُنْتَ ذا نَصَفٍ العَدْلُ والجَزْعُ شَرْعُ الله جَاءَ به العقلُ أفْقَرُ خَلْقِ الله فاعْتَبِرُوا لولا الإلهُ ولولا ما حَبَاهُ به إنّ العقول قيودٌ إن وَثِقْتَ بها ميزانُ شَرْعِكَ لا تَبْرَحْ تَزِينُ به إن التنافُسَ في علم يقوم به هذا التنافسُ لا أبْغي به بَدَلاً لِمِثْل ذا يَعْمَلِ العاملُ ليس لهم قال الله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] وموجب الفرح المناسبة. ولما ١٦٦ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب السابع والسبعون وأربعمائة علمنا أنّ الإنسان مجموع ما عند الله علمنا أنه ما عند الله أمر إلا وله إليه نسبه فله منه مناسب، فالعالم لا يرمي بشيء من الوجود وإنما يبرز إليه ما يناسبه منه ولا يغلب عليه حال من الأحوال بل هو مع كل حال بما يناسبه كما هو الله معنا أينما كنا ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] ذلك بل هم بهذا القدر جاهلون، وعنه عمون، وهذا هو الذي أداهم إلى ذم الدنيا وما فيها والزهد في الآخرة وفي الكونين وفي كل ما سوى الله، وانتقدوا على من شغل نفسه بمسمى هذه كلها وجعلهم في ذلك ما حكي عن الأكابر في هذا النوع، وحملوا ألفاظهم على غير وجه ما تعطيه الحقيقة، ورأوا أن كل ما سوى الله حجاب عن الله، فأرادوا هتك هذا الحجاب فلم يقدروا عليه إلا بالزهد فيه، وسأبين هذا الفن في هذا الباب بياناً شافياً، وكون الحق كل يوم في شأن الخلق وكون الجنة وهي دار القربة ومحل الرؤية هي دار الشهوات وعموم اللذات ولو كانت حجاباً لكان الزهد والحجاب فيها، وكذلك الدار الدنيا، فأقول: إن الله خلق أجناس الخلق وأنواعه وما أبرز من أشخاصه لننظر فيه نظراً يوصلنا إلى العلم بخالقه فما خلقه لنزهد فيه، فوجب علينا الانكباب عليه والمثابرة والمحبة فيه لأنه طريق النظر الموصل إلى الحق، فمن زهد في الدليل فقد زهد في المدلول وخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين، وجهل حكمة الله في العالم وجهل الحق، وكان من الخاسرين الذين ما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين، فالرجل كل الرجل من ظهر بصورة الحق في عبودة محضة فأعطى كل ذي حق حقه، ويبدأ بحق نفسه فإنها أقرب إليه من كل من توجه له عليه حق من المخلوقين، وحق الله أحق بالقضاء، وحق الله عليه إيصال كل حق إلى من يستحقه، ولمثل هذا فليعمل العاملون، إذ ولا بد من إضافة العمل إلينا، فإن الله أضاف الأعمال إلينا وعين لنا محالها وأمكنتها وأزمنتها وأحوالها وأمرنا بها وجوباً وندباً وتخييراً، كما أنه نهانا عز وجل عن أعمال معينة عين لنا محالها وأماكنها وأزمانها وأحوالها تحريماً وتنزيهاً، وجعل لذلك كله جزاء بحساب وبغير حساب من أمور ملذة وأمور مؤلمة دنيا وآخرة، وخلقنا وخلق فينا من يطلب الجزاء الملذ وينفر بالطبع عن الجزاء المؤلم، وجعل لي وعليّ حقاً في رعيتي إذ خلق لي نفساً ناطقة مدبرة عاقلة مفكرة مستعدة لقبول جميع ما كلفها به وهي محل خطابه المقصودة بتكليفه وامتثال أوامره ونواهيه والوقوف عند حدوده ومراسمه، حيث حد لها ورسم في حق الحق وحق نفسه وحق غيره، فيطلبه أصحاب الحقوق بحقوقهم نطقاً وحالاً ظاهراً وباطناً، فيطلبه السمع بحقه والبصر واللسان واليدان والبطن والفرج والقدمان والقلب والعقل والفكر والنفس النباتية والحيوانية والغصبية والشهوانية والحرص والأمل والخوف والرجاء والإسلام والإيمان والإحسان وأمثال هؤلاء من عالمه المتصل به، وأمره الحق أن لا يغفل عن أحد من هؤلاء أوّلاً ويصرفهم في المواطن التي عين له الحق، وجعل هذه القوى كلها متوجهة على هذه النفس الناطقة بطلب حقوقها، وجعلها كلها ناطقة بتسبيح الله تعالى جعلاً ذاتياً لا تنفك عنه، وجعل هذه الحقوق التي توجهت لها على النفس الناطقة الحاكمة على الجماعة ثابتة الحق جزاء لما هي عليه من تسبيح الله بحمده دنيا وآخرة، وما منهم من ١٦٧ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب السابع والسبعون وأربعمائة يخالف أمر الله اختياراً، وأنه إذا وقعت المخالفة منهم فجبراً يجبرهم على ذلك الوالي عليهم الذي أمروا بالسمع والطاعة له، فإن جار فلهم وعليه، وإن عدل فلهم وله، ولم يعطِ الله هؤلاء الرعايا الذين ذكرناهم المتصلين به قوّة الامتناع مما يجبرهم على فعله بخلاف ما خرج عنهم ممن له أمر فيهم. ثم إن الله نعت لهم الجزاء الحسي وأشهدهم إياه في الحياة الدنيا بضرب مثال من نعيم الحياة الدنيا وبالوعد بذلك في الآخرة، ومنهم من أشهده ذلك في الأخرى وهو في الحياة الدنيا مشاهدة عين فرأى ما وقع له برؤيته من الالتذاذ ما لا يقدر قدره وما التذ به إلا من يطلب ذلك من رعيته فأخذ يسأله حقه من ذلك وأن لا يمنعه، وفي مثل هذا فليتنافس المتنافسون، وأيّ نفاسة أعظم من هذا؟ فالعارف المكمل المعرفة يعلم أن فيه من يطلب مشاهدة ربه ومعرفته الفكرية والشهودية، فتعين عليه أن يؤدّي إليهم حقهم من ذلك، وعلم أن فيه من يطلب المأكل الشهيّ الذي يلائم مزاجه، والمشرب والمنكح والمركب والملبس والسماع والنعيم الحسي المحسوس، فتعين عليه أيضاً أن يؤدّي إليهم حقوقهم من ذلك التي عين لهم الحق، ومن كان هذا حاله كيف يصح له أن يزهد في شيء من الموجودات وما خلقها الله إلا له، إلا أنه مفتقر إلى علم ما هو له وما هو لغيره لئلا يقول: كل شيء هو له، فلا ينظر من الوجوه الحسان إلا ما يعلم أنه له وما يعلم أنه لغيره يكف بصره ويغضه عنه فإنه محجور عليه ما هو لغيره، فهذا حظه من الورع والاجتناب والزهد، إنما متعلقه الأولوية بخلاف الورع وكل ترك، فأما الأولوية فينظر في الموطن ويعمل بمقتضاه ومقتضاه قد عينه له الحق بما أعلمه به بلسان الشارع فسموا من طريق الأخذ بالأولوية زهاداً حيث أخذوا بها فإن لهم تناول ذلك في الحياة الدنيا فما فعلوا لأن الله خيرهم فما أوجبه عليهم ولا ندبهم إليه ولا حجر عليهم ولا كرهه فاعلم ذلك. ثم إنه ينظر في هذا المخير فيه فلا يخلو حاله في تناوله أن يحول بينه هذا التناول وبين المقام الأعلى الذي رجحه له أو لا يحول، فإن حال بينه وبينه تعين عليه بحكم العقل الصحيح