النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب السابع والستون وأربعمائة عن الثلاثة: محمود الأزدي والترياقي والغورجي كلهم عن الجراجي عن المحبوبي عن أبي عيسى الترمذيّ قال: حدثنا محمد بن رزين الواسطي قال: حدثنا أبو سفيان الحموي عن الضحاك بن حمزة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله وَّ: ((مَنْ سَبَّحَ الله مائَةً بِالغَدَاةِ وَمِائَةً بالعَشِيّ كَانَ كَمَنْ حَجَّ مائَةً حَجَّةٍ)) يعني مقبولة ((وَمَنْ حَمِدَ الله مِائَةً بِالغَدَاةِ وَمِائَةً بِالعَشِيِّ كَانَ كَمَنْ حَمَلَ عَلَى مائَةٍ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ الله )) أَوْ قَالَ ((غَزَا مِائَةَ غَزْوَةٍ، وَمَنْ هَلَّلَ الله مِائَةً بِالغَدَاةِ وَمِائَةً بِالعَشِيّ كَانَ كَمَنْ أَعْتَّقَ مِائَةَ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَمَنْ كَبَّرَ الله مائَةً بِالغَدَاةِ ومائَةً بِالعَشِيِّ لَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ أحَدٌ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَتَى إلاَّ مَنْ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَّى ما قَالَ)) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. ولما كان التسبيح بحمده قربة به فقال في الصحيح عن رسول الله وّ في سبحان الله والحمد لله ((إنَّهُمَا يَمْلَآنِ أَوْ يَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ)) وأراد قوله: سبحان الله وبحمده، فإن الحمد لله تملأ الميزان فإنها آخر ما يجعل في الميزان فبها يمتلىء كما قال، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين. فالحمد لله له التأخير في الأمور لأن له الساقة، ولا إله إلاَّ الله له التقدمة، وسبحان الله له الميسرة، والله أكبر له الميمنة والقلب له لا حول ولا قوّة إلاَّ بالله، فأثبت العبد والرب، فاستصحاب الاسم الله لكل تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل هو معطي القوّة لذلك التسبيح أو التهليل أو التحميد والتكبير لأنه لفظ يمكن أن يطلق إذا أطلق، ويقيد بغير الله في الإضافة بأن يسبح شخصاً ليس الله ويكبره ويحمده ويهلل ما ليس بإله كقوم فرعون فلا قوّة لهذا الذكر على أمثاله إلاّ بالله، فإنه ما يتجلى لك بشيء ليس هو الله فيقول لك: أنا الله، فتقول له: أنت بالله إلاَّ انعدم من ساعته إذا لم يكن الله، وما رأيت من شهد هذا المشهد من رجال الله إلاَّ رجل واحد من أهل قرطبة كان مؤذناً بالحرم المكيّ يقال له موسى بن محمد القباب كان من ساداتهم وهو تلميذ أبي الحسن بن خرازم بفاس فلا قوّة على الثبوت إلاّ بالله حتى لو قالها بكلام الحق على لسان ذلك المتجلي، ويقول له صاحب الكشف: أنت بالله ما انعدم وثبت، فهذا بعض ما ينتجه هذا الذكر والحمد لله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السابع والستون وأربعمائة في حال قطب كان منزله الحمد لله [نظم: البسيط] مثل الفُروع التي قامتْ على سَاقٍ الحَمْدُ لله في قَيْدٍ وإطْلاقِ لشَاهِدِ الحِسّ في أنفاسِ أعْراقٍ يَمُدُّها بالذي تُبْدِيهِ من ثَمَرٍ ذاتٌ بذاتٍ وأخلاقٌ بأخلاقِ ونحن فَرْعٌ لمن أَبْدَى حقائِقَنا قال الله تعالى آمراً: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ٢٥] اعلم أن الحمد والمحامد هي عواقب الثناء، ولهذا يكون آخراً في الأمور كما ورد: ((أنَّ آخِرَ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ» وقوله وَجّفي الحمد لله: ((إِنَّهَا تَمْلأُ المِيزَانَ)) أي هي آخر ما يجعل في الميزان، وذلك لأن ١٤٢ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب السابع والستون وأربعمائة التحميد يأتي عقيب الأمور، ففي السرّاء يقال: الحمد لله المنعم المفضل، وفي الضرّاء يقال: الحمد لله على كل حال، والحمد هو الثناء على الله وهو على قسمين: ثناء عليه بما هو له كالثناء بالتسبيح والتكبير والتهليل، وثناء عليه بما يكون منه وهو الشكر على ما أسبغ من الآلاء والنعم وله العواقب، فإن مرجع الحمد ليس إلاَّ إلى الله فإنه المثني على العبد والمثنى عليه وهو قوله وَّرَ: ((أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)) وهو الذي أثنى به العبد عليه فردّ الثناء له من كونه مثنياً اسم فاعل، ومن كونه مثنياً عليه اسم مفعول، فعاقبة الحمد في الأمرين له تعالى. وتقسيم آخر وهو أن الحمد يرد من الله مطلقاً ومقيداً في اللفظ وإن كان مقيداً بالحال فإنه لا يصحّ في الوجود إطلاق فيه لأنه لا بدّ من باعث على الحمد وذلك الباعث هو الذي قيده وإن لم يتقيد لفظاً كأمره في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فلم يقيد. وأما المقيد فلا بدّ أن يكون مقيداً بصفة فعل كقوله: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] وكقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنَزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ﴾ [الكهف: ١] ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَتِ﴾ [فاطر: ١] وقد يكون مقيداً بصفة تنزيه كقوله: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَا﴾ [الإسراء: ١١١]. واعلم أن الحمد لما كان يعطي المزيد للحامد علمنا أن الحمد بكل وجه شكر، وكذلك ما أعطى المزيد من الأذكار فهو شكر فهو حمد كله لأنه ثناء على الله. فأما زيادته التي تحصل لمن أثنى عليه بما هو عليه فهي أن يعطيه الحق من العلم الذاتيّ به سبحانه ما يثني به عليه وهو قوله: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] أما إذا أثنى عليه بما يكون منه فإنه يزيده من ذلك ليثابر عليه بالثناء على الله به، فعلى كل حال يعطي الزيادة وإن كان بين التحميدين فرقان، ولكن من حيث ما هو تحميد من الخلق فهو عطاء أعطاه الله إياه، وكل عطاء يقبل المعطى الزيادة منه فإنا لا نحمده إلاَّ بما أعلمنا أن نحمد به فحمده مبناه على التوقيف، وقد خالفنا في ذلك جماعة من علماء الرسوم لا من العلماء الإلهيين، فإن التلفّظ بالحمد على جهة القربة لا يصحّ إلاَّ من جهة الشرع، ولو استصبح هذا المخالف بنور الإنصاف لعلم أن الصدق حسن وهو يقول به أنه حسن لذاته، ومع هذا فإنه يقبح في مواطن ويأثم القائل به، فلهذا لا يتمكن أن يقال على جهة القربة وإن عقل أنه خير إلا حتى يقول الحق: اذكروني، فإما أن يطلق بكل ذكر ينسب إليه الحسن في العرف وهو من مكارم الأخلاق، وإما أن يقيده فيعين ذكراً خاصاً، فالثناء على الله بما هو فاعل ثناء عرفيّ يثني به المخلوق على الخالق ما لم ينه عنه إذا كان ذلك الثناء ممّا يعظم في العالم فقد يكون من حيث ما هو فاعل وليس بعظيم في العالم، فإذا ذكر بما هذا مثله نكر، ومثاله أن نقول: الحمد لله ﴿خَلِقُ كُلِ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] فيدخل فيه كل مخلوق معظم ومحقر، ومثال المعظم في العرف أن تقول: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ﴾ [الأنعام: ١] ومثل ذلك، ولا ينبغي أن يعين في الثناء خلق المحقر عرفاً والمستقذر طبعاً وإن دخل في عموم كل شيء، ولكن إذا عين لا يقتضيه الأدب بل ينسب معينه إلى سوء الأدب أو فساد العقيدة مع صحة ذلك ولا أمثل به فإني أستحي أن يقرأ مع الزمان في كتابي فلذلك لم نمثل به كما مثلت بالعام وبالعظيم والكل منه ١٤٣ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثامن والستون وأربعمائة ونعمته، ولولا حقارة ذلك بالعرف لم نقل به فإني ما أرى شيئاً ليس عندي بعظيم لأني أنظر بعين اعتناء الله به حيث أبرزه في الوجود فأعطاه الخير فليس عندنا أمر محتقر وهذا شهود القوم، فالكل نعمته ظاهرة وباطنة، فظاهرة ما شوهد منها وباطنة ما علم ولم يشهد، وظاهرة التعظيم عرفاً وباطنة التعظيم عند أهل الله وأهل النظر المستقيم ممّا ليس بعظيم في الظاهر لأن هذا الأمر شبيه بالآيات المعتادة والآيات غير المعتادة، فالآيات المعتادة ما هي آيات إلاَّ لقوم يعقلون، ولا فرق بينها وبين الآيات غير المعتادة مثل حركات الأفلاك واختلاف الليل والنهار وما يظهر في فصول السنة من الأرزاق والأمور المعادة والمسخرات فلا يتنبه بها إلاَّ كل ذي عقل سليم أنها آيات. وأما غير المعتادة فهي آيات للجميع فتنبعث النفوس للثناء على الله بها دون المعتادة فصاحب هجير الحمد المطلق الذي لا يقيده الذاكر بشيء من الصفات وإن اختلفت عليه الأحوال فما هي بواعث لذلك الذكر وإنما هو الباعث الأوّل الذي به أطلق الذكر فهو تقييد في إطلاق، فينتج له جميع ما يعطيه كل تحميد مقيد بنعت ما من النعوت أو اسم أو صفة ما لم يقف صاحب هذا الذكر مع حال من الأحوال لما يحصل له فيه من الحلاوة فيقيده ذلك الاستحلاء وإن أطلقه في اللفظ فلا ينتج له بعد ذلك إلاَّ ما يناسب الحال الذي أعطاه الاستحلاء فإنه ذو صفة فهو بحيث هي وزال عنه بها الحكم الأوّل، قيل لأبي يزيد: كيف أصبحت؟ فقال: لا صباح لي ولا مساء إنما الصباح والمساء لمن تقيد بالصفة وأنا لا صفة لي، فلا يقف صاحب هذا الذكر مع أمر يرد عليه من الحق يقيده فهو مع كل وارد بحسب الوارد من غير تعلّق بمعية، فمعيته مع الوارد معية الحق مع عباده حيث ما كانوا لعلمه أنهم لا يكونون إلاَّ بحسب أسمائه الحاكمة عليهم والمتصرفة فيهم فهو مع أسمائه لا معهم، ولكن ما وقع الإخبار إلاَّ أن الله معهم أينما كانوا، كذلك الواردات لا تتعين للعبد إلاَّ بحسب استعداده الذي أعطاه ذكره وذكره من فعله في معيته مع الواردات مع نفسه كما ذكرنا في معية الحق على السواء، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثامن والستون وأربعمائة في حال قطب كان منزله الحمد لله على كل حال [نظم: السريع] الحَمْدُ لله على كُلِّ حَالٍ وما على حَمْدِ الذي قاله وجاء ذا عنه به قائلاً فهو الذي يَعُمُّ حَالَ الوُجُود إذا تَلَفَّظْتَ به من مَزِيدْ قد جاء ما قد كُنْتَ منه تَحِيدْ من قَبْلٍ هذا في مقام الشُّهُوذ فإنه ناداك من حضرَةٍ فلا يَغُرَّنك حَبْلُ الوَرِيدْ بأنه ليس بغَيْرٍ له فأنت رَبِّ وأنا عَبْدُهُ فلا تَقُلْ في كونه إنّه ويَثْبُتُ الرَبُّ بِكَوْنِ العَبِيدْ يقول يوم العَرْض هل مِنْ مَزِيدْ ١٤٤ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثامن والستون وأربعمائة اعلم أيّدك الله وإيانا بروح منه أن رسول الله و لو كان يقول في السرّاء: «الحَمْدُ للهِ المُنْعِم المُفْضِلِ)) وكان يقول في الضرّاء: ((الحَمْدُ لِلهِ عَلَى كُلٌّ حَالٍ)) ثبت هذا في الصحاح فعلمنا أنه ذكر أدب إلهيّ لأنه ما قيده باسم كما قيد حمد السرّاء بالمنعم المفضل، ومن أسمائه الضار كما من أسمائه النافع، ولم يتعرض في هذا الحمد إلى ذكر الاسم الضار ولم يكن ذلك عن هوى بل عن وحي إلهيّ يوحى، فإنه الصادق القائل: ((إنَّ الله أَدَّبَنِي فَأَخسَنَ أَدَبِي)) فعلمنا أن هذا الذكر من جملة الآداب على هذه الصفة، وقد أوحى الله أن نتبع ملة إبراهيم، ومن آداب إبراهيم عليه السلام مع ربه قوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] فنسب الشفاء إلى ربه ولم ينسب إليه المرض لأنه شرّ في العرف بين الناس وإن كان في طيّه خير في حق المؤمن فأخبر الله نبيه بحديث إبراهيم، وقوله هذا تعليماً له وَل ◌ّ ليتأدّب بأدبه فقال رسول الله وَلَه: ((وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ)) ومن كونه خلقاً يحسّ بالألم الحسّي والنفسي كما يحسّ باللذات المحسوسة والمعنوية ويعلم الفرقان بينهما، وأن السرور يصحب الالتذاذ، وأن الحزن يصحب الألم طبعاً، فلذلك عدل في الضراء إلى حمد الله على كل حال، والأحوال في العالم ما هي بأمر زائد على الشأن الذي ألحق فيه بل هو عين الشأن كل حال يطرأ في الوجود ممّا يوافق الغرض ويلائم الطبع وممّا لا يوافق الغرض ولا يلائم الطبع وإن كان الأمر في ذلك من القابل، لأنا رأينا ما يتضرر به زيد يلتذ به عمرو، فعلمنا أن العلة في القابل وأن الأمر الآتي منه تعالى واحد العين لا انقسام فيه فينقسم فينا أمره ويتعدد، ولما عمّ هذا الذكر جميع الأحوال، فإن تحقق الذاكر الله به ما وضع له فهي دعوى فإن الله لا بدّ أن يبتلي الشخص الذي يذكر الله بهذا الذكر على هذا الحد، فإن الدعوى تفتح باب الابتلاء في القديم والحديث إن فهمت وإن كان الذاكر به ما خطر له أصل وضعه بخاطر بل ذكر الله به لكونه مشروعاً من غير وقوف مع السبب في وجوده وتشريعه فقد يبتليه الله وقد لا يبتليه، وإن قيده هذا الذاكر أعني ذلك الذكر بأنه ثناء على الله لجهة الخير لا يقصد به أصل وضعه ولا يقوله بدعوى أنه الحامد ربه على كل حال وإنما يقول ذلك مخبراً أن الله محمود على كل حال، فإنه ما من حال كما قررناه إلاَّ وله وجه في الخلق إلى الالتذاذ به والتألم به، فما من حال إلاَّ ويحمد الله عليه حمد سرّاء وحمد ضرّاء، ألا تراه في السرّاء كيف يقول: الحمد لله المنعم المفضل، فمن إنعامه وفضله أن جعل صاحب الضرّاء يحمد الله ولهذا يعافيه ويحول بينه وبين تلك الضرّاء لأن حمده شكر على هذا الإفضال وهو أن ألهمه واستعمله في حمد الله ولم يستعمله في الضجر والسخط، فعافى باطنه بما ألهمه إليه من التحميد فزاده الله عافية بإزالة الضرّاء عنه، وهذا معنى دقيق مندرج في الحمد لله على كل حال وأنه مساو لحمد السرّاء وهو الحمد لله المنعم المفضل وبزيادة، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها رسول الله وَالته، وتختلف أحوال الذاكرين الله بهذا التحميد فكل حامد به ينتج له بحسب قصده وعلمه وباعثه وقد فصلناه تفصيلاً كما أنزله الحق عزّ وجلّ في قلوب الذاكرين الله به تنزيلاً فهو حمد سرّاء وحمد ضرّاء، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ١٤٥ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب التاسع والستون وأربعمائة الباب التاسع والستون وأربعمائة في حال قطب كان منزله وأفوّض أمري إلى الله [نظم: الكامل] ومُصَدِّقٌّ ومُصَدَّقٌ فِتَفَكَّرُوا إِنّ الوُجُودَ مُنَطِّقٌ ومُنطَّقُ ومُكذّبٌ والعين لا تتَكّثَّرُ فالشيء يُكْذِبُ نَفْسَه فمُكَذِّبٌ قد قُلْتُهُ في أمرنا فتَبَصَّرُوا فلأيّ شيء يرجعُ الأمْرُ الذي أمْرَ الوجود إليه لا تَتَحَيَّرُوا حتى تَرَوْهُ بالعيان ففَوِّضُوا قال الله عزّ وجلّ لنبيه وَ* أن يقول لقومه حين ردّوا دعوته: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمَّ وَأُفَوِّضُ أَمْرِىَ إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر: ٤٤] وهو من فاض ولا يفيض حتى يمتلىء، فالفيض زيادة على ما يحمله المحل وذلك أن المحل لا يحمل إلاَّ ما في وسعه أن يحمله وهو القدر والوجه الذي يحمله المخلوق وما فاض من ذلك وهو الوجه الذي ليس في وسع المخلوق أن يحمله يحمله الله، فما من أمر إلاَّ وفيه للخلق نصيب ولله نصيب، فنصيب الله أظهره التفويض فينزل الأمر جملة واحدة وعيناً واحدة إلى الخلق فيقبل كل خلق منه بقدر وسعه، وما زاد على ذلك وفاض انقسم الخلق فيه على قسمين: فمنهم من جعل الفائض من ذلك إلى الله تعالى فقال : ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِىَّ إِلَى اللَّهِ﴾ وينسب ذلك الأمر إلى نفسه لأنه لما جاءه ما تخيل أنه يفضل عنه وتخيل أنه يقبله كله فلما لم يسعه بذاته ردّه إلى ربه. ومنهم من لم يعرف ذلك فرجع الفائض إلى الله منٍ غير علم من هذا الذي حصل منه ما حصل فهو إلى الله على كل وجه وما بقي الفضل إلاَّ فيمن يعلم ذلك فيفوّض أمره إلى الله فيكون له بذلك عند الله يد. ومنهم من لا يعلم ذلك فليس له عند الله بذلك منزلة ولا حق بتوجه، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونُّ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [الزمر: ٩]. واعلم أن العبد القابل أمر الله لا يقبله إلاَّ باسم خاص إلهيّ وأن ذلك الاسم لا يتعدّى حقيقته، فهذا العبد ما قبل الأمر إلاّ بالله من حيث ذلك الاسم، فما عجز العبد ولا ضاق عن حمله فإنه محل لظهور أثر كل اسم إلهيّ، فعن الاسم الإلهيّ فاض لا عن العبد فلما فوّضه بقوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِىّ إِلَى اللَّهِ﴾ ما عين اسماً بعينه وإنما فوّضه إلى الاسم الجامع فيتلقاه منه ما يناسب ذلك الأمر من الأسماء في خلق آخر فإنه ما لا يحمله زيد وضاق عنه لكون الاسم الإلهيّ الذي قبله به ما أعطت حقيقته إلاَّ ما قبل منه، وقد يحمله عمرو لأنه أوسع من زيد بل لا