السليم تركه والزهد فيه، وإن كان على بينة من ربه أن ذلك لا يقدح ولا يحول بينه وبين المرتبة العليا من ذلك فلا فائدة لتركه كما قال لنبيه سليمان عليه السلام: ﴿هَذَا عَطَآؤُنَا فَمْنُنْ أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٩] ولا تكون ممن تلبس عليه الأمور فيتحيل أنه بزهده فيما هو حق لشخص ما من رعيته ينال حظ ما يطلبه به منه شخص آخر من رعيته فإن ذلك عين الجهل، فإن تلك الحقيقة تقول له ما هذا عين الحق لي، فالأولى بالعبد الذي كلفه الله تدبير نفسه وولاه أن يعلم فإذا علم استعمله علمه حتى يكون بحكم علمه ولا يستعمل هو العلم، فإنه إن استعمل علمه كان علمه بحكمه، فوقتاً يعمل به ووقتاً يتركه أي يترك العمل به، وما عمل الترك إلا بالعلم، وإذا كان العلم يستعمله ويصرفه ويكون هو معمولاً مستعملاً للعلم حكم عليه جبراً على الصواب فوفى الحقوق أربابها، ومثل هذا الإمام في العالم قليل ولذلك يقول: ليس السخي من تسخى بماله وإنما السخي من تسخى بنفسه على العلم فكان تحت سلطان علمه، هذا هو كبير العالم . وأما ما ذكرناه من علم الأوامر والنواهي الإلهية فنوردها إن شاء الله في الباب الأخير من هذا ١٦٨ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثامن والسبعون وأربعمائة الكتاب، وبه ختمنا الكتاب، وهو باب الوصية، فانظر إلى ما يعطيك هذا الهجير من الفوائد، وما ذكرت لك ما نتيجة هذه الهجيرات إلا ليكون ذلك باعثاً لك على طلب الأنفس والأوجه والأولى، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثامن والسبعون وأربعمائة في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَتِ أَوْ فِ الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيْرٌ﴾ [لقمان: ١٦] [نظم: البسيط] اسم سواهُ ولا عَيْنٌ ولا أَثَرُ الرّزْقُ يأتي به الرَّزَّاقُ ليس له حُكْماً عليه فهذا ليس يُعْتَبَرُ ولا تَقُولَنَّ في الوَهَّاب إنَّ له حُكْمُ الوُجوب وفي العَبْدِ يُخْتَبَرُ فإنه واجبٌ والوَهْبُ ليس له ﴾ [هود: ٨٦] ما أحل لك تناوله من الشيء الذي يقوم به أودك لتقوم ﴿يَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ به في طاعة ربك وإنما سماه بقية لأنه بالأصالة خلق لك ما في الأرض جميعاً، فكنت مطلق التصريف في ذلك تأخذ ما تريد وتترك ما تريد، ثم في ثاني حال حجر عليك بعض ما كان أطلق فيه تصرفك وأبقى لك من ذلك ما شاء أن يبقيه لك فذلك بقية الله، وإنما جعلها خيراً لك لأنه علم من بعض عباده أن نفوسهم تعمى عن هذه البقية بما يعطيهم الأصل فيتصرفون بحكم الأصل فقال لهم: البقية التي أبقى الله خير لكم ﴿إِن كُنتُم مُؤْمِينٌ﴾ [هود: ٨٦] أي مصدقين بأني خلقت لكم ما في الأرض جميعاً، فإن صدقتموني في هذا صدقتموني فيما أبقيت لكم من ذلكم، وإن فصلتم بين الأمرين فآمنتم ببعض وكفرتم ببعض لم تكونوا مؤمنين، ثم إنكم لن تنالوا من ذلك مع جمعكم إياه وانكبابكم عليه إلا ما قدرته لكم وخسر تموني، وسواء عليكم تعرضتم لتحصيل ما ضمنته لكم أو أعرضتم عنه لا بد لي أن أوصله إليكم فإني أطلبكم به كما أطلبكم بآجالكم، وما ذلك من كرامتكم علي ولا من إهانتكم، فإني أرزق البر والفاجر والمكلف وغير المكلف، وأميت البر والفاجر والمكلف وغير المكلف وإنما عنايتي أن أوصل إليك من البقية لا من غيرها، في مثل هذا تظهر عنايتي بالشخص الموصل إليه ذلك فإنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، كما أنه لن تموت نفس حتى يأتيها أجلها المسمى، وسواء كان الرزق قليلاً أو كثيراً، وليس رزقك إلا ما تقوم به نشأتك وتدوم به قوتك وحياتك ليس رزقك ما جمعت وادخرت فقد يكون ذلك ولغيرك لكن حسابه عليك إذا كنت جامعه وكاسبه، فلا تكسب إلا ما يقوتك ويقوت من كلفك الله السعي عليه لا غير، وما زاد على ذلك مما فتحت به عليك فأوصله إنعاماً منك إلى من شئت ممن تعلم منه أنه يستعمله في طاعتي، فإن جهلت فأوصله فإنك لن تخيب من فائدته من كونك منعماً بما سميته ملكاً لك فأنت فيه كرب النعمة وليس غيري فأنت نائبي أو النائب بصورة من استخلفه، وقد رزقت النبات والحيوان والطائع والعاصي، فكن أنت كذلك وتحرى الطائع ١٦٩ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثامن والسبعون وأربعمائة جهد استطاعتك فإن ذلك أوفر لحظك وأعلى وفي حقك أولى وأثنى. واعلم أنه كما خلقت لك ما تحيي به ذاتك وتنعم به نفسك اعتناء بك فقد خلقت لك أيضاً ما إذا تصرّفت فيه أحييت به أسمائي ونعمت به نفوسهم وتكون أنت الآتي بذلك إليهم كما أنا الآتي برزقك إليك حيث كنت وكان رزقك، فإني أعلم موضعك ومقرّك، وأعلم عين رزقك وأنت لا تعلمه حتى تأكله أو أعلمك به على التعيين، فإذا تغذيت به وسرى في ذاتك حينئذٍ تعلم أنه رزقك كذلك علمتك فعلمت ما تستحقه الأسماء الحسنى من الرزق الذي تقوم به حياتها ونشأتها، وأعطيتك علم ذلك وعينه وجعلتك الآتي به إليهم، وكما طلبت منك الشكر على ما جئتك به من الرزق كذلك تطلب أنت الشكر على ما أتيت به من أسمائي، وإذا شكرتك أسمائي فأنا شكرتك فسعدت سعادة لم يسعد مثلها إلا من عمل مثل هذا العمل، وأسمائي لا بد أن يصل إليها ذلك من العالم ولكن لا يشكر أسمائي إلا من قصدها بذلك اعتناء منه بجانبها لا من جاء بها غافلاً عنها أن ذلك لها ﴿هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونٌ﴾ [الزمر: ٩] لا والله كما لا يستوي الذين اجترحوا السيئات بالذين آمنوا وعملوا الصالحات في محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون أي ساء من يحكم بذلك، ثم أفصل وأقول قول لقمان لابنه: ﴿فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ﴾ [لقمان: ١٦] أي عند ذي قلب قاسٍ لا شفقة له على خلق الله، قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدٍ ذَلِكَ فَهِىَ كَالِحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾ [البقرة: ٧٤] وقوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾ فإن الحجر لا يقدر أن يمتنع عن تأثيرك فيه بالمعول، والقلب يمتنع عن أثرك فيه بلا شك فإنه لا سلطان لك