إنه أوسع من زيد، ولكن عمرو في حكم اسم أيضاً إلهيّ قد يكون أوسع إحاطة من الاسم الإلهيّ الذي كان عند زيد، فإن الأسماء الإلهيّة تتفاضل في العموم والإحاطات فيحيط العالم ويحيط العليم فيكون إحاطة العليم أكثر من إحاطة العالم وإحاطة الخبير أكثر من إحاطة غيره، وكذلك الاسم المريد مع العالم والاسم القادر مع المريد ومع العالم تقل إحاطته عنهما، والعبد لا بد أن يكون تحت حكم اسم إلهيّ فهو بحسب ذلك الاسم وما تعطيه حقيقته من الفتوحات المکبة ج٧ - م١٠ ١٤٦ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب التاسع والستون وأربعمائة القبول فيرد ما فضل عنه إليه تعالى وذلك التفويض لمن عقل عن الله قوله، فإن اللسان الذي خاطبنا به الحق اقتضى ذلك، فنحن معه بقوله لأنه ليس في وسع المخلوق أن يحكم على الخالق إلاَّ من يكون شهوده ما هي الممكنات عليه في حال عدمها فيرى أنها أعطت العلم للعالم بنفسها فقد يشمّ من ذلك رائحة من الحكم لكن افتقارها من حيث إمكانها يغلب عليها، ولهذا ترى النافين للإمكان بالدلالة العقلية يغفلون في أكثر الحالات عمّا أعطاهم الدليل من نفي الإمكان في نفس الأمر فيقولون بالإمكان حتى يراجعوا وينبهوا فيتذكروا ذلك، فلا بدّ منِ أمر يكون له سلطنة في هذا العبد حتى يتصف بالغفلة والذهول عمّا اقتضاه دليله وليس إلاَّ الأمر الطبيعي والمزاج، ألا تراه إذا انتقل بالموت الأكبر أو بالموت الأصغر إلى البرزخ كيف يرى في الموت الأصغر أموراً كان يحيلها عقلاً في حال اليقظة وهي له في البرزخ محسوسة كما هي له في حال اليقظة ما يتعلق به حسّه فلا ينكره، فبما كان يدل عليه عقله من إحالة وجود أمر ما يراه موجوداً في البرزخ، ولا شك أنه أمر وجودي تعلق الحسّ به في البرزخ فاختلف الموطن على الحسّ فاختلف الحكم، فلو كان ذلك محلاً لنفسه في قبول الوجود لما اتصف بالوجود في البرزخ، ولما كان مدركاً بالحسّ في البرزخ، بل قد يتحقق بذلك أهل الله حتى يدركوا ذلك في حال يقظتهم ولكن في البرزخ فهم في حال يقظتهم كحال النائم والميت في حال نومه وموته، فإن تفطنت فقد رميت بك على طريق العلم بقصور النظر العقلي، وإنه ما أحاط بمراتب الموجودات ولا علم الوجود كيف هو، إذ لو كان كما حكم به العقل ما ظهر له وجود في مرتبة من المراتب وقد ظهر فليس لعاقل ثقة بما دلّه عليه عقله في كل شيء، فإذا كان صحيح الدلالة سرى ذلك في كل صورة، فيعلم في كل صورة يراها في البرزخ وتحصل في نفسه أنه الله فهو الله فما يختلف كونه وإن اختلفت صور تجليه، وكذلك عند العارفين به هنا ما يختل عليهم شيء من ذلك ولا في البرزح ولا في القيامة الكبرى فيشهدون ربهم في كل صورة من أدنى وأعلى، وكما هم اليوم كذلك يكونون غداً. وأما أبو يزيد فخرج عن مقام التفويض فعلمنا أنه كان تحت حكم الاسم الواسع فما فاض عنه شيء وذلك أنه تحقق بقوله: ((وَوَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي)) فلما وسع قلبه الحق والأمور منه تخرج التي يقع فيها التفويض ممّن وقع فهو كالبحر وسائر القلوب كالجداول، وقال في هذا المقام: لو أن العرش يريد به ما سوى الله وما حواه مائة ألف ألف مرّة يريد الكثرة بل يريد ما لا يتناهى في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحسّ به يعني لاتساعه حيث وسع الحق، ومن هنا قلنا إن قلب العارف أوسع من رحمة الله لأن رحمة الله لا تنال الله ولا تسعه وقلب العبد قد وسعه، إلاَّ أن في الأمر نكتة أومىء إليها ولا أنص عليها وذلك أن الله قد وصف نفسه بالغضب والبطش الشديد بالمغضوب عليه والبطش رحمة لما فيه من التنفيس وإزالة الغضب، وهذا القدر من الإيماء كاف فيما نريد بيانه من ذلك، فإن الرسل تقول: ولن يغضب بعده مثله، فالانتقام رحمة وشفاء، ولولا كونه رحمة ما وقع في الوجود وقد وقع، ولكن ينبغي لك أن تعلم بمن هو وقوع الانتقام رحمة، فبان لك من هنا رتبة أبي يزيد من غيره من العارفين لأنه ١٤٧ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب التاسع والستون وأربعمائة وأمثاله لا يتكلمون إلاَّ عن أحوالهم وذوقهم فيها ومن أسمائه تعالى الواسع كما ورد، فباتساعه قبل الغضب، فلو ضاق عنه ما ظهر للغضب حكم في الوجود لأنه لم يكن له حقيقة إلهية يستند إليها في وجوده وقد وجد فلا بدّ أن ينسب الغضب إلى الله كما يليق بجلاله وقد وسع القلب الحق ومن صفاته الغضب فقد وسع الغضب، فلا ينكر على العارف مع كونه ما يرى إلاَّ الله أن يغضب ويرضى ويتصف بأنه يؤذي وإن لم يتأذ فما أذى من لا يتأذى، غير أنه لا يقال ذلك في الجناب الإلهيّ إلاَّ أنه تسمّى بالصبور وأعلمنا بالصبر ما هو وعلى ماذا يكون، ولا نقول هو في حق الحق حلم فإنّ الحليم كما ورد كذلك ورد الصبور، ولكل وارد معنى ما هو عين الآخر، فتغيير الأحوال على العارفين تغير الصور على الحق، ولولا ذلك ما تغيرت الأحكام في العالم لأنها من الله تظهر في العالم وهو موجدها وخالقها فلا بدّ من قيام الصفة به، وحينئذٍ يصحّ وجودها منه كان الموجد اسم فاعل ما كان، وكان الموجد اسم مفعول ما كان، فإن لم تعلم التفويض كما ذكرته لك وإلاّ وقعت في إشكال لا تنحل منه أعني في العلم بالتفويض ما هو فهذا نسبته إلى المخلوق، وأما التفويض الإلهيّ وهو أن يكون هو المفوّض أمره إلى عباده فيه فإنه كلفهم وأمرهم ونهاهم فهذا تفويض أمره إلى عباده فإنه فاض عمّا يجب للحق لأن التكليف لا يصحّ في حق الحق، فلما فاض عنه لم يكن إفاضته إلاَّ على الخلق وأراد منهم أن يقوموا به حين ردّه إليهم كما يقوم الحق به إذا فوّض العبد أمره إلى الله، فمنهم من تخلّق بأخلاق الله فقبل أمره ونهيه وهو المعصوم والمحفوظ، ومنهم من ردّه، ومنهم من قبله في وقت وفي حال، وردّه في وقت وفي حال، وكذلك فوّض إليهم أمره في القول فيه فاختلفت مقالاتهم في الله، ثم أبان لهم على ألسنة رسله ما هو عليه في نفسه لتقوم له الحجة على من خالف قوله فقال في الله ما يقابل ما قاله عن نفسه، فلما اختلفت المقالات تجلّى لأهل كل مقالة بحسب أو بصورة مقالته، وسبب ذلك تفويضه أمره إليهم وإعطاؤه إياهم عقولاً وأفكاراً يتفكرون بها، وأعطى لكل موف حقّه في الاجتهاد بنظره نصيباً من الأجر أخطأ في اجتهاده أو أصاب، فإنه ما أخطأ إلاَّ المقالة الواردة في الله بلسان الشرع خاصة فحاد عنها بتأويل فيها أدّاه إليه نظره. وورد شرع أيضاً يؤيده في ذلك فما ترك المقالة من حيث عينها وإنما استند فيما ذهب إليه لأمر مشروع ودليل عقل وكونه أصاب أو أخطأ ذلك أمر آخر زائد على كونه اجتهد فإنه ما يطلب باجتهاده إلاَّ الدليل الذي يغلب على ظنه أنه يوصله إلى الحق والإصابة لا غير [المتقارب]: فنحن وإيَّاه فيه سَوَا فتَكْلِيفُهُ عَيْنُ تَقْوِيضِهِ فتَسْبِيحُنا عَيْنُ تَسْبِيحِهِ وتَسْبِيحُهُ بلسان السِّوَى من الذّكرِ لله ما قد نَوَى وكلّ امرىء إنما حَظُّهُ فتفويضه في قوله: ﴿وَأَنِفِقُواْ مِمَا جَعَلَكُمْ تُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] وتفويضنا إذ أمرنا أن نتخذه وكيلاً فيما استخلفنا فيه ﴿فَرَدَدْنَهُ إِلَى أُمِّهِ، كَنْ نَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ [القصص: ١٣] ولما كان العالم تحت حكم الأسماء الإلهية وهي أسماؤه فما تلقى تفويضه إلاَّ هو لا نحن فإنه بأسمائه ١٤٨ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب السبعون وأربعمائة تلقيناه، فهو الباطن من حيث تفويضه، وهو الظاهر من حيث قبوله، فكان الأمر بيننا كما تنزل الأمر بين السماء وهو العلي وبين الأرض وهي الذلول [السريع]: فإنّه أَوْضَحَهُ كَوْنُه فهكذا الأمرُ فلا تُخْفِهِ فإنه في كَوْنِهِ عَيْنُهُ وشَاهِدُ الحَقّ به ناطقٌ وهو ما ذكرناه من أنه ما تلقى تفويض الحق إلاَّ اسمه فهو المكلف والمكلف لأنه قال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ﴾ [هود: ١٢٣] فهو عين الموجودات إذ هو الوجود ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] والكلام في هذا الباب يطول ويتداخل وينعطف بعضه على بعض فيظهر ويخفى، فإنه ﴿اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ [طه: ٨] سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً. الباب السبعون وأربعمائة في حال قطب كان منزله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ آلْمِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [نظم: الوافر] فأعطِ ما حُلِقْتَ له كَذاكَا كما أعطاك خَلْقَكَ مَنْ حَبَاكًا وليس يكون مشكوراً هُناكا وإنْ لم تُغْطِهِ فالخَلْقُ يُغْطَى بأن يقضي به وَخيِّ أَتَّاكًا وحَقُّ الحَقّ أُوْلَى يا وَلِيِّي يُبَلِغْكَ الإلهُ به مُنَاكا فإنْ تَبْلُغْ مُنَاهُ كما تَمَنَّى قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] وقضاؤه لا يرد. علمنا أن نتيجة هذا الذكر شهود هذه الآية بلا شك، فإن الحق هو الوجود والأشياء صور الوجود، فارتبط الأمر ارتباط المادة بالصورة والعبادة ذلة بلا شك في اللسان المنزل به هذا القرآن، والأمر إذا ارتبط بين أمرين لا يمكن لكل واحد منهما أن يكون عند ذلك الأمر إلا بارتباطه بالأمر الآخر، علمنا أن كل واحد من الأمرين المرتبطين للحب الذي قام بكل واحد منهما في ظهور الأمر الثالث وأنه طالب للأمر الثاني فصح الطلب في كل واحد، والحاصل لا يبتغي فلا بد أن يتصفا بالفقد لما يبغيان وجوده والطلب لا يكون إلا بنوع من الإذلال ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَّكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] فطلب الدعاء من عباده وطلب العباد الإجابة منه فالكل طالب ومطلوب. وقد قام الدليل أن الحوادث لا تقوم به فلا يستقل بكل طلب في ذاته لأن الطلب من الحادث حادث، ويستحيل أن يقوم به مثل هذا الطلب، فلا بد من طلب وجود ما يقوم به هذا الطلب الحادث وهو قوله: ﴿إِذَا أَرَدْنَهُ﴾ [النحل: ٤٠] والطلب إرادة سواء طلبك لنفسه أو طلبك لك، على كل حال الحاصل لا يبتغى من الوجه الذي يطلب فإنه من ذلك الوجه ليس بحاصل فلا يصح الوجود أصلاً، إلا من أصلين: الأصل الواحد الاقتدار وهو الذي يلي جانب الحق، والأصل الثاني القبول وهو الذي يلي جانب الممكن، فلا استقلال لواحد من الأصلين بالوجود ولا بالإيجاد، فالأمر المستفيد الوجود ما استفاده إلا من نفسه ١٤٩ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب السبعون وأربعمائة بقبوله وممن نفذ فيه اقتداره وهو الحق، غير أنه لا يقول في نفسه أنه موجد نفسه بل يقول: إن الله أوجده والأمر على ما ذكرناه، فما أنصف الممكن نفسه وآثر بهذا الوصف ربه فلما علم الله أنه آثر ربه على نفسه بنسبة الإيجاد إليه أعطاه الظهور بصورته جزاء فلا أكمل من العالم لأنه لا أكمل من الحق، وما كمل الوجود إلا بظهور الحادث. ولما كان الأمر بهذه المثابة في التوقف وعدم الاستقلال من الطرفين نبه الحق على ذلك بقوله: ((قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي)»، وهو أيضاً أعني التقسيم موجود في استخلاف العبد وفي وكالة الحق فيما هو فيه العبد مستخلف فاستقل الوجود وكمل بالحادث. ولما كن الحق غيوراً أن يذكر معه سواه تجلى للعالم في صورة المحدثات وعلموه فيها إعلاماً منه للعالم أنه غنيّ عن العالمين بما رأيتموه في ذاته من ظهوره بالتجلي في صور المحدثات فسواء ظهوركم وعدمكم يقول للممكن فعند ذلك ذل الممكن بالفعل في نفسه فوقع منه ما خلقه الله له وزال عنه عز الاستعداد بالقبول في الإيجاد إذا رأى أعيان الصور التي تكوّن عن قبولها واقتدار الحق قد ظهر الحق بها فلم تكن الحاجة إلى الممكنات في قبولها والأمر قد حصل وصح قوله: ﴿اَللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. ولقد برقت لي بارقة إلهية عند تقييدي هذه المسألة رأيت فيها ما شاء الله من العلوم كما ضرب النبيّ وَّ بالمعول الحجر الذي تعرض لهم في الخندق فبرقت في الضربة منه بارقة رأى بها ما فتح الله على أمته حتى رأى قصور بصرى كأنياب الفيلة، رأى ذلك في ثلاث ضربات في كل ضربة بارقة تبدى له جهة مخصوصة، هذا رأيته عند تقييدي هذا الباب وراثة نبوية بحمد الله ورأيت فيها وبها وإن ظهر بصور الممكنات واتصف بالغنا، فإن ذلك لا يخرجه عن عدم الاستقلال في وجود الحادث به إذ لا بد من قبوله وفيه وقع الكلام هذا مما أعطتنيه تلك البارقة، وأنه تعالى لما خلقهم لعبادته كساهم صفته وهي التي بها طلبهم فعبدوه بها إذ لا يصح أن يعبدوه بأنفسهم على جهة الاستقلال، ولهذا شرع لهم أن يقولوا بعد قولهم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] لعدم الاستقلال في العبادة، فألقت عندهم الطلب في المعونة على عبادته كما كان القبول منهم معونة للاقتدار الإلهي في الخلق، ولولا هذا الارتباط ما صحت عبادة ولا إيجاد، فالإيجاد عبادة وهو الله، والعبادة إيجاد وهي المطلوبة من الخلق، فهم العابدون وهو المعبود، وهو الموجد وهم الموجودون، فلام العلة ذاتية من الجانبين واسمها في الشرع حكمة وسبب فإنه حكيم، ففي كل شيء له حكمة ظاهرة يعلمها أهل الكشف والوجود في كل شيء، ويعلمها أهل الرسوم في التكليفات التي لا تعلم إلا من جهة الشرع، فحكمتها لا تعلم إلا من جهة الشرع كقوله: ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ ﴾ [البقرة: ١٧٩] وأما القول بالعلة في التكليف من جهة الحق فمظنونة غير معلومة، ولكن فتح لهم باب الاستنباط بما ذكره لهم في الوحي المنزل من التعليل فمنه جليّ ومنه خفيّ، كذلك له في الأشياء حكمة باطنة لا يعلمها إلا هو ومن أعلمه الله بها، ولذلك قال الجن وهو ما استتر فلا يعلم إلا منه والإنس وهو ما ظهر فيعلم بذاته حيث ظهر وإلا ليعبدون إثبات ١٥٠ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الأحد والسبعون وأربعمائة السبب الموجب للخلق، فهذه لام الحكمة والسبب شرعاً ولام العلة عقلاً والعبادة ذاتية للمخلوق لا يحتاج فيها إلى تكليف، فلا بدّ أن يكون الخالق عين كل صورة يعبدها المخلوق مع افتقار الصورة إلى المادة، وأنه إذا لم يكن الأمر هكذا فلا تكن العبادة من المخلوق ذاتية، فإنه إذا اقتصرنا على مسمى الله في العرف عبد المخلوق غير الله فإنا نرى الأكثر من العالم ما يفتقرون إلا إلى الأسباب وكيف وقد قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] و﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥] ولم يذكر قط افتقار مخلوق لغير الله ولا قضى أن يعبد غير الله، فلا بد أن يكون هو عين كل شيء أي عين كل ما يفتقر إليه وعين ما يعبد، كما أنه عين العابد من كل عابد بقوله أيضاً: كنت سمعه حين خاطبه بالتكليف والتعريف فما سمع كلام إلا بسمعه، وكذلك جميع قواه التي لا يكون عابداً لله إلا بها، فلم يظهر في العابد والمعبود إلا هويته، فحكمته وسببه وعلته لم تكن إلا هو، ومعلوله ومسببه لم يكن إلا هو فإياه عبد وعبد، قال ◌َ لَّ في خطبته لما أثنى على ربه: ((فَإِنَّمَا نَحْنُ بِهِ وَلَهُ» فخاطب وسمع وهذا أمر لا يندفع فإنه عين الأمر، غير أن الفضل بين الناس هو بما شاهده بعضهم وحرمه بعضهم، فيعلم العالم من غيره ما لا يعلمه الغير من نفسه مما هو عليه في نفسه فظهر التفاضل، ومع هذا الظهور لا يخرج المخلوق عن أن يكون الحق هويته بدليل تفاضل الأسماء الإلهية وهي الصفات وليست غيره، فلا يعلم الخلق إلا به، ولا يعلم الحق إلا بها. وأما وصفه بالغنى عن العالم إنما هو لمن توهم أن الله تعالى ليس عين العالم وفرق بين الدليل والمدلول ولم يتحقق بالنظر إذا كان الدليل على الشيء نفسه فلا يضاد نفسه فالأمر واحد وإن اختلفت العبارات عليه فهو العالم والعلم والمعلوم فهو الدليل والدال والمدلول، فبالعلم يعلم العلم، فالعلم معلوم للعلم فهو المعلوم والعلم والعلم ذاتي للعالم وهو قول المتكلم ما هو غيره فقط. وأما قوله: وما هو هو بعد هذا فهو لما يرى من أنه معقول زائد على ما هو فبقي أن يكون هو، وما قدر على أن يثبت هو من غير علم يصفه به فقال: ما هو غيره فحار فنطق بما أعطاه فهمه فقال: إن صفة الحق ما هي هو ولا هي غيره، ولكن إذا قلنا نحن مثل هذا القول ما نقوله على حد ما يقوله المتكلم فإنه يعقل الزائد ولا بد ونحن لا نقول بالزائد فما يزيد المتكلم على من يقول إن الله فقير إلا بحسن العبارة، ونعوذ بالله أن نكون من الجاهلين، فهذا بعض نتائج هذا الهجير، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الأحد والسبعون وأربعمائة