عليه، فلهذا كان القلب أشد قسوة أي أعظم امتناعاً وأحمى، وإن أحسنت في ظاهره فلا يلزم أن یلین قلبه إليك فذلك إليه . وحكي أن بعض الناس كسر حجراً صلداً يابساً فرأى في وسط ذلك الحجر تجويفاً فيه دودة في فمها ورقة خضراء تأكلها. وروي في النبوّة الأولى أن لله تعالى تحت الأرض صخرة صماء في جوف تلك الصخرة حيوان لا منفذ له في الصخرة وأن الله قد جعل له فيها غذاء وهو يسبح الله ويقول: سبحان من لا ينساني على بعد مكاني يعني من الموضع الذي تأتي منه الأرزاق لا على بعد مكانها من الله، فإن نسبة الله إلى خلقه من حيث القرب بسكون الراء نسبة واحدة، ومن حيث القرب بفتح الراء نسبة مختلفة فاعلم ذلك أو في السموات بما أودع الله في سباحة الكواكب في أفلاكها من التأثيرات في الأركان لخلق أرزاق العالم أو الأمطار أيضاً، فإن السماء في لسان العرب المطر، قال الشاعر [الوافر]: إذا سَقَطَ السَّماءُ بأرضٍ قَوْمٍ يعني بالسماء هنا المطر وقوله: أو في الأرض بما فيها من القبول والتكوين للأرزاق فإنها محل ظهور الأرزاق كالأم محل ظهور الولد الذي للأب فيه أيضاً أثر بما ألقاه من الماء في الرحم سواء كان مقصوداً له ذلك أو لم يكن كذلك الكوكب يسبح في الفلك، وعن سباحته يكون ما يكون في الأركان الأمهات من الأمور الموجبة للولادة، وسواء كان ذلك مقصوداً للكوكب أو لم يكن بحسب ما يعلمه الله عز وجل مما أوحى به في كل سماء من ١٧٠ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب التاسع والسبعون وأربعمائة الأمر الإلهي الذي لا يعلمه إلا من أوحى به إليه فأينما كانت مثقال هذه الحبة من الخردل لقلتها بل لخفائها يأت بها الله، نبه بهذا التعريف لتأتيه أنت بما كلفك أن تأتيه به فإنك ترجوه فيما تأتيه به ولا يرجوك فيما أتاك به فإنه غني عن العالمين، وأنت من الفقراء إليه، فإتيانك إليه بما كلفك الإتيان به آكد في حقك أن تأتي به لافتقارك وحاجتك لما يحصل لك من المنفعة بذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ أي هو أخفى أن يعلم ويوصل إليه أي إلى العلم به من حبة الخردل ﴿خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] للطفه بمكان من يطلب تلك الخردلة منه لما له من الحرص على دفع ألم الفقر عنه، فإن الحيوان ما يطلب الرزق إلا لدفع الآلام لا غير، فلو لم يحس بالألم لما تصوّر منه طلب شيء من ذلك فليس نفعه سوى دفع ألمه بذلك وهو الركن الأعظم، ولولا أن حكم الجنة في أنه نفس حصول الشهوة نفس حصول المشتهى بحيث لو تأخرت عنه إلى الزمان الثاني الذي يلي زمان حصول الشهوة لكان ذا ألم لفقد المشتهى زمان الشهوة كالدنيا فإنه لا بد أن يتأخر حصول المشتهي عن زمان الشهوة فلا بد من الألم، فإذا حصل المشتهى فأعظم الالتذاذ به اندفاع ذلك الألم فافهم هذا وحققه فإنه ينفعك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب التاسع والسبعون وأربعمائة في حال قطب كان منزله: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَتِ اَللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّدٍ،﴾ [الحج: ٣٠] [نظم: مجزوء الرمل] ما يَرَى عيناً سوى اللَّهِ مَنْ يُعَظِّمْ حُزْمَةَ اللَّهِ ليس في الأعيان إلاّ هِي كل ما في الكون حُزْمَتُهُ لا ولا في الحكم باللأَّهي ليس بالسّاهِي مُعَظُّمُها من يرى الأشياء بالله كيف يَسْهُو عن محارمه وأنا عن ذاك بالسَّاهي فهو الرَّائي بجَارِحَتِي العالم حرم الحق والكون حرمه الذي أسكن فيه هؤلاء الحرم، وأعظم الحرم ما له فيه أثر الطبع النكاحي لأنه محل التكوين، والعالم كله حرم الله فإنه محل تكوين الأحكام الإلهية لظهور الأعيان، فأي عين ظهر عاد حرمة من الحرم فحواء من آدم سواء منه ظهرت فهي عينه وهو عينها حرمته وزوجته التي كون فيها نبيه لأنها ضلعه القصير قبل الشكل المعلوم بالإنسان. فهكذا ما خلق الله من العالم والإشارة إليه في قوله جميعاً منه وقوله في عيسى وروحه لم ينسبه إلى غير لأنه ماثم غير، فمن عظم حرمة الله من العالم فما عظم إلا نفسه، وقد تبين لك أنك منه لا من ذاتك ولا من أمر آخر، فمن عظم حرمة الله فإنما عظم الله ومن عظم الله كان خيراً له وهو ما يجازيه به من التعظيم في مثل قوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَتِ اَللَّهِ﴾ [الحج: ٣٠] وقوله: ﴿عِندَ رَبِّهٍ،﴾ [الحج: ٣٠] العامل في هذا الظرف في طريقنا قوله: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ﴾ أي من يعظمها عند ربه أي في ذلك الموطن، فلتبحث في المواطن التي تكون فيها عند ربك ما هي كالصلاة مثلاً، فإن المصلي يناجي ربه ١٧١ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثمانون وأربعمائة فهو عند ربه، فإذا عظم حرمة الله في هذا الموطن كان خيراً له، وتعظيم الحرمة أن يتلبس بها حتى تعظم فإذا عظمت كان التكوين كما بها، فلما أثقلت دعوا الله، والمؤمن إذا نام على طهارة فروحه عند ربه فيعظم هناك حرمة الله فيكون الخير الذي له في مثل هذا الموطن المبشرة التي تحصل له في نومه أو يراها له غيره، والمواطن التي يكون العبد فيها عند ربه كثيرة فيعظم فيها حرمات الله على الشهود، وهذا الباب إن بسطنا القول فيه طال، وهذه الإشارة القليلة تعطي صاحب الفهم بقوّتها ما في البسط من الفوائد الوجودية وهذا كاف في الغرض المقصود، والحمد لله رب العالمين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثمانون وأربعمائة في حال قطب كان منزله: ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] [نظم: البسيط] رُوحاً وجسماً فلا تَعْدِلْ عنِ الرَّشَدِ من المِزَاجِ قُوَى الإنسان أجْمَعُهَا لعله قبلتها نشأة الجَسَدِ بذاك يضَعَفُ في حالٍ تَصَرُّفُها فذاك حكم الإلهِ الواحد الصَّمَدِ فإن بَدًا لك ما يذهب بعادتها كمِثْلِ عيسى ومن قد كان أشْبَهَهُ من الأناسِي وما بالرَّبْع من أَحَدٍ سوى الذي خَلَقَ الإنسان في کُبَدِ يأتي بما جاءكم من خَرْق عادتِه قال الله عز وجل: ﴿وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَّوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥] فهذا سلام من الله عليه. وقال عيسى عن نفسه عليه السلام إخباراً بحاله مع الله فيما أخبر الله به عن عنايته بيحيى عليه السلام: ﴿ وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُّ وَبَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] وزاد المحمدي الوارث: ((كُنْتُ نَبِيّاً وَآدَمُ بَيْنَ المَاءِ وَالطَّينِ)) وذلك أن [الطويل]: لأن لها القُرْبَ الإِلْهِيَّ بالنّصُ عنايةُ رَيْعان الشَّباب قَوِيَّةٌ وهذي علوم ليس تُذْرَكُ بالفَخصِ لأن عُلُوم القوم ذَوْقٌ وخبرةٌ فإن رسول الله مَله برز بنفسه وحسر الثوب وقال لما أقبل الغيث حتى أصابه أنه حديث عهد بربه، فهذا هو النص الجلي الذي أتى من الشرع في الغيث القريب من الرب فكل أول في العالم فإنه حديث عهد بربه، وكل ما في العالم أول فإنه شيء فهو في وجوده حديث عهد بربه إذ قال له: ﴿كُنْ﴾ فالعالم كله عالم الأمر سواء كان من عالم الخلق أو لم يكن، وقد بينا عالم الأمر والخلق ما هو وهو الوجه الخاص الذي في عالم الخلق وما عثر عليه أحد من أهل النظر في العلم الإلهي إلا أهل الله ذوقاً، ولما كان للصبي حدثان هذا القرب وهو قرب التكوين والسماع ولم يحل بينه وبين إدراك قربه من الله حائل لبعده عن عالم الأركان في خلقه فلم يكن عن أب عنصري ولكن كان روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، فلم يكن ثم ما يغيبه عمن صدر عنه فقال مخبراً عن ما شاهده من الحال فحكم في مهده على مرأى من قومه الذين افتروا في حقه على أمّه مريم فبرأها الله بنطقه وبحنين جذع النخلة إليه إذا كثر الشرع في ١٧٢ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثمانون وأربعمائة الحكومة بشاهدين عدلين ولا أعدل من هذين فقال: ﴿إِنِّ عَبْدُ اللَّهِ﴾ فحكم على نفسه بالعبودية لله وما قال ابن فلان لأنه لم يكن ثم وإنما كان حق تجلى في صورة روح جبريل لما في القضية من الجبر الذي حكم في الطبيعة بهذا التكوين الخاص الغير معتاد ﴿ءَاتَنَةٍ، اُلْكِتَبَ﴾ فحصل له إنجيله قبل بعثه فكان على بينة من ربه فحكم بأنه مالك كتابه الإلهي ﴿ وَجَعَلَنِى نِيًّا﴾. [مريم: ٣٠] فحكم بأن النبوّة بالجعل لأن الله يقول: ﴿فِى أَبِّ صُورَقٍ مَّا شَآءَ رَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] فهو في الصورة بالجعل لئلا يتخيل أن ذلك بالذات بل هو اختصاص إلّهي ﴿ وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا﴾ أي خصني بزيادة لم تحصل لغيري، وتلك الزيادة ختمه للولاية ونزوله في آخر الزمان وحكمه بشرع محمد ري حتى يكون يوم القيامة ممن يرى ربه الرؤية المحمدية في الصور المحمدية ﴿أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ من دنيا وآخرة فإنه ذو حشرين: يحشر في صف الرسل ويحشر معنا في أتباع محمد مرَله ﴿وَأَوْصَنِى بِالصَّلَّةِ﴾ المفروضة في أمة محمد ◌َّ أن أقيمها لأنه جاء بالألف واللام فيها ﴿ وَالزَّكَوْةِ﴾ أيضاً كذلك ﴿مَا دُمْتُ حَيَّ﴾ [مريم: ٣١] زمان التكليف وهو الحياة الدنيا ﴿وَبَرَّ بِوَالِدَتِ﴾ فأخبر أنه شق في خلفه فإن لأمّه عليه ولادة لما كانت محل تكوينه فقلت نسبته العنصرية في خلقه فكان أقرب إلى ربه فكان أحدث عهد بعبوديته لربه ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢] إذ لا يكون ذلك ممن يكون إلا بالجهل والجهل فيه إنما هو من قوّة سلطان ظلمة العنصر، وقد بينا مرتبة عالم الطبيعة من عالم العناصر في هذا الكتاب في مواضع منه ﴿ وَالسَّلَمُ عَلَىّ﴾ لعلمه بمرتبته من ربه وحظه منه ﴿يَوْمَ وُلِدِتٌ﴾ يعني له السلامة في ولادته من تأثير العبد المطرود الموكل بالأطفال عند الولادة حين يصرخ الولد إذا وقع من طعنته فلم يكن لعيسى عليه السلام صراخ بل وقع ساجداً لله تعالى: ﴿وَيَوْمَ أَمُوتُ﴾ يكذب من يفتري عليه أنه قتل فلم يقل ويوم أقتل ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] يعني في القيامة الكبرى أكد موته فآتاه الحكم بما ذكره وهو صبيّ رضيع في المهد، فكان أتم في الوصلة بربه من يحيى ابن خالته فإن عيسى سلم على نفسه بسلام ربه ولهذا ادّعي فيه أنه إله، ويحيى سلم عليه ربه تعالى ولم ينص على أنه عرف بذلك السلام عليه أو لم يعرف. واعلم أن الناس إنما يستغربون الحكمة من الصبيّ الصغير دون الكبير لأنهم ما عهدوا إلا الحكمة الظاهرة عن التفكر والروية، وليس الصبيّ في العادة بمحل لذلك فيقولون إنه ينطق بها فتظهر عناية الله بهذا المحل الظاهر، فزاد يحيى وعيسى بأنهما على علم مما نطقا به علم ذوق لأن مثل هذا في هذا الزمان والسنّ لا يصح أن يكون إلا ذوقاً وأن الله آتاه الحكم صبياً وهو حكم النبوّة التي لا تكون إلا ذوقاً، فمن كان هجيره هذا فورائته وإن كان محمدياً لهذين النبيين أو لأحدهما على حسب قوّة نسبته منهما أو من أحدهما، وقد نطق في المهد جماعة أعني في حال الرضاعة، وقد رأينا أعظم من هذا رأينا من تكلم في بطن أمّه وأدى واجباً وذلك أن أمه عطست وهي حامل به فحمدت الله فقال لها من بطنها: يرحمك الله بكلام سمعه الحاضرون وأما ما يناسب الكلام فإن ابنتي زينب سألتها كالملاعب لها وهي في سن الرضاعة وكان عمرها في ذلك الوقت سنة أو قريباً منها فقلت لها بحضور أمها وجدتها: يا بنية ١٧٣ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الأحد والثمانون وأربعمائة ما تقولين في الرجل يجامع أهله ولا ينزل؟ فقالت: يجب عليه الغسل، فتعجب الحاضرون من ذلك، وفارقت هذه البنت في تلك السنة وتركتها عند أمها وغبت عنها وأذنت لأمها في الحج في تلك السنة ومشيت أنا على العراق إلى مكة فلما جئنا المعرّف خرجت في جماعة معي أطلب أهلي في الركب الشامي فرأتني وهي ترضع ثدي أمها فقالت: يا أمي هذا أبي قد جاء فنظرت الأمّ حتى رأتني مقبلاً على بعد وهي تقول: هذا أبي هذا أبي فناداني خالها فأقبلت فعندما رأتني ضحكت ورمت بنفسها عليّ وصارت تقول لي: يا أبت يا أبت، فهذا وأمثاله من هذا الباب. الباب الأحد والثمانون وأربعمائة في حال قطب كان منزله: إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً [نظم: البسيط] نَشْأَتُها فلها في الوَزْنِ رُجْحَانُ مَنْ يَشْهَدِ اللَّهَ في أعماله حَسُنَتْ فَضَى بذلك في التعريف مِيزانٌ مع الشّهودٍ له أجْرٌ يُخَصُّ به له رسالته ما فيه نُقْصَانُ إنّ الرسولَ له أجْرٌ تُعَيْنُهُ وفي الوجود لنا ربحٌ وخُسْرانٌ لولا الوجودُ لما كان الشهودُ لنا وليس يَذْري الذي جئنا به أحَدٌ إلا عليمٌ بما في الأمْرِ حَيْرانُ قال رسول الله وَل في الإحسان: ((إنه العمل على رؤية الحق في العبادة))، وهو تنبيه عجيب من عالم شفيق على أمته، لأنه علم أنه إذا قام العبد في عمله عبادة وجعل في نفسه أنه يرى ربه ويراه ربه بما استحضره في تلك العبادة على قدر علمه فإنه إذا كان هذا هجيره وديدنه ذلك أبصر أن العامل هو الله لا هو وأن العبد محل ظهور ذلك العمل، كما ورد أن الله قال على لسان عبده: سمع الله لمن حمده، فالإحسان في العبادة كالروح في الصورة يحييها وإذا أحياها لم تزل تستغفر لصاحبها ولها البقاء الدائم فلا يزال مغفوراً له، فإن الله صادق وقد أخبر أنه لا يضيع أجر من أحسن عملاً، بل لا يضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض كان العمل ما كان، فإن كان خيراً فلا يضيع أجره، وإن لم يكن خيراً فإن الله لا يضيعه لأنه لا بد أن يبدل الله سيئات التائب حسنات، فإن لم يكن العمل غير مضيع وإلاَّ ففي أي أمر يقع التبديل لأن الأعمال صور أنشأها العامل لا بل أنشأها الله فإنه العامل والعبد محل ظهور ذلك العمل كالهيولى لما يقبله من فتح الصور فيها، ثم إن الحضور مع الله تعالى وهو الإحسان في ذلك العمل حياة ذلك العمل وبه سمي عبادة، ولولا هذا الحضور ما كان عبادة، فما من مؤمن يعصي إلا وفي نفسه ذل المعصية فلذلك يصير عباده ولو لم يكن إلا علمه بأنها معصية، وأي روح أشرف من العلم كما قال الله عن نفسه إنه أحاط بكل شيء علماً ودل عليه دليل العقل والعمل من الأشياء وهو يعلمه ويعلم حيث هو، فكيف يضيع عنه أو يضيعه وهو خلق من خلقه يسبح بحمده، فإن كانت حياته عن نفخ ربه سبح بحمده، وإن كانت حياته عن ١٧٤ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثاني والثمانون وأربعمائة حضور عامله ومنشئه وكان العمل ما كان سبح بحمده واستغفر لعامله فهذا الفرقان بين العملين، فإن أعطى الله المغفرة لغير الحاضر فإنما ذلك مراعاة إلهية لكون هذا العبد أنشأ بوجوده صورة ولا بد لكل صورة من روح فإن الله يغفر له لكونه ظهرت عنه صورة نفخ الحق فيها روحاً منه فسبحت بحمده، فلهذا الاشتراك لحقت المغفرة صاحب ذلك العمل كان من كان، ولحقته متى لحقته، والتروك لا تكون أعمالاً إلا إذا نويت وما لم ينوها صاحبها فإنها ليست بعمل، فإن الأعمال منها ظاهرة وباطنة أو يترك الإنسان ما أمر بفعله فإن الترك عدم محض، إلا أن هناك دقيقة وذلك أن العمل الذي يكون فيه في زمان ترك ما أوجب الله عليه فعله هو الذي يكون صورة من إنشاء عامله لا عين الترك، فإن الزمان إنما هو لذلك العمل المتروك حتى يتوب وهذا أشد المعاصي وأعظمها، ولهذا ذهب من ذهب من أهل الظاهر إلى أنه من صلّى ركعتي الفجر ولم يضطجع فإن صلاة الصبح لا تصح له، وإن لم يركع الفجر لم يجب عليه الاضطجاع وجازت صلاة الصبح وغايته أنه ترك سنة مؤكدة لا إثم عليه في تركها وهذا عين ما ذكرناه والتعليل واحد، فكل عمل مأمور به على طريق الفرض والوجوب وترك، فإن العمل الذي يقوم الإنسان فيه على البدل من العمل المأمور به هو الذي يقوم صورة لا عين الترك فافهم، ولكن إذا كان العمل المتروك يشغل زماناً بذاته لا يصح في ذلك الزمان غيره ويكون مطلقاً لا يكون زماناً مقيداً، ويكون العمل ممن يحرم على العامل التصرّف في عمل غيره كالصلاة، فإن لم يكن كذلك فأي عمل عمله فإنه مقبول أعني من أعمال الخير لأنه عمله في زمان يجوز له فيه عمله، فأحسن العمل ما عمل بشرطه وفي زمانه وتمام خلقه وكمال رتبته في حاله، فحينئذٍ يكون صورة مخلقة، فافهم ذلك واعمل بحسبه فإنك تنتفع بذلك إن شاء الله. الباب الثاني والثمانون وأربعمائة في حال قطب كان منزله: ﴿﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَّ وَإِلَى اللَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [لقمان: ٢٢] [نظم: الوافر] فذاك الوَجْهُ ليس له انْتِهَاءُ ومَنْ يُسْلِمْ إلى الرَّحْمُنِ وَجْهاً يُعَيِّنُهُ فِيَخْصُرُهُ الثّنـاءُ لأن الله ليس له ابتداءً وهذا الحَقُّ ليس به خفاءُ فأُشْهِدُهُ بإسلامي إليه لمَاسِكها الهُدَى والاغْتِلَاءُ وذاك العُروَةُ الْوُثْقَى لدينا لقد قَسَمَ الصَّلاةَ وَلَسْتُ كُفْواً فبان الاهتِدَا والاقْتِداءُ فمَنْزِلُهُ ومَنْزِلُنا سَوَاءُ كأن الحَقَّ لم يَخْلُقْ سِوَائي يعني في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] قال الله تعالى: ﴿قَلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ أُدْعُواْ الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، فلم يفرق بين الاسم الله والاسم الرحمن، بل جعل الاسمين من ١٧٥ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثالث والثمانون وأربعمائة الألفاظ المترادفة، وإن كان في الرحمن رائحة الاشتقاق ولكن المدلول واحد من حيث العين المسماة بهذين الاسمين، والمسمى هو المقصود في هذه الآية ولذلك قال: ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ اُلْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، ومن أسمائه الحسنى: الله والرحمن إلى كل اسم سمى به نفسه مما نعلم ومما لا نعلم ومما لا يصح أن يعلم، لأنه استأثر بأسماء في علم غيبه لما كان الاسم الله قد عصمه الله أن يسمى به غير الله فلا يفهم منه عند التلفط به وعند رؤيته مرقوماً إلا هوية الحق لا غير فإنه يدل عليه تعالى بحكم المطابقة، قال أبو يزيد عند ذلك أنا الله يعني ذلك المتلفظ به في الدلالة على هويته، يقول رضي الله عنه: أنا أدل على هوية الله من كلمة الله عليها ولذلك سماه كلمته، وقال عليه السلام: ((إنَّ أَوْلِياءَ اللّه هُمُ الَّذِينَ إذا رُؤُوا ذُكِرَ الله)) وسموا أولياء الله