في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿قُلّ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِّرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَالَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] [نظم: الوافر] أحَبَّكَ مثل ذلك ثم زَادَا إذا أحبَبْتَ رَبَّكَ باتِباعِ أَتَتْكَ به السيادةُ حين سَادا على الحُبِّ المضاعَفِ سَتْرَ صَوْنٍ ١٥١ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الأحد والسبعون وأربعمائة أُفَدْتَ ولم تكن ممّن أفَادا وإنْ أخبَبْتَهُ بخلاف هذا وقال بَّر عن الله: ((إنَّ الله تَعَالَى يَقُولُ: ما تَقَرَّبَ المُتَقَرِّبُونَ بِأَحَبَّ إلَيَّ مِنْ أَدَاءِ ما افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِمْ، ولاَ يَزَالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإذا أُخْبَيْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعاً وَبَصَراً وَيَداً وَمُؤَيِّداً))، وقد ورد أتم من هذا، فهذا الهجير إذا التزمه العبد أو من التزمه وتحقق به فتح عليه في معرفة نفسه وربه وعلم أن عبادة الفرائض عبادة حقيقية جبرية، وعبادة النوافل عبادة اختيارية فيها رائحة ربوبية لأنها تواضع والتواضع تعمل لا يقوم إلا ممن له سهم في الرفعة والعبد ليس له نصيب في السيادة، ولهذا ورد: ((العَبْدُ مَنْ لاَ عَبْدَ لَهُ)) فلهذا نقص عن درجة الفرض النفل لأن العبد نقصه من العلم بالأمر على قدر ما اعتقده من النفل، بل من أول قدم في النفل اتصف بالنقص في العلم بما هو الأمر عليه، وهذا علم شريف يورث سعادة لمن قام به لا تشبهها سعادة، وذلك أن العبد هو عبد لذاته ولكن لا تعقل له عبودية ما لم يعقل له استناد إلى سيد، والرب رب لذاته، ولكن لا يعقل له ربوبية ما لم يعقل له مربوب وهو مستنده، فكل واحد سند للآخر، فالمعلوم أعطى العلم للعالم فصيره عالماً والعلم صير المعلوم معلوماً، ومن حيث ارتفاع هذا الذي قلناه فلا عالم ولا معلوم ولا رب ولا مربوب، وليس الأمر إلا عالم ومعلوم ورب ومربوب، وهو الذي عليه الوجود، فليتكلم بما أعطاه الوجود والشهود، وليترك وهميات الجائز العقلي، فإن القول بذلك له موطن خاص في ذلك الموطن سلطانه فنقول: قد أخبر الله تعالى أن لله عباداً يحبهم ويحبونه فجعل محبتهم وسطاً بين محبتين منه لهم فأحبهم فوفقهم بهذه المحبة لاتباع رسوله فيما جاءهم به من الواجبات عليهم والترغيب في أن يوجبوا على أنفسهم صورة ما أوجبه عليهم يسمى نافلة، ثم أعلمهم أنهم إذا اتبعوه فيما جاء به أحبهم، فهذا الحب الإلهي الثاني ما هو عين الأول فالأول حب عناية والثاني حب جزاء وكرامة بوافد محبوب بالحب الأول فصار حب العبد ربه محفوظاً بين حبين إلهيين، كلما أراد أو همَّ أن يخرج عند هذا الوصف بالسلو وجد نفسه محصوراً بين حبين إلهيين فلم يجد منفذاً فبقي محفوظ العين بين حب عناية ما فيها من فطور وبين حب كرامة ما فيها استدراج، والحصر بين أمرين يوجب اضطراراً، فذلك حب الفرض وهو العبد المضطر في عبوديته المجبور بما فرض الله عليه لينبهه أنه في قبضة الحق محصور لا انفكاك له ولا نفوذ كما رسمناه في الهامش : حب العناية حب العبد حب الكرامة ١٥٢ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الأحد والسبعون وأربعمائة ولما رأى أن الحق كلفه علم أنه لو لم يعلم الحق في العبد اقتداراً على إتيان ما كلفه به من الأعمال ما كلفه به، فكان التكليف له معرفاً بأن له مدخلاً في الاقتدار على وجود الفعل الذي كلفه الله إيجاده، وقرر ذلك عنده بما شرع له من طلب المعونة من الله على ذلك فزاده هذا قوة في علمه بأن له اقتداراً، ثم نظر فيما أوجب عليه فرأى ذلك قليلاً مما هو عليه من الاتساع، فعلم عند ذلك أن الاتساع الذي أبقى له إنما أبقاه لما له من الاقتدار، فأراد أن يبتليه ليرى ما يخرج منه في ذلك الاقتدار الذي أعطاه وليس له فيما يخرج فيه ذلك الاقتدار إلا تلك السعة التي أبقى له كما قال: إن لك في النهار سبحاً طويلاً، فعمر ذلك الفراغ هذا العبد بالنوافل ولا يكون نافلة حتى يكمل الفرض، فحصل بذلك من الله حبان آخران: حب الفرائض أي الحب الذي حصل له من إتيانه بالفرائض، والحب الذي حصل له أيضاً من الله من إتيان النوافل وإن كان دون الحب الأول كما هو في الأصل حب الكرامة دون حب العناية فإنه حب جزاء فلا يخلص خلوص الحب الأول، كما ورد في الخبر: أن الرجل إذا قال لأخيه أحبك فأحبه الآخر فإنه لا يلحقه في درجته في الحب أبداً لأن حب الأول ابتداء وحب الثاني جزاء فلن يكافئه أبداً، فإن الحب الأول هو الذي أنتج الحب الثاني فهو منفعل عنه والمنفعل لا يقوى قوة الفاعل أبداً، فلما عمر ذلك الفراغ الواسع بالنوافل وجعل الله فيها فرائض لتتأيد بها النوافل في اللحوق بالفرائض ولهذا تسد مسدها وتكمل بها الفرائض بما فيها من الفرائض كما ورد في الخبر الصحيح عن رسول الله اليه : ((إِنَّ اللّه يَقُولُ فِي مُؤَازَنَةِ الأعْمَالِ إذا لَمْ يُتِمَّ العَبْدُ فَرْضَهُ أَنْ يُكْمِلَ لَهُ فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوَّعِهِ إِنْ كَانَ لَهُ تَطَوَّعْ)» وهو النفل، فلذلك كان في النفل فروض لأن كل نفل فهو على صورة فرضه من صلاة وصدقة وصيام وحج واعتمار، فله الخيار في الإتيان بالنفل ما لم يتلبس به، فإذا تلبس به قيل له: لا تطلبوا أعمالكم فبالأولية في ذلك كان مختاراً وفي التلبس مضطراً عندنا وبخلافه عند علماء الرسوم ﴿وَمَنْ أَوْلَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] والشروع عهد عهده مع الله بلا شك فيما لم يجب عليه ولهذا قال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع، فدخل الاحتمال في هذا الإجمال. ولما لم يكن في أداء الفرض رائحة ربوبية توجب له إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل كما هو في النفل كان في الفرض عبد اضطرار بلا شك مجبوراً فأدركه الإنكسار في نفسه لما كان عليه من العزة في كونه أعطى العلم لله به فجبر الله انكساره بقوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوّلُ لَدَىَّ﴾ [قَ: ٢٩] فأزال عن نفسه بهذا الخطاب إن شاء وإن شاء وما أبقى له إلا عين ما شاء لا التخيير في ذلك، فلما سمع العبد مثل هذا انجبر كسره وعلم أن الله لا يقول مجازاً وأن الأمر لما كان في نفسه على هذا ما صح أن يقول مثل هذا القول، فزال الانكسار الذي كان عنده وهو قوله تعالى الخبر المترجم عنه: ((أَنَا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِي)) أي أنا كسرت قلوبهم بما أوجبته عليهم وأدخلتهم فيه من الاضطرار وأنزلتهم من معقل ١٥٣ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الأحد والسبعون وأربعمائة عزتهم بذلك فلما انكسروا كان عندهم في هذا الكسر جابراً بما أوجبه على نفسه، وما أخبر به أنه ما يبدل القول لديه وأن الكلمة منه حقت وأزال الاختيار بإزالة الإمكان من العالم، فلم يبقَ إلا واجب بنفسه أو واجب بغيره وهما وصفان لموصوف واحد ولموصوفين وليس في الكون إلا الرب والمربوب، ثم أعطاه بما خيره فيه في هذا الاتساع من المسمى نفلاً حكم الاختبار الإلهي في قوله: إن شاء وإن شاء فکساه حلته، بل العبد أولى بصفة الاختيار من صفة الاضطرار لأن له التردد بالحقيقة لإمكانه وليس عند الحق ذلك، فإذا ظهر مثل هذا من الحق فتعلم أن الحق ظهر في صورة ممكن، ولهذا تأدبنا في قولنا: إن الله لا ينبغي أن يقال أنه يجوز أن يفعل كذا ويجوز أن لا يفعله، ونقول: يجوز أن يكون هذا الممكن ويجوز أن لا يكون، كما أنه إذا ظهر الاضطرار من العبد إنما يظهر ذلك منه بصورة حق لا بنفسه لأنه لا يكون عبداً إلا بقيامه بمراسم سيده وهو مسلوب الفعل بالأصالة، فلا بد أن تظهر بصورة حق إذا ظهر بعبوديته التي هي العمل بما كلف فعله، ولذلك لم يقل الحق إنه هوية الشيء، وإنما قال إنه هوية العبد، فعلمنا أن حكم العبد ما هو الحكم الشيء، فحكم النفل أحق بالعبد لولا ما فيه من روائح الربوبية، وحكم الفرض أحق بالرب لولا ما فيه من روائح العبودية، فليجعل حكم كل واحد في الموطن الذي جعله الله فيكون الله هو الجاعل لا نحن، فنخلص ونسلم من الاعتراض علينا عند السؤال