لقيام هذه الصفة التي تولاهم الله بها بهم وأي إسلام وانقياد ذاتي لأنه قال وجهه أعظم من هذا الانقياد والإسلام وهو محسن أي فعل ذلك عن شهود منه لأن الإحسان أن ترى ربك في عبادتك فإن العبادة لا تصح من غير شهود، وإن صح العمل فالعمل غير العبادة، فإن العبادة ذاتية للخلق والعمل عارض من الحق عرض له فتختلف الأعمال فيه ومنه، والعبادة واحدة العين، فكما لا تفرق بين الله والرحمن كذلك لا تفرق بين العبد الحقيقي وبين ربه فعندما تراه فلا ينكره إلا من أنكر الرحمن، فلذلك سمي هذا المقام العروة الوثقى أي التي لا تتصف بالانخرام لأنها لذاتها هي عروة وثقى شطرها حق وشطرها خلق، كالصلاة حكم واحد نصفها لله ونصفها للعبد ولم يقل للمصلي ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ٢٢] فنبه أن مرجع هذا التفصيل كله إلى عين واحدة ليس غير ذلك العين لها صفة الوجود، فمن لم يكن له مثل هذا النتاج في هذا الهجير فما ذكر الله به وإن لم يزل به متلفظاً فليس المقصود منه إلا ظهور مثل هذا، وهذه الإشارة كافية في هذا الذكر، والحمد لله وحده. الباب الثالث والثمانون وأربعمائة في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿قَدْ أَفَحَ مَن زَّكَّنْهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنْهَا﴾ [الشمس: ٩و١٠] [نظم: الرمل] بصفات القُدْس في نَشْأْتِهَا فَازَتِ النَّفْسُ إذا ما اتَّصَفَتْ وَقَفَتْ فيه على حِكْمَتِهَا أر بأَمْرٍ عارضٍ كان لها ما اقْتَضَاهُ الأمرُ من سورتها فهما في الحُكْمِ سِيَّان على دون نَعْتٍ خابَ من جُمْلَتِها والذي قد دَسَّها بينهما أنه الظاهر في صُورتها لم يجب من بعد ما تنتجه لدخول الكَوْنِ في رَخمتها فله الحَمْدُ على ذاك وذا تحقيق هذا الذكر أن النفس لا تزكو إلا بربها فبه تشرف وتعظم في ذاتها لأن الزكاة ربوّ، فمن كان الحق سمعه، وبصره وجميع قواه والصورة في الشاهد صورة خلق فقد زكت نفس من هذا نعته وربت وأنبتت من كل زوج بهيج كالأسماء الإلهية لله، والخلق كله بهذا ١٧٦ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثالث والثمانون وأربعمائة النعت في نفس الأمر، ولولا أنه هكذا في نفس الأمر ما صح لصورة الخلق ظهور ولا وجود ولذلك ﴿خَابَ مَن دَسَّنهَا﴾ [الشمس: ١٠] لأنه جهل ذلك فتخيل أنه دسها في هذا النعت وما علم أن هذا النعت لنفسه نعت ذاتي لا ينفك عنه يستحيل زواله لذلك وصفه بالخيبة حيث لم يعلم هذا ولذلك قال: ﴿قَدْ أَفَحَ﴾ [الشمس: ٩] ففرض له البقاء، والبقاء ليس إلا لله أو لما كان عند الله وما ثم إلا الله أو ما هو عنده فخزائنه غير نافدة فليس إلا صور تعقب صوراً، والعلم بها يسترسل عليها استرسالاً بقوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٣١] مع علمه بها قبل تفصيلها، فلو علمها مفصلة في حال إجمالها ما علمها فإنها مجملة، والعلم لا يكون علماً حتى يكون تعلقه بما هو المعلوم عليه، فإن المعلوم هو الذي يعطيه بذاته العلم والمعلوم هنا غير مفصل فلا يعلمه إلا غير مفصل إلى أنه يعلم التفصيل في الإجمال، ومثل هذا لا يدل على أن المجمل مفصل إنما يدل على أنه يقبل التفصيل إذا فصل بالفعل هذا معنى ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ وإذا كان الأمر كما ذكرناه فما ثم ﴿مَن دَسَنهَا﴾ ولو كان ثم لكان هو الموصوف بالخيبة لأن الشيء لا يمكن أن ينجعل ولا يندس في غير قابل لاندساسه، وإذا دسه فقد قبله ذلك القابل، وإذا قبله فما تعدى ذلك المدسوس رتبته لأنه حل في موضعه واستقرّ في مكانه، فما خاب من دسه الخيبة المفهومة من الحرمان فله العلم وما له نيل الغرض فحرمانه عدم نيل غرضه فإن العلم ما هو محبوب لكل أحد، ولو كان العلم محبوباً لكل أحد ما قال من قال إن العلم حجاب والحجاب عن الخير تنفر منه الطباع، ونحن إذا قلنا العلم حجاب فإنما نعني به يحجب عن الجهل فإن الوجود والعدم لا يجتمعان أعني النفي والإثبات فما يخيب إلا أصحاب الأغراض وهم الأشقياء، فمن لا غرض له لا خيبة له وأنت تعلم أنه إذا دس شيء في شيء إن لم يسعه فلا يندس فيه وإن اندس فقد وسعه ولا يسعه إلا ما هو له فلكل دار أهل، وما ثم في الآخرة إلا داران جنة ولها أهل وهم الموحدون بأي وجه وحدوا وهم الذين زكوا نفوسهم، والدار الثانية النار ولها أهل وهم الذين لم يوحدوا الله وهم الداسون أنفسهم فخابوا لا بالنظر إلى دارهم ولكن بالنظر إلى الدار الأخرى، فكما أنه لم يتعدَ أحد هنا ما قدر له وما أعطته نشأته الخاصة به كذلك لم يتعد هنالك ما قدر له موطنه الذي هو معين لذلك الذي قدر له، فمن خلق للنعيم فسييسره فَسَنْيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ -٧] ومن خلق ٦ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى لليسرى ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنََّى للجحيم فسييسره للعسرى ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ بنفسه على ربه حيث طلب منه قلبه ليتخذه بيتاً له بالإيمان أو التوحيد ﴿ وَأَسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٨] بنفسه عن ربه في زعمه ﴿وَكَذَّبَ بِلْمُسْنَى﴾ [الليل: ٩] وهي أحكام الأسماء الحسنى ﴿فَسَنُيَسِرُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] فهذا تيسير التعسير وهو يشبه الدس، فإن الدس يؤذن بالعسر لا بالسهولة، فلو جهد أحد أن يدخل فيما لا يسعه ما يمكن له ذلك جملة واحدة وما كلف الله نفساً إلا وسعها في نفس الأمر، ولذلك وسعت رحمته كل شيء وزال الغضب وارتفع حكمه وتعينت المراتب وبانت المذاهب وتميز المركوب من الراكب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ١٧٧ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الرابع والثمانون وأربعمائة الباب الرابع والثمانون وأربعمائة وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ نَنْظُرُونَ في حال قطب كان منزله ﴿فَلَوْلَآ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (َ وَ وَغَحْنُ (٨٤) [الواقعة: ٨٣ _ ٨٥] أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا نُصِرُونَ ﴾ [نظم: الطويل] إذا اخْتُضِرَ الإنسانُ هَيَّأْ ذَاتَهُ فيا عجباً من غائب وهو حاضرٌ فإن زَالَ عن تركيبه وهو زائلٌ لرُؤْية من يَلْقَاه وهو بعَيْنِهْ وليس يراه الشخصُ من أجل کَوْنِه فإن وجودَ الحَقّ في سَتْرٍ صَوْنِةْ فلو زال ذاك القربُ قام بِعَوْنِه ومن فَرَّط قرب الشيء كان حجابه فِيَشْهَدُهُ حالاً وعَيْناً بعينه فسبحان من لا تشهدُ العَيْنُ غَيْرَهُ فما الشأنُ إلا في وجودي وكونه وخُصَّ بهذا الوصف من أجل حَيْنِهْ على عِزّهِ فيما يَزِينُ وشَيْنِهْ فمن بينه كانت شواهد بَيْنِه البين الأول الوصل والآخر الفراق وليس إلا آخر الأنفاس فما بعده نفس خارج لأنه ليس ثم وقد خرج وفارق القلب بصورة ما كشف له، فإن كان الكشف مطابقاً لما كان عليه فهو السعيد، وإن لم يكن مطابقاً فهو بحسب ما كشفه قبل فراقه القلب لأنه هنالك يكتسب الصورة التي يخرج بها، وهذه منة من الله بعبده حتى لا يقبض الله عبداً من عباده إلا كما أخرجه من بطن أمه على الفطرة، فإن المحتضر ما فارق موطن الدنيا إلا أنه على أهبة الرحيل رجله في غرز ركابه وهنالك ينكشف له شهوداً حقيقة قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقوله في حق طائفة: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] غير أن الذين بقيت لهم أنفاس من الحاضرين لا يبصرون معية الحق في أينية هذا العبد فإنهم في حجاب عن ذلك إلا أهل الله فإنهم يكشفون ما هو للمحتضر مشهود كما كان الأمر عندهم، فإن عم بقوله: ﴿لَّا نُصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] فإنه يريد الذوق فإن ذوق كل شاهد في مشهوده لا يكون لغيره، وإن اتصف بالشهود فالحق عند العارف في العين وعند غير العارف في الأين، فبرحمة من الله كان هذا الفضل من الله، ولولا الدار ما تجذب أهلها جذب المغناطيس الحديد، ولولا أهلها ما هم كأولاد أم عيسى مع الصبغ ما رموا نفوسهم فيها، يقول النبي بَّرَ: ((إِنَّكُمْ لَتَقْتَحِمُونَ فِي النَّارِ كَالفَرَاشِ وَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ)) فشبههم بالفراش الذي يعطيه مزاجه أن يلقي نفسه في السراج فيحترق ولكن هؤلاء الذين هم أهلها، وأما من يدخلها وروداً عارضاً لكونها طريقاً، إلى دار الجنان فهم الذي يتبرمون بها وتخرجهم شفاعة الشافعين وعناية أرحم الراحمين بعد أن تنال منهم النار ما تقتضيه أعمالهم، كما أن الذين هم أهلها في أول دخولهم فيها يتألمون بها أشد الألم ويسألون الخروج منها حتى إذا انتهى الحد فيهم أقاموا فيها بالأهلية لا بالجزاء فعادت النار عليهم نعيماً، فلو عرضوا عند ذلك على الجنة لتألموا لذلك العرض، فينقدح لهذا الذكر أعني لأهله مثل هذه المعارف الشهودية، فإن ادعى أحد هذا الهجير وجاء بعلم غير مشهود له معلومه الفتوحات المكية ج٧ - م١٢ ١٧٨ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الخامس والثمانون وأربعمائة رؤية بصر فليس ذلك نتيجة هذا الذكر بل ذلك أمر آخر، فلينتظر فتح هذا الذكر الخاص الذي هو هجيره حتى يمن الله عليه بالشهود البصري لا بد من ذلك فإن الموطن يقتضيه، قال الله عز وجل: ﴿فَكَتَفْنَا عَنْكَ غِطَآءَ فَصَرُكَ أَلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [قَ: ٢٢] فهو يرى ما لا يرى من عنده من أهله الذين حجبهم الله تعالى عن رؤية ذلك إلى أن يأتيهم أجلهم أيضاً، جعلنا الله عز وجلّ في ذلك المقام ممن يشهد ما يسره لا ما يسوءه آمين بعزته، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الخامس والثمانون وأربعمائة في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَتِهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فَِهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥] [نظم: الكامل] تَخْصِيلَهُ قبل الممات فقد أَسَا إنّ الحياةَ هي النَّعِيمُ فمن يُرِد فهو المُرَجَّى في لعلَّ وفي عَسَى إلا النّعيم بربّه وشهوده وتسهّل الأمر الذي بي قد عَسَا عند المُحَقّق والمُخَصَّص بالهُدَى لم يتخذ غير المُهَيْمن مُؤْنِسَا الواحد الفرد الذي بوجوده وهو الذي عند الإلهِ مقامُهُ إذا كان من أدنى الخلائق مَجْلِسَا يقول الله تعالى: ((أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي)) ومجالسة الحق بما يقتضيه مقام ذلك الذكر كان ما كان، فاعلم أن نية العبد خير من عمله والنية إرادة أي تعلق خاص في الإرادة كالمحبة والشهوة والكره، فالعبد تحت إرادته فلا يخلو في إرادته إما أن يكون على علم بالمراد أو لا يكون، فإن كان على علم فيها فلا يريد إلا ما يلائم طبعه ويحصل غرضه، وإن كان غير عالم بمراده فقد يتضرر به إذا حصل له، فإن راعى الحق الإرادة الطبيعية الأصلية نعم، فإن كل مريد إنما يطلب ما يسرّ به لا ما يسوءه ولكن يجهل الطريق إلى ذلك بعض القاصدين ويعرفه بعضهم، فالعالم يجتنب طرق ما يسوءه والجاهل لا علم له، فإن حصل له ما يسرّه فبالعرض بالنظر إليه وبالعناية الإلهية به، فإن الله تعالى وصف نفسه بأنه لا يبخس أحداً في مراده كان المراد ما كان، ومعلوم أن الإرادة الطبيعية ما قلناه وهي الأصل، وأرجو من الله مراعاة الأصل لنا ولبعض الخلق ابتداء، وأما الانتهاء فإليه مصير الكل، فإذا وصف الله نفسه بأنه يوفي كل أحد عمله أي أجرة عمله في الزمان الذي يريدها فيه ولا يبخسه من ذلك شيئاً فقد حبط عمله إن كانت إرادته الحياة الدنيا، فلا حظ له في الآخرة التي هي الجنة أو النعيم الذي ينتجه العمل لأنه قد استوفاه في الدنيا، فإن سعد بنيل راحة فذلك من الاسم الوهاب والإنعام الذي لا يكون جزاء، فلا يكون لمن هذه حاله إن سعد إلا نعيم الاختصاص سكن حیث سکن واستقر حیث استقر، فإن كان ممن یرید الحياة الدنیا ونقصه من ذلك نفس واحد لم ينعم به فليس هو ممن وفى الله له فيها عمله لأنه ما مكنه من كل ما تعلقت به إرادته في الحياة الدنيا، وهل يتصور وجود هذا مع قرصة البرغوث والعثرة المؤلمة في الطريق أو لا؟ ١٧٩ في هجيرات/ الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب السادس والثمانون وأربعمائة فالآية تتضمن الأمرين وهي في الواحد المحال وقوعه في الوجود أظهر فإنه بعيد أن لا يتألم أحد في الدنيا، فمن أراد الحياة الدنيا فقد أراد المحال، فلو صح أن يقع هذا المراد لكان على الوجه الذي ذكرناه لكنه ليس بواقع، وأما الأمر الآخر، فإنه إذا تألم مثلاً بقرصة برغوث إلى ما فوق ذلك من أكبر أو أصغر، فإن كان مؤمناً فله عليه ثواب في الآخرة فيكون لهذا المريد الحياة الدنيا يعطيه الله ذلك الثواب في الدنيا معجلاً فينعم به، كما كان يفعل الله تعالى بأبي العباس السبتي بمراكش من بلاد الغرب رأيته وفاوضته في شأنه فأخبرني عن نفسه أنه استعجل من الله في الحياة الدنيا ذلك كله فعجله الله له، فكان يمرض ويشفي ويحيي ويميت ويولي ويعزل ويفعل ما يريد كل ذلك بالصدقة، وكان ميزانه في ذلك سباعياً، إلا أنه ذكر لي قال : خبأت لي عنده سبحانه ربع درهم لآخرتي خاصة فشكرت الله على إيمانه وسررت به، وكان شأنه من أعجب الأشياء لا يعرف ذلك الأصل منه كل أحد إلا من ذاقه أو من سأله عن ذلك من الأجانب أولي الفهم فأخبرهم غير هذين الصنفين لا يعرف ذلك، وقد يعطي الله ما أعطى السبتي المذكور لا من كونه أراد ذلك ولكن الله عجل له ذلك زيادة على ما ادخره له في الآخرة فإنه غير مريد تعجيل ذلك المدخر كعمر الواعظ بالأندلس ومن رأينا من هذا الصنف وعملت أنا عليه زماناً في بلدي في أول دخولي هذا الطريق ورأيت فيه عجائب وكان هذا لهم من الله ولنا لا من إرادتهم ولا من إرادتنا، ولو عرف أبو العباس السبتي نفسه معرفتي بها منه ما استعجل ذلك فإنه كان على صورة لا يكون عنها إلا هذا إلا أنه سأل ذلك من الله فأعطاه إياه عن سؤال منه ولو سكت لفاز بالأمرين في الدارين، لكن جهله بنفسه وطبعها الذي طبعت عليه وصورته التي ركبه الله عليها جعلته يسأل فخسر حين ربح غيره والعمل واحد، ولهذا يفرح بالعلم لأنه أشرف صفة يتحلى بها العبد. واعلم أن الحياة الدنيا ليست غير نعيمها فمن فاته من نعيمها شيء فما وفيت له، وما ذكر الله إلا توفية العمل فهو نعيم العمل وصبره الذي ذكرناه على العثرة في محل التكليف، وقرصة البرغوث وإن لم يكن مؤمناً بالدار الآخرة وفاه الله ما يطلبه ذلك العمل في الحياة الدنيا، فما أعطى الله أحداً الحياة الدنيا مخلصة قط ولا هو واقع، ولو وقع له كل مراد لكان أسعد الخلق، فإنه من إرادته النجاة والبشرى من الله تعالى له بها، وإن لم يكن مؤمناً فما وقع المشروط وقوع عموم الشرط فافهم واعمل بحسب ما تعلم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السادس والثمانون وأربعمائة في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] [نظم: الوافر] حَبَاهُ الله بالشَّرَفِ التَّلِيدِ ألا إنّ الرَّسُولَ هو الذي قَدْ وخَيَّرَهُ بتَفْصيل الوجودِ فمن يَعْصِ الرسولَ فقد عَصَاهُ ١٨٠ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب السادس والثمانون وأربعمائة لما في الرَّبِّ من نَعْتِ العَبيدِ فَرَامَ به فلم يَقْدِز عليه يميّزه له حال الشهودِ فلم يَعْلَمْ به إذا لم يَجِدْهُ ويركبُ تارةً مَثْنَ الجُحُودِ فيَرْكَبُ تارةً مَتْنَ اغْتِرافٍ بآلام ولذَّات المَزِيدِ فسبحان المُخَصِّصِ كُلّ حِزْبٍ قال الله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٠] لأنه لا ينطق إلا عن الله، بل لا ينطق إلا بالله، بل لا ينطق إلا الله منه فإنه صورته وما ورد ومن يعصٍ الرسول فقد عصى الله كما أنزله في الطاعة لأنّ طاعة المخلوق لله ذاتية وعصيانه بالواسطة، فلو أنزل هنا الرسول كما أنزله في الطاعة لم يكن إلهاً وهو إله فلا يعصى إلا بحجاب وليس الحجاب سوى عين الرسول، ونحن اليوم أبعد في المعصية للرسول من أصحابه إلى من دونهم إلينا، فنحن ما عصينا إلا أولي أمرنا في وقتنا وهم العلماء منا بما أمر الله به ونهى عنه، فنحن أقل مؤاخذة وأعظم أجراً لأن للواحد منا أجر خمسين ممن يعمل بعمل الصحابة، يقول بَّل: ((لِلوَاحِدِ مِنْهُمْ أَجْرُ خَمْسِينَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ)) فاجعل بالك لكونه لم يقل منكم، ثم قال تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فذكر الله تعالى وذكر الرسول وذكرنا أعني أولي الأمر منا، وهم الذين قدمهم الله علينا وجعل زماننا بأيديهم، ولم يكن رسول الله ◌َّ يقدم في السرايا وغيرها إلا من هو أعلمهم، وما كان أعلمهم إلا من كان أكثرهم قرآناً فكان يقدمه على الجيش ويجعله أميراً، وما خص الاسم الله من غيره من الأسماء في قوله: ﴿فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٠] إذ كان الله هو الاسم الجامع، فله معاني جميع الأسماء الإلهية كما هو للتجلي جميع الصور كذلك الخليفة وهو الرسول، وأولو الأمر منا لا بد أن يظهروا في جميع الصور التي تحتاج إليها الرعايا، فمن بايع الإمام فإنما يبايع الله تعالى ولا تصح المعصية إلا بعد العقد وقد وقع في أخذ الميثاق والعهد في قوله تعالى: ﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ثم ألقمه الحجر الأسود وأمر بتقبيله تذكرة، وأخبر بلسان الرسول أن الحجر يمينه فأمر ببيعة محمد وَ له، وقال في الذين يبايعونه ﴿إِنَّمَا يُبَابِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] فأنزله منزلته، ولم ينزل الحجر منزلته بالذكر فعظم قدر ابن آدم [البسيط]: وأين رُتْبَتُهُ من رُتْبَة البَشَرِ قَبِّلْ فإنّ يمينَ العَهْد في الحَجَرِ إنّ المُبايَعَ من تَعْنُو الوجوهُ له إن شاء في مَلَكِ إن شاء في بَشَرٍ فما تُقَيِّدُهُ ذاتٌ ولا عَرَضٌ بَلِ الوجودُ هو الحقُّ الصريحُ فلا هو المؤثّرُ والآثار قائمةٌ إنْ لم يَكُنْ هكذا أَمْرُ الوُجُودِ وما فما تكون لحَقٌّ صورةٌ أبداً هو المُطاعُ فما تُعْصَى أوامرُه الواحدُ الأحدُ القَيُّومُ بالصُوَرِ إن شاء في شَجَرٍ إن شاء في حَجَرٍ وما له في وجود الكون من أثَرٍ تَرَوْهُ غيراً فيدعوكم إلى الغِيَرِ بالحقّ فيما يراه فيه ذو بَصَرٍ تَضَمَّنَ الكَوْنُ مِنْ نَفْعٍ ومن ضَرَرٍ ولا تُضافُ إليه آخَرَ العُمُرِ والخلقُ والأمرُ في الأنثى وفي الذَّكَرِ