من الله إيانا . ثم إن الله تعالى جعل في محبة الجزاء وهي محبة الكرامة غفر الذنوب وهو سترها وختم الآية بأنه لا يجب الكافرين والكافر الساتر وهو تعالى ساتر الذنوب، فعلمنا أنه لا يحب من عباده من يستر نعمه كانت النعم ما كانت فإنه قال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةٍ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] وما تحدث به لم يستر، وقال: التحدث بالنعم شكر، وإذا أنعم الله على عبد نعمة أحب أن ترى عليه ونعمه التي أسبغها على عباده ظاهرة وباطنة، ومن ستر نعمة الله فقد كفر بها، ومن كفر بها أذاقه الله لباس الجوع والخوف بصنيعه ذلك، ولهذا قيد الله ستره بالذنوب وهي البقايا التي أبقاها الله لعباده ليتعلموا الأدب مع الله فينسبون الطاعة والخير لله ويجعلونه بيد الله، وينسبون الذنب والمعصية لنفوسهم، فلهذا قلنا: أبقاها الله فهذا نصيبهم مما هو لله فإنه كل من عند الله، لكن هؤلاء المحجوبون لا يكادون يفقهون حديثاً بل يقولون كل ذلك الله في غير الموطن الذي جعله الله لهذا القول وذلك لجهلهم بالمواطن، وهذا القدر كافٍ فإن المجال فيه واسع لاتساع ميدانه لكون العالم ما أوجده الله إلا عن الحب والحب يستصحب جميع المقامات والأحوال فهو سار في الأمور كلها، فلذلك يتفصل الأمر فيه إلى غير نهاية، وأصل الحب النسب وهي الروابط، ومع الروابط لا يثبت توحيد أصلاً، ولهذا قال بعضهم: من وحد فقد أشرك، كما يقول: من قال بالجمع فقد فرق بلا شك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ١٥٤ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثاني والسبعون وأربعمائة الباب الثاني والسبعون وأربعمائة في حال قطب كان منزله ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ؛ أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَنُهُمُ اللّهُ وَأُوْلَكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [الزمر: ١٨] [نظم: الوافر] يَفُزْ بِحُسْنِ الذي يأتيه في كُلِمِه مَنْ يَسْتمِعْ قَوْلَ من تَعْنُو الوجوهُ لَهُ وأنت في كونه فأنت مِنْ حِكَمِه وهو الحكيمُ فمن في الكَوْن حِكْمَتُهُ أُذْنَاكَ من قوله في رُتْبَتَيْ قَدَمِهُ فمنك تسمعُ إن حَقَّقْتَ ما سمعتْ من الخطاب لما في القول مِنْ قِدَمِه العرشُ يُفْرِدُ ما الكرسيَّ يَقْسِمُهُ إنّ الحدوثَ له وَجْهٌ لمُحدِثِهِ وآخرُ ناظرٌ منه إلى عَدَمِهْ قال الله جل جلاله: ﴿مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم تُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ تُحْدَثٍ﴾ [الشعراء: ٥] اعلم أن هذا تنبيه من الحق على أن كل كلام في العالم كلامه، لأنه ما أتى من الله إلينا إلا كل ذكر محدث، لأن الإتيان يحدث بلا شك في الآتي، وما أتى إلا من قام به الحادث، وليس إلا الصورة التي يتجلى فيها في أعين الناظرين ويتخلى عنها في أعين الناظرين، فما ثم إلا سامع ومتكلم وقائل ومقول له ومقول به ومقول وكله حسن إلا أنه بين حسن وأحسن، فكل كلام حسن، وما وافق الغرض من القول فهو أحسن، فالقول كله حسن، وأما قوله: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ اُلْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٤٨] فنفى المحبة أن يكون متعلقها الجهر بالسوء من القول، والسوء من القول أن يقول في القول إنه سوء ولا قائل به إلا الله والجهر بالسوء قد يكون قولاً وقد يكون في الأفعال التي لا تكون قولاً، فيريد بالجهر فيها ظهور الفحشاء من العبد كما قال ◌َّهُ: ((مَنْ بُلِيَ مِنْكُمْ بِهَذِهِ القَاذُورَاتِ فَلْيَسْتَتِرْ)) يعني لا يجهر بها، والسوء على نوعين: سوء شرعيّ وسوء ما يسوءك، وإن حمده الشرع ولم يذمه، فقد يكون هذا السوء من كونه يسوءك لا أن السوء فيه حكم الله كما قال تعالى: ﴿وَحَزَّوْاْ سِئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فالسيئة الأولى شرعية لأنه تعدى، والسيئة الأخرى ما يسوء المجازى عليها، وليس الجزاء بسيئة مشروعة لأن الله لا يشرع السوء. ولما وقع الاصطلاح في اللسان على السيىء والحسن نزل الشرع من عند الله بحسب التواطؤ، فهم سموه سوءاً وقالوا: إن ثم سوءاً، فقال الله ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٤٨] الذي سميتموه سوءاً لكونه لا يوافق أغراضكم كما قد سمعت: أن حسنات الأبرار سيئات المقرّبين، وليس ثم الأحسن بالنسبة سيىء بالنسبة على الحقيقة، فكل شيء من الله حسن ساء ذلك الشيء أم سرّ، فالأمر إضافي، فقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَ هُمُ اللَّهُ﴾ إلى معرفة الحسن والأحسن ﴿وَأُوْلَكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [الزمر: ١٨] يعني بالألباب المستخرجين لب الأمر المستور بالقشر صيانة له، فإن العين لا تقع إلا على الحجاب والمحجوب لأولي الألباب تنبيه على الصورة الحجابية التي يتجلى فيها الحق ثم يتحوّل عنها إلى حجاب، فما ثم في الحقيقة ١٥٥ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثاني والسبعون وأربعمائة إلا انتقال من حجاب إلى حجاب لأنه ما يتكرر تجل إلهي قط، فلا بد من اختلاف الصور والحق وراء ذلك كله فما لنا منه إلا الاسم الظاهر رؤية وحجاباً، وأما الاسم الباطن فلا يزال باطناً وهو اللب المعقول الذي يدركه أولو الألباب يعني يعلمون أن ثم لباً وهو هذا الذي ظهر حجاب عليه وليس إلا الاسم الظاهر وهو المسمى في الحالين، فمن قال بالرؤية صدق، ومن قال بنفي الرؤية صدق، فإن رسول الله وَ﴿ أثبت لنا الرؤية بقوله وَلّر: (تَرَوْنَ رَبَّكُمْ)) الحديث ونفى الرؤية، فإنه * سئل هل رأيت ربك؟ يعني ليلة الإسراء فقال يتعجب من السائل: ((نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» أي إنه نور، فلا أدرك النور لضعف الحدوث، والنور لله وصف ذاتي، والحدوث لنا كذلك نسبة ذاتية، فنحن لا نزال على ما نحن عليه وهو لا يزال على ما هو عليه، والراسخون في العلم الذين هداهم الله أي تولى تعليمهم بنفسه وأولئك هم أولو الألباب، فكان من العلم الذي علمهم أن ثم لباً مستوراً بقشر فصدق النافي والمثبت، فمن قال: إن الله ظاهر فما قال على الله إلا ما قال الله عن نفسه، ولا فائدة لكون الأمر ظاهراً إلا مشاهدته، فهو مشهود مرئي من هذا الوجه، ومن قال إن الله باطن فما قال على الله إلا ما قال الله عن نفسه، ولا فائدة لكون الأمر باطناً إلا أنه لا تدركه الأبصار فهو لا يشهد ولا يرى من هذا الوجه، فلما اتبع هذا الذاكر أحسن القول أدرك أن ثم لباً مستوراً حين قال الآخر إنه ليس ثمّ إلا هذا الذي وقع عليه البصر، فهو كمن لا يرى أن خلف هذه الصورة الظاهرة الإنسانية أمراً آخر يدبرها ويصرفها، ومن أبصر عنده صورة زيد فقد أبصره بلا شك، والذي اعترف باللب علم أن خلف هذه الصورة أمراً آخر هذا الأثر الظاهر من هذه الصورة لذلك الباطن المستور في هذا الحجاب دليله الموت مع بقاء الصورة وإزالة الحكم، فمن قال: إن زيداً عين ذلك المدبر لا عين الصورة وأن الصورة عنده لا فرق بينها وبين ما أجمعنا عليه من صورة مثله من خشب أو جص قال إنه ما رآه، ومن قال إن زيداً هو المجموع فهو الظاهر والباطن قال: رآه ما رآه، كما قال في المعنى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] فأحسن القول إثبات الأمرين على الوجهين [الطويل]: فما ثَمَّ مشهودٌ وما ثم شاهدٌ فمن قال شاهَدْناه يصدقُ قوله إذا اتَّصَفَتْ عَيْنٌ بِصَدْعِ ولَمْ تَزَلْ على السَّمْعِ عَوَّلْنَا فَكُنَا أُولي النُّهَى إذا كان معصوماً وقال فقوْلُه فعَقْلٌ وشَرْعْ صاحبان تَآلَفَا سوى واحدٍ والفَرْقُ يُعْقَلُ بالجَمْعِ ومن قال لم نشهد فللضعف والصَّذع بها صِفَةُ الصَّدْعِ المُزِيلَةُ للنَّفْعِ ولا عِلْمَ فيما لا يكون عن السّمْعِ هو الحقّ لا يأتيه مَيْنٌ على القَطْعَ فبُورِكَ مِنْ عَقْلٍ وبُورِكَ من شَرْعِ واعلم أن الاتباع إنما هو فيما حده لك في قوله ورسمه، فتمشي حيث مشى بك، وتقف حيث وقف بك، وتنظر فيما قال لك انظر، وتسلم فيما قال لك سلم، وتعقل فيما قال لك اعقل، وتؤمن فيما قال لك آمن، فإن الآيات الإلهية الواردة في الذكر الحكيم وردت متنوّعة وتنوّع لتنوعها وصف المخاطب بها فمنها: ﴿لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣] ١٥٦ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثالث والسبعون وأربعمائة و﴿لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤] و﴿لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس: ٦٧] و﴿لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩] و﴿لَيَاتٍ لِلْعَلِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢] و﴿آيات للمتقين﴾ و﴿لَأَيَتٍ لِأُوْلِىِ النُّهَى﴾ [طه: ٥٤] و﴿لَيَتٍ لِّأُوْلِى الْأَلْبَبِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] و﴿آيات لأولي الأبصار﴾ ففصل كما فصل ولا تتعدّ إلى غير ما ذكر، بل نزل كل آية وغيرها بموضعها. وانظر فيمن خاطب بها وكن أنت المخاطب بها فإنك مجموع ما ذكر، فإنك المنعوت بالبصر والنهى واللب والعقل والتفكر والعلم والإيمان والسمع والقلب، فأظهر بنظرك بالصفة التي نعتك بها في تلك الآية الخاصة تكن ممن جمع له القرآن فاجتمع عليه فاستظهره فكان من أهله بل هو عين القرآن، إذا كان على هذا الوصف وهو من أهل الله وخاصته فالقول كله حسن وأحسن وما ثم سوء إلا في المقول عنه ذلك هو السوء أو في المتكلم به ليس في القول [الخفيف]: إنّما القُبْحُ في الذي قيل عَنْهُ ليس في القَوْل والكلام قَبِیحْ أو قيل أو تكلم به أو تكلم عنه، فافهم ذلك وخذ الوجود كله على أنه كتاب مسطور وإن قلت مرقوم فهو أبلغ فإنه ذو وجهين ناطق بالحق وعن الحق تكن من الذين هداهم الله أي وفقهم بما أعطاهم من البيان وأولئك هم أولو الألباب الغواصون على خفايا الأمور وحقائقها المستخرجون كنوزها والحالون عقودها ورموزها، والعالمون بما تقع به الإشارات في الموضع الذي تسمح فيه العبارات، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثالث والسبعون وأربعمائة في حال قطب كان منزله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] [نظم: الوافر] وتَوْحِيدُ الكَثِيرِ هو الوُجُودُ بتَوْ حيدِ الإلهِ يقولُ قَوْمٌ بأنَّ الله يفعل ما يُرِيدُ ومن أسمائه الحُسْنَى عَلِمْنا هو المَوْلَى ونحن له عَبِيدُ فكان بنا الإِلُهُ وفيه كُنَّا اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن الله أمرنا بتوحيده في ألوهته فلا إله إلا هو، كما نهانا عن التفكر في ذاته، فعصاه أهل النظر في ذلك ممن يزعم أنه من أهل الله كالقدماء وغيرهم من المتكلمين وبعض الصوفية كأبي حامد وغيره في مضنونه وغير مضنونه، واحتجوا بأمور هي عليهم لا لهم، وبعد استيفاء النظر أقرّوا بالعجز، فلو كان ثم علم وإيمان حق وصدق لكان ذلك في أوّل قدم فتعدوا حدود الله التي هي أعظم الحدود وجعلوا ذلك التعدي قربة إليه ولم يعلموا أن ذلك عين البعد منه وعند كشف الغطاء يظهر من أعطى ومن أعطي [الرجز]: أَفَرَسٌ تَخْتَكَ أم حِمَارُ سوف ترى إذا انْجَلَى الغُبَارُ فالصورة صورة فرس والخبرة خبرة حمار، هذا الذكر يعطي الذاكر به رجاء عظيماً وفتحاً مبيناً، وذلك أن الله تعالى خاطب في هذه الآية المسلمين والذين عبدوا غير الله قربة إلى الله فما عبدوا إلا الله فلما قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] فأكدوا ١٥٧ في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثالث والسبعون وأربعمائة وذكروا العلة، فقال الله لنا: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ﴾ والإله الذي يطلب المشرك القربة إليه بعبادة هذا الذي أشرك به ﴿لَوَاحِدٌ﴾ [الصافات: ٤] كأنكم ما اختلفتم في أحديته فقال ﴿ وَإِلَهُكُرْ﴾، فجمعنا وإياهم ﴿إِلَهٌ وَحٌِ﴾ [البقرة: ١٦٣] فما أشركوا إلا بسببه فيما أعطاهم نظرهم، ومن قصد من أجل أمر ما فذلك الأمر على الحقيقة هو المقصود لا من ظهر أنه قصد، كما يقال: من صحبك لأمر أو أحبك لأمر ولى بانقضائه، ولهذا ذكر الله أنهم يتبرؤون منهم يوم القيامة، وما أخذوا إلا من كونهم فعلوا ذلك من نفوسهم لا أنهم جهلوا قدر الله في ذلك، ألا ترى الحق لما علم هذا منهم كيف قال: ﴿وَإِلَهُّكُمْ إِلَهٌ وَحٌِ﴾ ونبههم فقال: ﴿قُلْ سَنُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣] فيذكرونهم بأسمائهم المخالفة أسماء الله، ثم وصفهم بأنهم في شركهم ﴿قَدْ ضَلُواْ ضَلَلًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٦٧] ومبيناً لأنهم أوقعوا أنفسهم في الحيرة لكونهم عبدوا ما نحتوا بأيديهم وعلموا أنه لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم من الله شيئاً فهي شهادة من الله بقصور نظرهم وعقولهم. ثم أخبرنا الله أنه قضى أن لا نعبد إلا إياه بما نسبوه من الألوهة لهم أي جعلوهم كالنواب لله والوزراء كأن الله استخلفهم، ومن عادة الخليفة أن يكون في رتبة من استخلفه عند المستخلف عليه، فلهذا نسبوا الألوهة لهم ابتداء من غير نظر فيمن جعل ذلك وقول من قال : ﴿أَجَعَلَ اَلْأَلِمَةَ إِلَهَا وَجِدًّا﴾ [ص: ٥] إنما كان من أجل اعتقادهم فيما عبدوه أنهم آلهة دون الله المشهود له عندهم بالعظمة على الجميع، فأشبه هذا القول ما ثبت في الشرع الصحيح من اختلاف الصور في التجلي، ومعلوم عند من يشاهد ذلك أن الصورة ما هي هذه الصورة، وكل صورة لا بد أن يقول المشاهد لها أنها الله، لكن لما كان هذا من عند الله وذلك الآخر من عندهم أنكر عليهم التحكم في ذلك كما ثبت في قوله تعالى: ﴿فَأَتْنَمَا تُوَلُّواْ فَتَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] هذا حقيقة، فوجه الله موجود في كل جهة يتولى أحد إليها، ومع هذا لو تولى الإنسان في صلاته إلى غير الكعبة مع علمه بجهة الكعبة لم تقبل صلاته لأنه ما شرع له إلا استقبال هذا البيت الخاص بهذه العبادة الخاصة، فإذا تولى في غير هذه العبادة التي لا تصح إلا بتعيين هذه الجهة الخاصة فإن الله يقبل ذلك التولي كما أنه لو اعتقد أن كل جهة يتولى إليها ما فيها وجه الله لکان کافراً أو جاهلاً، ومع هذا فلا يجوز له أن يتعدى بالأعمال حيث شرعها الله ولهذا اختلفت الشرائع، فما كان محرّماً في شرع ما حلله الله في شرع آخر، ونسخ ذلك الحكم الأوّل في ذلك المحكوم عليه بحكم آخر في عين ذلك المحكوم عليه قال الله تعالى : ﴿يَكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَّأَ﴾ [المائدة: ٤٨] فما نسخ من شرع واتبعه من اتبعه بعد نسخه فذلك المسمى هوى النفس الذي قال الله فيه لخليفته داود: ﴿إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةُ فِ اٌلْأَرْضِ فَأَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ يعني الحق الذي أنزلته إليك ﴿وَلَا تَنَِّعِ الْهَوَى﴾ وهو ما خالف شرعك ﴿فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] وهو ما شرعه الله لك على الخصوص، فإذا علمت هذا وتقرر لديك علمت أن الله إله واحد في كل شرع عيناً وكثير صورة وكوناً، فإن الأدلة العقلية تكثره باختلافها فيه وكلها حق ومدلولها صدق، والتجلي في الصورة يكثره أيضاً لاختلافها والعين واحدة، فإذا كان الأمر هكذا فما تصنع أو كيف يصح لي أن أخطىء قائلاً ولهذا ١٥٨ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الرابع والسبعون وأربعمائة لا يصح خطأ من أحد فيه وإنما الخطأ في إثبات الغير وهو القول بالشريك فهو القول بالعدم لأن الشريك ليس تم ولذلك لا يغفره الله لأن الغفر الستر ولا يستر إلا من له وجود والشريك عدم فلا يستر فهي كلمة تحقيق ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] لأنه لا يجده فلو وجده لصح وكان للمغفرة عين تتعلق بها، وما في الوجود من يقبل الأضداد إلا العالم من حيث ما هو واحد وفي هذا الواحد ظهرت الأضداد وما هي إلا أحكام أعيان الممكنات في عين الوجود التي بظهورها علمت الأسماء الإلهية المتضادّة وأمثالها، فإذا علمت هذا فقل بعد ذلك ما شئت، أما كثرة الأسماء أظهرت كثرة الأحكام، وأما كثرة الأحكام أظهرت كثرة الأسماء فإنه أمر لا ينكره عقل ولا شرع، فالوجود يشهد له، وما بقي إلا ما ذكرناه إلى من ينسب الحكم هل للأسماء الإلهية أم للممكنات الكونية وهما مرتبطان محكوم بهما في عين واحدة [الطويل]: وماذا يَفُوتُ القائلين بجَهْلِهِمْ فيا خَيْبَةَ الجُهَّال ماذا يَفُوتُهُمْ من أجل الذي قد قلت فيهم من أهْلِهِمْ فقد قلت هذا ثم هذا، فإنني فمن وحد ما أنصف ومن أشرك فما أصاب هو تعالى واحد لا بتوحيده موحد ولا بتوحيد لنفسه لأنه واحد لنفسه، فما أحديته مجعولة ولا أحدية كثرته مجهولة، وما ثم إلا عدم ووجود، فالوجود له والعدم ليس له لكن له الإعدام، ولا يقال: والعدم لغيره فتثبت عين ما تنفي فتجوز في اللفظ، وما بين الوجود والعدم ما لا يتصف بالوجود ولا بالعدم وهو العالم معطي الأحكام لعين الوجود والصور لعين الشهود والمدلولات لأدلة العقود، فشاهد ومشهود، وعاقد ومعقود، وموجد وموجود، وما ثم أمر مفقود فقد تميزت الحدود بل ميزت كل محدود، وما ثم إلا محدود لمن عرف العدم والوجود، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الرابع والسبعون وأربعمائة في حال قطب كان منزله: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنَفَذِّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَانٍ﴾ [النحل: ٩٦] [نظم: الوافر] فزالَ نَفَادُنا فلنا البَقَاءُ أنا عِنْدَ الذي ما زال عِنْدِي فكان له السَّنا ولنا السَّناءُ تَقَاسَمْنَا الوُجُودَ على سَواءٍ فنحن به له فلنا الثَّنَاءُ به فانْظُزْ إذا ما قُلْتَ أنا نَزِيهاً لا يُنَهْنِهُهُ اللّقاءُ رَأَيْنَاهُ بغير اسمي وَحِيداً وأُسْبِلَ دون أعيُننا الغطاءُ فلمّا أن تَسَمَّى غاب عنّا قال الله عز وجل: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [النور: ٣٥] فله السنا، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] فله ولنا السناء بصعودنا إليه. وقال: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١]: [المتقارب] ١٥٩ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الرابع والسبعون وأربعمائة وليس الذي عنده عندنـا فنحن وما عندنا عنده ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [الحجر: ٢١] قلنا ولما عندنا البقاء فهو وإن نفد ما عندنا من عندنا فإنه لا ينفد من عنده ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الشورى: ٣٦] وما عند الله إلا العالم ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧٣] ممن هو عنده، كذا قال الله سبحانه في كتابه: ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَ﴾ لأن بقاء العالم إذا وصف بالوجود بإبقائه، وإذا أبقيناه على حاله مع ظهور أحكامه في عين الوجود فله البقاء وهو بكل حال لم يزل في درجة الإمكان فهي له باقية فهو خير وأبقى لأن له الحكم في عين الوجود والحكم لا يزال باقياً فهو خير وأبقى ممن هو منه خير وأبقى في هذا الحكم لما أعطى من العلم بنفسه للعالم به ﴿ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ لأنه لولا بقاء عينه ما كان لحكم هذا الممكن فيما يظهر فهو خير وأبقى ممن هو عنده خير وأبقى، فخير وأبقى ممن هو خير وأبقى [المتقارب]: سِوَانا وما عِنْدَنَا من سِوَاهْ فِعِنْدِيَّةُ الحَقّ مَا عِنْدَها وخَيْرِيَّةُ الكون ما لا نَرَاهْ فخَيْرِيَّةُ الحَقّ مشهودةٌ نافلما رأيناه كنّا حِمَاهُ فلمّا حَمَانَا أرانا حِمَا فعين ضلالتنا مِنْ هُدَاهُ فمنه إلينا ومنّا إليه فللعَبْدِ في ذا وذاك الذي رأيناه من حكمه ما نَوَاهُ فأعيان العالم محفوظون في خزائنه عنده وخزائنه علمه ومختزنه نحن، فنحن أثبتنا له حكم الاختزان لأنه ما علمنا إلا منا فكان طريقاً وسطاً بين شيئية ثبوتنا وشيئية وجودنا، فإذا أراد أن ينقلنا إلى شيئية وجودنا أمرنا عليه فاكتسبنا الوجود منه فظهرنا بصورته في شيئية وجودنا وصورته ما نحن عليه في شيئية ثبوتنا فإن علمه عين ذاته، وإنما سمي علماً لتعلقه بالمعلوم والتعلق محبة، فلو كان العدم وسطاً بين شيئية الثبوت وشيئية الوجود لكان إذا أراد إيجادنا مر بنا على العدم فاكتسبنا منه نفي شيئية الثبوت فلم نوجد لا في الثبوت ولا في الوجود، فلذلك لم يكن لنا طريق إلا على وجود الحق لنستفيد منه الوجود، فتفهم هذا الترتيب فإنه نافع مفيد فإنه يعطيك العلم بحكم المواطن وإنها تحكم بنفسها في كل من ظهر فيها، فمن مر على موطن انصبغ به، والدليل الواضح في ذلك رؤيتك الله تعالى في النوم وهو موطن الخيال، فلا ترى الحق فيه إلا في صورة جسدية كانت تلك الصورة ما كانت فهذا حكم الموطن قد حكم عليك في الحق أنك لا تراه إلا هكذا، كما أنك إذا دخلت موطن النظر العقلي وخرجت عن خزانة الخيال وموطنه لم تدرك الحق تعالى إلا منزهاً عن الصورة التي أدركته فيها في موطن الخيال، وإذا كان الحكم للموطن عرفت، إذا رأيت الحق ما رأيت وأثبت ذلك للموطن أعني ذلك الحكم حتى يبقى الحق لك مجهولاً أبداً فلا يحصل لك منه علم في نفسك إلا بتوحيد المرتبة له، وأما أن تعلم ذاته فمحال ذلك لأنك ما تخلو عن موطن تكون فيه يحكم عليك ذلك الموطن بأن لا ترى الحق إلا به فإنك تفارق ما أعطاك من العلم ١٦٠ في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الرابع والسبعون وأربعمائة به في موطن آخر فتحكم على الحق في كل موطن بحكم ما هو عين الحكم الذي حكمت به عليه في الموطن الذي قبله، فتعرف عند ذلك أنك ما تعرفه من حيث يعرف نفسه، وهذا غايتنا من العلم به تعالى، فما عندنا منه في موطن ينفد في موطن آخر فما عندنا ينفد وما عند الله باقٍ من علمه بنفسه لا يتغير ولا يتبدل ولا يتنوع لنفسه في نفسه بتنوع المواطن، فإن المواطن تنوعها لذاتها، ولو لم تتنوع لكانت موطناً واحداً، كما أن الأسماء لو لم تختلف معانيها لكانت اسماً واحداً كما هي واحد من حيث مسماها في مثل قوله ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنّ﴾ [الإسراء: ١١٠] هذا من حيث المسمى فإنه قال: ﴿أَيَّا مَا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىّ﴾ [الإسراء: ١١٠] فوحد لما أراد المسمى ولم يراع اختلاف الحقائق التي تدل عليه ألفاظ هذه الأسماء الحسنى، فإن لم تعلم قوله: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنْفَدُّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَانٍ﴾ [النحل: ٩٦] على ما أعلمتك به فما علمت إلا صورة صحيحة لا روح لها، فإذا علمت الأمر كما أعلمتك به نفخت في تلك الصورة الظاهرة روحاً تحيى به فكنت خالقاً داخلاً في جملة من وصف الله نفسه بالفضل عليه في ذلك فقال تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِفِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فأثبتك وكل من أنشأ صورة بغير روح فذلك هو المصوّر الذي يعذب بما صوره يوم القيامة بأن يقال له هنالك أحي ما خلقت وليس بمحيي، ويقال له: انفخ فيها روحاً وليس بنافخ، وهذا من حكم الموطن لأن ذلك الموطن أعني موطن يوم الحشر يعطي ظهور عجز العالم عما كان ينسب إليه في موطن الدنيا من الاقتدار عليه، كان عيسى عليه السلام ينفخ في الطائر الذي خلقه روحاً فيكون طائراً بالصورة والمعنى، وقيل: ليس إلا صورة طائر لا طائراً ولذلك قال عز وجل: ﴿كَهََّةِ اَلَّيْرِ﴾ [آل عمران: ٤٩] ما قال طيراً حتى حصل فيه الروح، وقد ثبت عندنا عن ذي النون المصري أنه أحيى ابن العجوز بإذن الله الذي التقمه التمساح، وأن أبا يزيد أحيى النملة بإذن الله، كما أن موطن الخيال يعطي في أعين الناظرين حياة الجمادات وحركتها وهي في نفسها ليست بتلك الحياة التي تدركها الأبصار كحبال سحرة موسى عليه السلام وعصيهم يخيل إلى موسى من سحرهم أنها تسعى الذي سحروا به أعين الناس، فتلك حبال نشأت بين الخيال وبين أعين الناظرين كصورة السماء في المرآة فما هي السماء ولا غير السماء، فإنك تعلم قطعاً أن الجرم الذي رأيت في المرآة أقل من جرم السماء وأكبر من جرم المرآة، وتعلم قطعاً أنك ما رأيت إلا السماء عينها، فلهذا جعلنا الحكم للمواطن، فلا يجيء من العالم أمر يسمى خرق عادة إلا بإذن الله فبغير إذن الله ما يصح ولهذا ما يكون من كل أحد ظهور ذلك وإن كنا نعلم أنه ما يحدث صورة في العالم إلا والحياة تصحبها وهي روحها وبذلك الروح تكون تلك الصورة مسبحة، فالروح تسبح الله تعالى، والصورة مسبحة بالروح ربها تعالى [مخلع البسيط]: ولَسْتَ تدري الذي يَقُولُ فقد عَلِمْتَ الذي أقولُ فإنه الناطقُ الـقَـؤُولُ ولستُ أدري الذي نَقُولُ